Полный текст (2 431 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
كَأَنَّهَا لَمْ تَنْقُصْ.
قَالَ الضِّيَاءُ: وَسَمِعْتُ الإِمَامَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَرَ (١) يَقُولُ: دَعَانِي الشَّيْخُ مَرَّةً، وَكُنْتُ أَخَافُ مِنْ ضَرَرِ الأَكْلِ، فَابْتَدَأَنِي وَقَالَ: إِذَا قَرَأَ الإِنْسَانُ قَبْلَ الأَكْلِ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ (٢) وَ: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١)﴾ (٣)، ثُمَّ أَكَلَ، فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّهُ.
وَسَمِعْتُ الإِمَامَ أَبَا بَكْرٍ عَبْدَ اللهِ بْنَ الحَسَنِ بْنِ النَّحَّاسِ (٤)، يَقُوْلُ: كَانَ وَالِدِي يُحِبُّ الشَّيْخَ أَبَا عُمَرَ، فَقَالَ لِي يَوْمَ جُمَعَةٍ: أَنَا أُصَلِّي الجُمُعَةَ خَلْفَ الشَّيْخِ، وَمَذْهَبِي أَنَّ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مِنَ الفَاتِحَةِ، وَمَذْهَبُهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الفَاتِحَةِ، وَأَخَافُ أَنْ يَكُونَ فِي صَلَاتِي شَيْءٌ، فَمَضَيْنَا إِلَى المَسْجِدِ، فَوَجَدْنَا الشَّيْخَ، فَسَلَّمَ عَلَى وَالِدِي وَعَانَقَهُ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَخِي، صَلِّ وَأَنْتَ طَيِّبُ القَلْبِ؛ فَإِنَّنِي مَا تَرَكْتُ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فِي نَافِلَةٍ، وَلَا فَرِيْضةٍ، مُنْذُ أُمِّمْتُ بِالنَّاسِ، فَالْتَفَتَ إِلَيَّ وَالِدِي وَقَالَ: احْفَظْ.
وَكَانَ بَعْضُ النَّاسِ يُرْسِلُ إِلَى الشَّيْخِ فِي كُلِّ سَنَةٍ شَيْئًا فَيَقْبَلُهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مَرَّةً دِيْنَارَيْنِ فَرَدَّهُمَا فَتَأَلَّمَ، ثُمَّ فَكَّرَ فِيْهِمَا، فَوَجَدَهُمَا مِنْ جِهَّةِ غَيْرِ стр. 1262
طَيِّبَةٍ، قَالَ: فَبَعَثَ إِلَيْهِ غَيْرَهُمَا فَقَبِلَهُمَا.
قَالَ الضِّيَاءُ: وَسَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُثْمَانَ (١)، قَالَ: جَاءَ رَجُلَانِ إِلَى الشَّيْخِ أَبِي عُمَرَ، فَقَالَا لَهُ: إِنَّ قُرَاجَى [قَدْ أَخَذَ فُلَانًا وَحَبْسِهِ، فَادْعُ عَلَيْهِ، فَبَاتَا عِنْدَ الشَّيْخِ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الغَدِ قَالَ: قُضِيَتِ الحَاجَةُ، وَإِذَا جَنَازَةُ قُرَاجَى] (٢) عَابِرَةٌ، وأَطَالَ الضِّيَاءُ تَرْجَمَةَ الشَّيْخِ أَبِي عُمَرَ، وَكَذلِكَ أَبُو المُظَفَّرِ سِبْطُ ابنِ الجَوْزِيِّ فِي "المِرْآةِ" وَقَالَ: كَانَ مُعْتَدِلَ القَامَةِ، حَسَنَ الوَجْهِ، عَلَيْهِ أَنْوَارُ العِبَادَةِ، لَا يَزَالُ مُبْتَسِمًا، نَحِيْلَ الجِسْمِ مِنْ كَثْرَةِ الصِّيَامِ وَالقِيَامِ، قَالَ: وَكَانَ إِذَا نَزَلَ مِنَ "الجَبَلِ" لِزِيَارَةِ القُبُوْرِ، أَوْ غَيْرِ ذلِكَ جَمَعَ الشِّيْحَ مِن "الجَبَلِ" وَرَبَطَهُ بِحَبْلٍ، وَحَمَلَهُ إِلَى بُيُوْتِ الأَرَامِلِ وَاليَتَامَى، وَيَحْمِلُ فِي اللَّيْلِ إِلَيْهِمْ الدَّراهِمْ وَالدَّقِيْقِ، وَلا يَعْرِفُوْنَهُ، قَالَ: وَمَا نَهَرَ أَحَدًا، وَلَا أَوْجَعَ قَلْبَ أَحَدٍ، وَكَانَ يَقُوْلُ: أَنَا زَاهِدٌ، وَلَكِنْ فِي الحَرَامِ، وَلَمَّا نَزَلَ صَلَاحُ الدِّيْنِ عَلَى "القُدْسِ" كَانَ هُوَ وَأَخُوهُ المُوَفَّقُ وَالجَمَاعَةُ فِي خَيْمَةٍ، فَجَاءَ العَادِلُ إِلَى زِيَارَتِهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، فَمَا قَطَعَهَا، وَلَا الْتَفَتَ إِلَيْهِ، وَلَا تَرَكَ وِرْدَهُ، وَكَانَ يَصْعَدُ المِنْبَرَ فِي "الجَبَلِ" وَعَلَيْهِ ثَوْبُ خَامٍ مَهْدُوْلُ стр. 1263
الجَيْبِ، وَفِي يَدِهِ عَصًا، وَالمِنْبَرُ يَوْمَئِذٍ ثَلَاثُ مَرَاقٍ، وَكَانَ يُجَاهِدُ فِي سَبِيْلِ اللهِ، وَيَحْضُرُ الغَزَوَاتِ مَعَ صَلَاحِ الدِّينِ.
وَكَانَ أَخُوْهُ المُوَفَّقُ يَقُوْلُ عَنْهُ: هُوَ شَيْخُنَا، رَبَّانًا وَأَحْسَنَ إِلَيْنَا، وَعَلَّمَنَا، وَحَرِصَ عَلَيْنَا، وَكَانَ لِلْجَمَاعَةِ كَالوَلَدِ يَقُومُ بمَصَالِحِهِمْ، وَمَنْ غَابَ مِنْهُمْ خَلفَهُ فِي أَهْلِهِ، قَالَ: وَكَانَ أَبِي أَحْمَدُ قَدْ تَخَلًّى عَنْ أُمُوْرِ الدُّنْيَا وَهمُوْمِهَا، فَكَانَ المَرْجِعُ فِي مَصَالِحِ الأَهْلِ إِلَيْهِ، وَهُوَ الَّذِي هَاجَرَ بِنَا، وَسَفَّرَنَا إِلَى "بَغْدَادَ" وَبَنَى الدَّيْرَ، فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ "بَغْدَادَ" زَوَّجَنَا وَبَنَى لَنَا دُوْرًا خَارِجَةً عَنِ الدَّيْرِ وَكَفَانَا هُمُوْمَ الدُّنْيَا، وَكَانَ يُؤثِرُنَا، وَيَدَعُ أَهْلَهُ مُحْتَاجِيْنَ، وَبَنَى المَدْرَسَةَ وَالمَصْنَعَ بِعُلُوِّ هِمَّتِهِ، وَكَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ، وَمَا كَتَبَ لأَحَدٍ وَرَقَةً للْحُمَى إِلَّا شَفَاهُ اللهُ تَعَالَى.
قَالَ أبو المُظَفرِ (١): وَكَرَامَاتُهُ كَثِيْرَةٌ، وَفَضَائِلُهُ غَزِيْرَةٌ، فَمِنْهَا: أَنِّي صَلَّيْتُ يَوْمَ جُمُعَةٍ بِجَامِعِ الجَبَلِ فِي أَوَّلِ سنَةِ سِتٍّ وَسِتِّمَائَةَ، وَالشَّيْخُ عَبْدُ اللهِ اليُوْنَانِي (٢) إِلَى جَانِبِي، فَلَمَّا كَانَ فِي آخِرِ الخُطْبَةِ وَأَبُو عُمَرَ يَخْطُبُ نَهِضَ الشَّيْخُ عَبْدُ اللهِ مُسْرِعًا، وَصَعَدَ إِلَى مَغَارَةٍ قَرِيْبَةٍ وَكَانَ نَازِلًا بِهَا، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ احْتَاجَ إِلَى الوُضُوْءِ، أَوْ آلَمَهُ شَيءٌ، فَلَمَّا صَلَّيتُ الجُمُعَةَ صَعَدْتُ وَرَاءَهُ، وَقُلْتُ لَهُ: стр. 1264
خَيْرٌ مَا الَّذِي أَصَابَكَ؟ فَقَالَ: هَذَا أَبُو عُمَرَ، مَا تَحِلُّ خَلْفَهُ صَلَاةٌ، قُلْتُ: وَلِمَ؟ قَالَ: لأَنَّهُ يَقُوْلُ علَى المِنْبَرِ مَا لَا يَصْلُحُ. قُلْتُ: وَمَا الَّذِي يَقُوْلُ؟ قَالَ المَلِكُ العَادِلُ، وَهُوَ ظَالِمٌ، فَمَا يَصْدُقُ، وَكَانَ أَبُو عُمَرَ يَقُوْلُ فِي آخِرِ الخُطْبَةِ: اللَّهُمَّ، أَصْلِحْ عَبْدَكَ المَلِكَ العَادِلَ سَيْفَ الدِّيْنِ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَيُّوبٍ، فَقُلْتُ لَهُ: إِذَا كَانَتِ الصَّلَاةُ خَلْفَ أَبِي عُمَرَ لَا تَصِحُّ، فَيَا لَيْتَ شِعْرِي خَلْفَ مَنْ تَصِحُّ؟ وَبَيْنَا نَحنُ فِي الحَدِيْثِ، وَإِذَا بِالشَّيْخِ أَبِي عُمَرَ قَدْ دَخَلَ وَمَعَه مِئْزَرٌ، فَسَلَّمَ وَحَلَّ المِئْزَرَ، وَفِيْهِ رَغِيْفٌ وَخِيَارَتَانِ، فَكَسَرَ الجَمِيعَ، وَقَالَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ الصَّلَاةُ (١)، ثُمَّ قَالَ ابْتِدَاءً، قَدْ جَاءَ فِي الحَدِيْثِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ (٢) قَالَ: "وُلِدْتُ فِي زَمَنِ المَلِكِ العَادِلِ كِسْرَى" فَنَظَرَ إِلَى الشَّيْخِ عَبْدِ اللهِ: وَتَبَّسَمَ، وَمَدَّ يَدَهُ فَأَكَلَ، وَقَامَ أَبُو عُمَرَ فَنَزَلَ، فَقَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ اللهِ: مَاذَا إِلَّا رَجلٌ صَالِحٌ.
قَالَ أَبُو المَظَفَّرِ: وَقُلْتُ لَهُ يَوْمًا: أَوَّلُ مَا قَدِمْتُ "الشَّامَ" مَا كَانَ يَرُدُّ أَحَدًا فِي شَفَاعَتِهِ إِلَى مَنْ كَانَ، وَقَدْ كَتَبَ وَرَقَةٍ إِلَى المَلِكِ المُعَظَّمِ عِيسَى بْنِ العَادِلِ، وَقَالَ فِيْهَا: إِلَى الوَالِدِ المَلِكِ المُعَظَّمِ، فَقُلْتُ لَهُ: كَيْفَ تَكْتُبُ هَذَا وَالمَلِكُ المُعَظَّمُ علَى الحَقِيْقَةِ هُوَ اللهُ تَعَالَى؟ فَتَبَسَّمَ ورَمَى بِالوَرَقَةِ، وَقَالَ: تَأَمَّلَهَا وَإِذَا بِهِ لَمَّا كَتَبَ "المَلِكِ المُعَظِّمِ" كَسَرَ الظَّاءَ، فَصَارَ المُعَظِّمِ، стр. 1265
وقَالَ: لَا بُدَّ أَنْ يَكوْنَ يَوْمًا قَدْ عَظَّمَ اللهَ تَعَالَى، فَعَجِبْتُ مِنْ وَرَعِهِ وَتَحَفُّظِهِ فِي مَنْطِقِهِ عَنْ مِثْلِ هَذَا.
قَالَ أَبُو المُظَفَّرِ: وَأَصَابَنِي قُوْلَنْجُ (١) عَانَيْتُ مِنْهُ شِدَّةً، فَدَخَلَ عَلَيَّ أَبُو عُمَرَ وَبِيَدِهِ خَرُّوْبٌ شَامِيٌّ مَدْقُوقٌ، فَقَالَ: اسْتَفَّ هَذَا، وَكَان عِنْدِي جَمَاعَةٌ، فَقَالُوا: هَذَا يَزِيْدُ القُولَنْجَ وَيَضُرُّهُ، فَمَا الْتَفَتُّ إِلَى قَولِهِمْ، فَأَخَذْتُهُ مِنْ يَدِهِ فَأَكَلْتُهُ، فَبَرِأْتُ فِي الحَالِ. قَالَ: وَحَكَى الجَمَالُ البُصْرَاوِيُّ الوَاعِظُ قَالَ: أَصَابَنِي قُوْلَنْجُ فِي رَمَضَانَ، فَاجْتَهَدُوا فِي أَنْ أُفْطِرَ، فَلَمْ أَفْعَلْ، وَصَعَدْتُ إِلَى "قَاسِيُوْنَ" فَقَعَدْتُ مَوْضِعَ الجَامِعِ اليَوْمَ، وإِذَا بِالشَّيْخِ أَبِي عُمَرَ قَدْ أَقْبَلَ مِنَ الجَبَلِ، وَبِيَدِهِ حَشِيْشَةٌ، فَقَالَ: شُمَّ هَذِهِ تَنْفَعُكَ، فَأَخَذْتُهَا وَشَمَمْتُهَا، فَبَرِأْتُ.
وَقَرَأْتُ بِخَطِّ النَّاصِحِ بْنِ الحَنْبَلِيِّ: كَانَ أَبُو عُمَرَ فَقِيْهًا، زَاهِدًا، عابِدًا، كَتَبَ بِخَطِّهِ كَثِيْرًا مِنْ كُتُبِ الحَدِيْثِ، وَالفِقْهِ عَلَى مَذْهَبِ الإِمَامِ أَحْمَدَ، وَكِتَابَ "المُغْنِي" لأَخِيْهِ، وَكَانَ مَعَ ذلِكَ لَهُ أَوْرَادٌ مِنَ الصَّلَاةِ وَالتِّلَاوَةِ، يَقُوْمُ بِهَا، وَحَجَّ وَغَزَا وَكَانَ شَيْخَ جَمَاعَتِهِ، مُطَاعًا فِيْهِمْ، مُحْتَرِمًا عِنْدَ نُوْرِ الدِّينِ مَحْمُوْدِ بْنِ زَنْكِيِّ، وَزَارَهُ وَبَنَى لَهُمْ فِي الجَبَلِ مَسْجِدًا وَسِقَايَةً.
وَقَالَ غَيْرُهُ: لَهُ آثَارٌ جَمِيْلَةٌ، مِنْهَا: "مَدْرَسَتُه" بِالجَبَلِ، وَهِيَ وَقْفٌ стр. 1266
علَى القُرْآنِ وَالفِقْهِ، وَقَدْ حَفِظَ القُرْآنَ فِيْهَا أُمَمٌ لَا يُحْصَوْنَ. وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ: أَنَّ الشَّيْخَ أَبَا عُمَرَ قُطْبٌ، وَأَقَامَ قُطْبَ الوَقْتِ قَبْلَ مَوْتِهِ سِتَّ سِنِيْنَ.
وَقَالَ أَبُو المُظَفَّرِ: كَانَ علَى مَذْهَبِ السَّلَفِ الصَّالِحِ، حَسَنَ العَقِيْدَةِ، مُتَمَسِّكًا بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَالآثَارِ المَرْوِيَّةِ وَغَيْرِهَا كَمَا جَاءَتْ، مِنْ غَيْرِ طَعْنٍ عَلَى أَئِمَّةِ الدَّيْنِ وَعُلَمَاءِ المُسْلِمِيْنَ. وَيَنْهَى عَنْ صُحْبَةِ المُبْتَدِعِيْنَ، وَيَأْمُرُ بِصُحْبَةِ الصَّالِحِيْنَ، قَالَ: وَأَنْشَدَنِي لِنَفْسِهِ (١):
أُوْصِيْكُمْ فِي القَوْلِ بِالقُرْآنِ … بِقَوْلِ أَهْلِ الحَقِّ وَالإِتْقَانِ
لَيْسَ بِمَخْلُوْقٍ وَلَا بِفَانِي … لكِنْ كَلَامُ المَلِكِ الدَّيَّانِ
آيَاتُهُ مُشْرِقَةُ المَعَانِي … مَتْلُوَّةٌ فِي اللَّفْظِ بِاللِّسَانِ
مَحْفُوْظَةٌ فِي الصَّدْرِ وَالجَنَانِ … مَكْتُوْبَةٌ فِي الصُّحْفِ بِالبَنَانِ
وَالقَوْلُ فِي الصِّفَاتِ يَا إِخْوَانِي … كَالذَّاتِ وَالعِلْمِ مَعَ البَيَانِ
إِمْرَارُهَا مِنْ غَيْرِ مَا كُفْرَانِ … مِنْ غَيْرِ تَشْبِيْهِ وَلَا عُدْوَانِ
قَالَ: وَأَنْشَدَنِي لِنَفْسِهِ (٢): стр. 1267
أَلَمْ يَكُ مَلْهَاةُ عَنِ اللَّهْوِ أَنَّنِي … بَدَالِيَ شَيْبُ الرَّأْسِ وَالضَّعْفُ وَالأَلَمْ
أَلَمَّ بِي الخَطْبُ الَّذِي لَوْ بَكَيْتُهُ … حَيَاتِيَ حَتَّى يَنْفَدُ الدَّمْعُ لَمْ أُلَمْ
قَالَ أَبُو المُظَفَّرِ: وَكَانَ سَبَبُ مَوْتِهِ: أَنَّهُ حَضَرَ مَجْلِسِي بِـ "قَاسِيُوْنَ" فِي الجَامِعِ، مَعَ أَخِيْهِ المُوَفَّقِ، وَالعِمَادِ، وَالجَمَاعَةِ، وَكَانَ قَاعِدًا فِي البَابِ الكَبِيْرِ، وَجَرَى الكَلَامُ فِي رُؤْيَةِ اللهِ تَعَالَى وَمُشَاهَدَتِهِ، وَاسْتغْرَقْتُ فِي ذلِكَ، وَكَانَ وَقْتًا عَجِيْبًا، وَأَبُو عُمَرَ جَالِسٌ إِلَى جَانِبِ أَخِيْهِ المُوَفَّقِ، فَقَامَ وَطَلَبَ بَابَ الجَامِعِ، وَلَمْ أَرَهُ، فَالْتَفَتُّ، فَإِذَا بَيْنَ يَدَيْهِ شَخْصٌ يُرِيْدُ الخُرُوْجَ مِنَ الجَامِعِ، فَصِحْتُ عَلَى الرَّجُلِ: اقْعُدْ، فَظَنَّ أَبُو عُمَرَ أَنَّنِي أُخَاطِبُهُ، فَجَلَسَ علَى عَتَبَةِ بَابِ الجَامِعِ الجُوَّانِيَّةِ إِلَى أَنْ فَرَغَ المَجْلِسُ، ثُمَّ حُمِلَ إِلَى الدَّيْرِ، فَكَانَ آخِرُ العَهْدِ بِهِ، وَأَقَامَ مَرِيْضًا أَيَّامًا، وَلَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا مِنْ أَوْرَادِهِ، فَلَمَّا كَانَ عَشِيَّةَ الاثْنَيْنِ ثَامِنَ عَشَرَ رَبِيْعِ الأَوَّلِ، يَعْنِي سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّمِائَةَ، جَمَعَ أَهْلَهُ، وَاستَقْبَلَ القِبْلَةَ، وَوَصَّاهُمْ بِتَقْوَى اللهِ وَمُرَاقَبَتِهِ، وَأَمَرَهُمْ بِقِرَاءَةِ "يَس" وَكَانَ آخِرُ كَلَامِهِ (١): ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾، وَتُوُفِّيَ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - وَغُسِّلَ فِي السَّحَرِ، وَمَنْ وَصَلَ إِلَى المَاءِ الَّذِي غُسِّلَ بِهِ نَشَّفَ بِهِ النِّسَاءُ مُقَانِعَهُنَّ، وَالرِّجَالُ عَمَائِمَهُمْ، وَلَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ جَنَازَتِهِ أَحَدٌ مِنَ القُضَاةِ، وَالعُلَمَاءِ، وَالأُمَرَاءِ، وَالأَعْيَانِ، وَعَامَّةِ الخَلْقِ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُوْدًا، وَلَمَّا خَرَجُوا بِجَنَازَتِهِ مِنَ الدَّيْرِ كَانَ يَوْمًا شَدِيْدَ الحَرِّ، فَأَقْبَلَتْ غَمَامَةٌ فَأَظَلَّتِ النَّاسَ إِلَى قَبْرِهِ، وَكَانَ يُسْمَعُ مِنْهَا стр. 1268
دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، وَلَوْلَا المُبَارِزُ المُعْتَمِدُ، وَالشُّجَاعُ بْنُ مُحَارِبٍ، وَشِبْلُ الدَّوْلَةِ الحُسَامِيُّ مَا وَصَلَ إِلَى قَبْرِهِ مِنْ كَفَنِهِ شَيْءٌ، وَإِنَّمَا أَحَاطُوا بِهِ بِالسُّيُّوْفِ وَالدَّبَابِيْسِ، وَكَانَ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِلَيْلَةٍ رَأَى إِنْسَانٌ كَأَنَّ "قَاسِيُوْنَ" قَدْ وَقَعَ أَوْ زَالَ مِنْ مَكَانِهِ فَأَوَّلُوْهُ بِمَوْتِهِ، وَلَمَّا دُفِنَ رَأَى بَعْضُ الصَّالِحِيْنَ فِي مَنَامِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَقُوْلُ: مَنْ رَأَى أَبَا عُمَرَ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ فَكَأَنَّمَا رَأَى الكَعْبَةَ، فَاخْلَعُوا نِعَالَكُمْ قَبْلَ أَنْ تَصِلُوا إِلَيْهِ، وَمَاتَ عَنْ ثَمَانِيْنَ سَنَةٍ، وَلَمْ يُخَلِّفْ دِيْنَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَلَا قَلِيْلًا، وَلَا كَثِيْرًا، وَقالَ غَيْرُهُ: حُرِزَ مَنْ حَضَرَ جَنَازَتَهُ، فَكَانُوا عِشْرِيْنَ أَلْفًا.
وَذَكَرَ الضِّيَاءُ عَنْ عَبْدِ المَوْلَى بْنِ مُحَمَّدٍ: أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ عِنْدَ قَبْرِ الشَّيْخِ سُوْرَةَ "البَقَرَةِ"، وَكَانَ وَحْدَهُ، فَبَلَغَ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى (١): ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾ قَالَ: فَغَلِطْتُ، فَرَدَّ علَيَّ الشَّيْخُ مِنَ القَبْرِ؟! قَالَ: فَخِفْتُ وَفَزِعْتُ وَارْتَعَدْتُ وَقُمْتُ، ثُمَّ مَاتَ القَارِئُ بَعْدَ ذلِكَ بِأَيَّامٍ، وَهَذِهِ الحِكَايَةُ مَشْهُورَةٌ (٢)، قَالَ أَبُو شَامَةَ فِي "مُذَيَّلِهِ": أَوَّلُ مَا وَقَفْتُ علَى قَبْرِهِ وَزُرْتُهُ وَجَدْتُ - بِتَوْفِيْقِ اللهِ تَعَالَى رِقَّةً عَظِيْمَةً، وَبُكَاءً صَالِحًا، وَكَانَ مَعِي رَفِيْقٌ لِي، وَهُوَ الَّذِي عَرَّفَنِي قَبْرَهُ، وَجَدَ أَيْضًا مِثْلَ ذلِكَ، قَالَ: وَأَخْبَرَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا الثِّقَاتِ: أَنَّهُ رَأَى الإِمَامَ الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي المَنَامِ، فَسَأَلَهُ إِلَى أَيْنَ تَمْضِي؟ فَقَالَ: أَزُوْرُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، فَأَتْبَعْتُهُ أَنْظُرُ مَا يَصْنَعُ، стр. 1269
فَدَخَلَ دَارًا فَسَأَلْتُ: لِمَنْ هِيَ؟ فَقِيْلَ: للشَّيْخِ أَبِي عُمَرَ، ﵀.
وَقَدْ رَثَاهُ الأَدِيْبُ أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ (١) المَقْدِسِيُّ (٢) بِقَصِيْدَةٍ مِنْهَا:
أَبَعْدَ أَنْ فَقَدَتْ عَيْنِي أَبَا عُمَرٍ … تَضُمُّنِي فِي بَقَايَا العُمْرِ عُمْرَانُ
ما لِلْمَسَاجِدِ مِنْهُ اليَوْمَ مُقْفِرَةً … كَأَنَّهَا بَعْدَ ذاكَ الجَمْعِ قِيْعَانُ
مَا لِلْمَحَارِيْبِ بَعْدَ الأُنْسِ مُوْحِشَةً … كَأَنَّ لَمْ يُتْلَ فِيْهَا الدَّهْرَ قُرْآنُ
تَبْكِي عَلَيْهِ عُيُوْنُ النَّاسِ قَاطِبَةً … إِذْ كَانَ فِي كُلِّ قَلْبِ مِنْهُ نِيْرَانُ
وَكُلَّ حَيٍّ رَأَيْنَا فَهْوَ ذُو أَسَفٍ … وَكُلُّ مَيْتٍ رَآهُ فَهْوَ فَرْحَانُ،
لَا زَالَ يَسْقِي ضَرِيْحٌ أَنْتَ سَاكِنُهُ … سحَائِبٌ غَيْثُهَا عَفْوٌ وَغُفْرَانُ
كَمْ مَيِّتٍ ذِكْرُهُ حَيٌّ وَمُتَّصِفٍ … بِالحَيِّ مَيْتٌ لَهُ الأَثْوَابُ أَكْفَانُ стр. 1270
٢٥٦ - وَكَانَ وَالِدُهُ الشَّيْخُ أَبُو العَبَّاسِ أَحْمَدُ خَطِيْبُ (١) "جَمَّاعِيْلَ" رَجُلًا صَالِحًا، زَاهِدًا، عَابِدًا، صَاحِبَ كَرَامَاتٍ، وَأَحْوَالٍ وَعِبَادَاتٍ وَمُجَاهَدَاتٍ، قَرَأَ فِي رَمَضَانَ خَمْسًا وَسِتِّيْنَ خَتْمَةً، وَكَانَ عَلَيْهِ مَهَابَةٌ عَظِيْمَةٌ، لَا يَرَاهُ أَحَدٌ إِلَّا قَبَّلَ يَدَهُ.
قَالَ أَبُو الفَرَجِ بْنُ الحَنْبَلِيُّ: كَانَ لَهُ قَدَمٌ فِي العِبَادَةِ وَالصَّلَاحِ، سَمِعْتُ وَالِدِي يَقُوْلُ: لَوْ كَانَ نَبِيٌّ يُبْعَثُ فِي زَمَانِ الشَّيْخِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قُدَامَةَ كَانَ هُوَ، وَقَدْ حَدَّثَ وَرَوَى عَنْهُ وَلَدَاهُ: أَبُو عُمَرَ، وَالمُوَفَّقُ. وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ.
وَتُوُفِّيَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَدُفِنَ بِسَفْحِ جَبَلِ قَاسِيُوْنَ، وَإِلَي جَانِبِهِ دُفِنَ وَلَدُهُ أَبُو عُمَرَ، رَحِمَهُمَا اللهُ.
قُرِئَ علَى أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ بْنِ إِسْمَاعِيْلَ الأَنْصَارِيِّ - وَأَنَا أَسْمَعُ - أَخْبَرَكُمْ القَاضِي أَبُو الفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عُمَرَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنُ قُدَامَةَ (أَنَا) وَالِدِي الزَّاهِدُ أَبُو عُمَرَ (٢).
٢٥٧ - يَحْيَى بْنُ أَبِي الفَتْحِ، (٣) بْنِ عُمَرَ الطَّبَّاخُ الحَرَّانِيُّ، الضَّرِيْرُ، المَقْدِسِيُّ، стр. 1271
الفَقِيْهُ، أَبُو زكَرِيَّا. رَحَلَ، وَقَرَأَ القُرْآنَ بِـ "وَاسِطَ" بِالرِّوَايَاتِ عَلَى القَاضِي أَبِي الفَضْلِ هِبَةِ اللهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ قَاسِمٍ الوَاسِطِيِّ وَغَيْرِهِ، وَسَمِعَ بِهَا الحَدِيْثَ مِنَ القَاضِي أَبي طَالِبٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الكِنَانِيِّ، وَسَمِعَ بِـ "بَغْدَادَ" مِنْ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ الخَشَّابِ، وَأَبِي الحُسَيْنِ عَبْدِ الحَقِّ بْنِ عَبْدِ الخَالِقِ، وَشُهْدَةَ، فِي آخَرِيْنَ، وَتَفَقَّهَ بِـ "بَغْدَادَ" فِي المَذْهَبِ، وَرَجَعَ إِلَى "حَرَّانَ" وَحَدَّثَ بِهَا، وَسَمِعَ مِنْهُ أَبُو المُظَفَّرِ سِبْطِ ابْنِ الجَوْزِيِّ وَغَيْرِهِ، وَتُوُفِّيَ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّمِائَةَ بِـ "حَرَّانَ" رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.
٢٥٨ - يَحْيَى بْنُ المُظَفَّرِ (١) بْنِ نُعَيْمِ بْنِ عَلِيٍّ البَغْدَادِيُّ، البَدْرِيُّ، الزَّاهِدُ، أَبُو زَكَرِيَّا المَعْرُوفُ بِـ "ابْنِ الحُبَيْرِ" وَيُلَقَّبُ "صَفِّيُّ الدِّيْنِ".
وُلِدَ فِي المُحَرَّمِ سَنَةَ أَرْبَعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَسَمِعَ الحَدِيْثَ مِنِ ابْنِ نَاصِرٍ، وَأَبِي الوَقْتِ وَغَيْرِهِمَا، وَتَفَقَّهَ فِي المَذْهَبِ، وَكَانَ يُسَافِرُ فِي التِّجَارَةِ إِلَى стр. 1272
"الشَّامِ"، ثُمَّ انْقَطَعَ فِي بَيْتِهِ بِـ "البَدْرِيَّةِ" مَحِلَّةٌ مِنْ مَحَالِّ "بَغْدَادَ" الشَّرْقِيَّةِ بِدَارِ الخِلَافَةِ، وَكَانَ كَثِيْرَ العِبَادَةِ، حَسَنِ الهَيْئَةِ وَالسَّمْتِ، كَثِيْرَ الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ وَالنُّسُكَ، ذَا مُرُوْءَةٍ، وَتَفَقُّدٍ لِلأَصْحَابِ، وَتَوَدُّدٍ إِلَيْهِمْ.
وَذَكَرَ أَبُو الفَرَجِ بْنُ الحَنْبَلِيِّ أَنَّهُ كَانَ فِي السَّفَرِ إِذَا نَزَلَ النَّاسُ وَاسْتَقَرُّوا تَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ، وَتَنَحَّى قَلِيْلًا عَنِ القَافِلَةِ، وَبَسَطَ سَجَّادَةً لَهُ، وَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ حَتَّى يَدْخُلَ الوَقْتُ، فَيُصَلِّيَ، قَالَ: وَكَانَ كَثيْرَ العِبَادَةِ، مُلَازِمًا لِمَنْزِلهِ، لَا يَخْرُجُ مِنْهُ لِمَسْجِدهِ (١) إِلَّا لِتَأْدِيَةِ الفَرَائِضِ، ثُمَّ يَرْجِعُ، وَأَثْنَى علَى مَوَدَّتِهِ وَمُرُوءَتِهِ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ابْنُ نُقْطَةَ وَغَيْرُهُ بِالصَّلَاحِ، وَانْتَفَعَ بِهِ جَمَاعَةٌ ومِنْ مَمَالِيْكِ الخَلِيْفَةِ، وَبُنِيَتْ لَهُ دَكَّةٌ فِي آخِرِ عُمُرِهِ بِأَمْرِ الخَلِيْفَةِ بِجَامِعِ القَصْرِ لِقِرَاءَةِ الحَدِيْثَ عَلَيْهَا.
وَتُوُفِّيَ فِي يَوْمِ الاِثْنَيْنِ ضُحَى تَاسِعَ عِشْرِيْنَ ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّمِائَةَ، وَدُفِنَ بِـ "بَابِ حَرْبٍ" وَتَبِعَهُ خَلْقٌ كَثِيْرٌ، رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.
- وَكَانَ لَهُ ابْنٌ يُقَالُ لَهُ: أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدٌ (٢) كَانَ فَقِيْهًا، فَاضِلًا فِي المَذْهَبِ، стр. 1273
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1274
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1275
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1276
فَانْتَقَلَ إِلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ؛ لأَجْلِ الدُّنْيَا، وَوَلِيَ القَضَاءَ، وَقِيْلَتْ فِيْهِ الأَشْعَارُ.
وَ"الحُبَيْرُ" بِضَمِّ الحَاءِ المُهْمَلَةِ وَفَتْحِ البَاءِ المُوَحَدَّةِ وَسُكُونِ اليَاءِ آخِرِ الحُرُوفِ وَبِالرَّاءِ المُهْمَلَةِ.
٢٥٩ - أَسْبَاهْ مِيْرُ بْنُ مُحَمَّدِ (١) بْنِ نُعْمَانَ الحَرَّانِيُّ، الفَقِيْهُ، أَبُو عَبْدِ اللهِ. تَفَقَّهَ بِـ "بَغْدَادَ" عَلَى الشَّيْخِ عَبْدِ القَادِرِ، وَنَزَلَ عِنْدَهُ، وَلَازَمَ الاِشْتِغَالَ بِمَدْرَسَتِهِ стр. 1277
إِلَى آخِرِ عُمُرِهِ، وَسَمِعَ ابْنُ المَادِحِ، وَحَدَّثَ عَنْهُ بِاليَسِيْرِ، وَعُمِّرَ، وَسَمِعَ مِنْهُ ابْنُ القَطِيْعِيِّ، وَجَمَاعَةٌ.
وَتُوُفِّيَ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ حَادِي عَشَرَ رَبِيْعٍ الأَوَّلِ سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّمَائَةَ، وَدُفِنَ بِـ "بَابِ حَرْبٍ" ﵀، وَكَانَ أَصَابَهُ صَمَمٌ شَدِيْدٌ فِي آخِرِ عُمُرِهِ.
قَالَ ابْنُ النَّجَّارِ: كَانَ شيْخًا، صَالِحًا، مُشْتَغِلًا بِالعِلْمِ وَالخَيْرِ، مَعَ عُلُوِّ سِنِّهِ، وَأَظُنُّهُ نَاطَحَ المِائَةَ، ﵀.
٢٦٠ - مَحْمُوْدُ بْنُ عُثْمَانَ (١) بْنِ مَكَارِمٍ النَّعَّالُ، البَغْدَادِيُّ، الأَزَجِيُّ، الفَقِيْهُ، стр. 1278
الوَاعِظُ، الزَّاهِدُ، أَبُو الثَّنَاءِ، وَيُقَالُ: أَبُو الشُّكْرِ، وَيُلَقَّبُ نَاصِرُ الدِّيْنِ.
وُلِدَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ بِـ "بَغْدَادَ" وَقَرَأَ القُرْآنَ، وَسَمِعَ الحَدِيْثَ مِنْ أَبِي الفَتْحِ بْنِ البَطِّيِّ، وَحَدَّثَ، وَحَفِظَ "مُخْتَصَرِ الخِرَقِيِّ" وَقَرَأَ علَى أَبِي الفَتْحِ بْنِ المَنِّيِّ، وَصَحِبَ الشَّيْخَ عَبْدَ القَادِرِ، وَتَأَدَّبَ بِهِ، وَكَانَ يُطَالِعُ الفِقْهَ وَالتَّفْسِيْرَ، وَيَجْلِسُ فِي رِبَاطِه لِلْوَعْظِ، وَكَانَ رِبَاطُهُ مَجْمَعًا لِلْفُقَرَاءِ وَأَهْلِ الدِّيْنِ، وَلِلْفُقَهَاءِ الحَنَابِلَةِ الَّذِيْنَ يَرْحَلُونَ إِلَى أَبِي الفَتْحِ بْنِ المَنِّيِّ لِلْتَفَقُّهِ عَلَيْهِ، فَكَانُوا يَنْزِلُوْنَ بِهِ، حَتَّى كَانَ الاِشْتِغَالُ فِيْهِ بِالعِلْمِ أَكْثَرَ مِنَ الاِشْتِغَالِ بِسَائِرِ المَدَارِسِ.
وَكَانَ الرِّبَاطُ شَعْثُ الظَّاهِرِ، عَامِرًا بِالفُقَهَاءِ وَالصَّالِحِيْنَ، سَكَنَهُ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّيْنِ المَقْدِسِيُّ، وَالحَافِظُ عَبْدُ الغَنِيِّ، وَأَخُوْهُ الشَّيْخُ العِمَادُ، وَالحَافِظُ عَبْدُ القَادِرِ الرُّهَاوِيُّ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَكَابِرِ الرَّحَّالِيْنَ لِطَلَبِ العِلْمِ.
قَالَ أَبُو الفَرَجِ بْنُ الحَنْبَلِيِّ: وَلَمَّا قَدِمْتُ "بَغْدَادَ" سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِيْنَ نَزَلْتُ الرِّبَاطَ، وَلَمْ يَكُنْ فِيْهِ بَيْتٌ خَالٍ، فَعَمَرْتُ بِهِ بَيْتًا وَسَكَنْتُهُ، وَكَانَ
стр. 1279
الشَّيْخُ مَحْمُوْدٌ وَأَصْحَابُهُ يُنْكِرُوْنَ المُنْكَرَ، وَيُرِيْقُوْنَ الخُمُوْرَ، وَيَرْتَكِبُوْنَ الأَهْوَالَ فِي ذلِكَ، حَتَّى إِنَّهُ قَامَ أَنْكَرَ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الأُمَرَاءِ، وَبَدَّدَ خُمُوْرَهُمْ، وَجَرَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ فِتَنٌ، وَضُرِبَ مَرَّاتٍ، وَهُوَ شَدِيْدٌ فِي دِيْنِ اللهِ، لَهُ إِقْدَامٌ وَجِهَادٌ، وَكَانَ كَثِيْرَ الذِّكْرِ، قَلِيْلَ الحَظِّ مِنَ الدُّنْيَا، وَكَانَ يُسَمَّى "شُحْنَةَ الحَنَابِلَةِ"، ذَكَرَ ذلِكَ ابْنُ الحَنْبَلِيِّ وَقَالَ: كَانَ يُهَذِّبُنَا وَيُؤَدِّبُنَا، وَانْتَفَعْنَا بِهِ كَثِيْرًا. وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ صَالِحًا خَيِّرًا، مَوْصُوفًا بِالزُّهْدِ وَالصَّلَاحِ، وَالظَّرَافَةِ، وَكَانَتْ لَهُ قِصَصٌ فِي إِنْكَارِهِ.
وَقَالَ أَبُو شَامَةَ: كَانَتْ لَهُ رِيَاضَاتٌ وَمُجَاهَدَاتٌ، وَسَاحَ فِي بِلَادِ "الشَّامِ" وَغَيْرِهَا وَكَانَ يُؤْثِرُ أَصْحَابَهُ، وَانْتَفَعَ بِه خَلْقٌ كَثِيْرٌ، وَكَانَ مَهِيْبًا، لَطِيْفًا، كَيِّسًا، بَاشًّا، مُبْتَسِمًا، يَصُوْمُ الدَّهْرَ، وَيَخْتِمُ القُرْآنَ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَلَا يَأْكُلُ إِلَّا مِنْ غَزْلِ عَمَّتِهِ.
تُوُفِّيَ فِي لَيْلَةِ الأَرْبِعَاءِ عَاشِرِ صَفَرَ سَنَةَ تِسْعٍ وَسِتِّمَائَةَ عَنْ أَزْيَدِ مِنْ ثَمَانِيْنَ سَنَةً. وَدُفِنَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ بِرِبَاطِهِ - رَحِمَهُ اللهُ تَعالَى - وَقِيْلَ: كَانَتْ وَفَاتُهُ لَيْلَةَ التَّاسِعِ.
٢٦١ - يَحْيَى بْنُ سَالِمِ (١) بْنِ مُفْلحٍ البَغْدادِيُّ، نَزِيْلُ "المَوْصِلِ"، أَبُو زكَرِيَّا، стр. 1280
ذَكَرَ أَنَّهُ سَمِعَ بِـ "بَغْدَادَ" مِنْ أَبِي الوَقْتِ، وَأَنَّهُ تَفَقَّهَ بِهَا علَى صَدَقَةَ بْنِ الحُسَينِ الحَدَّادِ، وَحَدَّثَ بِـ "المَوْصِلِ". وَتُوُفِّيَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ تِسْعٍ وَستِّمِائَةَ بِـ "المَوْصِلِ" وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ الجَامِعِ العَتِيْقِ.
٢٦٢ - عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ (١) بْنِ حامِدِ اليَغْنَوِيُّ (٢)، أَبُو الحَسَنِ بْنِ النَّجَّارِ، الفَقِيهُ. قَرَأَ الفِقْهَ وَالخِلَافَ علَى الفَخْرِ إِسْمَاعِيْلَ صَاحِبِ ابْنِ المَنِّيِّ، وَتكَلَّمَ فِي مَسَائِلِ الخِلَافِ فَأَجَادَ، وَقَرَأَ طَرَفًا صَالِحًا مِنَ الأَدَبِ، وَقَالَ الشِّعْرَ، وَكَانَ يَكْتُبْ خَطًّا حَسَنًا، وَسَافَرَ عَنْ "بَغْدَادَ"، وَدَخَلَ "دِيَارَ بَكْرٍ" وَوَلِيَ القَضَاءَ بِـ "آمِدَ"، وَأَقَامَ بِهَا إِلَى حِيْنِ وَفَاتِهِ، وَكَانَ صِهْرًا لِعَبْدِ الرَّزَّاقِ بْنِ عَبْدِ القَادِرِ عَلَى ابْنَتِهِ.
تُوُفِّيَ بِـ "آمِدَ" فِي رَمَضَانَ سَنَةَ تِسْعٍ وَسِتِّمَائَةَ ﵀ وَقَدْ جَاوَزَ الأَرْبَعِيْنَ. قَالَ ابْنُ النَّجَّارِ: أُنْشِدْتُ لَهُ (٣): стр. 1281
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1282
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1283
لَوْ صُبَّ مَا أَلْقَى عَلَى صَخْرَةٍ … لَذَابَتِ الصَّخْرَةُ مِنْ وَجْدِهَا
أَوْ أُلْقِيَتْ نِيْرَانُ قَلْبِي عَلَى … دِجْلَةَ لَمْ يَقْدِرِ النَّاسُ عَلَى وِرْدَهَا
أَوْ ذَاقَتِ النَّارُ غَرَامِي بِكُمْ … لَمْ تتَوَارَ النَّارُ فِي زَنْدِهَا
لَوْ لَمْ تُرَجِّ الرُّوْحُ رُوْحَ اللِّقَا … لَكَانَ رُوْحُ الرُّوْحْ فِي فَقْدِهَا
٢٦٣ - مُحَمَّدُ بْنُ مَكِّيِّ (١) بْنِ أَبِي الرَّجَاءِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الفَضْلِ الأَصْبَهَانِيُّ، المَلِيْحِيُّ (٢) المُحَدِّثُ، المُؤَدِّبُ، أَبُو عَبْدِ اللهِ، تَقِّيُّ الدِّيْنِ، مُحَدِّثُ "أَصْبَهَانَ" وَمُفِيْدُهَا. سَمِعَ مِنْ أَبِي الخَيْرِ البَاغْبَانَ، وَأَبِي عَبْدِ اللهِ الرُّسْتُمِيِّ، وَمَحْمُوْدِ بْنِ عَبْدِ الكَرِيْمِ فُوَرَّجَةَ (٣)، وَمَسْعُوْدٍ الثَّقَفِيِّ، وَخَلْقٍ كَثِيْرٍ، وَعُنِيَ بِهَذَا الشَّأْنِ، وَقَرَأَ الكَثِيْرَ بِنَفْسِهِ، وَكَتَبَ بِخَطِّهِ، وَخَرَّجَ، وَأَفَادَ الطَّلَبَةَ بِـ "أَصْبَهَانَ" стр. 1284
وَحَدَّثَ، وَأَجَازَ لِلْحَافِظِ المُنْذِرِيِّ (١)، وَلأَبِي الحَسَنِ بْنِ (٢) البُخَارِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ شَيْبَانَ، وَقَدْ رَوَيَا عَنْهُ بِالإِجَازَةِ. تُوُفِّيَ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنَ المُحَرَّمِ سَنَةَ عَشْرٍ وَسِتِّمِائَةَ بِـ "أَصْبَهَانَ" ﵀.
وَمِمَّا زَادَهُ عَلَى المُسَلْسَلَاتِ، لِلْحَافِظِ أَبِي مُوْسَى المَدِيْنِيِّ: (أَنَا) مُحَمَّدُ بنُ عَبْدُ الخَالِقِ بْنِ أَبِي شُكْرٍ الجَوْهَرِيُّ - بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ - (أَنَا) أَبُو أَحْمَدَ حَمْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بنِ حَيَّةَ (أَنَا) أَحْمَدُ بْنُ فَضْلٍ البَاطَرْقَانِيُّ إمْلَاءً (ثَنَا) عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ (ثنا) عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ بنِ عِيْسَى (ثَنَا) عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ (أَنَا) أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الله بْنُ مُحَمَّدٍ الوَرَّاقُ البَغْدَادِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ الخَلَّالَ - جَارًا لَنَا - قَال: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُوْلُ: "تُضْرَبُ علَى قَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ الأَعْنَاقُ، كَمَا تُضْرَبُ عَلَى كِتَابِ اللهِ الأَعْنَاقُ، وَأَنَّهُ إِذَا صَحَّ عَنْ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ الحَدِيْثَ، ثُمَّ كَذَّبَ بِهِ كَاذِبٌ تُضْرَبُ عُنُقُهُ". وَهَذَا الإِسْنَادُ فِيْهِ جَهَالَةٌ، وَإِنْ صَحَّ حُمِلَ عَلَى أَنَّ الخَبَرَ المُتَلَقَّى بِالقَبُوْلِ وَالتَّصدِيْقِ يُوْجِبُ العِلْمَ، فَالمُكَذِّبُ بِهِ كَالمُكَذِّبِ بِمَا عُلِمَ مِنَ الدِّيْنِ بِالتَّوَاتُرِ. وَقَدْ حَكَى أَبُو الفَضْلِ التَّمِيْمِيُّ (٣): أَنَّ الإِمَامَ أَحْمَدَ كَانَ يُفَسِّقُ مَنْ стр. 1285
خَالَفَ خَبَرَ الوَاحِدِ، مَعَ التَّمَكُّنِ مِنِ اسْتِعْمَالِهِ، وَكَانَ يُضَلِّلُ مَنْ خَالَفَ الإِجْمَاعَ وَالتَّوَاتُرَ.
وذَكَرَ القَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي "المُجَرَّدِ": أَنَّ خَبَرَ الوَاحِدِ المُتَلَقَّى بِالقَبُوْلِ يُفِيْدُ العِلْمَ، وَلَا يُفَسَّقُ مَنْ خَالَفَهُ، إِلَّا إِذَا أُجْمِعَ عَلَى العَمَلِ بِهِ، وَأَظُنُّ ابْنَ حَزْمٍ حَكَى عَنْ إِسحَقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ مِثْلَ هَذَا الكَلَامِ المَرْوِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بِالإِسْنَادِ الَّذِي فِيْهِ جَهَالَةٌ.
٢٦٤ - إِسْمَاعِيْلُ بْنُ عَلِيِّ (١) بْنِ حُسَيْنٍ البَغْدَادِيُّ، الأَزَجِيُّ، المَأْمُوْنِيُّ، стр. 1286
الفَقِيْهِ الأُصُوْلِيُّ، المُنَاظِرُ، المُتَكَلِّمُ، أَبُو مُحَمَّدٍ، وَيُلَقَّبُ "فَخْرُ الدِّيْنِ" وَيُعْرَفُ بِـ "ابْنِ الرَّفَّاءِ" (١)، وَبِـ "ابْنِ المَاشِطَةِ"، وَاشْتُهِرَ تَعْرِيْفُهُ بِـ "غُلَامِ ابْنِ المَنِّيِّ".
وُلِدَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ تِسْعٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَسَمِعَ الحَدِيْثُ مِنْ شَيْخِهِ أَبِي الفَتْحِ بْنِ المَنِّيِّ، وَلَاحِقِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ كَارِهٍ، وَشُهْدَةَ (٢)، وَغَيْرِهِمْ، وَقَرَأَ الفِقْهَ وَالخِلَافَ عَلَى شَيْخِهِ أَبِي الفَتْحِ بْنِ المَنِّيِّ، وَلَازَمَهُ حَتَّى بَرَعَ، وَصَارَ أَوْحَدَ زَمَانِهِ فِي عِلْمِ الفِقْهِ، وَالخِلَافِ، وَالأَصْلَيْنِ، وَالنَّظَرِ، وَالجَدَلِ، وَدَرَّسَ بَعْدَ شَيْخِهِ بِمَسْجِدِهِ بِـ "المَأْمُوْنِيَّةِ" وَكَانَتْ لَهُ حَلْقَةٌ بِجَامِعِ القَصْرِ يَجْتَمِعُ إِلَيْهِ فِيْهَا الفُقَهَاءُ لِلْمُنَاظَرَةِ، وَكَانَ حَسَنَ الكَلَامِ، جَيِّدَ العِبَارَةِ، فَصِيْحَ اللِّسَانِ، رَفِيْعَ الصَّوْتِ (٣). وَلَهُ تَصَانِيْفُ فِي الخِلَافِ وَالجَدَلِ، стр. 1287
مِنْهَا: "التَّعْلِيقَةُ" المَشْهُوْرَةُ، وَ"المُفْرَدَاتُ"، وَمنْهَا: كِتَابُ "جَنَّةِ النَّاظِرِ وَجُنَّةِ المُنَاظِرِ" فِي الجَدَلِ، وَاشْتَغَلَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ، وَتَخَرَّجُوا بِهِ (١). وَحَدَّثَ، وَسَمِعَ مِنْهُ جَمَاعَةٌ، وَأَجَازَ لِعَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ أَبِي الجَيْشِ المُقْرِئِ، وَوَلَّاهُ الخَلِيْفَةُ النَّاصِرُ النَّظَرَ فِي قُرَاهُ وَعَقَارِهِ الخَاصِّ، ثُمَّ صَرَفَهُ.
وَقَدْ حَطَّ عَلَيْهِ أَبُو شَامَةَ، وَنَسَبَهُ إِلَى الظُّلْمِ فِي وِلَايَتِهِ، وَأَظُنُّهُ أَخَذَ ذلِكَ مِنْ "مِرْآةِ الزَّمَانِ" وَكَذلِكَ ابْنُ النَّجَّارِ، مَعَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ حَسَنَ العِبَارَةِ، جَيِّدَ الكَلَامِ فِي المُنَاظَرَةِ، مُقْتَدِرًا علَى رَدِّ الخُصُوْمِ، وَكَانَتْ الطَّوائِفُ مُجْمَعَةٌ عَلَى فَضْلِهِ وَعِلْمِهِ، وَكَانَ يُدَرِّسُ فِي مَنْزِلِهِ، وَيَحْضُرُ عِنْدَهُ الفُقَهَاءُ، قَالَ: وَرُتِّبَ نَاظِرًا فِي "دِيْوَانِ المُطَبَّقِ" مُدَيْدَةً، فَلَمْ تُحْمَدْ سِيْرَتُهُ، فَعُزِلَ وَاعْتُقِلَ مُدَّةً بِالدِّيْوَانِ، ثُمَّ أُطْلِقَ، وَلَزِمَ مَنْزِلَهُ، قَالَ: وَلَمْ يَكُنْ فِي دِيْنِهِ بِذَاكَ.
ذَكَرَ لِي وَلَدُهُ (٢) أَبُو طَالِبٍ عَبْدُ اللهِ، فِي مَعْرِضِ المَدْحِ أَنَّهُ قَرَأَ المَنْطِقَ وَالفَلْسَفَةَ علَى ابْنِ مُرَقِّشٍ الطَّبِيْبُ النَّصْرَانِيُّ، وَلَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِهِ أَعْلَمُ مِنْهُ بِتِلْكَ العُلُوْمِ، وَأَنَّهُ كَانَ يَتَرَدَّدُ إِلَيْهِ إِلَى بَيْعَةِ النَّصَارَى، قَالَ: وَسَمِعْتُ مَنْ стр. 1288
أَثِقُ بِهِ مِنَ العُلَمَاءِ يَذْكُرُ أَنَّهُ صَنَّفَ كِتَابًا سَمَّاهُ "نَوَامِيْسَ الأَنْبِيَاءِ" يَذْكُرُ فِيْهِ أَنَّهُمْ كَانُوا حُكَمَاءَ، كَهِرْمِسَ، وَأَرُسْطَاطَالِيْسَ.
قَالَ: وَسَأَلْتُ بَعْضَ تَلَامِيْذِهِ الخِصِّيْصِيْنَ بِهِ عَنْ ذلِكَ فَمَا أَثْبَتَهُ وَلَا أَنْكَرَهُ، وَقَال: كَانَ مُتَسَمِّحًا فِي دِيْنِهِ، مُتَلَاعِبًا بِهِ، وَلَمْ يَزِدْ علَى ذلِكَ.
قَالَ: وَكَانَ دَائِمًا يَقَعُ فِي الحَدِيْثِ، وَفِي رُوَاتِهِ، وَيَقُوْلُ: هُمْ جُهَّالٌ، لَا يَعْرِفُوْنَ العُلُوْمَ العَقْلِيَّةَ، وَلَا مَعَانِيَ الأَحَادِيْثِ الحَقِيْقِيَّةِ، بَلْ هُمْ مَعَ اللَّفْظِ الظَّاهِرِ، وَيَذُمُّهُمْ، وَيَطْعَنُ عَلَيْهِمْ، وَمِمَّا أَنْشَدَهُ ابْنُ النَّجَّارِ مِنْ شِعْرِهِ: (١) стр. 1289
دَلِيْلٌ عَلَى حِرْصِ ابْنِ آدَمَ أَنَّهُ … تَرَى كَفَّهُ مَضْمُوْمَةٌ وَقْتَ وَضْعِهِ
وَيَبْسُطُهَا عِنْدَ المَمَاتِ إِشَارَةً … إِلَى صُفْرِهَا مِمَّا حَوَى بَعْدَ جَمْعِهِ
وَتُوُفِّيَ فِي رَبِيْعٍ الأَوَّلِ سَنَةَ عَشْرٍ وَسِتِّمَائَةَ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ القَادِسِيِّ، وَأَبُو شَامَةَ، وَذَكَرَ ابْنُ النَّجَّارِ: أَنَّهُ تُوُفِّيَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ ثَامِنِ رَبِيْعِ الآخِرِ، وَدُفِنَ مِنْ يَوْمِهِ بِدَارِهِ بِـ "دَرْبِ الجُبِّ"، ثُمَّ نُقِلَ بَعْدَ ذلِكَ إِلَى "بَابِ حَرْبٍ"، ﵀ وَسَامَحَهُ.
وَذَكَرَ ابْنُ القَادِسِيِّ فِي "تَارِيْخِهِ": أَنَّهُ وُجِدَ بِـ "بَغْدَادَ" يَهُوْدِيٌّ تزَوَّجَ بِمُسْلِمَةٍ، وَأَوْلَدَهَا وَلَدَيْنِ، فَخَافَ اليَهُوْدِيُّ فَأَسْلَمَ، فَجُمِعَ الفُقَهَاءُ، وَاسْتُفْتُوا فِي أَمْرِهِ، قَالَ: فَقِيْلَ: إِنَّ الفَخْرَ إِسْمَاعِيْلَ غُلَامَ ابْنِ المَنِّيِّ قَالَ:
стр. 1290
الإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ.
٢٦٥ - مُحَمَّدُ بْنُ حَمَّادِ (١) بْنِ جُوْخَانَ البَغْدَادِيُّ، القَطُفْتِيُّ (٢) الضَّرِيْرُ، الفَقِيْهُ، أَبُو بَكْرٍ. سَمِعَ الحَدِيْثَ مِنِ ابْنِ البَطِّيِّ، وَشُهْدَةَ، وَحَدَّثَ بِيَسِيْرٍ، وَحَفِظَ القُرْآنَ، وَقرَأَهُ تَجْوِيْدًا، وَأَقْرَأَهُ، وَتَفَقَّهَ علَى أَبِي الفَتْحِ بْنِ المَنِّيِّ، وَتَكَلَّمَ فِي مَسَائِلِ الخِلَافِ.
وَتُوُفِّيَ فِي يَوْمِ الأَرْبِعَاءِ سَلْخَ رَمَضَانَ سَنَةَ عَشْرٍ وَسِتِّمَائَةَ، وَدُفِنَ مِنْ يَوْمِهِ بِمَقْبَرَةِ "بَابِ حَرْبٍ" ﵀ وَقدْ نَاطَحَ السَّبْعِيْنَ.
٢٦٦ - هِلَالُ بنُ مَحْفُوْظِ بنِ هِلَالٍ (٣) الرَّسْعَنِيُّ الجُزُرِيُّ، الفَقِيْهُ، أَبُو النَّجْمِ. стр. 1291
رَحَلَ إِلَى "بَغْدَادَ" وَسَمِعَ بِهَا مِنْ شُهْدَةَ الكَاتِبَةَ، وَغَيْرِهَا، وَتَفَقَّهَ بِهَا، وبَيْتُهُ بـ "الجَزِيْرةِ" بَيْتُ مَشْيَخَةٍ وَصَلَاحٍ، حَدَّثَ بِـ "رَأْسِ العَيْنِ". وَتُوُفِّيَ فِي سَنَةِ عَشْرٍ وَسِتِّمَائَةَ، ﵀.
стр. 1292
٢٦٧ - مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ (١) بْنِ مُحَمَّدِ بنِ كَرَمٍ السَّلَامِيُّ المُعَدَّلُ، أَبُو العَشَائِرِ، ابْنِ التَّلُوْليِّ (٢). سَمِعَ مِنْ ابْنِ البَطِّيِّ، وَجَمَاعَةٍ (٣)، وَتَفَقَّهَ فِي المَذْهَبِ، وَقَرَأَ طَرَفًا مِنَ العَرَبِيَّةِ عَلَى ابْنِ الخَشَّابِ (٤). وَشَهِدَ عنْدَ قَاضِي القُضَاةِ العَبَّاسِي (٥)، وَكَانَ يَؤُمُّ بِمَسْجِدٍ بِالجَانِبِ الغَرْبِيِّ مِنْ "بَغْدَادَ".
وَحَدَّثَ، وَسَمِعَ مِنْهُ قَوْمٌ مِنَ الطَّلَبَةِ، وَكَانَ غَالِيًا فِي التَّسَنُّنِ، حَتَّى إِنَّهُ يَقُوْلُ أَشْيَاءَ لَا يَلْزَمُهُ التَّلَفُّظُ بِهَا، بَلْ يَضُرُّهُ، مِنْهَا: أَنَّ عَلِيًا شَرِبَ стр. 1293
الخَمْرَ، وَأَنَّ بِلَالًا خَيْرًا مِنْ مُوْسَى بْنِ جَعْفَرٍ، وَمِنْ أَبِيْهِ، وَكَانَ ذلِكَ فِي وِزَارَةِ القُمِّيِّ الشِّيْعِيِّ (١)، فَنَفَاهُ إِلَى "وَاسِطَ" وَكَانَ نَاظِرُهَا (٢) غَالِيًا فِي стр. 1294
التَّشَيُّعِ، فَأَخَذَهُ وَطَرَحَهُ فِي مَطْمُوْرَةٍ، إِلَى أَنْ مَاتَ بِهَا، وَانْقَطَعَ خَبَرُهُ سَنَةَ عَشْرٍ وَسِتِّمِائَةَ، رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.
٢٦٨ - إبْرَاهِيْمُ بنُ (١) عَلِيِّ (٢)، بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ المُبارَكِ بْنِ أَحمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرُوْسٍ البَغْدَادِيُّ الفَقِيْهُ، المُعَدَّلُ، أَبُو إِسْحَقَ، وَقِيْلَ: أَبُو مُحَمَّدٍ، وَيُلَقَّبُ "شَمْسُ الدِّيْنِ"، وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ أَبِيْهِ (٣) وَعَمِّهِ.
وُلِدَ لَيْلَةَ ثَامِنَ عِشْرِيْنَ جُمَادَى الأُوْلَى، سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ.
وَذَكَرَ القَادِسِيُّ فِي "تَارِيْخِهِ": أَنَّ وَالِدَهُ سَمَّاهُ "عَبْدَ الرَّحْمَنِ"، فَرَأَى فِي مَنَامِهِ النَّبِيَّ ﷺ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُسَمِّيهِ "إِبْرَاهِيْمَ"، وَيُكَنِّيهِ "أَبَا مُحَمَّدٍ".
وَقَرَأَ القُرْآنَ عَلَى عَمِّهِ، وَسَمِعَ الحَدِيْثَ مِنْ أَبِيْهِ وَعَمِّهِ، وَمِنْ أَبِي стр. 1295
الفَتْحِ بْنِ البَطِّيِّ، وَجَمَاعَةٍ كَثِيْرَةٍ مِنَ المُتَأَخِّرِيْنَ، وَكَتَبَ الطِّبَاقَ بِخَطِّهِ، وَاشْتَغَلَ بِالمَذْهَبِ عَلَى أَبِيْهِ وَعَمِّهِ، وَبِالخِلَافِ عَلَى أَبِي الفَتْحِ بْنِ المَنِّيِّ، وَلَازَمَهُ مُدَّةً لِسَمَاعِ دَرْسِهِ، حَتَّى بَرَعَ، وَأَفْتَى، وَنَاظَرَ، ثُمَّ أَقْبَلَ علَى إِلْقَاءِ الدُّرُوْسِ بِمَدْرَسَتِهِمْ بِـ "دَرْبِ القَيَّارِ" (١)، وَشَهِدَ عِنْدَ قَاضِي القُضَاةِ ابْنِ الشَّهْرَزُوْرِيِّ، وَوَلِيَ نَظَرَ وُقُوفَ الجَامِعِ، ثُمَّ وَلِيَ النِّيَابَةَ بِـ "بَابِ النُّوبِيِّ" سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّمَائَةَ، فَغَيَّرَ لِبَاسَهُ، وَتَغَيَّرَتْ أَحْوَالُهُ، وَأَسَاءَ السِّيْرَةِ بِكَثْرَةِ الأَذَى، وَالمُصَادَرَةِ، وَالجِنَايَاتِ لِلنَّاسِ، وَالسَّعْيِ بِهِمْ، ولَمْ تَكُنْ تَأْخُذُهُ فِي ذلِكَ لَوْمَةَ لَائِمٍ (٢).
قَالَ ابْنُ القَادِسِيِّ: حَدَّثَنِي عَبْدُ العَزِيْزِ بْنُ دُلَفٍ الخَازِنُ (٣)، قَالَ: كَانَ ابْنُ بَكْرُوْسٍ يلَازِمُ قَبْرَ مَعْرُوْفٍ الكَرْخِيِّ، فَسَمِعْتُهُ وَهُوَ يَدْعُو أَكْثَرَ الأَوْقَاتِ: اللَّهُمَّ مَكِّنِّي مِنْ دِمَاءِ المُسْلِمِيْنَ وَلَوْ يَوْمًا وَاحِدًا، قَالَ: فَمَكَّنَهُ اللهُ مِنْ ذلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ السَّاعِي: حَدَّثَنِي عَبْدُ العَزِيْزِ (٤) النَّاسِخُ، أَنَّهُ وَعَظَ ابْنَ بَكْرُوْسٍ يَوْمًا، فَقَالَ لَهُ: يَا شَيْخُ: اعْلَمْ أَنِّي فَرَشْتُ حَصيْرًا فِي جَهَنَّمَ، قَالَ: فَقُمْتُ مُتَعَجِّبًا مِنْ قَوْلِهِ، وَلَمْ يَزَلْ عَلَى ذلِكَ، إِلَى أَنْ قُبِضَ عَلَيْهِ فِي رَبِيْعٍ الآخِرِ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ وَسِتِّمَائَةَ، وَضُرِبَ حَتَّى تَلِفَ، فَمَاتَ لَيْلَةَ الخَمِيْسِ ثَامِنِ جُمَادَى الأُوْلَى مِنَ السَّنَةِ المَذْكُوْرَةِ. стр. 1296
وَقَالَ ابْنُ القَادِسِيِّ: وَكَانَ النَّاسِخُ صَاحِبًا لَهُ، فَقُبِضَ عَلَيْهِ مَعَهُ، وَحُبِسَ وَضُرِبَ، وَقُرِّرَ عَلَيْهِ مَالٌ، ثُمَّ أُطْلِقَ وَلَمْ يُأْخَذْ مِنهُ شَيءٌ، ذَكَرَ القَادِسِيُّ: أَنَّهُ أَنْشَدَ قَبْلَ مَوْتِهِ، مُستَشهِدًا لِغَيْرِهِ:
قَضَيْتُ نَحْبِي فَسُرَّ قَوْمٌ … بِهِمُ غَفْلَةٌ وَنَوْمُ
قَدْ كَانَ يَوْمِي عَلَيَّ حَتْمٌ … أَلَيْسَ لِلْشَّامِتِيْنَ يَوْمُ
فَقَرَأَ سُوْرَةَ "يس"، فَلَمَّا بَلَغَ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى (١): ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣)﴾ جَعَلَ يُكَرِّرُهَا إِلَى أَنْ مَاتَ. قَالَ: وَاجْتَمَعَ النَّاسُ لِخُرُوجِ جَنَازَتِهِ، وَأُغْلِقَ "بَابُ النُّوْبِيِّ" فَأُخْرِجَتْ جَنَازَتُهُ نِصْفَ اللَّيْلِ مِنْ "بَابِ العَامَّةِ" وَحُمِلَ إِلَى "بَابِ أَبْرِزَ" فَدُفِنَ إِلَى جَانِبِ "مَشْهَدِ أَوْلَادِ الحَسَنِ"، سَامَحَهُ اللهُ وَتَجَاوَزَ عَنْهُ.
وَذَكَرَ المُنْذِرِيُّ: أَنَّهُ تُوُفِّيَ فِي ثَامِنَ عَشَرَ الشَّهْرِ، وَدُفِنَ فِي لَيْلَةِ تَاسِعَ عَشَرِهِ، وَقَدْ وَجَدَ أَبُو شَامَةَ فِي ابْنِ بَكْرُوْسٍ مَجَالًا لِلْمَقَالِ، فَقَالَ فِيْهِ وَأَطَالَ، وذَكَرَ أَنَّهُ رُمِيَ بِهِ فِي دِجْلَةَ، وَهَذَا لَمْ يَصِحَّ بِحَالٍ.
٢٦٩ - عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ (٢) بْنِ عَبْدِ القَادِرِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ الجِيْلِيُّ стр. 1297
البَغْدَادِيُّ، أبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي مَنْصُوْرِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ، وَيُلَقَّبُ بِـ "الرُّكْنِ"، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ أَبِيْهِ وَجَدِّهِ (١).
وُلِدَ لَيْلَةَ ثَامِنَ ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ.
وَسَمِعَ الحَدِيْثَ مِنْ جَدِّهِ، وَمِنْ أَبِي الحَسَنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسحَقَ بْنِ الصَّابِيِّ، وَأَبِي الفَتْحِ بْنِ البَطِّيِّ، وَشُهْدَةَ، وَابْنِ شَاتِيْلٍ، وَأَحْمَدَ بْنِ المُقَرَّبِ، وَأَبِي المَكَارِمِ البَادَرَائِيِّ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَرَأَ بِنَفْسِهِ عَلَى أَبِي الحَسَنِ البَرَانْدَاسِيُّ (٢) الفَقِيْهِ وَغَيْرِهِ، وَكَتَبَ بِخَطِّهِ، وَخَطُّهُ رَدِيءٌ، وَتَفَقَّهَ علَى جَدِّهِ الشَّيْخِ عَبْدِ القَادِرِ، وَعَلَى أَبِيْهِ عَبْدِ الوَهَّابِ، وَدَرَّسَ بِمَدْرَسَةِ جَدِّهِ بِـ "المَدْرَسَةِ الشَّاطِئِيَّة" (٣) стр. 1298
وَوَلِيَ عِدَّةَ وَلَايَاتٍ، وَكَانَ أَدِيْبًا، كَيِّسًا، مَطْبُوْعًا عَارِفًا بِالمَنْطِقِ وَالفَلْسَفَةِ وَالتَّنْجِيْمِ، وَغَيْرِ ذلِكَ مِنَ العُلُوْمِ الرَّدِيْئَةِ، وَبِسَبَبِ ذلِكَ نُسِبَ إِلَى عَقِيْدَةِ الأَوَائِلِ حَتَّى قِيْلَ: إِنَّ وَالِدَهُ رَأَى عَلَيْهِ يَوْمًا ثَوْبًا بُخَارِيًّا فَقَالَ: وَاللهِ هَذَا عَجِيْبٌ مَا زِلْنَا نَسْمَعُ البُخَارِي ومُسْلِم، فَأَمَّا البُخَارِي وَكَافِرٌ فَمَا سَمِعْنَاهُ، وَكَانَ أَبُوْهُ كَثيْرَ المُجُوْنِ (١) وَالمُدَاعَبَةِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ. وَكَانَ عَبْدُ السَّلَامِ أَيْضًا (٢) غَيْرَ ضَابِطٍ لِلِسَانِه، وَلَا مَشْكُوْرٍ فِي طَرِيْقَتِهِ وَسِيْرَتِهِ، يُرْمَى بِالفَوَاحِشِ وَالمُنْكَرَاتِ، وَقَدْ جَرَتْ عَلَيْهِ مِحْنَةٌ فِي أَيَّامِ الوَزِيْرِ ابْنِ يُوْنُسَ، وَحُكِمَ بِفِسْقِهِ، وَأُحْرِقَتْ كُتُبُهُ، وَكَانَ سَبَبُ ذلِكَ أَنَّ ابْنَ يُونُسَ كَانَ جَارًا لِأوْلَادِ الشَّيْخِ عَبْدِ القَادِرِ فِي حَالِ فَقْرهِ، فَكَانُوا يُؤْذُوْنَهُ غَايَةَ الأَذَى، فَلَمَّا وَلِيَ ابْنُ يُوْنُسَ وَتَمَكَّنَ شَتَّتَ شَمْلَهُمْ، وَبَعَثَ بِبَعْضِهِمْ إِلَى المَطَامِيْرِ بِـ "وَاسِطَ" وَبَعَثَ فَكبَسَ دَارَ عَبْدِ السَّلَامِ، وَأَخْرَجَ مِنْهَا كُتُبًا مِنْ كُتُبِ الفَلَاسِفَةِ، وَ"رَسَائِلِ إِخْوَانِ الصَّفَا" (٣) وَكُتُبِ السِّحْرِ، وَالنَّارَنْجَةِ، وَعِبَادَةِ النُّجُوْمِ، وَاسْتَدْعَى ابْنُ стр. 1299
يُوْنُسَ - وَهُوَ يَوْمَئِذٍ أُسْتَاذُ الدَّارِ (١) - العُلَمَاءَ وَالفُقَهَاءَ، وَالقُضَاةَ، وَالأَعْيَانَ، وَكَانَ ابْنُ الجَوْزِيِّ مَعَهُمْ، وَقَرَأَ فِي بَعْضِهَا مُخَاطَبَةَ زُحَلَ يَقُوْلُ: أَيُّهَا الكَوْكَبُ المُنِيْرُ (٢)، أَنْتَ تُدَبِّرُ الأَفْلَاكَ، وَتُحْيِيْ وَتُمِيْتُ وَأَنْتَ إِلَهُنَا، وَفِي حَقِّ المِّرِيْخِ مِنْ هَذَا الجِنْسِ، وَعْبدُ السَّلَامِ حَاضِرٌ، فَقَالَ ابنُ يُونُسَ: هَذَا خَطُّكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: لِمَ كَتَبْتَهُ؟ قَالَ: لِأَرُدَّهُ عَلَى قَائِلِهِ (٣) ومَنْ يَعْتَقِدُهُ، فَأَمَرَ بِإِحْرَاقِ كُتُبِهِ، فَجَلَسَ قَاضِي القُضَاةِ وَالعُلَمَاءُ - وَابْنُ الجَوْزِيِّ مَعَهُمْ - عَلَى سَطْحِ مَسْجِدٍ مُجَاوِرٍ لِجَامِعِ الخَلِيْفَةِ، يَوْمَ الجُمُعَةِ وَأَضْرَمُوا تَحْتَ المَسْجِدِ نَارًا عَظِيْمَةً، وَخَرَجَ النَّاسُ مِنَ الجَامِعِ فَوَقَفُوا عَلَى طَبَقَاتِهمْ، وَالكُتُبُ علَى سَطْحِ المَسْجِدِ، وَقَامَ أَبُو بَكْرِ ابْنُ المَرَسْتَانِيَّةِ فَجَعَلَ يَقْرَأُ كِتَابًا كِتَابًا، مِنْ مُخَاطَبَةِ الكَوَاكِبِ وَنَحْوِهَا، وَيَقُوْلُ: اِلعَنُوا مَنْ كَتَبَهُ وَمَنْ يَعْتَقِدُهُ (٤) وَعَبْدُ السَّلَامِ حَاضِرٌ، فَيَضَجَّ العَوَامُّ بِاللَّعْنِ، فَتَعَدَّى اللَّعْنُ إِلَى الشَّيْخِ عَبْدِ القَادِرِ، بَلْ وَإِلَى الإِمَامِ أَحْمَدَ، وَظَهَرَتِ الأَحْقَادُ الصَّدْرِيَّةُ، وَقَالَ الخُصُوْمُ أَشْعَارًا، مِنْهَا قَوْلُ المُهَذَّبِ الرُّوْمِيِّ (٥) سَاكِنِ "النِّظَامِيَّةِ": стр. 1300
لِيَ شِعْرٌ أَرَقُّ مِنْ دِيْنِ رُكْنِ الدِّيْـ .... ـــنِ عَبْدِ السَّلَامِ لَفْظًا وَمَعْنَى
زُحَلِيًّا يَشْنَى (١) عَلِيًّا وَيَهْـ .... ـــوَى آلَ حَرْبٍ حِقْدًا عَلَيْهِ وَضِغْنَا
مَنَحَتْهُ النُّجُوْمُ إذْ رَامَ سَعْدًا … وَسُرُوْرًا نَحْسًا وَهَمَّا وَحُزْنَا
سَارَ احْتِرَاقُ كُتْبِهِ سَيْرَ شِعْرِي … فِي جَمِيْعِ الأَقْطَارِ سَهْلًا وَحَزْنَا
أَيُّهَا الجَاهِلُ الَّذِي جَهِلَ الحَـ … ــقَّ ضَلَالًا وضَيَّعَ العُمْرَ غَبْنَا
رُمْتَ جَهْلًا مِنَ الكَوَاكِبِ بالتَّبْخِـ .... ـــيرِ عِزًّا فَنِلْتَ ذُلًّا وَسِجْنَا
مَا زُحَيْلٌ وَمَا عُطَارِدُ وَالمرِّ … يخُ وَالمُشْتَرِي تُرَى يَا مُعَنَّى
كُلُّ شَيْءٍ يُوْدِي وَيَفْنَى سِوَى اللَّـ … ـــهِ فَإنَّهُ لَيْسَ يَفْنَى
ثُمَّ حَكَمَ القَاضِي بتَفْسِيْقِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَرَمْي طَيْلَسَانِهِ، وَأُخْرِجَتْ مَدْرَسَةُ следующие страницы →