← Тараджим

Тараджим · id 31366

ذيل طبقات الحنابلة - لابن رجب - ت العثيمين

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (2 431 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

وهُوَ تَفْسِيْرٌ حَسَنٌ جِدًّا (١)، وَمِنْهَا ثَلَاثُ مُصنَّفَاتٌ فِي المَذْهَبِ، علَى طَرِيْقَةِ "البَسِيْطِ" وَ"الوَسِيْطِ" وَ"الوَجِيْزُ" لِلغَزَالِيِّ، أَكبَرُهَا "تَخْلِيْصُ المَطْلَبِ فِي تَلْخِيْصِ المَذْهَبِ" وَأَوْسَطُهَا "تَرْغِيْبِ القَاصِدِ فِي تَقْرِيْبِ المَقَاصِدِ" وَأَصْغَرُهَا "بُلْغَةُ السَّاغِبِ وَبُغْيَةُ الرَّاغِبِ" (٢) وَلَهُ "شَرْحُ الهِدَايَةِ" لأَبِي الخَطَّابِ وَلَمْ يُتِمَّهُ، وَلَهُ "دِيْوَانُ الخُطَبِ الجُمْعِيَّةِ" وَهُوَ مَشْهُورٌ، وَمُصَنَّفَاتٌ فِي الوَعْظِ، وَ"المُوْضِحُ" فِي الفَرَائِضِ، وَكَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّيْخِ مُوَفَّقِ الدِّيْنِ مُرَاسَلَاتٌ وَمُكَاتَبَاتٌ. وَأَرْسَلَ الشَّيْخُ الفَخْرُ مَرَّةً يَسْأَلُ الشَّيْخَ المُوَفَّقَ عَمَّا ذَكَرَهُ فِي كُتُبِهِ مِنْ مَسْأَلَةِ حَصْرِ جِهَاتِ ذوِي الأَرْحَامِ، وَمَا يَلْزَمُ قَوْلِ أَبِي الخَطَّابِ مِنَ الفَسَادِ. وَوَقَعَ بَيْنَ الشَّيْخَيْنِ أَيْضًا تَنَازُعٌ فِي مَسْأَلَةِ تَخْلِيْدِ أَهْلِ البِدَعِ المَحْكُوْمِ بِكُفْرِهِمْ فِي النَّارِ، وَكَانَ الشَّيْخُ المُوَفَّقِ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِمْ الخُلُوْدُ، فَأَنْكَرَ ذلِكَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ الفَخْرُ وَقَالَ: إِنَّ كَلَامَ الأَصْحَابِ مُخَالِفٌ لِذلِكَ، وَأَرْسَلَ يَقُوْلُ لِلْشَّيْخِ مُوَفَّقِ الدِّيْنِ: "انْظُرْ كَيْفَ تَسْتَدْرِكُ هَذِهِ الهَفْوَةِ؟ " فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّيْنِ كِتَابًا، أَوَّلُهُ: أَخُوْهُ فِي اللهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ يُسَلِّمُ علَى أَخِيْهِ الإِمَامِ الكَبِيْرِ فَخْرِ الدِّيْنِ جَمَالِ الإِسْلَامِ، نَاصِرِ السُّنَّةِ، أَكْرَمَهُ اللهُ بِمَا أَكْرَمَ بِهِ أَوْلِيَاءَهُ، وَأَجْزَلَ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ عَطَاءَهُ، وَبلَّغَهُ أَمَلَهُ وَرَجَاءَهُ، وَأَطَالَ فِي طَاعَةِ اللهِ بَقَاءَهُ إِلَى أَنْ قَالَ:

стр. 1472

إِنَّنِي لَمْ أَنْهَ عَنِ القَوْلِ بِالتَّخْلِيْدِ نَافِيًا لَهُ، وَلَا عِبْتُ القَوْلَ بِهِ مُنْتَصِرًا لِضِدِّهِ، وإنَّمَا نَهَيْتُ عَنِ الكَلَامِ فِيْهَا مِنَ الجَانِبَيْنِ إِثَبَاتًا أَوْ نَفْيًا؛ كَفًّا لِلْفِتْنَةِ بِالخِصَامِ فِيْهَا، وَاتِّبَاعًا لِلْسُنَّةِ فِي السُّكُوْتِ عَنْهَا، إِذْ كَانَتْ هَذِهِ المَسْأَلَةِ مِنْ جُمْلَةِ المُحْدَثَاتِ، وَأَشَرْتَ علَيَّ مِنْ قِبَلِ نَصِيْحَتِي بِالسُّكُوْتِ عمَّا سَكَتَ عَنْهُ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ وصَحَابَتُهُ، وَالأَئِمَّةُ المُقْتَدَى بِهِمْ مِنْ بَعْدِهِ. إِلَى أَنْ قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُهُ - وَفَّقَهُ اللهُ - "إِنِّي كُنْتُ مَسْأَلة إِجْمَاعٍ، فَصِرْتُ مَسألَة خِلَافٍ"، فَإِنَّنِي إِذَا كُنْتُ مَعَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ في حِزْبِهِ، مُتَّبِعًا لِسُنَّةِ، مَا أُبَالِي مَنْ خَالَفَنِي، وَلَا مَنْ خَالَفَ فِيَّ، وَلَا أَسْتَوْحِشُ لِفِرَاقِ مَنْ فَارَقَنِي، وإِنِّي لَمُعْتَقِدٌ أَنَّ الخَلْقَ كُلَّهُمْ لَوْ خَالَفُوا السُّنَّةَ وَتَرَكُوْهَا، وَعادَوْنِي مِنْ أَجْلِهَا، لَمَا ازْدَدْتُ لَهَا إِلَّا لُزُوْمًا، وَلَا بِهَا إِلَّا اغْتِبَاطًا، إِنْ وَفَّقَنِي اللهُ لِذلِكَ، فَإِنَّ الأُمُوْرَ كُلَّهَا بِيَدَيْهِ، وَقُلُوْبُ العِبَادِ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: "إِنَّ هَذِهِ المَسْأَلَةِ مِمَّا لَا تَخْفَى" فَقَدْ صَدَقَ وَبَرَّ، مَا هِيَ - بِحَمْدِ اللهِ - عِنْدِي خَفِيَّةٌ، بَلْ هِيَ مُنْجَلِيَةٌ مُضِيَّةٌ، وَلكِنْ إِنْ ظَهَرَ عِنْدَهُ - بِسَعَادَتهِ - تَصْوِيْبُ الكَلَامِ فِيْهَا، تَقْلِيْدًا لِلْشَّيْخِ أَبِي الفَرَجِ، وَابْنِ الزَّاغُونِيِّ فَقَدْ تَيَقَّنْتُ تَصْوِيْبَ السُّكُوْتِ عَنِ الكَلَامِ فِيْهَا، اتِّبَاعًا لِسَيِّدِ المُرْسَلِيْنَ، وَمَنْ هُوَ حُجَّةٌ عَلَى الخَلْقِ أَجْمَعِيْنَ، ثُمَّ لِخُلَفَائِهِ الرَّاشِدِيْنَ، وَسَائِرِ الصَّحَابَةِ وَالأَئِمَّةِ المَرْضِيِّيْنَ، لَا أُبَالِي مَنْ لَامَنِي فِي اتِّبَاعِهِمْ، وَلَا مَنْ فَارَقَنِي فِي وِفَاقِهِمْ، فَأَنَا كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: (١)

стр. 1473

أَجِدُ المَلَامَةَ فِي هَوَاكِ لَذِيْذَةً … حُبًّا لِذِكْرِكِ فَلْيَلُمْنِي اللُّوَّمُ فَمَنْ وَافَقَنِي عَلَى مُتَابَعَتِهِمْ، وَأَجَابَنَي إِلَى مُرَافَقَتِهِمْ وَمُوافَقَتِهِمْ فَهُوَ رَفِيْقِي وَحَبِيْبِي وَصَدِيْقِي، وَمَنْ خَالَفَنِي فِي ذلِكَ فَلْيَذْهَبْ حَيْثُ شَاءَ، فَإِنَّ السُّبُلَ كَثِيْرَةٌ، وَلكِنْ لَا حَظِرَةٌ [وَلَا خَطِرَةٌ] (١) وَقَوْلُهُ - بِسَعَادَتِهِ -: "إِنَّ تَعَلُّقَهُ بِأَنَّ لَفْظَ (التَّخْلِيْد) لَمْ تَرِدْ لَيْسَ بِشَيءٍ". فَأَقُوْلُ: لَكِنِّي عِنْدِي أَنَا هُوَ الشَّيْءُ الكَبِيْرُ، وَالأَمْرُ الجَلِيْلُ الخَطِيْرُ، فَأَنَا أُوَافِقُ أَئِمَّتِي فِي سُكُوْتِهِمْ، كُمُوَافَقَتِي لَهُمْ فِي كَلَامِهِمْ، أَقُوْلُ إِذَا قَالُوا، وَأَسْكُتُ إِذَا سَكَتُوا، وَأَسِيْرُ إِذَا سَارُوا، وَأَقِفُ إِذَا وَقَفُوا، وَأَحْتَذِي طَرِيْقَهُمْ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِمْ جَهْدِي، وَلَا أَنْفَرِدُ عَنْهُمْ خِيْفَةَ الضَّيْعَةِ إِنْ سِرْتُ وَحْدِي، فَأَمَّا قَوْلُهُ: "إِنَّ كُتُبَ الأَصْحَابِ القَدِيْمَةَ وَالحَدِيْثَةَ فِيْهَا القَوْلُ بِتَكْفِيْرِ القَائِلِ بِخَلْقِ القُرْآنِ": فَهَذَا مُتَضَمِّنٌ أَنَّ قَوْلَ الأَصْحَابِ هُوَ الحُجَّةُ القَاطِعَةُ، وَهَذَا عَجَبٌ، أَتُرَى لَوْ أَجْمَعَ الأَصْحَابُ عَلَى مَسْأَلَةٍ فُرُوْعِيَّةِ، أَكَانَ ذلِكَ حُجَّةً يُقْتَنَعُ بِهَا، وَيُكْتَفَى بِذِكْرِهَا؟ فَإِنْ كَانَ فَخْرُ الدِّيْنِ يَرَى هَذَا فَمَا يَحْتَاجُ فِي تَصْنِيْفِهِ إِلَى ذِكْرِ دَلِيْلٍ سِوَى قَوْلِ الأَصْحَابِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَرَى ذلِكَ حُجَّةً فِي الفُرُوْعِ، فَكَيْفَ جَعَلَهُ حُجَّةً فِي الأُصُوْلِ؟ وَهَبْ أَنَّا عَذَرْنَا العَامَّةَ فِي تَقْلِيْدِهِمْ الشَّيْخَ أَبَا الفَرَجِ وَغَيْرَهُ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ فِي دَلِيْلٍ، فَكَيْفَ يُعْذَرُ مَن هُوَ إِمَامٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي أَنْوَاعِ العُلُوْمِ؟ ثُمَّ إِنْ سَلَّمْنَا مَا قَالَ، فَلَا شَكَّ أَنَّهُ مَا اطَّلَعَ علَى جَمِيعِ تَصَانِيْفِ الأَصْحَابِ، ثُمَّ إِنْ ثَبَتَ أَنَّ جَمِيْعَهُمُ اتَّفَقُوا

стр. 1474

علَى تَكْفِيْرِهِمْ، فَهُوَ مُعَارِضٌ بِقَوْلِ مَنْ لَمْ يُكَفِّرْهُمْ، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ وَأَصْحَابَهُ لَا يَرَوْنَ تَكْفِيْرَهُمْ إِلَّا أَبَا حَامِدٍ (١). فَبِمَ يَثْبُتُ التَّرْجِيْحُ (٢) ثُمَّ إِنِ اتَّفَقَ الكُلُّ عَلَى تَكْفِيْرِهِمْ، فَلَيْسَ التَّخْلِيْدُ مِنْ لَوَازِمِهِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قدْ أَطْلَقَ التَّكفِيْرَ فِي مَوَاضِعَ لَا تَخْلِيْدَ فِيْهَا، وَذَكَرَ حَدِيْثَ (٣) "سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوْقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ" وَغَيْرُهُ مِنَ الأَحَادِيْثِ، وَقَالَ: قَالَ أَبُو نَصْرٍ السِّجْزِيُّ (٤): اخْتَلَفَ القَائِلُوْنَ بِتَكْفِيْرِ القَائِلِ بِخَلْقِ القُرآنِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كُفْرٌ يَنْقُلُ عَنِ المِلَّةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كُفْرٌ لَا يَنْقُلُ عَنِ المِلَّةِ، ثُمَّ إِنَّ الإِمَامَ أَحْمَدَ الَّذِي هُوَ مِنْ (٥) أَشَدِّ النَّاسِ عَلَى أَهْلِ البِدَعِ - قَدْ كَانَ يَقُوْلُ لِلْمُعْتَصِمِ: يَا أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ، وَيرَى طَاعَةَ الخُلفَاءِ الدَّاعِيْنَ إِلَى القَوْلِ بِخَلْقِ القُرْآنِ، وَصَلَاةَ الجُمَعِ وَالأَعْيَادِ خَلْفَهُمْ وَلَوْ سَمِعَ الإِمَامُ أَحْمَدُ مَنْ يَقُوْلُ هَذَا القَوْلَ، الَّذِي لَمْ يَرِدْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَا عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ: لأَنْكَرَهُ أَشَدَّ الإِنْكَارِ، فَقَدْ كَانَ يُنْكِرُ أَقَلَّ مِنْ هَذَا،

стр. 1475

ثُمَّ إِنْ عَلِمْتُمْ أَنْتُمْ هَذَا، أَفَيَحِلُّ لِي وَلِمِثْلِي مِمَّنْ لَمْ يَعْلَمْ صِحَّةَ هَذَا القَوْلِ أَنْ يَقُوْلَ بِهِ؟ وَهَلْ فَرَضَ الجَاهِل بِشَيءٍ إِلَّا السُّكُوْتُ عَنْهُ؟ فَأَنَا مَا أَنْكَرْتُ هَذَا إِلَّا عَلَى الجَاهِلِ بِهِ. أَمَّا مَنْ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى الأَسْرَارِ، وَعَلِمَ مَا يَفْعَلُهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى جَلِيَّتِهِ فَمَا أَنْكَرْتُ عَلَيْهِ. وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْمُرَنِي أَنْ أَقُوْلَ بِمَقَالَتِي مَعَ جَهْلِي بِمَا قَدْ عَلِمَهُ، لكِنْ إِذَا اعْتَقَدْتُمْ هَذَا، فَيَنْبَغِي أَنْ يَظْهَرَ عَلَيْكُمْ آثَارُ العَمَلِ بِهِ فِي تَرْكِ مُصَادَقَتِهِمْ، وَمُوَادَّتِهمْ وَزِيَارَتِهِمْ، وَأَنْ لَا تَعْتَقِدُوا صِحَّةَ وِلَايَتِهِمْ، وَلَا قَبُوْلَ كِتَابِ حَاكِمٍ مِنْ حُكَّامِهِمْ، وَلَا مَنْ وَلَّاهُ أَحَدٌ مِنهُمْ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُوْنَ أَنَّ قَاضِيْكُمْ إِنَّمَا وِلَايَتُهُ مِنْ قِبَلِ أَحَدِ دُعَاتِهِمْ. وَأَمَّا قَوْلُكَ - بِسَعَادَتِكَ -: "أُنْظُرْ كَيْفَ تَتَلَافَى هَذِهِ الهَفْوَةَ، وَتُزِيْلُ تَكْدِيْرَ الصَّفْوَةِ" فَإِنْ قَنِع مِنِّي بِالسُّكُوْتِ فَهُوَ مَذْهَبِي وَسَبِيْلِي، وَعَلَيْهِ تَعْوِيْلِي. وَقَدْ ذَكَرْتُ عَلَيْهِ دَلِيْلِي، وإِنْ لَمْ يَرْضَ مِنِّي إِلَّا أَنْ أَقُولَ مَا لَا أَعْلَمُ، وَأَسْلُكَ السَّبِيْلَ الَّذِي غَيْرُهُ أَسَدُّ وَأَسْلَمُ، وَأَخْلَعَ عِذَارِي فِي سُلُوْكِ مَا فِيهِ عِثَارِي، وَيُسْخِطُ علَيَّ البَارِي، فَفِي هَذَا التَّلَافِي تَلَافِي، وَتَكْدِيْرِ صَافِي أَوْ صَافِي، لَا يَرْضَاهُ لِي الأَخُ المُصَافِي، وَلَا مَنْ يُرِيْدُ إِنْصَافِي، وَلَا مَنْ سَعَى فِي إِسْعَافِي، وَمَا أُتَابِعُهُ وَلَوْ أَنَّهُ بِشْرٌ الحَافِي. إِلَى أَنْ قَالَ: وَاعْلَمْ أَيُّهَا الأَخُ النَّاصِحُ أَنَّكَ قَادِمٌ عَلَى رَبِّكَ، وَمَسْئُولٌ عَنْ مَقَالَتِكَ هَذِهِ، فَانْظُرْ مَنِ السَّائِلَ، وَانْظُرْ مَا أَنْتَ لَهُ قَائِلٌ، فَأَعِدَّ لِلْمَسْأَلَةِ جَوَابًا، وَادَّرِعْ لِلاعْتِذَارِ جِلْبَابًا، وَلَا تَظُنُّ أَنَّهُ يَقْنَعُ مِنْكَ فِي الجَوَابِ بِتَقْلِيْدِ بَعْضِ الأَصْحَابِ، وَلَا يُخَلِّصُكَ الاِعْتِذَارُ بِأَنَّ

стр. 1476

الأَصْحَابَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُمْ مِنْ جُمْلَةِ الكُفَّارِ، وَلَازِمٌ هَذَا الخُلُوْدِ فِي النَّارِ، فَإِنَّ هَذَا الكَلَامَ مَدْخُوْلٌ، وَجَوَابٌ غَيْرُ مَقْبُوْلٌ. إِلَى أَنْ قَالَ: فَأَنْتُمْ إِنْ كُنْتُمْ أَظْهَرُكُمْ اللهُ علَى غَيْبِهِ، وَبَرَّأَكُمْ مِنَ الجَهْلِ وَعَيْبِهِ، وَأَطْلَعَكُمْ عَلَى مَا هُوَ صَانِعٌ بِخَلْقِهِ، فَنَحْنُ قَوْمٌ ضُعَفَاءُ، قَدْ قَنِعْنَا بِقَوْلِ نَبِيِّنَا ﵇، وَسُلُوْكِ سَبِيْلِهِ، وَلَمْ نَتَجَاسَرْ عَلَى أَنْ نَتَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُوْلِهِ، فَلَا تَحْمِلُوا قُوَّتِكُمْ عَلَى ضَعْفِنَا، وَلَا عِلْمِكُمْ عَلَى جَهْلِنَا، وَهِيَ رِسَالَةٌ طَوِيْلَةٌ، لَخَّصَتْ مِنْهَا هَذَا القَدْرَ. أَخَذَ العِلْمَ عَنِ الشَّيْخِ فَخْرِ الدِّيْنِ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ وَلَدُهُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الغَنِيِّ خَطِيْبُ "حَرَّانَ" وَابْنُ عَمِّهِ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّيْنِ عَبْدِ السَّلَامِ (١)، وَسَمِعَ مِنْهُ خَلْقٌ كَثِيْرٌ مِنَ الأَئِمَّةِ وَالحُفَّاظِ، مِنْهُمْ ابْنُ نُقْطَةَ، وَابْنُ النَّجَّارِ، وَسِبْطُ ابْنِ الجَوْزِيِّ، وَابْنُ عَبْدِ الدَّائِمِ، وَرَوَى عَنْهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ مَحْفُوظٍ الرَّسْعَنِيُّ، وَأَبُو عَبْدِ اللهِ بْنُ حَمْدَانَ الفَقِيْهُ، وَالأَبْرَقُوْهِيُّ (٢). وَلَهُ شِعْرٌ كَثِيْرٌ حَسَنٌ، قَرَأْتُ بِخَطِّ وَلَدِهِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ الغَنِيِّ قَالَ: أَنْشَدَنِي الوَالِدُ ﵀ لِنَفْسِهِ: (٣) أَتَتْ رِحْلَتِي وَأَتَانِي المَسِيْرُ … وَزَادِي مِنَ النُّسْكِ نَزْرٌ حَقِيْرُ وَقَلْبِي عَلَى جَمَرَاتٍ الأَسَى … مِنَ الخَوْفِ مِنْ خَالِقِي مُسْتَطِيْرُ وَكَمْ زَلَّةٍ قَدْ تَقَحَّمْتُهَا … فَدَمْعِي لَهَا وَعَلَيْهَا غَزِيْرُ

стр. 1477

مَضَى عُمُرِي وَانْقَضَتْ مُدَّتِي … وَلَمْ يَبْقَ مِنْ ذَاكَ إِلَّا اليَسِيْرُ كَأَنِّي بِكُمْ حَامِلِيْنَ السَّرِيْرَ … بِشَخْصِي وَنَاهِيْكَ ذَاكَ السَّرِيْرُ تُقِلُّوْنَهُ شَرْجَعًا (١) مُثْقَلًا … عُلُوْمًا لِجَنْبَيْهِ مِنْهَا صَرِيْرُ إِلَى مَنْزِلٍ لَيْسَ فِي رَبْعِهِ … أَنِيسٌ لِسَاكِنِهِ أَوْ نَصِيْرُ سِوَى عَمَلٍ صَالِحٍ بِالتُّقَى … فَنِعْمَ الأَنِيْسُ وَنِعْمَ الخَفِيْرُ وَقَالَ ابْنُ النَّجَّارِ: أَنْشَدَنِي لِنَفْسِهِ بِـ "بَغْدَادَ": (٢) أَرَى خَلْوَتِي فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ … تَؤُوْلُ إِلَى نَقْصٍ وَتُفْضِي إِلَى ضَعْفِ وَمَا ذَاكَ مِنْ كَرِّ اللَّيَالِي وَمَرِّهَا … وَلكِنْ صُرُوْفُ الدَّهْرِ صَرْفًا علَى صَرْفِ فِرَاقٌ وَهَجْرٌ وَاخْتِرَامُ مَنِيَّةٍ … وَكَيْدُ حَسُوْدٍ لِلْعَدَاوَةِ لَا يُخْفِي وَدَاءٌ دَخِيْلٌ فِي الفُؤَادِ مُقَلْقِلُ الضُّـ … ــلُوْعِ يَجِلُّ الخَطْبُ فِيْهِ عَنِ الوَصْفِ وَعِشْرَةُ أَبْنَاءِ الزَّمَانِ وَمَكُرُهمْ … وَوَاحِدَةٌ مِنْهَا لِهَدِّ القُوَى تَكْفِي بُلِيْتُ بِهَا مُنْذُ ارْتَقَيْتُ ذُرَى العُلَى … كَمَا البَدْرِ فِي النُّقْصَانِ مِنْ لَيْلَةِ النِّصْفِ وَمَا بَرِحَت تَتْرَى إِلَى أَنْ بَلِيْتُ مِنْ … تَضَاعِيْفِهَا ضَعْفًا يَزِيْدُ علَى ضَعْفِ وَأَصْبَحْتُ شِبْهًا بِالِهلَالِ صَبِيْحَةَ الثَّـ … ــلَاثِيْنَ أَخْفَاهُ المُحَاقُ عَلَى الطَّرْفِ تُوُفِّيَ ﵀ يَوْمَ الخَمِيْسِ عَاشِرَ صَفَرٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِيْنَ وَسِتِّمَائَةَ بِـ "حَرَّانَ". كَذَا ذَكَرَهُ وَلَدُهُ عَبْدُ الغَنِيِّ. وَقَالَ كَثِيْرٌ مِنَ المُحَدِّثِيْنَ: إِنَّهُ تُوُفِّيَ لَيْلَةَ حَادِي عَشَرَ صَفَرٍ. وَقَرَأْتُ بِخَطِّ وَلَدِهِ: لَمَّا مَاتَ الوَالِدُ كَانَ فِي الصَّلَاةِ؛

стр. 1478

لأَنِّي ذَكَّرْتُهُ بِصَلَاةِ العَصْرِ، وَأَخَذْتُهُ إِلَى صَدْرِي، فَكَبَّرَ وَجَعَلَ يُحَرِّكُ حَاجِبَهُ وَشَفَتَيْهِ بِالصَّلَاةِ حَتَّى شَخَصَ بَصَرُهُ، رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى. وَقَدْ ذَكَرَ وَلَدُهُ لَهُ مَنَامَاتٌ صَالِحَةٌ رُئِيَتْ لَهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ، وَهِيَ كَثيْرَةٌ جِدًّا، جَمَعَهَا فِي "جُزْءٍ". مِنْهَا: أَنَّ رَجُلًا حَدَّثَهُ أَنَّهُ رَأَى وَالِدَهُ الشَيْخُ فَخْرُ الدِّيْنِ جَالِسًا عَلَى تَخْتٍ عَالٍ، وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ جَمِيْلَةٌ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا سَيِّدِي مَا هَذَا؟ فَقَرَأَ: (١) ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ وَرَآهُ آخِرُ فَقَالَ لَهُ: مَا فَعَلَ اللهُ بِكَ؟ قَالَ: غَفَرَ لِي. وَرَأَى غَيْرُ وَاحِدٍ فِي مَنَامِهِ جَمَاعَةٌ مَعَهُمْ سُيُوْفٌ وَسِلَاحٌ وَرِوَايَاتٌ، فَسَئَلُوا عنْ حَالِهِمْ، فَقَالُوا: السُّلْطَانُ يَرْكَبُ وَنَحْنُ فِي انْتِظَارِهِ، فَقِيْلَ لَهُمْ: مَنِ السُّلْطَانُ؟ قَالُوا: الشَّيخُ الفَخْرُ. قَالَ: وَحَدَّثَتْنِي ابْنَةُ عَمِّ وَالِدِي - وَكَانَتْ صَالِحَةً - قَالَتْ: رَأَيْتُ بَعدَ مَوْتِ الشَّيْخِ فِي مَنَامِي، كَأَنَّنِي أَسْمَعُ صَوْتَ ضَجَّةٍ مِنَ السَّمَاءِ، فَقُلْتُ لِمَنْ عِنْدِي: مَا هَذَا الصَّوْتُ وَالضَّجَّةُ؟ قَالَ: هَذَا ضَجِيْجُ المَلَائِكَةِ لأَجْلِ انْقِطَاعِ التَّفْسِيْرِ وَتَعَطُلِهِ بِالجَامِعِ بَعْدَ وَفَاةِ الشَّيْخِ، وَرَآهُ رَجُلٌ آخَرُ لَيْلَةَ وَفَاتِهِ، وَهُوَ عَلَى أَحْسَنِ حَالَةٍ (٢)، فَقَالَ لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ مِتَّ؟ قَال: بَلَى، وَلكِنْ أَنَا إِنْ شَاءَ اللهُ فِي الأَحْيَاءِ. وَرَآهُ آخَرُ وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ حَسَنَةٌ جَمِيْلَةٌ، فَقَالَ لَهُ: أَمَا قَدْ مِتَّ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: مَاذَا لَقِيْتَ مِنْ رَبِّكَ؟ قَالَ: وَقَفْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: كَمْ

стр. 1479

نَنْتَظِرُكَ؟ كَمْ نَنْتَظِرُكَ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: أَنَا وَاللهِ مُشْتَاقٌ، أَنَا وَاللهِ مُشْتَاقٌ. قَالَ الرَّائِي: فَأَخَذَنِي شِبْهُ الطَّرَبِ. وَانْزَعَجَ مِنْ مَنَامِهِ حَتَّى عَلِمَتْ بِذلِكَ زَوْجَتُهُ. وَرَأَى رَجُلٌ بَعْضَ المَوْتَى، فَسَأَلَهُ عَنْ حَالِهِ، وَعَنْ أَقَارِبِهِ؟ فَقَالَ: اللَّيْلَةَ يَنْزِلُ الفَخْرُ عِنْدَهُمْ مِنْ عِنْدِ الحَقِّ، وَكُلُّ لَيْلَةِ جُمُعَةِ يَنْزِلُ إِلَيْهِمْ، وَيَجْتَمِعُوْنَ إِلَيْهِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ رَأَى هَذَا المَنَامِ مِرَارًا. ورَأَى رَجُلٌ الشَّيْخَ الفَخْرَ فِي نَوْمِهِ، وَقَدْ صَعَدَ إِلَى مِنْبَرِ جَامِعِ "حَرَّانَ" وَمَعَهُ مُصْحَفٌ فَفَتَحَهُ وَوَقَفَ، وَالنَّبِيُّ ﷺ فَوْقَهُ عَلَى المِنْبَرِ يَقْرَأُ مِنْ ذلِكَ المُصْحَفِ. وَرَأَى آخَرُ الشَّيْخَ الفَخْرَ مَعَ الإِمَامِ أَحْمَدَ، وَهُمَا يَتَسَايَرَانِ، وَكَانَ هَذَا الرَّائِي قَدْ رَأَى فِي حَيَاةِ الشَّيْخِ رَجُلًا منَ الصَّالِحِيْنَ يَقُوْلُ لَهُ فِي نَوْمِهِ: مُرَّ إِلَى الشَّيْخِ الفَخْرِ، وَخُذْ لَكَ مِنْهُ عَهْدًا أَنْ يَشْفَعَ فِيْكَ غَدًا، فَإِنَّهُ قَدْ أُعْطِيَ الشَّفَاعَةَ فِي كَذَا وَكَذَا. وَرَأَى آخَرُ الشَّيْخُ الفَخْرَ فِي المَنَامِ، وَيَدُهُ فِي يَدِ رَجُلٍ آخَرَ، قَالَ: فَسَلَّمْتُ عَلَى الفَخْرِ، وَقُلْتُ لَهُ: يَا سَيِّدِي مَنْ هَذَا الَّذِي يَدُهُ فِي يَدِكَ؟ فَقَالَ: هَذَا المُوَفَّقُ الدِّمَشْقِيُّ المَقْدِسِيُّ، فَقُلْتُ: وَإِلَى أَيْنَ تَرُوْحُوْنَ؟ قَالَ: نَرُوْحُ نُفْتِيْهِمْ فِي قَضِيَّةٍ. قَالَ: فَدَخَلُوا مَسْجِدًا، فَرَأَيْتُ فِيْهِ حَيَاةَ بْنَ قَيْسٍ (١) وَابْنَاهُ فِي غَرْبِيِّ المَسْجِدِ، وَالشَّيْخُ الفَخْرُ شَرْقِيَّ المِحْرَابِ، وَالشَّيْخُ المُوَفَّقُ غَرْبِيَّهُ، وَهُمَا فَوْقَ تَخْتٍ، وَعَلَيْهِمَا خُلْعَتَانِ مَا رَأَيْتُ أَحْسَنَ مِنْهُمَا قَطُّ، وَبَيْنَ أَيْدِيْهِمَا

стр. 1480

شَيْءٌ مَطْرُوْحٌ، ثُمَّ قَامَ الشَّيْخُ الفَخْرُ يُفَرِّقُ مِنْهُ عَلَى الحَاضِرِيْنَ، كَمَا يُفْعَلُ فِي المِلَاكِ، قَالَ الرَّائِي: فَقُلْتُ لِلْشَّيْخِ الفَخْرِ: يَا سَيِّدِي أَخْبِرْنِي المَوْتُ كَيْفَ هُوَ؟ قَالَ: وَاللهِ المَوْتُ وَقْتَ حُضُوْرِهِ صَعْبٌ شَدِيْدٌ، وَبَعْدَ المَوْتِ كُلُّهُ هَيِّنٌ، ثُمَّ قَالَ لِي: الصَّلَاةُ يَا عَبْدَ اللهِ، مَا شَيءٌ أَفْضَلُ مِنْهَا، فَمَنْ وَاظَبَ عَلَيْهَا وَحَافَظَ عَلَى السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ مَا يَلْقَى إِلَّا الخَيْرَ الكَثِيْرَ. وَرَأَى رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ وبَيْنَ يَدَيْهِ جِبْرِيْلُ، وَهُمَا جَالِسَانِ فِي مَوْضِعٍ بِـ "حَرَّانَ" فَسَأَلَ الرَّائِي رَسُوْلَ اللهِ ﷺ : مَا سَبَبُ حُضُوْرِكُمْ فِي هَذَا المَوْضِعِ؟ فَمَدَّ يَدَهُ وَأَشَارَ إِلَى نَحْوِ بَابِ دَارِ الشَّيْخِ الفَخْرِ، وَقَالَ: الفَخْرُ قَدْ مَاتَ. قَالَ: فَمَاتَ الشَّيْخُ الفَخْرُ فِي الجُمُعَةِ الأُخرَى. قَالَ: وَأَخْبَرَنِي رَجُلٌ سَمَّاهُ - وَكَانَ فِيْهِ دِيْنٌ وَصَلَاحٌ - قَاَلَ: رَأَيْتُ فِي النَّوْمِ قَائِلًا يَقُوْلُ: الشَّيْخُ الفَخْرُ كَانَ صَادِقًا مَعَ اللهِ، ثُمَّ قَالَ: الشَّيْخُ الفَخْرُ كَانَ مِنَ الصِّدِّيْقِينَ، قَالَ: وَبعْدُ رَأَيْتُ كَأَنِّي دَخَلْتُ إِلَى الجَامِعِ، فَإِذَا الشَّيْخُ عَلَى الكُرْسِيِّ يتَكَلَّمُ، وَهُوَ يُرَدِّدُ هَذِهِ الأَبْيَاتِ: (١) طُوبَى لِعَبْدٍ أَحَبَّ مَوْلَاهُ … إِذَا خَلَا فِي الظَّلَامِ نَاجَاهُ قَدْ كَشَفَ الحُجْبَ عَنْ بَوَاطِنِهِ … فَنُوْرُ مَوْلَاهُ قَدْ تَغَشَّاهُ يَقُوْلُ يَا غَايَتِي وَيَا أَمَلِي … مَا خَابَ عَبْدٌ تَكُوْنُ مَوْلَاهُ وَكَانَ مِنْ عَادَتِهِ فِي مَجَالِسِهِ أَيَّامَ حَيَاتِهِ يُرَدِّدُهَا كَثِيْرًا فِي كَلَامِهِ فِي الوَعْظِ، قَالَ: فَطَرِبْتُ لِسَمَاعِ صَوْتِهِ فِي المَنَامِ.

стр. 1481

قَالَ: وَحَدَّثَنِي رَجُلٌ - سَمَّاهُ - عَنْ زَوْجَتِهِ: أَنَّهَا رَأَتْ سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِيْنَ فِي المَنَامِ كَأَنَّهَا فِي مَوْضِعٍ فِيْهِ رِيَاضٌ وَخُضْرَةٌ، وَقَوْمٌ يَبْنُوْنَ فِيْهِ قَصْرًا عَالِيًا، وَبِقُرْبِهِ دُوْلَابٌ يَدُوْرُ، وَامْرَأَتَانِ قَائِمَتَانِ بِقُرْبِ القَصْرِ كَأَحْسَنِ مَا يَكُونُ مِنَ النِّسَاءِ، قَالَتْ: فَفَهِمْتُ أَنَّهُمَا مِنَ الحُوْرِ العِيْنِ، فَسَأَلْتُ: لِمَنْ هَذَا القَصْرُ الَّذِي يُبْنَى؟ فَقِيْلَ لَهَا: لِلْفَخْرِ الفَقِيْهِ، قَالَتْ: وَمَا رَأَيْتُ لَهُ بَابًا مَفْتُوْحًا، ثُمَّ رَأَيْتُ لَيْلَةَ عَاشُورَاءَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِيْنَ قَبْلَ وَفَاةِ الشَّيْخِ بِشَهْرٍ ذلِكَ القَصْرِ قَدْ فُتِحَ لَهُ بَابٌ، وَالحُوْرِيَّتَانِ عِنْدَ بَابِهِ. فَقَالَتْ: مَنْ يُرِيْدُ يَجِيءُ إِلَى هَذَا القَصْرِ؟ قَالُوا: الفَخْرُ صَاحِبُهُ. قَالَ: وَحَدَّثَنِي رَجُلٌ - وَذَكَرَ عَنْهُ دِيْنًا وَخَيْرًا - قَالَ: رَأَيْتُ الشَّيْخَ وَكَأَنَّهُ فِي مَسْجِدِهِ مُسْتَنِدًا إِلَى رُكْنِ مِحْرَابِهِ، وَالنَّاسُ مُجْتَمِعُوْنَ فِي عَقْدِ خَتْمَةٍ، فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّاسُ قُلْتُ لِلْشَّيْخِ: بِاللهِ يَا سَيِّدِي، هَلْ رَأَيْتَ اللهَ؟ قَالَ: إِيْ وَاللهِ. فَقُلْتُ لَهُ: فَنَحْنُ أَيْشٍ تَقُوْلُ فِيْنَا؟ قَالَ: أَنْتُمْ مِنْ أَصْحَابِنَا. قَالَ: وَحَدَّثَنِي أَبُو الحَسَنِ بْنُ إِبْرَاهِيْمَ بْنِ البَقَّشِ النَّجَّارِ (١) - وَكَانَ يُلَازِمُ الشَّيْخَ لِسَمَاعِ الحَدِيْثِ - قَالَ: رَأَيْتُ الشَّيْخَ بَعْدَ مَوْتِهِ فِي المَنَامِ عَلَى كُرْسِيٍّ يَعِظُ، وَتَحْتَهُ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ كَثِيْرٌ، فَسَمِعْتُهُ يُنْشِدُ (٢): تَجَلَّى الحَبِيْبُ لِأَحْبَابِهِ … فَطُوْبَى لِمَنْ كَانَ يُعْنَى بِهِ فَلَمَّا تَجَلَّى لَهُمْ كَبَّرُوا … وَخَرُّوا سُجُودًا عَلَى بَابِهِ

стр. 1482

وَالمَنَامَاتُ الصَّالِحَةُ لَهُ كَثِيْرَةٌ، ﵀. وَذَكَرَ المُنْذِرِيُّ وَغَيْرُهُ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مَعْنَى "تَيْمِيَّةَ" فَذَكَرَ أَنَّ أَبَاهُ أَوْ جَدَّهُ حَجَّ عَلَى دَرْبِ "تَيْمَاءَ" (١) فَرَأَى هُنَاكَ جُوَيْرِيَةً قَدْ خَرَجَتْ مِنْ خِبَائِهَا، فَلَمَّا رَجَعَ وَجَدَ امْرَأَتَهُ قَدْ وَضَعَتْ جَارِيَةً فَلَمَّا رَآهَا قَالَ: يَا تَيْمِيَّةُ، كَأَنَّهُ يُشْبِهُهَا بِتِلْكَ الجُوَيْرِيَّةِ، فَلُقِّبَتْ بِذلِكَ. قَالَ ابْنُ النَّجَّارِ: ذَكَرَ لَنَا أَنَّ جَدَّهُ مُحَمَّدًا كَانَتْ أُمُّهُ تُسَمَّى تَيْمِيَّةَ، وَكَانَتْ وَاعِظَةً. أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيْلَ الأَنْصَارِيُّ (أَنَا) أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الدَّائِمِ (أَنَا) أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبي القَاسِمِ بْنِ تَيْمِيَّةَ الخَطِيْبُ. (ح) قَالَ الأنْصَارِيُّ (أَنَا) إِبْرَاهِيْمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ كَامِلٍ المَقْدِسِيُّ - حُضُوْرًا - (أَنَا) الإِمَامُ مُوَفَّقُ الدِّيْنِ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قُدَامَةَ المَقْدِسِيُّ قَالَا: (أَنَا) أَبُو الفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ البَاقِي بنِ البَطِّيِّ (أَنَا) أَبُو الخَطَّابِ نَصْرُ بْنُ أَحْمَدَ بنِ البَطِّيِّ. (ح) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الدَّائِمِ: وَأَنْبَأْنَاهُ عَالِيًا خَطِيْبُ المَوْصِلِ أَبُو الفَضْلِ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ القَاهِرِ - إِجَازَةً - (أَنَا) بْنُ البَطِّيِّ، (أَنَا) أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا البَيِّعُّ، (ثَنَا) الحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيْلَ المَحَامِلِيُّ (ثَنَا) العَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، (ثَنَا) يَحْيَى بْنُ إِسْحَقَ (ثَنَا) حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الخَطْمِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ

стр. 1483

ابْنِ يَزِيْدَ الخَطْمِيِّ قَالَ (١) "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا وَدَّعَ الجَيْشَ قَالَ: أسْتَوْدِعُ اللهَ دِيْنَكُمْ وَأمَانَتَكُمْ وَخَوَاتِيْمَ أعْمَالِكُمْ". ٣٠٥ - عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الزَّيْتُونِيُّ البَوازِيْجِيُّ، (٢) أَبُو مُحَمَّدٍ، (٣) هَكَذَا نَسَبَهُ ابْنُ السَّاعِي وَغَيْرُهُ. وَقَالَ المُنْذِرِيُّ: عَبْدُ اللهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الفَرَجِ الزَّيْتُوْنِيُّ البَوَازِيْجِيُّ. سَمِعَ مِنَ الحَافِظِ مَعْمَرُ بْنُ الفَاخِرِ، وَيَحْيَى بْنُ ثَابِتِ (٤) بْنِ بُنْدَارٍ، وَأَبِي عَلِيِّ بنِ الرَّحْبِيِّ وَغَيْرِهِمْ، وَحَدَّثَ هَذَا مَا ذَكَرَهُ. وَقَالَ أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنِ أَبِي الجَيْشِ فِي ذِكْرِ "شُيُوْخِهِ بِالإِجَازَةِ": عَبْدُ اللهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الزَّيْتُوْنِيُّ البَوَازِيْجِيُّ، سَمِعَ "مَشْيَخَةِ شُهْدَةَ" عَلَيْهَا، وَكَذَا وَجَدْتُ اسْمَهُ فِي طَبَقَةِ سَمَاعِهِ "جُزْءِ ابْنِ عَرَفَةَ" عَلَى ابْنِ كُلَيْبٍ.

стр. 1484

وَقَالَ ابْنُ السَّاعِي: كَانَ مُقِيْمًا بِرِبَاطِ مَحْمُوْدٍ النَّعَّالِ، شَيْخٌ، خَيِّرٌ، مُسِنٌّ، صَالِحٌ، صَاحِبُ سَنَدٍ (١) وَرِوَايَةٍ، أَنْشَدَنِي مِنْ حِفْظِهِ: ضَيِّقِ العُذْرَ فِي الضَّرَاعَةِ أَنَّا … لَوْ قَنِعْنَا بِقَسْمِنَا لَكَفَانَا مَا لَنَا نَعْبُدُ العِبَادَ إِذَا كَا … نَ إِلَى اللهِ فَقْرُنَا وَغِنَانَا وَذَكَرَ الحَافِظُ عُمَرُ بْنُ الحَاجِبِ، فِي "مُعْجَمِهِ" فِي تَرْجَمَةِ الحَافِظِ أَبِي القَاسِمِ الصَّرِيْفِيْنِيِّ (٢)، مِنْ أَصْحَابِنَا: أَنَّهُ تَفَقَّهَ عَلَى الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَحْمَدَ البَوَازِيْجِيِّ. وَقَرَأْتُ بِخَطِّ النَّاصِحِ ابْنِ الحَنْبَلِيِّ: السَّيِّدُ البَوَازِيْجِيُّ، كَانَ دَخَلَ "بَغْدَادَ" قَبْلَ قُدُوْمِي إِلَيْهَا بِسَنَتَيْنِ. وَسَمِعَ دَرْسَ الشَّيْخِ أَبِي الفَتْحِ بْنِ المَنِّيِّ، وَصَحِبَهُ، وَخَدَمَهُ وَكَانَ بِـ "بَغْدَادَ" مُدَّةَ مَقَامِي بِـ "بَغْدَادَ" وَسَافَرَ إِلَى "البَوَازِيْجِ" ثُمَّ عَادَ إِلَى "بَغْدَادَ" وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا، وَكَانَ يُخِلُّ بِعَيْنِهِ، وَلَا يُخِلُّ بِدَيْنِهِ (٣). قُلْتُ: غَالِبُ ظَنِّي: أَنَّهُ (٤) هَذَا.

стр. 1485

تُوُفِّيَ عَبْدُ اللهِ بْنِ أَحْمَدَ البَوَازِيْحِيُّ يَوْمَ الجُمْعَةِ غُرَّةَ رَبِيعٍ الآخِرِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِيْنَ وَسِتِّمَائَةَ، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ "بَابِ الحَلْبَةِ" (١) رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى. ٣٠٦ - مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ (٢) بْنِ مَكِّيِّ بْنِ عَلِيِّ بْنِ وَرْخِزٍ البَغْدَادِيُّ، الفَقِيْهُ المُعَدَّلُ، أَبُو عَبْدِ اللهِ - وَفِي "تَارِيْخِ ابْنِ السَّاعِي" أَبُو نَصْرٍ - بْنِ أَبي الحَسَنِ، وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ وَالِدِهِ (٣). تَفَقَّهَ عَلَى أَبِي الفَتْحِ بْنِ المَنِّيِّ، وَأَفْتَى، وَنَاظَرَ، وَأَعَادَ الدَّرْسَ لأُسْتَاذِ الدَّارِ ابْنِ الجَوْزِيِّ، وَشَهِدَ عِنْدَ الزِّنْجَانِيِّ، وَرُتِّبَ مُشْرِفًا عَلَى وُكَلَاءِ الخَلِيْفَةِ النَّاصِرِ. وَكَانَ فَقِيْهًا، فَاضِلًا، خَيِّرًا، دَيِّنًا، ثِقَةً، خَبِيْرًا بِالمَذْهَبِ، ذَكَرَ ذلِكَ ابْنُ السَّاعِي، وَقَالَ: أَنْشَدَنِي المُعَدَّلُ مُحَمَّدُ بْنُ وَرْخِزٍ، أَنْشَدَنِي أَبُو الفَضْلِ الأَشْعَرِيُّ (٤) العَبَرْتِيُّ النَّحْوِيُّ:

стр. 1486

يَجْمَعُ المَرْءُ ثُمَّ يَتْرُكَ مَا يَجْـ … ـــمَعُ (١) مِنْ كَسْبِهِ لِغَيرِ شَكُوْرِ لَيْسَ يَحْظَى إِلَّا بِذِكْرٍ جَمِيْلٍ … أَوْ بِعِلْمٍ مِنْ بَعْدِهِ مَأْثُوْرِ تُوُفِّيَ يَوْمَ الجُمُعَةِ العِشْرِيْنَ مِنْ جُمَادَى الأُوْلَى سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِيْنَ وَسِتِّمَائَةَ، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ "بَابِ حَرْبٍ" رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى. ٣٠٧ - أَحْمَدُ بنُ أَبِي المَكَارِمِ (٢) بْنِ شُكْرِ بْنِ نِعْمَةَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي الفَتْحِ بْنِ حَسَنٍ بنِ قُدَامَةَ بْنِ أَيُّوْبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَافِعٍ، المَقْدِسِيُّ، الخَطِيْبُ، أَبُو العَبَّاسِ، خَطِيْبُ قَرْيَةِ "مَرْدَا" مِنْ عَمَ لِ "نَابُلُسَ". قَالَ الحَافِظُ ضِيَاءُ الدِّيْنِ - وَمِنْ خَطِّهِ نَقَلْتُ - سَافَرَ إِلَى "بَغْدَادَ" فِي طَلَبِ العِلْمِ وَاشْتَغَلَ، وَحَصَّلَ فِي مُدَّةٍ يَسِيْرَةٍ مَا لَمْ يُحَصِّلْ غَيْرُهُ فِي مُدَّةٍ طَوِيْلَةٍ، وَسَمِعَ الحَدِيْثَ بِـ "بَغْدَادَ" مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَاتِيْلٍ، سَمِعْتُ عَلَيْهِ بِقَرْيَةِ "مَرْدَا"،

стр. 1487

وَبِجَبَلِ "قَاسِيُونَ". وَسَمِعْتُ شَيْخَنَا الإِمَامَ عِمَادَ الدِّيْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنَ عَبْدِ الوَاحِدِ - غَيْرَ مَرَّةٍ - يَغْبِطُهُ بِما هُوَ عَلَيْهِ مِنْ كَثْرَةِ الخَيْرِ، فَإِنَّهُ يَقُوْمُ بِمَصَالِحِ عَدِيْدَةٍ، مِنْهَا: إِقْرَاءُ القُرآنِ، وَالقِيَامُ بِالخَطَابَةِ وَالإِمَامَةِ، وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ المَسْجِدُ مِنْ سُرُجٍ وَغَيْرِ ذلِكَ، وَافْتِقَادُ الغُرَبَاءِ الوَارِدِيْنَ بِمَا يُصْلِحُهُمْ، وَلَا يَتَنَاوَلُ مِنْ وَقْفِ المَسْجِدِ شَيْئًا، كَمَا بَلَغَنِي. ثُمَّ ذَكَرَ لَهُ كَرَامَاتٍ مِنْ تَكْثِيْرِ الطَّعَامِ فِي وَقْتِ احْتِيْجَ فِيْهِ إِلَى تَكْثِيْرِهِ، وَمِنَ المُعَافَاةِ مِنَ الصَّرَعِ بِمَا كَتَبَهُ. قَالَ المُنْذِرِيُّ: تُوُفِّيَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِيْنَ وَسِتِّمَائَةَ بِـ "مَرْدَا" ﵀. ٣٠٨ - أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ، (١) المَوْصِلِيُّ الفَقِيْهُ الزَّاهِدُ، أَبُو العَبَّاسِ، المَعْرُوفُ بِـ "الوَتَّارَةِ"، وَيُقَالُ: "ابْنُ الوتَّارَةِ" وَسَمِّى ابْنُ السَّاعِي جَدَّهُ مُحَمَّدًا. قَالَ المُنْذِرِيُّ: سَمِعَ - عَلَى عُلُوِّ سِنِّهِ - مِنَ المُتَأَخِّرِيْنَ. وَقَالَ النَّاصِحُ ابْنُ الحَنْبَلِيِّ: كَانَ يَعْرِفُ أَكثَرَ مَسَائِلَ "الهِدَايَةِ" لأَبِي الخَطَّابِ، وَيَأْكُلُ مِنْ كَسْبِ يَدِهِ، وَلِبَاسُهُ الثَّوْبُ الخَامُ، وَانْتَفَعَ بِهِ جَمَاعَةٌ، وَصَارَ لَهُ حُرْمَةٌ قَوِيَّةٌ بِـ "المَوْصِلِ"، وَاحْتِرَامٌ مِنْ جَانِبِ صَاحِبِهَا وَمَنْ بَعْدَهُ.

стр. 1488

قَالَ ابنُ السَّاعِي: شَيْخٌ، صَالِحٌ، كَثِيْرُ العِبَادَةِ، يُعْتَقَدُ فِيْهِ، وَيُتَبَرَّكُ بِهِ، أَمَّارًا بِالمَعْرُوْفِ، نَهَّاءً عَنِ المُنْكَرِ، بَلَغَنِي أَنَّهُ تُوُفِّيَ بِـ "المَوْصِلِ" فِي يَوْمِ الأَرْبِعَاءِ رَابِعَ ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِيْنَ وَسِتِّمَائَةَ. وَقَالَ النَّاصِحُ وَالمُنْذِرِيُّ: تُوُفِّيَ فِي رَابِعَ عَشَرَ ذِي الحِجَّةِ. وَقَرَأْتُ بِخَطِّ ابْنِ الصَّيْرَفِيِّ: أَنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِيْنَ، وَهُوَ وَهْمٌ. ٣٠٩ - يَعِيْشُ بْنُ رَيْحَانَ (١) بْنِ مَالِكٍ، كَذَا نَسَبَهُ الدُّبَيْثِيُّ وَغيْرُهُ، وَوَجَدْتُ بِخَطِّهِ: يَعِيْشُ بْنُ رَيْحَانَ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ: يَعِيْشُ بْنُ مَالِكِ بْنِ رَيْحَانَ. وَقَالَ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ أَبِي الجَيْشِ: يَعِيْشُ بْنُ مَالِكِ بْنِ هِبَةِ اللهِ بْنِ رَيْحَانَ، الأَنْبَارِيُّ، ثُمَّ البَغْدادِيُّ، الفَقِيْهُ الزَّاهِدُ، أَبُو المَكَارِمِ - وَيُقَالُ: أَبُو البَقَاءِ - وَالأَوَّلُ: أَشْهَرُ. وُلِدَ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ تَقْرِيْبًا، وَسَمِعَ مِنْ أَبِي الحَسَنِ بْنِ الدَّجَاجِيِّ كَثِيْرًا مِنَ الحَدِيْثِ وَمِنْ كُتُبِ المَذْهَبِ، وَرَوَاهَا عَنْهُ، كَـ "الهِدَايَةِ" لأَبِي الخَطَّابِ، وَ"الاِنْتِصَارِ" (٢) لابْنِ عَقِيْلٍ. وَسَمِعَ مِنْ صَدَقَةَ بْنِ الحُسَيْنِ أَيْضًا، وَمِنْ أَبِي زُرْعَةَ المَقْدِسِيِّ، وَعَبْدِ الحَقِّ

стр. 1489

اليُوْسُفِيِّ، وَأَبِي حَامِدٍ مُحَمَّدِ بنِ أَبِي الرَّبِيع الغَرْنَاطِيِّ، وَأَبِي مُحَمَّدٍ نَاصِرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حُسَيْنٍ الخُوَيِّيِّ (١) وَشُهْدَةَ الكَاتِبَةِ، وَغَيْرِهِمْ. وَتَفَقَّهَ فِي المَذْهَبِ، وَكَانَ مَوْصُوفًا بِالعِلْمِ وَالصَّلَاحِ. وَقَالَ المُنْذِرِيُّ: كَانَ مِنْ فُضَلَاءِ الفُقَهَاءِ، مُتَدَيِّنًا، مُعْتَزِلًا عَنِ النَّاسِ. وَلَنَا مِنْهُ إِجَازَةٌ. وَحَدَّثَ. وَذَكَرَ ابْنُ حَمْدَانَ الفَقِيْهُ: أَنَّ أَبَا الفَضْلِ حَامِدَ بْنَ أَبِي الحَجَرِ لَمَّا وَلَّاهُ السُّلْطَانُ نُوْرُ الدِّيْنِ التَّدْرِيْسَ وَالخِطَابَةَ بِـ "حَرَّانَ"، كَتَبَ إِلَيْهِ يَعِيْشَ هَذَا مِنْ "بَغْدَادَ" أَبْيَاتًا، وَهِيَ: ظَعَنَ الَّذِيْنَ عَهِدْتَهُمْ … وَلَتظْعَنَنَّ كَمَنْ ظَعَنْ يَا غَاسِلَنَّ ثِيَابَهُ … اغْسِلْ هَوَاكَ مِنَ الدَّرَنْ مَا صَحَّ ظَاهِرُ مُبْطِنٍ … حَتَّى يُصَحِّحُ مَا بَطَنْ وَلَرُبَّمَا احْتَلَبَتْ يَدَا … كَ دَمًا وَتَحْسَبُهُ لَبَنْ وَكَانَ ابْنُ أَبِي الحَجَرِ يَتَوَسْوَسُ فِي طَهَارَتِهِ وَغَسْلِ ثِيَابِهِ كَثِيْرًا. رَوَى عَنْهُ ابْنُ الدُّبَيْثِيِّ، وَيَحْيَى بْنُ الصَّيْرِفِيِّ الفَقِيْهُ، وَأَجَازَ لِعَبْدِ الصَّمَدِ

стр. 1490

ابْنِ أَبِي الجَيْشِ (١). وَتُوُفِّيَ لَيْلَةَ الخَمِيْسِ خَامِسَ عَشَرَ ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشرِيْنَ وَسِتِّمَائَةَ، وَدُفِنَ مِنَ الغَدِ بِـ "بَابِ حَرْبٍ" رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، كَذَا قَالَ المُنْذِرِيُّ وَغَيْرُهُ. وَذَكَرَ ابْنُ السَّاعِي: أَنَّهُ تُوُفِّيَ يَوْمَ الخَمِيْسِ، وَقَالَ: وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ "جَامِعِ المَنْصُورِ". ٣١٠ - عمْرُو بنُ رَافِعِ (٢) بْنِ عَلْوَان الزُّرَعِيُّ، ذَكَرَهُ نَاصِحُ الدِّيْنِ بْنِ الحَنْبَلِيِّ. قَالَ: قَدِمَ مِنْ "زُرَعَ" (٣) فِي عَشْرِ السِّتِّيْنِ - يَعْنِي وَالخَمْسِمَائَةَ - وَهُوَ

стр. 1491

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1492

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1493

ابْنُ نَيِّفٍ وَعِشْرِيْنَ سَنَةٍ، وَنَزَلَ عِنْدَنَا فِي المَدْرَسَةِ، هُوَ وَرُفْقَةٌ لَهُ، وَاشْتَغَلُوا عَلَى وَالِدِي، فَحَفِظُوا القُرْآنَ. وَسَمِعُوا دَرْسَهُ وَحَفِظُوا كِتَابَ "الإيْضَاحِ" - يَعْنِي لِلْشَّيْخِ أَبي الفَرَجِ جَدِّهِمْ - قَالَ: وَكَانَ هَذَا الفَقِيْهُ عَمْرٌو يَحْفَظُ كَثيْرًا وَسَرِيْعًا، تَلَقَّنَ سُورَةَ البَقَرَةِ فِي دَرْسَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ، وَعَمِلَ الفَرَائِضَ، فَأَسْرَعَ فِي مَعْرِفَتِهَا. وَرَحَلَ إِلَى "حَرَّانَ" وَأَقَامَ بِهَا مُدَّةً مَدِيْدَةً يَشْتَغِلُ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى

стр. 1494

"دِمَشْقَ" ثُمَّ إِلَى "زُرَعَ" وَأَقَامَ بِهَا، يُفْتِي وَيَقِفُ عَلَى مَا يُنْدَبُ إِلَيْهِ مِنَ المِسَاحَةِ وَالحُدُوْدِ، ثُمَّ أَضَرَّ فِي آخِرِ عُمُرِهِ. وَمَاتَ بِـ "زُرَعَ" سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِيْنَ وَسِتِّمَائَةَ، رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى. ٣١١ - مُظَفَّرُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ (١) بْنِ جَمَاعَةَ بنِ عَلِيِّ بنِ شَامِيِّ بنِ أَحْمَدَ بنِ نَاهِضِ بنِ عَبد الرَّزَّاقِ العَيْلَانِيُّ - بِالعَينِ المُهْمَلَةِ - قَالَهُ المُنْذِرِي - الأَدِيْبُ الشَّاعِرُ العَرُوضِيُّ، الضَّرِيْرُ المِصْرِيُّ، أَبُو العِزِّ، وَيُلَقَّبُ "مُوَفَّقُ الدِّيْنِ" (٢). وُلِدَ لِخَمْسِ لَيَالٍ بَقَيْنَ مِنْ جُمَادَى الآخِرَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ بِـ "مِصْرَ". وَسَمِعَ الحَدِيث مِنْ أَبِي القَاسِم عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ مُحَمَّد السِّبِيْيُّ (٣)، وَمَحْمُوْدِ بنِ [طَاهِرِ بنِ] (٤) أَحْمَدَ بنِ الصَّابُوْنِيِّ وَأَبِي طَاهِر بنِ يَاسِين، وَالبُوصِيْرِيِّ،

стр. 1495

وَغَيْرِهِمْ. وَلَقِيَ جَمَاعَةً مِنَ الأُدَبَاءِ، وَقَالَ الشِّعْرَ الجَيِّدَ، وَبَرعَ فِي عِلْمِ العَرُوْضِ، وَصَنَّفَ فِيه تَصْنِيْفًا مَشْهُوْرًا (١) دَلَّ عَلَى حَذْقِهِ، وَمَدَحَ جَمَاعَة كثِيْرَة مِنَ المُلُوكِ وَالوُزَرَاءِ، وَغَيْرِهِمْ، وَحَدَّثَ بِتَصْنِيْفِهِ، وَشَيْءٍ مِنْ شِعْرِهِ (٢). قَالَ المُنْذِرِيُّ: وَسَمِعْتُ مِنْهُ، وَكَانَ بَقِيَّةَ فُضَلَاءِ طَبَقَتِهِ. وَذَكَرَ ابْنُ خَلِّكَانَ أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْتُ مَرَّةً عَلَى القَاضِي هِبَةِ اللهِ بْنِ سَنَاءِ المُلْكِ الشَّاعِرِ (٣)، فَقَالَ لِي: يَا أَدِيْبُ، قَدْ صُغْتُ نِصْفَ بَيْتٍ، وَلِيَ أَيَّامٌ

стр. 1496

أُفَكِّرُ فِي تَمَامِهِ قُلْتُ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: * بَيَاضٌ عَذَارِي مِنْ سَوَادِ عَذَارِهِ * قُلْتُ: قَدْ حَصَلَ تَمَامُهُ: * كَمَا جُلُّ نَارِي فِيْهِ مِنْ جُلَّنَارِهِ * فَاسْتَحْسَنَهُ وَعَمِلَ عَلَيْهِ. وَمِنْ نَظْمِهِ: الأَبْيَاتُ المَشْهُوْرَةُ السَّائِرَةُ. قَالُوا عَشِقْتَ وَأَنْتَ أعْمَى … ظَبْيًا كَحِيْلَ الطَّرْفِ أَلْمَى وَحُلَاهُ مَا عَايَنْتَهَا … فَنَقُوْلُ قدْ شَغَفَتْكَ (١) وَهْمَا وَخَيَالَهُ بِكَ فِي المَنَا … مِ فَمَا أَطَافَ وَلَا أَلَمَّا مِنْ أَيْنَ أُرْسِلُ لِلْفُؤَا … دِ وَأَنْتَ لَمْ تَنْظُرْهُ سَهْمًا وَمَتَى رَأَيْتَ جَمَالَهُ … حَتَّى كَسَاكَ هَوَاهُ سُقْمَا وَالعَيْنُ دَاهِيَةُ الهَوَى … وَبِهِ تَنِمُّ (٢) إِذَا تَنَمَّى وَبِأَيِّ جَارِحَةٍ وَصَلْـ … ـــتَ لِوَصْفِهِ نَثْرًا وَنَظْمًا فَأَجَبْتُ إِنِّي مُوْسَوِيُّ … العِشْقِ إِنْصَاتًا وَفَهْمًا أَهْوَى بجَارِحَةٍ السَّمَا … عِ وَلَا أَرَى ذَاتِ المُسَمَّى تُوُفِّيَ فِي سَحَرِ يَوْمِ الأَحَدِ تَاسِعِ المُحَرَّمِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِيْنَ وَسِتِّمَائَةَ بِـ "مِصْرَ"، وَدُفِنَ مِنَ الغَدِ بِسَفْحِ المُقَطَّمِ، رَحِمَهُ اللهُ تعَالَى.

стр. 1497

٣١٢ - أَحمَدُ بْنُ مَحمُودِ (١) بنِ نَاصِرٍ البَغْدَادِيُّ، الحَرِيْمِيُّ، الحَذَّاءُ، أَبُو العَبَّاسِ بْنِ أَبِي البَرَكَاتِ، وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ وَالِدِهِ (٢). وُلِدَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ تَقْدِيْرًا. وَسَمِعَ بِإِفَادَةِ وَالِدِهِ مِنْ أَبِي الفَتْحِ بْنِ البَطِّيِّ، وَيَحْيَى بْنِ ثَابِتٍ (٣) بْنِ بُنْدَارٍ، وَسَعْدِ اللهِ بْنِ الدَّجَّاجِيِّ، وَأَبِي جَعْفَرِ بْنِ القَاصِّ، وَغَيْرِهِمْ. وَتَفَقَّهَ عَلَى وَالِدِهِ أَبِي البَرَكَاتِ، وَحَدَّثَ، وَأَجَازَ لِلْمُنْذِرِيِّ (٤). قَالَ ابْنُ السَّاعِي: تُوُفِّيَ يَوْمَ الأَرْبِعَاءِ حَادِي عِشْرِيْنَ جُمَادَى الأُوْلَى سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِيْنَ وَسِتِّمَائَةَ، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ "بَابِ حَرْبٍ". وَالَّذِي قَدَّمَهُ المُنْذِرِيُّ: أَنَّهُ تُوُفِّيَ لَيْلَةَ الرَّابِعَ عَشَرَ مِنَ الشَّهْرِ المَذْكُورِ. أَحْمَدُ بْنُ نَاصِرِ (٥) بنِ أَحمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ نَاصِرٍ الإِسْكَافِيِّ، الفَقِيْهُ، أَبُو العَبَّاسِ

стр. 1498

ابْنِ أَبِي البَرَكَاتِ، الفَقِيْهُ الحَرْبِيُّ. قَرَأَ طَرَفًا مِنَ الفِقْهِ عَلَى وَالِدِهِ، وَسَمِعَ الحَدِيْثَ مِنْ أَبِي الفَتْحِ بْنِ البَطِّيِّ، وَيَحْيَى بْنِ ثَابِتِ بْنِ بُنْدَارٍ، وَسَعْدِ اللهِ بْنِ الدَّجَاجِيِّ، وَغَيْرِهِمْ. كَتَبَ عَنْهُ ابنُ النَّجَّارِ، وَقَالَ: كَانَ شَيْخًا حَسَنًا، فَهْمًا، مُتَيَقِّظًا. تُوُفِّيَ يَوْمَ الأَرْبِعَاءِ حَادِي عِشْرِيْنَ جُمَادَى الأُوْلَى سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِيْنَ وَسِتِّمَائَةَ، وَدُفِنَ بِـ "بَابِ حَرْبٍ"، ﵀. ٣١٣ - أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الوَاحِدِ (١) بنِ أَحْمَدَ بْنِ عبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْمَاعِيْلَ بْنِ

стр. 1499

مَنْصُورٍ السَّعْدِيُّ، المَقْدِسِيُّ، ثُمَّ الدِّمَشْقِيُّ، المَعْرُوفُ بِـ "البُخَارِيِّ" شَمْسُ الدِّيْنِ، أَبُو العَبَّاسِ أَخُو الحَافِظِ ضِيَاءِ الدِّيْنِ مُحَمَّدٍ، وَوَالِدُ الفَخْرِ عَلِيٍّ، مُسْنِدِ وَقْتِهِ. وُلِدَ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ شَوَّالٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ بِـ "الجَبَلِ"، وَسَمعَ بِـ "دِمَشْقَ" مِنْ أَبِي المَعَالِي بنِ صَابِرٍ، وَغَيْرِهِ. ورَحَلَ إِلَى "بَغْدَادَ" وَسَمِعَ مِنْ أَبي الفَتْحِ بنِ شَاتِيْلٍ وَابنِ الجَوْزِيِّ وَطَبَقَتِهِمْ. وَسَمِعَ بِـ "نَيْسَابُوْرَ" مِنْ عَبْدِ المُنْعِمِ الفُرَاوِيِّ، وَسَمِعَ بِـ "وَاسِطَ" مِنْ جَمَاعَةٍ (١) وَتَفَقَّهَ، وَبَرَعَ،

стр. 1500

وَأَقَامَ بِـ "بُخَارَى" مُدَّةً يَشْتَغِلُ بِالخِلَافِ عَلَى الرَّضِيِّ النَّيْسَابُوْرِيِّ (١)، وَلِهَذَا عُرِفَ بِالبُخَارِيِّ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى "الشَّامِ" وَسَكَنَ "حِمْصَ" مُدَّةً، وَيُقَالُ: إِنَّهُ وَلِي بِهَا القَضَاءَ، كَمَا ذَكَرَهُ المُنْذِرِيُّ وَغَيْرُهُ، وَأَنْكَرَ أَبُو القَاسِمِ بْنُ العَدِيْمِ ذلِكَ (٢). قَالَ الذَّهَبِيُّ: وَكَانَ إِمَامًا، عَالِمًا، مُفْتِيًا، مُنَاظِرًا، ذَا سَمْتٍ وَوَقَارٍ، وَكَانَ كَثيْرَ المَحْفُوظِ، حُجَّةً، صَدُوْقًا، كَثِيْرَ الاحْتِمَالِ، تَامَّ المُرُوْءَةِ، لَمْ يَكُنْ فِي المَقَادِسَةِ أَفْصَحُ مِنْهُ، وَاتَّفَقَتِ الأَلْسِنَةُ عَلَى شُكْرِهِ، وَشُهْرَتِهِ وَفَضْلِهِ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ يُغْنِي عَنِ الإِطنَابِ فِي ذِكْرِهِ. حَدَّثَ البُخَارِيُّ بِـ "دِمَشْقَ" وَ"حِمْصَ" وَسَمِعَ مِنْهُ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ: عَبْدُ الرَّازِقِ الرَّسْعَنِيُّ. وَرَوَى عَنْهُ أَخُوْهُ الضِّيَاءُ الحَافِظُ، وَوَلَدُهُ الفَخْرُ

стр. 1501

عَلِيٌّ، وَأَجَازَ لِلْمُنْذِرِيِّ. وَتُوُفِّيَ لَيْلَةَ الخَمِيْسِ خَامِسَ جُمَادَى الآخِرَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِيْنَ وَسِتِّمَائَةَ، كَذَا قَالَ المُنْذِرِيِّ، وَقَالَ ابْنُ العَدِيْمِ: تُوُفِّيَ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ خَامِسَ عَشَرَ مِنَ الشَّهْرِ المَذْكُورِ (١)، وَدُفِنَ مِنَ الغَدِ إِلَى جَانِبِ خَالِهِ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّيْنِ، رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى. أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيْلَ (أَنَا) أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الوَاحِدِ (ثَنَا) وَالِدِي أَبُو العَبَّاسِ مِنْ لَفْظِهِ بِـ "حِمْصَ" (أَنَا) أَبُو الفَتْحِ بْنُ شَاتِلٍ (أَنَا) أَبُو القَاسِمِ بنُ بَيَانٍ (أَنَا) أَبُو القَاسِمِ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ بِشْرَانَ (ثَنَا) مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ أَبِي شُعَيْبٍ الحَرَّانِيُّ (ثَنَا) عَبْدُ العَزِيْزِ بْنُ دَاوُدَ الحَرَّانِيُّ (ثَنَا) حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ قَالَ: قُلْتُ لابْنِ عُمَرَ: عِنْدَنَا رِجَالٌ بِـ "العِرَاقِ" يَقُوْلُوْنَ: إِنْ شَاءُوا عَمِلُوا، وَإِنْ شَاءُوا لَمْ يَعْمَلُوا، وَإِنْ شَاءُوا دَخَلُوا الجَنَّةَ، وَإِنْ شَاءُوا دَخَلُوا النَّارَ، وَيَصْنَعُوْنَ مَا شَاءُوا، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: "أَخْبِرْهُمْ أَنِّي مِنْهُمْ بَرِيْءٌ، وَهُمْ بُرَآءُ مِنِّي، ثُمَّ قَالَ: جَاءَ جِبْرِيْلُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَذَكَر الحَدِيْثَ" (٢).

стр. 1502

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1503

وَمنْ فَتَاوَى أَبِي العَبَّاسِ البُخَارِيِّ بِـ "حِمْصَ": سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَائَةَ قُرَاضًا، فَرَبِحَ سِتِّيْنَ، ثُمَّ أَخَذَ رَبُّ المَالِ مِنْهُ ثَمَانِيْنَ. ثُمَّ ثَمَانِيْنَ، ثُمَّ اتَّجَرَ المُضَارِبُ بِالبَاقِي، فَصَارَ خَمْسَةَ عَشَرَ فَأَجَابَ: لَا يَجِبُ عَلَى المُضَارِبِ شَيْءٌ، بَلْ تَقَعَ الخَمْسَةَ عَشَرَ الَّتِي بَقِيَتْ بَدَلًا عَنْ نَصِيْبِهِ، وَذلِكَ لأَنَّ المُضَارِبَ كَانَ يَسْتَحِقُّ خَمْسَةَ عَشَرَ، ضَرُوْرَةَ أَنَّ الثَّلَاثِينَ مِنَ الَّذِي أَخَذَ هِيَ الرِّبْحُ، وَكَانَ المُضَارِبُ يَسْتَحِقُّ النِّصْفَ. قُلْتُ: وَجْهُ هَذَا: أَنَّ رَبَّ المَالِ أَخَذَ نِصْفَ رَأْسِ المَالِ وَنِصْفَ الرِّبْحِ اسْتَحَقَّ العَامِلُ مِمَّا أَخَذَهُ مِنَ الرِّبْحِ، نِصْفَهُ، وَهُوَ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَهُوَ رُبْعُ الرِّبْحِ، وَبَقِيَ رَأْسُ المَالِ فِي يَدِ المُضَارِبِ خَمْسُوْنَ، والثَّلَاثُوْنَ الزَّائِدَةَ رِبْحٌ، فَلَمَّا اتَّجَرَ فِيْهِ العَامِلُ وَخَسِرَ: جَبَرَ رَأْسَ المَالِ البَاقِي فِي يَدِهِ بِرِبْحِهِ، وَلَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا مِنْ رِبْحِهِ، وَبَقِيَ لَهُ عَلَى رَبِّ المَالِ نَصِيْبُهُ مِمَّا أَخَذَهُ مِنَ الرِّبْحِ، وَهُوَ خَمْسَةَ عَشَرَ؛ إِذْ هِيَ نِصْفُ مَا أَخَذَهُ مِنَ الرِّبْحِ، فَيَسْتَحِقُّهَا

стр. 1504

عَلَيْهِ، وَلَا يَنْجَبِرُ بِهَا هَذَا الخُسْرَانُ؛ لأَنَّ مَا أَخَذَهُ رَبُّ المَالِ انْفَسَخَتْ فِيْهِ المُضَارَبَةُ، وَانْقَطَعَ حُكْمُهُ عَمَّا بَقِيَ فِي يَدِ العَامِلِ. وَظَاهِرُ مَا أَفْتَى بِهِ البُخَارِيُّ: يَقْتَضِي أَنَّ العَامِلَ أَخَذَ الخَمْسَةَ عَشَرَ البَاقِيَةَ فِي يَدِهِ عِوَضًا عَنْ نَصِيْبِهِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ عَلَى رَبِّ المَالِ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّيْنِ فِي نَظِيْرِ هَذِهِ المَسْأَلَةِ: أَنَّ العَامِلَ يَرُدُّ مَا فِي يَدِهِ إِلَى رَبِّ المَالِ، وَيُطَالِبُهُ بِحَقِّهِ مِمَّا أَخَذَهُ مِنَ الرِّبْحِ؛ لِئَلَّا يَكُوْنَ مُسْتَوْفِيًا مِنْ تَحْتِ يَدِهِ مِنْ مَالِ مَنْ لَهُ عَلَيْهِ الحَقُّ. ٣١٤ - عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيْمَ (١) بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْمَاعِيْلَ

стр. 1505

ابْنِ مَنْصُورٍ المَقْدِسِيُّ، الفَقِيْهُ، الزَّاهِدُ، بَهَاءُ الدِّيْنِ، أَبُو مُحَمَّدٍ ابْنِ عَمِّ البُخَارِيِّ المَذْكُورِ قَبْلَهُ. وُلِدَ سَنَةَ سِتٍّ - وَيُقَالُ: سَنَةَ خَمْسٍ - وَخَمْسِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ. وَسَمِعَ بِـ "دِمَشْقَ" منْ أَبِي عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي الصَّقْرِ وَغَيْرِهِ (١). وَرَحَلَ إِلَى "بَغْدَادَ" وَسَمِعَ بِهَا مِنْ شُهْدَةَ، وَعَبْدِ الحَقِّ اليُوْسُفِيِّ، وَطَبَقَتِهِمَا (٢)، وَسَمِعَ بِـ "حَرَّانَ" مِنْ أَحْمَدَ بنِ أَبِي الوَفَاءِ الفَقِيْهِ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ تَفَقَّهَ بِـ "بَغْدَادَ" عَلَى ابن المَنِّيِّ، وَتَفَقَّهَ بِـ "دِمَشْقَ" عَلَى الشَّيْخِ مُوفَّقِ الدِّيْنِ، وَلَازَمَهُ، وَعَلَّقَ عَنْهُ الفِقْه، وَاللُّغَة، وَقَرَأَ العَرَبِيَّةَ، وَصَنَّفَ فِي الفِقْهِ وَالحَدِيْثِ، وَالرَّقَائِق. فَمِنْ تَصَانِيْفِهِ: "شَرْحُ العُمْدَةِ" لِلْشَّيْخِ مُوَفَّق الدِّينِ فِي مُجَلَّد، وَهُوَ شَرْحُ مُخْتَصَر، وَنَصَّ فِي أَوَّلِهِ: أَنَّ المَاءَ لَا يَنْجس حَتَّى يَتَغَيَّر مُطْلَقًا، وَيُقَالُ: إِنَّهُ شَرح "المُقنع" أَيْضًا (٣).

стр. 1506

وَقَالَ سِبْطُ ابْنِ الجَوْزِيِّ: كَانَ يَؤُمُّ بِمَسْجِدِ الحَنَابِلَةِ بِـ "نَابُلُسَ"، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى "دِمَشْقَ" قَالَ: وَكَانَ صَالِحًا، وَرِعًا، زَاهِدًا، غَازِيًا، مُجَاهِدًا، جَوَّادًا، سَمْحًا. وَقَالَ المُنْذِرِيُّ: كَانَ فِيْهِ تَوَاضُعٌ، وَحُسْنُ خُلُقٍ، وَأَقْبَلَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ عَلَى الحَدِيْثِ إِقْبَالًا كُلِّيًّا، وَكَتَبَ مِنْهُ الكَثِيْرَ، وَحَدَّثَ بِـ "نَابُلُسَ" وَ"دِمَشْقَ" تُوُفِّيَ ﵀ فِي سَابِعَ ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِيْنَ وَسِتِّمَائَةَ، وَدُفِنَ مِنْ يَوْمِهِ بِـ "سَفحِ قَاسِيُونَ"، رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى. قَرَأْتُ بِخَطِّ الشَّيْخِ بَهَاءِ الدِّيْنِ، قَالَ الخِرَقِيُّ: وَإِذَا قَالَ لَهُ: يَا لُوْطِيُّ، وَقَالَ: أَرَدْتُ أَنَّهُ مِنْ قَوْمٍ لُوْطٍ، فَلَا شَيءَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: إِذَا قَذَفَ مَنْ كَانَ مُشْرِكًا وَقَالَ: أَرَدْتُ أَنَّهُ زَنَى وَهُوَ مُشْرِكٌ، لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَى قَوْلِهِ وَحُدَّ. سَأَلْتُ مُوَفَّقَ الدِّيْنِ عَنِ الفَرْقِ بَيْنَهُمَا، فَقَالَ: قَدْ قِيْلَ فِي الأَدِلَّةِ: إِنَّهَا عَلَى خِلَافِ الظَّاهِرِ، وَأَنَّهُ لَا يُلْتَفَتُ إِلَى قَوْلِهِ كَالثَّانِيَةِ؛ لأَنَّ قَوْمَ لُوْطٍ قَدِ انْقَرَضُوا، وَهَذَا بَعِيْدٌ، وَإِنْ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، فَلأَنَّهُ إِذَا قَالَ: أَرَدْتُ أَنَّهُ زَنَى وَهُوَ مُشْرِكٌ، فَقَدْ أَلْحَقَ بِهِ العَارَ فِي الحَالِ بِقَوْلِهِ: يَا زَانِي، وَالزِّنَا عَارٌ فِي حَالَةِ الشِّرْكِ، وَقَدْ وَصَفَهُ بِهِ وَهُوَ مُسْلِمٌ، فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى تَفْسِيْرِهِ، وَيُحَدُّ، وَأَمَّا إِذَا قَالَ: يَا لُوْطِيُّ، وَقَالَ: أَرَدْتُ أَنَّكَ مِنْ قَوْمِ لُوْطٍ فَقَدْ نَفَى عَنْهُ العَارَ؛ لأَنَّ كَوْنَهُ مِنْ قَوْمِ لُوْطٍ لَا عَارَ فِيْهِ، وَقَدْ فَسَّرَ اللَّفْظَ بِمَا يَحْتَمِلُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

стр. 1507

٣١٥ - عَبْدُ اللهِ بْنُ نَصْرِ بْنِ مُحَمَّدِ (١) بْنِ أَبِي بَكْرٍ الحَرَّانِيُّ، المُقْرِئُ، الفَقِيْهُ، أَبُو بَكْرٍ، قَاضِي "حَرَّانَ". رَحَلَ إِلَى "بَغْدَادَ" وَتَفَقَّهَ بِهَا، وَسَمِعَ الحَدِيْثَ مِنْ شُهْدَةَ، وَابْنُ شَاتِيْلٍ وَطَبَقَتِهِمَا (٢)، وَرَحَلَ إِلَى "وَاسِطَ"، وَقَرَأَ بِهَا القُرْآنَ بِالرِّوَايَاتِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ البَاقِلَّانِيِّ، وَأَبي طَالِبٍ الكَتَانِيُّ (٣) وَجَمَاعَةٍ آخَرِيْنَ (٤). وَصَنَّفَ كُتُبًا فِي القِرَاءَاتِ، مِنْهَا: "التَّذْكِيْرُ" (٥) فِي قِرَاءَةِ السَّبْعَةِ، وَمِنْهَا "مُفْرَدَاتٌ" فِي قِرَاءَةِ الأَئِمَّةِ،

стр. 1508

وَأَقْرَأَ القُرْآنَ، وَحَدَّثَ بِـ "حَرَّانَ" (١). رَوَى عَنْهُ الأَبْرَقُوْهِيُّ (٢) وَجَمَاعَةٌ.

стр. 1509

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1510

قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ الفَقِيْهِ: سَمِعْتُ عَلَيْهِ أَشْيَاءَ، قَالَ: وَكَانَ مَشْهُوْرًا بِالدِّيَانَةِ وَالصِّيَانَةِ، مُسْتَوْحِدًا فِي فَنِّهِ، وَفِي فُنُوْنِ القِرَاءَةِ، وَجَوْدَةِ أَدَائِهَا. تُوُفِّيَ ﵀ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِيْنَ وَسِتِّمَائَةَ بِـ "حَرَّانَ". ٣١٦ - عبْدُ المُحْسِنِ بْنُ عَبْدِ الكَرِيْمِ (١) بْنِ ظَافِرِ بْنِ رَافِعٍ، الحُصْنِيُّ، الحُصْرِيُّ، المِصْرِيُّ، الفَقِيْهُ، أَبُو مُحَمَّدٍ. وُلِدَ فِي أَوَائِلِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِيْنَ وَخَمْسِمَائَةِ بِـ "مِصْرَ" وَسَمِعَ بِهَا مِنْ أَبِي إِسْحَقَ إِبْرَاهِيْمَ بْنِ هِبَةِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ البَغْدَادِيِّ، وَأَبِي رَوْحٍ المُطَهَّرِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الحُبُوْشَانِيِّ (٢) وَأَبِي نِزَارٍ رَبِيْعَةَ بْنِ الحَسَنِ اليَمَانِيِّ الحَافِظِ، وَعَبْدِ المُجِيبِ
следующие страницы →