← Тараджим

Тараджим · id 31366

ذيل طبقات الحنابلة - لابن رجب - ت العثيمين

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (2 431 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

أَبِي الفَتْحِ بنِ المَنِّيِّ سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِيْنَ، وَكَتَبَ لَهُ عَلَيْهِ: "قَرَأَهُ عَلَيَّ مُصَنِّفُهُ الشَّيْخُ الأَجَلُّ العَالِمُ، الفَقِيْهُ، بَهَاءُ الدِّيْنِ، حُجَّةُ الإِسْلَامِ، قِرَاءَةَ عَالِمٍ بِمَا فِيْهِ مِنْ غَرَائِبِ الفَوَائِدِ، وَعَجَائِبِ الفَرَائِدِ" وَكَتَبَ لَهُ عَلَيْهِ أَيْضًا الفَخْرُ إِسْمَاعِيْلَ (١)، وَأَثْنَى عَلَى تَصْنِيْفِهِ كَثِيْرًا. تُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الأُوْلَى - وَقِيْلَ: الآخِرَةِ - سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَسِتِّمَائَةَ، بِـ "دَقُوْقَا"، وَدُفِنَ بِهَا - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -. ٢٩٣ - عَبْدُ الغَنِيِّ بْنُ قَاسِمِ (٢) بْنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بْنِ عَيَّاشٍ، الهِلْبَاوِيُّ (٣)، المَقْدِسِيُّ الأَصْلِ، المِصْرِيُّ، الفَقِيْهُ الزَّاهِدُ، أَبُو القَاسِمِ، مِنْ أَهْلِ "مِصْرَ". سَمِعَ بِهَا مِنَ البُوْصَيْرِيِّ، وَأَبِي عَبْدِ اللهِ الأَرْتَاحِيِّ، وَأَبِي الحَسَنِ بْنِ نَجَا الوَاعِظِ، وَزَوْجَتِهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ سَعْدِ الخَيْرِ، وَعَبْدِ المُجِيْبِ بْنِ زُهَيْرٍ الحَرْبِيِّ، وَرَبِيْعَةَ اليَمَنِيِّ وَجَمَاعَةٍ. وَتَفَقَّهَ فِي المَذْهَبِ، وَانْقَطَعَ إِلَى الحَافِظِ عَبْدِ الغَنِيِّ عِنْدَ قُدُوْمِهِ "مِصْرَ" وَلَازَمَهُ، وَكَتَبَ عَنْهُ كَثِيْرًا مِن مُصَنَّفَاتِهِ وَغَيْرِهَا، ذَكَرَ ذلِكَ المُنْذِرِيُّ، وَقَالَ: سَمِعَ مَعَنَا مِنْ جَمَاعَةٍ مِنْ شُيُوْخِنَا، وَصَحِبَ جَمَاعَةً مِنَ المَشَايِخِ، وَكَانَ صَالِحًا،

стр. 1402

مُقْبِلًا عَلَى مَصَالِحِ نَفْسِهِ، مُنْفَرِدًا، قَانِعًا بِاليَسِيْرِ، يُظْهِرُ التَّجَمُّلَ مَعَ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الفَقْرِ، وَحَدَّثَ. وَتُوُفِّيَ لَيْلَةَ ثَانِي عَشَرَ صَفَرَ سَنَةَ ثَمَانِ عَشْرَةَ وَسِتِّمَائَةَ، وَدُفِنَ مِنَ الغَدِ بِسَفْحِ "جَبَلِ المُقَطَّمِ" عَلَى شَفِيْرِ الخَنْدَقِ، رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى. ٢٩٤ - محَمَّدُ بْنُ خَلَفِ بْنِ رَاجحِ (١) بْنِ بِلَالِ بنِ هِلَالِ بْنِ عِيْسَى بْنِ مُوسَى

стр. 1403

ابنِ الفَتْحِ بْنِ زُرَيْقٍ المَقْدِسِيُّ، ثُمَّ الدِّمَشْقِيُّ، الفَقِيْهُ، المُنَاظِرُ، شِهَابُ الدِّيْنِ أَبو عَبْدِ اللهِ. وُلِدَ سَنَةَ خَمْسِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ بِـ "جَمَّاعِيْلَ" ثُمَّ قَدِمَ "دِمَشْقَ" (١) وَسَمِعَ بِهَا مِنْ أَبِي المَكَارِمِ بنِ هِلَالٍ، وَقَدِمَ "مِصْرَ" فَسَمِعَ بِـ "الإِسْكَنْدَرِيَّةِ" مِنَ السِّلَفِيِّ، وَرَحَلَ إِلَى "بَغْدَادَ" (٢) فَسَمِعَ بِهَا مِنْ أَبِي مُحَمَّدِ بنِ الخَشَّابِ، وَأَبِي الحُسَينِ اليُوسُفِيِّ، وَشُهْدَةَ، وَطَبَقَتِهِمْ، وَتَفَقَّهَ بِهَا فِي المَذْهَبِ، وَالخِلَافِ علَى ابْنِ المَنِّيِّ، حَتَّى بَرَعَ، وَكَانَ بَحَّاثًا، مُنَاظِرًا مُفَحِمًا لِلْخُصُوْمِ، ذَا حَظٍّ مِنْ صَلَاحِ وَأَوْرَادٍ، وَسَلَامَةِ صَدْرٍ، أَمَّارًا بِالمَعْرُوفِ نَهَّاءً عَنِ المُنْكَرِ، وَكَتَبَ بِخَطِّهِ كَثيْرًا مِنَ الحَدِيْثِ وَغَيْرِهِ مِنَ العُلُوْمِ. قَالَ المُنْذِرِيُّ: لَقِيْتُهُ بِـ "دِمَشْقَ" وَسَمِعْتُ مِنْهُ، وَكَانَ كَثِيْرَ المَحْفُوْظَاتِ، مُتَحَرِّيًا فِي العِبَادَاتِ، حَسَنَ الأَخْلَاقِ. وَقَالَ أَبُو المُظَفَّرِ سِبْطُ ابْنِ الجَوْزِيِّ: كَانَ زَاهِدًا (٣)، عَابِدًا، وَرِعًا، فَاضِلًا فِي فُنُوْنِ العُلُوْمِ، وَحَفِظَ "مَقَامَاتِ الحَرِيْرِيِّ" فِي خَمْسِيْنَ لَيْلَةً، فَتَشَوَّشَ خَاطِرُهُ، وَكَانَ مِمَّا يَغْسِلُ بَاطِنُ عَيْنَيْهِ قَدْ قَلَّ نَظَرُهُ، وَكَانَ سَلِيْمَ الصَّدْرِ، مِنَ الأَبْدَالِ، مَا خَالَفَ أَحَدًا قَطُّ، رَأَيْتُهُ يَوْمًا - وَقَدْ خَرَجَ مِنْ جَامِعِ الجَبَلِ - فَقَالَ لَهُ إِنْسَانٌ: مَا تَرُوْحُ إِلَى "بَعْلَبَكَّ"؟ فَقَالَ: بَلَى، فمَشَى مِنْ سَاعَتِهِ إِلَى "بَعْلَبَكَّ" بِالقُبْقَابِ.

стр. 1404

قَالَ أَبُو شَامَةَ: كُنْتُ أَرَاهُ يَوْمَ الجُمُعَةِ قَبْلَ الزَّوَالِ يَجْلِسُ عَلَى دَرَجِ المِنْبَرِ السُّفْلِيِّ بِجَامِعِ الجَبَلِ وَبِيَدِهِ كِتَابٌ مِنْ كُتُبِ الحَدِيْثِ، أَوْ أَخْبَارِ الصَّالِحِيْنَ يَقْرَؤُهُ عَلَى النَّاسِ إِلَى أَنْ يُؤَذِّنَ المُؤَذِّنُ لِلْجُمُعَةِ. وَتُوُفِّيَ يوْمَ الأَحَدِ سَلْخَ صَفَرٍ سَنَةَ ثَمَانِ عَشَرَةَ وَسِتِّمَائَةَ، وَدُفِنَ بِسَفْحِ قَاسِيُوْنَ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -، وَذَكَرَ المُنْذِرِيُّ: أَنَّهُ تُوُفِّيَ فِي تَاسِعَ عَشَرَ صَفَرٍ، وَدُفِنَ مِنَ الغَدِ، وَذَكَرَ بَعْدَهُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي سَلْخِ الشَّهْرِ. وَرَوى عَنْهُ ابْنُ البُخَارِيِّ (١). - وَوَلَدُهُ (٢) أَبُو العَبَّاسِ أَحْمَدُ، وَيُلَقَّبُ بِـ "النَّجْمِ"، تَفَقَّهَ عَلَى ابْنِ المَنِّيِّ، وَبَرَعَ، ثُمَّ صَارَ شَافِعِيًّا، وَوَلِيَ قَضَاءَ "دِمَشْقَ"، نِيَابَةً، ثُمَّ عُزِلَ، وَلَهُ تَصَانِيْفَ. ٢٩٥ - عَليُّ بْنُ نَابِتِ بْنِ طَالِبِ الطَّالَبَانِيُّ (٣)، البَغْدَادِيُّ، الأَزَجِيُّ، الفَقِيْهُ،

стр. 1405

الوَاعِظُ أَبُو الحَسَنِ، وَيُلَقَّبُ "مُوَفَّقَ الدِّيْنِ" (١). سَمِعَ بِـ "بَغْدَادَ" مِنْ صَالِحِ بْنِ الرَّخْلَةِ (٢)، وَشُهْدَةَ، وَسَمِعَ بِـ "المَوْصِلِ" مِنْ خَطِيْبِهَا أَبِي الفَضْلِ، وَتَفَقَّهَ بِـ "بَغْدَادَ" عَلَى أَبِي الفَتْحِ بْنِ المَنِّيِّ، وَاشْتَغَلَ بِـ "المَوْصِلِ" بِالخِلَافِ عَلَى ابْنِ يُونُسَ الشَّافِعِيِّ، فَأَقَامَ بِـ "حَرَّانَ" مُدَّةً عِنْدَ الخَطِيْبِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، ثُمَّ جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ نَكَدٌ، فَقَدِمَ "دِمَشْقَ" ثُمَّ رَجَعَ، وَأَقَامَ بِـ "رَأْسِ العَيْنِ" مِنْ أَرْضِ "الجَزِيْرَةِ"، وَوَعَظَ هُنَاكَ، وَحَدَّثَ، وَانْتُفِعَ بِهِ. قَالَ ابْنُ نُقْطَةَ: وَسَمِعْتُ مِنْهُ، وَسَمَاعُهُ صَحِيْحٌ، قَالَ: وَذَكَرَ لِي ابْنُ شُحَانَةَ (٣) الحَرَّانِيُّ: أَنَّهُ تُوُفِّيَ في شَعْبَانَ سَنَةَ ثَمَانِ عَشْرَةَ وَسِتِّمائَةَ بِـ "رَأْسِ العَيْنِ" رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى. قَالَ: "وَنَابِتٌ" يَعْنِي أَبَاهُ أَوَّلُهُ نُوْنٌ، وَكَذَا قَالَ المُنْذِرِيُّ، وَزَادَ:

стр. 1406

وَ"الطَّالَبَانِيُّ" بِفَتْحِ الطَّاءِ المُهْمَلَةِ، وَبَعْدَ الأَلِفِ لَامٌ مَفْتُوحَةٌ، وَبَاءٌ مُوَحَدَّةٌ، وَبَعْدَ الأَلِفِ الثَّانِيَةِ نُونٌ مَكْسُوْرَةٌ. وَلَهُ كَلَامٌ فِي بَيْعِ الفُلُوْسِ النَّافِقَةِ بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ أَنَّهُ يَجُوْزُ النَّسَاءُ فِيْهَا قَالَ: كَمَا يَجُوْزُ بَيْعُ غَيْرِهَا مِنَ الرَّصَاصِ (١) وَالحَدِيْدِ وَالصُّفْرِ وَالنُّحَاسِ. قَالَ: وَمَنَعَ أَحْمَدُ مِنَ السَّلَفِ فِي الفُلُوْسِ، لَا يَصِحُّ جُمْلَةً عَلَى مَا ذَكَرَهُ الأَصْحَابُ: أَنَّهَا أَثمَانٌ، لأَنَّهُ يَحْتَمِلُ وُجُوْهًا أُخَرَ، مِنْهَا: أَنَّهُ لَمْ يُجَوِّزِ السَّلَمَ فِي الفُلُوْسِ عَدَدًا، لِاخْتِلَافِهِمَا فِي الخِفَّةِ وَالثُّقْلِ، فَأَمَّا وَزْنُهَا فَقِيَاسُ المَذْهَبِ صِحَّتُهُ. قَالَ: وَلَوْ أَرَادَ المَنْعِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا أَثْمَانٌ لَجَوَّزَهُ، إِذَا جُعِلَ رَأْس مَالِ السَّلَمِ فِيْهَا غَيْرُ الأثْمَانِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مُنَعَ مِنَ السَّلَمِ فِيْهَا بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي نُقِلَتْ عَنْهُ: أَنَّهُ مَنَعَ مِنَ النَّسَاءِ فِي أَمْوَالِ الرِّبَا، سَوَاءً اتَّفَقَ الجِنْسُ أَوِ اخْتَلَفَ، ثُمَّ نَقَلَ عَنْهُ جَوَازَ النَّسَاءِ مَعَ اخْتِلَافِ الجِنْسِ، وَهُوَ الصَّحِيْحُ مِنَ المَذْهَبِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَنَعَ مِنَ السَّلَمِ فِيْهَا إِذَا كَانَتْ نَافِقَةً، خَوْفًا مِنْ تَحْرِيْمِ السُّلْطَانِ لَهَا قَبْلَ المَحَلِّ، فَيَصِيْرُ كَمَا لَوْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ يُحْتَمَلُ أَنْ يُوْجَدَ وَأَنْ لَا يُوْجَدَ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ. قَالَ: وَلَا يَصِحُّ جَعْلُهَا أَثْمَانًا؛ لأَنَّ الثَّمِيْنَةَ تَخْتَصُّ بِالذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا أَبُو الخَطَّابِ فِي "هِدَايَتِهِ" وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيْلٍ فِي "الفُصُوْلِ": أَنَّ التَّفَاضُلَ يَحْرُمُ فِي بَيْعِ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ بِمِثْلِهِ بِعِلَّةِ كَوْنِهِ مَوْزُوْنٌ جِنْسٌ، فَيَتَعَدَّى إِلَى كُلِّ مَوْزُوْنٍ، وَلَوْ كَانَ كَمَا ذَكَرَ لَمَا جَازَ إِسْلَامُ النَّقْدَيْنِ فِي الحَدِيْدِ وَالرَّصَاصِ وَالنُّحَاسِ، وَقَدْ

стр. 1407

زَعَمَ أَنَّهُ أَجَازَ ذلِكَ اسْتِحْسَانًا، وَهَذَا لَا يَسْتَقِيْمُ؛ لأَنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّ الوَزْنَ ثَبَتَ كَوْنُهُ غَلَّةً بِإِيْمَاءِ صَاحِبِ الشَّرْعِ (١)، وَهِيَ مُقَدِّمَةٌ عَلَى الِاسْتِحْسَانِ بِإِجْمَاعِ الفُقَهَاءِ، ثُمَّ احْتَجَّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ ثَمَنًا بِأَنَّهَا تَخْتَلِفُ فِي نَفَاقِهَا وَكَسَادِهَا بِاخْتِلَافِ البُلْدَانِ وَالأَزْمَانِ، بِخِلَافِ النَّقْدَيْنِ، وَبِأَنَّهَا لَا تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ مُطْلَقَةً، وَبِأَنَّهَا فِي الغَصْبِ وَالإِتْلَافِ تُقَوَّمُ بِالنَّقْدَيْنِ لَا بِالفُلُوْسِ. ثُمَّ أَرْسَلَ ابْنُ الطَّالَبَانِيِّ هَذَا (٢) الكَلَامِ إِلَى الشَّيْخِ مُوَفَّقِ الدِّيْنِ المَقْدِسِيِّ، فَكَتَبَ عَلَيْهَا: هَذِهِ مَسْأَلَةٌ فُرُوْعِيَّةٌ اجْتِهَادِيَّةٌ، لَا حَرَجَ عَلَى المُجْتَهِدِ فِيْهَا إِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ ذلِكَ، وَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يُنْكَرَ عَلَى مُجْتَهِدٍ اجْتِهَادُهُ، وَإِنَّمَا يَتَبَاحَثُ الفُقَهَاءُ، لِيُعْرَفَ الصَّوَابَ، وَالَّذِي ذَكَرَهُ الإِمَامُ مُوَفَّقُ الدِّيْنِ - يَعْنِي ابْنَ الطَّالَبَانِيِّ - مِنْ كَوْنِ الفُلُوْسِ لَيْسَتْ ثَمَنًا أَصْلِيًّا صَحِيْحٌ لِمَا بَيَّنَهُ؛ وَلأَنَّهَا لَا تَكُوْنُ رَأْسَ مَالٍ فِي الشَّرِكَةِ وَالمُضَارَبَةِ. وَأَمَّا مَنْعُ الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ مِنَ السَّلَمِ فِيْهَا: فَإِنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ المُوَفَّقُ فِيْهَا مُحْتَمَلٌ، لَوْلَا أَنَّ الإِمَامَ (٣) أَحْمَدَ قَدْ عَلَّلَ ذلِكَ بِأَنَّهُ يُشْبِهُ الصَّرْفَ، وَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُوْنَ مِنْهُ علَى سَبِيْلِ الوَرَعِ، لِشَبَهِ الفُلُوْسِ بِالأَثْمَانِ فِي المُعَامَلَةِ بِهَا، وَجَرَيَانِهَا مَجْرَى الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيْرِ، وَأَمَّا أَنَا فَإِنَّنِي مُتَوَقِّفٌ فِي الفُتْيَا فِي هَذهِ المَسْأَلَةِ، وَلَسْتُ مُنْكِرًا عَلَى مَنْ وَافَقَ فِيْهَا، وَلَا عَلَى مَنْ خَالَفَ مَنْ عَمَلِ بِفُتْيَاهُ.

стр. 1408

قُلْتُ: أَمَّا كَوْنُ الفُلُوْسِ أَثْمَانًا عِنْدَ نِفَاقِهَا: فَهُوَ قَوْلُ كَثِيْرٍ مِنَ الأَصْحَابِ. وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ أَبُو الخَطَّابِ فِي "خِلَافِهِ الصَّغِيْرِ" وَغَيْرِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا أَثْمَانًا بِكُلِّ حَالٍ، كَصَاحِبِ "المُبْهِجِ" (١) وَخَالَفَ فِي ذلِكَ ابْنُ عَقِيْلٍ فِي بَابِ الشَّرِكَةِ مِنْ "فُصُوْلِهِ" وَنَصَرَ أَنَّهَا عُرُوْضٌ بِكُلِّ حَالٍ، كَمَا رَجَّحَهُ ابْنُ الطَّالَبَانِيِّ. وَأَمَّا مَا نَقَلَهُ ابْنُ الطَّالَبَانِيِّ عَنْ أَبِي الخَطَّابِ فِي "هِدَايَتِهِ" أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ الأَثْمَانَ هِي الذَّهَبُ وَالفِضَّةُ خَاصَّةً - فَهَذَا ذَكَرَهُ تَفْرِيْعًا عَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالثَةِ فِي عِلَّةِ رِبَا الفَضْلِ، وَأَمَّا عَلَى المَذْهَبِ المَشْهُوْرِ فَإِنَّهُ صَرَّحَ بِأَنَّ النَّقْدَيْنِ مِنْ جُمْلَةِ المَوْزُوْنَاتِ، وَالعِلَّةُ فِيْهَا الوَزْنُ، كَمَا صَرَّحَ بِذلِكَ غَيْرُهُ منَ الأَصْحَابِ، بَلْ كَلَامُ أَبِي الخَطَّابِ فِي "خِلَافِهِ الصَّغِيْرِ" يَقْتَضِي أَنَّ العِلَّةَ فِي النَّقْدَيْنِ الوَزْنُ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَأَنَّ الخِلَافَ إِنَّمَا هُوَ فِي عِلَّةِ الأَصْنَافِ الأَرْبَعَةِ البَوَاقِي، وَهكَذَا قَالَ القَاضِيْ فِي "خِلَافِهِ الكَبِيْرِ" وَابْنُهُ أَبُو الحُسَيْنِ، وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَيَةِ ابْنِ القَاسِمِ (٢) وَسِنْدِي الخَوَاتِيْمِيِّ (٣) "رِطْلُ حَدِيْدٍ بِرِطْلَيْنِ حَدِيْدٍ لَا يَجُوْزُ، قِيَاسًا عَلَى الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ" فَنَصَّ عَلَى أَنَّ عِلَّتَهُمَا الوَزْنُ. وَبِالجُمْلَةِ: فَالمَذْهَبُ المَشْهُوْرُ أَنَّ عِلَّةَ رِبَا الفَضْلِ فِي النَّقْدَيْنِ الوَزْنُ، وَعِلَّةُ الرِّبَا فِي الأَرْبَعَةِ البَوَاقِي الكَيْلُ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَقِيْلٍ، وَلَمْ يَنْفَرِدِ ابْنُ عَقِيْلٍ بِهَذَا كَمَا ذَكَرَ، بَلْ كُلُّ الأَصْحَابِ يُوَافِقُوْنَهُ على هَذَا النَّقْلِ، وَإِنْ

стр. 1409

كَانَ مِنْ مُتَأَخِّرِيْهِمْ مَنْ رَجَّحَ أَنَّ عِلَّةَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ كَوْنُهُمَا نُقُوْدًا، أَوْ كَوْنُهُمَا جَوْهَرِي الأَثْمَانِ، وَلِهَذَا قَالُوا: فِي رِبَا النَّسَاءِ إِنَّهُ يَحْرُمُ فِي كُلِّ مَكِيْلٍ بِيْعَ بِمَكِيْلٍ، أَوْ مَوْزُوْنٍ بَيْعَ بِمَوْزُونٍ، وَإِنِ اخْتَلَفَ الجِنْسَانِ، وَاسْتَثْنَوا مِنْ ذلِكَ بَيْعُ العُرُوْضِ المَوْزُوْنَةِ بِالنَّقْدَيْنِ. وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ مَنْصُوْرٍ (١) فِي "مَسَائِلِهِ" عَنِ الثَّوْرِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَقَ (٢) جَوَازَ السَّلَفِ فِي الفُلُوْسِ، فَإِنَّهُ قَالَ: قُلْتُ لأَحْمَدَ: قَالَ: - يَعْنِي سُفْيَانُ - السَّلَفُ فِي الفُلُوْسِ لَا يَرَوْنَ بِهِ بَأْسًا، يَقُوْلُونَ: يَجُوْزُ بِرُؤُوْسِهَا، قَالَ: - يَعْنِي أَحْمَدَ - إِنْ تَجَنَّبَهُ رَجُلٌ أَرْجُو أَنْ لَا يَكُوْنَ بِهِ بَأْسٌ، وَإِنْ اجْتَرَأَ عَلَيْهِ رَجُلٌ أَرْجُو أَنْ لَا يَكُوْنَ بِهِ بَأْسٌ. قَالَ سَعِيْدُ بْنُ المُسَيَّبِ: لَا رِبَا إِلَّا فِي ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، أَوْ مَا يُكَالُ أَوْ يُوْزَنُ مِمَّا يُؤْكَلُ أَوْ يُشْرَبُ، قَالَ إِسْحَقُ يَعْنِي ابْنَ رَاهَوَيْهِ لَا بَأْسَ بِالفِلْسِ بِالفِلْسِ، يَدًا بِيَدٍ، وَلَا بَأْسَ بِالسَّلْمِ فِي الفُلُوْسِ، إِذَا كَانَ يُمْكِنُهُ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً، رَآهُ قَوْمٌ كَالصَّرْفِ وَلَيْسَ بِبَيِّنٍ. ٢٩٦ - عَبْدُ الرَّحِيْمِ بْنُ النَّفِيْسِ (٣) بْنِ هِبَةِ اللهِ بْنِ وَهْبَانَ بْنِ رُوْمِيِّ بْنِ سَلْمَانَ بْنِ

стр. 1410

مُحَمَّدِ بْنِ سَلْمَانَ بْنِ صَالِحِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ وَهْبَانَ، السُّلَمِيُّ، الحَدِيْثِيُّ، ثُمَّ البَغْدَادِيُّ، أَبُو نَصْرِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، الفَقِيْهُ، المُحَدِّثُ.

стр. 1411

وُلِدَ فِي عَاشِرِ رَبِيْعٍ الأَوَّلِ سَنَةَ سَبْعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ بِـ "بَغْدَادَ". وَقَرَأَ القُرْآنَ، وَسَمِعَ الكَثِيْرَ مِنْ أَبِي الفَتْحِ بْنِ شَاتِيْلَ، وَأَبِي السَّعَادَاتِ القَزَّازِ، وخَلْقٍ، وَطَلَبَ بِنَفْسِهِ، وَأَمْعَنَ وَبَالَغَ، وَارْتَحَلَ فِي الطَّلَبِ إِلَى "الشَّامِ" وَ"الجَزِيْرَةِ" و"دِيَارِ مِصْرَ" وَ"العِرَاقَ" وَ"خُرَاسَانَ"، وَ"مَا وَرَاءَ النَّهْرِ"، وَ"خُوارَزْمَ". وَسَمِعَ بِـ "وَاسِطَ" مِنْ ابْنِ المَنْدَائِيِّ، وَبِـ "إِرْبِلَ" مِنْ ابْنِ طَبَرْزَدِ، وَبِـ "نَيْسَابُورَ" مِنَ المُؤَيَّدِ، وَ"بَهْرَاةَ" مِنْ أَبِي رَوْحٍ، وَبِـ "مَا وَرَاءَ النَّهْرِ" مِنْ طَائِفَةٍ، وَبِـ "أَصْبَهَانَ" مِنْ أَصْحَابِ زَاهِرٍ وَغَيْرِهِ، وَبِـ "دِمَشْقَ" مِنَ الكِنْدِيِّ، وَابْنِ الحَرَسْتَانِيِّ وَجَمَاعَةٍ، وَبِـ "مِصْرَ" مِنْ جَمَاعَةٍ، وَلَقِيَ بِـ "الِاسْكَنْدَرِيَّةِ" ابْنِ المُفَضَّلِ. وَكَتَبَ بِخطِّهِ الكَثِيْرَ، وَتَفَقَّهَ فِي المَذْهَبِ، وَتَكَلَّمَ فِي مَسَائِلِ الخِلَافِ، وَحَصَّلَ مِنَ الأَدَبِ طَرَفًا صَالِحًا، وَحَدَّثَ بِـ "بَغْدَادَ" وَ"دِمَشْقَ" وَغَيْرِهِمَا. قَالَ ابْنُ النَّجَّارِ: كَانَ مَلِيْحَ الخَطِّ، صَحِيْحَ النَّقْلِ وَالضَّبْطِ، فَاضِلًا، حَافِظًا، مُتْقِنًا، ثِقَةً، صَدُوْقًا، لَهُ النَّظْمُ وَالنَّثْرُ الجَيِّدُ، وَكَانَ مِنْ أَكْمَلِ النَّاسِ ظُرْفًا وَلُطْفًا، وَحُسْنَ خُلُقٍ، وَطِيْبَ عِشْرَةٍ، وَتَوَاضُعَ، مَعَ كَمَالِ مُرُوْءَةٍ، وَمُسَارَعَةٍ إِلَى قَضَاءِ حَوَائِجِ الإِخْوَانِ. قَالَ: وَعَلَّقْتُ عَنْهُ بِـ "بَغْدَادَ" وَ"مَرْوَ" شَيْئًا كَثِيْرًا مِنْ شِعْرِهِ، وَشِعْرِ غَيْرِهِ، فَمِنهُ: (١)

стр. 1412

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1413

سَلُوا فُؤَادِي هَلْ صَفَا … شِرْبُهُ مُذْ نَأَيْتُمْ عَنْهُ أَوْرَاقَا

стр. 1414

وَهَلْ يُسَلِّيْهِ إِذَا غِبْتُمُ … إِنْ أَوْدَعَ التَّسْلِيمُ أَوْرَاقَا وَمِنْهُ قَوْلُهُ: وَافَتْ صَحِيْفَةُ أَفْضَالٍ مُضَمَّنَةٍ … مِنَ التَّشَوُّقِ أَصْنَافًا وَأَوْصَافَا تَطَوُّلًا مِنْ خَلِيْلٍ لَا أَرَى بَدَلًا … مِنْهُ عَلَى حَالَتَيْهِ صَدَّ أَوْ صَافَى وَقَالَ المُنْذِرِيُّ: عَلَّقْتُ عَنْهُ بِـ "مِصْرَ" فَوَائِدَ وَسَمِعْتُ شَيْئًا مِنْ شِعْرِهِ وَكَانَ حَادَّ الخَاطِرِ، جَيِّدَ القَرِيْحَةِ، فَقِيْهًا، مُتَأَدِّبًا، شَاعِرًا، قُتِلَ شَهِيْدًا سَنَةَ ثَمَانِ عَشْرَةَ وَسِتِّمَائَةَ فِي فِتْنَةِ الكُفَّارِ بِـ "خُرَاسَانَ" رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى. قُرِئَ عَلَى أَبِي الفَتْحِ المَيْدُوْمِيِّ - بِـ "مِصْرَ" وَأَنَا أَسْمَعُ - أَخْبَرَكُمْ أَبُو الفَرَجِ الحَرَّانِيُّ - سَمَاعًا - قَالَ: أَنْشَدَنَا رَفِيْقُنَا أَبُو نَصْرٍ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ شَيْخِنَا أَبِي جَعْفَرٍ النَّفِيْسِ بْنِ هِبَةِ اللهِ بْنِ وَهْبَانَ الحَدِيْثِيُّ لِنَفْسِهِ (١): تَبْلَى يَدِي بَعْدَ مَا خَطَّتْ أَنَامِلُهَا … كَأَنَّهَا لَمْ يَكُنْ طَوْعًا لَهَا القَلَمُ يَا نَفْسُ وَيْحَكِ نُوْحِي حَسْرَةً وَأَسًى … عَلَى زَمَانِكِ إِذْ وِجْدَانَنَا عَدَمُ وَاسْتَدْرِكِي فَارِطَ الزَّلَّاتِ وَاغْتَنِمِيْ … شَرْخَ الشَّبِيْبَةِ، فَالأَوْقَاتُ تُغْتَنَمُ وَقَدِّمِي صَالِحًا تَزْكُو عَوَاقِبُهُ … يَوْمَ الحِسَابِ إِذَا مَا أَفْلَسَ الأُمَمُ "وَالحَديِثِيُّ" نِسْبَةٌ إِلَى "الحَدِيْثَةِ" مَدِيْنَةٌ عَلَى شَاطِئِ الفُرَاتِ (٢).

стр. 1415

٢٩٧ - نَصْرُ بْنُ مُحَمَّدِ (١) بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي الفَرَجِ أَحْمَدَ بنِ الحُصَرِيِّ، الهَمَذَانِيُّ البَغْدَادِيُّ، المُقْرِئُ، المُحَدِّثُ، الحَافِظُ، الزَّاهِدُ، الأَدِيْبُ، أَبُو الفُتُوحِ بْنِ أَبِي الفَرَجِ، وَيُلَقَّبُ: "بُرْهَانَ الدِّيْنِ"، نَزِيْلُ "مَكَّةَ" وَإِمَامُ حَطِيْمِ الحَنَابِلَةِ بِهَا (٢). وُلِدَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ. وَقَرَأَ القُرْآنَ بِالرِّوَايَاتِ عَلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ الزَّاغُوْنِيِّ، وَأَبِي الكَرَمِ الشَّهْرَزُوْرِيِّ، وَمَسْعُوْدِ بْنِ الحُصَيْنِ، وَأَبِي المَعَالِي بْنِ السَّمِيْنِ، وَسَعْدِ اللهِ بْنِ الدَّجَاجِيِّ، وَجَمَاعَةٍ غَيْرِهِمْ.

стр. 1416

وَسَمِعَ الحَدِيْثَ الكَثِيْرَ مِنْ أَبِي الوَقْتِ، وَالنَّقِيْبِ أَبِي طَالِبٍ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ الحُسَيْنِيِّ، وَهِبَةِ اللهِ بْنِ الشِّبْلِيِّ، وَأَبِي المُظَفَّرِ بْنِ التُّرَيْكِيِّ، وَابْنِ المَادِحِ، وَالشَّيْخِ عَبْدِ القَادِرِ، وَالمُبَارَكِ بْنِ خُضَيْرٍ، وَأَحْمَدَ بْنِ المُقَرَّبِ، وَابْنِ البَطِيِّ، وَأَبِي زُرْعَةَ، وَيَحْيَى بْنِ ثَابِتِ بْنِ بُنْدَارٍ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ النَّقُّوْرِ، وَابْنِ الخَشَّابِ، وَعَبْدِ الحَقِّ اليُوْسُفِيِّ، وَشُهْدَةَ، وَخَلْقٍ كَثِيْرٍ مِنَ البَغْدَادِيِّيْنَ، وَالغُرَبَاءِ، وَعَنِي بِهَذَا الشَّأْنِ. وَقَرَأَ بِنَفْسِهِ، وَكَتَبَ بِخَطِّهِ الكَثِيْرَ، وَلَمْ يَزَلْ يَقْرَأُ وَيَسْمَعُ، وَيُفِيْدُ إِلَى أَنْ عَلَتْ سِنُّهُ، وَاشْتَغَلَ بِالأَدَبِ، وَحَصَّلَ طَرَفًا صَالِحًا مِنْهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ "بَغْدَادَ" إِلَى "مَكَّةَ" سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، فَاسْتَوْطَنَهَا، وَأَمَّ بِهَا الحَنَابِلَةِ، وَكَانَ شَيْخًا، صَالِحًا، مُتَعَبِّدًا. وَقَالَ الدُّبَيْثِيِّ: كَانَ ذَا مَعْرِفَةِ بِهَذَا الشَّأْنِ - يَعْنِي الحَدِيْثَ - وَنِعْمَ الشَّيْخُ كَانَ، عِبَادَةً، وَثِقَةً. وَقَال ابْنُ نُقْطَةَ: كَانَ حَافِظًا، ثِقَةً. وَقَالَ ابْنُ النَّجَّارِ: كَانَ حَافِظًا، حُجَّةً، نَبِيْلًا، جَمَّ الفَضَائِلِ، كَثِيْرَ المَحْفُوْظِ منْ أَعْلَامِ الدِّيْنِ، وَأَئِمَّةِ المُسْلِمِيْنَ، كَثِيْرَ العِبَادَةِ وَالتَّهَجُّدِ وَالصِّيَامِ. وَقَالَ ابْنُ مُسَدِّي: كَانَ أَحَدَ الأَئِمَّةِ الأَثْبَاتِ، مُشَارًا إِلَيْهِ بِالحِفْظِ. وَقَالَ أَبُو المُظَفَّرِ السِّبْطُ: سَمِعْتُ مِنْهُ بِـ "مَكَّةَ" وَكَانَ مُتَعبِّدًا، لَا يَفْتُرُ مِنَ الطَّوَافِ، صَالِحًا، ثِقَةً. وَقَالَ أَبُو الفَرَجِ بْنُ الحَنْبَلِيِّ: سَمِعْتُ عَلَيْهِ جُزْءًا فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَكَانَ إِمَامًا فِي عُلُوْمِ القُرْآنِ، وَمُحَدِّثًا حَافِظًا، وَعَابِدًا. قَالَ لِي المَلِكُ المُحْسِنُ أَحْمَدُ بْنُ المَلِكِ النَّاصِرِ صَلَاحِ الدِّيْنِ: مَا رَأَيْتُ أَعْبَدَ مِنْ البُرْهَانِ بْنِ الحُصْرِيِّ

стр. 1417

كَانَ يَعْتَمِرُ فِي رَمَضَانَ ثَلَاثَ عُمَرٍ فِي نَهَارِهِ وَثَلَاثَ عُمَرٍ فِي لَيْلِهِ (١). وَقَالَ لِي شَيْخُنَا طَلْحَةُ العِلْثِيُّ - بِـ "بَغْدَادَ" سَنَةَ أَرْبَعٍ، أَوْ خَمْسٍ، وَسَبْعِيْنَ - مَا فِي "بَغْدَادَ" مِثْلُ البُرْهَانِ بْنِ الحُصْرِيِّ فِي عِلْمِ القِرَاءَاتِ، مَا تَقْدِرُ تَقْرَأُ عَلَيْهِ سُوْرَةً كَامِلَةً مِنْ شِدَّةِ تَحْرِيْرِهِ. حَدَّثَ أَبُو الفُتُوْحِ بْنُ الحُصْرِيِّ بِالكَثِيْرِ بِـ "بَغْدَادَ" وَ"مَكَّةَ" وَسَمِعَ مِنْهُ خَلْقٌ كَثِيْرٌ مِنَ الأَئِمَّةِ والحُفَّاظِ، وَغَيْرِهِمْ عَنْهُ (٢). وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الدُّبَيْثِيِّ، وَابْنُ نُقْطَةَ، وَابْنُ النَّجَّارِ، وَالضِّيَاءُ، وَالبِرْزَالِيُّ، وَابنُ خَلِيْلٍ، وَالسَّيْفُ البَاخَرْزِيُّ، وَالتَّاجُ ابْنُ القَسْطَلَّانِيِّ، وَمِقْدَادٌ القَيْسِيُّ، وَهُوَ خَاتِمَةُ أَصْحَابِهِ، سَمِعَ مِنْهُ كَثِيْرًا بِـ "مَكَّةَ" مِنْ ذلِكَ "سُنَنُ أَبِي دَاوُدَ" بِسَمَاعِهِ مِنْ أَبِي طَالِبِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ العَلَوِيِّ نَقِيْبِ "البَصْرَةِ"، بِسَمَاعِهِ مِنْ أَبِي عَلِيٍّ التُسْتَرِيِّ، وَالَّذِي ذكَرَهُ عُمَرُ القُرَشِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ لَمْ يُوْجَدْ لِلْعَلَوِيِّ سَمَاعٌ مِنَ "السُّنَنِ" إِلَّا الجُزْءَ الأَوَّلَ، وَذَكَرَ غَيْرُهُ: أَنَّ العَلَوِيَّ طُوْلِبَ بِأَصْلِ سَمَاعِهِ بِـ "بَغْدَادَ"، فَانْحَدَرَ إِلَى "البَصْرَةِ" وَاجْتَهَدَ فَلَمْ يَجِدْ سَمَاعَهُ إِلَّا فِي الجُزْءِ الأَوَّلِ، ذَكَرَهُ ابْنُ نُقْطَةَ، قَالَ: وَذَكَرَ شَيْخُنَا أَبُو الفُتُوْحِ بْنُ الحُصْرِيِّ أَنَّ سَمَاعَهُ ظَهَرَ، قَالَ: وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ ذلِكَ غَيْرُهُ. قُلْتُ: الحَافِظُ أَبُو الفُتُوْحِ ثِقَةٌ، لَا مَغْمَزَ فِيْهِ، وَالعَلَوِيُّ غَيْرُ مُتَّهِمٍ، وَقَدِ

стр. 1418

ادَّعَى سَمَاعَ الكِتَابِ، وَلكِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ فِي ذلِكَ الوَقْتِ إِلَّا سَمِاعَ الجُزْءِ الأَوَّلِ. فَاحْتَاطُوا وَقَرَأُوا عَلَيْهِ البَاقِي بِالإِجَازَةِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ سَمَاعًا، فَلَا يَبْعُدُ ظُهُوْرُ سَمَاعِهِ لِلْبَاقِي بَعْدَ ذلِكَ، كَمَا جَرَى فِي "سُنَنِ ابْنِ مَاجَةَ" وَيَصِيْرُ السَّمَاعُ مُتَّصِلًا، لَا إِجَازَةَ فِيهِ علَى الصَّحِيْحِ، بَلِ الجُمْهُوْرُ عَلَى جَوَازِ القِرَاءَةِ لِلْكِتَابِ كُلِّهِ بِالسَّمَاعِ بِمُجَرَّدِ قَوْلِ الشَّيْخِ الثِّقَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذِهِ المَسْأَلَةِ (١)، وَفَتَاوَى العُلَمَاءِ فِيْهَا، وَاللهُ أعْلَمُ. قَالَ الحَافِظُ الضِّيَاءُ: تُوُفِّيَ شَيْخُنَا الحَافِظُ الإِمَامُ، إِمَامُ الحَرَمِ، أَبُو الفُتُوْحِ بِـ "المَهْجَمِ" (٢) فِي المُحَرَّمِ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ وَسِتِّمَائَةَ، وَذَكَرَ ابْنُ مُسَدِّي:

стр. 1419

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1420

أَنَّهُ قَصَدَ اليَمَنَ فَأَدْرَكَهُ أجَلَهُ بِـ "المَهْجَمِ" فِي رَبِيْعٍ الآخِرِ مِنَ السَّنَةِ، وَكَذَا ذَكَرَ ابْنُ نُقْطَةَ أَنَّهُ بَلَغَهُ. وَقَالَ ابْنُ الحَنْبَلِيِّ: مَاتَ بِـ "المَهْجَمِ" مِنْ أَرْضِ "اليَمَنِ" فِي شَهْرِ رَبِيْعٍ الآخِرِ، وَقِيْلَ: فِي ذِي القَعْدَةِ سَنَةَ ثَمَانِ عَشْرَةَ، وَهَذَا القَوْلُ الثَّانِي نَقَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ أَيْضًا، وَكَانَ خُرُوْجُهُ إِلَى "اليَمَنِ" بِأَهلِهِ لِقَحْطٍ وَقَعَ بِـ "مَكَّةَ" وَكَانَ ذَا عَائِلَةٍ، فَنَزَحَ بِهِمْ إِلَى اليَمَنِ فِي البَحْرِ سَنَةَ ثَمَانِ عَشْرَةَ، وَقِيْلَ: إِنَّهُ سَكَنَ "المَهْجَمَ" إِلَى حِيْنِ وَفَاتِهِ، ﵁. ٢٩٨ - عَبْدُ الكَرِيْمِ بْنُ نَجْمِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ (١) بْنِ عَبْدِ الوَاحِدِ الشِّيْرَازِيُّ، الدِّمَشْقِيُّ، ابْنُ الحَنْبَلِيِّ الفَقِيْهُ، أَبُو الفَضَائِلِ بنِ أَبِي العَلَاءِ بنِ شَرَفِ الإِسْلَامِ، وَيُلَقَّبُ شِهَابَ الدِّيْنِ، أَخُو نَاصِحِ الدِّيْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الآتِي (٢) ذِكْرُهُ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى،

стр. 1421

وَهُوَ أَصْغَرُ مِنَ النَّاصِحِ بِتِسْعِ سِنِيْنَ (١). سَمِعَ بِـ "بَغْدَادَ" مِنْ نَصْرِ اللهِ القَزَّازِ، وَأَجَازَ لَهُ الحَافِظُ أَبُو مُوْسَى المَدِيْنِيُّ، وَأَبُو العَبَّاسِ التُّرْكُ، وَعَبْدُ الحَقِّ بْنِ عَبْدِ الخَالِقِ. وَتَفَقَّهَ وَبَرَعَ، وَأَفْتَى، وَنَاظَرَ، وَدَرَّسَ بِمَدْرَسَةِ جَدِّهِ بِـ "دِمَشْقَ". قَالَ أَبُو شَامَةَ: هُوَ أَخُو البَهَاءِ وَالنَّاصِحِ، وَهُوَ أَصْغَرُهُمْ (٢)، وَكَانَ أَبْرَعَهُمْ فِي الفِقْهِ وَالمُنَاظَرَةِ، والمُحَاكَمَاتِ، بَصِيْرًا بِمَا يَجْرِي عنْدَ القُضَاةِ فِي الدَّعَاوَى وَالبَيِّنَاتِ. وَقَالَ ابْنُ السَّاعِي فِي "تَارِيْخِهِ": كَانَ فَقِيْهًا، فَاضِلًا، خَيِّرًا، عَارِفًا بِالمَذْهَبِ وَالخِلَافِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: وَكَانَ ذَا قُوَّةٍ وَشَهَامَةٍ، وَانْتَزعَ مَسْجِدَ الوَزِيْرِ مِنْ يَدِ العَلَمِ (٣)

стр. 1422

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1423

السَّخَاوِيِّ، وَبَقِيَ لِلحَنَابِلَةِ إِلَى الآنَ. قَالَ المُنْذِرِيُّ: حَدَّثَ، وَلَقِيتُهُ بِـ "دِمَشْقَ" فِي الدَّفْعَةِ الأُوْلَى، وَلَمْ يَتَّفِقْ لِي السَّمَاعُ مِنهُ، وَلَنَا مِنْهُ إِجَازَةٌ. تُوُفِّيَ فِي سَابِعِ رَبِيْعٍ الأَوَّلِ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ وَسِتِّمَائَةَ، وَدُفِنَ منَ الغَدِ بِـ "سَفْحِ قَاسِيُونَ" رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى. ٢٩٩ - عبْدُ الحَمِيْدِ بْنُ مُرِّي (١) بْنِ نَامِي، المَقْدِسِيُّ، الفَقِيْهُ، أَبُو أَحْمَدَ،

стр. 1424

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1425

نَزِيْلُ "بَغْدادَ". سَمِعَ الكَثِيْرَ مِنِ ابْنِ كُلَيْبٍ وَطَبَقَتِهِ (١)، وَحَدَّثَ عَنْهُ بِـ "نُسْخَةِ ابْنِ عَرَفَةَ"، سَمِعَهَا مِنْهُ الحَافِظُ الضِّيَاءُ، وَتَفَقَّهَ فِي المَذْهَبِ، وَكَانَ حَسَنَ الأَخْلَاقِ، صَالِحًا، خَيِّرًا، مُتَوَدِّدًا. تُوُفِّيَ فِي لَيْلَةِ الثُّلَاثَاءِ ثَالِثَ جُمَادَى الأُوْلَى سَنَةَ عِشْرِيْنَ وَسِتِّمَائَةَ، وَدُفِنَ مِنْ الغَدِ بِـ "بَابِ حَرْبٍ". قَالَ ابْنُ النَّجَّارِ: وَأَظُنُّهُ جَاوَزَ الخَمْسِيْنَ بِيَسِيْرٍ،

стр. 1426

رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى. ٣٠٠ - عَبْدُ اللهِ بْن أَحْمَدَ (١) بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قُدَامَةَ بْنِ مِقْدَامَ بْنِ نَصْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ المَقْدِسِيُّ، ثُمَّ الدِّمَشْقِيُّ، الصَّالِحِيُّ، الفَقِيْهُ، الزَّاهِدُ، الإِمَامُ، شَيْخُ الإِسْلَامِ، وَأَحَدُ الأَعْلَامِ، مُوَفَّقُ الدِّيْنِ، أَبُو مُحَمَّدٍ، أَخُو الشَّيْخِ أَبِي عُمَرَ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ. ولِدَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ بِـ "جَمَّاعِيْلَ"، وَوَهِمَ الدُّبَيْثِيُّ فِي ذِكْرِ مَوْلِدِهِ. وَقَدِمَ "دِمَشْقَ" مَعَ أَهْلِهِ وَلَهُ عَشْرُ سِنِيْنَ، فَقَرَأَ القُرْآنَ (٢)،

стр. 1427

وَحَفِظَ "مُخْتَصَرَ الخِرَقِّي" وَاشْتَغَلَ، وَسَمِعَ مِنْ وَالِدِهِ، وَأَبِي المَكَارِمِ بْنِ هِلَالٍ، وَأَبِي المَعَالِي بْنِ صَابِرٍ وَغَيْرِهِمْ، وَرَحَلَ إِلَى "بَغْدَادَ" هُوَ ابْنُ خَالَتِهِ الحَافِظُ عَبْدُ الغَنِّيِ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّيْنَ، وَسَمِعَا الكَثِيْرَ مِنْ هِبَةِ اللهِ الدَقَّاقِ، وابْنِ البَطِّيِّ، وَسَعْدِ اللهِ الدَّجَاجِيِّ، وَالشَّيْخِ عَبْدِ القَادِرِ، وَابْنِ تَاجٍ القُرَّاء (١)، وَابْنِ شَافِعٍ، وَأَبِي زُرْعَةَ، وَيَحْيَى بْنِ ثَابِتٍ، وَالمُبَارَكِ بْنِ خُضَيْرٍ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ النَّقُوْرِ، وَشُهْدَةَ (٢)، وَخَلْقٍ كَثِيْرٍ (٣)، وَسَمِعَ بِـ "مَكَّةَ" مِنَ المُبَارَكِ بنِ الطَّبَّاخِ، وَبِـ "المَوْصِلِ" مِنْ خَطِيْبِهَا أَبِي الفَضْلِ (٤). (٥) وَأَقَامَ عِنْدَ الشَّيْخِ عْبدِ القَادِرِ بِمَدْرَسَتِهِ

стр. 1428

مُدَّةً يَسِيْرَةً (١)، فَقَرَأَ عَلَيْهِ مِنَ "الخِرَقِّي" (٥) ثُمَّ تُوُفِّيَ الشَّيْخُ، فَلَازَمَ أَبَا الفَتْحِ بْنِ المَنِّيِّ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ المَذْهَبَ، وَالخِلَافِ، وَالأُصُوْلَ حَتَّى بَرَعَ، وَأَقَامَ بِـ "بَغْدَادَ" نَحْوًا مِنْ أَرْبَعِ سِنِيْنَ، هَكَذَا ذَكَرَهُ الضِّيَاءُ، عَنْ أُمِّهِ، وَهِيَ أُخْتُ الشَّيْخِ (٢)، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى "دِمَشْقَ"، ثُمَّ عَادَ إِلَى "بَغْدَادَ" سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّيْنَ، كَذَا قَالَ سِبْطُ ابْنِ الجَوْزِيِّ. وَذَكَرَ النَّاصِحُ ابْنُ الحنْبَلِيِّ: أَنَّهُ حَجَّ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِيْنَ، وَرَجَعَ مَعَ وَفْدِ العِرَاقِ إِلى "بَغْدَادَ"، وَأَقَامَ بِهَا سَنَةً، فَسَمِعَ دَرْسَ ابْنِ المَنِّيِّ، قَالَ: وَكُنْتُ أَنَا قَدْ دَخَلْتُ "بَغْدَادَ" سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِيْنَ، وَاشْتَغَلْنَا جَمِيْعًا عَلى الشَّيْخِ أَبِي الفَتْحِ بْنِ المَنِّيِّ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى "دِمَشْقَ"، وَاشْتَغَلَ بِتَصْنِيْفِ كِتَابِ "المُغْنِي" فِي شَرْحِ "الخِرَقِيِّ" فَبَلَغَ الأَمَلَ فِي إِتْمَامِهِ، وَهُوَ كِتَابٌ بَلِيْغٌ فِي المَذْهَبِ، عَشْرُ مُجَلَّدَاتٍ، تَعِبَ عَلَيْهِ، وَأَجَادَ فِيْهِ وَجَمَّلَ بِهِ المَذْهَبَ. وَقَرَأَهُ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ، وَانْتَفَعَ بِعِلْمِهِ طَائِفَةٌ كَثِيْرَةٌ، قَالَ: وَمَشَى عَلَى سَمْتِ أَبِيْهِ وَأَخِيْهِ فِي الخَيْرِ وَالعِبَادَةِ، وَغَلَبَ عَلَيْهِ الِاشْتِغَالُ بِالفِقْهِ وَالعِلْمِ. وَقَالَ سِبْطُ ابْنِ الجَوْزِيِّ: كَانَ إِمَامًا فِي فُنُوْنٍ، وَلَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِهِ

стр. 1429

- بَعْدَ أَخِيْهِ أَبِي عُمَرَ، وَالعِمَادِ - أَزْهَدُ وَلَا أَوْرَعُ مِنْهُ، وَكَانَ كَثِيْرَ الحَيَاءِ، عَزُوْفًا عَنِ الدُّنْيَا وَأَهْلِهَا، هَيِّنًا، لَيِّنًا، مُتَوَاضِعًا، مُحِبًّا لِلْمَسَاكِيْنِ، حَسَنَ الأَخْلَاقِ، جَوَادًا، سَخِيًّا، مَنْ رَآهُ كأَنَّهُ رَأَى بَعْضَ الصَّحَابَةِ، وَكَأَنَّمَا النُّوْرُ يَخْرُجُ مِنْ وَجْهِهِ، كَثِيْرَ العِبَادَةِ، يَقْرَأُ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ سُبْعًا مِنَ القُرْآنِ، وَلَا يُصَلِّي رَكْعَتَيْ السُّنَّةِ فِي الغَالِبِ إلَّا فِي بَيْتِهِ، اتِّبَاعًا لِلْسُّنَّةِ، وَكَانَ يَحْضُرُ مَجَالِسِي دَائِمًا فِي جَامِعِ "دِمَشْقَ" وَ"قَاسِيُوْنَ". وَقَالَ أَيْضًا: شَاهَدْتُ مِنَ الشَّيْخِ أَبِي عُمَرَ، وَأَخِيْهِ المُوَفَّقِ، وَنَسِيْبِهِ العِمَادِ مَا نَرْوِيْهِ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالأَوْلِيَاءِ الأَفْرَادِ، فَأَنْسَانِي حَالُهُمْ أَهْلِي وَأَوْطَانِي، ثُمَّ عُدْتُ إِلَيْهِمْ عَلَى نِيَّةِ الإِقَامَةِ، عَسَى أَنْ أَكُوْنَ مَعَهُمْ فِي دَارِ المَقَامَةِ. وَقَالَ ابْنُ النَّجَّارِ: كَانَ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّيْنِ إِمَامَ الحَنابِلَةِ بِالجَامِعِ، وَكَانَ ثِقَةً، حُجَّةً، نَبِيْلًا، غَزِيْرَ الفَضْلِ، كَامِلَ العَقْلِ، شَدِيْدَ التَّثَبُّتِ، دَائِمَ السُّكُوْتِ، حَسَنَ السَّمْتِ، نَزِهًا، وَرِعًا، عَابِدًا عَلَى قَانُوْنِ السَّلَفِ، عَلَى وَجْهِهِ النُّوْرُ، وَعَلَيْهِ الوَقَارُ وَالهَيْبَةُ، يَنْتَفِعُ الرَّجُلُ بِرُؤْيَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَ كَلَامَهُ، صَنَّفَ التَّصَانِيْفَ المَلِيْحَةَ فِي المَذْهَبِ وَالخِلَافِ، وَقَصَدَهُ التَّلَامِذَةُ وَالأَصْحَابُ، وَسَارَ اسْمُهُ فِي البِلَادِ، وَاشْتُهِرَ ذِكْرُهُ، وَكَانَ حَسَنَ المَعْرِفَةِ بِالحَدِيْثِ، وَلَهُ يَدٌ فِي عِلْمِ العَرَبِيَّةِ. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الحَاجِبِ الحَافِظِ (١) فِي "مُعْجَمِهِ": هُوَ إِمَامُ الأَئِمَّةِ، وَمُفْتِي

стр. 1430

الأُمَّةِ، خَصَّهُ اللهُ بِالفَضْلِ الوَافِرِ، وَالخَاطِرِ المَاطِرِ، وَالعِلْمِ الكَامِلِ، طَنَّتْ فِي ذِكْرِهِ الأَمْصَارُ، وَظَنَّتْ بِمِثْلِهِ الأَعْصَارُ، قَدْ أَخَذَ بِمَجَامِعِ الحَقَائِقِ النَّقْلِيَّةِ وَالعَقْلِيَّةِ، فَأَمَّا الحَدِيْثُ، فَهُوَ سَابِقُ فُرْسَانِهِ، وَأَمَّا الفِقْهُ فَهُوَ فَارِسُ مَيْدَانِهِ، أَعْرَفُ النَّاسِ بِالفُتْيَاءِ، وَلَهُ المُؤَلَّفَاتُ الغَزِيْرَةُ، وَمَا أَظُنُّ الزَّمَانَ يَسْمَحُ بِمِثْلِهِ، مُتَوَاضِعٌ عِنْدَ الخَاصَّةِ وَالعَامَّةِ، حَسَنَ الاعْتِقَادِ، ذُو أنَاةٍ وَحَلْمٍ وَوقَارٍ، وَكَانَ مَجْلِسُهُ عَامِرًا بِالفُقَهَاءِ وَالمُحَدِّثِيْنَ وَأَهْلِ الخَيْرِ، وَصَارَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ يَقْصِدُهُ كُلُّ أَحَدٍ، وَكَانَ كَثِيْرَ العِبَادَةِ، دَائِمَ التَّهَجُّدِ، لَمْ يُرَ مِثْلُهُ، وَلَمْ يَرَ مِثْلَ نَفْسِهِ. وَقَالَ أَبُو شَامَةَ: كَانَ شَيْخُ الحَنَابِلَةِ مُوَفَّقُ الدِّيْنِ إِمَامًا مِنْ أَئِمَّةِ المُسْلِمِيْنَ، وَعَلَمًا مِنْ أَعْلَامِ الدِّيْنِ فِي العِلْمِ وَالعَمَلِ، صَنَّفَ كُتُبًا حِسَانًا فِي الفِقْهِ وَغَيْرِهِ، عَارِفًا بِمَعانِي الأَخْبَارِ وَالآثَارِ، سَمِعْتُ عَلَيْهِ أَشْيَاءَ، وَكَانَ بَعْدَ مَوْتِ أَخِيْهِ أَبِي عُمَرَ هُوَ الَّذِي يَؤُمُّ بِالجَامِعِ المُظَفَّرِيِّ، وَيَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ إِذَا حَضَرَ، فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ فَعَبْدُ اللهِ بْنِ أَبي عُمَرَ (١) هُوَ الخَطِيبُ وَالإِمَامُ، وَأَمَّا بِمِحْرَابِ الحَنَابِلَةِ بِجَامِعِ "دِمَشْقَ" فَيُصَلِّي فِيْهِ المُوَفَّقُ إِذَا كَانَ حَاضِرًا فِي البَلَدِ، وَإِذَا مَضَى إِلَى الجَبَلِ صَلَّى العِمَادُ أَخُو عَبْدِ الغَنِيِّ، وَبَعْدَ مَوْتِ العِمَادِ، كَانَ

стр. 1431

يُصَلِّي فِيْهِ أَبُو سُلَيْمَانَ بْنُ الحَافِظِ عَبْدِ الغَنِيِّ، مَا لَمْ يَحْضُرِ المُوَفَّقُ، وَكَانَ بَيْنَ العِشَائَيْنِ يَتَنَفَّلُ حِذَاءَ المِحْرَابِ، وَجَاءَهُ مَرَّةً المَلِكُ العَزِيْزُ بنُ العَادِلِ يَزُوْرُهُ، فَصَادَفَهُ يُصَلِّي، فَجَلَسَ بِالقُرْبِ منْهُ إِلَى أَنْ فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ، ثُمَّ اجْتَمَعَ بِهِ، وَلَمْ يَتَجَوَّزْ فِي صَلَاتِهِ، وَكَانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاةِ العِشَاءِ الآخِرَةِ يَمْضِي إِلَى بَيْتِهِ بِـ "الرَّصِيْفِ"، وَمَعَهُ مِنْ فُقَرَاءِ الحَلْقَةِ مَنْ قَدَّرَهُ اللهُ تَعَالَى، فَيُقَدِّمُ لَهُمْ مَا تَيَسَّرَ يَأْكُلُوْنَهُ مَعَهُ. وَمِنْ أَظْرَفِ مَا حُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَجْعَلُ فِي عِمَامَتِهِ وَرَقَةً مَصْرُوْرَةً فِيْهَا رَمْلٌ يُرَمِّلُ بِهِ مَا يَكْتُبُهُ لِلْنَّاسِ مِنَ الفَتَاوَى وَالإِجَازَاتِ وَغَيْرِهَا، فَاتَّفَقَ لَيْلَةً خُطِفَتْ عِمَامَتُهُ، فَقَالَ لِخَاطِفِهَا: يَا أَخِي خُذْ مِنَ العِمَامَةِ الوَرَقَةَ المَصْرُوْرَةَ بِمَا فِيْهَا وَرَدَّ العِمَامَةَ أَغُطِّي بِهَا رَأْسِي، وَأَنْتَ فِي أَوْسَعِ الحِلِّ مِمَّا فِي الوَرَقَةِ، فَظَنَّ الخَاطِفُ أَنَّهَا فِضَّةٌ وَرَآهَا ثَقِيْلَةً، فَأَخَذَهَا وَرَدَّ العِمَامَةَ، وَكَانَتْ صَغِيْرَةً عَتِيْقَةً، فَرَأَى أَخْذَ الوَرَقَةِ خَيْرًا مِنْهَا بِدَرَجَاتٍ، فَخَلَّصَ الشَّيْخُ عِمَامَتَهُ بِهذَا الوَجْهِ اللَّطِيْفِ. وَبَلَغَنِي منْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنِ الإِمَامِ أَبِي العَبَّاسِ بْنِ تَيْمِيَّةَ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - أَنَّهُ قَالَ: مَا دَخَلَ "الشَّامَ" - بَعْدَ الأَوْزَاعِيِّ - أَفْقَهَ مِنَ الشَّيْخِ المُوَفَّقِ. وَقَدْ أَفْرَدَ الحَافِظُ الضِّيَاءُ، سِيْرَةَ الشَّيْخِ فِي جُزْئَيْنِ، وَكَذلِكَ أَفْرَدَهَا الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ. قَالَ الضِّيَاءُ: كَانَ ﵀ إِمَامًا فِي القُرْآنِ وَتَفْسِيْرِهِ، إِمَامًا فِي عِلْمِ الحَدِيْثِ وَمُشْكِلَاتِهِ، إِمَامًا فِي الفِقْهِ، بَلْ أَوْحَدَ زَمانِهِ فِيْهِ، إِمامًا فِي عِلْمِ الخِلَافِ، أَوْحَدَ زَمَانِهِ فِي الفَرَائِضِ، إِمَامًا فِي أُصُوْلِ الفِقْهِ، إِمَامًا فِي النَّحْوِ، إمَامًا فِي الحِسَابِ، إِمَامًا فِي النُّجُوْمِ السَّيَّارَةِ وَالمَنَازِلِ، قَالَ:

стр. 1432

وَلَمَّا قَدِمَ "بَغْدَادَ" قَالَ لَهُ الشَّيْخُ أَبُو الفَتْحِ بْنُ المَنِّيِّ: اسْكُنْ هُنَا؛ فَإِنَّ "بَغْدَادَ" مُفْتَقِرَةٌ إِلَيْكَ، وَأَنْتَ تَخْرُجُ منْ "بَغْدَادَ" وَلَا تَخْلُفْ فِيْهَا مِثْلَكَ. وَكَانَ شَيْخُنَا العِمَادُ يُعَظِّمُ الشَّيْخَ المُوَفَّقَ تَعْظِيْمًا كَثِيْرًا، وَيَدْعُو لَهُ، وَيَقَعُدُ بَيْنَ يَدَيْهِ، كَمَا يَقْعُدُ المُتَعَلِّمُ مِنَ العَالَمِ. وَسَمِعْتُ الإِمَامَ المُفْتِي شَيْخَنَا أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ مَعَالَيِ بْنِ غَنِيْمَةَ (١)، بِـ "بَغْدَادَ" يَقُوْلُ: مَا أَعْرِفُ أَحَدًا فِي زَمَانِي أَدْرَكَ دَرَجَةَ الاِجْتِهَادِ إِلَّا المُوَفَّقَ. وَسَمِعْتُ أَبَا عَمْرِو بنَ الصَّلَاحِ المُفْتِي يَقُوْلُ: مَا رَأَيْتُ مِثْلَ الشَّيْخِ المُوَفَّقِ. وَقَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ اللهِ (٢) اليُوْنِيْنِيُّ: مَا أَعْتَقِدُ أَنَّ شَخْصًا مِمَّنْ رَأَيْتُهُ حَصَلَ لَهُ مِنَ الكَمَالِ فِي العُلُوْمِ وَالصِّفَاتِ الحَمِيْدَةِ الَّتِي يَحْصُلُ بِهَا الكَمَالُ سِوَاهُ، فَإِنَّهُ ﵀ كَانَ كَامِلًا فِي صُوْرَتِهِ وَمَعْنَاهُ مِنَ الحُسْنِ وَالإِحْسَانِ، وَالحِلْمِ وَالسُّؤْدَدِ، وَالعُلُوْمِ المُخْتَلِفَةِ، وَالأَخْلَاقِ الجَمِيْلَةِ، وَالأُمُوْرِ الَّتِي مَا رَأَيْتُهَا كَمُلَتْ فِي غَيْرِهِ، وَقَدْ رَأَيْتُ مِنْ كَرَمِ أَخْلَاقِهِ، وَحُسْنِ عِشْرَتِهِ، وَوُفُوْرِ حِلْمِهِ، وَكَثْرَةِ عِلْمِهِ، وَغَزِيْرِ فِطْنَتِهِ، وَكَمَالِ مُرُوْءَتِهِ، وَكَثْرَةِ حَيَائِهِ، وَدَوَامِ بِشْرِهِ، وَعُزُوْفِ نَفْسِهِ عَنِ الدُّنْيَا وَأَهْلِهَا، وَالمَنَاصِبِ وَأَرْبَابِهَا مَا قَدْ عَجِزَ

стр. 1433

عَنْهُ كِبَارُ الأَوْلِيَاءِ، فَإِنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ (١): "مَا أَنْعَمَ اللهُ عَلَى عَبْدٍ نَعْمَةً أَفْضَلَ مِنْ أَنْ يُلْهِمَهُ ذِكْرَهُ" فَقَدْ ثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ إِلْهَامَ الذِّكْرِ أَفْضَلُ مِنَ الكَرَامَاتِ، وَأَفْضَلُ الذِّكْرِ مَا يَتَعَدَّى نَفْعُهُ إِلَى العِبَادِ، وَهُوَ تَعْلِيْمُ العِلْمِ وَالسُّنَّةِ، وَأَعْظَمُ مِنْ ذلِكَ وَأَحْسَنُ مَا كَانَ جِبِلَّةً وَطَبْعًا، كَالحِلْمِ، والكَرَمِ وَالعَقْلِ، وَالحَيَاءِ، وَكَانَ اللهُ قَدْ جَبَلَهُ عَلَى خُلُقٍ شَرِيْفٍ، وَأَفْرَغَ علَيْهِ المَكَارِمَ إِفْرَاغًا، وَأَسْبَغَ علَيْهِ النِّعَمَ، وَلَطَفَ بِهِ فِي كُلِّ حَالٍ. قَالَ [الضِّيَاءُ] (٢): وَكَانَ لَا يَكَادُ (٣) يُنَاظِرُ أَحَدًا إِلَّا وَهُوَ يَتَبَسَّمُ، حَتَّى قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: هَذَا الشَّيْخُ يَقْتُلُ خَصْمَهُ بِتَبَسُّمِهِ. قَالَ: (٤) وَأَقَامَ مُدَّةً يَعْمَلُ حَلْقَةَ يَوْمِ الجُمُعَةِ بِجَامِعِ "دِمَشْقَ" يُنَاظِرُ فِيْها بَعْدَ الصَّلَاةِ، ثُمَّ تَرَكَ ذلِكَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ، وَكَانَ يَشْتَغِلُ علَيْهِ النَّاسِ مَنْ بُكْرَةٍ إِلَى ارْتِفَاعِ النَّهَارِ،

стр. 1434

ثُمَّ يُقْرَأُ عَلَيْهِ بَعْدَ الظُّهْرِ، إِمَّا مِنَ الحَدِيْثِ أَوْ مِنْ تَصَانِيْفِهِ إِلَى المَغْرِبِ، وَرُبَّمَا قُرِئَ عَلَيْهِ بَعْدَ المَغْرِبِ وَهُوَ يَتَعَشَّى، وَكَانَ لَا يَرَى لأَحَدٍ ضَجَرًا، وَرُبَّمَا تَضَرَّرَ فِي نَفْسِهِ وَلَا يَقُوْلُ لأَحَدٍ شَيْئًا. (ذِكْرُ شَيْءٍ مِنْ كَرَامَاتِهِ): قَالَ سِبْطُ ابنِ الجَوْزِيِّ: حَكَى أَبُو عَبْدِ اللهِ بنِ فَضْلٍ الأَعْنَاكِيُّ (١) قَالَ: قُلْتُ فِي نَفْسِي: لَوْ كَانَ لِي قُدْرَةٌ لَبَنَيْتُ لِلْمُوَفَّقِ مَدْرَسَةً، وَأَعْطَيْتُهُ كُلَّ يَوْمٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ. قَالَ: فَجِئْتُ بَعْدَ أَيَّامٍ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَنَظَرَ إِلَيَّ وَتَبَسَّمَ، وَقَالَ: إِذَا نَوَى الشَّخْصُ نِيَّةً كُتِبَ لَهُ أَجْرُهَا. وَحَكَى أَبُو الحَسَنِ بْنُ حَمْدَانَ الجَرَائِحِيُّ قَالَ: كُنْتُ أَبْغِضُ الحَنَابِلَةَ، لَمَّا شُنِّعَ عَلَيْهِمْ مِنْ سُوْءِ الاعْتِقَادِ، فَمَرِضْتُ مَرَضًا شَنَّجَ أَعْضَائِي، وَأَقَمْتُ سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَا أَتَحَرَّكُ، وَتَمَنَّيْتُ المَوْتَ، فَلَمَّا كَانَ وَقْتُ العِشَاءِ جَاءَنِي المُوَفَّقُ، وَقَرَأَ عَلَيَّ آيَاتٍ وَقَالَ (٢): ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وَمَسَحَ علَى ظَهْرِيْ فَأَحْسَسْتُ بِالعَافِيَةِ، وَقَامَ: فَقُلْتُ: يَا جَارِيَةُ، افْتَحِي لَهُ البَابَ، فَقَالَ: أَنَا أَرُوْحُ مِنْ حَيْثُ جِئْتُ، وَغَابَ عَنْ عَيْنِي، فَقُمْتُ مِنْ سَاعَتِي إِلَى بَيْتِ الوُضُوْءِ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ دَخَلْتُ الجَامِعَ، فَصَلَّيْتُ

стр. 1435

الفَجْرَ خَلْفَ المُوَفَّقِ، وَصَافَحْتُهُ، فَعَصَرَ يَدِيْ وَقَالَ: احْذَرْ أَنْ تَقُوْلَ شَيْئًا، فَقُلْتُ: أَقُوْلُ وَأَقُوْلُ. وَقَالَ قَوَّامُ جَامِعِ "دِمَشْقَ": كَانَ لَيْلَةً يَبِيْتُ فِي الجَامِعِ، فَتُفْتَحُ لَهُ الأَبْوَابُ فَيَخْرُجُ وَيَعُوْدُ، فَتُغْلَقُ عَلَى حَالِهَا (١). وَحَدَّثَ العَفِيْفُ كَتَائِبُ بنُ أَحْمَدَ بْنِ مَهْدِي البَانِيَاسِيُّ (٢) - بَعْدَ مَوْتِ الشَّيْخِ المُوَفَّقِ بِأَيَّامٍ - قَالَ: رَأَيْتُ الشَّيْخَ المُوَفَّقَ عَلَى حَافَةِ النَّهْرِ يَتَوَضَّأُ، فَلَمَّا تَوَضَّأَ أَخَذَ قُبْقَابَهُ وَمَشَى عَلَى المَاءِ إِلَى الجَانِبِ الآخَرِ، ثُمَّ لَبِسَ القُبْقَابَ - وَصَعَدَ إِلَى المَدْرَسَةِ - يَعْنِي مَدْرَسَةَ أَخِيْهِ أَبِي عُمَر، ثُمَّ حَلَفَ كَتَائِبٌ بِاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُهُ، وَمَالِي فِي الكَذِبِ حَاجَةٌ، وَذلِكَ وَقْتَ الظُّهْرِ، فَقِيْلَ لَهُ: هَلْ كَانَتْ رِجْلَاهُ تَغُوْصُ فِي المَاءِ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا كَأَنَّهُ يَمْشِي علَى وِطَاءٍ ﵀. وَقَرَأْتُ بِخَطِّ الحَافِظِ الذَّهَبِيِّ: سَمِعْتُ رَفِيْقَنَا أَبَا طَاهِرٍ أَحْمَدَ الدُّرَيْبِيَّ (٣)،

стр. 1436

سَمِعْتُ الشَّيْخَ إِبْرَاهِيْمَ بْنَ أَحْمَدَ بنِ حَاتِمٍ (١) - وَزُرْتُ مَعَهُ قَبْرَ الشَّيْخِ المُوَفَّقِ - فَقَالَ: سَمِعْتُ الفَقِيْهَ مُحَمَّدًا اليُوْنِيْنِيُّ (٢) شَيْخَنَا يَقُوْلُ: رَأَيْتُ الشَّيْخَ المُوَفَّقَ يَمْشِي عَلَى المَاءِ (٣). ذِكْرُ تَصَانِيْفِهِ: صَنَّفَ الشَّيْخُ المُوَفَّقُ ﵀ التَّصَانِيْفَ الكَثِيْرَةَ الحَسَنَةَ فِي المَذْهَبِ، فُرُوْعًا وَأُصُوْلًا، وَفِي الحَدِيْثِ، وَاللُّغَةِ، وَالزُّهْدِ، وَالرَّقَائِقِ. وَتَصَانِيْفُهُ فِي أُصُوْلِ الدِّيْنِ فِي غَايَةِ الحُسْنِ، أَكْثَرُهَا عَلَى طَرِيْقَةِ أَئِمَّةِ المُحَدِّثِيْنَ، مَشْحُوْنَةٌ بِالأَحَادِيثِ وَالآثَارِ، وَبِالأَسَانِيْدِ، كَمَا هِيَ طَرِيْقَةُ الإِمَامِ أَحْمَدَ وَأَئِمَّةِ الحَدِيثِ، وَلَمْ يَكُنْ يَرَى الخَوْضَ مَعَ المُتَكَلِّمِيْنَ فِي دَقَائِقِ الكَلَامِ، وَلَوْ كَانَ بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ، وَهَذِهِ طَرِيْقَةُ أَحْمَدَ وَالمُتَقَدِّمِيْنَ، وَكَانَ كَثِيْرَ المُتَابَعَةِ لِلْمَنْقُولِ فِي بَابِ الأُصُوْلِ وَغَيْرِهِ، لَا يَرَى إِطْلَاقَ مَا لَمْ يُؤْثَرْ مِنَ العِبَارَاتِ، وَيَأْمُرُ بِالإِقْرَارِ وَالإِسْرَارِ لِمَا جَاءَ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنَ الصِّفَاتِ، مِنْ غَيْرِ تَفْسِيْرٍ وَلَا تَكْيِيْفٍ، وَلَا تَمْثِيْلٍ، وَلَا تَحْرِيْفٍ، وَلَا تَأْوِيلٍ وَلَا تَعْطِيْلٍ. فَمِنْ تَصَانِيْفِهِ فِي أُصُولِ الدِّيْنِ: "البُرْهَانُ فِي مَسْأَلَةِ القُرْآنِ" (٤) جُزْءٌ

стр. 1437

"جَوَابُ مَسْأَلَةٍ وَرَدَتْ مِنْ "صَرْخَدَ" (١) في القُرآنِ" جُزْءٌ "الاعْتِقَادُ" جُزْءٌ (٢) "مَسْأَلَةُ العُلُوِّ" (٣) جُزْآنِ "ذَمُّ التَّأْوِيْلِ" جُزْءٌ (٤) "كِتَابُ القَدَرِ" جُزْآنِ "فَضَائِلُ الصَّحَابَةِ" جُزْآنِ، وَأَظُنُّهُ: "مِنْهَاجَ القَاصِدِيْنَ فِي فَضْلِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِيْنَ" (٥) "رِسَالَةٌ" إِلَى الشَّيْخِ فَخْرِ الدِّيْنِ بنِ تَيْمِيَّةَ فِي تَخْلِيْدِ أَهْلِ البِدَعِ فِي النَّارِ (٦) "مَسْأَلَةٌ" فِي تَحْرِيْمِ النَّظَرِ فِي كُتُبِ أَهْلِ الكَلَامِ. وَمِنْ تَصَانِيْفِهِ فِي الحَدِيْثِ: "مُخْتَصَرُ العِلَلِ" لِلْخَلَّالِ، مُجَلَّدٌ ضَخْمٌ "مَشْيَخَةُ شُيُوْخِهِ" جُزْءٌ، وَأَجْزَاءٌ كَثِيْرَةٌ خَرَّجَهَا. وَمِنْ تَصَانِيفِهِ فِي الفِقْهِ "المُغْنِي فِي الفِقْهِ" عَشْرُ مُجَلَّدَاتٍ (٧)، "الكَافِي" فِي الفِقْهِ أَرْبَعُ مُجَلَّدَاتٍ، "المُقْنَعُ فِي الفِقْهِ" مُجَلَّدٌ، "مُخْتَصَرُ الهِدَايَةِ"

стр. 1438

مُجَلَّدٌ (١) "العُمْدَةُ" مُجَلَّدٌ صَغِيْرٌ "مَنَاسِكُ الحَجِّ" جُزْءٌ "ذَمُّ الوَسْواسُ" (٢) جُزْءٌ، وَفَتَاوَى وَمسَائِلُ مَنْثُورَةٌ، وَرَسَائِلُ شَتَّى كَثِيْرَةٌ. وَمِنْ تَصَانِيْفِهِ فِي أُصُولِ الفِقْهِ: "الرَّوضَةُ" مُجَلَّدٌ (٣). وَلَهُ فِي اللُّغَةِ وَالأَنْسَابِ وَنَحْوَ ذلِكَ "قُنْعَةُ الأَرِيْبِ فِي الغَرِيْبِ" مُجَلَّدٌ صَغِيْرٌ (٤) "التَبْيِيْنِ فِي نَسَبِ القُرَشِيِّيْنَ" (٥) مُجَلَّدٌ "الاِسْتِبْصَارُ فِي نَسَبِ الأَنْصَارِ" مُجَلَّدٌ (٦). وَلَهُ فِي الفَضَائِلِ وَالزُّهْدِ وَالرَّقَائِقِ وَنَحْوَ ذلِكَ "كِتَابُ التَّوَّابِيْنَ" (٧) جُزْآنِ "كِتَابُ المُتَحَابِّيْنَ فِي اللهِ" جُزْآنِ (٨) "كِتَابُ الرَّقَّةِ وَالبُكَاءِ" (٩) جُزْآنِ "فَضَائِلُ عَاشُوْرَاءَ" جُزْءٌ "فَضَائِلُ العَشْرِ" جُزْءٌ. وَانْتَفَعَ بِتَصَانِيْفِهِ المُسْلِمُوْنَ عُمُوْمًا، وَأَهْلُ المَذْهَبِ خُصُوصًا، وَانْتَشَرَتْ

стр. 1439

وَاشْتُهِرَتْ بِحُسْنِ قَصْدِهِ وَإِخْلَاصِهِ فِي تَصْنِيْفِهَا، وَلَا سِيَّمَا كِتَابُ "المُغْنِي" فَإِنَّهُ عَظُمَ النَّفْعُ بِهِ، وَأُكْثِرَ الثَّنَاءُ عَلَيْهِ قَالَ الحَافِظُ الضِّيَاءُ: رَأَيْتُ الإِمَامَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ فِي النَّوْمِ وَأَلْقَى عَلَيَّ مَسْأَلَةً فِي الفِقْهِ، فَقُلْتُ: هَذِهِ فِي الخِرَقِيِّ، فَقَالَ: مَا قَصَّرَ صَاحِبُكُمْ المُوَفَّقُ فِي شَرْحِ الخِرَقِيِّ. وَقَرَأْتُ بِخَطِّ الحَافِظِ الذَّهَبِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّيْخَ عَلَاءَ الدِّيْنِ المَقْدِسِيَّ - قُلْتُ وَقَدْ أَجَازَ لِي المَقْدِسِيُّ هَذَا - قَالَ: سَمِعْتُ شَيْخَنَا أَبَا العَبَّاسِ بْنِ تَيْمِيَّةِ - قَالَ الذَّهَبِيُّ (١): وَأَظُنُّنِي سَمِعْتُ مِنْ شَيْخِنَا ابْنِ تَيْمِيَّةَ - يَقُوْلُ: قَالَ لِي الشَّيْخُ تَاجُ الدِّيْنِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنِ إِبْرَاهِيْمَ الفَزَارِيُّ (٢): كَانَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّيْنِ بنُ عَبْدِ السَّلَامِ شَيْخُنَا يُرْسِلُنِي أَسْتَعِيْرُ لَهُ "المُحَلَّى" (٣) وَ"المُجَلَّى"، وَكِتَابُ "المُغْنِي" للْشَّيْخِ مُوَفَّقِ الدِّيْنِ بْنِ قُدَامَةَ فِي جَوْدَتِهَا وَتَحْقِيْقِ مَا فِيْهَا. وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: لَمْ تَطِبْ نَفْسِي بِالفُتْيَا حَتَّى صَارَ عِنْدِي نُسْخَةُ "المُغْنِي" (٤). وَقَدْ سَبَقَ قَوْلُ النَّاصِحِ بْنِ الحَنْبَلِيِّ فِي مَدْحِ "المُغْنِي"

стр. 1440

مَعَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ يُسَامِي الشَّيْخَ فِي زَمَانِهِ. وَلِلْشَّيْخِ يَحْيَى الصَّرْصَرِيِّ فِي مَدْحِ الشَّيْخِ وَكُتُبِهِ، فِي جُمْلَةِ القَصِيْدَةِ الطَّوِيْلَةِ اللَّامِيَّةِ (١): وَفِي عَصْرِنَا كَانَ المُوَفَّقُ حُجَّةً … عَلَى فِقْهِهِ ثَبْتُ الأُصُوْلِ مُحَوَّلِي كَفَى الخَلْقَ بِـ "الكَافِي" وَأَقْنَعَ طَالِبًا … بِـ "مُقْنَع" فِقْهٍ عَنْ كِتَابٍ مُطَوَّلِ وَأَغْنَى بِـ "مُغْنِي" الفِقْهِ مَنْ كَانَ بَاحِثًا … وَ"عُمْدَتُهُ" مَنْ يَعْتَمِدْهَا يُحَصِّلِ وَ"رَوْضَتُهُ" ذَاتُ الأُصُوْلِ كَرَوْضَةٍ … أَمَاسَتْ بِهَا الأَزْهَارُ أَنْفَاسَ شَمْأَلِ تَدُلُّ عَلَى المَنْطُوْقِ أَوْفَى دِلَالَةٍ … وتَحْمِلُ فِي المَفْهُومِ أَحْسَنَ مَحْمَلِ وَلِلْشَيْخِ مُوَفَّقِ الدِّيْنِ نَظْمٌ كَثِيْرٌ حَسَنٌ (٢)، وَقِيْلَ: إِنَّ لَهُ قَصِيْدَةً فِي عَوِيْصِ اللُّغَةِ طَوِيْلَةً، وَلَهُ مُقَطَّعَاتٌ مِنَ الشِّعْرِ، فَمِنْهَا قَوْلُهُ: (٣) أَتَغْفُلُ يَا ابْنَ أَحْمَدَ وَالمَنَايَا … شَوَارِعُ تَخْتَرِمْنَكَ عَنْ قَرِيْبِ أَغَرَّكَ أَنَّ تَخَطَّتْكَ الرَّزَايَا … فَكَمْ لِلْمَوْتِ مِنْ سَهْمٍ مُصِيْبِ كُؤُوْسُ المَوْتِ دَائِرَةٌ عَلَيْنَا … وَمَا لِلْمَرْءِ بُدٌّ مِنْ نَصِيْبِ إِلَى كَمْ تَجْعَلِ التَّسْوِيْفَ دَأْبًا … أَمَا يَكْفِيْكَ إِنْذَارُ المَشِيْبِ أَمَا يَكْفِيْكَ أَنَّكَ كُلُّ حِيْنٍ … تَمُرُّ بِغَيْرِ خَلٍّ أَوْ حَبِيْبِ كَأَنَّكَ قَدْ لَحِقْتَ بِهِمْ قَرِيْبًا … وَلَا يُغْنِيْكَ إِفْرَاطُ النَّحِيْبِ
следующие страницы →