← Тараджим

Тараджим · id 31366

ذيل طبقات الحنابلة - لابن رجب - ت العثيمين

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (2 431 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

سَمِعْتُ الشَّيْخَ إِبْرَاهِيْمَ بْنَ أَحْمَدَ بنِ حَاتِمٍ (١) - وَزُرْتُ مَعَهُ قَبْرَ الشَّيْخِ المُوَفَّقِ - فَقَالَ: سَمِعْتُ الفَقِيْهَ مُحَمَّدًا اليُوْنِيْنِيُّ (٢) شَيْخَنَا يَقُوْلُ: رَأَيْتُ الشَّيْخَ المُوَفَّقَ يَمْشِي عَلَى المَاءِ (٣). ذِكْرُ تَصَانِيْفِهِ: صَنَّفَ الشَّيْخُ المُوَفَّقُ ﵀ التَّصَانِيْفَ الكَثِيْرَةَ الحَسَنَةَ فِي المَذْهَبِ، فُرُوْعًا وَأُصُوْلًا، وَفِي الحَدِيْثِ، وَاللُّغَةِ، وَالزُّهْدِ، وَالرَّقَائِقِ. وَتَصَانِيْفُهُ فِي أُصُوْلِ الدِّيْنِ فِي غَايَةِ الحُسْنِ، أَكْثَرُهَا عَلَى طَرِيْقَةِ أَئِمَّةِ المُحَدِّثِيْنَ، مَشْحُوْنَةٌ بِالأَحَادِيثِ وَالآثَارِ، وَبِالأَسَانِيْدِ، كَمَا هِيَ طَرِيْقَةُ الإِمَامِ أَحْمَدَ وَأَئِمَّةِ الحَدِيثِ، وَلَمْ يَكُنْ يَرَى الخَوْضَ مَعَ المُتَكَلِّمِيْنَ فِي دَقَائِقِ الكَلَامِ، وَلَوْ كَانَ بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ، وَهَذِهِ طَرِيْقَةُ أَحْمَدَ وَالمُتَقَدِّمِيْنَ، وَكَانَ كَثِيْرَ المُتَابَعَةِ لِلْمَنْقُولِ فِي بَابِ الأُصُوْلِ وَغَيْرِهِ، لَا يَرَى إِطْلَاقَ مَا لَمْ يُؤْثَرْ مِنَ العِبَارَاتِ، وَيَأْمُرُ بِالإِقْرَارِ وَالإِسْرَارِ لِمَا جَاءَ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنَ الصِّفَاتِ، مِنْ غَيْرِ تَفْسِيْرٍ وَلَا تَكْيِيْفٍ، وَلَا تَمْثِيْلٍ، وَلَا تَحْرِيْفٍ، وَلَا تَأْوِيلٍ وَلَا تَعْطِيْلٍ. فَمِنْ تَصَانِيْفِهِ فِي أُصُولِ الدِّيْنِ: "البُرْهَانُ فِي مَسْأَلَةِ القُرْآنِ" (٤) جُزْءٌ

стр. 1437

"جَوَابُ مَسْأَلَةٍ وَرَدَتْ مِنْ "صَرْخَدَ" (١) في القُرآنِ" جُزْءٌ "الاعْتِقَادُ" جُزْءٌ (٢) "مَسْأَلَةُ العُلُوِّ" (٣) جُزْآنِ "ذَمُّ التَّأْوِيْلِ" جُزْءٌ (٤) "كِتَابُ القَدَرِ" جُزْآنِ "فَضَائِلُ الصَّحَابَةِ" جُزْآنِ، وَأَظُنُّهُ: "مِنْهَاجَ القَاصِدِيْنَ فِي فَضْلِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِيْنَ" (٥) "رِسَالَةٌ" إِلَى الشَّيْخِ فَخْرِ الدِّيْنِ بنِ تَيْمِيَّةَ فِي تَخْلِيْدِ أَهْلِ البِدَعِ فِي النَّارِ (٦) "مَسْأَلَةٌ" فِي تَحْرِيْمِ النَّظَرِ فِي كُتُبِ أَهْلِ الكَلَامِ. وَمِنْ تَصَانِيْفِهِ فِي الحَدِيْثِ: "مُخْتَصَرُ العِلَلِ" لِلْخَلَّالِ، مُجَلَّدٌ ضَخْمٌ "مَشْيَخَةُ شُيُوْخِهِ" جُزْءٌ، وَأَجْزَاءٌ كَثِيْرَةٌ خَرَّجَهَا. وَمِنْ تَصَانِيفِهِ فِي الفِقْهِ "المُغْنِي فِي الفِقْهِ" عَشْرُ مُجَلَّدَاتٍ (٧)، "الكَافِي" فِي الفِقْهِ أَرْبَعُ مُجَلَّدَاتٍ، "المُقْنَعُ فِي الفِقْهِ" مُجَلَّدٌ، "مُخْتَصَرُ الهِدَايَةِ"

стр. 1438

مُجَلَّدٌ (١) "العُمْدَةُ" مُجَلَّدٌ صَغِيْرٌ "مَنَاسِكُ الحَجِّ" جُزْءٌ "ذَمُّ الوَسْواسُ" (٢) جُزْءٌ، وَفَتَاوَى وَمسَائِلُ مَنْثُورَةٌ، وَرَسَائِلُ شَتَّى كَثِيْرَةٌ. وَمِنْ تَصَانِيْفِهِ فِي أُصُولِ الفِقْهِ: "الرَّوضَةُ" مُجَلَّدٌ (٣). وَلَهُ فِي اللُّغَةِ وَالأَنْسَابِ وَنَحْوَ ذلِكَ "قُنْعَةُ الأَرِيْبِ فِي الغَرِيْبِ" مُجَلَّدٌ صَغِيْرٌ (٤) "التَبْيِيْنِ فِي نَسَبِ القُرَشِيِّيْنَ" (٥) مُجَلَّدٌ "الاِسْتِبْصَارُ فِي نَسَبِ الأَنْصَارِ" مُجَلَّدٌ (٦). وَلَهُ فِي الفَضَائِلِ وَالزُّهْدِ وَالرَّقَائِقِ وَنَحْوَ ذلِكَ "كِتَابُ التَّوَّابِيْنَ" (٧) جُزْآنِ "كِتَابُ المُتَحَابِّيْنَ فِي اللهِ" جُزْآنِ (٨) "كِتَابُ الرَّقَّةِ وَالبُكَاءِ" (٩) جُزْآنِ "فَضَائِلُ عَاشُوْرَاءَ" جُزْءٌ "فَضَائِلُ العَشْرِ" جُزْءٌ. وَانْتَفَعَ بِتَصَانِيْفِهِ المُسْلِمُوْنَ عُمُوْمًا، وَأَهْلُ المَذْهَبِ خُصُوصًا، وَانْتَشَرَتْ

стр. 1439

وَاشْتُهِرَتْ بِحُسْنِ قَصْدِهِ وَإِخْلَاصِهِ فِي تَصْنِيْفِهَا، وَلَا سِيَّمَا كِتَابُ "المُغْنِي" فَإِنَّهُ عَظُمَ النَّفْعُ بِهِ، وَأُكْثِرَ الثَّنَاءُ عَلَيْهِ قَالَ الحَافِظُ الضِّيَاءُ: رَأَيْتُ الإِمَامَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ فِي النَّوْمِ وَأَلْقَى عَلَيَّ مَسْأَلَةً فِي الفِقْهِ، فَقُلْتُ: هَذِهِ فِي الخِرَقِيِّ، فَقَالَ: مَا قَصَّرَ صَاحِبُكُمْ المُوَفَّقُ فِي شَرْحِ الخِرَقِيِّ. وَقَرَأْتُ بِخَطِّ الحَافِظِ الذَّهَبِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّيْخَ عَلَاءَ الدِّيْنِ المَقْدِسِيَّ - قُلْتُ وَقَدْ أَجَازَ لِي المَقْدِسِيُّ هَذَا - قَالَ: سَمِعْتُ شَيْخَنَا أَبَا العَبَّاسِ بْنِ تَيْمِيَّةِ - قَالَ الذَّهَبِيُّ (١): وَأَظُنُّنِي سَمِعْتُ مِنْ شَيْخِنَا ابْنِ تَيْمِيَّةَ - يَقُوْلُ: قَالَ لِي الشَّيْخُ تَاجُ الدِّيْنِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنِ إِبْرَاهِيْمَ الفَزَارِيُّ (٢): كَانَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّيْنِ بنُ عَبْدِ السَّلَامِ شَيْخُنَا يُرْسِلُنِي أَسْتَعِيْرُ لَهُ "المُحَلَّى" (٣) وَ"المُجَلَّى"، وَكِتَابُ "المُغْنِي" للْشَّيْخِ مُوَفَّقِ الدِّيْنِ بْنِ قُدَامَةَ فِي جَوْدَتِهَا وَتَحْقِيْقِ مَا فِيْهَا. وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: لَمْ تَطِبْ نَفْسِي بِالفُتْيَا حَتَّى صَارَ عِنْدِي نُسْخَةُ "المُغْنِي" (٤). وَقَدْ سَبَقَ قَوْلُ النَّاصِحِ بْنِ الحَنْبَلِيِّ فِي مَدْحِ "المُغْنِي"

стр. 1440

مَعَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ يُسَامِي الشَّيْخَ فِي زَمَانِهِ. وَلِلْشَّيْخِ يَحْيَى الصَّرْصَرِيِّ فِي مَدْحِ الشَّيْخِ وَكُتُبِهِ، فِي جُمْلَةِ القَصِيْدَةِ الطَّوِيْلَةِ اللَّامِيَّةِ (١): وَفِي عَصْرِنَا كَانَ المُوَفَّقُ حُجَّةً … عَلَى فِقْهِهِ ثَبْتُ الأُصُوْلِ مُحَوَّلِي كَفَى الخَلْقَ بِـ "الكَافِي" وَأَقْنَعَ طَالِبًا … بِـ "مُقْنَع" فِقْهٍ عَنْ كِتَابٍ مُطَوَّلِ وَأَغْنَى بِـ "مُغْنِي" الفِقْهِ مَنْ كَانَ بَاحِثًا … وَ"عُمْدَتُهُ" مَنْ يَعْتَمِدْهَا يُحَصِّلِ وَ"رَوْضَتُهُ" ذَاتُ الأُصُوْلِ كَرَوْضَةٍ … أَمَاسَتْ بِهَا الأَزْهَارُ أَنْفَاسَ شَمْأَلِ تَدُلُّ عَلَى المَنْطُوْقِ أَوْفَى دِلَالَةٍ … وتَحْمِلُ فِي المَفْهُومِ أَحْسَنَ مَحْمَلِ وَلِلْشَيْخِ مُوَفَّقِ الدِّيْنِ نَظْمٌ كَثِيْرٌ حَسَنٌ (٢)، وَقِيْلَ: إِنَّ لَهُ قَصِيْدَةً فِي عَوِيْصِ اللُّغَةِ طَوِيْلَةً، وَلَهُ مُقَطَّعَاتٌ مِنَ الشِّعْرِ، فَمِنْهَا قَوْلُهُ: (٣) أَتَغْفُلُ يَا ابْنَ أَحْمَدَ وَالمَنَايَا … شَوَارِعُ تَخْتَرِمْنَكَ عَنْ قَرِيْبِ أَغَرَّكَ أَنَّ تَخَطَّتْكَ الرَّزَايَا … فَكَمْ لِلْمَوْتِ مِنْ سَهْمٍ مُصِيْبِ كُؤُوْسُ المَوْتِ دَائِرَةٌ عَلَيْنَا … وَمَا لِلْمَرْءِ بُدٌّ مِنْ نَصِيْبِ إِلَى كَمْ تَجْعَلِ التَّسْوِيْفَ دَأْبًا … أَمَا يَكْفِيْكَ إِنْذَارُ المَشِيْبِ أَمَا يَكْفِيْكَ أَنَّكَ كُلُّ حِيْنٍ … تَمُرُّ بِغَيْرِ خَلٍّ أَوْ حَبِيْبِ كَأَنَّكَ قَدْ لَحِقْتَ بِهِمْ قَرِيْبًا … وَلَا يُغْنِيْكَ إِفْرَاطُ النَّحِيْبِ

стр. 1441

قَالَ سِبْطُ ابنِ الجَوْزِيِّ: وَأَنْشَدَنِي المُوَفَّقُ لِنَفْسِهِ: (١) أَبَعْدَ بَيَاضِ الشَّعْرِ أَعْمُرُ مَسْكِنًا … سِوَى القَبْرِ إِنِّي إِنْ فَعَلْتُ لأَحْمَقُ يُخَبِّرُنِي شَيْبِي بِأَنِّيَ مَيِّتٌ … وَشِيْكًا وَيَنْعَانِي إِلَيَّ فَيَصْدُقُ يُخَرَّقَ عُمْرِي كُلُّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ … فَهَلْ مُسْتَطِيْعٌ رَتْقَ (٢) مَا يَتَخَرَّقُ كَأَنِّي بِجِسْمِي فَوْقَ نَعْشِي مُمَدَّدًا … فَمِنْ سَاكِتٍ أَوْ مُعَوِلٍ يَتَحَرَّقُ إِذَا سَئَلُوا عَنِّي أَجَابُوا وَأَعْوَلُوا … وَأَدْمَعُهُمْ تَنْهَلُّ هَذَا المُوَفَّقُ وَغُيِّبْتُ فِي صَدْعٍ مِنَ الأَرْضِ ضَيِّقٍ … وَأُوْدِعْتُ لَحْدًا فَوْقَهُ الصَّخْرُ مُطْبِقُ وَيَحْثُو عَلَيَّ التُّرْبَ أَوْثَقُ صَاحِبٍ … وَيُسْلِمُنِي لِلْقَبْرِ مَنْ هُوَ مُشْفِقُ فَيَا رَبِّ كُنْ لِيْ مُؤْنِسًا يَوْمَ وَحْشَتِي … فَإنِّي لِمَا أَنْزَلْتُهُ لَمُصَدَّقُ وَمَا ضَرَّنِي إِنِّي إِلَى اللهِ صَائِرٌ … وَمَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِي أَبَرُّ وَأَرْفَقُ قَالَ أَبُو شَامَةَ: وَنَقَلْتُ مِنْ خَطِّهِ: لَا تَجْلِسَنَّ بِبَابِ مَنْ … يَأْبَى عَلَيْكَ دُخُوْلَ دَارِهْ وَيَقُوْلُ حَاجَاتِي إِلَيْـ … ــه يَعُوْقُهَا إِنْ لَمْ أُدَارِهْ

стр. 1442

وَاتْرُكُهُ وَأَقْصِدُ رَبها … تُقْضَى وَرَبُّ الدَّارِ كَارِهْ تفَقَّهَ عَلَى الشَّيْخِ مُوَفَّقِ الدِّيْنِ خَلْقٌ كَثِيْرٌ، مِنْهُمْ ابْنُ أَخِيْهِ الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّيْنِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ أَبِي عُمَرَ، وَالمَرَاتِبِيُّ. وَسَمِعَ مِنْهُ الحَدِيْثَ خَلَائِقٌ مِنَ الأَئِمَّةِ وَالحُفَّاظِ وَغَيْرِهِمْ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الدُّبَيثِيِّ، وَالضِّيَاءُ، وَابْنُ خَلِيْلٍ، وَالمُنْذِرِيُّ (١). وَحَدَّثَ بِـ "بَغْدَادَ" وَسَمِعَ مِنْهُ بِهَا رَفِيْقُهُ أَبُو مَنْصُوْرٍ عَبْدُ العَزِيْزِ بْنُ طَاهِرِ بْنِ ثَابِتٍ الخَيَّاطُ المُقْرِئَ سَنَةَ ثَمانٍ وَستِّيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ (٢). تُوُفِّيَ ﵀ يَوْمَ السَّبْتِ يَوْمَ عِيْدِ الفِطْرِ سَنَةَ عِشْرِيْنَ وَستِّمَائَةَ بِمَنْزِلِهِ بِـ "دِمَشْقَ" وَصُلِّيَ عَلَيْهِ مِنَ الغَدِ، وَحُمِلَ إِلَى سَفْحِ قَاسِيُونَ، فَدُفِنَ بِهِ، وَكَانَ لَهُ جَمْعٌ عَظِيْمٌ، امْتَدَّ النَّاسُ فِي طُرُقِ الجَبَلِ فَمَلَؤُوْها (٣). قَالَ أَبُو المُظَفَّرِ سِبْطُ ابْنِ الجَوْزِيِّ: حَكَى إِسْمَاعِيْلُ بْنُ حَمَّادٍ الكَاتِبُ البَغْدَادِيُّ (٤) قَالَ: رَأَيْتُ لَيْلَةَ عِيْدِ الفِطْرِ كَأَنَّ مُصْحَفَ عُثْمَانَ قَدْ رُفِعَ مِنْ جَامِعِ "دِمَشْقَ" إِلَى السَّمَاءِ، فَلَحِقَنِي غَمُّ شَدِيْدٌ، فَتُوُفِّيَ المُوَفَّقُ يَوْمَ العِيْدِ.

стр. 1443

قَالَ: وَرَأَى أَحْمَدُ بْنُ سَعْدٍ - أَخُو مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ الكَاتِبُ المَقْدِسِيُّ (١)، وَكَانَ أَحْمَدُ هَذَا مِنَ الصَّالِحِيْنَ - قَالَ: رَأَيْتُ لَيْلَةَ العِيْدِ مَلَائِكَةً يَنْزِلُونَ مِنَ السَّمَاءِ جُمْلَةً، وَقَائِلٌ يَقُوْلُ: انْزِلُوا بِالنَّوْبَةِ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: يَنْقُلُوْنَ رَوْحَ المُوَفَّقِ الطَّيِّبَةَ فِي الجَسَدِ الطَّيِّبِ. قَالَ: وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنِ مُحَمَّدٍ العَلَوِيُّ: رَأَيْتُ كَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَاتَ، وَقُبِرَ بِـ "قَاسِيُوْنَ" يَوْمَ عِيْدِ الفِطْرِ، قَالَ: وَكُنَّا بِـ "جَبَلِ بَنِي هِلَالٍ" (٢) فَرَأَيْنَا عَلَى "قَاسِيُونَ" لَيْلَةَ العِيْدِ ضَوْءًا عَظِيْمًا، فَظَنَّنَا أَنَّ "دِمَشْقَ" قَدِ احْتَرَقَتْ، وَخَرَجَ أَهْلُ القَرْيَةِ يَنْظُرُوْنَ إِلَيْهِ، فَوَصَلَ الخَبَرُ بِوَفَاةِ المُوَفَّقِ يَوْمَ العِيْدِ، وَدُفِنَ بِـ "قَاسِيُونَ" رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى. قَالَ سِبْطُ ابْنِ الجَوْزِيِّ: وَكَانَ لَهُ أَوْلَادٌ: أَبُو الفَضْلِ مُحَمَّدٌ، وَأَبُو العِزِّ يَحْيَى، وَأَبُو المَجْدِ عِيْسَى، مَاتُوا كُلُّهُمْ فِي حَيَاتِهِ، وَلَمْ أُدْرِكْ مِنْهُمْ غَيْرَ عِيْسَى، وَكَانَ مِنَ الصَّالِحِيْنَ، وَلَهُ بَنَاتٌ. قَالَ: وَلَمْ يُعْقِبْ مِنْ وَلَدِ المُوَفَّقِ سِوَى عِيْسَى، خَلَّفَ وَلَدَيْنِ صَالِحَيْنِ وَمَاتَا، وَانْقَطَعَ عَقِبُهُ. ٣٠١ - قُلْتُ: أَمَّا أَبُو الفَضْلِ مُحَمَّدٌ: فَوُلِدَ فِي رَبِيْعٍ الآخِرِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَكَانَ شَابًّا، ظَرِيْفًا، فَقِيْهًا، تَفَقَّهَ علَى وَالِدِهِ، وَسَافَرَ إِلَى "بَغْدَادَ" وَاشْتَغَلَ بِالخِلَافِ عَلَى الفَخْرِ إِسْمَاعِيْلَ، وَسَمِعَ الحَدِيْثَ، وَتُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الأُوْلَى سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ بِـ "هَمَذَانَ" وَقَدْ كَمَّلَ سِتًّا

стр. 1444

وَعِشْرِيْنَ سَنَةً ﵀ (١). ٣٠٢ - وَأَمَّا أَبُو المَجْدِ عِيْسَى: فَيُلَقَّبُ "مَجْدَ الدِّيْنِ" تَفَقَّهَ، وَسَمِعَ الحَدِيْثَ الكَثِيْرَ بِـ "دِمَشْقَ" مِنْ جَمَاعَةٍ كَثِيْرَةٍ مِنْ أَهْلِهَا، وَمِنَ الوَارِدَيْنِ عَلَيْهَا، وَسَمِعَ بِـ "مِصْرَ" مِنْ إِسْمَاعِيْلَ بنِ يَاسِيْنَ، وَالبُوْصِيْرِيِّ، وَالأرْتَاحِيِّ، وَفَاطِمَةَ بِنْتِ سَعْدِ الخَيْرِ، وَغَيْرِهِمْ، وَحَدَّثَ. ذَكَرَهُ المُنْذِرِيُّ، وَقَالَ: وَلِيَ الخَطَابَةَ وَالإِمَامَةَ بِالجَامِعِ المُظَفَّرِيِّ بِسَفْحِ "قَاسِيُوْنَ" قَالَ: وَاجْتَمَعْتُ مَعَهُ بِـ "دِمَشْقَ"، وَسَمِعْتُ مَعَهُ مِنْ وَالِدِهِ، وَتُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الآخِرَةِ فِي خَامِسِهِ، أَوْ سَادِسِهِ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَسِتِّمَائَةَ، رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى (٢).

стр. 1445

وَمِمَّا رُثِيَ بِهِ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّيْنِ ﵀ مَا قَالَهُ فِيْهِ الشَّيْخُ صَلَاحُ الدِّيْنِ أَبُو عِيْسَى مُوْسَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَفِ بْنِ رَاجِحٍ المَقْدِسِيُّ (١) فِي قَصِيْدَةٍ لَهُ: لَمْ يَبْقَ لِي بَعْدَ المُوَفَّقِ رَغْبَةٌ … فِي العَيْشِ إِنَّ العَيْشَ سُمٌّ مُنْقَعُ صَدْرُ الزَّمَانِ وَعَيْنُهُ وَطِرَازُهُ … رُكْنُ الأَنَامِ الزَّاهِدُ المُتَوَرِّعُ

стр. 1446

بَحْرُ العُلُوْمِ أَبُو الفَضَائِلِ كُلِّهَا … شَمْلُ الشَّرِيْعَةِ بَعْدَهُ لَا يُجْمَعُ كَانَ ابْنُ أَحْمَدَ فِي مَقَامِ مُحَمَّدٍ … إِنْ هَالَهُمْ أَمْرٌ إِلَيْهِ يَفْزَعُوا فَيُبِيْنُ مُشْكِلَهُ وَيُوْضِحُ سِرَّهُ … وَيَذُبُّ عَنْ دِيْنِ الإِلهِ وَيَدفَعُ بِبَصِيْرَةٍ يَجْلُو الظَّلَامَ ضِيَاؤُهَا … يُبْدِي العَجَائِبَ نُوْرُهَا يَتَشَعْشَعُ فَاليَوْمَ قَدْ أَضْحَى الزَّمَانُ وَأَهْلُهُ … غَرَضًا لِكُلِّ بَلِيَّةٍ تَتَنَوَّعُ وَالعِلمُ قَدْ أَمْسَى كَأَنَّ بَوَاكِيًا … تَبْكِي عَلَيهِ وَحَبْلُهُ يَتَقَطَّعُ وَتَعَطَّلَتْ تِلْكَ المَجَالِسُ، وَانْقَضَتْ … تِلْكَ المَحَافِلُ لَيْتَهَا لَوْ تَرْجِعُ هَيْهَاتَ بَعْدَكَ يَا مُوَفَّقُ يُرْتَجَى … لِلْنَّاسِ خَيْرٌ أَوْ مَقَالٌ يُسْمَعُ للهِ دَرُّكَ كَمْ لِشَخْصِكَ مِنْ يَدٍ … بَيْضَاءَ فِي كُلِّ الفَضَائِلِ تَرْتَعُ قَدْ كُنْتَ عَبْدًا طَائِعًا لَا تَنْثَنِي … عَنْ بَابِ رَبِّكَ فِي العِبَادَةِ تُوْسِعُ كَمْ لَيْلَةٍ أَحْيَيْتَهَا وَعَمْرَتَهَا … وَاللهُ يَنْظُرُ وَالخَلَائِقُ هُجَّعُ تَتْلُو كِتَابَ اللهِ فِي جُنْحِ الدُّجَى … كَزَبُوْرِ دَاوُدَ النَّبِيِّ تُرَجِّعُ لَوْ كَانَ يُمْكِنُ مِنْ فِدَائِكَ رُخْصَةٌ … لَفَدَتْكَ أَفْئِدَةٌ عَلَيْكَ تَقَطَّعُ (ذِكْرُ نُبْذَةٍ مِنْ فَتَاوِيْهِ وَمَسَائِلِهِ مِنْ غَيْرِ كُتُبِهِ المَشْهُوْرَةِ): قَرَأْتُ بِخَطِّ بَعْضِ أَصْحَابِهِ، قَالَ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّيْنِ فِي مَسْأَلَةِ مَا إِذا اجْتَمَعَ جُنُبٌ وَحَائِضٌ، وَوَجَدَا مِنَ المَاءِ مَا يَكْفِي أَحَدُهُمَا، قَالَ: إِنْ كَانَتِ المَرْأَةُ زَوْجَةً لِلرَّجُلِ، فَهِيَ أَحَقُّ؛ لأَنَّهَا تُبِيْحُ لَهُ الوَطْءَ، وَهُوَ يَرْجِعُ إِلَى بَدَلٍ، وَإِنْ كَانَتْ أَجْنَبِيَّةً مِنْهُ، فَهُوَ أَحَقُّ؛ لأَنَّهُ يَسْتَبِيْحُ الصَّلَاةَ، وَهِيَ تَرْجِعُ إِلَى التَيَمُّمِ. وَسُئِلَ إِذَا أُعْتِقَتِ الجَارِيَةُ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَسْتَبْرِئَ نَفْسَهَا بِحَيْضَةٍ،

стр. 1447

أَمْ بِثَلَاثٍ؟ قَالَ: إِنْ كَانَتْ تَعْلَمُ أَنَّ سَيِّدَهَا لَمْ يَكُنْ يَطَؤُهَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا الاِسْتِبْرَاءُ إِلَّا فِي صُوْرَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ فِيْمَا إِذَا اشْتَرَاهَا فَأَعْتَقَهَا، فَأَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا يَجِبُ عَلَيْهَا الاِسْتِبْرَاءُ بِحَيْضَةٍ. وَإِنْ كَانَتْ تَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ يَطَؤُهَا وَجَبَ علَيْهَا اسْتِبْرَاءُ نَفْسِهَا بِحَيْضَةٍ، وَإِلْحَاقُهَا بِالإِمَاءِ أَوْلَى مِنْ إِلْحَاقِهَا بِالحَرَائِرِ؛ لأَنَّ المَقْصُوْدَ هُوَ الاِسْتِبْرَاءُ، وَذلِكَ حَاصِلٌ بِحَيْضَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلأَنَّ الثَّلَاثَ إِمَّا عِدَّةٌ عَنْ نِكَاحٍ، أَوْ مَا يُشْبِهُهُ وَهُوَ الوَطْءُ بِالشُّبْهَةِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهمَا مُنْتَفٍ هُنَا. وَقَالَ فِيْمَا إِذَا اتَّفَقَتْ التَّصْرِيَةُ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ البَائِعِ يُتَخَيَّرُ، كَمَا يُتَخَيَّرُ لَوْ قَصَدَهَا، وَفِيْمَا إِذَا رَدَّهَا المُشْتَرِي بِعَيْبٍ سِوَى التَّصْرِيَةِ يَجِبُ الصَّاعُ مِنَ التَّمْرِ، قِيْلَ لَهُ: هِيَ مِنْ ضَمَانِهِ، فَيَكُوْنُ اللَّبَنُ بِمَنْزِلَةِ الخَرَاجِ؟ قَالَ: اللَّبَنُ وَرَدَ عَلَيْهِ العَقْدُ، وَكَانَ مَوْجُوْدًا بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنَ المَنَافِعِ وَالخَرَاجِ. وَسُئِلَ: عَنِ الجَارِيَةِ المُشْتَرَكَةِ بَيْنَ جَمَاعَةٍ هَلْ يَجُوْزُ لِكُلِّ وَاحِدٍ النَّظَرُ إِلَى عَوْرَتِهَا؟ فَقَالَ: لَا يَجُوْزُ ذلِكَ، وَخَالَفَ هَذَا مَا إِذَا كَانَ العَبْدُ مُشْتَرِكًا بَينَ نِسَاءٍ يَجُوْزُ لَهُنَّ النَّظَرُ إِلَيْهِ؛ لأَنَّ المُجَوِّزَ لِلْنَّظَرِ هَهُنَا هُوَ الحَاجَةُ إِلَى الاسْتِخْدَامِ، وَهُوَ مَوْجُوْدٌ فِي العَبْدِ المُشْتَرَكِ، وَالنَّظَرِ إِلَى عَوْرَةِ الجَارِيَةِ إِنَّمَا جَازَ لِتَمَكُّنِهِ مِنَ الوَطْءِ، وَهُوَ هَهُنَا مُنْتَفٍ لِلاشْتِرَاكِ. وَسُئِلَ: إِذَا كَانَ علَى أَعْضاءِ وُضُوْئِهِ كُلِّهَا جِرَاحَةٌ، أَيُجْزِيْهِ أَنْ يَغْسِلَ الصَّحِيْحَ ثُمَّ يَتَيَمَّمُ لَهُمَا تَيَمُّمًا وَاحِدًا؟ قَالَ: لَا، بَلْ يَغْسِلُ العُضْوَ الأَوَّلَ وَيَتَيَمَّمُ لَهُ، وَكَذلِكَ الثَّانِي وَالثَّالِثُ وَالرَّابِعُ، فَيَتَيَمَّمُ أَرْبعِ تَيَمُّمَاتٍ.

стр. 1448

وَقَالَ: فِيْمَنْ أَعْتَقَ أَبَاهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ الأَقْيَسُ أَنَّهُ لَا يَرِثُ، وَالمَذْهَبُ الإِرْثُ، وَقَالَ أَبُو الخَطَّابِ: إِذَا أَقرَّ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ بِعِتْقِ ابْنِ عَمِّهِ يَعْتِقُ وَلَا يَرِثُ. وَمِمَّا نَقَلْتُهُ مِنْ خَطِّ السَّيْفِ بنِ المَجْدِ مِنْ فَتَاوَى جَدِّهِ الشَّيْخِ مُوَفَّقِ الدِّيْنِ وَقَدْ سُئِلَ: عَنْ مُعَامَلَةِ مَنْ فِي مَالِهِ حَرَامٌ؟ فَأَجَابَ: الوَرَعُ اجْتِنَابُ مُعَامَلَةِ مَنْ فِي مَالِهِ حَرَامٌ، فَإِنَّ مَنِ اخْتَلَطَ الحَرَامُ فِي مَالِهِ: صَارَ فِي مَالِهِ شُبْهَةٌ بِقَدْرِ مَا فِيْهِ منَ الحَرَامِ، إِنْ كَثُرَ الحَرَامُ كَثُرَتِ الشُّبْهَةُ، وَإِنْ قَلَّ قَلَّتْ، وَذَكَرَ حَدِيْثَ: "الحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالحَرَامُ بَيِّنٌ" (١)، وَأَمَّا فِي ظَاهِرِ الحُكْمِ فَإِنَّهُ يُبَاحُ مُعَامَلَةُ مَنْ لَمْ يَتَعَيَّنِ التَّحْرِيْمُ فِي الثَّمَنِ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْهُ؛ لأَنَّ الأَصْلَ أَنَّ مَا فِي يَدِ الإِنْسَانَ مُلْكُهُ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: بِعِ الحَلَالَ مِمَّنْ شِئْتَ، يَعْنِي إِذَا كَانَتْ بِضَاعَتُكَ حَلَالًا فَلَا حَرَجَ عَلَيْكَ فِي بَيْعِهَا مِمَّنْ شِئْتَ، وَلكِنَّ الوَرَعَ تَرْكُ مُعَامَلَةِ مَنْ فِي مَالِهِ الشُّبُهَاتِ، فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ (٢): "دَعْ مَا يَرِيْبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيْبُكَ".

стр. 1449

وَسُئِلَ عَمَّا إِذَا تَعَيَّنَ ثَمَنُ خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيْرٍ مِنَ الكَافِرِ، مَا الحُكْمُ فِي أَخْذِهِ مِنْهُمْ، يَعْنِي بِعَقْدٍ وَنَحْوِهِ؟ وَكَانَ قَدْ أَجَابَ قَبْلَهُ ابْنُ المُتَقَّنَةِ الرَّحْبِيِّ الشَّافِعِيِّ (١): لَا يَجُوزُ ذلِكَ إِذَا تَعَيَّنَ. فَأجَابَ: الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّيْنِ: الأَوْلَى تَرْكُهُ، وَيَجُوْزُ أَخْذُهُ إِذَا كَانَ جَائِزًا فِي دِيْنِهِمْ؛ لأَنَّنَا أَقْرَرْنَاهُمْ عَلَى مَا يَعْتَقِدُوْنَ مِنْ دِيْنِهِمْ. وَسُئِلَ عَنْ خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ: ثَبَتَتْ بِالنَّصِّ أَوْ بِالقِيَاسِ؟ فَأَجَابَ ابْنُ المُتَقَّنَةِ: ثَبَتَتْ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَاتِّفَاقُهُمْ، فَكَتَبَ الشَّيْخُ المُوَفَّقُ: ثَبَتَتْ بِنَصِّ النَّبِيِّ ﷺ فِي أَخْبَارٍ كَثِيْرَةٍ، ذَكَرَ بَعْضهَا. وَسُئِلَ ابنُ المُتَقَّنَةِ فِي بَعْضِ ذِكْرِ الحَرْبِ تَكَرَّرَ "حَرْبٌ عَوَانٌ" مَا العَوَانُ فِي اللُّغَةِ؟ فَأَجَابَ: "العَوَانُ" أَشَدُّ مَا يَكُوْنُ، فَضَرَبَ الشَّيْخُ عَلَى الجَوَابِ، وَكَتَبَ: الحَرْبُ الَّتِي تَقَدَّمَهَا حَرْبٌ أُخْرَى. قَالَ السَّيْفُ: وَكَتَبَ ابْنُ الجَوْزِيِّ عَنْ كَلَامِ شَيْخِ الإِسْلَامِ الأَنْصَارِيِّ كَانَ عَبْدُ اللهِ الأَنْصَارِيُّ يَمِيْلُ إِلَى التَّشْبِيْهِ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ، فَأَلْحَقَ جَدِّي: حَاشَاهُ مِنَ التَّشْبِيهِ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ ابنِ الجَوْزِيِّ فِيْهِ. وَقَالَ فِي القَرْيَةِ الَّتِي فِيْهَا أَرْبَعُوْنَ يَسْمَعُوْنَ النِّدَاءَ مِنَ المِصْرِ إِنَّهُمْ مُخَيَّرُوْنَ بَيْنَ إِقَامَةِ الجُمُعَةِ بِهَا، وَبَيْنَ السَّعْيِ إِلَى المِصْرِ، قَالَ: وَهُوَ أَوْلَى، لِلْخُرُوجِ

стр. 1450

مِنَ الخِلَافِ، قَالَ: فَإِنْ كَانَتْ قَرْيَةٌ فيْهَا أَرْبَعُوْنَ، وَقَرْيَةٌ فِيْهَا دُوْنَ الأَرْبَعِيْنَ فَإِنْ مَضَى الأَقَلُّ إِلَى الأَكْثَرِ فَأَقَامُوا عِنْدَهُمْ الجُمُعَةَ جَازَ، وَبِالعَكْسِ لَا يَجُوْزُ، وَإِنْ جَاءَ إِلَى أَهْلِ الأَرْبَعِيْنَ إِمَامٌ مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَقَامَ بِهِمْ الجُمُعَةَ جَازَ؛ لأَنَّهُ مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيهِ الجُمُعَةُ، فَجَازَ أَنْ يَكُوْنَ إِمَامًا لِغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ القَرْيَةِ. وَنَقَلَ ابْنُ حَمْدَانَ الحَرَّانِيُّ: (١) أَنَّ قَاضِيَ "حَرَّانَ" (٢) أَرْسَلَ سُؤَالًا إِلَى الشَّيْخِ مُوَفَّقِ الدِّيْنِ فِي وَكِيْلِ الغَائِبِ، إِذَا طَالَبَ بِدَيْنِ مُوَكِّلِهِ، فَادَّعَى المَدِيْنُ، أَنَّ مُوَكِّلَهُ قَدِ اسْتَوْفَى دَيْنَهُ، فَهَلْ لِلْقَاضِي دَفْعُ الوَكِيْلِ وَمَنْعِهِ مِنَ الاسْتِيْفَاءِ، حَتَّى يَحْلِفَ المُوَكِّلُ أَنَّهُ مَا اسْتَوْفَى وَلَا أَبْرَأَ؟ فَأَجَابَ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّيْنِ: أَنَّ الوَكِيْلَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنَ الاِسْتِيْفَاءِ مِنْ غَيْرِ يَمِيْنِ مُوَكِّلِهِ، وَعَلَّلَ بِأَنَّ المُوَكِّلَ لَوْ كَانَ حَاضِرًا مَا اسْتَحَقَّ الاِسْتِيْفَاءَ بِغَيْرِ يَمِيْنٍ، وَالوَكِيْلُ قَائِمٌ مَقَامَهُ. وَذَكَرَ ابْنُ حَمْدَانَ: أَنَّ النَّاصِحَ بنَ أَبِي الفَهْمِ (٣) أَنْكَرَ ذلِكَ، وَقَالَ: لَا خِلَافَ فِي المَذْهَبِ أَنَّ الوَكِيْلَ لَا يَمْتَنِعُ مِن الاسْتِيْفَاءِ بِذلِكَ، وَأَخْرَجَ كَلَامَ القَاضِيْ وَابْنَ عَقِيْلٍ فِي "المُجَرَّدِ" بِمَا يَقْتَضِي ذلِكَ، وَذَكَرَ عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ حَكَى فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ خِلَافًا بَيْنَهُمْ. قَالَ النَّاصِحُ: وَقَدْ ذَكَرَ المُوَفَّقُ فِي "الكَافِي": أَنَّ الدَّعْوَى علَى

стр. 1451

الغَائِبِ لَا تُسْمَعُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَدَعْوَى المَدِيْنِ الإِبْرَاءُ والاِسْتِيْفَاءُ هَهُنَا دَعْوَى بِلَا بَيِّنَةٍ عَلَى غَائِبٍ، فَكَيْفَ تُسْمَعُ؟ ثُمَّ أَرْسَلَ هَذَا إِلَى هَذَا الشَّيْخِ المُوَفَّقِ. فَأَجَابَ: أَمَّا المَسْأَلَةُ الَّتِي فِي الوَكَالَةِ: فَإِنَّمَا أَفْتَيْتُ فِيْهَا بِاجْتِهَادِي، بِنَاءً علَى مَا ذَكَرْتُ مِنَ التَّعْلِيْلِ، فَإِذَا ظَهَرَ قَوْلُ الأَصْحَابِ وَغَيْرِهِمْ بِخِلَافَةِ فَقَوْلُهُمْ أَوْلَى. وَالرُّجُوْعُ إِلَى قَوْلِهِمْ مُتَعَيِّنٌ، لكِنْ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مُخْتَلَفٌ فِيْهَا، وَأَنَّهَا مِمَّا يَسُوْغُ فِيْهِ الِاجْتِهَادُ، وَأَمَّا قَوْلِي وَقَوْلُ الفُقَهَاءِ: لَا تُسْمَعُ الدَّعْوَى لَا يُفِيْدُ شَيْئًا؛ إِذْ مَقْصُوْدُهَا القَضَاء علَى المُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِذَا خَلَتْ عَنْ بَيِّنَةً، وَلَمْ يَكُنِ المُدَّعَى عَلَيهِ حَاضِرًا، لَمْ تَفِدْ الدَّعْوَى شَيْئًا؛ إِذْ لَا يُمْكِنُ القَضَاءَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ (١)، وَلَا إِقْرَارٍ، وَلَا نُكُوْلٍ وَلَا رَدِّ يَمِيْنٍ، وَالدَّعْوَى هَهُنَا تُرَادُ لِلْمَنْعِ مِنَ القَضَاءِ عَلَيْهِ، وَذلِكَ مُمْكِنٌ مَعَ الغَيْبَةِ، وَسَمَاعِ الدَّعْوَى مُفِيْدٌ. وَمِنْ مَبَاحِثِهِ الحَسَنَةِ: نَقَلْتُ مِنْ خَطِّ بَهَاءِ الدِّيْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ المَقْدِسِيِّ: سُئِلَ شَيْخُنَا مُوَفَّقُ الدِّيْنِ عَنْ قَوْلِ الخِرَقِيِّ: وَإِنْ أَقَرَّ المَحْجُوْرُ عَلَيْهِ بِما يُوْجِبُ حَدًّا، أَوْ قِصَاصًا، أَوْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ لَزَمَهُ ذلِكَ، وَإِنْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ لَمْ يَلْزَمْهُ فِي حَالِ حَجْرِهِ. مَا الفَرْقُ بَيْنَهُمَا؟ فَقَالَ: الفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الإِقْرَارَ بِالدَّيْنِ إِقْرَارٌ بِالمَالِ، وَالمَالُ مَحْجُوْرٌ عَلَيْهِ فِيهِ، فَلَوْ قَبِلْنَا إِقْرَارَهُ فِي المَالِ أَدَّى ذلِكَ إِلَى فَوَاتِ مَصْلَحَةِ الحَجْرِ، وَهُوَ أَنَّهُ يُقِرُّ لِهَذَا بِدَيْنِ؛ وَلِهَذَا فَيَفُوْتُ عَلَيْهِ مَالُهُ، فَلَا يَلْزَمُهُ الإِقْرَاءُ فِيْهِ، وَأَمَّا الإِقْرَارُ بِالحَدِّ وَالقِصَاصِ أَوْ

стр. 1452

طَلَاقِ الزَّوْجَةِ فَإِنَّهُ إِقْرَارٌ بِشَيءٍ لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ فِيْهِ، فَلَزِمَهُ، كَمَا لِوَلَدِهِ أَنْ يُحْجَرَ عَلَيْهِ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إِذَا لَزِمَهُ الإِقْرَارُ فِي الحَدِّ وَالقِصَاصِ أَدَّى إِلَى فَوَاتِ حَقِّهِ، وَإِذَا لَزِمَهُ الإِقْرَارُ فِي المَالِ أَدَّى إِلَى فَوَاتِ حُقُوْقِ الغُرَمَاءِ؛ فَلَزِمَهُ الإِقْرَارُ علَى نَفْسِهِ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ فِيْمَا يَعُوْدُ إِلَى غَيْرِهِ. فَقِيْلَ لَهُ: عَلَى هَذَا أَنَّ الإِقْرَارَ بِالحَدِّ أَيْضًا يُؤَدِّي إِلَى فَوَاتِ حُقُوْقِ الغُرَمَاءِ فِيْمَا إِذَا كَانَ الحَاكِمُ قَدْ أَخَذَهُ لِيَقْضِيَ دَيْنَهُ، علَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُوْلُ: إِنَّهُ إِذَا كَانَ ذَا صَنْعَةٍ، فَإِنَّ الحَاكِمَ يُؤْجِرُهُ لِيَقْضِيَ بَقِيَّةَ دَيْنِهِ، وَمَعَ هَذَا فَقَدْ أَلْزَمْنَاهُ بِالإِقْرَارِ. فَقَالَ: إِنَّمَا يَفُوْتُ ضِمْنًا وَتَبَعًا، وَيَصِيْرُ كَمَا نَقُوْلُ فِي الزَّوْجَةِ: إِنَّهَا إِذَا أَقَرَّتْ بِالحَدِّ أَوِ القِصَاصِ لَزِمَهَا، وَإِنْ فَاتَ حَقُّ الزَّوْجِ. فَقِيْلَ لَهُ: فَمَا تَقُوْلُ فِي الحَامِلِ إِذَا أَقَرَّتْ بِمَا يُوْجِبُ حَدًّا أَوْ قِصَاصًا، أَلَيْسَ إِنَّهُ يَنْتَظِرُ بِهَا حَتَّى تَلِدُ؟ فَقالَ: هَهُنَا يُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقَيْنِ، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيْهِ. قُلْتُ: قَدْ يُقَالُ فِي صُوْرَةِ إيْجَارِ المُفْلِسِ لِوَفَاءِ بَقِيَّةِ دِيْنِهِ كَانَ يُمْكِنُ الجَمْعَ بَيْنَ الحَقَّيْنِ بِتَأْخِيرِ اسْتِيْفَاءِ القِصَاصِ إِلَى أَنْ يُوَفِّيَ الدَّيْنَ مِنْ كَسْبِهِ وَقَدْ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الحَامِلَ أُخِّرَتْ لِئَلَا تَزْهَقَ بِالِاسْتِيْفَاءِ مِنْهَا نَفْسٌ مَعْصُوْمَةٌ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَثْبُتَ الحَدُّ أَوِ القِصَاصُ علَيْهَا بِالإِقْرَارِ أَوِ البَيِّنَةِ، وَهَهُنَا لَوْ ثَبَتَ الحَدُّ أَوِ القِصَاصُ بِبَيِّنَةٍ لَمْ يُؤَخَّرْ إِلَى أَنْ يُوَفَّى بَقِيَّةَ الدَّيْنِ، فَكَذَا إِذَا ثَبَتَ بِالإِقْرَارِ فَإِنَّ التُّهْمَةَ فِي مِثْلِ هَذَا مُنْتَفِيَةٌ. وَمِنْ فَتَاوِيْهِ المُتَعَلِّقَةِ بِعِلْمِ الحَدِيْثِ نَقَلتُهَا مِنْ خَطِّ الحَافِظِ أَبِي مُحَمَّدٍ البِرْزَالِيِّ ﵀ سُئِلَ: هَلْ تَجُوْزُ الرِّوَايَةُ مِنْ نُسْخَةٍ غَيْرِ مُعَارِضَةٍ؟

стр. 1453

فَأَجَابَ: إِذَا كَانَ الكَاتِبُ مَعْرُوْفًا بِصِحَّةِ النَّقْلِ وَقِلَّةِ الغَلَطَ جَازَتِ الرِّوَايَةُ. وَسُئِلَ: إِذَا لَمْ يَذْكُرِ القَارِئُ الإِسْنَادَ فِي أَوَّلِ الكِتَابِ، وَذَكرَهُ فِي آخِرِهِ، وَقَالَ: أَخْبَرَكَ بِهِ فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ، وَأَقَرَّ الشَّيْخُ بِذلِكَ فَهَلْ يُجْزِيْهِ؟ فَأَجَابَ: يَجُوْزُ إِذَا قَالَ لَهُ ذلِكَ عَقِيْبَ قِرَاءَتِهِ عَلَيْهِ، وَإلَّا فَلَا. وَسُئِلَ: هَلْ يَصِحُّ السَّمَاعُ بِقِرَاءَةِ الصَّبِيِّ وَالفَاسِقِ؟ فَأَجَابَ: إِنْ كَانَ لَهُ مُقَابِلٌ صَحَّ، وإِلَّا فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ رِوَايَتِهِ. وَسُئِلَ: هَلْ يَجُوْزُ الكِتَابَةُ والمُطَالَعَةُ، أَوِ الإِغْفَاءُ يَسِيْرًا، فِي وَقْتِ السَّمَاعِ أَوْ يَجُوْزُ لِلشَّيْخِ أَنْ يَكْتُبَ وَيَقْرَأُوْنَ عَلَيْهِ؟ فَأَجَابَ: مَا رَأَيْنَا أَحَدًا يَحْتَرِزُ منْ هَذَا. وَسُئِلَ: إِذَا سَقَطَ مِنْ مَتْنِ الحَدِيْثِ حَرْفٌ، أَوْ حَرْفٌ وأَلِفٌ، هَلْ يَجُوْزُ إِثْبَاتُهَا؟ وَهَلْ يَجِبُ إِصْلَاحُ لَحْنٍ مِنْ جِهَةِ الإِعْرَابِ؟ فَأَجَابَ: يَجُوْزُ إِصْلَاحُهُ، قَالَ الأَوْزَاعِيُّ: يُصْلِحُ اللَّحْنُ وَالخَطَأَ وَالتَّحْرِيْفُ فِي الحَدِيْثِ (١).

стр. 1454

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1455

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1456

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1457

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1458

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1459

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1460

وَسُئِلَ: إِذَا وُجِدَ فِي كِتَابِهِ اسْمًا مُصَحَّفًا أَوْ كَلِمَةٍ، وَهُوَ كذلِكَ فِي سَمَاعِ شَيْخِهِ، فَهَلْ يَجُوْزُ لَهُ أَنْ يُغَيِّرَهُ فِي كِتَابِهِ علَى الصَّوَابِ؟ أَجَابَ: لَهُ تَغْيِيْرُهُ وَاللهُ أَعْلَمُ. ٣٠٣ - إبْرَاهِيْمُ بنُ المُظَفَّرِ (١) بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ البَرْنِيِّ، البَغْدَادِيُّ

стр. 1461

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1462

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1463

الحَرْبِيُّ، ثُمَّ المَوْصِلِيُّ، الوَاعِظُ المُحَدِّثُ، أَبُو إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي مَنْصُورٍ، وَيُلَقَّبُ "بُرْهَانُ الدِّيْنِ". وُلِدَ فِي ثَانِي عَشَر ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ سِتٍّ وَأَرْبَعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَكَانَتْ وِلَادَتُهُ بِـ "المَوْصِلَ" كَذَا ذَكَرَ المُنْذِرِيُّ، وَابْنُ السَّاعِي وَغَيْرِهِمَا. وَقَالَ القَطِيْعِيُّ: كَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ سِتٍّ وَأَرْبَعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ بِـ "الحَرْبِيَّةِ". كَذَا قَالَ. وَقَالَ ابْنُ نُقْطَةَ: انْتَقَلَ إِلَى "المَوْصِل" قَدِيْمًا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وُلِدَ بِـ "بَغْدَادَ" - وَهُوَ الأَشْبَهُ - فَإِنَّ أَبَاهُ بَغْدَادِيٌّ، وَلَا يُعْرَفُ أَنَّهُ سَكَنَ "المَوْصِلَ" وَقَدْ رَوَى عَنْهُ القَطِيْعِيُّ، وَقَالَ: قَالَ لِي: "البَرْنِيُّ" (١) لَقَبُ جَدِّي لأُمِّي (٢) وَأَمَّا

стр. 1464

جَدِّي لأَبِي: فَيُعْرَفُ بِـ "الجمعي"، سَمِعَ أَبُو إِسْحَقَ بِـ "بَغْدَادَ" مِنْ ابْنِ البَطِّيِّ، وَأَبِي طَاهِرٍ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بنِ المُعَمَّرِ الحُسَيْنِيُّ، وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ الرَّحْبِيِّ، وَأَبِي بَكْرٍ بنِ النَّقُّورِ، وَنَصْرِ اللهِ القَزَّازِ، وَشُهْدَةَ، وَغَيْرِهِمْ، وَتَفَقَّهَ بِهَا فِي المَذْهَبِ - لَعَلَّهُ عَلَى ابْنِ المَنِّيِّ - وَقَرَأَ الوَعْظَ عَلَى ابْنِ الجَوْزِيِّ، وَوَلِيَ مَشْيَخَةَ "دَارِ الحَدِيْثِ" الَّتِي لابنِ مُهَاجِرٍ بِـ "المَوْصِلِ"، وَحَدَّثَ بِـ "المَوْصِلِ" وَ"سِنْجَارَ" ووَعَظَ. قَالَ النَّاصِحُ ابْنُ الحَنْبَلِيِّ: كَانَ وَاعِظًا فَاضِلًا مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، لَمْ يَكُنْ بِـ "المَوْصِلِ" أَعْرَفُ بِالحَدِيْثِ وَالوَعْظِ مِنْهُ. وَقَالَ المُنْذِرِيُّ: كَانَ فَاضِلًا، مُتَدَيِّنًا، وَلَنَا مِنْهُ إِجَازَةٌ. وَقَالَ ابْنُ السَّاعِي: شَيْخٌ خَيِّرٌ، قَدِمَ "بَغْدَادَ" مِرَارًا، وَأَنْشَدَنِي قِطَعًا مِن الشِّعْرِ. أَنْشَدَنِي فِي التَّوَاضُعِ إِمْلَاءً مِنْ حِفْظِهِ (١): كَمْ جَاهِلٍ مُتَواضِعٍ … سَتَرَ التَّوَاضُعَ جَهْلَهُ وَمُمَيَّزٍ فِي عِلْمهِ … هَدَمَ التَّكَبُّرُ فَضْلَهُ فَالكِبْرُ عَيْبٌ لِلْفَتَى … أَبَدًا يُقبِّحُ فِعْلَهُ قَالَ: وَأَنْشَدَنِي أَيْضًا: مَا هَذهِ الدُّنْيَا بِدَارِ مَسَرَّةٍ … فَتَخَوَّفَنْ مَكْرًا لَهَا وَخِدَاعَا

стр. 1465

بَيْنَا الفَتَى فِيْهَا يُسَرُّ بِنَفْسِهِ … وَبِمَالِهِ يَسْتَمْتِعُ اسْتِمْتَاعَا حَتَّى سَقَتْهُ مِنَ المَنِيَّةِ شَرْبَةً … لَا يَسْتَطِيعُ لِمَا عَرَاهُ دِفَاعَا لَوْ كَانَ يَنْطِقُ قَالَ مِنْ تَحتِ الثَّرَى … فَلْيُحْسِنِ العَمَلَ الفَتَى مَا اسْطَاعَا وَقَالَ ابْنُ نُقْطَةَ: سَمِعْتُ مِنْهُ بِـ "المَوْصِلِ" فِي القَدْمَةِ الثَّانِيَةِ إِلَيْهَا، وَكَانَ فِيْهِ تَسَاهُلٌ فِي الرِّوَايَةِ، يُحَدِّثُ مِنْ غَيْرِ أُصُوْلٍ. وَذَكَرَ ابْنُ القَطِيعِيِّ: أَنَّهُ رَوَى بِـ "المَوْصِلِ" "اعْتِلَالَ القُلُوْبِ" لِلْخَرَائِطِيِّ (١) عَنْ نَصْرِ اللهِ القَزَّازِ بِسَمَاعِهِ مِنِ ابْنِ العَلَّافِ، قَالَ: فَقُلْتُ: لَقَدْ حَرِصْنَا بِـ "بَغْدَادَ" عَلَى أَنْ نَجِدَ لَهُ أَصْلَ سَمَاعِ مِنْ ابْنِ العَلَّافِ فَلَمْ نَجِدْ، فَقَالَ: عَبْدُ المُغِيْثِ وَابْنُ شَافِعٍ ذَكَرَا لِي أنَّ هَذَا الكِتَابَ سَمَاعُهُ مِنْهُ، قَالَ: فَطَلَبْتُ مِنْهُ مَنْ سَمِعَ ذلِكَ مَعَهُ مِنهُمَا؟ فَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ فِي الطَّبَقَةِ مَشْهُوْرٌ بِالطَّلَبِ، ثُمَّ بَعْدَ أَيَّامٍ رَأَيْتُ ابْنَ القَزَّازِ فِي المَنَامِ، فَقَالَ لِي: اشْتَهَيْتُ أَنَّ كُلَّ نُسْخَةٍ بِهَذَا الكِتَابِ تُرْوَى عَنِّي أُحْرِقُهَا. قُلْتُ: المُتَأَخِّرُوْنَ يَتَسَاهَلُوْنَ فِي هَذَا البَابِ كَثِيْرًا، وَيَسْمَعُوْنَ مِنْ غَيرِ أُصُوْلٍ، وَيْكَتَفُوْنَ بِقَوْلِ بَعْضِ النَّاسِ: إِنَّ هَذَا الكِتَابَ سَمَاعُ فُلَانٍ، فَيَقْرَأُونَهُ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ هَذَا عِنْدَهُمْ مُنْكَرًا. وَقَدْ أَجَازَ ابْنُ البَرْنِيِّ لِعَبْدِ الصَّمَدِ بنِ أَبِي الجَيْشِ.

стр. 1466

وَتُوُفِّيَ فِي غُرَّةِ مُحَرَّمٍ سَنَةَ اثْنَتَينِ وَعِشْرِيْنَ وَسِتِّمَائَةَ بِـ "المَوْصِلِ" وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ المُعَافَى بنِ عِمْرَانَ ﵁ وَقَالَ ابنُ السَّاعِي: تُوُفِّيَ ثَانِي المُحَرَّمِ. ٣٠٤ - محَمَّد بْن الخَضِرِ (١) بْنِ مُحَمَّدِ بنِ الخَضِرِ بنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللهِ بنِ

стр. 1467

تَيْمِيَّةَ الحَرَّانِيُّ، الفَقِيْهُ، المُفَسِّرُ، الخَطِيْبُ، الوَاعِظُ، فَخْرُ الدِّيْنِ، أَبُو عَبْدِ اللهِ بْنُ أَبِي القَاسِمِ، شَيْخُ "حَرَّانَ"، وَخَطِيْبُهَا. وُلِدَ فِي أَوَاخِرِ شَعْبَانَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، بِـ "حَرَّانَ"، وَقَرَأَ القُرْآنَ عَلَى وَالِدِهِ وَلَهُ عَشْرُ سِنِيْنَ، وَكَانَ وَالِدُهُ زَاهِدًا، يُعَدُّ مِنَ الأَبْدَالِ. وَشَرَعَ فِي الاِشْتِغَالِ بِالعِلْمِ مِنْ صِغَرِهِ، وَتَرَدَّدَ إِلَى أَبِي الكَرَمِ فِتْيَانَ ابْنِ مَيَّاحٍ (١)، وَأَبِي الحَسَنِ بْنِ عَبْدُوْسٍ (٢)، وَغَيْرِهِمَا، ثُمَّ ارْتَحَل إِلَى "بَغْدَادَ" وَسَمِعَ بِهَا الحَدِيْثَ مِنَ المُبَارَكِ بْنِ خُضَيْرٍ، وَأَبي الفَتْحِ بنِ البَطِّيِّ، وَسَعْدِ اللهِ بْنِ الدَّجَاجِيِّ (٣)، وَيَحْيَى بْنِ ثَابِتٍ بنِ بُنْدَارٍ، وَأَبِي بَكْرِ بنِ النَّقُوْرِ، وَأَبِي الفَضْلِ بْنِ شَافِعٍ، وَعَلِيِّ بْنِ عَسَاكِرٍ البَطَائِحِيِّ، وَأَبِي الحُسَيْنِ اليُوْسُفِيِّ، وَأَخِيْهِ أَبِي نَصْرٍ، وَأَبِي الفَتْحِ بْنِ شَاتِيْلَ، وَشُهْدَةُ، وَغَيْرِهِمْ، وَسَمِعَ أَيْضًا بِـ "حَرَّانَ"

стр. 1468

مِنْ أَبِي النَّجِيْبِ السَّهْرَوَرْدِيِّ، وَأَبِي الفَتْحِ أَحْمَدَ بنِ أَبِي (١) الوَفَاءِ، وَأَبِي الفَضْلِ حَامِدِ بْنِ أَبِي الحَجَرِ. وَتَفَقَّهَ بِـ "بَغْدَادَ" عَلَى أَبِي الفَتْحِ بنِ المَنِّيِّ، وَأَبِي العَبَّاسِ بْنِ بَكْرُوْسٍ، وَبِـ "حَرَّانَ" عَلَى أَحْمَدَ بنِ أَبي الوَفَاءِ، وَحَامِدِ بْنِ أَبِي الحَجَرِ، وَأَخَذَ عَنْهُ التَّفْسِيْرَ أَيْضًا، وَلَازَمَ أَبَا الفَرَجِ بْنَ الجَوْزِيِّ بِـ "بَغْدَادَ"، وَسَمِعَ مِنْهُ كَثِيْرًا (٢) مِنْ مُصَنَّفَاتِهِ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ كِتَابَهُ "زَادَ المَسِيْرِ فِي التَّفْسِيْرِ" قِرَاءَةَ بَحْثٍ وَفَهْمٍ، وَقَرَأَ الأَدَبَ عَلَى أَبِي مُحَمَّدِ بنِ الخَشَّابِ، وَبَرَعَ فِي الفِقْهِ وَالتَّفْسِيْرِ وَغَيْرهِمَا، وَرَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ، وَجَدَّ فِي الاشْتِغَالِ وَالبَحْثِ، ثُمَّ أَخَذَ فِي التَّدْرِيْسِ وَالوَعْظِ وَالتَّصنِيْفِ، وَشَرَعَ فِي إِلْقَاءِ التَّفْسِيْرِ بُكْرَةَ كُلِّ يَوْمٍ بِجَامِعِ "حَرَّانَ" فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَثَمَانِيْنَ، وَوَاظَبَ علَى ذلِكَ حَتَّى قَرَأَ القُرْآنَ الكَرِيْمَ خَمْسَ مَرَّاتٍ، انْتَهَى آخِرُهَا إِلَى سَنَةِ عَشْرٍ وَسِتِّمَائَةَ، فَكَانَ مَجْمُوْعُ ذلِكَ فِي ثَلَاثٍ وَعِشْرِيْنَ سَنَةً، ذَكَرَ ذلِك فِي أَوَّلِ "تَفْسِيْرِهِ" الَّذِي صَنَّفَهُ. وَكَانَ الشَّيْخُ فَخْرُ الدِّيْنِ رَجُلًا صَالِحًا، يُذْكَرُ لَهُ كَرَامَاتٌ وَخَوَارِقٌ، وَوَلِيَ الخَطَابَةَ وَالإِمَامَةَ بِجَامِعِ "حَرَّانَ" وَالتَّدْرِيْسِ بِالمَدْرَسَةِ النُّوْرِيَّةِ بِهَا، وَبَنَى هُوَ مَدْرَسَةً بِـ "حَرَّانَ" أَيْضًا. قَالَ النَّاصِحُ ابْنُ الحَنْبَلِيِّ: انْتَهَتْ إِلَيْهِ رِئَاسَةِ "حَرَّانَ" وَلَهُ خُطْبَةُ الجُمُعَةِ، وَإِمَامَةُ الجَامِعِ، وَتَدْرِيْسِ المَدْرَسَةِ النُّوْرِيَّةِ، وَهُوَ وَاعِظُ البَلَدِ، وَلَهُ القُبُوْلُ مِنْ عَوَّامِ البَلَدِ، وَالوَجَاهَةُ عِنْدَ مُلُوكِهَا، وَكَانَ فِي مُلَازَمَتِهِ التَّفْسِيْرَ وَالوَعْظَ مَعَ

стр. 1469

الطَّرِيْقَةِ الظَّاهِرَةِ الصَّلَاحِ. وَذَكَرَهُ ابنُ خَلِّكَانَ فِي "تَارِيْخِهِ" (١) وَقَالَ: ذَكَرَهُ مَحَاسِنُ بنُ سَلَامَةَ الحَرَّانِيُّ (٢) فِي "تَارِيْخِ حَرَّانَ"، وَابْنُ المُسْتَوْفَى فِي "تَارِيخِ إِرْبِلَ" فَقَالَ: لَهُ القَبُوْلُ التَّامُّ عِنْدَ الخَاصِّ وَالعَامِّ، وَكَانَ بَارِعًا فِي تَفْسِيْرِ القُرْآنِ، وَجَمِيْعِ العُلُوْم، لَهُ فِيْهَا يَدٌ بَيْضَاءُ. وَقَالَ ابْنُ نُقْطَةَ: شَيْخٌ، ثِقَةٌ، فَاضِلٌ، صَحِيْحُ السَّمَاعِ، مُكْثِرٌ، سَمِعْتُ مِنْهُ بِـ "حَرَّانَ" فِي المَرَّتَيْنِ. وَقَالَ ابْنُ النَّجَّارِ: سَمِعْتُ مِنْهُ بِـ "بَغْدَادَ" وَ"حَرَّانَ" وَكَانَ شَيْخًا فَاضِلًا، حَسَنَ الأَخْلَاقِ، مُتَوَدِّدًا، صَدُوْقًا، مُتَدَيِّنًا. وَقَالَ ابْنُ السَّاعِي: هُوَ مَوْصُوْفٌ بِالفَضْلِ وَالدِّيْنِ. وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ الفَقِيْهُ: كَانَ شَيْخَ "حَرَّانَ"، وَمُدَرِّسَهَا، وَخَطِيبَهَا وَمُفَسِّرَهَا مُغْرًى بِالوَعْظِ وَالتَّفْسِيْرِ، مُوَاظِبًا عَلَيْهِمَا. وَقَالَ المُنْذِرِيُّ: كَانَ عَارِفًا بِالتَّفْسِيْرِ، وَلَهُ خُطَبٌ مَشْهُوْرَةٌ، وَشِعْرٌ،

стр. 1470

وَمُخْتَصَرٌ فِي الفِقْهِ، وَكَانَ مُقَدَّمًا فِي بَلَدِهِ، وَتَوَلَّى الخَطَابَةَ بِهَا، وَدَرَّسَ بِهَا وَوَعَظَ، وَحَدَّثَ بِـ "بَغْدَادَ" "وَحَرَّانَ"، وَلَنَا مِنْهُ إِجَازَةٌ، وَكَانَ الشَّيْخُ فَخْرُ الدِّيْنِ قَدْ وَعَظَ بِـ "بَغْدَادَ" فِي مُدَّةِ اشْتِغَالِهِ بِهَا بِرِبَاطِ ابنِ النَّعَّالِ (١)، ثُمَّ حَجَّ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّمَائَةَ، وَكَتَبَ مَعَهُ مُظَفَّرُ الدِّيْنِ صَاحِبُ "إِرْبِلَ" كِتَابًا إِلَى الخَلِيْفَةِ النَّاصِرِ بِالوَصِيَّةِ بِهِ، فَلَمَّا رَجَعَ مِنْ "مَكَّةَ" إِلَى "بَغْدَادَ" سَأَلَ الجُلُوْسَ بِـ "بَابِ بَدْرٍ" فَأُجِيْبَ إِلَى ذلِكَ، وَتُقُدِّمَ إِلَى مُحْيِي الدِّيْنِ يُوْسُفَ بْنِ الجَوْزِيِّ بِالحُضُوْرِ، وَكَانَ يَعِظُ بِذلِكَ المَكَانِ مَوْضِعَ أَبِيْهِ، فَحَضَرَ، وَقَعَدَ علَى دَكَّةِ المُحْتَسِبِ بِـ "بَابِ بَدْرٍ" وَحَضَرَ خَلْقٌ كَثِيْرٌ، وَوَعَظَ الشَّيْخُ فَخْرُ الدِّيْنِ، وَأَنْشَدَ فِي أَثْنَاءِ المَجْلِسِ: وَابْنُ اللَّبُوْنِ إِذَا مَا لَزَّ فِي قَرْنٍ … لَمْ يَسْتَطِعْ صَوْلَةَ البُزْلِ القَنَاعِيْسِ (٢) وَقَالَ النَّاسُ: مَا قَصَدَ إِلَّا مُحْيِي الدِّيْنِ، لأَنَّهُ كَانَ شَابًّا، وَابْنُ تَيْمِيَّةَ شَيْخٌ. وَلِلْشَيْخِ فَخْرُ الدِّيْنِ تَصَانِيْفٌ كَثِيْرَةٌ، مِنهَا "التَفْسِيْرُ الكَبِيْرُ" فِي مُجَلَّدَاتٍ كَثِيْرَةٍ،

стр. 1471

وهُوَ تَفْسِيْرٌ حَسَنٌ جِدًّا (١)، وَمِنْهَا ثَلَاثُ مُصنَّفَاتٌ فِي المَذْهَبِ، علَى طَرِيْقَةِ "البَسِيْطِ" وَ"الوَسِيْطِ" وَ"الوَجِيْزُ" لِلغَزَالِيِّ، أَكبَرُهَا "تَخْلِيْصُ المَطْلَبِ فِي تَلْخِيْصِ المَذْهَبِ" وَأَوْسَطُهَا "تَرْغِيْبِ القَاصِدِ فِي تَقْرِيْبِ المَقَاصِدِ" وَأَصْغَرُهَا "بُلْغَةُ السَّاغِبِ وَبُغْيَةُ الرَّاغِبِ" (٢) وَلَهُ "شَرْحُ الهِدَايَةِ" لأَبِي الخَطَّابِ وَلَمْ يُتِمَّهُ، وَلَهُ "دِيْوَانُ الخُطَبِ الجُمْعِيَّةِ" وَهُوَ مَشْهُورٌ، وَمُصَنَّفَاتٌ فِي الوَعْظِ، وَ"المُوْضِحُ" فِي الفَرَائِضِ، وَكَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّيْخِ مُوَفَّقِ الدِّيْنِ مُرَاسَلَاتٌ وَمُكَاتَبَاتٌ. وَأَرْسَلَ الشَّيْخُ الفَخْرُ مَرَّةً يَسْأَلُ الشَّيْخَ المُوَفَّقَ عَمَّا ذَكَرَهُ فِي كُتُبِهِ مِنْ مَسْأَلَةِ حَصْرِ جِهَاتِ ذوِي الأَرْحَامِ، وَمَا يَلْزَمُ قَوْلِ أَبِي الخَطَّابِ مِنَ الفَسَادِ. وَوَقَعَ بَيْنَ الشَّيْخَيْنِ أَيْضًا تَنَازُعٌ فِي مَسْأَلَةِ تَخْلِيْدِ أَهْلِ البِدَعِ المَحْكُوْمِ بِكُفْرِهِمْ فِي النَّارِ، وَكَانَ الشَّيْخُ المُوَفَّقِ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِمْ الخُلُوْدُ، فَأَنْكَرَ ذلِكَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ الفَخْرُ وَقَالَ: إِنَّ كَلَامَ الأَصْحَابِ مُخَالِفٌ لِذلِكَ، وَأَرْسَلَ يَقُوْلُ لِلْشَّيْخِ مُوَفَّقِ الدِّيْنِ: "انْظُرْ كَيْفَ تَسْتَدْرِكُ هَذِهِ الهَفْوَةِ؟ " فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّيْنِ كِتَابًا، أَوَّلُهُ: أَخُوْهُ فِي اللهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ يُسَلِّمُ علَى أَخِيْهِ الإِمَامِ الكَبِيْرِ فَخْرِ الدِّيْنِ جَمَالِ الإِسْلَامِ، نَاصِرِ السُّنَّةِ، أَكْرَمَهُ اللهُ بِمَا أَكْرَمَ بِهِ أَوْلِيَاءَهُ، وَأَجْزَلَ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ عَطَاءَهُ، وَبلَّغَهُ أَمَلَهُ وَرَجَاءَهُ، وَأَطَالَ فِي طَاعَةِ اللهِ بَقَاءَهُ إِلَى أَنْ قَالَ:

стр. 1472

إِنَّنِي لَمْ أَنْهَ عَنِ القَوْلِ بِالتَّخْلِيْدِ نَافِيًا لَهُ، وَلَا عِبْتُ القَوْلَ بِهِ مُنْتَصِرًا لِضِدِّهِ، وإنَّمَا نَهَيْتُ عَنِ الكَلَامِ فِيْهَا مِنَ الجَانِبَيْنِ إِثَبَاتًا أَوْ نَفْيًا؛ كَفًّا لِلْفِتْنَةِ بِالخِصَامِ فِيْهَا، وَاتِّبَاعًا لِلْسُنَّةِ فِي السُّكُوْتِ عَنْهَا، إِذْ كَانَتْ هَذِهِ المَسْأَلَةِ مِنْ جُمْلَةِ المُحْدَثَاتِ، وَأَشَرْتَ علَيَّ مِنْ قِبَلِ نَصِيْحَتِي بِالسُّكُوْتِ عمَّا سَكَتَ عَنْهُ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ وصَحَابَتُهُ، وَالأَئِمَّةُ المُقْتَدَى بِهِمْ مِنْ بَعْدِهِ. إِلَى أَنْ قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُهُ - وَفَّقَهُ اللهُ - "إِنِّي كُنْتُ مَسْأَلة إِجْمَاعٍ، فَصِرْتُ مَسألَة خِلَافٍ"، فَإِنَّنِي إِذَا كُنْتُ مَعَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ في حِزْبِهِ، مُتَّبِعًا لِسُنَّةِ، مَا أُبَالِي مَنْ خَالَفَنِي، وَلَا مَنْ خَالَفَ فِيَّ، وَلَا أَسْتَوْحِشُ لِفِرَاقِ مَنْ فَارَقَنِي، وإِنِّي لَمُعْتَقِدٌ أَنَّ الخَلْقَ كُلَّهُمْ لَوْ خَالَفُوا السُّنَّةَ وَتَرَكُوْهَا، وَعادَوْنِي مِنْ أَجْلِهَا، لَمَا ازْدَدْتُ لَهَا إِلَّا لُزُوْمًا، وَلَا بِهَا إِلَّا اغْتِبَاطًا، إِنْ وَفَّقَنِي اللهُ لِذلِكَ، فَإِنَّ الأُمُوْرَ كُلَّهَا بِيَدَيْهِ، وَقُلُوْبُ العِبَادِ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: "إِنَّ هَذِهِ المَسْأَلَةِ مِمَّا لَا تَخْفَى" فَقَدْ صَدَقَ وَبَرَّ، مَا هِيَ - بِحَمْدِ اللهِ - عِنْدِي خَفِيَّةٌ، بَلْ هِيَ مُنْجَلِيَةٌ مُضِيَّةٌ، وَلكِنْ إِنْ ظَهَرَ عِنْدَهُ - بِسَعَادَتهِ - تَصْوِيْبُ الكَلَامِ فِيْهَا، تَقْلِيْدًا لِلْشَّيْخِ أَبِي الفَرَجِ، وَابْنِ الزَّاغُونِيِّ فَقَدْ تَيَقَّنْتُ تَصْوِيْبَ السُّكُوْتِ عَنِ الكَلَامِ فِيْهَا، اتِّبَاعًا لِسَيِّدِ المُرْسَلِيْنَ، وَمَنْ هُوَ حُجَّةٌ عَلَى الخَلْقِ أَجْمَعِيْنَ، ثُمَّ لِخُلَفَائِهِ الرَّاشِدِيْنَ، وَسَائِرِ الصَّحَابَةِ وَالأَئِمَّةِ المَرْضِيِّيْنَ، لَا أُبَالِي مَنْ لَامَنِي فِي اتِّبَاعِهِمْ، وَلَا مَنْ فَارَقَنِي فِي وِفَاقِهِمْ، فَأَنَا كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: (١)

стр. 1473

أَجِدُ المَلَامَةَ فِي هَوَاكِ لَذِيْذَةً … حُبًّا لِذِكْرِكِ فَلْيَلُمْنِي اللُّوَّمُ فَمَنْ وَافَقَنِي عَلَى مُتَابَعَتِهِمْ، وَأَجَابَنَي إِلَى مُرَافَقَتِهِمْ وَمُوافَقَتِهِمْ فَهُوَ رَفِيْقِي وَحَبِيْبِي وَصَدِيْقِي، وَمَنْ خَالَفَنِي فِي ذلِكَ فَلْيَذْهَبْ حَيْثُ شَاءَ، فَإِنَّ السُّبُلَ كَثِيْرَةٌ، وَلكِنْ لَا حَظِرَةٌ [وَلَا خَطِرَةٌ] (١) وَقَوْلُهُ - بِسَعَادَتِهِ -: "إِنَّ تَعَلُّقَهُ بِأَنَّ لَفْظَ (التَّخْلِيْد) لَمْ تَرِدْ لَيْسَ بِشَيءٍ". فَأَقُوْلُ: لَكِنِّي عِنْدِي أَنَا هُوَ الشَّيْءُ الكَبِيْرُ، وَالأَمْرُ الجَلِيْلُ الخَطِيْرُ، فَأَنَا أُوَافِقُ أَئِمَّتِي فِي سُكُوْتِهِمْ، كُمُوَافَقَتِي لَهُمْ فِي كَلَامِهِمْ، أَقُوْلُ إِذَا قَالُوا، وَأَسْكُتُ إِذَا سَكَتُوا، وَأَسِيْرُ إِذَا سَارُوا، وَأَقِفُ إِذَا وَقَفُوا، وَأَحْتَذِي طَرِيْقَهُمْ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِمْ جَهْدِي، وَلَا أَنْفَرِدُ عَنْهُمْ خِيْفَةَ الضَّيْعَةِ إِنْ سِرْتُ وَحْدِي، فَأَمَّا قَوْلُهُ: "إِنَّ كُتُبَ الأَصْحَابِ القَدِيْمَةَ وَالحَدِيْثَةَ فِيْهَا القَوْلُ بِتَكْفِيْرِ القَائِلِ بِخَلْقِ القُرْآنِ": فَهَذَا مُتَضَمِّنٌ أَنَّ قَوْلَ الأَصْحَابِ هُوَ الحُجَّةُ القَاطِعَةُ، وَهَذَا عَجَبٌ، أَتُرَى لَوْ أَجْمَعَ الأَصْحَابُ عَلَى مَسْأَلَةٍ فُرُوْعِيَّةِ، أَكَانَ ذلِكَ حُجَّةً يُقْتَنَعُ بِهَا، وَيُكْتَفَى بِذِكْرِهَا؟ فَإِنْ كَانَ فَخْرُ الدِّيْنِ يَرَى هَذَا فَمَا يَحْتَاجُ فِي تَصْنِيْفِهِ إِلَى ذِكْرِ دَلِيْلٍ سِوَى قَوْلِ الأَصْحَابِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَرَى ذلِكَ حُجَّةً فِي الفُرُوْعِ، فَكَيْفَ جَعَلَهُ حُجَّةً فِي الأُصُوْلِ؟ وَهَبْ أَنَّا عَذَرْنَا العَامَّةَ فِي تَقْلِيْدِهِمْ الشَّيْخَ أَبَا الفَرَجِ وَغَيْرَهُ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ فِي دَلِيْلٍ، فَكَيْفَ يُعْذَرُ مَن هُوَ إِمَامٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي أَنْوَاعِ العُلُوْمِ؟ ثُمَّ إِنْ سَلَّمْنَا مَا قَالَ، فَلَا شَكَّ أَنَّهُ مَا اطَّلَعَ علَى جَمِيعِ تَصَانِيْفِ الأَصْحَابِ، ثُمَّ إِنْ ثَبَتَ أَنَّ جَمِيْعَهُمُ اتَّفَقُوا

стр. 1474

علَى تَكْفِيْرِهِمْ، فَهُوَ مُعَارِضٌ بِقَوْلِ مَنْ لَمْ يُكَفِّرْهُمْ، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ وَأَصْحَابَهُ لَا يَرَوْنَ تَكْفِيْرَهُمْ إِلَّا أَبَا حَامِدٍ (١). فَبِمَ يَثْبُتُ التَّرْجِيْحُ (٢) ثُمَّ إِنِ اتَّفَقَ الكُلُّ عَلَى تَكْفِيْرِهِمْ، فَلَيْسَ التَّخْلِيْدُ مِنْ لَوَازِمِهِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قدْ أَطْلَقَ التَّكفِيْرَ فِي مَوَاضِعَ لَا تَخْلِيْدَ فِيْهَا، وَذَكَرَ حَدِيْثَ (٣) "سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوْقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ" وَغَيْرُهُ مِنَ الأَحَادِيْثِ، وَقَالَ: قَالَ أَبُو نَصْرٍ السِّجْزِيُّ (٤): اخْتَلَفَ القَائِلُوْنَ بِتَكْفِيْرِ القَائِلِ بِخَلْقِ القُرآنِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كُفْرٌ يَنْقُلُ عَنِ المِلَّةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كُفْرٌ لَا يَنْقُلُ عَنِ المِلَّةِ، ثُمَّ إِنَّ الإِمَامَ أَحْمَدَ الَّذِي هُوَ مِنْ (٥) أَشَدِّ النَّاسِ عَلَى أَهْلِ البِدَعِ - قَدْ كَانَ يَقُوْلُ لِلْمُعْتَصِمِ: يَا أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ، وَيرَى طَاعَةَ الخُلفَاءِ الدَّاعِيْنَ إِلَى القَوْلِ بِخَلْقِ القُرْآنِ، وَصَلَاةَ الجُمَعِ وَالأَعْيَادِ خَلْفَهُمْ وَلَوْ سَمِعَ الإِمَامُ أَحْمَدُ مَنْ يَقُوْلُ هَذَا القَوْلَ، الَّذِي لَمْ يَرِدْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَا عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ: لأَنْكَرَهُ أَشَدَّ الإِنْكَارِ، فَقَدْ كَانَ يُنْكِرُ أَقَلَّ مِنْ هَذَا،

стр. 1475

ثُمَّ إِنْ عَلِمْتُمْ أَنْتُمْ هَذَا، أَفَيَحِلُّ لِي وَلِمِثْلِي مِمَّنْ لَمْ يَعْلَمْ صِحَّةَ هَذَا القَوْلِ أَنْ يَقُوْلَ بِهِ؟ وَهَلْ فَرَضَ الجَاهِل بِشَيءٍ إِلَّا السُّكُوْتُ عَنْهُ؟ فَأَنَا مَا أَنْكَرْتُ هَذَا إِلَّا عَلَى الجَاهِلِ بِهِ. أَمَّا مَنْ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى الأَسْرَارِ، وَعَلِمَ مَا يَفْعَلُهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى جَلِيَّتِهِ فَمَا أَنْكَرْتُ عَلَيْهِ. وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْمُرَنِي أَنْ أَقُوْلَ بِمَقَالَتِي مَعَ جَهْلِي بِمَا قَدْ عَلِمَهُ، لكِنْ إِذَا اعْتَقَدْتُمْ هَذَا، فَيَنْبَغِي أَنْ يَظْهَرَ عَلَيْكُمْ آثَارُ العَمَلِ بِهِ فِي تَرْكِ مُصَادَقَتِهِمْ، وَمُوَادَّتِهمْ وَزِيَارَتِهِمْ، وَأَنْ لَا تَعْتَقِدُوا صِحَّةَ وِلَايَتِهِمْ، وَلَا قَبُوْلَ كِتَابِ حَاكِمٍ مِنْ حُكَّامِهِمْ، وَلَا مَنْ وَلَّاهُ أَحَدٌ مِنهُمْ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُوْنَ أَنَّ قَاضِيْكُمْ إِنَّمَا وِلَايَتُهُ مِنْ قِبَلِ أَحَدِ دُعَاتِهِمْ. وَأَمَّا قَوْلُكَ - بِسَعَادَتِكَ -: "أُنْظُرْ كَيْفَ تَتَلَافَى هَذِهِ الهَفْوَةَ، وَتُزِيْلُ تَكْدِيْرَ الصَّفْوَةِ" فَإِنْ قَنِع مِنِّي بِالسُّكُوْتِ فَهُوَ مَذْهَبِي وَسَبِيْلِي، وَعَلَيْهِ تَعْوِيْلِي. وَقَدْ ذَكَرْتُ عَلَيْهِ دَلِيْلِي، وإِنْ لَمْ يَرْضَ مِنِّي إِلَّا أَنْ أَقُولَ مَا لَا أَعْلَمُ، وَأَسْلُكَ السَّبِيْلَ الَّذِي غَيْرُهُ أَسَدُّ وَأَسْلَمُ، وَأَخْلَعَ عِذَارِي فِي سُلُوْكِ مَا فِيهِ عِثَارِي، وَيُسْخِطُ علَيَّ البَارِي، فَفِي هَذَا التَّلَافِي تَلَافِي، وَتَكْدِيْرِ صَافِي أَوْ صَافِي، لَا يَرْضَاهُ لِي الأَخُ المُصَافِي، وَلَا مَنْ يُرِيْدُ إِنْصَافِي، وَلَا مَنْ سَعَى فِي إِسْعَافِي، وَمَا أُتَابِعُهُ وَلَوْ أَنَّهُ بِشْرٌ الحَافِي. إِلَى أَنْ قَالَ: وَاعْلَمْ أَيُّهَا الأَخُ النَّاصِحُ أَنَّكَ قَادِمٌ عَلَى رَبِّكَ، وَمَسْئُولٌ عَنْ مَقَالَتِكَ هَذِهِ، فَانْظُرْ مَنِ السَّائِلَ، وَانْظُرْ مَا أَنْتَ لَهُ قَائِلٌ، فَأَعِدَّ لِلْمَسْأَلَةِ جَوَابًا، وَادَّرِعْ لِلاعْتِذَارِ جِلْبَابًا، وَلَا تَظُنُّ أَنَّهُ يَقْنَعُ مِنْكَ فِي الجَوَابِ بِتَقْلِيْدِ بَعْضِ الأَصْحَابِ، وَلَا يُخَلِّصُكَ الاِعْتِذَارُ بِأَنَّ
следующие страницы →