Полный текст (2 431 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
وَقَالَ ابْنُ القَادِسِيِّ: وَكَانَ النَّاسِخُ صَاحِبًا لَهُ، فَقُبِضَ عَلَيْهِ مَعَهُ، وَحُبِسَ وَضُرِبَ، وَقُرِّرَ عَلَيْهِ مَالٌ، ثُمَّ أُطْلِقَ وَلَمْ يُأْخَذْ مِنهُ شَيءٌ، ذَكَرَ القَادِسِيُّ: أَنَّهُ أَنْشَدَ قَبْلَ مَوْتِهِ، مُستَشهِدًا لِغَيْرِهِ:
قَضَيْتُ نَحْبِي فَسُرَّ قَوْمٌ … بِهِمُ غَفْلَةٌ وَنَوْمُ
قَدْ كَانَ يَوْمِي عَلَيَّ حَتْمٌ … أَلَيْسَ لِلْشَّامِتِيْنَ يَوْمُ
فَقَرَأَ سُوْرَةَ "يس"، فَلَمَّا بَلَغَ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى (١): ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣)﴾ جَعَلَ يُكَرِّرُهَا إِلَى أَنْ مَاتَ. قَالَ: وَاجْتَمَعَ النَّاسُ لِخُرُوجِ جَنَازَتِهِ، وَأُغْلِقَ "بَابُ النُّوْبِيِّ" فَأُخْرِجَتْ جَنَازَتُهُ نِصْفَ اللَّيْلِ مِنْ "بَابِ العَامَّةِ" وَحُمِلَ إِلَى "بَابِ أَبْرِزَ" فَدُفِنَ إِلَى جَانِبِ "مَشْهَدِ أَوْلَادِ الحَسَنِ"، سَامَحَهُ اللهُ وَتَجَاوَزَ عَنْهُ.
وَذَكَرَ المُنْذِرِيُّ: أَنَّهُ تُوُفِّيَ فِي ثَامِنَ عَشَرَ الشَّهْرِ، وَدُفِنَ فِي لَيْلَةِ تَاسِعَ عَشَرِهِ، وَقَدْ وَجَدَ أَبُو شَامَةَ فِي ابْنِ بَكْرُوْسٍ مَجَالًا لِلْمَقَالِ، فَقَالَ فِيْهِ وَأَطَالَ، وذَكَرَ أَنَّهُ رُمِيَ بِهِ فِي دِجْلَةَ، وَهَذَا لَمْ يَصِحَّ بِحَالٍ.
٢٦٩ - عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ (٢) بْنِ عَبْدِ القَادِرِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ الجِيْلِيُّ стр. 1297
البَغْدَادِيُّ، أبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي مَنْصُوْرِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ، وَيُلَقَّبُ بِـ "الرُّكْنِ"، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ أَبِيْهِ وَجَدِّهِ (١).
وُلِدَ لَيْلَةَ ثَامِنَ ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ.
وَسَمِعَ الحَدِيْثَ مِنْ جَدِّهِ، وَمِنْ أَبِي الحَسَنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسحَقَ بْنِ الصَّابِيِّ، وَأَبِي الفَتْحِ بْنِ البَطِّيِّ، وَشُهْدَةَ، وَابْنِ شَاتِيْلٍ، وَأَحْمَدَ بْنِ المُقَرَّبِ، وَأَبِي المَكَارِمِ البَادَرَائِيِّ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَرَأَ بِنَفْسِهِ عَلَى أَبِي الحَسَنِ البَرَانْدَاسِيُّ (٢) الفَقِيْهِ وَغَيْرِهِ، وَكَتَبَ بِخَطِّهِ، وَخَطُّهُ رَدِيءٌ، وَتَفَقَّهَ علَى جَدِّهِ الشَّيْخِ عَبْدِ القَادِرِ، وَعَلَى أَبِيْهِ عَبْدِ الوَهَّابِ، وَدَرَّسَ بِمَدْرَسَةِ جَدِّهِ بِـ "المَدْرَسَةِ الشَّاطِئِيَّة" (٣) стр. 1298
وَوَلِيَ عِدَّةَ وَلَايَاتٍ، وَكَانَ أَدِيْبًا، كَيِّسًا، مَطْبُوْعًا عَارِفًا بِالمَنْطِقِ وَالفَلْسَفَةِ وَالتَّنْجِيْمِ، وَغَيْرِ ذلِكَ مِنَ العُلُوْمِ الرَّدِيْئَةِ، وَبِسَبَبِ ذلِكَ نُسِبَ إِلَى عَقِيْدَةِ الأَوَائِلِ حَتَّى قِيْلَ: إِنَّ وَالِدَهُ رَأَى عَلَيْهِ يَوْمًا ثَوْبًا بُخَارِيًّا فَقَالَ: وَاللهِ هَذَا عَجِيْبٌ مَا زِلْنَا نَسْمَعُ البُخَارِي ومُسْلِم، فَأَمَّا البُخَارِي وَكَافِرٌ فَمَا سَمِعْنَاهُ، وَكَانَ أَبُوْهُ كَثيْرَ المُجُوْنِ (١) وَالمُدَاعَبَةِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ. وَكَانَ عَبْدُ السَّلَامِ أَيْضًا (٢) غَيْرَ ضَابِطٍ لِلِسَانِه، وَلَا مَشْكُوْرٍ فِي طَرِيْقَتِهِ وَسِيْرَتِهِ، يُرْمَى بِالفَوَاحِشِ وَالمُنْكَرَاتِ، وَقَدْ جَرَتْ عَلَيْهِ مِحْنَةٌ فِي أَيَّامِ الوَزِيْرِ ابْنِ يُوْنُسَ، وَحُكِمَ بِفِسْقِهِ، وَأُحْرِقَتْ كُتُبُهُ، وَكَانَ سَبَبُ ذلِكَ أَنَّ ابْنَ يُونُسَ كَانَ جَارًا لِأوْلَادِ الشَّيْخِ عَبْدِ القَادِرِ فِي حَالِ فَقْرهِ، فَكَانُوا يُؤْذُوْنَهُ غَايَةَ الأَذَى، فَلَمَّا وَلِيَ ابْنُ يُوْنُسَ وَتَمَكَّنَ شَتَّتَ شَمْلَهُمْ، وَبَعَثَ بِبَعْضِهِمْ إِلَى المَطَامِيْرِ بِـ "وَاسِطَ" وَبَعَثَ فَكبَسَ دَارَ عَبْدِ السَّلَامِ، وَأَخْرَجَ مِنْهَا كُتُبًا مِنْ كُتُبِ الفَلَاسِفَةِ، وَ"رَسَائِلِ إِخْوَانِ الصَّفَا" (٣) وَكُتُبِ السِّحْرِ، وَالنَّارَنْجَةِ، وَعِبَادَةِ النُّجُوْمِ، وَاسْتَدْعَى ابْنُ стр. 1299
يُوْنُسَ - وَهُوَ يَوْمَئِذٍ أُسْتَاذُ الدَّارِ (١) - العُلَمَاءَ وَالفُقَهَاءَ، وَالقُضَاةَ، وَالأَعْيَانَ، وَكَانَ ابْنُ الجَوْزِيِّ مَعَهُمْ، وَقَرَأَ فِي بَعْضِهَا مُخَاطَبَةَ زُحَلَ يَقُوْلُ: أَيُّهَا الكَوْكَبُ المُنِيْرُ (٢)، أَنْتَ تُدَبِّرُ الأَفْلَاكَ، وَتُحْيِيْ وَتُمِيْتُ وَأَنْتَ إِلَهُنَا، وَفِي حَقِّ المِّرِيْخِ مِنْ هَذَا الجِنْسِ، وَعْبدُ السَّلَامِ حَاضِرٌ، فَقَالَ ابنُ يُونُسَ: هَذَا خَطُّكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: لِمَ كَتَبْتَهُ؟ قَالَ: لِأَرُدَّهُ عَلَى قَائِلِهِ (٣) ومَنْ يَعْتَقِدُهُ، فَأَمَرَ بِإِحْرَاقِ كُتُبِهِ، فَجَلَسَ قَاضِي القُضَاةِ وَالعُلَمَاءُ - وَابْنُ الجَوْزِيِّ مَعَهُمْ - عَلَى سَطْحِ مَسْجِدٍ مُجَاوِرٍ لِجَامِعِ الخَلِيْفَةِ، يَوْمَ الجُمُعَةِ وَأَضْرَمُوا تَحْتَ المَسْجِدِ نَارًا عَظِيْمَةً، وَخَرَجَ النَّاسُ مِنَ الجَامِعِ فَوَقَفُوا عَلَى طَبَقَاتِهمْ، وَالكُتُبُ علَى سَطْحِ المَسْجِدِ، وَقَامَ أَبُو بَكْرِ ابْنُ المَرَسْتَانِيَّةِ فَجَعَلَ يَقْرَأُ كِتَابًا كِتَابًا، مِنْ مُخَاطَبَةِ الكَوَاكِبِ وَنَحْوِهَا، وَيَقُوْلُ: اِلعَنُوا مَنْ كَتَبَهُ وَمَنْ يَعْتَقِدُهُ (٤) وَعَبْدُ السَّلَامِ حَاضِرٌ، فَيَضَجَّ العَوَامُّ بِاللَّعْنِ، فَتَعَدَّى اللَّعْنُ إِلَى الشَّيْخِ عَبْدِ القَادِرِ، بَلْ وَإِلَى الإِمَامِ أَحْمَدَ، وَظَهَرَتِ الأَحْقَادُ الصَّدْرِيَّةُ، وَقَالَ الخُصُوْمُ أَشْعَارًا، مِنْهَا قَوْلُ المُهَذَّبِ الرُّوْمِيِّ (٥) سَاكِنِ "النِّظَامِيَّةِ": стр. 1300
لِيَ شِعْرٌ أَرَقُّ مِنْ دِيْنِ رُكْنِ الدِّيْـ .... ـــنِ عَبْدِ السَّلَامِ لَفْظًا وَمَعْنَى
زُحَلِيًّا يَشْنَى (١) عَلِيًّا وَيَهْـ .... ـــوَى آلَ حَرْبٍ حِقْدًا عَلَيْهِ وَضِغْنَا
مَنَحَتْهُ النُّجُوْمُ إذْ رَامَ سَعْدًا … وَسُرُوْرًا نَحْسًا وَهَمَّا وَحُزْنَا
سَارَ احْتِرَاقُ كُتْبِهِ سَيْرَ شِعْرِي … فِي جَمِيْعِ الأَقْطَارِ سَهْلًا وَحَزْنَا
أَيُّهَا الجَاهِلُ الَّذِي جَهِلَ الحَـ … ــقَّ ضَلَالًا وضَيَّعَ العُمْرَ غَبْنَا
رُمْتَ جَهْلًا مِنَ الكَوَاكِبِ بالتَّبْخِـ .... ـــيرِ عِزًّا فَنِلْتَ ذُلًّا وَسِجْنَا
مَا زُحَيْلٌ وَمَا عُطَارِدُ وَالمرِّ … يخُ وَالمُشْتَرِي تُرَى يَا مُعَنَّى
كُلُّ شَيْءٍ يُوْدِي وَيَفْنَى سِوَى اللَّـ … ـــهِ فَإنَّهُ لَيْسَ يَفْنَى
ثُمَّ حَكَمَ القَاضِي بتَفْسِيْقِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَرَمْي طَيْلَسَانِهِ، وَأُخْرِجَتْ مَدْرَسَةُ стр. 1301
جَدِّهِ مِنْ يَدِهِ، وَيَدِ أَبِيْهِ عَبْدِ الوَهَّابِ، وَفُوِّضَتْ إِلَى الشَّيْخِ أَبِي الفَرَجِ بْنِ الجَوْزِيِّ، فَذَكَرَ فِيْهَا الدَّرْسَ مُدَّةً، ذَكَرَ ذلِكَ أَبُو المُظَفَّرِ سِبْطُ ابْنِ الجَوْزِيِّ. وَذَكَرَ مَعْنَاهُ ابْنُ القَادِسِيِّ، وَزَادَ: إِنَّ عَبْدَ السَّلَامِ أُوْدِعَ الحَبْسَ مُدَّةً، وَلَمَّا أُفْرِجَ عَنْهُ أُخِذَ خَطُّهُ بِأَنَّهُ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُوْلُ اللهِ، وَأَنَّ الإِسْلَامَ حَقٌّ، وَمَا كَانَ فِيْهِ بَاطِلٌ، وَأُطْلِقَ، ثُمَّ لَمَّا قُبِضَ عَلَى ابْنِ يُونُسَ رُدَّتْ مَدْرَسَةُ الشَّيْخِ عَبْدِ القَادِرِ إِلَى وَلَدِهِ عَبْدِ الوَهَّابِ، وَرُدَّ مَا بَقِيَ مِنْ كُتُبِ عَبْدِ السَّلَامِ الَّتِي أُحْرِقَ (١) بَعْضُهَا، وَقُبِضَ علَى الشَّيْخِ أَبِي الفَرَجِ بِسَعْيِ عَبْدِ السَّلَامِ هَذَا، كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَنَزَلَ مَعَهُ عَبْدُ السَّلَامِ فِي السَّفِيْنَةِ إِلَى "وَاسِطَ" وَاسْتَوْفَى مِنْهُ بِالكَلَامِ، وَالشَّيْخُ سَاكِتٌ، وَلَمَّا وَصَلَ إِلَى "وَاسِطَ" عُقِدَ مَجْلِسٌ حَضرَ فِيْهِ القُضَاةُ، وَالشُّهُوْدُ، وَادَّعَى عَبْدُ السَّلَامِ عَلَى الشَّيْخِ بِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي (٢) وَقْفِ المَدْرَسَةِ، وَاقْتَطَعَ مِنْ مَالِهَا، وَأَنْكَرَ الشَّيْخُ ذلِكَ، وَكُتِبَ مَحْضَرًا بِمَا جَرَى، وَأُمِرَ الشَّيْخُ بِالمَقَامِ بِـ "وَاسِطَ" وَرَجَعَ عَبْدُ السَّلَامِ.
قَالَ ابْنُ القَادِسِيِّ: أُفْرِدَ لِشَيْخِنَا دَارٌ بِـ "وَاسِطَ" فِي "دُرَيْبَةِ (٣) الدِّيْوَانِ"، وَأُفْرِدَ لَهُ مَنْ يَخْدِمُهُ، وَكَانَ عَبْدُ السَّلَامِ مُدَاخِلًا لِلْدَّوْلَةِ، مُتَوَاصِلًا إِلَيْهِمْ، فَسَعى حَتَّى رُتِّبَ عَمِيْدًا (٤) بِـ "بَغْدَادَ" وَخُلِعَ عَلَيْهِ، وَرُدَّ إِلَيْهِ اسْتِيْفَاءُ مَالِ стр. 1302
الضَّمَانِ، وَأُعْطِيَ الدَّارَ المُقَابِلَةِ لِـ "بَابِ النُّوْبِي"، وَجُعِلَتْ دِيْوَانَهُ، وَكَانَ ذلِكَ سَنَةَ سِتِّمَائَةَ.
وَذَكَرَ أَبُو المُظَفَّرِ أَنَّهُ قُبِضَ سَنَةَ ثَلَاثٍ، وَاسْتُصْفِيَتْ أَمْوَالُهُ حَتَّى أَصْبَحَ يَسْتَعْطِي مِنَ النَّاسِ، وَفِي هَذِهِ المُدَّةِ سُلِّمَتْ المَدْرَسَتَانِ اللَّتَانِ (١) بِيَدِهِ إِلَى ابنِ عَمِّهِ أَبِي صَالِحٍ، ثُمَّ بَعْدَ ذلِكَ تَوَكَّلَ لأَبِي الحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ الخَلِيْفَةِ النَّاصِرِ - وَكَانَ وَلِيَّ العَهْدِ - وَرَدَّ إِلَيْهِ النَّظَرَ فِي أَمْلَاكِهِ وَأَقْطَاعِهِ، ثُمَّ تَوَجَّهَ فِي رِسَالَةٍ مِنَ الدِّيْوَانِ إِلَى صَاحِبِ "إِرْبِلَ". وَذَكَرَهُ ابْنُ النَّجَّارِ فِي "تَارِيْخِهِ" وَذَمَّهُ ذَمًّا بَلِيْغًا (٢)، وَذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يُحَدِّثْ بِشَيءٍ.
تُوُفِّيَ فِي ثَالِثِ رَجَبٍ - وَقِيْلَ: فِي خَامِسِهِ، وَفِي "تَارِيْخِ ابْنِ النَّجَّارِ" يَوْمَ الجُمُعَةِ لِثَمَانٍ خَلَوْنَ مِنْ رَجَبٍ - سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ وَسِتِّمَائَةَ، وَدُفِنَ مِنْ يَوْمِهِ، بِمَقْبَرَةِ "الحَلْبَةِ" شَرْقيِّ "بَغْدَادَ". стр. 1303
٢٧٠ - مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ (١) بْنِ نَصْرِ بْنِ البَلِّ الدُّوْرِيُّ، الوَاعِظُ، أَبُو المُظَفَّرِ، وَيُلَقَّبُ "مُهَذَّبُ الدِّيْنِ".
وُلِدَ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ، أَوْ سَبْعَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمَائَةَ بِـ "الدُّوْرِ"، وَهِيَ دُوْرُ الوَزِيْرِ ابْنِ هُبَيْرَةَ بِـ "دُجَيْلَ"، وَنَشَأَ بِهَا، ثُمَّ قَدِمَ "بَغْدَادَ" فِي شَبِيْبَتِهِ، وَاسْتَوْطَنَهَا، فَسَمِعَ بِهَا مِنِ ابنِ نَاصِرٍ الحَافِظِ، وَابْنِ الطَّلَّايَةِ، وَالوَزِيْرِ ابْنِ стр. 1304
أَبِي نَصْرِ بْنِ جَهِيْرٍ (١)، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ الزَّغُونِيِّ، وَأَبِي الوَقْتِ، وَجَمَاعَةٍ كَثِيْرَةٍ مِنَ المُتَأَخِّرِيْنَ، وَقَرَأَ بِنَفْسِهِ عَلَى الشُّيُوْخِ، وَقَالَ الشِّعْرَ الحَسَنَ، وَفُتِحَ عَلَيْهِ فِي الوَعْظِ، وَوَعَظَ بِعِدَّةِ أَمَاكِنَ، حَتَّى صَارَ يُضَاهِي أَبَا الفَرَجِ بنَ الجَوْزِيِّ، وَيُزَاحِمُهُ فِي أَمَاكِنِهِ، وَوَعَظَ عِنْدَ "تُرْبَةِ أَمِّ الخَلِيْفَةِ النَّاصِرِ"، سَنَةَ تِسْعٍ وَثَمَانِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، فَكَانَ يَجْلِسُ يَوْمَ الأَرْبِعَاءِ، وَيَجْلِسُ أَبُو الفَرَجِ يَوْمَ السَّبْتِ، ثُمَّ أُذِنَ للدُّوْرِيِّ بِالجُلُوْسِ يَوْمَ السَّبْتِ، فَاجْتَمَعَ الخَلْقُ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ ابْنَ الجَوْزِيِّ هُوَ الَّذِي يَتَكَلَّمُ، فَلَمَّا رَأَوْا الدُّوْرِيَّ انْصَرَفَ كَثِيْرٌ مِنْهُمْ، وَسَبُّوا الدُّوْرِيَّ، وَأَصْحَابَهُ، وَخِيْفَ مِنْ وُقُوْعِ (٢) فِتْنَةٍ، فَبَعَثَ أُسْتَاذَ الدَّارِ ابنُ يُونُسَ وَأَحْضَرَ ابْنَ الجَوْزِيِّ، وَطَيَّبَ قَلْبَهُ، وَقَالَ لَهُ: إِنَّ السُّلْطَانَ لَمْ يَعْلَمْ بِهَذِهِ الحَالِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ تَلْبِيْسٌ، ثُمَّ رَأَوْا المَصْلَحَةَ فِي مَنْعِ جَمِيْعِ الوُعَّاظِ، فَمُنِعُوا.
وَلَمَّا اعْتُقِلَ الشَّيْخُ أَبُو الفَرَجِ بِـ "وَاسِطَ" (٣) خَلَا لِلْدُّوْرِيِّ الجَوَّ، فَكَانَ يَعِظُ مَكَانَهُ عِنْدَ التُّرْبَةِ، وَاتَّفَقَ أَنَّ الشَّيْخَ لَمَّا رَجَعَ إِلَى "بَغْدَادَ" وَدَخَلَهَا يَوْمَ السَّبْتِ تَاسِعَ عَشَرَ جُمَادَى الآخِرَةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِيْنَ، فَوَصَلَ البَشِيْرُ بِأَنَّهُ قَدْ وَصَلَ، وَالدُّوْرِيُّ يَعِظُ مَكَانَهُ، فَبَادَرَ النَّاسُ مِنَ المَجْلِسِ لِتَلَقِّيْهِ، فَجَعَلَ الدُّوْرِيُّ يَقُوْلُ: مَا هَذِهِ الأَهْوِيَةُ الَّتِي أَنْتُمْ عَلَيْهَا عَاكِفُوْنَ، وَقُطِعَ عَلَيْهِ المَجْلِسُ، стр. 1305
ثُمَّ ذَكَرَ ذلِكَ ابْنُ القَادِسِيِّ، فَقَال مَا سَمِعْتُهُ يُنْشِدُ فِي مَجْلِسِهِ: (١)
يَا أَكْرَمَ البَشَرِ الَّذِي مَا زِلْتُ فِي … عُمُرِي لَهُ أُهْدِي الثَّنَاءَ وَأَمْدَحُ
أَتْعَبْتَ وَصَّافِيْكَ فِيْكَ فَلَجْلَجَ الـ … مُثْنِي وَأَعْرَبَ فِي عُلَاكَ المُفْصِحُ
وَالبَدْرُ تَمَّ وَأَنْتَ أَكْمَلُ صُوْرَةٍ … وَالبَحْرُ عَمَّ وَأَنْتَ مِنْهُ أَسْمَحُ
قَال أَبُو الفَرَجِ بْنُ الحَنْبَلِيِّ - وَقَرَأْتُهُ بِخَطِّهِ -: كَانَ - يَعْنِي الدُّوْرِيَّ - وَاعِظًا حَسَنًا، وَكَانَ يُضَاهِي ابْنَ الجَوْزِيِّ فِي وَعْظِهِ، وَكانَ فَصِيْحًا فِي إِيْرَادِهِ، وَلَهُ نَظْمٌ (٢) وَنَثْرٌ، سَمِعْتُهُ يَتَكَلَّمُ، وَقَالَ: - وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ - بِاللهِ عَلَيْكَ يَا جَامِعَ المَنْصُوْرِ، هَلْ تَسْمَعُ قَطُّ مِثْلَ وَعْظِ الدُّوْرِيِّ؟! وَقَالَ:
أَخَافُكَ حَتَّى لَا أَظُنُّ سَلَامَةً … وَأَرْجُوْكَ حَتَّى لَا أَظُنُّ هَلَاكَا
وَهَا أَنَا رَهْنٌ فِي يَدَيْكَ وَمُحْسِنٌ … بِكَ الظَنَّ فَاجْعَلْ لِلأَسِيْرِ فِكَاكَا
فَمَا نِلْتُ مِمَّا أَرْتَجِيْهِ لِمَوْتَتِي … سِوَاكَ وَلَا قَدْرَ الأَرَاكَ سِوَاكَا
قَالَ أَبُو المُظَفَّرِ سِبْطُ ابْنِ الجَوْزِيِّ: يُعَانِي الوَعْظَ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ صَنْعَتِهِ، وَكَانَ يُضَاهِي جَدِّي حَتَّى قِيْلَ لَهُ: أَيُّمَا أَعْلَمُ: أَنْتَ أَمْ أَبُو الفَرَجِ؟ فَقَالَ: مَا стр. 1306
أَرْضَاهُ يَقْرَأُ عَلَيَّ الفَاتِحَةَ، فَبَلَغَ ذلِكَ أَبَا الفَرَجِ، فَقَالَ: مَا أَقْرَأُ عَلَيْهِ الفَاتِحَةَ، بَلْ أَقْرَأُ عَلَيْهِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ قَالَ: وَكَانَ يَتَعَصَّبُ لَهُ حَاكَةُ (١) "قَطُفْتَا" وَكَانَ يَنْتَحِلُ أَشْعَارَ النَّاسِ، ادَّعَى يَوْمًا بَيْتَيْنِ لِنَفْسِهِ، وَأَنْشَدَهُمَا عَلَى المِنْبَرِ، وَهُمَا لأَبِي الفَتْحِ البُسْتِيِّ.
قُلْتُ: لَا يَلْزَمُ مِنْ إِنْشَادِهِ شِعْرَ غَيْرِهِ أَنَّهُ يَدَّعِيْهِ لِنَفْسِهِ (٢)، وَقَدْ كَانَ مَوْصُوْفًا بِالصَّلَاحِ وَالدِّيَانَةِ. قَالَ ابْنُ نُقْطَةَ: سَمِعْتُ مِنْهُ، وَكَانَ شَيْخًا صَالِحًا مُتَعبِّدًا، قَالَ المُنْذِرِيُّ: حَدَّثَ وَعُمِّرَ، وَعَجِزَ عَنِ الحَرَكَةِ، وَلَزِمَ بَيْتَهُ إِلَى أَنْ مَاتَ، وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعٍ أَوْ خَمْسٍ وَتِسْعِيْنَ سَنَةً، وَكَانَ شَيْخًا صَالِحًا مُتَعَبِّدًا.
وَ"البَلُّ" بِفَتْح البَاءِ المُوَحَّدَةِ، وَتَشْدِيْدِ اللَّامِ.
قلْتُ: وَكَانَ يَحْضُرُ المَجَالِسَ المَعْقُوْدَةِ مَعَ أَكَابِرِ الفُقَهَاءِ، وَيُفتِي مَعَهُمْ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ أَفْتَى بِفِسْقِ قَاضِي القُضَاةِ العَبَّاسِيِّ (٣) وَمَنْ دَخَلَ مَعَهُ فِي تَزْوِيرِ الكِتَابِ الَّذِي أَنْكَرَ شُهُوْدُهُ الشَّهَادَةَ بِهِ عِنْدَ القَاضِي، وَاعْتَرَفَ المُثْبِتُ لَهُ أَنَّهُ مُزَوَّرٌ، وَلَا أَصْلَ لَهُ، وَأَنَّ القَاضِي ارْتَشَى لِأَجْلِ إِثْبَاتِهِ.
وَمِمَنْ أَفْتَى بِفِسْقِ القَاضِي وَذَوِيْهِ فِي ذلِكَ مِنْ أَصْحَابِنَا: ابْنُ الجَوْزِيِّ، стр. 1307
وَابْنُ الصَّقَالِ، وَخَلْقٌ كَثِيْرٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالحَنَفِيَّةِ بِدَارِ أُسْتَاذِ الدَّارِ (١) ابْنِ يُونُسَ.
تُوُفِّيَ ابْنُ البَلِّ ﵀ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ ثَانِي عَشَرَ شَعْبَانَ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ وَسِتِمَائَةَ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ يَوْمَ الأَرْبِعَاءِ بِـ "النِّظَامِيَّةِ" وَتَقَدَّمَ لِلْصَّلَاةِ عَلَيْهِ أَبُو صَالِحِ بنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَحُمِلَ فَدُفِنَ بِرِبَاطِهِ بِـ "قَطُفْتَا" عَلَى "نَهْرِ عِيْسَى" بِالجَانِبِ الغَرْبِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.
٢٧١ - وَكَانَ لَهُ وَلَدٌ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ (٢) يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللهِ، كَانَتْ لَهُ مَعْرِفَةٌ جَيِّدَةٌ بِالحِسَابِ وَأَنْوَاعِهِ، وَالمِسَاحَةِ، وَالفَرَائِضِ، وَقِسْمَةِ التَرِكَاتِ، وَأَقْرَأَ ذلِكَ مُدَّةً، وَسَمِعَ منِ ابْنِ البَطِّيِّ، وَغَيْرِهِ، وَشَهِدَ عِنْدَ قَاضِي القُضَاةِ ابْنِ الشَّهْرَزُوْرِيِّ. تُوُفِّيَ شَابًّا فِي حَيَاةِ أَبيْهِ، يَوْمَ الاثْنَيْنِ رَابِعَ عِشْرِيْنَ شَوَّالٍ سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَدُفِنَ بِدَارِهِ بِـ "قَرَاحِ ابنِ أَبِي الشَّحْمِ" (٣) شَرْقَيِّ "بَغْدَادَ"، رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.
٢٧٢ - أَحمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بنِ مُحَمَّدِ (٤) بنِ الحُسَيْنِ الفَرَّاءُ (٥) البَغْدَادِيُّ، стр. 1308
القَاضِي، جَمَالُ الدِّيْنِ، أَبُو العَبَّاسِ، ابْنُ القَاضِي أَبِي يَعْلَى ابْنِ القَاضِي أَبِي خَازِمِ (١) ابْنِ القَاضِي أَبي يَعْلَى الكَبِيْرِ (٢).
مَوْلِدُهُ بِـ "وَاسِطَ" إِذْ كَانَ أَبُوْهُ قَاضِيًا بِهَا، بَعْدَ الأَرْبَعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ بِقَلِيْلٍ، وَسَمِعَ الكَثِيْرَ مِنْ وَالِدِهِ، وَمِنْ أِبي بَكْرِ بْنِ الزَّاغُونِيِّ، وَسَعِيْدِ بْنِ البَنَّاءِ، وَأَبِي الوَقْتِ، وَابْنِ البَطِّيِّ، وَخَلْقٍ كَثِيْرٍ، وَعُنِيَ بِالحَدِيْثِ، وَكَتَبَ بِخَطِّهِ الكَثِيْرَ لِنَفْسِهِ وَلِلْنَّاسِ، وَشَهِدَ عِنْدَ ابْنِ الدَّامَغَانِيِّ.
قَالَ ابْنُ القَادِسِيِّ: كَانَ خَيِّرًا مِنْ أَهْلِ الدِّيْنِ وَالصِّيَانَةِ، وَالعِفَّةِ وَالدِّيَانَةِ، وَحَدَّثَ، وَسَمِعَ مِنْهُ ابْنُ الدُّبَيْثِيِّ، وَابْنُ السَّاعِيِّ (٣).
وَتُوُفِّيَ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ ثَانِي عَشَرَ شَعْبَانَ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ وَسِتِّمَائَةَ، ودُفِنَ عِنْدَ آبَائِهِ بِـ "بَابِ حَرْبٍ".
٢٧٣ - مُحَمَّدُ بْنُ مَعَالِي (٤) بْنِ غَنِيْمَةَ، البَغْدَادِيُّ، المَأْمُوْنِيُّ، المُقْرِئُ، стр. 1309
الفَقِيْهُ، الزَّاهِدُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الحَلَّاوِيِّ، وَيُلَقَّبُ "عِمَادَ الدِّيْنِ" كَانَ لَا يَتَحَقَّقُ مَوْلِدَهُ، وَقِيْلَ: إِنَّهُ بَعْدَ الثَلَاثِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ. سَمِعَ مِنْ أَبِي الفَتْحِ بْنِ الكَرُّوْخِيِّ، وَأَبِي الفَضْلِ بْنِ نَاصِرٍ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ الزَّاغُوْنِيِّ، وَسَعِيْدِ بْنِ البَنَّاءِ وَغَيْرِهِمْ، وَتَفَقَّهَ عَلَى أبِي الفَتْحِ بْنِ المَنِّيِّ، وَهُوَ مِنْ فُقَهَاءِ (١) أَصْحَابِهِ، وَبَرَعَ فِي المَذْهَبِ، وَانْتَهَتْ إِلَيْهِ مَعْرِفَتُهُ، مَعَ الدِّيَانَةِ، وَالوَرَعِ، وَالاِنْقِطَاعِ عَنِ النَّاسِ.
قَالَ ابْنُ القَطِيْعِيِّ: هُوَ رَجُلٌ صَالِحٌ، لَهُ مَكَانٌ فِي الوَرَعِ، مُقِيْمٌ بِمَسْجِدِهِ بِـ "المَأْمُوْنِيَّةِ" مُقْبِلٌ عَلَى مَا يَنْفَعُهُ مِنْ أَمْرِ آخِرَتِه، وَالتَّفَرُّدِ وَالعُزْلَةِ.
وَأَثْنَى عَلَيْهِ ابْنُ القَادِسِيِّ كَثِيْرًا، وَقَالَ: كَانَتْ لَهُ اليَدُ البَاسِطَةُ فِي стр. 1310
المَذْهَبِ وَالفُتْيَا، وَكَانَ مُلَازِمًا لِزَاوِيَتِهِ فِي المَسْجِدِ، قَلِيْلَ المُخَالَطَةِ إِلَّا لِمَنْ عَسَاهُ يَكُوْنُ مِنْ أَهْلِ الدِّيْنِ، مَا أَلَمَّ بِبَابِ أَحَدٍ مِنْ أَرْبَابِ الدُّنْيَا، وَمَا قَبِلَ لأَحَدٍ هَدِيَّةً، وَكَانَ أَحَدَ الأَبْدَالِ الَّذِيْنَ يَحْفَظُ اللهُ بِهِمُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا.
وَقَرَأْتُ بِخَطِّ النَّاصِحِ بْنِ الحَنْبَلِيِّ: الشَّيْخُ، الإِمَامُ عِمَادُ الدِّيْنِ، أَبُو بَكْرٍ الخَيَّاطُ، وَكَانَ زَاهِدًا، عَالِمًا، فَاضِلًا، مُشْتَغِلًا بِالكَسْبِ مِنَ الخِيَاطَةِ، وَمُشْتَغِلًا بِالعِلْمِ، وَيُقْرِئُ القُرْآنَ احْتِسَابًا، قَالَ لِي: تُشْكِلُ علَيَّ المَسْأَلَةَ، فَآتِي الشَّيْخَ أَبَا الفَتْحِ بْنِ المَنِّيِّ لأَسْأَلَهُ عَنْهَا، فَتَنْكَشِفُ لِي وَأَفْهَمَهَا قَبْلَ جَوَابِ الشَّيْخِ، يُشِيْرُ إِلَى بَرَكَةِ الشَّيْخِ (١)، وَكُنْتُ أَنَا أَقْرَأُ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ يَقُوْلُ: خُذْ عَلَيَّ، فَيُنَاوِلَنِي "مُقَدِّمَةَ الخَبْرِيِّ" (٢) فِي الفَرَائِضِ، فَيَقْرَؤُهَا مِنْ حِفْظِهِ، وَكَانَ مُتَطَهِّرًا، وَمُشَدِّدًا فِي الطَّهَارَةِ. وَكَانَ الإِمَامُ الظَّاهِرُ فِي حَيَاةِ وَالِدِهِ النَّاصِرِ قَدْ أَحْسَنَ بِهِ الظَّنَّ، وَصَحِبَهُ فِي الزِّيَادَةِ، وَانْتَفَعَ الظَّاهِرُ بِصُحْبَتِهِ كَثِيْرًا. وَرتَّبَ كِتَابَ "جَامِعِ المَسَانِيْدِ" تَأْلِيْفِ الشَّيْخِ أَبِي الفَرَجِ بْنِ الجَوْزِيِّ عَلَى أَبْوَابِ الفِقْهِ، وَكَانَ يَقْرَأُ عَلَى شَيْخِنَا ابْنِ المَنِّيِّ مِنْ "كِفَايَةِ المُفْتِي" لابْنِ عَقِيْلٍ (٣).
وَقَالَ المُنْذِرِيُّ: كَانَ وَرِعًا، مُتَدَيِّنًا، عَارِفًا بِمَذْهَبِهِ، وَحَدَّثَ، وَقَرَأَ، стр. 1311
وَأَمَّ بِالنَّاسِ فِي الصَّلَوَاتِ مُدَّةً، وَلَنَا مِنْهُ إِجَازَةٌ، كَتَبَ بِهَا إِلَيْنَا مِنْ "بَغْدَادَ".
قُلْتُ: وَلَهُ تَصَانِيْفُ مِنْهَا: "المُنِيْرَةُ فِي الأُصُوْلِ" وَعَلَيْهِ تَفَقَّهَ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّيْنِ أَبُو البَرَكَاتِ بْنُ تَيْمِيَّةَ، وَتَفَقَّهَ عَلَيْهِ أَيْضًا: أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ الصَّيْرَفِيِّ، وَسَمِعَ مِنْهُ هُوَ وَابْنُ القَطِيْعِيِّ.
وَتُوُفِّيَ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ ثَامِنَ عِشْرِيْنَ رَمَضَانَ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ وَسِتِّمَائَةَ، وَحضَرَ غَسْلَهُ أَبُو صَالِحِ بْنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ "بَابِ حَرْبٍ" قَبْلَ صَلَاةِ الجُمُعَةِ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيْلَ الأَنْصَارِيُّ (أَنَا) عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الوَاحِدِ (أَنَا) أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مَعَالِي - إِذْنًا - (أَنَا) أَبُو بَكْرِ بْنُ الزَّاغُوْنِي (أَنَا) الحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ طَلْحَةَ (أَنَا) الحَسَنُ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ المُنْذِرِ، (أَنَا) عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ (ثَنَا) الحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَفَّانَ بْنِ زَيْدِ بْنِ الحُبَابِ (ثَنَى) المَسْعُوْدِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ إِبْرَاهِيْمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُوْدٍ ﵁ (١): "أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ نَامَ عَلَى حَصِيْرٍ، فَقَامَ وَقَدْ أَثَّرَ فِي جَسَدِهِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ مَسْعُوْدٍ: يَا رَسُوْلَ اللهِ لَوْ أمَرْتَنَا أَنْ نَبْسِطَ لَكَ، وَنَفْعَلَ стр. 1312
قَالَ ﷺ : "مَالِي وَلِلْدُّنْيَا، مَا أَنَا وَالدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا".
وَمِنْ فَتَاوَى ابْنِ الحَلَّاوِيِّ: أَنَّ مَنْ كَرَّرَ النَّظَرَ حَتَّى أَمْذَى أَفْطَرَ، وَوَافَقَهُ الفَخرُ إِسْمَاعِيْلُ، وَخَالَفَهُمَا أَبُو البَقَاءِ العُكْبَرِيُّ.
وَاخْتَارَ أَنَّ مُهْدِي ثَوَابِ الأَعْمَالِ لِلْمَوْتَى يَقُوْلُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ أَثَبْتَنِي عَلَى هَذَا العَمَلِ فَاجْعَلْ ثَوَابَهِ لِفُلَانٍ.
٢٧٤ - عَبْدُ العَزِيْزِ بْنُ مَحمُودِ (١) بْنِ المُبَارَكِ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ الأَخْضَرِ الجُنَابِذِيُّ، стр. 1313
ثُمَّ البَغْدَادِيُّ، البَزَّارُ، المُحَدِّثُ، الحَافِظُ، أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرِ بْنِ أَبِي القَاسِمِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ، وَيُلَقَّبُ: "تَقِيَّ الدِّيْنِ"، مُحَدِّثُ العِرَاقِ.
وُلِدَ يَوْمَ الخَمِيْسِ ثَامِنَ عَشَرَ رَجَبٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِيْنَ وَخَمسِمَائَةَ بِـ "بَغْدَادَ" وَأَوَّلُ سَمَاعِهِ سَنَةَ ثَلَاثِيْنَ وَخمْسِمَائَةَ، سَمِعَ بِإِفَادَةِ أَبِيْهِ، وَأُسْتَاذِهِ ابْنِ بَكْرُوْسٍ مِنَ القَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ البَاقِي، وَأَبِي القَاسِمِ بنِ السَّمَرْقَنْدِيِّ، وَعَبْدِ الوَهَّابِ الأَنْمَاطِيِّ، وَأَبِي الحَسَنِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَيَحْيَى بْنِ الطَّرَّاحِ، وَأَبِي مَنْصُوْرٍ بنِ خَيْرُوْنَ، وَأَبِي الحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الهَرَوِيِّ، وَأَبِي سَعِيْدٍ البَغْدَادِي، وَسَعْدِ الخَيْرِ الأَنْصَارِيِّ، وَغَيْرِهِمْ. وَسَمِعَ هُوَ بِنَفْسِهِ مِنْ أَبِي الفَضْلِ الأُرْمَوِيِّ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ الزَّاغُوْنيِّ، وَسَعِيْدِ بْنِ البَنَّاءِ، وَابْنِ نَاصِرٍ الحَافِظِ، وَأَبِي الوَقْتِ، وَطَبَقَتِهِمْ وَمَنْ بَعْدَهُمْ أَيْضًا، وَبَالَغَ فِي الطَّلَبِ، وَقَرَأَ بِنَفْسِهِ، وَكَتَبَ الكَثِيْرَ بِخَطِّهِ، وَحَصَّلَ الأُصُوْلَ، وَلَازَمَ أَبَا الحَسَنِ بْنَ بَكْرُوْسٍ الفَقِيْهَ، وَانْتَفَعَ بِه، وَأَبَا الفَضْلِ بْنَ نَاصِرٍ، وَعَنْهُ أَخَذَ عِلْمَ الحَدِيْثِ، وَكَتَبَ الكَثِيْرَ بِخَطِّهِ المَلِيْحِ المُتْقَنِ (١) لِنَفْسِهِ، وَتَوْرِيْقًا لِلْنَّاسِ فِي شَبَابِهِ، стр. 1314
وَكَانَتْ لَهُ حَلْقَةٌ بِجَامِعِ القَصْرِ، يَقْرَأُ بِهَا فِي كُلِّ جُمْعَةٍ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَهِيَ حَلْقَةُ ابْنِ نَاصِرٍ، أَخَذَهَا بَعْدَ مَوْتِ ابْنِ شَافِعٍ، وَلَمْ يَزَلْ يَسْمَعُ وَيَقْرَأُ عَلَى الشُّيُوْخِ لإِفَادَةِ النَّاسِ إِلَى آخِرِ عُمُرِهِ.
قَالَ ابْنُ النَّجَّارِ: صَنَّفَ مَجْمُوْعَاتٍ حَسَنَةً فِي كُلِّ فَنٍّ، وَلَمْ يَكُنْ فِي أَقْرَانِهِ أَكْثَرُ سَمَاعًا مِنْهُ، وَلَا أَحْسَنُ أُصُوْلًا، كَأَنَّهَا الشَّمْسُ وُضُوْحًا، وَعَلَيْهَا أَنْوَارُ الصِّدْقِ، وَبَارَكَ اللهُ لَهُ فِي الرِّوَايَةِ حَتَّى حَدَّثَ بِجَمِيْعِ مَرْوِيَّاتِهِ، صَحِبْتُهُ مُدَّةً طَوِيْلَةً، وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ فِي حَلَقَتِهِ بِالجَامِعِ، وَفِي دُكَّانِهِ الكَثِيْرَ مِنَ الكُتُبِ الكِبَارِ وَالأَجْزَاءِ، وَأَكْثَرَ مَا جَمَعَهُ وَخَرَّجَهُ، عَلَّقْتُهُ عَنْهُ، وَاسْتَفَدْتُ مِنْهُ كَثِيْرًا (١)، وَكَانَ ثِقَةً، حُجَّةً، نَبِيْلًا، مَا رَأَيْتُ فِي شُيُوْخِنَا - سَفَرًا وَلَا حَضَرًا - مِثْلَهُ فِي كَثْرَةِ مَسْمُوْعَاتِهِ، وَمَعْرِفَتِهِ بِمَشَايِخِهِ، وَحُسْنِ أُصُوْلِهِ، وَحِفْظِهِ، وَإِتْقَانِهِ، وَكَانَ أَمِيْنًا، ثَخِيْنَ السِّتْرِ، مُتَدَيِّنًا، جَمِيْلَ الطَّرِيْقَةِ، عَفِيْفًا، أُرِيْدَ عَلَى أَنْ يَشْهَدَ عِنْدَ القُضَاةِ فَأَبَى ذلِكَ، وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا، وَأَلْطَفِهِمْ طَبْعًا، وَمِنْ مَحَاسِنِ البَغْدَادِيِّيْنَ وَظُرَفَائِهِمْ، مَا يَمَلُّ جَلِيْسُهُ مِنْهُ.
وَقَالَ ابْنُ نُقْطَةَ: كَانَ ثِقَةً، ثَبْتًا، مَأْمُونًا، كَثِيْرَ السَّمَاعِ، وَاسِعَ الرِّوَايَةِ، صَحِيْحَ الأُصُوْلِ، مِنْهُ تَعَلَّمْنَا وَاسْتَفَدْنَا، مَا رَأَيْنَا مِثْلَهُ.
وَقَالَ ابْنُ الدُّبَيْثِيِّ (٢): جَمَعَ فِي الحَدِيْثَ، وَبَوَّبَ، وَخَرَّجَ، وَكَانَ стр. 1315
ثِقَةً، صَدُوْقًا، لَهُ مَعْرِفَةٌ بِهَذَا الشَّأْنِ، وَلَمْ أَرَ فِي شُيُوْخِنَا أَوْفَرَ شُيُوْخًا مِنْهُ، وَلَا أَعَزَّ سَمَاعًا، مَعَ مَعْرِفَةٍ بِحَدِيْثِهِ وَشُيُوْخِهِ، وَفَهْمِ مَا يَرْوِيْهِ، وَسَمِعْنَا مِنْهُ، وَقَرَأْنَا، وَانْتَفَعْنَا بِهِ، وَنِعْمَ الشَّيْخُ كَانَ.
قَالَ ابْنُ القَطِيْعِيِّ: صَنَّفَ كِتَابًا سَمَّاهُ: "تَنْبِيْهَ اللَّبِيْبِ" فَأَبَانَ فِيْهِ عَنْ عِلْمٍ غَزِيْرٍ، وَحِفْظٍ كَثِيْرٍ.
وَقَالَ أَبُو شَامَةَ: صَنَّفَ الكُتُبَ الحِسَانَ، فِي الأَبْوَابِ وَالشُّيُوخِ وَالفَضَائِلِ، وَقَالَ: تَصَانِيْفُهُ تَدُلُّ عَلَى فَهْمِهِ، وَضَبْطِهِ، وَحُسْنِ مَعْرِفَتِهِ.
وَقَالَ المُنْذِرِيُّ: حَدَّثَ مُدَّةً طَوِيْلَةً نَحْوًا مِنْ سِتِّيْنَ سَنَةً، وَصَنَّفَ تَصَانِيْفَ مُفِيْدَةً، وَانْتَفَعَ بِهِ جَمَاعةٌ، وَلَنَا مِنْهُ إِجَازَةٌ، وَكَانَ حَافِظَ "العِرَاقِ" فِي وَقْتِهِ. قَالَ: وَ"الجُنَابَذَ" (١) - يَعْنِي: الَّتِي يُنْسَبُ إِلَيْهَا - بِضَمِّ الجِيْمِ، وَفَتْحِ النُّونِ، وَبَعْدَ الأَلِفِ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ مَفْتُوْحَةٌ، وَذَالٌ مُعْجَمَةٌ: قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى "نَيْسَابُوْرَ". стр. 1316
قُلْتُ: وَمِنْ تَصَانِيْفِهِ (١): "المَقْصَدُ الأَرْشَدُ فِي ذِكْرِ مَنْ رَوَى عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدَ" فِي مُجَلَّدَيْنِ، أَجْزَاءٌ عَدِيْدَةٌ، كِتَابُ: "تَنْبِيْهِ اللَّبِيْبِ وَتَلْقِيْحِ فَهْمِ المُرِيْبِ فِي تَحْقِيْقِ أَوْهَامِ الخَطِيْبِ وَتَلْخِيْصِ وَصْفِ الأَسْمَاءِ فِي اخْتِصَارِ الرَّسْمِ وَالتَّرْتِيْبِ"، أَجْزَاءٌ كَثِيرَةٌ، رَأَيْتُ مِنْهُ الجُزْءَ العِشْرِيْنَ، وَقَدْ تَتَبَّعَ فِيْهِ الأَوْهَامَ الَّتِي ذَكَرَهَا الخَطِيْبُ لِلأَئِمَّةِ الحُفَّاظِ، وَأَجَابَ عَنْهَا، وَفِي بعْضِ أَجْوِبَتِهِ تَعَسُّفٌ شَدِيْدٌ، وَبَعْضُهَا لَا يُوَافِقُ عَلَيْهِ أَلْبَتَّةَ، وَلَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ بِحَالٍ، وَفِي بَعْضِهَا فَوَائِدُ حَسَنَةٌ، وَذَكَرَ فِي هَذَا الجُزْءِ أَوْهَامًا لاِبْنِ السَّمْعَانِيِّ صَاحِبِ "الذَّيْلِ"، وَوَقَعَ لابْنِ الأَخْضَرِ فِي هَذَا الجُزْءِ وَهْمٌ فَاحِشٌ، وَهُوَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ البُخَارِيَّ رَوَى حَدِيْثَ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ" الحَدِيْثَ بِتَمَامِهِ فِي النِّكَاحِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ بَكْرٍ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سَلِيْمٍ الكُوْفِيِّ، عَنْ جَعْفَرٍ بنِ رَبِيْعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ هُرْمُزَ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ стр. 1317
اللهُ عَنْهُ - وَهَذَا غَلَطٌ فَاحِشٌ، وَكَذلِكَ كَتَبَ عَلَيْهِ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ بِخَطِّهِ؛ وَهُوَ كَمَا قَالَ: فَإِنَّ اللَّيْثَ هَذَا هُوَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَهَذَا أَمْرٌ وَاضِحٌ. وَفِي كَلَامِهِ سَجْعٌ كَثِيْرٌ، وَتَكَلُّفٌ شَدِيْدٌ. وَمِنْ تَآلِيْفِهِ: "فَضَائِلُ شَعْبَانَ" وَ"طُرُقُ جُزْءِ الحَسَنِ بْنِ عَرَفَةَ" جُزْءٌ كَبِيْرٌ.
وَسَمِعَ مِنِ ابْنِ الأَخْضَرِ خَلْقٌ كَثِيْرٌ مِنَ الأَئِمَّةِ وَالحُفَّاظِ المُتَقَدِّمِيْنَ، منْهُمْ: أَبُو المَحَاسِنِ القُرَشِيُّ، وَعُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ العُلَيْمِيُّ الدِّمَشْقِيَانِ، وَالحَافِظُ عَبْدُ الغَنِيِّ المَقْدَسِيُّ. وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الجَوْزِيِّ فِي تَصَانِيْفِهِ حِكَايَاتٌ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الدُّبَيْثِيِّ، وَابْنُ نُقْطَةَ، وَابْنُ النَّجَّارِ، وَالضِّيَاءُ المَقْدِسِيُّ، وَالبِرْزَالِيُّ، وَابْنُ خَلِيْلٍ (١) والزَّيْنُ خَالِدٌ (٢) النَّابُلُسِيُّ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَكَابِرِ الحُفَّاظِ، وَابْنُهُ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ العَزِيْزِ بْنِ الأَخْضَرِ، وَالنَّجِيْبُ الحَرَّانِيُّ (٣)، وَأَخُوْهُ عَبْدُ العَزِيْزِ، وَيَحْيَى بْنُ الصَّيْرَفِيِّ стр. 1318
الفَقِيْهِ، وَالمِقْدَادُ القَيْسِيُّ، وَخَلْقٌ (١). وَآخِرُ مَنْ روَى عَنْهُ بالإِجَازَةِ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّطِيْفِ البَغْدَادِيُّ البَزَّارُ (٢).
تُوُفِّيَ ﵀ لَيْلَةَ السَّبْتِ بَيْنَ العِشَاءَيْنِ، فِي سَادِسِ شَوَّالٍ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ وَسِتِّمَائَةَ، وَفُتِحَ لَهُ جَامِعُ القَصرِ مِنَ الغَدِ، وَحَضَرَهُ خَلْقٌ كَثِيْرٌ مِنَ العُلَمَاءِ وَالأَعْيَانِ، وَقَرَأَ الدِّيْوَانُ، وَمُنِعَ مِنْ شَدِّ تَابُوْتهِ، وَحُمِلَ بِوَقَارٍ وَسَكِيْنَةٍ، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ "بَابِ حَرْبٍ" عِنْدَ قَبْرِ أَبِي بَكْرٍ المَزْرَفِيِّ (٣)، ﵀.
أَخْبَرَنَا أَبُو الفَتْحِ المَيْدُوْمِيُّ، بِـ "مَصْرَ" (أَنَا) أَبُو الفَرَجِ الحَرَّانِيُّ، (أَنَا) أَبُو مُحَمَّدِ بنِ الأَخْضَرِ الحَافِظُ (أَنَا) أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ البَاقِي (أَنَا) أَبُو إِسْحَقَ البَرْمَكِيُّ حُضُوْرًا (أَنَا) أَبُو مُحَمَّدِ بنُ مَاسِي (أَنَا) أَبُو مُسْلِمٍ البَلْخِيُّ، (ثَنَا) مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيُّ (ثَنَا) سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : (٤) "لَا هِجْرَةَ بَيْنَ المُسْلمِيْنَ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ"، أَوْ قَالَ: "ثَلَاثَ لَيَالٍ". стр. 1319
٢٧٥ - عَبْدُ المُحْسِنِ بنُ يَعِيْشَ (١) بْنِ إِبْرَاهِيْمَ بْنِ يَحْيَى الحَرَّانِيُّ الفَقِيْهُ أَبُو مُحَمَّدٍ. سَمِعَ بِـ "حَرَّانَ" مِنْ أَبِي يَاسِرٍ عَبْدِ الوَهَّابِ بْنِ أَبِي حَبَّةَ، وَرَحَلَ إِلَى "بَغْدَادَ" سَنَةَ أَرْبَعَ وَتِسْعِيْنَ، فَسَمِعَ مِنِ ابْنِ كُلَيْبٍ، وَابْنِ (٢) الجَوْزِيِّ وَطَبَقَتِهِمَا، وَقَرَأَ المَذْهَبَ وَالخِلَافَ حَتَّى تَمَيَّزَ، وَأَقَامَ بِـ "بَغْدَادَ" مُدَّةً، ثُمَّ عَادَ إِلَى "حَرَّانَ" فَأَقَامَ بِهَا، ثُمَّ قَدِمَ "بَغْدَادَ" حَاجًّا سَنَةَ عَشْرٍ وَسِتِّمَائَةَ، وَحَدَّثَ بِهَا عَنْ ابْنِ أَبِي حَبَّةَ، وَسَمِعَ مِنْهُ بَعْضُ الطَّلَبَةِ، وَرَجَعَ إِلَى "حَرَّانَ" فَتُوفِّيَ بِهَا سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ وَسِتِّمَائَةَ، وَكَانَ شَابًّا ﵀ ذَكَرَهُ ابْنُ النَّجَّارِ. стр. 1320
٢٧٦ - عْبْدِ القَادِرِ بْنُ عَبْدِ اللهِ (١) الفَهْمِيُّ الرُّهَاوِيُّ، ثُمَّ الحَرَّانِيُّ، المُحَدِّثُ الحَافِظُ، الرَّحَّالُ، أَبُو مُحَمَّدٍ، مُحَدِّثُ الجَزِيْرَةِ.
وُلِدَ فِي جُمَادَى الآخِرَةِ سَنَةِ سِتٍّ وَثَلَاثِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ بِـ "الرُّهَا" ثُمَّ أَصَابَهُ سَبْيٌ لَمَّا فَتَحَ زَنْكِي وَالِدُ نُوْرِ الدِّيْنِ "الرُّهَا" سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلَاثِيْنَ، فَاشْتَرَاهُ بَنُو فَهْمٍ الحَرَّانِيُّونَ وَأَعْتَقُوهُ، كَذَا قَالَ ابْنُ القَطِيْعِيِّ وَابْنُ النَّجَّارِ.
وَذَكَرَ الدُّبَيْثِيُّ وَأَبُو شَامَةَ: أَنَّهُ اشْتَرَاهُ رَجُلٌ مِنَ "المَوْصِلِ"، فَأَعْتَقَهُ. стр. 1321
قَالَ ابْنُ القَطِيْعِيِّ: وَيُقَالُ: إِنَّهُ مَوْلَى لِبَنِي أَبِي الفَهْمِ الحَرَّانِيِّيْنَ (١).
قَالَ القَطِيْعِيُّ: قَالَ لِي: طَلَبْتُ الحَدِيْثَ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِيْنَ.
وَذَكَرَ أَبُو الفَرَجِ بْنُ الحَنْبَلِيِّ: أَنَّهُ تَعَلَّمَ القُرْآنَ، فَأعْتَقَهُ سيِّدُهُ، وَقَرَأَ كِتَابَ "الجَامِعِ الصَّغِيْرِ" فِي المَذْهَبِ، وَهُوَ لِلْقَاضِي أَبِي يَعْلَى، وَنَفَعَهُ، وَرَأَيْتُ لَهُ مُصَنَّفًا فِي الفَرائِضِ وَالحِسَابِ، وسَافَرَ فِي طَلَبِ العِلْمِ، سَمِعَ الحَافِطُ عَبْدُ القَادِرِ بِـ "بَغْدَادَ" مِنْ أَبِي عَلِيٍّ الرَّحْبِيِّ، وَابْنِ الخَشَّابِ اللُّغَوِيِّ، وَأَبِي الحُسَيْنِ عَبْدِ الحَقِّ بْنِ عَبْدِ الخَالِقِ، وَأَخِيْهِ عَبْدِ الرَّحِيْمِ، وَشُهْدَةَ، وَجَمَاعَةٍ كَثِيْرَةٍ، وَبِـ "هَمَذَانَ" مِنَ الحَافِظِ أَبِي العَلَاءِ الهَمَذَانِيِّ، وَأَبِي زُرْعَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ بنِ طَاهِرٍ المَقْدِسِيِّ، وَجَمَاعَةٍ، وَبِـ "أَصْبَهَانَ" مِنْ أَبِي القَاسمِ فُوَرَّجَةَ، وَأَبِي عَبْدِ اللهِ الرُّسْتُمِيُّ (٢) وَمَسْعُوْدِ بنِ الحَسَن الثَّقَفِيِّ، وَأَبِي المُطَهِّرِ الصَّيْدَلَانِيِّ، وَأَبِي جَعْفَرٍ الصَّيْدَلَانِيِّ، وَرَجَاءٍ المَعْدَانِيِّ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ هَذِهِ الطَّبَقَةِ، وَمِنْ الحُفَّاظِ بِهَا، كَأَبِي مَسْعُوْدٍ عَبْدِ الرَّحيْمِ بْنِ أَبِي الوَفَاءِ، وَمَعْمَرِ بنِ الفَاخِرِ، وَأَبِي مُوْسَى المَدِيْنِيِّ، وَأَبِي سَعِيْدٍ الصَّايِغِ.
وَدَخَلَ "خُرَاسَانَ" فَسَمِعَ بِـ "نَيْسَابُوْرَ" مِنْ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ стр. 1322
عُمَرَ الطُّوْسِيِّ وَطَبَقَتِهِ، وَبِـ "مَرْوَ" مِنْ أَبِي الفَتْحِ المَسْعُوْدِيِّ، وَبِـ "سِجِسْتَانَ" مِنْ أَبِي عَرُوْبَةَ عَبْدِ الهَادِي بنِ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدِ، وَبِـ "هَرَاةَ" مِنْ نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ، وَمِن أَبِي الفَتْحِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرِ الخَازِميِّ، وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الصَّفَّارِ، وَعَبْدِ الجَلِيْلِ بْنِ أَبِي سَعْدٍ، خَاتِمَةِ أَصْحَابِ بَيْبِي (١)، وَجَمَاعَةٍ، وَسَمِعَ بِـ "دِمَشْقَ" مِنَ الحَافِظِ أَبِي القَاسِمِ بْنِ عَسَاكِرٍ، وَشَيْخِ الشُّيُوْخِ أَبِي الفَتْحِ بْنِ حَمُّوْيَةَ، وَأَبِي المَعَالِي بْنِ صَابِرٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ أَبِي الصَّقْرِ، وَغَيْرِهِمْ، وَبِـ "مِصْرَ" مِنْ ابْنِ بَرِّيِّ النَّحْوِيِّ، وَأَبِي عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ الرَّحْبِيِّ، وَغَيْرِهِمَا، وَبِـ "الإِسْكَنْدَرِيَّةِ" مِنَ الحَافِظِ السِّلَفِيِّ وَغَيْرِهِ، وَسَمِعَ بِـ "وَاسِطَ" مِنْ أَبِي طَالِبِ بْنِ الكِنَانِيِّ، وَجَمَاعَةٍ، وَبِـ "المَوْصِلِ" وَ"حَرَّانَ" مِنْ أَبِي الفَضْلِ الطُّوْسِيِّ، وَيَحْيَى بْنِ سَعْدُونَ وَغَيْرِهِمَا، وَسَمِعَ بِبِلَادٍ أُخْرَى، "كَبُوشَنْجَ" وَ"زِنْجَانَ" وَ"تُسْتَرَ" وَ"الكَرَجِ" (٢) وَ"البَصْرَةِ"، وَكَانَ يَمْشِي فِي أَسْفَارِهِ عَلَى قَدَمَيْهِ، وَكُتُبُهُ مَحْمُوْلَةٌ مَعَ النَّاسِ، وَرُبَّمَا كَانَ طَعَامُهُ مِنْ عِنْدِهِمْ أَيْضًا، لِفَقْرِهِ، وَكَتَبَ بِخَطِّهِ الكَثِيْرَ مِنَ الكُتُبِ وَالأَجْزَاءِ، وَأَقَامَ بِـ "دِمَشْقَ" بِمَدْرَسَةِ ابْنِ الحَنْبَلِيِّ مُدَّةً، حَتَّى نَسَخَ "تَارِيْخَ ابنِ عَسَاكِرٍ" بِخَطِّهِ، وَسَمِعَهُ عَلَيْهِ، ذَكَرَ ذلِكَ ابْنُ النَّاصِحِ. وَأَقَامَ بِـ "المَوْصِلِ" مُدَّةً، وَوَلِيَ بِهَا مَشْيَخَةَ стр. 1323
"دَارِ الحَدِيْثِ المُظَفَّرِيَّةِ"، وَحَدَّثَ بِهَا بِأَكْثَرِ مَسْمُوْعَاتِهِ، ثُمَّ انْتَقَلَ مِنْهَا إِلَى "حَرَّانَ" وَسَكَنَهَا إِلَى حِيْنِ وَفَاتِهِ. قَالَ ابنُ الحَنْبَلِيِّ: وَوَقَفَ عَلَيْهِ مُظَفَّرُ الدِّيْنِ صَاحِبِ "إِرْبِلَ" أَرْضًا بِأَرْضِ "حَرَّانَ" وَبَعَثَ مَعَهُ مَرَّةً مَالًا يَفُكُّ بِهِ الأُسَارَى مَعَ أَجْنَادٍ مِنْ "إِرْبِلَ" فَاجْتَمَعْنَا بِهِ بِـ "دِمَشْقَ".
قَالَ ابْنُ نُقْطَةَ: كَانَ عَالِمًا، ثِقَةً، مَأْمُوْنًا، صَالِحًا، إِلَّا أنَّهُ كَانَ عَسِرًا فِي الرِّوَايَةِ (١). لَا يُكْثِرُ عَنْهُ إِلَّا مَنْ أَقَامَ عِنْدَهُ.
وَقَالَ الدُّبَيْثِيُّ: كَانَ صَالِحًا، كَثِيْرَ السَّمَاعِ، ثِقَةً، كَتَبَ النَّاسُ عَنْهُ كَثِيْرًا، وَأَجَازَ لَنَا مِرَارًا.
وَقَالَ ابْنُ خَلِيْلٍ (٢): كَانَ حَافِظًا ثَبْتًا، كَثِيْرَ التَّصْنِيْفِ، مُتْقِنًا، خُتِمَ بِهِ عِلْمَ الحَدِيْثِ.
وَقَالَ ابْنُ النَّجَّارِ: كَانَ حَافِظًا، مُتْقِنًا، فَاضِلًا، عَالِمًا، وَرِعًا، مُتَدَيِّنًا، زَاهِدًا، عَابِدًا، صَدُوْقًا، ثِقَةً، نَبِيْلًا، عَلَى طَرِيْقَةِ السَّلَفِ الصَّالِحِ، لَقِيْتُهُ بِـ "حَرَّانَ"، وَكَتَبْتُ عَنْهُ جُزْءًا وَاحِدًا، انْتَخَبْتُهُ مِنْ عَوَالِي مَسْمُوْعَاتِهِ فِي رِحْلَتِي الأُوْلَى.
وَقَالَ المُنْذِريُّ: جَمَعَ مَجَامِيْعَ مُفِيْدَةً، مِنْهَا: كِتَابُ "الأَرْبَعِيْنَ" (٣) الَّذِي خَرَّجَهُ بِأَرْبَعِيْنَ إِسنَادًا، لَا يَتَكَرَّرُ فِيْهِ رَجُلٌ وَاحِدٌ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا، مِمَّا سَمِعَهُ فِي أَرْبَعِيْنَ مَدِيْنَةً، وَهُوَ كَبِيْرٌ فِي مُجَلَّدَتَيْنِ، قَالَ: وَكَانَ حافِظًا، стр. 1324
ثِقَةً، رَاغِبًا فِي الانْفِرَادِ عَنْ أَرْبَابِ الدُّنْيَا، وَلَنَا مِنْهُ إِجَازَةٌ، وَقَالَ أَبُو شَامَةَ: كَانَ صَالِحًا، مَهِيْبًا، زَاهِدًا، نَاسِكًا، خَشَنَ العَيْشِ، صَدُوْقًا، وَرِعًا.
وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: كَانَ رَجُلًا، وَرِعًا، صَالِحًا، مَهِيْبًا، لَهُ تَصَانِيْفَ فِي الحَدِيْثِ.
قُلْتُ: مِنْ تَصَانِيْفِهِ: كِتَابُ "المَادِحِ وَالمَمْدُوْحِ" يَتَضَمَّنُ تَرْجَمَةَ شَيْخِ الإِسْلَامِ الأَنْصَارِيِّ، وَفَضَائِلَهُ، وَذَكَرَ مَنْ مَدَحَهُ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالمَادِحِيْنَ لَهُ مِنْ تَرَاجِمِهِمْ وَحَدِيْثِهِمْ، وَكَذلِكَ مَادِحُو مَادِحِيْهِ، وَطَالَ الكِتَابُ بِذلِكَ، وَأَكْثَرُهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِشَيْخِ الإِسْلَامِ إِلَّا عَلَى سَبِيْلِ الاسْتِطْرَادِ، وَإِنْ كَانَ فِي ذلِكَ فَوَائِدٌ. وَمِنْ مُصَنَّفَاتِهِ: "الأَرْبَعُوْنَ البُلْدَانِيَّةُ" المُتَبَايِنَةُ الأَسَانِيْدِ (١) وَلَمْ يَسْبِقْ إِلَى ذلِكَ وَلَا يَطْمَعُ أَحَدٌ فِي لِحَاقِهِ؛ لِخَرَابِ البُلْدَانِ، وَانْقِطَاعِ الرِّوَايَةِ عَنْ أَكْثَرِ تِلْكَ البِلَادِ. قَالَ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ: وَلَهُ أَوْهَامٌ نَبَّهْتُ عَلَى مَوَاضِعَ مِنْهَا، فِي "الأَرْبَعِيْنَ" لَهُ، وَتَكَرَّرَ عَلَيْهِ فِي تَبَايُنِ الأَسَانِيْدِ أَرْبَعُ مَوَاضِعَ، وَقَدْ حَدَّثَ بِالكَثِيْرِ بِبِلَادٍ شَتَّى. حَدَّثَ بِـ "بَغْدَادَ" قَدِيْمًا، وَسَمِعَ مِنْهُ ابْنُ القَطِيْعِيِّ، وَتَمِيْمُ بْنُ البَنْدَنِيْجِيِّ، وَحَدَّثَ بِـ "الاِسْكَنْدَرِيَّةِ" فِي حَيَاةِ السِّلَفِيِّ (٢) ﵀ وَحَدَّثَ بِـ "المَوْصِلِ" وَ"إِرْبِلَ"، وَ"حَرَّانَ" وَسَمِعَ مِنْهُ خَلْقٌ كَثِيْرٌ مِنَ الحُفَّاظِ الأَئِمَّةِ، مِنْهُمْ أَبُو عَمْرو (٣) بْنُ الصَّلَاحِ، وَحَدَّثَ стр. 1325
عَنْهُ ابْنُ نُقْطَةَ، وَأَبُو عَبْدِ اللهِ البَرَدَانِيُّ، وَالضِّيَاءُ، وَابْنُ خَلِيْلٍ، وَالصَّرِيْفِيْنِيُّ، وَإِسْمَاعِيْلُ بْنُ ظفَرٍ (١)، وَالشِّهَابُ القُوْصِيُّ، وَابْنُ عَبْدِ الدَّائِمِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَالِمِ (٢) الأَنْبَارِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ الصَّيْرَفِيِّ الفَقِيْهَانِ، وَعَبْدُ العَزِيْزِ بْنُ الصَّيْقَلِ الحَرَّانِيُّ، وَأَبُو عَبْدِ اللهِ بْنُ حَمْدَانَ الفَقِيْهُ، وَهُوَ خَاتِمَةُ أَصْحَابِهِ (٣).
تُوُفِّيَ ﵀ يَوْمَ السَّبْتِ ثَانِي جُمَادَى الأُوْلَى سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَسِتِّمَائَةَ بِـ "حَرَّانَ".
نَقَلْتُ مِنْ خَطِّ الإِمَامِ أَبِي العَبَّاسِ بْنِ تَيْمِيَّةَ ﵀ قَالَ: رَأَيْتُ بِخَطِّ الحَافِظِ سِرَاجِ الدِّيْنِ بْنِ شُحَانَةَ (٤) الحَرَّانِيِّ، سَمِعْتُ أَبَا الفَتْحِ نَصْرَ اللهِ بْنَ أَبِي بَكْرِ بنِ عُمَرَ الفَرَّاءَ الحَرَّانِيَّ، يَقُوْلُ: رَأَيْتُ الحَافِظَ عَبْدَ القَادِرِ ﵀ بَعْدَ مَوْتِهِ بِأَيَّامِ قَلِيْلَةٍ، وَهُوَ جَالِسٌ فِي مَسْجِدِ الشَّيْخِ، وَفِي يَدِهِ مُجَلَّدٌ، وَهُوَ يَسْمَعُ، فَقُمْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا شَيْخُ عَبْدَ القَادِرِ، مَا قَدْمِتَّ؟ قَالَ: بَلَى، стр. 1326
وَتَحْسَبُ أَنِّي أُبْطِلُ السَّمَاعَ، فَلَا أَزَالُ أَسْمَعُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.
أَخْبَرَنَا المُعَمَّرُ أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيْلَ الأَنْصَارِيُّ، (أَنَا) الفَقِيْهُ أَبُو زَكَرِّيَا يَحْيَى بنُ أَبِي مَنْصُوْرٍ الحَرَّانِيُّ - حُضُوْرًا - (أَنَا) الحَافِظُ أَبُو مُحَمَّدٍ الرُّهَاوِيُّ (أَنَا) نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ الهَرَوِيُّ (أَنَا) أَبُو عَامِرٍ مَحْمُوْدُ بنُ القَاسِمِ الأَزْدِيُّ (أَنَا) عَبْدُ الجَبَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ المَرْوَزِيُّ (أَنَا) العَبَّاسُ المَحْيَوِيُّ (أَنَا) أَبُو عِيْسَى مُحَمَّدُ بْنُ عِيْسَى بْنِ سَوْرَةَ الحَافِظُ، (ثَنَا) هَنَّادٌ، وَقُتَيْبَةُ، وَمَحْمُوْدُ ابْنُ غَيْلَانَ، قَالُوا: (ثَنَا) وَكِيْعٌ، عَنْ سُفْيَانَ.
(ح) (قَالَ) (ثَنَا) مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، (ثَنَا) ابْنُ مَهْدِي، (ثَنَا) سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيْلٍ، عَنِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ (١): "مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطَّهُوْرُ، وَتَحْرِيْمُهَا التَّكْبِيْرُ، وَتَحْلِيْلُهَا التَّسْلِيْمُ".
٢٧٧ - عَبْدُ المُنْعِمُ بْنُ مُحَمَّدِ (٢) بْنِ الحُسَيْنِ بْنِ سُلَيْمَانَ البَاجِسْرَائِيُّ، ثُمَّ البَغْدَادِيُّ الفَقِيْهُ، أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ. стр. 1327
وُلِدَ سَنَةَ تِسْعٍ وَأَرْبَعِيْنَ، أَوْ سَنَةَ خَمْسِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ بِـ "بَاجِسْرَا".
وَقَدِمَ "بَغْدَادَ" فِي صِبَاهُ، فَسَمِعَ مِنْ شُهْدَةَ وَغَيْرِهَا، وَقَرَأَ الفِقْهَ علَى أَبِي الفَتْحِ بْنِ المَنِّيِّ، وَلَازَمَهُ حَتَّى بَرَعَ، وَقَرَأَ الأُصُوْلَ وَالخِلَافَ، وَالجَدَلَ عَلَى مُحَمَّدِ بنِ أَبِي عَلِيِّ البوقَانِيِّ الشَّافِعِيِّ، وَصَحِبَ أَبَا إِسْحَقَ بْنَ الصَّقَّالِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ، وَصَارَ مُعِيْدًا بِمَدْرَسَتِهِ، ثُمَّ دَرَّسَ بِمَسْجِدِ شَيْخِهِ ابْنِ المَنِّيِّ بِـ "المَأْمُوْنِيَّةِ" مُدَّةً، وَكَانَ يَؤُمُّ فِي الصَّلَاةِ بِـ "مَسْجدِ الآجُرَّةِ". وَشَهِدَ عنْدَ قَاضِي القُضَاةِ أَبِي الفَضَائِلِ بْنِ الشَّهْرَزُوْرِيِّ (١) وَتَوَلَّى بِالدِّيْوَانِ وَكَانَتْ لَهُ حَلَقَةٌ بجَامِعِ القَصْرِ يَتَكَلَّمُ فِيْهَا فِي مَسَائِلِ الخِلَافِ، وَيَحْضُرُ عِنْدَهُ الفُقَهَاءُ، وَكَانَ فَقِيْهًا فَاضِلًا حَافِظًا لِلْمَذْهَبِ (٢)، حَسَنَ الكَلَامِ فِي مَسَائِلِ الخِلَافِ، مُتَدَيِّنًا، حَسَنَ الطَّرِيْقَةِ، ذَكَرَ ذلِكَ ابْنُ النَّجَّارِ، وَقَالَ: سَمِعَ مَعَنَا أَخِيْرًا مِنْ مَشَايِخَنَا، فَأَكْثَرَ، وَكَانَ حَسَنَ الأَخْلَاقِ، مُتَوَدِّدًا، حَدَّثَ بِيَسِيْرٍ، وَلَمْ يَتَّفِقْ لِي أَنْ أَكْتُبَ عنْهُ شَيْئًا، رَوَى عَنْهُ أَبُو عَبْدِ اللهِ بنِ الدُّبَيْثِيِّ.
وَقَالَ القَادِسِيُّ: كَانَ فَقِيْهًا، مُنَاظِرًا، حَسَنَ الطَّرِيْقَةِ، لَهُ سَمْتٌ (٣) وَوَقَارٌ وَعفَافٌ، مَعَ دِيْنٍ، نَاظَرَ، وَأَفْتَى، وَقَد رَوَى عَنْهُ ابْنُ السَّاعِيِّ بِالإِجَازَةِ، وَقَالَ: стр. 1328
أَنْشَدَنِي هَذَيْنِ البَيتَيْنِ (١):
إِذَا أَفَادَكَ إِنْسَانٌ بِفَائِدَةٍ … مِنَ العُلُوْمِ فَأَدْمِنْ شُكْرَهُ أَبَدًا
وَقُلْ فُلَانٌ جَزَاهُ اللهُ صَالِحَةً … أَفَادَنِيْهَا وَأَلْقِ الكِبْرَ وَالحَسَدَا
قَالَ: وَكَانَ دَيِّنًا، صَالِحًا، مُتَوَرِّعًا، مُتَحَفِّظًا (٢)، فِي الطَّهَارَةِ.
تُوُفِّيَ ﵀ يَوْمَ الاثْنَيْنِ، ثَامِنَ عَشَرَ جُمَادَى الأُوْلَى سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَسِتِّمَائَةَ، وَدُفِنَ مِنَ الغَدِ بِـ "بَابِ حَرْبٍ" كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ النَّجَّارِ، وَقَالَ الأَكْثَرُونَ: تُوُفِّيَ فِي سَابِعَ عَشَرَ الشَّهْرَ، وَقَالَ القَادِسِيُّ: صُلِّيَ عَلَيْهِ بِـ "بَابِ جَامِعِ المَدِيْنَةِ"، لاِمْتِنَاعِ الحَنَابِلَةِ أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ بِـ "النِّظَامِيَّةِ" (٣) رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.
قَالَ المُنْذِرِيُّ: وَ"بَاجِسْرَا" قَرْيَةٌ كَبِيْرَةٌ مِنْ نَواحِي "بَغْدَادَ"، بَيْنَهَا وَبَيْنَهَا عَشَرَةُ فَرَاسِخُ، وَهِيَ بِفَتْحِ البَاءِ المُوَحَّدَةِ، وَبَعْدَ الأَلِفِ جِيْمٌ مَكْسُوْرَةٌ، وَسِيْنٌ مُهْمَلَةٌ سَاكِنَةٌ، وَرَاءٌ مَفْتُوْحَةٌ (٤)، وَقَدْ وَقَعَ فِي ضَبْطِ الحَافِظِ عَبْدِ المُؤْمِنِ الدِّمْيَاطِيِّ بِفَتْحِ الجِيْمِ، فَإِنْ كَانَ فِيْهَا لُغَتَانِ، كَمَا فِي "جَسْرٍ" وَإِلَّا فَالمَعْرُوفُ الكَسْرُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
٢٧٨ - عَبْدُ الوَهَّابِ بْنُ بُزْغُشَ (٥) بْنِ عبْدِ اللهِ العِيَبِيُّ، المُقْرِئُ، البَغْدَادِيُّ، стр. 1329
أبُو الفَتْحِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ، خَتَنُ الشَّيْخِ أَبِي الفَرَجِ بْنِ الجَوْزِيِّ.
وُلِدَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ تَقْدِيْرًا، وَقَرَأَ القُرْآنَ بِالرِّوَايَاتِ الكَثِيْرَةِ عَلَى سَعْدِ اللهِ بْنِ الدَّجَاجِيِّ، وَعَبْدِ الوَهَّابِ بْنِ الصَّابُونِيِّ، وَأَبِي الفَضْلِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شُنَيْفٍ (١)، وَعَلِيِّ بْنِ عَسَاكِرٍ البَطَائِحِيِّ وَإِسْمَاعِيْلَ بْنِ بَرَكَاتٍ الغَسَّانِيِّ، وَجَمَاعَةٍ غَيْرِهِمْ، وَسَمِعَ الحَدِيْثَ الكَثِيْرَ: مِنْ أَبِي الوَقْتِ، وَابْنِ البَطِّيِّ، وَأَبِي زُرْعَةَ، وَيَحْيَى بْنِ ثَابِتِ بْنِ بُنْدَار، وَخَلْقٍ كَثِيْرٍ، مِنْ هَذِهِ الطَّبَقَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَعُنِيَ بِالحَدِيْثِ، وَكَتَبَ بِخَطِّهِ، وَحَصَّلَ الأُصُوْلَ، وَتَفَقَّهَ فِي المَذْهَبِ، وَقَرَأَ الخِلَافَ.
قَالَ ابْنُ النَّجَّارِ: كَانَ حَسَنَ المَعْرِفَةِ بِالقُرْآنِ مُجَوِّدًا، مَلِيْحَ التِّلَاوَةِ، حَسَنَ الأَدَاءِ، طَيِّبَ النَّغْمَةِ، ضَابِطًا، لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالوَعْظِ، يَتَكَلَّمُ فِي تَعَازِي الأَكَابِرِ، стр. 1330
وَيُحسِنُ الكَلَامَ فِي مسَائِلِ الخِلَافِ، وَكَانَ يُصَلِّي إِمَامًا فِي المَسْجِدِ الجَدِيْدِ بِـ "سُوقِ الخَبَّازِيْنَ" عِنْدَ عَقْدِ الحَدِيْدِ (١).
قُلتُ: وَيُعْرَفُ المَسْجِدُ بِـ "مَسْجِدِ قُطَيْنَةِ" لأَنَّ عَبْدَ الوَهَّابِ - هَذَا - كَانَ يُلَقَّبُ قُطَيْنَةَ (٢)؛ لِبَيَاضِهِ، فَنُسِبَ المَسْجِدُ إِلَيْهِ.
قالَ ابْنُ النَّجَّارِ: كَتَبْنَا عَنْهُ، وَكَانَ صَدُوْقًا، حَسَنَ الطَّرِيْقَةِ، مُتَدَيِّنًا، فَقِيْرًا، صَبُوْرًا، وَزَمِنَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ، وَانْقَطَعَ فِي بَيْتِهِ مُدَّةً.
قَالَ ابْنُ نُقْطَةَ: هُوَ ثِقَةٌ، لَكِنَّهُ أَخْرَجَ أَحَادِيْثَ مِمَّا قَرُبَ سَنَدُهُ، وَلَا يَعْرِفُ الرِّجَالَ، فَرُبَّمَا أَسْقَطَ مِنَ الإِسْنَادِ رَجُلَانِ أَوْ أَكْثَرَ، وَهُوَ لَا يَدْرِي (٣).
وَقَالَ القَادِسِيُّ: كَانَ قَارِئًا، مُجَوِّدًا، مَلِيْحَ الصَّوْتِ، حَسَنَ الأَدَاءِ، وَاعِظًا، شَاعِرًا، فَقِيْهًا، لَهُ مَعْرِفَةٌ حَسَنَةٌ بِإِنْشَاءِ الخُطَبِ، وَنَظَمَ فِي القُرْآنِ أَرَاجِيْزَ كَثِيرَةً، وَقَدْ قَرَأَ القُرْآنَ بِالرِّوَايَاتِ، وَحَدَّثَ، وَسَمِعَ مِنْهُ جَمَاعَةٌ.
وَتُوُفِّيَ لَيْلَةَ الخَمِيْسِ خَامِسَ ذِي القَعْدَةِ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَسِتِّمَائَةَ، وَصَلَّى عَلَيْهِ مِنَ الغَدِ مُحْيِي الدِّيْنِ بْنِ الجَوْزِيِّ بِمَدْرَسَتِهِ، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ "بَابِ حَرْبٍ" رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى. стр. 1331
وَ"بُزْغُشِ" بِالبَاءِ المُوَحَدَّةِ المَضْمُوْمَةِ، وَبِالزَّايِ، وَالغَيْنِ، والشِّيْنِ المُعْجَمَاتِ وَ"العِيَبِيُّ" بِكَسْرِ العَيْنِ المُهْمَلَةِ، وَفَتْحِ اليَاءِ آخِرِ الحُرُوْفِ، وَكَسْرِ البَاءِ المُوَحَّدَةِ، وَنُسِبَ كَذلِكَ؛ لأَنَّ أَبَاهُ كَانَ يَحْمِلُ "العِيَبَ" الَّتِي فِيْهَا كُتُبُ الرَّسَائِلِ؛ لأَنَّهُ كَانَ "فَيْجَا" أَيْ: سَاعِيًا قَالَهُ المُنْذِرِيُّ وَغَيْرُهُ (١).
أَخْبَرَنَا أَبُو المَعَالِي مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الشَّيْبَانِيُّ (٢) بِـ "بَغْدَادَ" (أنَا) أَبُو الفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَن بْنُ عَبْدِ اللَّطِيْفِ البَزَّارُ (أَنَا) عَبْدُ الوَهَّابِ بْنُ بُزْغُشٍ - كِتَابَةً - (أَنَا) أَبُو زُرْعَةَ طَاهِرُ بْنُ مُحَمَّدٍ (أَنَا) أَبُو مَنْصُوْرٍ المُقَوّمِيُّ (أَنَا) أَبُو القَاسِمِ بْنُ المُنْذِرِ (ثَنَا) عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيْمَ بْنِ سَلَمَةَ، (ثَنَا) ابْنُ مَاجَهْ (ثَنَا) عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ (ثَنَا) وَكِيعٌ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ أَبِي مَرْزُوْقٍ، عَنْ أَبِي الصِّدِّيْقِ النَّاجِي، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: (٣) "خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُوْلُ اللهِ ﷺ ، وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى стр. 1332
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1333
عَصًا، فَلَمَّا رَأَيْنَاهُ قُمْنَا، فَقَالَ: لَا تَفْعَلُوا كَمَا يَفْعَلُ أَهْلُ فَارِسَ بِعُظَمَائِهَا، قُلْنَا: يَا رَسُوْلَ اللهِ! لَوْ دَعَوْتَ اللهَ لَنَا؟ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا، وَارْضَ عَنَّا، وَتَقَبَّلْ مِنَّا، وَأَدْخِلْنَا الجَنَّةَ، وَنَجِّنَا مِنَ النَّارِ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ، فَكَأَنَّنَا أَحْبَبْنَا أَنْ يَزِيْدَنَا، فَقَالَ: أَوَلَيْسَ قَدْ جَمَعْتُ لَكُمُ الأَمْرَ؟ ".
стр. 1334
٢٧٩ - إِبْرَاهِيْمُ بْنُ عَلِيِّ (١) بْنِ الحُسَيْنِ البَغْدَادِيُّ، أَبُو إِسْحَقَ، أَخُو الفَخْرِ إِسْمَاعِيْلَ غُلَامِ بْنِ المَنِّيِّ.
سَمِعَ الحَدِيْثَ، وَتَفَقَّهَ عَلَى أَخِيْهِ، وَتَكَلَّمَ فِي مَسَائِلِ الخِلَافِ، وَكَانَ فَقِيْهًا صَالِحًا، تُوُفِّيَ ثَانِي عَشَرَ رَبِيْعَ الأَوَّلِ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَسِتِّمَائَةَ، وَدُفِنَ عِنْدَ أَخِيْهِ بِمَقْبَرَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ، ﵁.
٢٨٠ - إِسْمَاعِيْلَ بْنُ عُمَرَ (٢) بنِ أَبِي بَكْرٍ المَقْدِسِيُّ، أَبُو إِسْحَقَ، وَأَبُو القَاسِمِ، وَأَبُو الفَضْلِ، وَيُلَقَّبُ "مُحِبُّ الدِّيْنِ".
سَمِعَ بِـ "دِمَشقَ" مِنْ أَبِي اليُمْنِ الكِنْدِيِّ وَغَيْرِهِ، وَبِـ "مِصْرَ" مِنْ البُوْصِيْرِيِّ، وَالحَافِظِ عَبْدِ الغَنِيِّ، وَبِـ "بَغْدَادَ" مِنِ ابْنِ الأَخْضَرِ وَطَبَقَتِهِ، وَبِـ "أَصْبَهَانَ" مِنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدِ بْنِ مَكِّيِّ، وَأَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ الجَابِيِّ (٣)، وَطَبَقَتِهِمَا مِنْ أَصْحَابِ الرُّسْتُمِيِّ، وَمَسْعُوْدٍ الثَّقَفِيِّ، وَكَانَتْ رِحْلَتُهُ مَعَ الضِّيَاءِ بَعْدَ стр. 1335
السِّتِّمَائَةَ، وَعُنِي بِالحَدِيْثِ، وَقَرَأَ، وَوَصَفَهُ جَمَاعَةٌ بِـ "الحَافِظِ" وَتَفَقَّهَ، وَحَدَّثَ. وَتُوُفِّيَ فِي ثَامِنَ عَشَرَ شَوَّالٍ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَسِتِّمَائَةَ، وَأَظُنُّهُ كَانَ شَابًّا.
٢٨١ - مُحَمَّدُ بْن عَبْدِ الغَنِّيِّ (١) بْنِ عَبْدِ الوَاحِدِ بنِ عَلِيِّ بْنِ سُرُوْرٍ المَقْدِسِيُّ، ثُمَّ الدِّمَشْقِيُّ، الحَافِظُ، أَبُو الفَتْحِ بنِ الحَافِظِ أَبِي مُحَمَّدٍ، وَيُلَقَّبُ "عِزُّ الدِّيْنِ".
وُلِدَ فِي أَحَدِ الرَّبِيْعَيْنِ سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ بِـ "دِمَشْقَ" وَأَسْمَعَهُ следующие страницы →