Полный текст (2 431 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
البَغْدَادِيُّ، الوَاعِظُ، أَبُو مُحَمَّدٍ، وَيُلَقَّبُ بِـ "شِهَابِ الدِّيْنِ".
وُلِدَ فِي جُمَادَى الآخِرَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَسَمِعَ الكَثِيْرَ بِإِفَادَةِ أَبِيْهِ، وَبِنَفْسِهِ، مِنَ الحَافِظِ ابْنِ نَاصِرٍ، وَسَعِيْدِ بنِ البَنَّاءِ. وَنَصْرِ بْنِ نَصْرٍ العُكْبَرِيِّ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ الزَّاغُونِيِّ، وَأَبِي عَبْدِ اللهِ بنِ الرُّطَبِيِّ وَالنَّقِيْبِ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ العبَّاسِيِّ، وَأبِي الوَقْتِ، وَالمُبَارَكِ بْنِ السَّرَّاجِ، وَابْنِ المَادِحِ، وَهِبَةِ اللهِ بْنِ الشِّبْلِيِّ، وَأَبِي زُرْعَةَ بْنِ البَطِّيِّ، وَخَلْقٍ كَثيْرٍ مِمَّنْ بَعْدَهُمْ، وَعُنِيَ بِهَذَا الشَّأْنِ، وَقَرَأَ بِنَفْسِهِ، وَكَتَبَ الكَثِيْرَ بِخَطِّهِ، وَلَهُ فِي الخَطِّ طَرِيْقَةٌ حَسَنَةٌ مَعْرُوفَةٌ، ووَعَظَ مُدَّةً، وَرَأَيْتُ بِخَطِّهِ جُزْءًا مِنْ "أَخْبَارِ الحَلَّاجِ"، الظَّاهِرُ أَنَّهُ جَمْعُهُ، وَيَرْوِي فِيْهِ بِالأَسَانِيْدِ عَنْ شُيُوْخِهِ، وَمَالَ إِلَى مَدْحِ الحَلَّاجِ وَتَعْظِيْمِهِ، وَاسْتَشْهَدَ بِكَلَامِ ابْنِ عَقِيْلٍ فِي تَصْنِيْفِهِ القَدِيْمِ الَّذِي تَابَ مِنْهُ، وَلَقَدْ أَخْطَأَ فِي ذلِكَ.
قَالَ ابنُ النَّجَّارِ: وَسَمِعْتُ مِنْهُ، وَكَانَ سَرِيْعَ القِرَاءَةِ وَالكِتَابَةِ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ لُحَنَةً، قَلِيْلَ المَعْرِفَةِ بِأَسْمَاءِ المُحَدِّثِيْنَ. قَالَ: وَقَرَأْتُ بِخَطِّ شَيْخِنَا أَبِي الفُتُوْحِ نَصْرِ بْنِ الحُصْرِيِّ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ الغَزَّالِ لَا يَحْتَجُّ بِقِرَاءَتِهِ وَلَا بِخَطِّهِ، وَهُوَ سَاقِطٌ (١). وَحَدَّثَ، وَسَمِعَ مِنْهُ جَمَاعَةٌ، وَأَجَازَ لِلْمُنْذِرِيِّ، стр. 1367
وَعَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ أَبِي الجَيْشِ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الصَّيْرَفِيِّ (١):
وَتُوُفِّيَ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ نِصْفَ شَعْبَانَ سَنَةَ خَمْسَ عَشَرَةَ وَسِتِّمَائَةَ، وَدُفِنَ مِنَ الغَدِ بِـ "بَابِ حَرْبٍ" ﵀.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيْلَ الأَنْصَارِيُّ (أَنَا) يَحْيَى بْنُ الصَّيْرَفِيَّ الفَقِيْهُ (أَنَا) عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ الوَاعِظُ (أَنَا) أَبُو الوَقْتِ (أَنَا) أَبُو الحَسَنِ الدَّاوُدِيُّ (أَنَا) أَبُو مُحَمَّدٍ الحَمَوِيُّ (أَنَا) مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ مَطَرٍ، (ثَنَا) البُخَارِيُّ (ثَنَا) المَكِّيُّ (٢) (ثَنَا) يَزِيْدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ، قَالَ (٣): "كَانَ جِدَارُ المَسْجِدِ عِنْدَ المِنْبَرِ، مَا كَادَتْ الشَّاةُ تَجُوْزُهَا".
٢٨٥ - وكَانَ لَهُ وَلَدٌ نَجِيبٌ، اسْمُهُ: أَحْمَد وَيُسَمَّى هِبَةَ الكَرِيْمِ (٤) أَيْضًا، أَبَا نَصْرٍ، стр. 1368
وَكَانَ سِبْطَ أَبِي العَبَّاسِ بْنِ بَكْرُوْسٍ الفَقِيْهِ المُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ. وُلِدَ سَنَةَ ثمَانِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَحَفِظَ القُرْآنَ، وَقَرَأَ بِالرِّوَايَاتِ الكَثِيْرَةِ عَلَى أَصْحَابِ سِبْطِ الخَيَّاطِ، وَتَفَقَّهَ فِي المَذْهَبِ، وَتَكَلَّمَ فِي مَسَائِلِ الخِلَافِ، وَوَعَظَ النَّاسَ عَلَى المِنْبَرِ، وَاعْتَنَى بِهِ وَالِدُهُ، وَأَسْمَعَهُ الكَثِيْرَ مِنِ ابْنِ كُلَيْبٍ، وَابْنِ بُوشٍ، وَذَاكِرِ بْنِ كَامِلٍ، وَابْنِ المَعْطُوْشِ، وَابْنِ الجَوْزِيَّ، وَأَبِي مُحَمَّدِ بْنِ الصَّابُونِيِّ، وَطَبَقَتِهمْ، وَطَلَبَ هُوَ بِنَفْسِهِ، وَقَرَأَ عَلَى الشُّيُوْخِ، وَكَتَبَ بِخَطِّهِ كَثِيْرًا، وَكَانَ حَسَنَ الطَّرِيْقَةِ، مُتَدَيِّنًا، ذَكَرَ ذلِكَ ابْنُ النَّجَّارِ، وَقَالَ: سَمِعَ مِنَّا كَثِيْرًا، وَاصْطَحَبْنَا مُدَّةً، وَكَانَ طَيِّبَ الأَخْلَاقِ، لَطِيْفًا، حَسَنَ العِشْرَةِ، كَيِّسًا، اسْتلَبَتْهُ يَدُ المَنُوْنِ فِي عُنْفُوانِ شَبَابِهِ، وَقَدْ جَاوَزَ العِشْرِيْنَ؛ لأنَّهُ تُوُفِّيَ يَوْمَ الخَمِيْسِ خَامِسَ المُحَرَّمِ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّمَائَةَ، قَالَ: وَصَلَّيْنَا عَلَيْهِ مِنَ الغَدِ بِجَامِعِ القَصْرِ، وَتَقَدَّمَ لِلْصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالِدُهُ، وَحُمِلَ إِلَى "بَابِ حَرْبٍ" فَدُفِنَ هُنَاكَ.
قَالَ: وَرَأَيتُهُ فِي المَنَامِ، وَعَلَيهِ ثِيَابٌ فَاخِرَةٌ، قَمِيْصٌ فُوْطٍ جَدِيْدٍ، وَبِغِيَارٍ أَبْيَضَ مَلِيْحٍ، فَسَأَلْتُهُ مَا فَعَلَ اللهُ بِكَ؟ قَالَ: غَفَرَ لِي، وَقَلِيْلُ العَمَلِ يَنْفَعُ عِنْدَ اللهِ، وَسَأَلْتُهُ عَنْ عَذَابِ القَبْرِ أَحَقٌّ هُوَ؟ قَالَ: لَا، فَقُلْتُ لَهُ مَرَّةً ثَانِيَةً عَذَابُ القَبْرِ حَقٌّ، وَجَبَذْتُهُ جَبْذَةً (١)، كَالمُنْكَرِ عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَنَا مَا رَأَيْتُهُ، فَقُلْتُ لَهُ: فَمُنْكَرٌ وَنَكِيْرٌ؟ قَالَ: إِيْ وَاللهِ حَقٌّ، نَزَلَا عَلَيَّ وَسَأَلَانِي، رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى. стр. 1369
٢٨٦ - أَحْمَدُ بْنُ أَحمَدَ (١) بْنِ أَحْمَدَ بْنِ كَرَمِ بْنِ غَالِبِ بْنِ قَتِيْلٍ البَنْدَنِيْجِيُّ، ثُمَّ البَغْدَادِيُّ، الأَزَجِيُّ، الحَافِظُ، المُحَدِّثُ، المُعَدَّلُ، أَبُو العَبَّاسِ بْنِ أبِي بَكْرِ بْنِ أَبي السَّعَادَاتِ، المَعْرُوفُ بِـ "ابْ نِ البَنْدَنِيْجِيِّ".
وُلِدَ فِي رَبِيْعٍ الأَوَّلِ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَتَلَقَّنَ القُرْآنَ مِنْ أَبِي حَكِيْمٍ النَّهْرَوَانِيِّ، وَقَرَأَهُ بِالرِّوَايَاتِ عَلَى أَبِي الحَسَنِ البَطَائِحِيِّ وَغَيْرِهِ.
وَسَمِعَ الحَدِيْثَ الكَثِيْرَ مِنْ أَبِي بَكْرِ بنِ الزَّاغُونِيِّ، وَأَبِي الوَقْتِ، وَهِبَةِ اللهِ بْنِ الشِّبْلِيِّ، وَأَبِي مُحَمَّدِ بْنِ المَادِحِ، وَالشَّيْخِ عَبْدِ القَادِرِ الجِيْلِيِّ، وَالمُبَارَكِ بْنِ خُضَيْرٍ، وَأَبِي زُرْعَةَ، وَابْنِ البَطِّيِّ، وَخَلْقٍ كَثِيْرٍ، وَعُنِيَ بِهَذَا الشَّأْنِ، وَكَتَبَ بِخَطِّهِ الكَثِيْرَ، وَخَرَّجَ، وَأَفَادَ. وَوَسَمَهُ جَمَاعَةٌ بِـ "الحَافِظِ" مِنْهُمُ المُنْذِرِيُّ. قَالَ الذَّهَبِيُّ: كَانَ وَافِرَ السَّمَاعِ، كَثِيْرَ الشُّيُوْخِ، حَسَنَ الأُصُوْلِ، стр. 1370
حَدَّثَ بِالكَثِيْرِ، وَسَمِعَ مِنْهُ جَمَاعَةٌ (١).
وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ مُكْثِرًا مِنَ الرِّوَايَةِ وَالحِفْظِ، وَكَانَ أَحَدَ شُهُوْدِ "بَغْدَادَ" شَهِدَ عِنْدَ ابْنِ الدَّامَغَانِيِّ سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، ثُمَّ عُزِلَ عَنِ الشَّهَادَةِ لَمَّا عُزِلَ قَاضِي القُضَاةِ العَبَّاسِيِّ؛ فَإِنَّ خَطَّهُ وُجِدَ عَلَى الكِتَابِ الَّذِي عُزِلَ القَاضي بِسَبَبِهِ بِالعَرْضِ، وَاعْتَذَرَ بِأَنَّ القَاضِي أَخْبَرَهُ بِمُعَارَضَتِهِ بِأَصْلِهِ، فَرَكَنَ إِلَى قَوْلِهِ (٢): وَاللهُ أَعْلَمُ بِحَقَائِقِ الأُمُوْرِ، ثُمَّ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَسِتِّمَائَةَ стр. 1371
- لَمَّا ظَهَرَتْ إِجَازَةُ الخَلِيْفَةِ النَّاصِرِ مِنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الشُّيُوْخِ، وَكَانَ ابْنُ البَنْدَنِيْجِيِّ وَأَخُوهُ - تَمِيْمٌ المُتَقَدِّمُ - ذِكْرُهُ هُمَا اللَّذَانِ اسْتَجَازَا لَهُ، وَكَانَتْ عِنْدَ وَلَدِ تَمِيْمٍ فَرَوَى بِهَا الخَلِيْفَةُ، وَأَجَازَ لِلأَعْيَانِ - أُعِيْدَ ابْنُ البَنْدَنِيْجِيِّ إِلَى عَدَالَتِهِ بِتَزْكِيَتِهِ الأُوْلَى وَتَقَدَّمَ.
وَتُوُفِّيَ ﵀ لَيْلَةَ الأَرْبِعَاءِ وَقِيْلَ: لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ، رَابِعَ عَشَرَ رَمَضَانَ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَسِتِّمَائَةَ، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ "بَابِ حَرْبٍ".
أَخْبَرَنَا أَبُو المَعَالِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ - بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ - بِـ "بَغْدَادَ" (أَنَا) أَبُو الفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّطِيْفِ البَزَّازُ (أَنَا) أَبُو العَبَّاسِ أَحْمَدُ بنُ أحْمَدَ بْنِ أَحْمَدَ المُعَدَّلُ الحَاجِبُ كِتَابَةً (أَنَا) أَبُو الحَسَنِ سَعْدُ اللهِ بنُ نَصْرٍ الحَيَوَانِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ (أَنَا) أَبُو مَنْصُوْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا إِمْلاءً (ثَنَا) عَلِيُّ بنُ مُحَمَّدٍ المِصْرِيُّ (ثَنَا) مِقْدَامُ بْنُ دَاوُدَ، (ثَنَا) أَسَدُ بْنُ مُوسَى، (ثَنَا) ابْنُ لَهِيْعَةَ، (ثنا) دَرَّاجٌ، عَنْ أَبِي الهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيْدٍ الخُدْرِيِّ: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: (١) "إنَّ الشَّيْطَانَ قَالَ: وَعِزَّتِكَ يَا رَبِّ، لَا أَبْرَحُ أُغْوِي عِبَادَكَ مَا стр. 1372
دَامَتِ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ، قَالَ: الرَّبُّ : وَعِزَّتِي وَجَلَالِي، لَا أَزَالُ أَغْفِرُ لَهُمْ مَا اسْتَغْفَرُونِي".
٢٨٧ - وتُوُفِّيَ مَعَهُ فِي ثَالِثَ عَشَرَ مِنَ السَّنَةِ: أَبُو مُحَمَّدِ عَبْدُ الكَافِي (١) بْنُ стр. 1373
بَدْرِ بْنِ حَسَّانَ الأَنْصَارِيُّ، الشَّامِيُّ الأَصْلِ، المِصرِيُّ، النَّجَّارُ، الحَنْبَلِيُّ، وَكَانَ شَيْخًا، صَالِحًا، كَثيْرَ الصِّيَامِ وَالتَّعَبُّدِ. سَمِعَ مِنَ البُوصِيْرِيِّ، وَالأَرْتَاحِيِّ،
стр. 1374
وَعَبْدِ الغَنِيِّ الحَافِظِ، وَرَبِيْعَةَ بْنِ نِزَارٍ، وَغَيْرِهِمْ، عَلَّقَ عَنْهُ المُنْذِرِيُّ شَيْئًا.
تُوُفِّيَ وَلهُ نَحْوَ السِّتِّيْنَ، وَدُفِنَ بِـ "سَفْحِ المُقَطَّمِ".
٢٨٨ - عَبْدُ الله بْنِ الحُسَيْنِ (١) بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الحُسَيْنِ العُكْبَرِيُّ، ثُمَّ البَغْدَادِيُّ стр. 1375
الأَزَجِيُّ، المُقْرِئُ، الفَقِيْهُ، المُفَسِّرُ، الفَرَضِيُّ، اللُّغَوِيُّ، النَّحْوِيُّ، الضَّرِيْرُ، مُحِبُّ الدِّيْنِ، أَبُو البَقَاءِ بنُ أَبِي عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي البَقَاءِ.
وُلِدَ بِـ "بَغْدَادَ" سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، هكَذَا قَالَ غَيْرُ واحِدٍ، وَذَكَرَ الدُّبَيْثِيُّ: أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ مَوْلِدِهِ فَقَالَ: سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِيْنَ، وَقَالَ القَطِيْعِيُّ: سَأَلْتُهُ عَنْ مَوْلِدِهِ فَقَالَ: فِي حُدُوْدِ سَنَةِ تِسْعٍ وَثَلَاثِيْنَ.
وقَرَأَ القُرْآنَ عَلَى أَبِي الحَسَنِ البَطَائِحِيُّ، وَسَمِعَ الحَدِيْثَ مِنْ أَبِي الحَسَنِ بنِ البَطِيِّ، وَأَبِي زُرْعَةَ المَقْدِسِيِّ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ النَّقُّوْرِ، وَابْنِ هُبَيْرَةَ الوَزِيْرِ. وَقَرَأَ الفِقْهَ علَى القَاضِي أَبِي يَعْلَى الصَّغِيْرِ، وَأَبِي حَكِيْمٍ النَّهْرَاوَانِيُّ حَتَّى بَرَعَ فيه. وَأَخَذَ النَّحْوَ عَنْ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ الخَشَّابِ. وَأَبِي البَرَكَاتِ بْنِ نَجَاحٍ. وَاللُّغَةَ عَنْ ابْنِ القَصَّابِ. وَبَرَعَ فِي فُنُوْنٍ عَدِيْدَةٍ مِنَ العِلْمِ، وَصَنَّفَ التَّصَانِيْفَ الكَثِيْرَةَ، وَرَحَلَتْ إِلَيْهِ الطَّلَبَةُ مِنَ النَّوَاحِي، وَأَقْرأَ، المَذْهَبَ وَالفَرَائِضَ، وَالنَّحْوَ، وَاللُّغَةَ، وَانْتَفَعَ بِهِ خَلْقٌ كَثِيْرٌ.
قَالَ أَبُو الفَرَجِ بْنُ الحَنْبلِيِّ المُلَقَّبُ بِـ "نَاصِحِ الدِّيْنِ" كَانَ - يَعْنِي أَبَا البَقاءِ - إِمَامًا فِي عُلُوْمِ القُرْآنِ، إِمَامًا فِي الفِقْةِ، إِمَامًا فِي اللُّغَةِ، إِمَامًا فِي النَّحْوِ، إِمَامًا فِي العَرُوْضِ، إِمَامًا فِي الفَرَائِضِ، إِمَامًا فِي الحِسَابِ، إِمَامًا فِي مَعْرِفَةِ المَذْهَبِ، إِمَامًا فِي المَسَائِلِ النَّظَرِيَّاتِ، وَلَهُ فِي هَذهِ الأَنْوَاعِ مِنَ العُلُومِ مُصَنَّفَاتٌ مَشْهُوْرَةٌ، قَالَ: وَكَانَ مُعِيْدًا للِشَّيْخِ أَبِي الفَرَجِ بْنِ الجَوْزِيِّ في المَدْرَسَةِ.
стр. 1376
وَكَانَ مُتَدَيِّنًا، قَرَأْتُ عَلَيْهِ كِتَابَ "الفَصِيْحِ" لِثَعْلَبٍ مِنْ حِفْظِي، وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ بَعْضَ كِتَابِ "التَّصْرِيْفِ" (١) لاِبْنِ جِنِّي.
وَقَالَ الإِمَامُ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ أَبِي الجَيْشِ: كَانَ يُفْتِي فِي تِسْعَةِ عُلُوْمٍ، وَكَانَ وَاحِدَ زَمَانِهِ فِي النَّحْوِ، وَاللُّغَةِ، وَالحِسَابِ، وَالفَرَائِضِ، وَالجَبْرِ وَالمُقَابَلَةِ وَالفِقْهِ، وَإِعْرَابِ القُرْآنِ، وَالقِرَاءَاتِ الشَّاذَّةِ، وَلَهُ فِي كُلِّ هَذِهِ العُلُوْمِ تَصَانِيْفٌ، كِبَارٌ، وَصِغَارٌ، وَمُتَوَسِّطَاتٌ، وَذَكَرَ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَيْهِ كَثِيْرًا.
وَقَالَ ابْنُ الدُّبَيْثِيِّ: كَانَ متَفَنِّنًا فِي العُلُوْمِ، لَهُ مُصَنَّفَاتٌ حَسَنَةٌ فِي إِعْرَابِ القُرْآنِ وَقِرَاءَاتِهِ المَشْهُورَةِ، وَإِعْرَاب الحَدِيْثِ، وَالنَّحْوِ وَاللُّغَةِ، سَمِعْتُ عَلَيْهِ، وَنِعْمَ الشَّيْخُ كَانَ.
وَقَالَ ابْنُ النَّجَّارِ: قَرَأْتُ عَلَيْهِ كَثِيْرًا مِنْ مُصَنَّفَاتِهِ، وَصَحِبْتُهُ مُدَّةَ طَوِيْلَةً، وَكَانَ ثِقَةً، مُتَدَيِّنًا، حَسَنَ الأَخْلَاقِ مُتَوَاضِعًا، كَثِيْرَ المَحْفُوْظِ، وَكَانَ مُحِبًّا لِلاِشْتِغَالِ وَالإِشْغَالِ، لَيْلًا وَنَهَارًا، مَا يَمْضِي عَلَيْهِ سَاعَةٌ إِلَّا وَوَاحِدٌ يَقْرَأُ عَلَيْهِ، أَوْ يُطَالِعُ لَهُ، حَتَّى ذُكِر لِي أَنَّهُ بِاللَّيْلِ تَقْرَأُ لَهُ زَوْجَتُهُ فِي كُتُبِ الأَدَبِ وَغَيْرِهَا، قَالَ: وَبَقِيَ مُدَّةً مِنْ عُمُرِهِ فَقِيْدَ النَّظِيْرِ مُتَوَحِّدًا فِي стр. 1377
فُنُونِهِ الَّتِي جَمَعَهَا مِنْ عُلُوْمِ الشَّرِيْعَةِ وَالآدَابِ، وَالحِسَابِ، فِي سَائِرِ البِلَادِ، وَذَكَرَ لِي: أَنَّهُ أضَرَّ فِي صِبَاهُ بِالجُدَرِيِّ، وَذكَرَ تَصَانِيْفَهُ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ أَبُو البَقَاءِ (١) إِذَا أَرَادَ أَنْ يُصَنِّفَ كِتَابًا: أُحْضِرَتْ لَهُ عِدَّةُ مُصَنَّفَاتٌ فِي ذلِكَ الفَنِّ، وَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَإِذَا حَصَّلَهُ فِي خَاطِرِهِ: أَمْلَاهُ، فَكَانَ بَعْضُ الفُضَلَاءِ يَقُوْلُ: أَبُو البَقَاءِ تِلْمِيْذُ تَلَامِيْذِهِ، يَعْنِي: هُوَ تَبَعٌ لَهُمْ فِيْمَا يُلْقُوْنَهُ عَلَيْهِ. وَقَالَ المَرَاتِبِيُّ: (٢) سَمِعْتُ الشَّيْخَ أَبَا البَقَاءِ يَقُوْلُ: جَاءَ إِلَيَّ جَمَاعَةٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ فَقَالُوا: انْتَقِلْ إِلَى مَذْهَبِنَا وَنُعْطِيْكَ تَدْرِيْسَ النَّحْوِ وَاللُّغَةِ بِالنِّظَامِيَّةِ، فَأَقْسَمْتُ وَقُلْتُ: لَوْ أَقَمْتُمُونِي وَصَبَبْتُمْ عَلَيَّ الذَّهَبَ حَتَّى أَتَوَارَى، مَا رَجَعْتُ عَنْ مَذْهَبِي.
"ذِكْرُ تَصَانِيْفِهِ":
"تَفْسِيْرُ القُرْآنِ"، "البَيَانُ فِي إِعْرَابِ القُرْآنِ" (٣) فِي مُجَلَّدَيْنِ، "إِعْرَابُ الشَّوَاذِّ" (٤)، стр. 1378
"مُتَشَابِهُ القُرْآنِ" "عَدَدُ الآي" "إِعْرَابُ الحَدِيْثِ" (١) كِتَابُ "التَّعْلِيْقِ فِي مَسَائِلِ الخِلَافِ" فِي الفِقْهِ "شَرْحُ الهِدَايَةِ" لأَبِي الخَطَّابِ (٢) فِي الفِقْهِ، كِتَابُ "المَرَامِ فِي نِهَايَةِ الأَحْكَامِ" فِي المَذْهَبِ، كِتَابُ "مَذَاهِبِ الفُقَهَاءِ" "النَّاهِضُ فِي عِلْمِ الفَرَائِضِ" "بُلْغَةُ الرَّائِضِ فِي عِلْمِ الفَرَائِضِ" وَ"كِتَابٌ آخَرُ فِي الفَرَائِضِ" لِلْخُلَفَاءِ "المُنَقَّحُ مِنَ الخَطَلِ فِي عِلْمِ الجَدَلِ" (٣) "الاعْتِرَاضُ علَى دَلَيْلِ التَّلَازُمِ وَدَلِيْلِ التَّنَافِي" جُزْءٌ "الاِسْتِيْعَابُ فِي عِلْمِ الحِسَابِ" "اللُّبَابُ فِي [عِلَلِ] (٤) البِنَاءِ وَالإِعْرَابِ" "شَرْحُ الإِيْضَاحِ" (٥) "شَرْحُ اللُّمَعِ" (٦) "شَرْحُ التَّلْقِيْنِ" فِي النَّحْوِ "التَّلْخِيْصُ" فِي النَّحْوِ стр. 1379
"الإِشَارَةُ" فِي النَّحْوِ "تَعْلِيْقٌ عَلَى مُفَصَّلِ الزَّمَخْشَرِيِّ" (١) "شَرْحُ الحَمَاسَةِ" (٢) "غَوَامِضُ الأَلْفَاطِ اللُّغَوِيَّةِ لِلْمَقَامَاتِ الحَرِيْرِيَّةِ" (٣) "شَرْحُ خُطَبِ ابْنِ نُبَاتَةَ" (٤) "شَرْحُ بَعْضِ قَصَائِدِ رُؤْبَةَ، "شَرْحُ لُغَةِ الفِقْهِ" أَمْلَاهُ عَلَى ابْنِ النَّجَّارِ الحَافِظِ "شَرْحُ دِيْوَانِ المُتَنَبِّي" (٥) "مَسَائِلُ مُفْرَدَةٌ" "أَجْوِبَةُ مَسَائِلَ وَرَدَتْ مِنْ "حَلَبَ" "المَشُوْفُ (٦) المُعَلَمُ فِي تَرْتِيْبِ إِصْلَاحِ المَنْطِقِ عَلَى حُرُوفِ المُعْجَمِ" "تَلْخِيْصُ стр. 1380
أَبْيَاتِ شِعْرٍ لأَبِي عَلِيٍّ" "تَهْذِيْبُ الإِنْسَانِ بِتَقْوِيْمِ اللِّسَانِ" "الإِعْرَابُ عَنْ عِلَلِ الإِعْرَابِ" (١) وَغَيْرِ ذلِكَ. وَمِنْ شِعْرِهِ يَمْدَحُ الوَزِيْرَ ابْنَ القَصَّابِ: (٢)
بِكَ أَضْحَى جِيْدُ الزَّمَانِ مُحَلَّى … بَعْدَ مَا كَانَ مِنْ حُلَاهُ مُخَلَّى
لَا يُجَارِيْكَ فِي نِجَارِيْكَ خَلْقٌ … أَنْتَ أَغْلَى قَدْرًا وَأَعْلَى مَحَلًّا
عِشْتَ تُحْيِي مَا قَدْ أُمِيْتَ مِنَ الفَضْـ … ــلِ وَتَنْفِيَ جَوْرًا وَتَطْرُدُ مَحْلَا
قَالَ ابْنُ السَّاعِي: ذَكَرَ شَيْخُنَا أَبُو البَقَاءِ إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ قَطُّ سِوَى هَذِهِ الأَبْيَاتِ كَذَا قَالَ: وَقَدْ قَالَ ابْنُ القَطِيْعِيِّ: أَنْشَدَنِي أَبُو البَقَاءِ لِنَفْسِهِ: (٣) стр. 1381
أَشْكُو إِلَى اللهِ مَا أَلْقَى مِنَ الكَمَدِ … وَمِنْ فِرَاقِ حَبِيْبٍ فَتَّ فِي عَضُدِي
وَهَى اصْطِبَارِي وَهَا دَمْعِي يَنِمُّ عَلَى … بَرْحِ الهَوَى بِي وَأَنْ قَدْ خَانَنِي جَلَدِي
قَدْ كُنْتُ وَالشَّمْلُ مَلْمُوْمًا بِهِمْ فَرَقًا … مِنَ الفِرَاقِ وَإِشْفَاقِي عَلَى الرَّصْدِ
فَكَيْفَ حَالِي وَقَدْ شَطَّ المَزَارُ بِهِمْ … عَنِّي وَبُدِّلَ قُرْبُ الدَّارِ بِالبَعَدِ
طَارَ الفُؤَادُ شُعَاعًا سَاعَةَ احْتَمَلُوا … وَأَلَّفَ البَيْنَ بَيْنَ الجَفْنِ وَالسُّهُدِ
أَنَّى أَلَذُّ بِعَيْشٍ بَعْدَ بُعْدِهِمُ … وَالرُّوْحُ فِي بَلَدٍ وَالجِسْمُ فِي بَلَدِ
يَا وَيْحَ قَلْبِيَ مِنْ شَوْقٍ أُكَابِدُهُ … ضَعِفْتُ عَنْهُ فَمَنْ ذَا آخِذٌ بِيَدِي
حُكْمُ الهَوَى جَائِرٌ عُدْوَانُهُ هَدَرٌ … قَتْلَاهُ ظُلْمًا بِلَا عَقْلٍ وَلَا قَوَدِ
قَدْ رَقَّ قَلْبِي ظَلُوْمٌ مَا يَرِقُّ لَهُ … مِنَ الغَرَامِ الَّذي أَحْنَى عَلَى كَبِدِي
стр. 1382
أَحْنَى الضُّلُوعَ علَى قَلْبٍ تَمَلَّكَهُ … مَنْ لَيْسَ يَحْنُو عَلَى صَبٍّ بِهِ كَمِدِي
قَالَ: وَأَنْشَدَنِي أَبُو البَقَاءِ العُكْبَرِيُّ لِنَفْسِهِ:
صَادَ قَلْبِي عَلَى العَقِيْقِ غَزَالٌ … ذُو نِفَارٍ وِصَالُهُ مَا يُنَالُ
فَاتِرُ الطَّرْفِ تَحْسَبُ الجَفْنَ مِنْهُ … نَاعِسًا وَالنُّعَاسُ مِنْهُ مُدَالُ
أَخَذَ عَنْهُ العَرَبِيَّةِ خَلْقٌ كَثِيْرٌ، وَأَخَذَ عَنْهُ الفِقْهَ جَمَاعَةٌ منَ الأَصْحَابِ، كَالمُوَفَّقِ بْنِ صُدَيْقٍ، وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى الحَرَّانِيَّينِ. وَسَمِعَ مِنْهُ الحَدِيْثَ خَلْقٌ كَثِيْرٌ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الدُّبَيْثِيِّ، وَابْنُ النَّجَّارِ، وَالضِّيَاءُ، وَابْنُ الصَّيْرَفِيُّ، وَبِالإِجَازَةِ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمُ: الكَمَالُ البَزَّارُ البَغْدَادِيُّ (١).
وَتُوُفِّيَ لَيْلَةَ الأَحَدِ ثَامِنَ رَبِيْعٍ الآخِرِ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وَسِتِّمَائَةَ، وَدُفِنَ مِنَ الغَدِ، بِمَقْبَرَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ بِـ "بَابِ حَرْبٍ" رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.
أخْبَرنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيْلَ الأَنْصَارِيُّ (أَنَا) أَبُو زكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ أَبِي مَنْصُوْرٍ الحَرَّانِيُّ حُضُوْرًا (أَنَا) أَبُو البَقَاءِ عَبْدُ اللهِ بْنُ الحُسَيْنِ العُكْبَرِيُّ (أَنَا) أَبُو الفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ البَاقِي (أَنَا) مَالِكُ بْنُ أَحْمَدَ البَانِيَاسِيُّ (أَنَا) أَبُو الفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبي الفَوَارِسِ الحَافِظُ (ثَنَا) أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ خَلَّادٍ (ثَنَا) أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيْمَ بْنِ مِلْحَانَ (ثَنَا) يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيْدَ، عَنْ سَعِيْدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ يَقُوْلُ: "مَنْ стр. 1383
نَزَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللهَ لَيْسَتْ لَهُ حُجَّةٌ، وَمَنْ مَاتَ مُفَارِقًا لِلْجَمَاعَةِ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً" (١).
"ذِكْرُ شَيءٍ مِنْ فوَائِدِهِ وَكَلَامِهِ فِي الفِقْهِ وَغَيْرِهِ"
- ذَكَرَ أَبوُ البَقَاءِ فِي "شَرْحِ الهِدَايَةِ" وَجْهًا بِدُخُوْلِ الاِسْتِحَاضَةِ فِي مُدَّةِ النِّفَاسِ، وَقَدْ حَكَاهُ قَبْلَهُ القَاضِي فِي "شَرْحِ المَذْهَبِ".
- وَحَكَى فِيْمَا إِذَا حَكَّ أَسْفَلَ الخُفِّ بِعُوْدٍ وَنَحْوِهِ مِنَ النَّجَاسَةِ، فَهَلْ يَقُوْمُ مَقَامَ دَلْكِهِ بِالأَرْضِ فِي طَهَارَتهِ أَوِ العَفْوِ عَنْهُ، وَجْهَيْنِ.
- وَقَالَ فِيْهِ: الكَلْبُ وَالحِمَارُ الأَهْلِيِّ وَالوَحْشِيِّ سَوَاءٌ فِي قَطْعِ الصَّلاةِ، قَالَ: وَقَالَ الشَّرِيْفُ: رَأَيْتُ فِي بَعْضِ نُسَخٍ: "المُجَرَّدِ" يَقْطَعُ الحِمَارُ الأَهْلِيُّ.
وَقَالَ فِيْهِ: لَمْ أَجِدْ لأَصْحَابِنَا فِي بَعْضِ الآيَةِ الَّتِي يَجُوْزُ لِلْجُنُبِ قِرَاءَتِهَا حَدًّا، وَظَاهِرُ قَوْلِهِمْ: إِنَّهُ يَجُوْزُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَثُرَ البَعْضُ، وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ آيَاتٍ مُتَوَسِّطَةٍ، وَالأَمْرُ مَحْمُوْلٌ عنْدِي عَلَى غَيْرِ ذلِكَ، وَهُوَ أَنْ يُحْمَلَ البَعْضُ عَلَى مِقْدَارِ دُوْنَ آيَةِ مُتَوَسِّطَةٍ، إِذَا كَانَ كَلَامًا تَامًّا غَيْرَ مُتَعَلِّقٍ بِمَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ.
وَحَكَى ابنُ الصَّيْرَفِيِّ أَيْضًا، عَنْ أَبِي البَقَاءِ: أَنَّهُ كَانَ يَخْتَارُ جَوَازَ أَخْذِ بَنِي هَاشِمٍ مِنَ الزَّكَاةِ إِذَا مُنِعُوا حَقَّهُمْ مِنْ خُمُسِ الغَنِيْمَةِ.
وَقَالَ ابْنُ الصَّيْرَفِيِّ أَيْضًا: خَرَّجْتُ جَوَازَ دَفْعِ الرِّشْوَةِ إِلَى القَاضِي стр. 1384
الظَّالِمِ لِدَفْعِ ظُلْمِهِ عَلَى عَامِلِ الخَرَاجِ، وَذَاكَرْتُ بِذلِكَ شَيْخِي أَبَا البَقَاءِ فَلَمْ يُصَوِّبْهُ، قَالَ: ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ عَقِيْلٍ فِي "فُنُوْنِهِ" صَرَّحَ بِمَا خَرَّجْتُهُ.
قَالَ: وَسَمِعْتُ شَيْخَنَا أَبَا البَقَاءِ يَقُوْلُ: فِيْمَنْ رَأَى رَجُلًا نَائِمًا، وَقَدْ دَخَلَ عَلَيْهِ وَقْتُ الصَّلَاةِ: لَا يُوْقِظُهُ؛ لأَنَّهُ غَيْرُ مُخَاطَبٍ، قَالَ: وَيَغْلِبُ عَلَى ظَنِّي أَنَّهُ حَكَاهُ عَنْ شَيْخِهِ أَبِي حَكِيْمٍ.
قَالَ: وَقَرَأْتُ بِخَطِّ بَعْضِ أَصْحَابِ أَبِي الخَطَّابِ: أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا الخَطَّابِ عَنْ هَذِهِ المَسْأَلَةِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ يُوْقِظُهُ، قَالَ: وَحَكَى عَنْ شَيْخِنَا أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ قُدَامَةَ المَقْدِسِيُّ مِثْلَ ذلِكَ، قَالَ: وَرَأَيْتُ فِي "فُنُوْنِ ابْنِ عَقِيْلٍ" هَذِهِ المَسْأَلَةَ، وَقَدْ جَرَتْ فِيْهَا مُذَاكَرَاتٌ بَيْنَ ابْنِ عَقِيْلٍ وَرَجُلٍ آخَرَ مُعَيَّنٍ، وَاخْتَلَفَا فِي ذلِكَ.
وَمِنْ كَلَامِهِ فِي "حَوَاشِي المُفَصَّلِ" (١)، "أَفْعَلُ" تُسْتَعْمَلُ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فَضْلَ المَذْكُوْرِ زَائِدٌ عَلَى فَضْلِ مَنْ أُضِيْفَ إِلَيْهِ "أَفْعَلَ" فَهَذَا يُسْتَعْمَلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ، بِـ "مِنْ" كَقَولِكَ: زَيْدٌ أَفْضَلُ مِنْ عَمْرٍو، وَهَذَا لَا يُثَنَّى، وَلَا يُجْمَعُ وَلَا يُؤَنَّثُ، لِعِلَّةٍ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعُهَا، وَبِالإِضَافَةِ كَقَوْلِكَ: زَيْدٌ أَفْضَلُ القَوْمِ، وَهَذَا لَا يُضَافُ إِلَى مُضَافٍ إِلَى ضَمِيرِهِ، فَلَا تَقُوْلُ: زَيْدٌ أَفْضَلُ إِخْوَتِهِ، وَبِالأَلِفِ وَاللَّامِ، كَقَوْلِكَ: زَيْدٌ الأَفْضَلُ. стр. 1385
وَالوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَكُوْنَ "أَفْعَلُ" لِلْزِّيَادَةِ، بَلْ لاِشْتِهَارِ المَذْكُورِ بِالفَضْلِ وَتَخْصِيْصِهِ مِنْ دُوْنِهِمْ، كَقَولِكَ: زَيْدُ أَفْضَلُ القَوْمِ، كَمَا تَقُوْلُ: فَاضِلٌ، وَعَلَى هَذَا: يَجُوْزُ أَنْ يُضَافَ إِلَى مُضَافٍ إِلَى ضَمِيْرِهِ، كَقَوْلكَ: زَيْدٌ أَفْضَلُ قَوْمِهِ، وَأَحْسَنُ إِخْوَتِهِ، أَيْ: هُوَ الفَاضِلُ مِنْ بَيْنِهِمْ، وَهَذَا يُثَنَّى وَيُجْمَعُ وَيُؤَنَّثُ.
- وَمِنْهُ: الفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِهِ: مَنْ دَخَلَ دَارِي فَلَهُ دِرْهَمٌ، وَمَنْ دَخَلَ دَارِي لَهُ دِرْهَمٌ، بِإِسْقَاطِ الفَاءِ، أَي: إِنَّهُ مَعَ إِثْبَاتِهَا يَكُوْنُ ضَامِنًا لَهُ الدِّرْهَمُ عَلَى دُخُوْلِهِ، وَمَعَ سُقُوْطِهَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَخْبَرَ عَنْهُ بِأَنَّهُ يَمْلِكُ دِرْهَمًا، لَا أَنَّهُ ضَمِنَ لَهُ شَيْئًا.
وَقَالَ: الفَرْقُ بَيْنَ "وَاوِ مَعَ" "وَاوِ العَطْفِ" يَتَبَيَّنُ بِقَوْلِكَ: "قُمْ أَنْتَ وَزَيْدٌ" إِذَا رَفَعْتَ "زَيْدٌ" كُنْتَ آمِرًا لَهُمَا بِالقِيَامِ، لأَنَّ حُكْمَ العَطْفِ أَنْ يُشَرِّكَ بَيْنَ المَعْطُوفِ وَالمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فِي العَامِلِ، وَإِذَا نَصَبْتَ كُنْتَ آمِرًا المُخَاطَبَ أَنْ يُتَابِعَ زَيْدًا فِي القِيَامِ، وَلَسْتَ آمِرًا زَيْدًا بِالقِيَامِ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَقُمْ لَمْ يَلْزَمِ المُخَاطَبُ القِيَامَ؛ لأَنَّ هَذَا هُوَ حُكْمُ "مَعَ".
- وَمِنْ كَلَامِهِ - وَنَقَلْتُهُ مِنْ خَطِّ ابْنِ الصَّيْرَفِيِّ - "لَوْ" تَقَعُ فِي الكَلَامِ عَلى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ.
أَحَدُهَا: امْتِنَاعُ الشَّيءِ لاِمْتِنَاعِ غَيْرِهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُوْنَ بِمَعْنَى "إِنِ" الشَّرْطِيَّةِ، كَقَولِهِ تَعَالَى: (١) ﴿وَلَأَمَةٌ стр. 1386
مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾.
وَالثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى "أَنْ" النَّاصِبَةِ لِلْفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ، وَلكِنَّهَا لَا تَنْصِبُ، وَهُوَ كَثِيْرٌ فِي القُرْآنِ وَالشِّعْرِ، كَقَولِهِ تَعَالَى: (١) ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩)﴾ ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي﴾ (٢) وَلَا يَجُوْزُ أَنْ يَكُوْنَ لِلْامْتِنَاعِ؛ إِذْ لَا جَوَابَ لَهَا، وَلأَنَّ "وَدَّ" لَا تُعَلَّقُ عَنِ العَمَلِ؛ إِذْ لَيْسَ مِنْ بَابِ العِلْمِ وَالظَّنِّ، وَلأَنَّ "أَنْ" قَدْ جَاءَتْ بَعْدَهَا صَرِيْحَةً فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (٣) ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ وَإِنَّمَا لَمْ تَنْصِبْ؛ لأَنَّ "لَوْ" قَدْ تَعَدَّدَتْ مَعَانِيْهَا، فَلَمْ تَخْتَصَّ، وَجَرَتْ مَجْرَى "حَتَّى" فِي الأفْعَالِ.
وَالقِسْمُ الأَوَّلِ يَرِدُ فِي اللُّغَةِ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ.
أَحَدُهَا: أَنْ تَدُلَّ عَلَى كَلَامٍ لَا نَفْيَ فِيْهِ، كَقَوْلِكَ: لَوْ قُمْتَ قُمْتُ، وَيُفِيْدُ ذلِكَ امْتِنَاعُ قِيَامِكَ لَامْتِنَاعِ قِيَامِهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ تَدْخُلَ عَلَى نَفْيَيْنِ، فَيَصِيْرُ المَعْنَى إِلَى إِثْبَاتِهِمَا، كَقَوْلِكَ: لَوْ لَمْ تَزُرْنِي لَمْ أُكْرِمْكَ، أَي: أَكْرَمْتُكَ لأنَّكَ زُرْتَنِي، فَانْقَلَبَ النَّفْيُ هَهُنَا إِثْبَاتًا، لأَنَّ "لَوْ" امْتِنَاعٌ، وَالاِمْتِنَاعُ نَفْيٌ، وَالنَّفْيُ إِذَا دَخَلَ عَلَى النَّفيِ صَارَ إِيْجَابًا.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُوْنَ النَّفْيُ فِيْمَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ دُوْنَ جَوَابِهَا، كَقَوْلِكَ: لَوْ لَم تَشْتُمْهُ لأَكْرَمَكَ، فَالشَّتْمُ وَاقِعٌ، وَالإِكْرَامُ مُنْتَفٍ، وَالاِمْتِنَاعُ أَزَالَ النَّفْيَ، стр. 1387
وَبَقِيَ الإِيْجَابُ بِحَالِهِ.
وَالرَّابِعُ: عَكْسُ الثَّالِثِ، وَهُوَ قَوْلُكَ: لَوْ أَحْسَنَ إِلَيْكَ لَمْ تُسِيءْ إِلَيْهِ، وَالمَعْنَى مَعْلُومٌ.
وَالخَامِسُ: أَنْ تَقَعَ لِلْمُبَالَغَةِ، فَلَا تُفِيْدُ مَفَادُهَا فِي الوُجُوْهِ الأُوَلِ، كَقَوْلِ عُمَرَ ﵁: "نِعْمَ العَبْدُ صُهَيْبٌ، لَوْ لَمْ يَخَفِ اللهَ لَمْ يَعْصِهِ"، وَالمَعْنَى: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ خَوْفٌ لَمَا عَصَى، فَكَيْفَ يَعْصِي وَعِنْدَهُ خَوْفٌ؟ وَلَوْ لَمْ يُرِدِ المُبَالَغَةَ لَكَانَ مَعْنَى ذلِكَ: أَنَّهُ يَعْصِي اللهَ، لأنَّهُ يَخَافُهُ.
وَقَالَ أَيْضًا: "لَوْ" فِي المَوْضِعِ اللُّغَوِيِّ تُعَلِّقُ فِعْلًا بِفِعْلٍ، وَالفِعْلُ الأَوَّلُ عِلَّةُ الثَّانِي، إِلَّا أَنْ يَكُوْنَ هُنَا قَرِيْنَةٌ صَارِفَةٌ تَصرِفُهَا عَنْ هَذَا الأَصْلِ، وَهُوَ أَنْ يَدُلَّ المَعْنَى عَلَى إِرَادَةِ المُبَالَغَةِ، كَقَوْلِكَ: لَوْ أُهِيْنَ زَيْدٌ لأَحْسَنَ إِلَى مَنْ يُهِيْنَهُ، وَالمَعْنَى: أَنَّهُ إِذَا أُكْرِمَ كَانَ أَوْلَى بِالإِحْسَانِ، لَا أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُهَنْ لَمْ يُحْسِنْ.
- وَمِنْ كَلَامِهِ: "بَلْهَ" تُسْتَعْمَلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ تَكُوْنَ بِمَعْنَى "غَيْرِ".
وَالثَّانِي: أَنْ تَكُوْنَ بِمَعْنَى "دَعْ" فَتَكُوْنَ مَبْنِيَّةً علَى الفَتْحِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى "كَيْفَ" فَإِنْ دَخَلَتْ "مِنْ" عَلَيْهَا كَانَتْ مُعْرَبَةً، وَجُرَّتْ بِمِنْ.
- وَذَكَرَ أَنَّ أَبَا عَلِيٍّ الفَارِسيَّ حَكَى عَنْ أَبِي زَيْدٍ (١)، القَلْبَ، فَيُقَالُ: стр. 1388
"بَهْلَ" إِلَّا أَنَّهَا لَا تُسْتَعْمَلُ مِثْلَ: "بَلْهَ" لأَنَّهَا فَرْعٌ.
وَقَالَ أَبُو البَقَاءِ: سَأَلَنِي سَائِلٌ عَنْ قَوْلِهِ ﷺ (١): "إِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ" فَقَالَ: أَيَجُوْزُ فِي "الرُّحَمَاءُ" الرَّفْعُ والنَّصْبُ؟ وَذَكَرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ زَعَمَ أَنَّ الرَّفْعَ غَيْرُ جَائِزٍ، فَأَحَبْتُ: بِأَنَّ الوَجْهَيْنِ جَائِزَانِ.
أَمَّا النَّصْبُ: فَلَهُ وَجْهَانِ، أَقْوَاهُمَا: أَنْ تَكُوْنَ "مَا" كَافَّةً لِـ "إِنَّ" عَنِ العَمَلِ فَلَا يَكُوْنُ فِي "الرُّحَمَاءُ" عَلَى هَذَا إِلَّا النَّصْبُ، لأَنَّ "إِنَّ" إِذَا كُفَّتْ عَنِ العَمَلِ وَقَعَتْ بَعْدَهَا الجُمْلَةُ ابْتِدَائِيَّةً، وَلَمْ يَبْقَ لَهَا عَمَلٌ، فَيَتَعَيَّنُ حِيْنَئِذٍ نَصْبُ "الرُّحَمَاءِ" بِـ "يَرْحَمُ" إِذْ لَمْ يَبْقَ لهَا تَعَلُّقٌ بِـ "إِنَّ"، وَمِثْلُهُ (٢): ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ نَصَبَ، وَفَائِدَةُ دُخُوْلِ "مَا" عَلَى هَذَا الوَجْهِ: إِثْبَاتُ المَذْكُوْرِ، وَنَفْيِ مَا عَدَاهُ، فَتَثْبُتُ الرَّحْمَةُ لِلْرُّحَمَاءِ دُوْنَ غَيْرِهِمْ.
وَالوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ تَكُوْنَ "مَا" زَائِدَةٌ، وَ"إِنَّ" بِمَعْنَى "نَعَمْ" وَزِيَادَةُ "مَا" كَثِيْرًا، وَوُقُوْعُ "إِنَّ" بِمَعْنَى "نَعَمْ" كَثِيْرٌ، فَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (٣) ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ فِي أَحَدِ القَوْلَيْنِ، وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ الزُّبَيْرِ، حِيْنَ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: стр. 1389
لَعَنَ اللهُ نَاقَةً حَمَلَتْنِي إِلَيْكَ، فَقَالَ: (١) "إِنَّ وَرَاكِبَهَا" وَهُوَ كَثِيْرٌ فِي الشِّعْرِ.
فَإِنْ قِيْلَ: إِنَّمَا يَجِيْءُ ذلِكَ بَعْدَ كَلَامٍ تَكُوْنُ جَوَابًا لَهُ، وَلَمْ تَسْبِقْ مَا يُجَابُ عَلَيْهِ بِـ "نَعَمْ".
قِيْلَ: إِنْ لَمْ يَسْبِقْ لَفْظًا فَهُوَ سَابِقٌ تَقْدِيْرًا، فَكَأَنَّ قَائِلًا قَالَ لِلْنَّبِيِّ ﷺ : يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ مَنْ يَرْحَمِ الخَلْقَ وَإِنْ كَانَ مُقَصِّرًا فِيْمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ تَعَالَى؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَهَذَا مِمَّا يَجُوْزُ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ.
وَأَمَّا الرَّفْعُ: فَجَائِزٌ جَوَازًا حَسَنًا، وَفِيْهِ عِدَّةُ أَوْجُهٍ.
أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ "مَا" بِمَعْنَى الَّذِي، وَالعَائِدُ إِلَيْهَا مَحذُوْفٌ، و"الرُّحَمَاءُ" خَبَرُ "إِنَّ" وَالتَّقْدِيْرُ: إِنَّ الفَرِيْقَ الَّذِي يَرْحَمُهُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءُ.
فَإِنْ قِيْلَ: يَلْزَمُ مِنْ ذلِكَ: أَنْ تَكُونَ "مَا" هُنَا لِمَنْ يَعْقِلُ؟
فَفِيْهِ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ "مَا" قَدِ اسْتُعْمِلَتْ بِمَعْنَى "مَنْ" كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (٢) ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، وَهُوَ كَثِيْرٌ فِي القُرْآنِ، وَمِنْهُ (٣): ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (٦)﴾ فِي أَصَحِّ القَوْلَيْنِ. وَحَكَى أَبُو زَيْدٍ عَنِ العَرَبِ: "سُبْحَانَ مَا سَبَّحْتُنَّ لَهُ" و"سُبْحَانَ مَا سَخَّرَكُنَّ لَنَا".
وَالثَّانِي: أَنَّ "مَا" تَقَعُ بِمَعْنَى "الَّذِي" بِلَا خِلَافٍ، و"الَّذِي" تُسْتَعْمَلُ стр. 1390
فِيْمَنْ يَعْقِلُ، وَفِيْمَنْ لَا يَعْقِلُ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ ذلِكَ بِمَا يَتَّصِلُ بِهَا، وَكَذلِكَ فِي "مَا" لَا سِيَّمَا إِذَا اتَّصَلَ بِهَا مَا يَصيْرُ وَصْفًا، وَإِنَّمَا تَفْتَرِقُ "مَا" و"الَّذِي" فِي أَنَّ "الَّذِي" يُوْصَفُ بِلَفْظِهَا، وَ"مَا" لَا يُوْصَفُ بِلَفْظِهَا.
فَإِنْ قِيْلَ: كَيْفَ يَصِحُّ هَذَا وَ"الرُّحَمَاءُ" جَمْعٌ، وَ"مَا" بِمَعْنَى "الَّذِي" مُفْرَدَةٌ، وَالمُفْرَدُ لَا يُخْبَرُ عَنْهُ بِالجَمْعِ؟
قِيْلَ: "مَا" يَجُوْزُ أَنْ يُخْبَرَ عَنْهَا بِلَفْظِ المُفْرَدِ تَارَةً، وَبِلَفْظِ الجَمْعِ أُخْرَى، مِثْلُ "مَنْ" وَ"كُلٍّ" قَالَ تَعَالَى: (١) ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾، وَقَالَ في آية أُخْرَى (٢): ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾، وَكَذلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (٣) ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢)﴾ وَقَالَ فِي "كُلٍّ" (٤): ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (٨٧)﴾، ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ (٥)، فَالإِفْرَادُ مَحْمُوْلٌ عَلَى لَفْظِ "مَنْ" وَ"مَا" وَ"كُلٍّ" وَالجَمْعُ مَحْمُولٌ عَلَى مَعَانِيْهَا.
وَأَمَّا "الَّذِي" فَقَدِ اسْتُعْمِلَتْ مُفْرَدَةً لِلْجِنْسِ، وَرَجَعَ الضَّمِيْرُ تَارَةً إِلَى لَفْظِهَا مُفْرَدًا، وَتَارَةً إِلَى مَعْنَاهَا مَجْمُوْعًا، قَالَ تَعَالَى: (٦) ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ стр. 1391
الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧)﴾، فَجَاءَ الضَّميْرُ مُفْرَدًا وَمَجْمُوْعًا، وَقَالَ تَعَالَى: (١) ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣)﴾، فَأعَادَ الضَّمِيْرَ بلَفْظِ الجَمْعِ، فكَذلكَ فِي قَوْلِهِ: "إِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءُ" وَلَكَ عَلَى هَذَا الوَجْهِ أَن تَجْعَلَ "إِنَّ" العَامِلَةَ، وَأَنْ تَجْعَلَهَا بِمَعْنَى "نَعَمْ" عَلَى مَا سَبَقَ.
الوَجْهُ الثَّانِي مِنْ وُجُوهِ "مَا" الَّتِي يَجُوْزُ مَعَهَا رَفْعُ "الرُّحَمَاءِ": أَنْ تَكُوْنَ "مَا" نَكِرَةٌ مَوْصوْفَةٌ فِي مَوْضِعِ فَرِيْقٍ أَوْ قَبِيْلٍ، وَ"يَرْحَمُ" صَفَةٌ لَهَا، وَ"الرُّحَمَاءُ" الخَبَرُ، وَالعَائِدُ مِنَ الصِّفَةِ إِلَى المَوْصوْفِ مَحْذُوْفٌ، تَقْدِيْرُهُ: إِنَّ فَرِيْقًا يَرْحَمْهُ اللهُ: الرُّحَمَاءُ.
فَإِنْ قِيْلَ: كَيْفَ يَصِحُّ الابْتِدَاءُ بِالنَّكِرَةِ، وَالإِخْبَارُ بِالمَعْرِفَةِ عَنْهَا؟ قِيْلَ: النَّكِرَةُ هُنَا قَدْ خُصِّصَتْ بِالوَصْفِ، وَ"الرُّحَمَاءُ" لَا يُقْصدُ بِهِمْ قَصْدَ قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ، فَكَانَ فِيْهِ كَذلِكَ نَوْعُ إِيْهَامٍ، فَلَمَّا قَرُبَتْ [النَّكِرَةُ هُنَا بِالصِّفَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ، وَقَرُبَتِ المَعْرِفَةُ] (٢) مِنَ النَّكِرَةِ بِمَا فِيْهَا مِنْ إبْهَامٍ صَحَّ الإِخْبَارُ بِهَا عَنْهَا، عَلَى أَنَّ كَثِيْرًا مِنَ النَّكِرَاتِ يُجْرَى مَجْرَى المَعَارِفِ فِي بَابِ الإِخْبَارِ إِذَا حَصَلَتْ مِنْ ذلِكَ فَائِدَةٌ، وَالفَائِدَةُ هُنَا حَاصِلَةٌ.
الوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ تَكُوْنَ "مَا" مَصْدَرِيَّةً، وَفِي تَصْحِيْحِ الإِخْبَارِ عَنْهَا بِـ "الرَحَمَاءِ" ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ. стр. 1392
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ المَصْدَرُ هُنَا بِمَعْنَى المَفْعُوْلِ، تَقْدِيْرُهُ: إِنَّ مَرْحُوْمَ اللهِ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءُ، وَمِنْهُ: (١) ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾، أَيْ: مَخْلُوقُهُ، وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ: لَكَ أَنْ تَجْعَلَ "مَا" مِنْ قَوْلِهِ: (٢) ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢)﴾، مَصْدَرِيَّةٌ: أَيْ كِتْمَانُكُمْ، وَكِتْمَانُكُمْ بِمَعْنَى مَكْتُوْمَكُمْ؛ لأَنَّ الكِتْمَانَ لَا يَظْهَرُ، وَإِنَّمَا يَظْهَرُ المَكْتُومُ.
الوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ المُضَافَ إِلَى المَصْدَرِ، أَوْ إِلَى الخَبَرِ: مَحْذُوْفٌ، تَقْدِيْرُهُ: إِنَّ ذَوِي رَحْمَةِ اللهِ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءُ، أَيْ: المُسْتَحِقُوْنَ لَهَا، أَوْ إِنَّ رَحْمَةَ اللهِ حَقُّ الرُّحَمَاءِ، وَمِثْلُ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (٣) ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ﴾ هَلْ تَقْدِيْرُهُ: وَلكِنَّ ذَا البِرِّ مَنْ آمَنَ، أَوْ لكِنَّ البِرَّ بِرُّ مَنْ آمَنَ؟
الوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ لَا تُقَدِّرَ حَذْفَ مُضَافٍ، غَيْرَ أَنَّكَ تَجْعَلُ "الرُّحَمَاءُ" هُمُ الرَّحْمَةُ عَلَى المُبَالَغَةِ، كَمَا قَالُوا: رَجُلٌ عَدْلٌ، وَرَجُلٌ زَوْرٌ، وَرَجُلٌ عِلْمٌ، وَقَوْمٌ صَوَّمٌ، إِذَا كَثُرَ مِنْهُمْ ذلِكَ، وَمِنْهُ قَوْلُ الخَنْسَاءِ (٤):
تَرْتَعُ مَا رَتَعَتْ، حَتَّى إِذَا إِدَّكَرَتْ … فَإِنَّمَا هِيَ إِقْبَالٌ وإِدْبَارُ
فثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ وَهُوَ قَوْلُ مَنْ زَعَمَ امْتِنَاعَ الرَّفْعِ فِي "الرُّحَمَاءِ" وَاللهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. стр. 1393
٢٨٩ - يَحْيَى بْنُ يحْيَى الأَزَجِيُّ الفَقِيْهُ (١)، صَاحِبُ كِتَابِ "نِهَايَةِ المَطْلَبِ فِي عِلْمِ المَذْهَبِ" وَهُوَ كِتَابٌ كَبِيْرٌ جِدًّا، وَعِبَارَتُهُ جَزْلَةٌ، حَذَا فِيْهِ حَذْوَ "نِهَايَةِ المَطْلَبِ" لإِمَامِ الحَرَمَيْنِ الجُوَيْنِيُّ الشَّافِعِيِّ (٢)، وَأَكْثَرُ اسْتِمْدَادُهُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَقِيْلٍ فِي "الفُصُوْلِ" وَمِنَ "المُجَرَّدِ" وَفِيْهِ تَهَافُتٌ كَثِيْرَةٌ، حَتَّى فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ، وَبَابِ المِيَاهِ، حَتَّى إِنَّهُ ذَكرَ فِي فُرُوْعِ الآجُرِّ المَجْبُوْلِ بِالنَّجَاسَةِ كَلَامًا سَاقِطًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَتَصَوَّرْ هَذِهِ الفُرُوْعَ، وَلَمْ يَفْهَمْهَا بِالكُلِّيَّةِ، وَأَظُنُّ هَذَا الرَّجُلَ كَانَ اسْتِمْدَادُهُ مِنْ مجَرَّدِ المُطَالَعَةِ، وَلَا يَرْجِعُ إِلَى تَحْقِيْقٍ. وَقَدْ ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ: أَنَّهُ قَرَأَ بِنَفْسِهِ عَلَى ابْنِ كُلَيْبٍ الحَرَّانِيِّ. وَلَمْ أَعْلَمْ لَهُ تَرْجَمَةً، وَلَا وَجَدْتُهُ مَذْكُورًا فِي تَارِيْخٍ، وَيَغْلِبُ عَلَى ظَنِّي أَنَّهُ تُوُفِّيَ بَعْدَ السِّتِّمَائَةَ بِقَلِيْلٍ. وَرَأَيْتُ فِي كَلَامِ ابْنِ الوَلِيْدِ المُحَدِّثُ (٣): أَنَّ هَذَا الأَزَجِيَّ كَانَ مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَزُهَّادِهِمْ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذلِكَ.
٢٩٠ - مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ (٤) بْنِ الحُسَيْنِ السَّامُرِّيُّ، الفَقِيْهُ، الفَرَضِيُّ، стр. 1394
أَبُو عَبْدِ اللهِ وَيُلَقَّبُ "نَصِيْرُ الدِّيْنِ"، وَيُعْرَفُ بِـ "ابْنِ سُنَيْنَةَ" - بِسِيْنٍ مُهْمَلَةٍ مَضْمُوْمَةٍ، وَنُونَيْنِ مَفْتُوْحَتَيْنِ بَيْنَهُمَا يَاءٌ سَاكِنَةٌ - هكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ نُقْطَةَ (١)، وَقَالَ: وَجَدْتُهُ بِخَطِّ شَيْخِنَا ابْنِ الأَخْضَرِ، وَقَالَ القَطِيْعِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الحُسَينِ بْنِ القَاسِمِ المَعْرُوْفُ بِـ "ابْنِ بسيْنَة" وَهُوَ تَصْحِيْفٌ، وَنَسَبَهُ ابْنُ النَّجَّارِ فَقَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بنِ الحُسَيْنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ قَاسِمِ بْنِ إِدْرِيْسَ المَعْرُوْفُ بِـ "ابْنِ سُنَيْنَةَ". وُلِدَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ بِـ "سَامُرَّا"، وَسَمِعَ مِنِ ابْنِ البَطِّيِّ، وَأَبِي حَكِيْمٍ النَّهْرَوَانِيِّ، وَعَبْدِ اللَّطِيْفِ (٢) بْنِ أَبِي سَعْدِ بِـ "بَغْدَادَ" وَتَفَقَّهَ عَلَى أَبِي حَكِيْمٍ، وَلَازَمَهُ مُدَّةً، وَبَرَعَ فِي الفِقْهِ وَالفَرَائِضِ، وَصَنَّفَ فِيْهَا تَصَانِيْفَ مَشْهُوْرَةً مِنْهَا: كِتَابُ "المُسْتَوْعِبَ" (٣) فِي стр. 1395
الفِقْهِ وَكِتَابُ "الفُرُوْقِ" (١)، وَكِتَابُ "البُسْتَانِ" فِي الفَرَائِضِ. وَوَلِيَ القَضَاءَ بِـ "سَامُرَّا" وَأَعْمَالِهَا مُدَّةً (٢)، ثُمَّ وَلِيَ القَضَاءَ وَالحِسْبَةَ بِـ "بَغْدَادَ" ثُمَّ عُزِلَ عَنِ القَضَاءِ، وَبَقِي عَلَى الحِسْبَةِ، ثُمَّ عُزِلَ عَنْهَا وَوَلِي إِشْرَافَ دِيْوَانِ الزِّمَامِ، وَعُزِلَ أَيْضًا، وَلُقِّبَ فِي أَيَّامِ وِلَايَتِهِ "مُعَظَّمَ الدِّيْنِ" (٣) وَلَمَّا عُزِلَ عَنْهُ أُلْزِمَ بَيْتَهُ مُدَّةً، ثُمَّ أُذِنَ لَهُ فِي العَوْدِ إِلَى بَلَدِهِ، فَعَادَ إِلَيْهَا، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى "بَغْدَادَ" فِي اَخِرِ عُمُرِهِ، وَبِهَا تُوُفِّيَ.
قَالَ ابْنُ النَّجَّارِ: كَانَ شَيْخًا جَلِيْلًا، فَاضِلًا، نَبِيْلًا، حَسَنَ المَعْرِفَةِ بِالمَذْهَبِ وَالخِلَافِ، لَهُ مُصَنَّفَاتٌ فِيْهِمَا حَسَنَةٌ، وَمَا أَظُنُّهُ رَوَى شَيْئًا مِنَ الحَدِيْثِ. وَذَكَرَ ابْنُ السَّاعِي المُؤَرِّخُ: أَنَّهُ كَتَبَ عَنْهُ، وَأَجَازَ لِلْشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحِيْمِ بْنِ الزَّجَّاجِ (٤).
وتُوُفِّيَ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ السَّابِعِ عَشْرَي رَجَبٍ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وَسِتِّمَائَةَ بِـ "بَغْدَادَ" وَصُلِّيَ عَلَيْهِ مِنَ الغَدِ بِـ "النِّظَامِيَّةِ"، وَأَمَّ النَّاسَ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ عَبْدُ العَزِيْزِ بْنُ دُلَفٍ (٥) وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ "بَابِ حَرْبٍ".
وَفِي كِتَابَيْهِ "المُسْتَوْعَبَ" وَ"الفُرُوقُ" فَوَائِدُ جَلِيْلَةٌ، وَمَسَائِلُ غَرِيْبَةٌ، стр. 1396
وَرَأَيْتُ لأَبِي عَبْدِ اللهِ بْنِ الوَلِيْدِ المُحَدِّثُ (١) رِسَالَةً إِلَيْهِ يُعَاتِبُهُ فِيْهَا عَلَى قَوْلِهِ: إِنَّ أَحَادِيْثَ الصِّفَاتِ لَا تُقْبَلُ؛ لِكَوْنِهَا أَخْبَارَ آحَادٍ، وَبَسَطَ القَوْلَ فِي ذلِكَ عَلَى طَرِيْقَةِ أَهْلِ الحَدِيْثِ، وَمَلأَهَا بِالأَحَادِيْثِ وَالآثَارِ المُسْنَدَةِ.
٢٩١ - عُثْمَانُ بْنُ مُقْبِلِ (٢) بْنِ قَاسِمٍ اليَاسِرِيُّ: (٣)، ثُمَّ البَغْدَادِيُّ، الفَقِيْهُ، الوَاعِظُ أَبُو عَمْرٍو، وَيُلَقَّبُ: "جَمَالُ الدِّيْنِ"، مِنْ أَهْلِ "اليَاسِرِيَّةِ" قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى "بَغْدَادَ" عَلَى "نَهْرِ عِيْسَى". قَدِمَ "بَغْدَادَ" وَسَمِعَ بِهَا مِن ابْنِ الخَشَّابِ، وَشُهْدَةً، وَطَبَقَتِهِمَا، وَمَنْ دُوْنَهُمَا، وَقَرَأَ بِنَفْسِهِ، وَتَفقَّهَ عَلَى أَبِي الفَتْحِ بْنِ المَنِّيِّ، وَتَكَلَّمَ فِي المَسَائِلِ وَوَعَظَ.
قَالَ النَّاصِحُ بنُ الحَنْبَلِيِّ: سَمِعَ درْسَ شَيْخِنَا ابْنِ المَنِّيِّ سِنِينَ، وسَمِعَ الحَدِيْثَ الكَثِيْرَ، وَسَمِعْتُ بَقِرَاءَتِهِ، وَوَعَظَ، وَلَازَمَ الوَعْظَ، وَتَقَدَّمَ فِي الوَعْظِ إلَى غَايَةٍ تَمَيَّزَ بِهَا عَنْ نَظَائِرِهِ، فِي صَلَاحٍ وَدِيْنٍ وَسَمْتٍ. стр. 1397
وَذَكَرَهُ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنِ أَبِي الجَيْشِ فِي شُيُوْخِهِ، وَقَالَ: لَهُ تَصَانِيْفُ، وَقَدْ حَدَّثَ، وَسَمِعَ منْهُ جَمَاعَةٌ، وَأَظُنُّ ابْنَ الصَّيْرَفِيِّ الحَرَّانِيَّ سَمِعَ مِنْهُ، وَتَفَقَّهَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَقُوْلُ عَنْهُ: شَيْخُنَا، وَقَرَأَ عَلَيْهِ عَبْدُ الرَّازِقِ (١) الرَّسْعَنِيُّ.
قَالَ ابْنُ الحَنْبَلِيِّ: حَدَّثَنِي الحَافِظُ تَقِيُّ الدِّيْنِ إِبْرَاهِيْمُ بْنُ الأَزْهَرِ الصَّرِيْفِيْنِيُّ قَالَ: مَاتَ - يَعْنِي اليَاسِرِيَّ - يَوْمَ الخَمِيْسِ ضُحَى نَهَارَ الحَادِي وَالعِشْرِيْنَ مِنْ ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وَسِتِّمَائَةَ. قَالَ الحَافِظُ: وَحَضَرْتُ جِنَازَتَهُ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بِجَامِعِ القَصْرِ فِي خَلْقٍ كَثِيْرٍ، وَجَمٍّ غَفِيْرٍ، بِحَيْثُ لَمْ أُشَاهِدْ عِدَادَ جِنَازَةٍ أَكْثَرَ خَلْقًا مِنْهَا، وَامْتَلأَ الجَامِعُ بِحَيْثُ لَا يَكَادُ الإِنْسَانُ стр. 1398
يَجِدُ إِلَّا مَوْضِعَ قَدَمَيْهِ، وَذَكَرَ غَيْرُهُ: إِنَّهُ دُفِنَ بِـ "بَابِ حَرْبٍ" رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.
٢٩٢ - مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي المَكَارِمِ الفَضْلُ (١) بْنُ بُخْتِيَارِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ البَعْقُوْبِيُّ (٢)، الخَطِيْبُ، الوَاعِظُ، أَبُو عَبْدِ اللهِ، وَيُلَقَّبُ "بَهَاءُ الدِّيْنِ" وَيُعْرَفُ بِـ "الحُجَّةِ". ذَكَرَ أَنَّ مَوْلِدَهُ فِي رَبِيْعٍ الأَوَّلِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ بِـ "بَعْقُوْبَا" (٣). وَسَمِعَ بِـ "بَغْدَادَ" مِنْ أَبِي الفَتْحِ بْنِ شَاتِيْلٍ، وَعَبْدِ المُغِيْثِ الحَرْبِيِّ، وابْنِ الجَوْزِيِّ وَطَبَقَتِهِمْ. وَذَكَرَ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ أَبِي الوَقْتِ، وَالشَّيْخِ عَبْدِ القَادِرِ وَغَيْرِهِمَا، وَوَلِيَ الخَطَابَةَ بِبَلْدَةِ "بَعْقُوْبَا" وَوَعَظَ، وَسَكَنَ "دَقُوْقَا" (٤)، وَحَدَّثَ بِهَا وَبِـ "إِرْبِلَ" وَغَيْرِهِمَا، وَحَدَّثَ بِأَحَادِيْثَ فِيْهَا وَهْمٌ، فَعَرَفَ الخَطَأَ فِيْهَا فَتَرَكَ رِوَايَتَهَا (٥)، ذَكَرَهُ المُنْذِرِيُّ، قَالَ: وَقَدْ تُتُبِّعَ عَلَيْهِ غَيْرُ ذلِكَ، قَالَ: стр. 1399
وَصَنَّفَ كِتَابَ "غَرِيْبِ الحَدِيثِ" وَحَدَّثَ بِهِ بِـ "إِرْبِلَ" (١).
قُلْتُ: وَصَنَّفَ "شَرْحَ العِبَادَاتِ الخَمْسِ (٢) " لأَبِي الخَطَّابِ وَقَرَأَهُ عَلَى стр. 1400
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1401
أَبِي الفَتْحِ بنِ المَنِّيِّ سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِيْنَ، وَكَتَبَ لَهُ عَلَيْهِ: "قَرَأَهُ عَلَيَّ مُصَنِّفُهُ الشَّيْخُ الأَجَلُّ العَالِمُ، الفَقِيْهُ، بَهَاءُ الدِّيْنِ، حُجَّةُ الإِسْلَامِ، قِرَاءَةَ عَالِمٍ بِمَا فِيْهِ مِنْ غَرَائِبِ الفَوَائِدِ، وَعَجَائِبِ الفَرَائِدِ" وَكَتَبَ لَهُ عَلَيْهِ أَيْضًا الفَخْرُ إِسْمَاعِيْلَ (١)، وَأَثْنَى عَلَى تَصْنِيْفِهِ كَثِيْرًا.
تُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الأُوْلَى - وَقِيْلَ: الآخِرَةِ - سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَسِتِّمَائَةَ، بِـ "دَقُوْقَا"، وَدُفِنَ بِهَا - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -.
٢٩٣ - عَبْدُ الغَنِيِّ بْنُ قَاسِمِ (٢) بْنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بْنِ عَيَّاشٍ، الهِلْبَاوِيُّ (٣)، المَقْدِسِيُّ الأَصْلِ، المِصْرِيُّ، الفَقِيْهُ الزَّاهِدُ، أَبُو القَاسِمِ، مِنْ أَهْلِ "مِصْرَ". سَمِعَ بِهَا مِنَ البُوْصَيْرِيِّ، وَأَبِي عَبْدِ اللهِ الأَرْتَاحِيِّ، وَأَبِي الحَسَنِ بْنِ نَجَا الوَاعِظِ، وَزَوْجَتِهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ سَعْدِ الخَيْرِ، وَعَبْدِ المُجِيْبِ بْنِ زُهَيْرٍ الحَرْبِيِّ، وَرَبِيْعَةَ اليَمَنِيِّ وَجَمَاعَةٍ. وَتَفَقَّهَ فِي المَذْهَبِ، وَانْقَطَعَ إِلَى الحَافِظِ عَبْدِ الغَنِيِّ عِنْدَ قُدُوْمِهِ "مِصْرَ" وَلَازَمَهُ، وَكَتَبَ عَنْهُ كَثِيْرًا مِن مُصَنَّفَاتِهِ وَغَيْرِهَا، ذَكَرَ ذلِكَ المُنْذِرِيُّ، وَقَالَ: سَمِعَ مَعَنَا مِنْ جَمَاعَةٍ مِنْ شُيُوْخِنَا، وَصَحِبَ جَمَاعَةً مِنَ المَشَايِخِ، وَكَانَ صَالِحًا، стр. 1402
مُقْبِلًا عَلَى مَصَالِحِ نَفْسِهِ، مُنْفَرِدًا، قَانِعًا بِاليَسِيْرِ، يُظْهِرُ التَّجَمُّلَ مَعَ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الفَقْرِ، وَحَدَّثَ.
وَتُوُفِّيَ لَيْلَةَ ثَانِي عَشَرَ صَفَرَ سَنَةَ ثَمَانِ عَشْرَةَ وَسِتِّمَائَةَ، وَدُفِنَ مِنَ الغَدِ بِسَفْحِ "جَبَلِ المُقَطَّمِ" عَلَى شَفِيْرِ الخَنْدَقِ، رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.
٢٩٤ - محَمَّدُ بْنُ خَلَفِ بْنِ رَاجحِ (١) بْنِ بِلَالِ بنِ هِلَالِ بْنِ عِيْسَى بْنِ مُوسَى стр. 1403
ابنِ الفَتْحِ بْنِ زُرَيْقٍ المَقْدِسِيُّ، ثُمَّ الدِّمَشْقِيُّ، الفَقِيْهُ، المُنَاظِرُ، شِهَابُ الدِّيْنِ أَبو عَبْدِ اللهِ. وُلِدَ سَنَةَ خَمْسِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ بِـ "جَمَّاعِيْلَ" ثُمَّ قَدِمَ "دِمَشْقَ" (١) وَسَمِعَ بِهَا مِنْ أَبِي المَكَارِمِ بنِ هِلَالٍ، وَقَدِمَ "مِصْرَ" فَسَمِعَ بِـ "الإِسْكَنْدَرِيَّةِ" مِنَ السِّلَفِيِّ، وَرَحَلَ إِلَى "بَغْدَادَ" (٢) فَسَمِعَ بِهَا مِنْ أَبِي مُحَمَّدِ بنِ الخَشَّابِ، وَأَبِي الحُسَينِ اليُوسُفِيِّ، وَشُهْدَةَ، وَطَبَقَتِهِمْ، وَتَفَقَّهَ بِهَا فِي المَذْهَبِ، وَالخِلَافِ علَى ابْنِ المَنِّيِّ، حَتَّى بَرَعَ، وَكَانَ بَحَّاثًا، مُنَاظِرًا مُفَحِمًا لِلْخُصُوْمِ، ذَا حَظٍّ مِنْ صَلَاحِ وَأَوْرَادٍ، وَسَلَامَةِ صَدْرٍ، أَمَّارًا بِالمَعْرُوفِ نَهَّاءً عَنِ المُنْكَرِ، وَكَتَبَ بِخَطِّهِ كَثيْرًا مِنَ الحَدِيْثِ وَغَيْرِهِ مِنَ العُلُوْمِ.
قَالَ المُنْذِرِيُّ: لَقِيْتُهُ بِـ "دِمَشْقَ" وَسَمِعْتُ مِنْهُ، وَكَانَ كَثِيْرَ المَحْفُوْظَاتِ، مُتَحَرِّيًا فِي العِبَادَاتِ، حَسَنَ الأَخْلَاقِ.
وَقَالَ أَبُو المُظَفَّرِ سِبْطُ ابْنِ الجَوْزِيِّ: كَانَ زَاهِدًا (٣)، عَابِدًا، وَرِعًا، فَاضِلًا فِي فُنُوْنِ العُلُوْمِ، وَحَفِظَ "مَقَامَاتِ الحَرِيْرِيِّ" فِي خَمْسِيْنَ لَيْلَةً، فَتَشَوَّشَ خَاطِرُهُ، وَكَانَ مِمَّا يَغْسِلُ بَاطِنُ عَيْنَيْهِ قَدْ قَلَّ نَظَرُهُ، وَكَانَ سَلِيْمَ الصَّدْرِ، مِنَ الأَبْدَالِ، مَا خَالَفَ أَحَدًا قَطُّ، رَأَيْتُهُ يَوْمًا - وَقَدْ خَرَجَ مِنْ جَامِعِ الجَبَلِ - فَقَالَ لَهُ إِنْسَانٌ: مَا تَرُوْحُ إِلَى "بَعْلَبَكَّ"؟ فَقَالَ: بَلَى، فمَشَى مِنْ سَاعَتِهِ إِلَى "بَعْلَبَكَّ" بِالقُبْقَابِ. стр. 1404
قَالَ أَبُو شَامَةَ: كُنْتُ أَرَاهُ يَوْمَ الجُمُعَةِ قَبْلَ الزَّوَالِ يَجْلِسُ عَلَى دَرَجِ المِنْبَرِ السُّفْلِيِّ بِجَامِعِ الجَبَلِ وَبِيَدِهِ كِتَابٌ مِنْ كُتُبِ الحَدِيْثِ، أَوْ أَخْبَارِ الصَّالِحِيْنَ يَقْرَؤُهُ عَلَى النَّاسِ إِلَى أَنْ يُؤَذِّنَ المُؤَذِّنُ لِلْجُمُعَةِ.
وَتُوُفِّيَ يوْمَ الأَحَدِ سَلْخَ صَفَرٍ سَنَةَ ثَمَانِ عَشَرَةَ وَسِتِّمَائَةَ، وَدُفِنَ بِسَفْحِ قَاسِيُوْنَ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -، وَذَكَرَ المُنْذِرِيُّ: أَنَّهُ تُوُفِّيَ فِي تَاسِعَ عَشَرَ صَفَرٍ، وَدُفِنَ مِنَ الغَدِ، وَذَكَرَ بَعْدَهُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي سَلْخِ الشَّهْرِ. وَرَوى عَنْهُ ابْنُ البُخَارِيِّ (١).
- وَوَلَدُهُ (٢) أَبُو العَبَّاسِ أَحْمَدُ، وَيُلَقَّبُ بِـ "النَّجْمِ"، تَفَقَّهَ عَلَى ابْنِ المَنِّيِّ، وَبَرَعَ، ثُمَّ صَارَ شَافِعِيًّا، وَوَلِيَ قَضَاءَ "دِمَشْقَ"، نِيَابَةً، ثُمَّ عُزِلَ، وَلَهُ تَصَانِيْفَ.
٢٩٥ - عَليُّ بْنُ نَابِتِ بْنِ طَالِبِ الطَّالَبَانِيُّ (٣)، البَغْدَادِيُّ، الأَزَجِيُّ، الفَقِيْهُ، стр. 1405
الوَاعِظُ أَبُو الحَسَنِ، وَيُلَقَّبُ "مُوَفَّقَ الدِّيْنِ" (١).
سَمِعَ بِـ "بَغْدَادَ" مِنْ صَالِحِ بْنِ الرَّخْلَةِ (٢)، وَشُهْدَةَ، وَسَمِعَ بِـ "المَوْصِلِ" مِنْ خَطِيْبِهَا أَبِي الفَضْلِ، وَتَفَقَّهَ بِـ "بَغْدَادَ" عَلَى أَبِي الفَتْحِ بْنِ المَنِّيِّ، وَاشْتَغَلَ بِـ "المَوْصِلِ" بِالخِلَافِ عَلَى ابْنِ يُونُسَ الشَّافِعِيِّ، فَأَقَامَ بِـ "حَرَّانَ" مُدَّةً عِنْدَ الخَطِيْبِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، ثُمَّ جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ نَكَدٌ، فَقَدِمَ "دِمَشْقَ" ثُمَّ رَجَعَ، وَأَقَامَ بِـ "رَأْسِ العَيْنِ" مِنْ أَرْضِ "الجَزِيْرَةِ"، وَوَعَظَ هُنَاكَ، وَحَدَّثَ، وَانْتُفِعَ بِهِ.
قَالَ ابْنُ نُقْطَةَ: وَسَمِعْتُ مِنْهُ، وَسَمَاعُهُ صَحِيْحٌ، قَالَ: وَذَكَرَ لِي ابْنُ شُحَانَةَ (٣) الحَرَّانِيُّ: أَنَّهُ تُوُفِّيَ في شَعْبَانَ سَنَةَ ثَمَانِ عَشْرَةَ وَسِتِّمائَةَ بِـ "رَأْسِ العَيْنِ" رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.
قَالَ: "وَنَابِتٌ" يَعْنِي أَبَاهُ أَوَّلُهُ نُوْنٌ، وَكَذَا قَالَ المُنْذِرِيُّ، وَزَادَ: следующие страницы →