← Тараджим

Тараджим · id 31366

ذيل طبقات الحنابلة - لابن رجب - ت العثيمين

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (2 431 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

وَ"بُزْغُشِ" بِالبَاءِ المُوَحَدَّةِ المَضْمُوْمَةِ، وَبِالزَّايِ، وَالغَيْنِ، والشِّيْنِ المُعْجَمَاتِ وَ"العِيَبِيُّ" بِكَسْرِ العَيْنِ المُهْمَلَةِ، وَفَتْحِ اليَاءِ آخِرِ الحُرُوْفِ، وَكَسْرِ البَاءِ المُوَحَّدَةِ، وَنُسِبَ كَذلِكَ؛ لأَنَّ أَبَاهُ كَانَ يَحْمِلُ "العِيَبَ" الَّتِي فِيْهَا كُتُبُ الرَّسَائِلِ؛ لأَنَّهُ كَانَ "فَيْجَا" أَيْ: سَاعِيًا قَالَهُ المُنْذِرِيُّ وَغَيْرُهُ (١). أَخْبَرَنَا أَبُو المَعَالِي مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الشَّيْبَانِيُّ (٢) بِـ "بَغْدَادَ" (أنَا) أَبُو الفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَن بْنُ عَبْدِ اللَّطِيْفِ البَزَّارُ (أَنَا) عَبْدُ الوَهَّابِ بْنُ بُزْغُشٍ - كِتَابَةً - (أَنَا) أَبُو زُرْعَةَ طَاهِرُ بْنُ مُحَمَّدٍ (أَنَا) أَبُو مَنْصُوْرٍ المُقَوّمِيُّ (أَنَا) أَبُو القَاسِمِ بْنُ المُنْذِرِ (ثَنَا) عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيْمَ بْنِ سَلَمَةَ، (ثَنَا) ابْنُ مَاجَهْ (ثَنَا) عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ (ثَنَا) وَكِيعٌ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ أَبِي مَرْزُوْقٍ، عَنْ أَبِي الصِّدِّيْقِ النَّاجِي، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: (٣) "خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُوْلُ اللهِ ﷺ ، وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى

стр. 1332

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1333

عَصًا، فَلَمَّا رَأَيْنَاهُ قُمْنَا، فَقَالَ: لَا تَفْعَلُوا كَمَا يَفْعَلُ أَهْلُ فَارِسَ بِعُظَمَائِهَا، قُلْنَا: يَا رَسُوْلَ اللهِ! لَوْ دَعَوْتَ اللهَ لَنَا؟ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا، وَارْضَ عَنَّا، وَتَقَبَّلْ مِنَّا، وَأَدْخِلْنَا الجَنَّةَ، وَنَجِّنَا مِنَ النَّارِ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ، فَكَأَنَّنَا أَحْبَبْنَا أَنْ يَزِيْدَنَا، فَقَالَ: أَوَلَيْسَ قَدْ جَمَعْتُ لَكُمُ الأَمْرَ؟ ".

стр. 1334

٢٧٩ - إِبْرَاهِيْمُ بْنُ عَلِيِّ (١) بْنِ الحُسَيْنِ البَغْدَادِيُّ، أَبُو إِسْحَقَ، أَخُو الفَخْرِ إِسْمَاعِيْلَ غُلَامِ بْنِ المَنِّيِّ. سَمِعَ الحَدِيْثَ، وَتَفَقَّهَ عَلَى أَخِيْهِ، وَتَكَلَّمَ فِي مَسَائِلِ الخِلَافِ، وَكَانَ فَقِيْهًا صَالِحًا، تُوُفِّيَ ثَانِي عَشَرَ رَبِيْعَ الأَوَّلِ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَسِتِّمَائَةَ، وَدُفِنَ عِنْدَ أَخِيْهِ بِمَقْبَرَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ، ﵁. ٢٨٠ - إِسْمَاعِيْلَ بْنُ عُمَرَ (٢) بنِ أَبِي بَكْرٍ المَقْدِسِيُّ، أَبُو إِسْحَقَ، وَأَبُو القَاسِمِ، وَأَبُو الفَضْلِ، وَيُلَقَّبُ "مُحِبُّ الدِّيْنِ". سَمِعَ بِـ "دِمَشقَ" مِنْ أَبِي اليُمْنِ الكِنْدِيِّ وَغَيْرِهِ، وَبِـ "مِصْرَ" مِنْ البُوْصِيْرِيِّ، وَالحَافِظِ عَبْدِ الغَنِيِّ، وَبِـ "بَغْدَادَ" مِنِ ابْنِ الأَخْضَرِ وَطَبَقَتِهِ، وَبِـ "أَصْبَهَانَ" مِنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدِ بْنِ مَكِّيِّ، وَأَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ الجَابِيِّ (٣)، وَطَبَقَتِهِمَا مِنْ أَصْحَابِ الرُّسْتُمِيِّ، وَمَسْعُوْدٍ الثَّقَفِيِّ، وَكَانَتْ رِحْلَتُهُ مَعَ الضِّيَاءِ بَعْدَ

стр. 1335

السِّتِّمَائَةَ، وَعُنِي بِالحَدِيْثِ، وَقَرَأَ، وَوَصَفَهُ جَمَاعَةٌ بِـ "الحَافِظِ" وَتَفَقَّهَ، وَحَدَّثَ. وَتُوُفِّيَ فِي ثَامِنَ عَشَرَ شَوَّالٍ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَسِتِّمَائَةَ، وَأَظُنُّهُ كَانَ شَابًّا. ٢٨١ - مُحَمَّدُ بْن عَبْدِ الغَنِّيِّ (١) بْنِ عَبْدِ الوَاحِدِ بنِ عَلِيِّ بْنِ سُرُوْرٍ المَقْدِسِيُّ، ثُمَّ الدِّمَشْقِيُّ، الحَافِظُ، أَبُو الفَتْحِ بنِ الحَافِظِ أَبِي مُحَمَّدٍ، وَيُلَقَّبُ "عِزُّ الدِّيْنِ". وُلِدَ فِي أَحَدِ الرَّبِيْعَيْنِ سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ بِـ "دِمَشْقَ" وَأَسْمَعَهُ

стр. 1336

بِهَا وَالِدُهُ فِي صِغَرِهِ مِنْ أَبِي المَعَالِي بْنِ صَابِرٍ، وَالخَضِرِ بْنِ طَاوُوْسَ، وَأبِي المَجْدِ البَانِيَاسِيِّ، وَارْتَحَلَ إِلَى "بَغْدَادَ" سَنَةَ ثَمَانِيْنَ، فَسَمِعَ مِنْ أَبِي الفَتْحِ بْنِ شَاتِيْلَ، وَنَصْرِ اللهِ القَزَّازِ وَغَيْرِهِمَا، وَارْتَحَلَ إِلَى "أَصْبَهَانَ" بَعْدَ التِّسْعِيْنَ، فَسَمِعَ بِهَا مِنْ أَبِي الفَتْحِ عَبْدِ الرَّحِيْمِ الكَاغِدِيِّ، وَمَسْعُوْدٍ الحَمَّالِ، وَأَبِي المَكَارِمِ اللَّبَّانِ وَطَبَقَتِهِمْ، وَعَادَ إِلَى "بَغْدَادَ" وَأَقَامَ بِهَا مُدَّةً يَسْمَعُ مِنْ أَبِي الفَرَجِ بْنِ الجَوْزِيِّ وَطَبَقَتِهِ، وَقَرَأَ بِهَا "مُسْنَدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ"، وَتَفَقَّهَ عَلَى أَبِي الفَتْحِ بْنِ المَنِّيِّ فِي المَرَّةِ الأُوْلَى، وَقَرَأَ فِي الثَّانِيَةِ عَلَى أَبِي البَقَاءِ (١) مِنَ الفِقْهِ وَاللُّغَةِ، وَسَمِعَ بِـ "مِصْرَ" مِنْ أَبِي القَاسمِ البُوصَيْرِيِّ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ ابْنُ النَّجَّارِ: سَمِعْنَا مَعَهُ، وَبِقِرَاءَتِهِ كَثِيْرًا، وَكَتَبَ بِخَطِّهِ كَثِيْرًا، وَحَصَّلَ كَثِيْرًا مِنَ الأُصُولِ شِرَاءً، وَاسْتَنْسَخَ كَثِيْرًا مِنَ الكُتُبِ وَالأَجْزَاءِ، وَسَمِعْتُ مِنْهُ حَدِيْثًا وَاحِدًا، فِي مَجْلِسِ شَيْخِنَا أَبِي أَحْمَدَ الأَمِيْنِ - يَعْنِي ابْنَ سُكَيْنَةَ - (٢) وَهُوَ الَّذِي سَأَلَ عَنْهُ، وَكَانَ مِنْ أَئِمَّةِ المُسْلِمِيْنَ، حَافِظًا لِلْحَدِيْثِ مَتْنًا وَإِسْنَادًا، عَارِفًا بِمَعَانِيْهِ وَغَرِيْبِهِ، وَمُشْكِلِهِ، مُتْقِنًا لأَسَامِي المُحَدِّثِيْنَ، وَكُنَاهُمْ، وَمِقْدَارِ أَعْمَارِهِمْ، وَمَا قِيْلَ فِيْهِمْ مِنْ جَرْحٍ وَتَعْدِيْلٍ، وَمَعْرِفَةِ أَنْسَابِهِمْ، وَاخْتِلَافِ أَسْمَائِهِمْ، مَعَ ثِقَةٍ، وَعَدَالَةٍ، وَصِدْقٍ، وَأَمَانَةٍ، وَحُسْنِ طَرِيْقَةٍ، وَدِيَانَةٍ، وَجَمِيْلِ سِيْرَةٍ، وَرِضَى أَخْلَاقٍ، وَتَوَدُّدٍ وَكَيَسٍ، وَمُرُوْءَةٍ ظَاهِرَةٍ، وَتَعَمُّدٍ لِقَضَاءِ حُقُوْقِ الإِخْوَانِ، وَمُسَاعَدَةِ الغُرَبَاءِ.

стр. 1337

وَقَالَ الحَافِظُ الضِّيَاءُ: - كَانَ ﵀ حَافِظًا، فَقِيْهًا، ذَا فُنُوْنٍ، وَكَانَ أَحْسَنَ النَّاسِ قِرَاءَةً، وَأَسْرَعَهُمْ، وَكَانَ غَزِيْرَ الدَّمْعَةِ عِنْدَ القِرَاءَةِ، وَكَانَ مُتْقِنًا، ثِقَةً، سَمْحًا، جَوَادًا، وَكَانَ يَتَكَلَّمُ فِي مَسَائِلِ الخِلَافِ كَلَامًا حَسَنًا، وَكَانَ يَقْرَأُ الحَدِيْثَ لِلْنَّاسِ كُلَّ لَيْلَةِ جُمْعَةٍ فِي مَسْجِدِ دَارِ البَطِّيْخِ (١) بِـ "دِمَشْقَ" قَالَ الذَّهَبِيُّ: يَعْنِي "مَسْجِدَ السَّلَّالِيْنَ" وَانْتَفَعَ النَّاسُ بِمُجَالَسَتِهِ، ثُمَّ انْتَقَلَ مِن الجَامِعِ إِلَى مَوْضِعِ وَالِدِهِ، فَكَانَ يَقْرَأُ يَوْمَ الجُمُعَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَوَصَفَهُ بِالمُرُوْءَةِ التَّامَّةِ، وَالدِّيَانَةِ المَتِيْنَةِ. وَقَالَ أَبُو شَامَةَ: صَحِبَ المَلِكَ المُعَظَّمَ عِيْسَى، وَسَمِعَ بِقِرَاءَتِهِ الكَثِيْرَ، وَكَانَ حَافِظًا، دَيِّنًا، زَاهِدًا، وَرِعًا. قُلْتُ: وَخَرَّجَ تَخَارِيْجَ، كَـ "الأَمالِي"، وَجَدْتُ مِنْهَا: الجُزْءَ التَّاسِعَ وَالأَرْبَعِيْنَ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنَاهُ: تَقِيُّ الدِّيْنِ أَحْمَدُ، وَعِزُّ الدِّيْنِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَالحَافِظُ ضِيَاءُ الدِّيْنِ، وَالشِّهَابُ القُوْصِيُّ (٢)، وَالشَّيْخُ شَمْسُ الدِّيْنِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عُمَرَ، وَابْنُ النَّجَّارِ، وَآخَرُونَ. تُوُفِّيَ ﵀ لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ تَاسِعَ عَشَرَ، وَقِيْلَ: العِشْرِيْنَ - مِنْ شَوَّالٍ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَستِّمَائَةَ، وَدُفِنَ مِنَ الغَدِ بِسَفْحِ جَبَلِ "قَاسِيُوْنَ" (٣)، رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.

стр. 1338

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كُنَّا نَقْرَأُ عنْدَهُ لَيْلَةَ مَاتَ، فَرَأَيْتُ نُوْرًا عَلَى بَطْنِهِ مِثْلَ السِّرَاجِ فَكُنْتُ أَقُوْلُ: تُرَى يَرَاهُ أَحَدٌ غَيْرِي أَمْ لَا؟ ذَكَرَهُ الحَافِظُ الضِّيَاءُ، وَذَكَرَ لَهُ مَنَامَاتٍ صَالِحَةً مُتَعَدِّدَةً، مِنْهَا: عَنْ مَسْعُوْدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ شُكْرٍ أَنَّهُ رَآهُ بَعْدَ مَوْتهِ فِي المَنَامِ، وَكَأَنَّ وَجْهَهُ البَدْرُ، وَقَالَ الرَّائِي: مَا رَأَيْتُ فِي الدُّنْيَا أَحَدًا عَلَى صُوْرَتِهِ، وَلَهُ شَعْرٌ بَائِنٌ، مِنْ تَحْتِ عِمَامَتِهِ، لَمْ أَرَ شَعْرًا مِثْلَ سَوَادِهِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا عِزَّ الدِّيْنِ، كَيْفَ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا وَأَنْتَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَرَآهُ آخَرُ، فَقَالَ لَهُ: بِاللهِ عَلَيْكَ، مَاذَا لَقِيْتَ مِنْ رَبِّكَ؟ قَالَ: كُلَّ خَيْرٍ جَمِيْلٍ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَفٍ (١): رَأَيْتُهُ - يَعْنِي العِزَّ - فِي المَنَامِ فَقَالَ لِي: جاءَ إِلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ فَقَضَى لِي كُلَّ حَاجَةٍ، وَمَنَامَاتُ أُخَرُ، رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى. أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحمَدَ بنِ إِبْرَاهِيْمَ المَقْدِسِيُّ (٢) (أَنَا) أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الوَاحِدِ (أَنَا) أَبُو الفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ الحَافِظِ عَبْدِ الغَنِيِّ - قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ - (أَنَا) أَبُو عَلِيٍّ الحَسَنُ بْنُ أَحْمَدُ بْنِ الحَسَنِ الحَدَّادُ المُقْرِئُ - قِرَاءَةً عَلَيْهِ - (أَنَا) الحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَحْمدَ بْنِ إِسْحَقَ الأَصْبَهَانِيُّ. (أَنَا) أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرِ

стр. 1339

ابْنِ أَحْمَدَ بْنِ فَارِسٍ (أَنَا) بِشْرُ بنُ يُونُسَ بْنِ حَبِيْبِ بْنِ عَبْدِ القَاهِرِ العِجْلِيُّ، (ثَنَا) أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ (ثَنَا) شُعْبَةُ، عَنْ قتادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ (١): "رُؤْيَا المُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِيْنَ جُزْءًا مِنَ النُبُوَّةِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُثَنَّى، وَابْنِ بَشَّارٍ، كِلَاهُمَا عَنْ غُنْدُرٍ، وَأَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ. ٢٨٢ - أَحْمَدُ بنُ عُبَيْدِ اللهِ (٢) بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قُدَامَةَ المَقْدِسِيُّ،

стр. 1340

الشَّيْخُ شَرَفُ الدِّيْنِ، أَبُو الحَسَنِ. وُلِدَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَسَمِعَ مِنْ أَبِي الفَرَجِ بْنِ كُلَيْبٍ وَغَيْرِهِ، وَحَدَّثَ، وَكَانَ فَقِيْهًا، فَاضِلًا، ثِقَةً، عَالِمًا، دَيِّنًا، جَمَعَ اللهُ لَهُ بَيْنَ حُسْنِ الخَلْقِ وَالخُلُقِ وَالدِّيْنِ، وَالأَمَانَةِ وَالمُرُوْءَةِ، وَقَضَاءِ حَوَائِجِ الإِخْوَانِ، وَالكَرَمِ، وَالإِحْسَانِ لِلْضُّعَفَاءِ وَالمَرْضَى، وَقَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ، وَالتَّهَجُّدِ، وَكَانَ يَقُوْلُ الحَقَّ وَلَا يُحَابِي أَحَدًا. تُوُفِّيَ لَيْلَةَ رَابِعَ عَشْرَ ذِي القَعْدَةَ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَسِتِّمَائَةَ، وَدُفِنَ مِنَ الغَدِ، بِـ "سَفْحِ قَاسِيُوْنَ" وَرُئِيَتْ لَهُ مَنَامَاتٌ حَسَنَةٌ جِدًّا، وَرَثَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ. وَلَمَّا تُوُفِّيَ هَؤُلَاءِ، الثَّلَاثَةُ الأَخْيَارُ المَقْدِسيُّوْنَ: المُحِبُّ، وَالعِزُّ، وَالشَّرَفُ فِي مُدَّةٍ مُتَقَارِبَةٍ رَثَاهُمْ شيْخُ الإِسْلَامِ مُوَفَّقُ الدِّيْنِ بِقَوْلِهِ: (١)

стр. 1341

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1342

مَاتَ المُحِبُّ وَمَاتَ العِزُّ وَالشَّرَفُ … أَئِمَّةٌ سَادَةٌ مَا مِنْهُمُ خَلَفُ كَانُوا أَئِمَّةَ عِلْمٍ يُسْتَضَاءُ بِهِمْ … لَهْفِي عَلَى فَقْدِهِمْ لَوْ يَنْفَعُ اللَّهَفُ مَا وَدَّعُوْنِي غَدَاةَ البَيْنِ إِذْ رَحَلُوا … بَلْ أَوْدَعُوا قَلْبِيَ الأَحْزَانَ وَانْصَرَفُوا شَيَّعْتُهُمْ وَدُمُوْعُ العَيْنِ وَاكِفَةٌ … لِبَيْنِهِمْ وَفُؤَادِي حَشْوُهُ أَسَفُ أُكَفْكِفُ الدَّمْعَ مِنْ عَيْنِي فَيَغْلِبُنِي … وَأُحْضِرُ الصَّبْرَ فِي قَلْبِي فَلَا يَقِفُ وَقُلْتُ رُدُّوا سَلَامِي أَوْ قِفُوا نَفَسًا … رِفْقًا بِقَلْبِي فَمَا رَدُّوا وَلَا وَقَفُوا وَلَمْ يَعُوْجُوا علَى صَبٍّ بِهِمْ دَنِفٍ … يُخْشَى عَلَيْهِ لِمَا قَدْ مَسَّهُ التَّلَفُ أَحْبَابَ قَلْبِيَ مَا هَذَا بِعَادَتِكُمْ … مَا كُنْتُ أَعْهَدُ هَذَا مِنْكَ يَا شَرَفُ بَلْ كُنْتَ تُعْظِمُ تَبْجِيْلِي وَمَنْزِلَتِي … وَكُنْتَ تُكْرِمُنِي فَوْقَ الَّذِي أَصِفُ وَكُنْتَ عَوْنًا لَنَا فِي كُلِّ نَازِلَةٍ … تَظَلُّ أَحْشَاؤُنَا مِنْ هَمِّهَا تَجِفُ

стр. 1343

وَكُنْتَ تَرْعَى حُقُوْقَ النَّاسِ كُلِّهِمُ … مَنْ كُنْتَ تَعْرِفُ أَوْ مَنْ لَسْتَ تَعْتَرِفُ وَكَانَ جُوْدُكَ مَبْذُوْلًا لِطَالِبِهِ … جُنْحَ اللَّيَالِي إِذَا مَا أَظْلَمَ السُّدَفُ وَلِلْغَرِيْبِ الَّذِي قَدْ مَسَّهُ سَغَبٌ … وَلِلْمَرِيْضِ الَّذِي أَشْفَى بِهِ الدَّنَفُ وَكُنْتَ عَوْنًا لِمِسْكِيْنٍ وَأَرْمَلَةٍ … وَطَالِبٍ حَاجَةً قَدْ جَاءَ يَلْتَهِفُ ٢٨٣ - إِبْرَاهِيْمُ بْنُ عَبْدِ الوَاحِدِ (١) بْنِ عَلِيِّ بْنِ سُرُورٍ المَقْدِسِيُّ، الدِّمَشْقِيُّ، الفَقِيهُ، الزَّاهِدُ، الوَرِعُ، العَابِدُ، الشَّيْخُ، عِمَادُ الدِّيْنِ، أَبُو إسْحَقَ، وَأَبُو إِسْمَاعِيْلَ،

стр. 1344

أَخُو الحَافِظِ عَبْدِ الغَنِّيِّ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وُلِدَ بِـ "جَمَّاعِيْلَ" سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَكَانَ يَقُوْلُ: أَخِي الحَافِظُ عَبْدُ الغَنِيِّ أَكْبَرُ مِنِّي بِسَنَتَيْنِ. وَقَالَ المُنْذِرِيُّ: سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِيْنَ، وَهَاجَرَ إِلَى "دِمَشْقَ" مَعَ جَمَاعَتِهِمْ سَنَةَ إِحدَى وَخَمْسِيْنَ؛ لِاسْتِيْلَاءِ الفَرَنْجِ عَلَى أَرْضِهِمْ، وَقَرَأَ القُرْآنَ، وَسَمِعَ مِنْ أَبِي المَكَارِمِ بْنِ هِلَالٍ، وَعَبْدِ الرَّحمَنِ بْنِ عَلِيِّ الخِرَقِيِّ، وَغَيْرِهِمَا، وَحَفِظَ "غَرِيْبَ القُرْآنِ" العَزِيْزِيِّ (١)، وَ"مُخْتَصَرَ الخِرَقِيِّ" فِي الفِقْهِ، ورَحَلَ إِلَى "بَغْدَادَ" مَرَّتَيْنِ، أَوْلَاهُمَا مَعَ الشَّيْخِ المُوفِّقِ، سَنَةَ تِسْعٍ وَسِتِّيْنَ، فَقَرَأَ القُرْآنَ عَلَى أَبِي الحَسَنِ البَطَائِحِيِّ، وَسَمِعَ مِنْ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ الخَشَّابِ، وَصَالِحِ بْنِ الرِّخْلَةِ (٢) وَشُهْدَةَ الكَاتِبَةِ، والشَّيْخِ عَبْدِ المُغِيْثِ الحَرْبِيِّ وَغَيْرِهِمْ. وَسَمِعَ بِـ "المَوْصِلِ" مِنْ خَطِيْبِهَا أَبِي الفَضْلِ الطُّوْسِيِّ، وَتَفَقَّهَ بِـ "بَغْدَادَ" عَلَى أَبِي الفَتْح بْنِ المَنِّيِّ، حَتَّى بَرَعَ، وَنَاظَرَ، وَأَفْتَى، وَرَجَعَ إِلَى "دِمَشْقَ"، وَأَقْبَلَ علَى إِشْغَالِ النَّاسِ وَنَفْعِهِمْ. قَالَ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّيْنِ - فِي حَقِّ العِمَادِ، لَمَّا سُئِلَ عَنْهُ -: كَانَ مِنْ خِيَارِ

стр. 1345

أَصْحَابِنَا، وَأَعْظَمِهِمْ نَفْعًا، وَأَشَدِّهِمْ وَرَعًا، وَأَكْثَرِهِمْ صَبْرًا عَلَى تَعْلِيْمِ القُرْآنِ وَالفِقْهِ، وَكَانَ دَاعِيَةً إِلَى السُّنَّةِ، وَتَعْلِيمِ العِلْمِ وَالدِّيْنِ، وَكَانَ يُقْرِئُ الضُّعَفَاءِ الفُقرَاءِ، وَيُطْعِمُهُمْ وَيَبْذُلُ لَهُمْ نَفْسَهُ، وَكَانَ مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ تَوَاضُعًا، وَاحْتِقَارًا لِنَفْسِهِ، وَخوْفًا مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَمَا أَعْلَمُ أَنَّنِي رَأَيْتُ أَشَدَّ خَوْفًا مِنْهُ، وَكَانَ كَثِيْرَ الدُّعَاءِ وَالسُّؤَالِ للهِ تَعَالَى، وَكَانَ يُطيْلُ الرُّكُوْعَ والسُّجُوْدِ فِي الصَّلَاةِ، وَيَقْصُدُ أَنْ يَقْتَدِيَ بِصَلَاةِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ ، وَلَا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ يَعْذِلُهُ فِي ذلِكَ، وَنُقِلَتْ لَهُ كَرَامَاتٌ كَثِيْرَةٌ. وَقَالَ الحَافِظُ الضِّيَاءُ: كَانَ عَالِمًا بِالقُرْآنِ، وَالنَّحْوِ، وَالفَرَائِضِ، وَغَيْرِ ذلِكَ مِنْ العُلُوْمِ، وَصَنَّفَ كِتَابَ "الفُرُوْقِ فِي المَسَائِلِ الفِقْهِيَّةِ" وَصَنَّفَ كِتَابًا فِي "الأَحْكَامِ" لكِنَّهُ لَمْ يُتِمَّهُ، وَكَانَ مَلِيْحًا، وَكَانَ مِنْ كَثْرَةِ إِشْغَالِهِ وَاشْتِغَالِهِ لَا يَتَفَرَّغُ لِلْتَّصْنِيْفِ وَالكِتَابَةِ. قَالَ: وَسَمِعْتُ الشَّيْخَ مُوَفَّقِ الدِّيْنِ يَقُوْلُ: مَا نَقْدِرُ نَعْمَلُ مِثْلَ العِمَادِ ﵀ كَانَ يَتَأَلَّفُ النَّاسَ وَيُقْرِؤُهُمْ، حَتَّى إِنَّهُ رُبَّمَا رَدَّدَ علَى إِنْسَانٍ كَلِمَاتٍ يَسِيْرَةٍ مِنْ سَحَرَ إِلَى الفَجْرِ. وَقَال الضِّيَاءِ: كَانَ ﵀ يَتَأَلَّفُ النَّاسَ، وَيَلْطَفُ بِالغُرَبَاءِ وَالمَسَاكِيْنِ، حَتَّى صَارَ مِنْ تَلَامِيْذِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الأَكْرَادِ وَالعَرَبِ وَالعَجَمِ، وَكَانَ يَتَفَقَّدُهُمْ، وَيَسْأَلُ عَنْهُمْ، وَعَنْ حَالِهمْ، وَلَقَدْ صَحِبَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَنْوَاعِ المَذَاهِبِ، فَرَجَعُوا عَنْ مَذَاهِبِهِمْ لِمَا شَاهَدُوا مِنْهُ، وَكَانُوا يَتَحَدَّثُوْنَ عَنْهُ، وَيَذْكُرُوْنَ لَنَا مِنْ كَرَامَاتِهِ، وَكَرَمِهِ، وَحُسْنِ عِشْرَتِهِ، وَكَانَ سَخِيًّا، جَوَادًا، كَثِيْرَ المَعْرُوْفِ، حَتَّى كَانَ بَيْتُهُ مَأْوَى للنَّاسِ، وَكَانَ يَنْصَرِفُ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى بَيْتِهِ مِنَ الفُقَرَاءِ

стр. 1346

جَمَاعَةٌ كَثِيْرَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَيُقَدِّمُ إِلَيْهِمْ مَا حَضَرَ. قَالَ: وَكَانَ لَا يَكَادُ يَفْتُرُ مِنَ الِاشْتِغَالِ؛ إِمَّا بِالقُرْآنِ، أَوْ الحَدِيْثِ، أَوْ غَيْرِهِ مِنَ العُلُوْمِ وَأَقَامَ بِـ "حَرَّانَ" مُدَّةً، وَانْتَفَعُوا بِهِ، وَكَانَ يَشْتَغِلُ بِـ "الجَبَلِ" إِذَا كَانَ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّيْنِ بِالمَدِيْنَةِ، فَإِذَا صَعَدَ المُوَفَّقُ "الجَبَلَ" نَزَلَ هُوَ فَاشْتَغَلَ بِالمَدِيْنَةِ، وَكَانَ يَقْعُدُ فِي جَامِعِ "دِمَشْقَ" مِنَ الفَجْرِ إِلَى العِشَاءِ، لَا يَخْرُجُ إِلَّا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ، يُقْرِئُ النَّاسَ القُرْآنَ وَالعِلْمَ، فَإِذَا لَمْ يَبْقَ لَهُ مَنْ يَشْتَغِلُ عَلَيْهِ اشْتَغَلَ بِالصَّلَاةِ، وَكَانَ دَاعِيَةً إِلَى السُّنَّةِ وَتَعْلِيْمِ العِلْمَ وَالدِّيْنِ، وَخَتَمَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الأَصْحَابِ. قَالَ: وَمَا أَعْلَمُ أَنَّهُ أَدْخَلَ نَفْسَهُ فِي شَيءٍ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا، وَلَا تَعَرَّضَ لَهَا، وَلَا نَافَسَ فِيْهَا، وَقَدْ يُفْتَحُ لأَصْحَابِنَا بَعْضَ الأَوْقَاتِ بِشَيءٍ مِنَ الدُّنْيَا، فَمَا أَعْلَمُ أَنَّهُ حَضَرَ عِنْدَهُمْ يَوْمًا قَطُّ فِي شَيْءٍ مِنْ ذلِكَ، وَمَا عَلِمْتُ أَنَّهُ دَخَلَ يَوْمًا إِلَى سُلْطَانٍ وَلَا إِلَى وَالٍ، وَلَا تَعَرَّفَ بِأَحَدٍ مِنْهُمْ، وَلَا كَانَتْ لَهُ رَغْبَةٌ فِي ذلِكَ. قَالَ: وَكَانَ مُحَافِظًا علَى الصِّدْقِ وَالوَرَعِ، سَمِعْتُهُ يَقُوْلُ لِرَجُلٍ: كَيْفَ وَلَدُكَ؟ فَقَالَ: يُقَبِّلُ يَدَكَ، فَقَالَ: لَا تَكْذِبُ، وَكَانَ كَثِيْرَ الأَمْرِ بالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، لَا يَرَى أَحَدًا يُسِيْءُ صَلَاتَهُ إِلَّا قَالَ لَهُ وَعَلَّمَهُ، وَلَقَدْ بَلَغَنِي أنَّهُ خَرَجَ مَرَّةً إِلَى قَوْمٍ مِنَ الفُسَّاقِ فَكَسَرَ مَا مَعَهُمْ فَضَرَبُوْهُ، وَنَالُوا مِنْهُ حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهِ، فَأَرَادَ الوَالِي ضَرْبَ الَّذِيْنَ نَالُوا مِنْهُ، فَقَالَ: إِنْ تَابُوا وَلَزِمُوا الصَّلَاةَ فَلَا تُؤْذِهِمْ، وَهُمْ فِي حِلِّ مِنْ قِبَلِي، فَتَابُوا وَرَجَعُوا عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ. قَالَ: وَرَأَيْتُهُ رُبَّمَا يَكُوْنُ فِي مَسْجِدٍ، فَإِذَا أَخَذَ مِنْ لِحْيَتِهِ شَعْرَةً، أَوْ

стр. 1347

مِنْ أَنْفِهِ شَيْئًا جَعَلَ ذلِكَ فِي عِمَامَتِهِ، وَرُبَّمَا بَرَى قَلَمًا فَيَتَحَفَّظُ مِنَ القُلَامَةِ، وَلَا يَدَعَهَا فِي المَسْجِدِ، وَكَانَ إِذَا أَفْتَى فِي مَسْأَلَةٍ يَتَحَرَّزُ فِيْهَا احْتِرَازًا كَثِيْرًا، حَتَّى كَانَ بَعْضُ الفُقَهَاءِ يَتَعَجَّبُ مِنْ فَتَاوِيْهِ، وَكَثْرَةِ احْتِرَازِهِ فِيْهَا، وَسَمِعْتُ مَنْ يَقُوْلُ: كَانَ يَكُوْنُ عَلَى ثَوْبِهِ غُبَارٌ، فَيَقُولُ لِي: اذْهَبْ فَانْفُضْهُ خَارِجَ المَسْجِدِ. وَسَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدِ بْنَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بْنِ هِبَةِ اللهِ الدِّمَشْقِيَّ، يَقُوْلُ: سَمِعْتُ الشَّيْخَ عَبْدَ اللهِ البَطَائِحِيَّ ﵀ يَقُوْلُ: أَشْكَلَتْ عَلَيَّ مَسْأَلَةً فِي الوَرَعِ، فَمَا وَجَدْتُ مَنْ أَفتَانِي فِيْهَا إِلَّا العِمَادَ - وَكَانَ ﵀ لَا يَرَى أَنْ يُخْرَجَ الحَصِيْرُ مِنَ المَسْجِدِ لِيُجْلَسَ عَلَيْهَا خَارِجَ المَسْجِدِ، وَالحَصِيْرُ الَّتِي لِلْمِحْرَابِ لَا يُجْلَسُ عَلَيْهَا خَارِجَ المِحْرَابِ. وَسَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي المَجْدِ الحَرْبِيَّ (١) يَقُوْلُ: كَانَ الشَّيْخُ العِمَادُ عِنْدَنَا بِـ "الحَرْبِيَّةِ" - يَعْنِي بِـ "بَغْدَادَ" - وَكَانَ إِذَا دَخَلَ بَيْتَ اللهِ وَلَمْ يُسَمِّ، خَرَجَ فَسَمَّى ثُمَّ دَخَلَ، وَسَمِعْتُ مِنْ شَيْخِنَا وَإِمَامِنَا مُوَفَّقِ الدِّيْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ المَقْدِسِيَّ، يَقُوْلُ: عُمْرِي أَعْرِفُهُ - يَعْنِي الشَّيْخَ العِمَادَ - وَكَانَ بَيْتُنَا قَرِيْبًا مِنْ بَيْتِهِمْ - يَعْنِي فِي أَرْضِ المَقْدِسِ - وَلَمَّا جِئْنَا إِلَى هُنَا، فَمَا افْتَرَقْنَا إِلَّا أَنْ يُسَافِرَ أَحَدُنَا، مَا عَرَفْتُ أَنَّهُ عَصَى اللهَ مَعْصِيَةً. وَسَمِعْتُ الإِمَامَ أَبَا إِبْرَاهِيْمَ مَحَاسِنَ بْنَ عَبْدَ المَلِكِ التَّنُوْخِي (٢) يَقُوْلُ: كَانَ الشَّيْخُ العِمَادُ جَوْهَرَةَ العَصْرِ، وَذلِكَ أَنَّ وَاحِدًا يُصَاحِبُ شَخْصًا مُدَّةً

стр. 1348

رُبَّمَا تَغَيَّرَ عَلَيْهِ، وكَانَ الشَّيْخُ العِمَادُ مَنْ صَاحَبَهُ لَا يَرَى مِنْهُ شَيْئًا يَكْرَهُهُ قَطُّ، كُلَّمَا طَالَتْ صُحْبَتُهُ ازْدَادَ بِشْرُهُ، وَرَأَى مِنْهُ مَا يَسُرُّهُ، وَهَذَا شَيءٌ عَظِيْمٌ، وَلَيْسَ يَكُوْنُ كَرَامَةً أَعْظَمَ مِنْ هَذَا. قَالَ الضِّيَاءُ: وَلَعَلَّهُ مَا قَعَدَ عِنْدَهُ أَحَدٌ إِلَّا حَصَلَ لَهُ مَنْفَعَةٌ فِي العِلْمِ وَالزُّهْدِ، أَوِ اقْتِبَاسِ شَيْءٍ مِنْ أَخْلَاقِهِ أَوْ أَوْرَادِهِ، وَغَيْرِ ذلِكَ، وَكَانَ يَذُمُّ نَفْسَهُ ذَمًّا كَثِيْرًا، وَيَحْقِرُهَا وَيَقُوْلُ: أَيْشٍ يَجِيْءُ مِنِّي أَنَا؟ وَكَانَ كَثِيْرَ التَّوَاضُعِ. سَمِعْتُ الشَّيْخَ مُوَفَّقَ الدِّيْنِ قَالَ: مَا رَأَيْتُ مَنِ اجْتَمَعَ فِيْهِ مِن خِلَالِ كَانَتْ فِي الشَّيْخِ العِمَادِ كَانَ أَكْثَرَ ذَمًّا لِنَفْسِهِ مِنْهُ، وَلَقَدْ حَضَرَتْ عِنْدَهُ مَرَّةً، وَقَدْ أَخَذَتْهُ الرِّيْحُ، وَكَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الكَلَامِ فَوَقَفْتُ، فَلَمَّا قَدَرَ عَلَى الكَلَامِ شَرَعَ فِي ذَمِّ نَفْسِهِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَصْلِحْ فَسَادَ قَلْبِي، وَجَعَلَ يَنُوْحُ عَلَى نَفْسِهِ أَنَا كَذَا، أَنَا كَذَا حَتَّى أَبْكَانِي. وَسَمِعْتُ الإِمَامَ أَبَا عَبْدِ اللهِ يُوسُفَ بْنَ عَبْدِ المُنْعِمِ بْنِ نِعْمَةَ المَقْدِسِيَّ (١) يَقُولُ: كُنْتُ أَكْتُبُ طَبَقَاتِ السَّمَاعِ علَى الشَّيْخِ العِمَادِ، فَكنْتُ أَكْتُبُ: الشَّيْخُ، الإمَامُ، العَالِمُ، الزَّاهِدُ، الوَرِعُ، فَخَاصَمَنِي عَلَى ذلِكَ خُصُوْمَةً كَثِيْرَةً. ثُمَّ ذَكَرَ الضِّيَاءُ مِنْ كَرَمِهِ وَحُسْنِ عِشْرَتِهِ أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِهِ كَانَتْ تَكُونُ لَهُ الحَاجَةُ إِلَيْهِ فَيَمْضِيَ إِلَى بَيْتِهِ فَيُقِيْمَ عِنْدَهُ اليَوْمَ وَاليَوْمَيْنِ، قَالَ: وَمَا رَأَيْتُهُ يَشْكِي مِنْ ذلِكَ شَيْئًا، قَالَ: وَمَا أَظُنُّ أَنِّي دَخَلْتُ عَلَيْهِ قَطُّ، إِلَّا عَرَضَ علَيَّ الطَّعَامَ. قَالَ: وَلَمْ يَزَلْ هَذَا دَأْبَهُ، مِنْ وَقْتِ مَا عَقَلْنَا، وَكَانَ يَتَفَقَّدُ النَّاسَ، وَيَسْأَلُ

стр. 1349

عَنْ أَحْوَالِهِمْ كَثِيْرًا، وَرُبَّمَا بَعَثَ إِلَى النَّاسِ نَفَقَةً سِرًّا. وَذَكَرَ عِدَّةَ حِكَايَاتٍ عَنْهُ، مِنْهَا: أَنَّهُ كَانَ إِذَا غَابَ أَحَدٌ مِنْ إِخْوَانِهِ أَرْسَلَ إِلَى بَيْتِهِ النَّفَقَةَ وَغَيْرَهَا، وَرُبَّمَا جَاءَ بِنَفْسِهِ إِلَيْهِمْ، قَالَ: وَرُبَّمَا كَانَ بَعْضُ النَّاسِ يُرْسِلُ إِلَيْهِ يَشْتَرِي لَهُ حَاجَةً، فَرُبَّمَا زَادَ علَى ثَمَنِهَا مِنْ عِنْدِهِ، وَلَا يُعْلِمُهُ بِذلِكَ، وَكَانَ يَلْقَى النَّاسَ بِالبِشْرِ الدَّائِمِ. قَالَ: وسَمِعْتُ عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ، أَنَّهُمْ قَالُوا: رُبَّمَا كُنَّا نُؤْذِيْهِ فَمَا يَغْضَبُ عَلَيْنَا، وَيَقُوْلُ: الذَّنْبُ لِي، وَأَنَّهُ كَانَ يَدْعُو لِمَنْ ظَلَمَهُ وَيَحْسِنُ إِلَيْهِ. قَالَ: وَلَقَدْ كَانَ أَعَارَ دَارَهُ الَّتِي فِي "الدَّيْرِ" لاِبْنِ أَخِيْهِ عِزِّ الدِّيْنِ أَبِي الفَتْحِ (١) مُدَّةً يَسْكُنُ فِيْهَا، ثُمَّ لَمْ يَعُدْ إِلَى سُكْنَاهَا قَطُّ، وَتَرَكَهَا لَهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرَهَا. قَالَ: وَكَانَ مِنْ إِكْرَامِهِ لأَصْحَابِهِ وَمَعارِفِهِ يَظُنُّ كُلُّ أَحَدٍ أَنَّ مَا عِنْدَهُ مِثْلَهُ، مِنْ كَثْرَةِ مَا يَأْخُذُ بِقَلْبِهِ وَيُكْرِمُهُ. وَلَقَدْ سَمِعْتُ الفَقِيْهَ أَبَا مُحَمَّدٍ عَبْدَ المُحْسِنِ بِنَ عَبْدِ الكَرِيْمِ المِصْرِيَّ (٢)، يَقُوْلُ: كَانَ رَجُلٌ مِنْ بَيْتِ القَابِلَانِ مِنْ "مَنْبِجَ"، جَاءَ إِلَى الشَّيْخِ العِمَادِ، فَمَرِضَ، فَكَانَ يَقْعُدُ عِنْدَ رَأْسِهِ بِاللَّيْلِ، وَيَقْرَأُ وِرْدَهُ عِنْدَ رَأْسِهِ. وَسَمِعْتُ عَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الدَّائِمِ المِصْرِيَّ الكِنَانِيَّ (٣) يَقُوْلُ: كُنَّا يَوْمًا نَمْشِي مَعَ الشَّيْخِ العِمَادِ إِلَى دَعْوَةٍ فَلَقِيَ فِي السُّوْقِ رَجُلًا أَعْمَى يَسْأَلُ،

стр. 1350

فَقَالَ: يَا فُلَانُ: تَعَالَ مَعَنَا قَالَ: فَاسْتَحْيَى الضَّرِيْرُ كَثِيْرًا مِنْ أَجْلِ سُؤَالِهِ، قَالَ: فَلَمَّا دَخَلْنَا إِلَى البَيْتِ انْبَسَطَ الشَّيْخُ مَعَ الضَّرِيْرُ، وَقَالَ: يَا فُلَانُ، كُلُّنَا سُؤَّالٌ، وَمَا زَالَ يَقُوْلُ لَهُ حَتَّى زَالَ مَا كَانَ عِنْدَهُ مِنَ الحَيَاءِ. قَالَ: وَكَانَ رُبَّمَا تَكَلَّمَ عَلَى أَحَدِنَا وَنَصَحَهُ وَحَرَّضَهُ عَلَى فِعْلِ الخَيْرِ وَالِاشْتِغَالِ، حَتَّى كَانَ قَلْبُ الشَّخْصِ يَطِيْرُ مِنْ كَثْرَةِ دُخُوْلِ كَلَامِهِ فِي القَلْبِ. قَالَ: وَأَوْصَانِي وَقْتَ سَفَرِي، فَقَالَ: أَكْثِرْ مِنْ قِرَاءَةِ القُرْآنَ، وَلَا تتْرُكُهُ فَإِنَّهُ يَتَيَسَّرُ لَكَ الَّذِي تَطْلُبُهُ عَلَى قَدْرِ مَا تَقْرَأُ، قَالَ: فَرَأَيْتُ ذلِكَ وَجَرَّبْتُهُ كَثِيْرًا، فَكُنْتُ إِذَا قَرَأْتُ كَثِيْرًا تَيَسَّرَ لِي مِنْ سَمَاعِ الحَدِيْثِ وَكِتَابَتِه الكَثِيرَ، وَإِذَا لَمْ أَقْرَأْ لَمْ يَتَيَسَّرْ لِي. قَالَ: وَكَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ المَكْتُوْبَةِ، تَفَلَ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا، وَاستَعَاذَ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ، وَكَبَّرَ تَكْبِيْرَةً يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِذلِكَ، ثُمَّ يَسْتَفْتِحُ، قَالَ: فَلَمْ أَرَ أَحَدًا أَحْسَنَ صَلَاةً مِنْهُ، وَلَا أَتَمَّ مِنْهَا بِخُشُوعٍ وَخُضُوْعٍ، وَحُسْنِ قِيَامٍ وَقُعُوْدٍ وَرُكُوْعٍ، وَرُبَّمَا كَانَ بَعْضُ النَّاسِ يَقُولُ لَهُ: النَّبِيُّ ﷺ قَدْ أَمَرَ بِالتَّخْفِيْفِ، وَقَالَ لِمُعَاذٍ (١): "أَفَتَّانٌ أَنْتَ؟ " فَلَا يَرْجِعُ إِلَى قَوْلِهِمْ،

стр. 1351

وَيَسْتَدِلُّ عَلَيْهِمْ بِأَحَادِيْثَ أُخَرَ مِنْهَا (١): أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، كَانَ يَكُوْنُ فِي الرَّكْعَةِ الأُوْلَى حَتَّى يَمْضِي أَحَدُنَا إِلَى البَقِيعِ، وَيَقْضِي حَاجَتَهُ، وَيَأْتِي وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَرْكَعْ، وَقَوْلُ أَنَسٍ: (٢) "لَمْ أَرَ أَحَدًا أَشْبَهُ صَلَاةً بِرَسُوْلِ اللهِ ﷺ مِنْ هَذَا الفَتَى - يَعْنِي عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيْزِ ﵁ قَالَ الرَّاوِي: فَحَزَرْنَا فِي رُكُوْعِهِ وَسُجُوْدِهِ عَشْرَ تَسْبِيْحَاتٍ" وَبِحَدِيْثِ (٣) "كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوْعِ انْتَصَبَ قَائِمًا حَتَّى يَقُوْلُ القَائِلُ: قَدْ نَسِيَ". قَالَ: وَقِيْلَ عَنْ شَيْخِنَا: إِنَّهُ كَانَ يُسَبِّحُ عَشْرًا، يَتَأَنَّى فِي ذلِكَ. قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدِ بْنَ طَرْخَانَ (٤)، يَقُوْلُ: كُنَّا نُصَلِّي يَوْمًا خَلْفَ الشَّيْخِ العِمَادِ، وَإِلَى جَانِبِي رَجُلٌ كَأَنَّهُ كَانَ مُسْتَعْجِلًا، فَلَمَّا فَرَغْنَا مِنَ الصَّلَاةِ، حَلَفَ لَا صَلَّيْتُ خَلْفَهُ أَبَدًا، وَذَكَرَ حَدِيْثَ مُعَاذٍ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا تَحْفَظُ

стр. 1352

إِلَّا هَذَا؟! وَرَوَيْتُ لَهُ الأَخْبَارَ الَّتِي وَرَدَتْ فِي تَطْوِيْلِ صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ إِنِّي قَعَدْتُ عِنْدَ الشَّيْخِ العِمَادِ، وَحَكَيْتُ لَهُ، وَقُلْتُ لَهُ: أَنَا أُحِبُّكَ، وَأَشْتَهِي أَنْ لَا يُقَالُ فِيْكَ شَيءٌ، فَلَوْ خَفَّفْتَ؟ فَقَالَ: لَعَلَّهُمْ يَسْتَرِيْحُوْنَ مِنِّي وَمَنْ صَلَاتِي قَرِيْبًا، يَا سُبْحَانَ اللهِ! الوَاحِدُ مِنْهُمْ لَوْ وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْ سُلْطَانٍ طُوْلَ النَّهَارِ مَا ضَجِرَ، وَإِذَا وَقَفَ أَحَدُهُمْ بَيْنَ يَدَيَّ رَبِّهِ سَاعَةً ضَجِرَ. قَالَ: وَكَانَ يَقْضِي صَلَوَاتٍ، فَرُبَمَّا قَضَى فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ صَلَوَاتِ أَيَّامٍ عَدِيْدَةٍ حَتَّى كَانَ بَعْضُ مَنْ يَحْكِي يَقُوْلُ: رُبَّمَا قَضَى الشَّيْخُ فِي عُمُرِهِ صَلَاةَ كَذَا وَكَذَا، مَائَةَ سَنَةٍ، وَقَالَ ﵀: فَاتَتْنِي صَلَاةُ العَصْرِ، وَكُنْتُ قَبْلَ أَنْ أَبْلُغَ، وَقَدْ أَعَدْتُهَا مَائَةَ مَرَّةٍ، وَأَنَا أُرِيْدُ أَنْ أُعِيْدُهَا أَيْضًا. قُلْتُ: الكَلَامُ فِي هَذَا: هَلْ مَشْرُوعٌ أَمْ لَا؟ قَالَ: وَكَانَ يَصُوْمُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، قَالَ: وَكَانَ كَثِيْرَ الدُّعَاءِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، قَالَ: وَكَانَ إِذَا دَعَا كَأَنَّ القَلْبَ يَشْهَدُ بِإِجَابَةِ دُعَائِهِ مِنْ كَثْرَةِ ابْتِهَالِهِ وَإِخْلَاصِهِ، وَكَانَ إِذَا شَرَعَ فِي الدُّعَاءِ لَا يَكَادُ يَقْطَعُهُ، وَلَوِ اجْتَمَعَ أَهْلُهُ وَجيْرَانُهُ، فَيَدَعُو وَهُمْ حَاضِرُوْنَ، وَيَسْتَبْشِرُونَ بِذلِكَ، وَكَانَ يُفْتَحُ عَلَيْهِ مِنَ الأَدْعِيَةِ شَيءٌ ما سَمِعْتُهُ مِنْ غَيْرِهِ قَطُّ، وَرُبَّمَا بَكَى بَعْضُ الحَاضِرِيْنَ عِنْدَ دُعَائِهِ، وَذَكَرَ مِنْ تَوَخِّيْهِ أَوْقَاتَ الإِجَابَةِ وَأَمَاكِنَهَا، وَيُوَاظِبُ عَلَى الدُّعَاءِ يَوْمَ الأَرْبِعَاءِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ بِمَقَابِرِ الشُّهَدَاءِ مِنْ "بَابِ الصَّغِيْرِ" وَقَالَ: مَا رَأَيْتُ مِثْلَ هَذَا الدُّعَاءِ، أَوْ أَسْرَعَ إِجَابَةً مِنْهُ، يَا أَللهُ يَا أَللهُ، أَنْتَ اللهُ، بَلَى وَاللهِ، أَنْتَ اللهُ، لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ، اللهُ اللهُ اللهُ، وَاللهِ إِنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ.

стр. 1353

وَكَانَ يُكْثِرُ فِي دُعَائِهِ مِنْ قَوْلِهِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ عَمَلَنَا صَالِحًا، وَاجْعَلْهُ لِوَجْهِكَ الكَرِيْمِ خَالِصًا، وَلَا تَجْعَلْ لأَحَدٍ فِيْهِ شَيْئًا، اللَّهُمَّ وَخَلِّصْنِي مِنْ مَظَالِمِ نَفْسِي، وَمَظَالِمِ كُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ المَوْتِ، وَلَا تُمِتْنِي وَلأَحَدٍ عَلَيَّ مَظْلَمَةٌ يَطْلُبُنِي بِهَا بَعْدَ المَوْتِ، وَإِذَا قَضَيْتَ بِالمَوْتِ - وَلَا بُدَّ مِنَ المَوْتِ - فَاجْعَلْهُ عَلَى تَوْبَةٍ نَصُوْحٍ - بَعْدَ الخَلَاصِ مِنْ مَظَالِمِ نَفْسِي، وَمَظَالِمِ العِبَادِ - قَتْلًا فِي سَبِيْلِكَ عَلَى سُنَّتِكَ، وَسُنَّةِ رَسُوْلِكَ ﷺ ، شَهَادَةً يَغْبِطُنِي بِهَا الأَوَّلُوْنَ وَالآخِرُوْنَ، وَاجْعَلْ النُّقْلَةَ إِلَى رَوْحٍ وَرَيْحَانٍ، وَمُسْتَرَاحٍ فِي جَنَّاتِ النَّعِيْمِ، وَلَا تَجْعَلْهَا إِلَى نُزُلٍ مِنْ حَمِيْمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيْمٍ. وَمِنْ دُعَائِهِ: أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الكَرِيْمِ، وَوَجْهِكَ المُنِيْرِ، وَمُلْكِكَ القَدِيْمِ، أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَأَنْ تَرْزُقَنِي رِضْوَانَكَ الأَكْبَرَ، وَالفِرْدَوْسَ الأَعْلَى، وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهِمَا مِنْ قَوْلٍ وَعمَلٍ وَنِيَّةٍ، وَالخَاتِمَةَ بِأَفْضَلِ خَاتِمَةٍ تَخْتِمُ بِهَا لِعِبَادِكَ الصَّالِحِيْنَ، وَالعِلْمَ وَالعَمَلَ بِهِ، وَالحِلْمَ وَالحُكْمَ، وَالفِهْمَ، وَالحِفْظَ، وَالغِنَى عَنِ النَّاسِ، وَزَوالَ الوِسْوَاسِ، وَالشُّبُهَاتِ وَالنَّجَاسَاتِ، وَالدَّيْنِ وَالحَاجَةِ إِلَى النَّاسِ، وَالتَزَيُّنِ بِمَا يَشِيْنُنِي عِنْدَكَ، اللَّهُمَّ طَهِّرْ أَلْسِنَتَنَا مِنَ الكَذِبِ، وَالغِيْبَةِ، وَالنَّمِيْمَةِ، وَقُلُوبَنَا مِنَ النِّفَاقِ، والغِلِّ، وَالغِشِّ، وَالحَسدِ، وَالكِبَرِ، وَالعُجْبِ، وَأَعْمَالِنَا مِنَ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ، وَبُطُونَنَا مِنَ الحَرَامِ وَالشُّبْهَةِ، وَأَعْيُنَنَا مِنَ الخِيَانَةِ، فَإِنَّكَ تَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُوْرُ، فِي دُعَاءٍ كَثِيْرٍ.

стр. 1354

وَذَكَرَ جمْلَةً مِنْ كَرَامَاتِهِ وَكَلَامِهِ عَلَى الخَوَاطِرِ وَالمُغَيَّباتِ (١)، فَذَكَرَ عَنْ بَعْضِهِمْ قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي خَلْفَ الشَّيْخِ العِمَادِ فِي السُّوْقِ الكَبِيْرِ، فَإِذَا صَوْتُ طُنْبُورٍ (٢)، فَلَمَّا وَصَلْنَا إِلَى عِنْدِ صَاحِبِهِ قَالَ الشَّيْخُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيْمِ، وَنَفَضَ كُمَّهُ، فَرَأَيْتُ صَاحِبَ الطُّنْبُوْرِ قَدْ وَقَعَ وَانْكَسَرَ طُنْبُوْرُهُ، فَقِيْلَ لِصَاحِبِ الطُّنْبُوْرِ: أَيْشٍ بِكَ؟ قَالَ: مَا أَدْرِي. قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ عَبْدَ المُحْسِنِ بْنِ عَبْدِ الكَرِيْمِ، قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ الشَّيْخِ العِمَادِ، فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّ النَّاسَ لَا يَعْلَمُوْنَ مِنْ بعْضِهِمْ بَعْضًا إِلَّا الظَّاهِرَ، وَأَنَّ سَرَائِرَ الخَلْقِ لَا يَعْلَمُوْنَهَا، وَإِذَا الشَّيْخُ قَدْ دَارَ إِلَيَّ، وَقَالَ: قَالَ - أَظُنُّهُ الفُضَيْلُ - لَا تَعْمَلُ شَرًّا أَوْ سُوْءًا فَتَمْقُتَكَ قُلُوْبُ الصَّالِحِيْنَ. وَسَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي بَكْرِ بْنِ إِدْرِيْسَ الطَّحَّانَ (٣)، قَالَ: كَانَ لِي ابْنٌ مَرِيْضٌ، فَقُلْتُ: أَدْعُو بِدُعَاءِ مقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ مَائَةَ مرَّةٍ، فَدَعَوْتُ بِهِ، ثُمَّ جِئْتُ إِلَيْهِ، فَالْتَفَتَ إِلَيَّ وَإِلَى الحَاضِرِينَ وَقَالَ: دُعَاءٌ بِلَا عَمَلٍ لَا يَنْفَعُ، أَوْ كَمَا قَالَ. قَالَ: وَحَكَتْ زَوْجَةُ الشَّيْخِ، قَالَتْ: كَانَ قَبْلَ مَوْتِهِ يُكْثِرُ أَنْ يَقُوْلَ: قَدْ قَرُبَ الأَمْرُ، مَا بَقِيَ إِلَّا القَلِيْلُ. وَذَكَرَ الحَافِظُ الضِّيَاءُ فِي كِتَابِ "الحِكَايَاتِ المُقْتَبِسَةِ مِنْ كَرَامَاتِ مَشَايِخِ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ" فَصْلًا فِي كَرَامَاتِهِ - وَقَرَأْتُهُ بِخَطِّهِ - قَالَ: وَسَمِعْتُ

стр. 1355

الشَّيْخَ المُجَابَ الدَّعْوَةِ أَبَا أَحْمَدَ نَصْرَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ المِرْدَاوِيَّ (١) بِهَا يَقُوْلُ: جَاءَ إِلَى عِنْدَنَا الشَّيْخُ العِمَادُ، وَكُنْتُ أَشْتَهِي أَنْ أَسأَلَهُ عَنْ أَشْيَاءٍ، فَكُنْتُ أَسْتَحْيِي، فَكَانَ يَبْتَدِئُ وَيَذْكُرُ كُلَّ مَا أُرِيْدُ أَنْ أَسْأَلَ عَنْهُ. قَالَ: وَحَدَّثَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الجَبَّارِ (٢) قَالَ: كُنْتُ كَثِيْرًا مَا أَجِيءُ إِلَيْهِ، وَأَنَا أُرِيْدُ أَنْ أَقُوْلَ شَيْئًا، فَيَسْبِقُنِي فَيَتَحَدَّثُ بِبِعْضِهِ، فَإِذَا رَآنِي قَدِ ابْتَدَأْتُ فِيْهِ سَكَتَ، وَلَمْ يُرِنِي أَنَّهُ يُرِيْدُ ذلِكَ. قَالَ الضِّيَاءُ: وَكُنْتُ أَجِدُ فِي قَلْبِي قَسْوَةً، وَكُنْتُ أَشْتَهِي أَنْ أَشْكُو إِلَيْهِ ذلِكَ، فَابْتَدَأَنِي لَيْلَةً وَذَكَرَ قَسْوَةَ القَلْبِ، وَقَالَ: كَيْفَ يَلِيْنُ القَلْبُ إِذَا لَمْ يَكُنِ العَمَلُ بِإِخْلَاصِ النِّيَّةِ؟ وَتَكَلَّمَ كَلَامًا كَثِيْرًا مِمَّا كُنْتُ أَجِدُ فِي نَفْسِي، وَفَرِحْتُ بِكَلَامِهِ، وَسَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الجَبَّارِ يَقُوْلُ: حَدَّثَنِي أَبُو الحَسَنِ بنُ مُشْرِفٍ العَطَّارُ (٣)، قَالَ: أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ، فَفَاتَتْنِي الصَّلَاةُ - يَعْنِي الفَجْرِ - ثُمَّ اغْتَسَلْتُ وَقَضَيْتُهُمَا فِي النَّهَارِ، وَأَتَيْتُ إِلَى صَلَاةِ الظُّهْرِ مَعَهُ، فَوَجَدْتُهُ فِي التَّشَهُّدِ، فَصَلَّيْتُ وَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَا فُلَانُ، تَفُوْتُكَ فِي يَوْمٍ صَلَاتَانِ؟ فَقُلْتُ: يَا سَيِّدِي أَنَا تَائِبٌ. قَالَ: وَسَمِعْتُ بَعْضَ أَهْلِنَا يَقُوْلُ: كُنْتُ رُبَّمَا احْتَجْتُ إِلَى شَيْءٍ مِنَ المَلْبُوْسِ أَوْ أَشْتَهِي شَيْئًا مِنَ المَأْكُوْلِ، فَمَا أَعْلَمُ حَتَّى يَبْعَثَ إِلَيَّ الشَّيْخُ

стр. 1356

- يَعْنِي العِمَادَ - بِالَّذِي أَحْتَاجُ إِلَيْهِ أَوْ أَشْتَهِيْهِ. وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيْعِ سُلَيْمَانُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ الإِسْعِرْدِيُّ (١) وَغَيْرُهُ، أَنَّهُمْ كَانُوا عِنْدَ الشَّيْخِ فِي مَسْجِدِهِ يَوْمًا، فَقَالَ لِرَجُلٍ: اخْرُجْ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ وَالمَرْأَةِ اللَّذَيْنِ خَلْفَ المَسْجِدِ، وَاطْرُدْهُمَا مِنْ هَاهُنَا، فَخَرَجَ فَإِذَا رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ يَتَحَدَّثَانِ فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا. وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيْعِ أَيْضًا، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَهُ أَيْضًا فِي المَسْجِدِ، فَكَانَ يَوْمَ يُفْتَحُ لِي بِشَيءٍ لَا يُطْعِمُنِي شَيْئًا، وَيَوْمَ لَا يُفْتَحُ لِي بِشَيْءٍ يُرْسِلُ إِلَيَّ بِشَيءٍ. قَالَ: جَرَى لِي هَذَا مَعَهُ كَثِيرًا. وَحَدَّثنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ المَقْدِسِيُّ (٢): أَنَّ رَجُلًا فَرَّقَ فِي المُصَلَّى عَلَى الحَاضِرِيْنَ زَبِيْبًا، وَفَرَّقَ آخَرُ تَمْرًا، أَظُنُّهُ لِلإِفْطَارِ، وَكَانَ الَّذِي فَرَّقَ التَّمْرَ مَالَهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، فَأَخَذَ الشَّيْخُ التَّمْرَةَ، فَشَمَّهَا ثُمَّ تَرَكَهَا، وَأَخَذَ الزَّبِيْبَ فَأَفْطَرَ عَلَيْهِ. وَسَمِعْتُ الإِمَامَ أَبَا الفِدَاءِ إِسْمَاعِيْلَ بْنَ عُمَرَ بْنِ أَبِي بَكْرٍ (٣) قَالَ: أَخَذْتُ يَوْمًا مِنْ عِنْدِ رَجُلٍ أَجْزَاءً كَانَتْ لِي عِنْدَهُ وَإِجَازَاتٍ، فَكَانَ فِي جُمْلَةِ مَا أَخَذْتُ إِجَازَةً لَمْ تَكُنْ مَعِي، ثُمَّ جِئْتُ إِلَى عِنْدِ الشَّيْخِ، فَأَبْصَرَ الأَجْزَاءَ، ثُمَّ شَالَ الإِجَازَةَ الَّتِي اخْتُلِطَتْ مَعِي، فَقَالَ: مَنْ أَعْطَاكَ هَذِهِ؟ ثُمَّ عَزَلَهَا،

стр. 1357

قَالَ: فَعَرَفْتُ أَنَّهَا كَرَامَةٌ فِي حَقِّهِ. وَذَكَرَ مِنْ تَيْسِيْرِ القُرْآنِ وَالعِلْمِ عَلَى مَنْ قَرَأَ عَلَيْهِ أَمْرًا عَجِيْبًا. قَالَ: وَسَمِعْتُ ظَرِيفَةَ بِنْتَ إِبْرَاهِيْمَ (١) تَقُوْلُ: قَالَ لِي أَحْمَدُ بْنُ سَالِمٍ (٢): أَنَا أَعْرِفُ فِي الجَبَلِ خَمْسَةٌ منَ الصَّالِحِيْنَ أَوْ قَالَ: مِنَ الأَوْلِيَاءِ - فَسَمَّى مِنْهُمُ الإِمَامَ إِبْرَاهِيْمَ بنَ عَبْدِ الوَاحِدِ. أَحْمَدُ بْنُ سَالِمٍ - هَذَا - مَرْدَاوِيٌّ (٣) كَانَ عَالِمًا عَامِلًا، ذَا كَرَامَاتٍ كَثِيْرَةٍ، ذكَرَهَا أَيْضًا فِي هَذَا الكِتَابِ. قَالَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الجَبَّارِ: أَنَّ زَوْجَتَهُ عَائِشَةَ بِنْتَ خَلَفِ بْنِ رَاجِحٍ، حَدَّثَتْهُ: أَنَّهَا رَأَتْ فِي النَّوْمِ قَائِلًا يَقُوْلُ: قُوْلُوا لِلْعِمَادِ يَدْعُو لَكُمْ، فَإِنَّهُ مِنَ السَّبْعَةِ الَّتِي تَقُوْمُ بِهِمُ الأَرْضُ. وَقَدْ ذَكَرَهُ أَبُو المُظَفَّرِ سِبْطُ ابْنِ الجَوْزِيِّ فِي "تَارِيْخِهِ" وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثَنَاءً كَثِيْرًا، وَقَالَ: مَا تَحَرَّكَ بِحَرَكَةٍ، وَلَا مَشَى خُطْوَةً، وَلَا تَكَلَّمَ كَلِمَةً إِلَّا للهِ تَعَالَى، وَكَانَ يَتَعَبَّدُ بِالإِخْلَاصِ، وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ مِرَارًا فِي الحْلْقَةِ بِجَامِعِ "دِمَشْقَ" وَالخَطِيْبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ عَلَى المِنْبَرِ، فَيَقُوْمُ وَيَأْخُذُ الإِبْرِيْقَ وَيَضَعُ بُلْبُلَتَهُ عَلَى فِيْهِ عَلَى رُؤُوْسِ الأَشْهَادِ، وَيُوِهِمُ النَّاسَ أَنَّهُ يَشْرَبُ، وَإِنَّهُ لَصَائِمٌ. قَالَ: وَكَانَ يَحْضُرُ مَجَالِسِي دَائِمًا بِجَامِعِ "دِمَشْقَ" وَ"قَاسِيُوْنَ" وَيَقُوْلُ: صَلَاحُ الدِّيْنِ يُوْسُفَ فَتَحَ السَّاحِلَ، وَأَظْهَرَ الإِسْلَامَ، وَأَنْتَ يُوسُفُ، أَحْيَيْتَ السُّنَّةَ بِـ "الشَّامِ"، يُشِيْرُ بِذلِكَ إِلَى مَا ذَكَرَهُ أَبُو المُظَفَّرِ عَلَى المِنْبَرِ مِنْ

стр. 1358

كَلَامِ جَدِّهِ فِي إِمْرَارِ الصِّفَاتِ وَإِثْبَاتِهَا. وَقَالَ أَبُو شَامَةَ: هُوَ الَّذِي سَنَّ الجَمَاعَةَ فِي الصَّلَواتِ المَقْضِيَّةِ، فَكَانَ يُصَلِّي بِالجَمَاعَةِ بِحَلَقَتِهِمْ، بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ مَا قَدَّرَهُ اللهُ تَعَالَى، وَبَقِيَ ذلِكَ بَعْدَهُ مُدَّةً. وَذَكَرَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ البُزُوْرِيُّ الوَاعِظُ (١)، فِي "طَبَقَاتِ أَصْحَابِ ابْنِ المَنِّيِّ" فِي سِيْرَتِهِ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ كَثِيْرًا، وَكَذلِكَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّازِقِ الرَّسْعَنِيُّ فِي "تَفْسِيْرهِ" (٢): يَذْكُرُهُ كَثِيْرًا، وَيُثْنِي عَلَيهِ وَيُعَظِّمُهُ، وَيَذْكُرُ مِنْ فَوَائِدِهِ وَكلَامِهِ. قَالَ الضِّيَاءُ: تُوُفِّيَ ﵀ لَيْلَةَ الخَمِيْسِ، وَقْتَ عِشَاءِ الآخِرَةِ، السَّادِسَ عَشْرَ مِنْ ذِي القَعْدَةِ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَسِتِّمَائَةَ، وَقَالَ المُنْذِرِيُّ: السَّابِعَ عَشَرَ، وَدُفِنَ يَوْمَ الخَمِيْسِ، وَكَانَ صَلَّى تِلْكَ اللَّيْلَةِ المَغْرِبِ بِالجَامِعِ،

стр. 1359

ثُمَّ مَضَى إِلَى البَيْتِ، وَكَانَ صَائِمًا، فَأَفْطَرَ عَلَى شَيْءٍ يَسِيْرٍ، وَحَكَى عَنْهُ: أَنَّهُ جَاءَهُ المَوْتُ، جَعَلَ يَقُوْلُ: يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، بِرَحمَتِكَ أَسْتَغِيْثُ، فَأَغِثْنِي، وَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ وَتَشَهَّدَ وَمَاتَ ﵀. قَالَ: وَلَمَّا خَرَجَتْ جِنَازَتُهُ إِلَى الجَامِعِ اجْتَمَعَ خَلْقٌ كَثيْرٌ، فَمَا رَأَيْتُ الجَامِعَ إِلَّا كَأَنَّهُ يَوْمَ الجُمُعَةِ مِنْ كَثْرَةِ الخَلْقِ، وَتُرِكَتْ جِنَازَتُهُ فِي قِبْلَةِ الجَامِعِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ الإِمَامُ مُوَفَّقُ الدِّيْنِ شَيْخُنَا، وَكَانَ المُعْتَمَدُ يَطْرُدُ النَّاسَ عَنْهُ، وَإِلَّا كَانُوا مِنْ كَثْرَةِ مَنْ يَتَبَرَّكُ بِهِ يُخَرِّقُوْنَ الكَفَنَ، وَازْدَحَمَ النَّاسُ عَلَى جِنَازَتِهِ بَيْنَ يَدَيْهَا وَخَلْفَهَا حَتَّى كَادَ بَعْضُ النَّاسِ يَهْلَكُ، وَخَرَجَ إِلَى الجَبَلِ خَلْقٌ كَثِيْرٌ، مَا رَأَيتُ جَنَازَةً قَطُّ أَكْثَرَ خَلْقًا مِنْهَا، وَخَرَجَ القُضَاةُ وَالعُدُوْلُ وَمَنْ لَا نَعْرِفُهُمْ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ غَيرُ مَرَّةٍ، رَحِمَهُ اللهُ تَعَالى. وَقَالَ سِبْطُ ابْنِ الجَوْزِيِّ: غُسِّلَ وَقْتَ السَّحَرِ، وَأُخْرِجَتْ جِنَازَتُهُ إِلَى جَامِعِ "دِمَشْقَ" فَمَا وَسِعَ النَّاسَ الجَامِعُ، وَصَلَّى عَلَيْهِ المُوفَّقُ بِحَلْقَةِ الحَنَابِلَةِ بَعْدَ جَهْدٍ جَهِيْدٍ، وَكَانَ يَوْمًا لَمْ يُرَ فِي الإِسْلَامِ مِثْلَهُ، كَانَ أَوَّلُ النَّاسِ عِنْدَ "مَغَارَةِ الدَّمِ" وَ"رَأْسِ الجَبَلِ" إِلَى "الكَهْفِ"، وَآخِرُهُمْ بِـ "بَابِ الفَرَادِيْسِ" وَلَوْلَا المُبَارِزُ المُعْتَمَدُ وَأَصْحَابُهُ لَقَطَّعُوا أَكْفَانَهُ، وَمَا وَصَلَ إِلَى "الجَبَلِ" إِلَّا آخِرَ النَّهَارِ، قَالَ: وَتَأَمَّلْتُ النَّاسَ مِنْ أَعْلَى "قَاسِيُوْنَ" إِلَى "الكَهْفِ" قَرِيْبِ "المَيْطُوْرِ" (١) لَوْ رَمَى إِنْسَانٌ عَلْيْهِمْ إِبْرَةً لَمَا ضَاعَتْ.

стр. 1360

فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْلِ نِمْتُ وَأَنَا مُتَفَكِّرٌ فِي جِنَازَتِهِ، وَذَكَرْتُ أَبْيَاتَ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ الَّتِي أَنْشَدَهَا فِي المَنَامِ (١): نَظَرْتُ إِلَى رَبِّي كِفَاحًا، فَقَالَ لِي … هَنِيْئًا رِضَائِي عَنْكَ يَا ابْنَ سَعِيْدِ فَقَدْ كُنْتَ قَوَّامًا إِذَا أَقْبَلَ الدُّجَى … بِعِبْرَةِ مُشْتَاقٍ وَقَلْبِ عَمِيْدِ

стр. 1361

فَدُوْنَكَ فَاخْتَرْ أَيَّ قَصْيرٍ أَرَدْتَهُ … وَزُرْنِي فَإِنِّي مِنْكَ غَيْرَ بَعِيْدٍ وَقُلْتُ: أَرْجُو أَنَّ العِمَادَ يَرَى رَبَّهُ كَمَا رَآهُ سُفْيَانُ عِنْدَ نُزُوْلِ حُفْرَتِهِ، وَنِمْتُ فَرَأَيْتُ العِمَادَ فِي النَّوْمِ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ خَضْرَاءُ، وَعِمَامَةٌ خَضْرَاءُ، وَهُوَ فِي مَكَانٍ مُتَّسِعٍ كَأَنَّهُ رَوْضَةٌ، وَهُوَ يَرْقَى فِي دَرَجٍ مُرْتَفِعَةٍ، فَقُلْتُ: يَا عِمَادَ الدِّيْنِ، كَيْفَ بِتَّ؟ فَإِنِّي وَاللهِ مُتَفَكِّرٌ فِيْكَ، فَنَظَرَ إِلَيَّ وَتَبَسَّمَ عَلَى عَادَتِهِ، وَقَالَ: رَأَيْتُ إِلَهِي حِيْنَ أُنْزِلْتُ حُفْرَتِي … وَفَارَقْتُ أَصْحَابِي وَأَهْلِي وَجِيْرَتِي فَقَالَ جُزِيْتَ الخَيْرَ عَنِّي فَإِنَّنِي … رَضِيْتُ فَهَا عَفْوِي لَدَيْكَ وَرَحْمَتِي رَأَيْتُ زَمَانًا تَأْمَلُ الفَوْزَ وَالرِّضَا … فَوُقِّيْتَ نِيْرَانِي وَلَقِيْتَ جَنَّتِي قَالَ: فَانْتَبَهْتُ مَرْعُوْبًا، وَكَتَبْتُ الأَبْيَاتَ. وَذَكَرَ الضِّيَاءُ هَذَا المَنَامَ عَنْ أَبِي المُظَفَّرِ السِّبْطِ، وَذَكَرَ مَنَامَاتٍ أُخَرَ. مِنْهَا: أَنَّهُ رُؤِيَ فِي النَّوْمِ عَلَى حِصَانٍ فَقِيْلَ لَهُ: إِلَى أَيْنَ؟ قَالَ: أَزُوْرُ الجَبَّارَ، وَرَآهُ آخَرُ، فَقَالَ: مَا فَعَلَ اللهُ بِكَ؟ فَقَالَ: (١) ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧)﴾. قَالَ: وَسَمِعْتُ الفَقِيْهَ الإِمَامَ أَبَا مُحَمَّدٍ عُثْمَانَ بْنَ حَامِدٍ بْنِ حَسَنٍ المَقْدِسِيَّ (٢) يَقُوْلُ: رَأَيْتُ الحَقَّ فِي النَّوْمِ، وَالشَّيْخُ العِمَادُ عَنْ يَمِيْنِهِ، وَوَجْهُهُ مِثْلُ البَدْرِ، وَعَلَيْهِ لِبَاسٌ مَا رَأَيْتُ مِثْلَهُ.

стр. 1362

قَالَ: وَسَمِعْتُ الفَقِيْهَ الإِمَامَ عَبْدَ الحمِيْدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنَ مَاضِي المَقْدِسِيَّ (١) يَقُوْلُ: شَمَمْتُ منْ قَبْرِ الشَّيْخِ العِمَادِ مَرَّتَيْنِ رَائِحَةً طَيِّبَةً، رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى. وَقَدْ حَدَّثَ بِالكَثِيْرِ، وَسَمِعَ مِنْهُ خَلْقٌ كَثِيْرٌ مِنَ الحُفَّاظِ وَالأَئِمَّةِ، كَالضِّيَاءِ، وَالمُنْذِرِيِّ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ خَلِيْلٍ (٢) وَابْنُ البُخَارِيِّ (٣). أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيُّ (أَنَا) أَبُو الحَسَنِ بنُ البُخَارِيِّ، (أَنَا) أَبُو إِسْحَقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الوَاحِدِ المَقْدِسِيُّ (أَنَا) أَبُو الفَضْلِ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوْسِيُّ (أَنَا) جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّرَّاجُ، (أَنَا) الحَسَنُ بنُ أَحْمَدَ بْنِ شَاذَانَ، (ثَنَا) أَبُو عَمْرِو بنِ السِّمَاكِ، (ثَنَا) حَنْبَلٌ، (ثَنَا) مُوْسَى بْنُ إِسْمَاعِيْلَ أَبُو سَلَمَةَ المِنْقَرِيُّ (ثَنَا) سَعِيْدُ بنُ سَلَمَةَ المَدِيْنِيُّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَخِيهِ، عَنْ أَبِيْهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : (٤) "كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لأمِّ زَرْعٍ" ثُمَّ أَنْشَأَ

стр. 1363

يُحَدِّثُ حَدِيْثَ أُمِّ زَرْعٍ وَصَوَاحِبِهَا، فَذَكَرَ الحَدِيْثَ بِطُوْلِهِ. وَرَثَاهُ الصَّلَاحُ مُوْسَى بْنُ شِهَابٍ المَقْدِسِيُّ بِأَبْيَاتٍ مِنْهَا: (١) يَا شَيْخَنَا يَا عِمَادَ الدِّيْنِ قَدْ قَرَحَتْ … عَيْنِي وَقَلْبِيَ مِنْكَ اليَوْمَ مَتْبُوْلُ أَوْحَشْتَ وَاللهِ رَبْعًا كُنْتَ تَسْكُنُهُ … لَكِنَّهُ الآنَ بِالأَحْزَانِ مَأْهُوْلُ كَمْ لَيْلَةٍ بِتَّ تُحْيِيْهَا وَتَسْهَرُهَا … وَالدَّمْعُ مِنْ خَشْيَةٍ للهِ (٢) مَسْبُوْلُ

стр. 1364

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1365

وَسَجْدَةٍ طَالَ مَا طَالَ القَنُوْتُ بِهَا … قَدْ زَانَهَا مِنْكَ تَكْبِيْرٌ وَتَهْلِيْلُ ٢٨٤ - عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ (١) بْنِ أَبِي نَصْرِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الدَّائِمِ بْنِ الغَزَّالِ

стр. 1366

البَغْدَادِيُّ، الوَاعِظُ، أَبُو مُحَمَّدٍ، وَيُلَقَّبُ بِـ "شِهَابِ الدِّيْنِ". وُلِدَ فِي جُمَادَى الآخِرَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَسَمِعَ الكَثِيْرَ بِإِفَادَةِ أَبِيْهِ، وَبِنَفْسِهِ، مِنَ الحَافِظِ ابْنِ نَاصِرٍ، وَسَعِيْدِ بنِ البَنَّاءِ. وَنَصْرِ بْنِ نَصْرٍ العُكْبَرِيِّ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ الزَّاغُونِيِّ، وَأَبِي عَبْدِ اللهِ بنِ الرُّطَبِيِّ وَالنَّقِيْبِ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ العبَّاسِيِّ، وَأبِي الوَقْتِ، وَالمُبَارَكِ بْنِ السَّرَّاجِ، وَابْنِ المَادِحِ، وَهِبَةِ اللهِ بْنِ الشِّبْلِيِّ، وَأَبِي زُرْعَةَ بْنِ البَطِّيِّ، وَخَلْقٍ كَثيْرٍ مِمَّنْ بَعْدَهُمْ، وَعُنِيَ بِهَذَا الشَّأْنِ، وَقَرَأَ بِنَفْسِهِ، وَكَتَبَ الكَثِيْرَ بِخَطِّهِ، وَلَهُ فِي الخَطِّ طَرِيْقَةٌ حَسَنَةٌ مَعْرُوفَةٌ، ووَعَظَ مُدَّةً، وَرَأَيْتُ بِخَطِّهِ جُزْءًا مِنْ "أَخْبَارِ الحَلَّاجِ"، الظَّاهِرُ أَنَّهُ جَمْعُهُ، وَيَرْوِي فِيْهِ بِالأَسَانِيْدِ عَنْ شُيُوْخِهِ، وَمَالَ إِلَى مَدْحِ الحَلَّاجِ وَتَعْظِيْمِهِ، وَاسْتَشْهَدَ بِكَلَامِ ابْنِ عَقِيْلٍ فِي تَصْنِيْفِهِ القَدِيْمِ الَّذِي تَابَ مِنْهُ، وَلَقَدْ أَخْطَأَ فِي ذلِكَ. قَالَ ابنُ النَّجَّارِ: وَسَمِعْتُ مِنْهُ، وَكَانَ سَرِيْعَ القِرَاءَةِ وَالكِتَابَةِ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ لُحَنَةً، قَلِيْلَ المَعْرِفَةِ بِأَسْمَاءِ المُحَدِّثِيْنَ. قَالَ: وَقَرَأْتُ بِخَطِّ شَيْخِنَا أَبِي الفُتُوْحِ نَصْرِ بْنِ الحُصْرِيِّ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ الغَزَّالِ لَا يَحْتَجُّ بِقِرَاءَتِهِ وَلَا بِخَطِّهِ، وَهُوَ سَاقِطٌ (١). وَحَدَّثَ، وَسَمِعَ مِنْهُ جَمَاعَةٌ، وَأَجَازَ لِلْمُنْذِرِيِّ،

стр. 1367

وَعَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ أَبِي الجَيْشِ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الصَّيْرَفِيِّ (١): وَتُوُفِّيَ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ نِصْفَ شَعْبَانَ سَنَةَ خَمْسَ عَشَرَةَ وَسِتِّمَائَةَ، وَدُفِنَ مِنَ الغَدِ بِـ "بَابِ حَرْبٍ" ﵀. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيْلَ الأَنْصَارِيُّ (أَنَا) يَحْيَى بْنُ الصَّيْرَفِيَّ الفَقِيْهُ (أَنَا) عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ الوَاعِظُ (أَنَا) أَبُو الوَقْتِ (أَنَا) أَبُو الحَسَنِ الدَّاوُدِيُّ (أَنَا) أَبُو مُحَمَّدٍ الحَمَوِيُّ (أَنَا) مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ مَطَرٍ، (ثَنَا) البُخَارِيُّ (ثَنَا) المَكِّيُّ (٢) (ثَنَا) يَزِيْدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ، قَالَ (٣): "كَانَ جِدَارُ المَسْجِدِ عِنْدَ المِنْبَرِ، مَا كَادَتْ الشَّاةُ تَجُوْزُهَا". ٢٨٥ - وكَانَ لَهُ وَلَدٌ نَجِيبٌ، اسْمُهُ: أَحْمَد وَيُسَمَّى هِبَةَ الكَرِيْمِ (٤) أَيْضًا، أَبَا نَصْرٍ،

стр. 1368

وَكَانَ سِبْطَ أَبِي العَبَّاسِ بْنِ بَكْرُوْسٍ الفَقِيْهِ المُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ. وُلِدَ سَنَةَ ثمَانِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَحَفِظَ القُرْآنَ، وَقَرَأَ بِالرِّوَايَاتِ الكَثِيْرَةِ عَلَى أَصْحَابِ سِبْطِ الخَيَّاطِ، وَتَفَقَّهَ فِي المَذْهَبِ، وَتَكَلَّمَ فِي مَسَائِلِ الخِلَافِ، وَوَعَظَ النَّاسَ عَلَى المِنْبَرِ، وَاعْتَنَى بِهِ وَالِدُهُ، وَأَسْمَعَهُ الكَثِيْرَ مِنِ ابْنِ كُلَيْبٍ، وَابْنِ بُوشٍ، وَذَاكِرِ بْنِ كَامِلٍ، وَابْنِ المَعْطُوْشِ، وَابْنِ الجَوْزِيَّ، وَأَبِي مُحَمَّدِ بْنِ الصَّابُونِيِّ، وَطَبَقَتِهمْ، وَطَلَبَ هُوَ بِنَفْسِهِ، وَقَرَأَ عَلَى الشُّيُوْخِ، وَكَتَبَ بِخَطِّهِ كَثِيْرًا، وَكَانَ حَسَنَ الطَّرِيْقَةِ، مُتَدَيِّنًا، ذَكَرَ ذلِكَ ابْنُ النَّجَّارِ، وَقَالَ: سَمِعَ مِنَّا كَثِيْرًا، وَاصْطَحَبْنَا مُدَّةً، وَكَانَ طَيِّبَ الأَخْلَاقِ، لَطِيْفًا، حَسَنَ العِشْرَةِ، كَيِّسًا، اسْتلَبَتْهُ يَدُ المَنُوْنِ فِي عُنْفُوانِ شَبَابِهِ، وَقَدْ جَاوَزَ العِشْرِيْنَ؛ لأنَّهُ تُوُفِّيَ يَوْمَ الخَمِيْسِ خَامِسَ المُحَرَّمِ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّمَائَةَ، قَالَ: وَصَلَّيْنَا عَلَيْهِ مِنَ الغَدِ بِجَامِعِ القَصْرِ، وَتَقَدَّمَ لِلْصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالِدُهُ، وَحُمِلَ إِلَى "بَابِ حَرْبٍ" فَدُفِنَ هُنَاكَ. قَالَ: وَرَأَيتُهُ فِي المَنَامِ، وَعَلَيهِ ثِيَابٌ فَاخِرَةٌ، قَمِيْصٌ فُوْطٍ جَدِيْدٍ، وَبِغِيَارٍ أَبْيَضَ مَلِيْحٍ، فَسَأَلْتُهُ مَا فَعَلَ اللهُ بِكَ؟ قَالَ: غَفَرَ لِي، وَقَلِيْلُ العَمَلِ يَنْفَعُ عِنْدَ اللهِ، وَسَأَلْتُهُ عَنْ عَذَابِ القَبْرِ أَحَقٌّ هُوَ؟ قَالَ: لَا، فَقُلْتُ لَهُ مَرَّةً ثَانِيَةً عَذَابُ القَبْرِ حَقٌّ، وَجَبَذْتُهُ جَبْذَةً (١)، كَالمُنْكَرِ عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَنَا مَا رَأَيْتُهُ، فَقُلْتُ لَهُ: فَمُنْكَرٌ وَنَكِيْرٌ؟ قَالَ: إِيْ وَاللهِ حَقٌّ، نَزَلَا عَلَيَّ وَسَأَلَانِي، رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.

стр. 1369

٢٨٦ - أَحْمَدُ بْنُ أَحمَدَ (١) بْنِ أَحْمَدَ بْنِ كَرَمِ بْنِ غَالِبِ بْنِ قَتِيْلٍ البَنْدَنِيْجِيُّ، ثُمَّ البَغْدَادِيُّ، الأَزَجِيُّ، الحَافِظُ، المُحَدِّثُ، المُعَدَّلُ، أَبُو العَبَّاسِ بْنِ أبِي بَكْرِ بْنِ أَبي السَّعَادَاتِ، المَعْرُوفُ بِـ "ابْ نِ البَنْدَنِيْجِيِّ". وُلِدَ فِي رَبِيْعٍ الأَوَّلِ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَتَلَقَّنَ القُرْآنَ مِنْ أَبِي حَكِيْمٍ النَّهْرَوَانِيِّ، وَقَرَأَهُ بِالرِّوَايَاتِ عَلَى أَبِي الحَسَنِ البَطَائِحِيِّ وَغَيْرِهِ. وَسَمِعَ الحَدِيْثَ الكَثِيْرَ مِنْ أَبِي بَكْرِ بنِ الزَّاغُونِيِّ، وَأَبِي الوَقْتِ، وَهِبَةِ اللهِ بْنِ الشِّبْلِيِّ، وَأَبِي مُحَمَّدِ بْنِ المَادِحِ، وَالشَّيْخِ عَبْدِ القَادِرِ الجِيْلِيِّ، وَالمُبَارَكِ بْنِ خُضَيْرٍ، وَأَبِي زُرْعَةَ، وَابْنِ البَطِّيِّ، وَخَلْقٍ كَثِيْرٍ، وَعُنِيَ بِهَذَا الشَّأْنِ، وَكَتَبَ بِخَطِّهِ الكَثِيْرَ، وَخَرَّجَ، وَأَفَادَ. وَوَسَمَهُ جَمَاعَةٌ بِـ "الحَافِظِ" مِنْهُمُ المُنْذِرِيُّ. قَالَ الذَّهَبِيُّ: كَانَ وَافِرَ السَّمَاعِ، كَثِيْرَ الشُّيُوْخِ، حَسَنَ الأُصُوْلِ،

стр. 1370

حَدَّثَ بِالكَثِيْرِ، وَسَمِعَ مِنْهُ جَمَاعَةٌ (١). وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ مُكْثِرًا مِنَ الرِّوَايَةِ وَالحِفْظِ، وَكَانَ أَحَدَ شُهُوْدِ "بَغْدَادَ" شَهِدَ عِنْدَ ابْنِ الدَّامَغَانِيِّ سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، ثُمَّ عُزِلَ عَنِ الشَّهَادَةِ لَمَّا عُزِلَ قَاضِي القُضَاةِ العَبَّاسِيِّ؛ فَإِنَّ خَطَّهُ وُجِدَ عَلَى الكِتَابِ الَّذِي عُزِلَ القَاضي بِسَبَبِهِ بِالعَرْضِ، وَاعْتَذَرَ بِأَنَّ القَاضِي أَخْبَرَهُ بِمُعَارَضَتِهِ بِأَصْلِهِ، فَرَكَنَ إِلَى قَوْلِهِ (٢): وَاللهُ أَعْلَمُ بِحَقَائِقِ الأُمُوْرِ، ثُمَّ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَسِتِّمَائَةَ
следующие страницы →