Полный текст (2 431 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وَلَمْ يَزَلْ يُدَرِّسُ، وَيُفْتِي، وَيُنَاظِرُ، إِلَى أَنْ خَرَجَ مِنْ "بَغْدَادَ"، وَلَمْ يُحَدِّثْ بِـ "بَغْدَادَ" بِشَيْءٍ؛ لأنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا فِي فِتْنَةِ البَسَاسِيْرِيِّ (١)، فِي سَنَةِ خَمْسِيْنَ وَأَرْبَعَمَائَةَ إِلَى "آمِدَ"، وَسَكَنَهَا (٢) واسْتَوْطَنَ بِهَا، وَدَرَّسَ بِهَا الفِقْهَ إِلَى أَنْ مَاتَ بِهَا (٣) فِي سَنَةِ سَبْعٍ - أَوْ ثَمَانٍ (٤) - وَسِتِّيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ. وَقَبْرُهُ هُنَاكَ مَقْصُوْدٌ стр. 142
بالزِّيَارَةِ (١). وَكَانَ يُدَرِّسُ فِي مَقْصُوْرَةٍ بِجَامِعِ "آمِدَ"، وَلَهُ هُنَاكَ أَصْحَابٌ يَتَفَقَّهُوْنَ عَلَيْهِ، وَبَرَعَ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ، وَلَهُ كِتَابُ "عُمْدَةِ الحَاضِرِ وَكِفَايَةِ المُسَافِرِ" فِي الفِقْهِ (٢)، فِي نَحْوِ أَرْبَعِ مُجَلَّدَاتٍ، وَهُوَ كِتَابٌ جَلِيْلٌ يَشْتَمِلُ عَلَى فَوَائِدَ كَثِيْرَةٍ نَفِيْسَةٍ، وَيَقُوْلُ فِيْهِ: ذَكَرَ شَيْخُنَا ابنُ أَبِي مُوْسَى في "الإِرْشَادِ" فالظَّاهِرُ: أَنَّهُ تَفَقَّهَ عَلَيْهِ أَيْضًا. وَسَمِعَ مِنْهُ بِـ "آمِدَ": أَبُو الحَسَنِ بنُ الغَازِي (٣) "السُّنَّةَ" لِلْخَلَّالِ، عَنْ أَبِي إِسْحَقَ البَرْمَكِيِّ، وَعَبْدِ العَزِيْزِ الأَزَجِيِّ.
٦ - مُحَمَّدُ بنُ عُمَرَ بنِ الوَلِيْدِ البَاجِسْرَائِيُّ (٤)، الفَقِيْهُ، أَبُو عَبْدِ اللهِ. قَالَ أَبُو الحُسَيْنِ: стр. 143
كَانَتْ لَهُ حَلْقَةٌ بِجَامِعِ المَنْصُوْرِ، تَرَدَّدَ إِلَى مَجْلِسِ الوَالِدِ السَّعِيْدِ الزَّمَانَ الطَّوِيْلَ، وَسَمِعَ مِنْهُ الحَدِيْثَ وَالدَّرْسَ.
وَمَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، وَكَانَ قَدْ بَلَغَ مِنَ السِّنِّ خَمْسًا وَتِسْعِيْنَ سَنَةً. رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى (١). стр. 144
٧ - مُحَمَّدُ بنُ عَلِيِّ بنِ مُحَمَّدِ (١) بنِ مُوْسَى بنِ جَعْفَرٍ، أَبُو بَكْرٍ الخَيَّاطُ، المُقْرِئُ، البَغْدَادِيُّ. وُلِدَ سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِيْنَ وَثَلَاثِمَائَةَ، وَقَرَأَ عَلَى أَبِي أَحْمَدَ الفَرَضِيِّ، وَأَبي الحُسَيْن السُّوْسَنْجَرْدِيِّ، وَبَكْرِ بنِ شَاذَانَ، وَأَبِي الحَسَنِ الحَمَّامِيِّ، وَغَيْرِهِمْ (٢). وَسَمِعَ الحَدِيْثَ مِنِ ابْنِ الصَّلْتِ المُجَبِّرِ، وَأَبِي عُمَرَ بنِ مَهْدِيِّ، وَخَلْقٍ مِنْ طَبَقَتهِمَا. وَرَأَى أَبَا عَبْدِ اللهِ بْنَ حَامِدٍ. وَكَانَ يَترَدَّدُ إِلَى القَاضِي أَبِي يَعْلَى، وَيَسْمَعُ دَرْسَهُ، وَيَحْضُرُ أَمَالِيَهُ، وَاشْتَغَلَ بِإِقْراءِ القُرْآنِ، وَرِوَايَةِ الحَدِيْثِ فِي بَيْتِهِ، وَمَسْجِدِهِ، وَجَامِعِ المَنْصُوْرِ، وَكَانَ يَحْضُرُهُ خَلْقٌ كَثِيْرٌ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ خَلْقٌ، مِنْهُمُ القَاضِي أَبُو الحُسَيْنِ بنُ القَاضِي أَبِي يَعْلَى (٣)، وَأَبُو عَبْدِ اللهِ البَارِعُ، وَأَبُو بَكْرٍ стр. 145
المَزْرَفِيُّ، وَهَبَةُ اللهِ بنُ الطَّبَرِيِّ. وَحَدَّثَ عَنْهُ جَمَاعَةٌ كَثيْرُوْنَ، مِنْهُم: أَبُو بَكْرٍ الخَطِيْبُ فِي "تَارِيْخِهِ"، وَأَبُو مَنْصُوْرٍ القَزَّازُ، وَيَحْيَى بنُ الطَّرَّاحِ، وَغَيْرُهُمْ، وانْتَهَى إِلَيْهِ إِسْنَادُ القِرَاءَةِ فِي وَقْتِهِ. قَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: مَا يُوْجَدُ فِي عَصْرِهِ في القِرَاءَةِ (١) مِثْلُهُ، وَكَانَ ثِقَةً، صَالِحًا. وَقَالَ المُؤْتَمِنُ السَّاجِيُّ (٢): كَانَ شَيْخًا، ثِقَةً فِي الحَدِيْثِ وَالقِرَاءَةِ، صَالِحًا، صَبُوْرًا عَلَى الفَقْرِ. وَقَالَ أَبُو يَاسِرٍ البَرَدَانِيُّ (٣): كَانَ مِنَ البَكَّائِيْنَ عِنْدَ الذِّكْرِ، أَثَّرَتِ الدُّمُوعُ فِي خَدَّيْهِ. وَقَالَ ابنُ النَّجَّارِ: كَانَ стр. 146
شَيْخ القُرَّاءِ فِي وَقْتِهِ، تَفَرَّدَ بِرِوَايَاتٍ، وَكَانَ عَالِمًا، وَرِعًا، مُتَدَيِّنًا. وَذَكَرَهُ الذَّهَبِيُّ فِي "طَبَقَاتِ القُرَّاءِ" فَقَالَ: كَانَ كَبِيْرَ القَدْرِ، عَدِيْمَ النَّظِيْرِ، بَصِيْرًا بِالقَرْآن (١)، صَالِحًا، عَابِدًا، وَرِعًا، نَاسِكًا، بَكَّاءً، قَانِتًا، خَشَنَ العَيْشِ، فَقِيْرًا، مُتَعَفِّفًا، ثِقَةً، فَقِيْهًا عَلَى مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وآخَرُ مَنْ رَوَى عَنْهُ بِالإِجَازَةِ أَبُو الكَرَمِ الشَّهْرَزُوْرِيُّ (٢).
قَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: تُوُفِّيَ لَيْلَةَ الخَمِيْسِ ثَالِثَ جُمَادَى الأُوْلَى سَنَةَ ثَمَانٍ (٣) وَسِتِّيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، وَدُفِنَ فِي مَقْبَرَةِ جَامِعِ المَدِيْنَةِ يَعْنِي مَدِيْنَةَ المَنْصُوْرِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: صَلَّى عَلَيْهِ أَبُو مُحَمَّدٍ التَّمِيْمِيُّ فِي الجَامِعِ.
٨ - عَلِيُّ بنُ الحُسَيْنِ (٤) بنِ أَحْمَدَ بنِ إِبْرَاهِيْمَ بنِ جَدَّا، أَبُو الحَسَنِ العُكْبَرِيُّ، стр. 147
ذَكَرَهُ ابنُ شَافِعٍ في "تَارِيْخِهِ" (١) فَقَالَ: هُوَ الشَّيْخُ، الصَّالِحُ، الزَّاهِدُ، الفَقِيْهُ، الأَمَّارُ بِالمَعْرُوْفِ، وَالنَّاهِي (٢) عَنِ المُنْكَرِ. سَمِعَ: أَبَا عَلِيِّ بنَ شَاذَانَ، وَالبُرْقَانِيَّ، وَأَبَا القَاسِمِ الخِرَقِيَّ، وَأَبَا القَاسِمِ بنَ بِشْرَانَ، وَكَانَ فَاضِلًا، خَيِّرًا، ثِقَةً، مَسْتُوْرًا، صَيِّنًا، شَدِيْدًا في السُّنَّةِ، عَلَى مَذْهَبِ أَحْمَدَ ﵁ (٣).
وَقَالَ القَاضِي أَبُو الحُسَيْنِ، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ: كَانَ شَيْخًا، صَالِحًا، دَيِّنًا، كَثِيْرَ الصَّلَاةِ، حَسَنَ التِّلَاوَةِ للقُرْآنِ، ذَا لَسَنٍ وَفَصَاحَةٍ فِي المَجَالِسِ والمَحَافِلِ، وَلَهُ فِي ذلِكَ كَلَامٌ مَنْثُوْرٌ، وَتَصْنِيْفٌ مَذْكُوْرٌ مَشْهُوْرٌ. وَذَكَرَهُ أَبُو الحُسَيْنِ، وَابْنُ الجَوْزِيِّ وَقَالَا: سَمِعَ مِنْ أَبِي عَلِيِّ بنِ شِهَابٍ، وَأَبِي عَلِيِّ بنِ شَاذَانَ، وَكَانَ فَقِيْهًا، صَالِحًا، فَصِيْحًا. قَالَ أَبُو الحُسَيْنِ: قَرَأَ الفِقْهَ عَلَى الوَالِدِ السَّعِيْدِ، وَلَهُ مُصَنَّفٌ فِي الأُصُوْلِ. стр. 148
وَتُوُفِّيَ فَجْأَةً فِي الصَّلَاةِ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّيْنَ وَأَرْبَعمَائَةَ، وَدُفِنَ فِي مَقْبَرَةِ أَحْمَدَ. وَذَكَرَ ابنُ شَافِعٍ وَغَيْرُهُ: أَنَّهُ تُوُفِّيَ يَوْمَ الأَحَدِ سَابِعَ عَشَرَ رَمَضَان المَذْكُوْرَ. وَقَالَ ابنُ شَافِعٍ: جَدَّا - بِفَتْحِ الجِيْمِ - كَذَا سَمِعْتُهُ مِنْ أَشْيَاخِنَا، وَرَأَيْتُهُ مَضْبُوْطًا بِخَطِّ أَسْلَافِنَا (١). وَرَوَى عَنْهُ القَاضِي أَبُو بَكْرٍ (٢)، وَأَبُو مَنْصُوْرٍ القَزَّازُ، وَسَمِعَ مِنْهُ مَكِّيٌّ الرُّمَيْلِيُّ الحَافِظُ وَجَمَاعَةٌ.
وَقَالَ ابنُ خَيْرُوْنَ (٣): حَدَّثَ بِشَيْءٍ يَسِيْرٍ، كَانَ مَسْتُوْرًا، صَيِّنًا، ثِقَةً.
وَرَوَى عَنْهُ الخَطِيْبُ فَقَالَ (٤): حَدَّثَنِي عَلِيُّ بنُ الحُسَيْنِ بنِ جَدَّا العُكْبَرِيُّ стр. 149
قَالَ: رَأَيْتُ هِبَةَ اللهِ الطَّبَرِيَّ فِي المَنَامِ، فَقُلْتُ: مَا فَعَلَ اللهُ بِكَ؟ قَالَ: غَفَرَ لِي، قُلْتُ: بِمَاذَا؟ قَالَ: كَلِمَةٌ خَفِيْفَةٌ بِالسُّنَّةِ. قَالَ الحَافِظُ عَبْدُ القَادِرِ الرُّهَاوِيُّ (١): أَنْبَأَنَا أَبُو مُوْسَى المَدِيْنِيُّ الحَافِظُ، قَالَ: رَأَيْتُ بِخَطِّ ابنِ البَنَّاءِ - وَقَرَأَتُهُ عَلَى ابنِ نَاصِرٍ، بِإِجَازَتِهِ مِن ابنِ البَنَّاءِ - قَالَ: حَكَى أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ الحُسَيْنِ بنِ جَدَّا العُكْبَرِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُوْدٍ أَحْمَدَ بنَ مُحَمَّدٍ البَجَلِيَّ (٢) الحَافِظَ قَالَ: دَخَلَ ابنُ فُوْرَكَ (٣) عَلَى السُّلْطَانِ مَحْمُوْدٍ (٤)، فَتَنَاظَرَا، قَالَ ابنُ فُوْرَكَ стр. 150
لِمَحْمُوْدٍ: لَا يَجُوْزُ أَنْ تَصِفَ اللهَ بالفَوْقِيَّةِ، لأنَّهُ يَلْزَمُكَ أَنْ تَصِفَهُ بالتَّحْتِيَّةِ؛ لأنَّهُ مَنْ جَازَ أَنْ يَكُوْنَ لَهُ فَوْقٌ جَازَ أَنْ يَكُوْنَ لَهُ تَحْتٌ، فَقَالَ مَحْمُوْدٌ: لَيْسَ أَنَا وَصَفْتُهُ بالفَوْقِيَّةِ، فَتُلْزِمُنِي أَنْ أَصِفَهُ بالتَّحْتِيَّةِ، وَإِنَّمَا هُوَ وَصَفَ نَفْسَهُ بِذلِكَ، قَالَ: فَبُهِتَ.
(أَثَنَا) مُحَمَّدُ بنُ إِسْمَاعِيْلَ الصُّوْفِيُّ (١) بِالقَاهِرَةِ، (أَثَنَا) عَبْدُ العَزِيْزِ بنُ عَبْدِ المُنْعِمِ الحَرَّانِيُّ (أَثَنَا) أَبُو عَلِيِّ بنُ الخُرَيْفِ (أَثَنَا) القَاضِي أَبُو بَكْرِ بنُ عَبْدِ البَاقِي (أَثَنَا) أَبُو الحَسَنِ بنُ جَدَّا (أَثَنَا) أَبُو القَاسِمِ هِبَةُ اللهِ بنُ الحَسَنِ الطَّبَرِيُّ الحَافِظُ، قَالَ: ذَكَرَ أَنَّ فَتًى مِنْ أَصْحَابِ الحَدِيْثِ أَنْشَدَ فِي مَجْلِسِ أَبِي زُرْعَةَ الرَّازِيِّ هَذِهِ الأَبْيَاتِ، فَاسْتُحْسِنَتْ مِنْهُ:
دِيْنُ النَّبِيِّ مُحَمَّدٌ أَخْتَارُ … نِعْمَ المَطِيَّةُ لِلْفَتَى الآثَارُ
لَا تَغْفُلَنَّ عَنِ الحَدِيْثِ وَأَهْلِهِ … فَالرَّأْيُ لَيْلٌ وَالحَدِيْثُ نَهَارُ стр. 151
وَلَرُبَّمَا غَلَطَ الفَتَى إِثْرَ الهُدَى … وَالشَّمْسُ بَازِغَةٌ لَهَا أَنْوَارُ
٩ - عُبَيْدُ الله بنُ مُحَمَّد (١) بنِ الحُسَيْنِ الفَرَّاءِ، أَبُو القَاسِمِ بنِ القَاضِي أَبي يَعْلَى. ذَكَرَهُ أَخُوْهُ فِي "الطَّبَقَاتِ" وَأَنَّهُ وُلِدَ يَوْمَ السَّبْتِ سَابِعَ شَعْبَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَأَرْبَعمَائَةَ. وَقَرَأَ بالرِّوَايَاتِ عَلَى أَبي بَكْرٍ الخَيَّاطِ، وَابْنِ البَنَّاءِ، وَأَبِى الخَطَّابِ الصُّوْفِيِّ، وَأَحْمَدَ بنِ الحَسَنِ اللِّحْيَانِيِّ، وَغَيْرِهِمْ. وَسَمِعَ الحَدِيْثَ مِنْ وَالِدِهِ، وَجَدِّهِ لأُمِّهِ جَابِر بنِ يَاسِيْنَ، وَأَبي مُحَمَّدٍ الجَوْهَرِيِّ، وَغَيْرِهِمْ، وَابْنِ المُهْتَدِي، وَابنِ النَّقُوْرِ، وَابْنِ الآبَنُوْسِيِّ، وَابنِ المُسْلِمَةِ، وَابْنِ المَأْمُوْنِ، وَالصَّرِيْفِيْنِيِّ، وَغَيْرِهِمْ.
وَرَحَلَ فِي طَلَبِ الحَدِيْثِ وَالعِلْمِ إِلَى "وَاسِطَ"، وَ"البَصْرَةِ"، وَ"الكُوْفَةِ"، وَ"عُكْبَرَا"، وَ"المَوْصِلِ"، وَ"الجَزِيْرَةِ"، وَ"آمِدَ"، وَغَيْرِ ذلِكَ. وَقَرَأَ بِـ "آمِدَ" مِنَ الفِقْهِ عَلَى أَبِي الحَسَنِ البَغْدَادِيِّ قِطْعَةً صَالِحَةً مِنَ الخِلَافِ وَالمَذْهَبِ، стр. 152
وَكَانَ قَدْ عَلَّقَ قَبْلَ سَفَرِهِ عَلَى الشَّرِيْفِ أَبِي جَعْفَرٍ، وَكَانَ قَدْ حَضَرَ قَبْلَ ذلِكَ دَرْسَ وَالِدِهِ، وَعَلَّقَ عَنْهُ، وَكَانَ يَحْضُرُ مَجَالِسَ النَّظَرِ في الجُمَعِ وَغَيْرِهَا، وَيَتَكَلَّمُ فِي المَسَائِلِ مَعَ شُيُوْخِ عَصْرِهِ. وَكَانَ وَالِدُهُ يَأْتَمُّ بِهِ في صَلَاةِ التَّرَاوِيْحِ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ، وَكَانَ أَكْبَرَ وَلَدِ القَاضِي أَبِي يَعْلَى، وَهُوَ الَّذِي تَوَلَّى الصَّلَاةَ عَلَيْهِ بِجَامِعِ المَنْصُوْرِ، وَكَانَ ذَا عِفَّةٍ، وَدِيَانَةٍ وَصِيَانَةٍ، حَسَنَ التِّلَاوَةِ للقُرْآنِ، كَثِيْرَ الدَّرْسِ لَهُ، مَعَ مَعْرِفَتِهِ بِعُلُوْمِهِ، وَلَهُ مَعْرِفَةٌ بِالجَرْحِ وَالتَّعْدِيْلِ، وَأَسْمَاءِ الرِّجَالِ وَالكُنَى، وَغَيْرِ ذلِكَ مِنْ عُلُوْمِ الحَدِيْثِ، حَسَنَ القِرَاءَةِ، وَلَهُ خَطٌّ حَسَنٌ. وَلَمَّا وَقَعَتْ فِتْنَةُ ابنِ القُشَيْرِيِّ (١): خَرَجَ إِلَى "مَكَّةَ"، فَتُوُفِّيَ فِي مُضِيِّهِ إِلَيْهَا بِمَوْضِع يُعْرَفُ بِـ "مَعْدِنِ النَّقِرَةِ" (٢) أَوَاخِرَ ذِيْ القَعْدَةِ سَنَةَ تِسْعٍ وَسِتِّيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، وَلَهُ سِتٌّ وَعِشْرُوْنَ سَنَةً وَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَنَيِّفٌ وَعُشْرُوْنَ يَوْمًا تَقْرِيْبًا. ﵀ وَعَوَّضَهُ الجَنَّةِ.
١٠ - مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ (٣) بنِ الحَسَنِ بنِ عَلِيِّ بنِ الحُسَيْنِ بنِ هَارُوْنَ، стр. 153
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 154
أَبُو الحَسَنِ البَرَدَانِيُّ، الفَرَضِيُّ، الأَمِيْنُ، وَالِدُ الحَافِظِ أَبِي عَلِيٍّ، الآتِي ذِكْرُهُ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. وُلِدَ بِـ "البَرَدَانِ" سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِيْنَ - وَقِيْلَ: سَنَةَ ثَمَانٍ وَسَبْعِيْنَ - وَثَلَاثِمَائَةَ، وَنَشَأَ بِهَا، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى "بَغْدَادَ" سَنَةَ سِتٍّ وَأَرْبَعِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ واسْتَوْطَنَهَا، وَسَمِعَ الكَثيْرَ مِنْ أَبِي الحَسَنِ بنِ رِزْقَوَيْهِ، وَأَبِي الحُسَيْنِ بنِ بِشْرَانَ، وَأَخِيْهِ أَبِي القَاسِمِ، وَأَبِي الفَضْلِ التَمِيْمِيِّ، وَأَخِيْهِ أَبِي الفَرَجِ، وَأَبِي الحَسَنِ بنِ مَخْلَدٍ، وَأَبِي عَلِيِّ بنِ شَاذَانَ، وَالبُرْقَانِيِّ، وَخَلْقٍ. وَرَوَى عَنْهُ وَلَدَاهُ: أَبُو عَلِيِّ، وَأَبُو يَاسِرٍ، وَالقَاضِي أَبُو بَكْرِ بنُ عَبْدِ البَاقِي (١) وَغَيْرُهُم. стр. 155
قَالَ القَاضِي أَبُو الحُسَيْنِ بنُ أَبِي يَعْلَى: صَحِبَ الوَالِدَ، وَتَرَدَّدَ إِلَى مَجَالِسِهِ في الفِقْهِ وَسَمَاعِ الحَدِيْثِ، وَكَان رَجُلًا صَالِحًا. قَالَ ابنُ النَّجَّارِ: وَكَانَ رَجُلًا صَدُوْقًا، حَافِظًا لِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى، عَالِمًا بِالفَرَائِضِ وَقِسْمَةِ التَّرِكَاتِ، كَتَبَ بِخَطِّهِ الكَثِيْرَ، وَخَرَّجَ تَخَارِيْجَ، وَجَمَعَ فُنُوْنًا مِنَ الأَحَادِيْثِ وَغَيْرِهَا، وَخَطُّهُ رَدِيْءٌ كَثيْرُ السُّقْمِ، وَكَانَ أَمِيْنَ القَاضِي أَبي الحُسَيْنِ بنِ المُهْتَدِي، ثُمَّ ذَكَرَ عَنِ ابْنِهِ أَبِي يَاسِرٍ عَبْدِ اللهِ أَنَّ أَبَاهُ أَبَا لحَسَنِ سَرَدَ الصَّوْمَ ثَلَاثِيْنَ سَنَةً، وَذَكَرَ عَنِ السِّلَفِيِّ أَنَّهُ جَرَى ذِكْرُ ابنِهِ أَبِي عَلِيٍّ، فَقَالَ الحَافِظُ أَبُو مُحَمَّدٍ السَّمَرْقَنْدِيُّ: لَوْ رَأَيْتَ أَبَاهُ وَصَلَاحَهُ لَرَأَيْتَ العَجَبَ، رَوَى لَنَا عَنْ ابنِ رِزْقَوَيْهِ وَطَبَقَتِهِ، وَكَانَ فِقِيْهًا، وَضِيْئًا، مُحَدِّثًا، مَرْضِيًّا. وَذَكَرَ عَنِ ابنِ خَيْرُوْنَ أَنَّ البَرَدَانِيَّ كَانَ رَجُلًا صَالِحًا، ثِقَةً. وَقَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: كَانَ لَهُ عِلْمٌ بِالقِرَاءَاتِ، وَالفَرَائِضِ، وَكَانَ ثِقَةً، عَالِمًا، صَالِحًا، أَمِيْنًا.
تُوُفِّيَ يَوْمَ الخَمِيْسِ ثَامِنَ عَشْرِيْنَ ذِي القَعْدَةِ سَنَةَ تِسْعٍ وَسِتِّيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، وَدُفِنَ يَوْمَ الجُمُعَةِ بِـ "بَابِ حَرْبٍ". كَذَا ذَكَرَهُ ابنُ النَّجَّارِ. وَذَكَرَ ابنُ شَافِعٍ: أَنَّهُ تُوُفِّيَ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ تَاسِعَ عِشْرِيْنَ ذِيْ القَعْدَةِ، ثُمَّ قَالَ: قَرَأْتُ بِخَطِّ ابْنِهِ
стр. 156
أَبِي عَلِيٍّ أَنَّ أَبَاهُ تُوُفِّيَ يَوْمَ الخَمِيْسِ مُسْتَهَلَّ ذِيْ الحِجَّةِ مِنَ السَّنَةِ، قَالَ: وَصَلَّيْتُ عَلَيْهِ يَوْمَ الجُمُعَةِ فِي المَقْصُوْرَةِ، وَتَبِعَهُ خَلْقٌ عَظِيْمٌ. رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى. قُلْتُ: لَهُ كِتَابُ "فَضِيْلَةِ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ" رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُهُ أَبُو عَلِيٍّ.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بنُ إِسْمَاعِيْلَ الأَيُّوْبِيُّ الصُّوْفِيُّ بِـ "القَاهِرَةِ" (أَثَنَا) عَبْدُ العَزِيْزِ بنُ عَبْدِ المُنْعِمِ الحَرَّانِيُّ، (أثَنَا) أَبُو عَلِيِّ الخُرَيْفُ (أَثَنَا) القَاضِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ البَاقِيّ، (أثَنَا) أَبُو الحَسَنِ البَرَدَانِيُّ، (أثنَا) أَبُو الحَسَنِ بنُ مَخْلَدٍ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيْلُ الصَّفَّارُ، (أثَنَا) الحَسَنُ بنُ عَرَفَةَ، (أَثَنَا) المُعْتَمِرُ بنُ سُلَيْمَانَ، سَمِعْتُ عَاصِمًا الأَحْوَلَ يَقُوْلُ: حَدَّثَنِي شَرَحْبِيْلٌ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيْدٍ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ، وَابنَ عُمَرَ يُحَدِّثُوْنَ أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ قَالَ: "الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، مَنْ زَادَ أَوْ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى" (١).
وَأَخْبَرَنَاهُ - عَالِيًا - أَبُو الفَتْحِ المَيْدُوْمِيُّ (٢) (أَثَنَا) عَبْدُ اللَّطِيْفِ بنُ عَبْدِ المُنْعِمِ الحَرَّانِيُّ (أَثَنَا) أَبُو الفَرَجِ بنُ كُلَيْبٍ (أَثَنَا) أَبُو القَاسِمِ بنُ بَيَانٍ، (أَثَنَا) ابنُ مَخْلَدٍ - فَذَكَرَهُ. стр. 157
١١ - عَبْدُ الخَالِقِ بنُ عِيْسَى (١) بْنِ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عِيْسَى بنِ أَحْمَدَ بنِ مُوْسَى بنِ مُحَمَّدِ بنِ إِبْرَاهِيْمَ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ مَعْبَدِ بنِ العَبَّاسِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ بنِ هَاشِمٍ، الشَّرِيْفُ، أَبُو جَعْفَرِ بنِ أَبِي مُوْسَى الهَاشِمِيُّ العَبَّاسِيُّ. وَ"أَبُو مُوْسَى" هُو (٢) كُنْيَةُ جَدِّهِ الأَعْلَى عِيْسَى بنِ أَحْمَدَ بنِ مُوْسَى، هَذَا هُوَ الصَّحِيْحُ فِي نَسَبِهِ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ صَاحِبَاهُ القَاضِيَانِ أَبُو بَكْرٍ الأَنْصَارِيُّ، وَأَبُو الحُسَيْن ابنُ القَاضِي، وَابْنُ الجَوْزِيِّ، وَابنُ السَّمْعَانِيِّ، وَغَيْرُهُمْ. فَإِنَ الشَّرِيْفَ أَبَا جَعْفَرٍ هُوَ ابنُ أَخِ الشَّرِيْفِ أَبي عَلِيٍّ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ بنِ عِيْسَى بنِ أَحْمَدَ بنِ مُوْسَى صَاحِبِ "الإِرْشَاد". وَوَقَعَ في "تَارِيْخِ ابنِ شَافِعٍ" وَغَيْرِهِ: عَبْدُ الخَالِقِ بنُ أَحْمَدَ بنِ عِيْسَى بنِ أَبي مُوْسَى عِيْسَى بنِ أَحْمَدَ، وَهُوَ وَهْمٌ.
وُلِدَ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمَائَةَ. قَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: كَانَ عَالِمًا، فَقِيْهًا، وَرِعًا، عَابِدًا، زاهِدًا، قَوَّالًا بالحَقِّ، لَا يُحَابِي (٣)، وَلَا تَأْخُذُهُ فِي اللهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ. стр. 158
سَمِعَ أَبَا القَاسِمِ بنَ بُشْرَانَ، وَأَبَا مُحَمَّدٍ الخَلَّالَ، وَأَبَا إِسْحَاقَ البَرْمَكِيَّ، وَأَبَا طَالِبٍ العُشَارِيَّ، وَغَيْرَهُمْ. وَتَفَقَّهَ عَلَى القَاضِي أَبِي يَعْلَى، وَشَهِدَ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ الله الدَّامَغَانِيِّ، ثُمَّ تَرَكَ الشَّهَادَةَ قَبْلَ وَفَاتِهِ. وَلَمْ يَزَلْ يُدَرِّسُ بِمَسْجِدِهِ بِسِكَّةِ الخِرَقِيِّ (١) مِنْ "بَابِ البَصْرَةِ (٢) " وَبِجَامِعِ المَنْصُوْرِ، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى الجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، فَدَرَّسَ فِي مَسْجِدٍ مُقَابِلٍ لـ "دَارِ الخِلَافَةِ" ثُمَّ انْتَقَلَ - لِأَجْلِ الغَرَقِ (٣) - стр. 159
إِلَى "بَابِ الطَّاقِ (١) " وَسَكَنَ "دَرْبَ الدِّيْوَانِ (٢) " مِنَ "الرُّصَافَةِ"، وَدَرَّسَ بِمَسْجِدٍ стр. 160
مُقَابِلٍ لِـ "دَارِ الدَّرْبِ" وَبِجَامِعِ المَهْدِيِّ.
وَذَكَرَ القَاضِي أَبُو الحُسَيْنِ نَحْوَ ذلِكَ، وَقَالَ: بَدَأَ بِدَرْسِ الفِقْهِ عَلَى الوَالِدِ مِنْ سَنَةِ ثَمَانٍ وَعِشْرِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ إِلَى سنَةِ إِحْدَى وَخَمْسِيْنَ، يَقْصُدُ إِلَى مَجْلِسِهِ وَيُعَلِّقُ، وَيُعِيْدُ الدَّرْسَ (١) فِي الفُرُوْعِ وَأَصُوْلِ الفِقْهِ. وَبَرَعَ فِي المَذْهَبِ، وَدَرَّسَ، وَأَفْتَى فِي حَيَاةِ الوَالِدِ.
وَكَانَ مُخْتَصَرَ الكَلَامِ، مَلِيْحَ التَّدْرِيْسِ، جَيِّدَ الكَلَامِ فِي المَنَاظَرَةِ، عَالِمًا بِالفَرَائِضِ، وَأَحْكَامِ القُرْآنِ وَالأُصُوْلِ، وَكَانَ لَهُ مَجْلِسٌ للنَّظَرِ فِي كُلِّ يَوْمِ اثْنَيْنِ، وَيَقْصِدُهُ جَمَاعَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ المُخَالِفِيْنَ، وَكَانَ شَدِيْدَ القَوْلِ وَاللِّسَانِ عَلَى أَهْلِ البِدَعِ، وَلَمْ تَزَلْ كَلِمَتُهُ عَالِيَةً عَلَيْهِمْ، وَلَا يَرُدُّ يَدَهُ عَنْهُم أَحَدٌ (٢)، وَانْتَهَى إِلَيْهِ فِي وَقْتِهِ الرِّحْلَةُ لِطَلَبِ مَذْهَبِ الإِمَامِ أَحْمَدَ.
وَذَكَرَهُ ابنُ السَّمْعَانِيِّ فَقَالَ: إِمَامُ الحَنَابِلَةِ فِي عَصْرِهِ بِلَا مُدَافَعَةٍ، مَلِيْحُ التَّدْرِيْسِ، حَسَنُ الكَلَامِ فِي المُنَاظَرَةِ، وَرِعٌ، زَاهِدٌ، مُتْقِنٌ، عَالِمٌ بِأَحْكَامِ القُرْآنِ وَالفَرَائِضِ، مَرْضِيُّ الطَّرِيْقَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْضَ شُيُوْخِهِ، وَقَالَ: رَوَى لَنَا عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ البَاقِي البَزَّارُ (٣)، وَلَمْ يُحَدِّثْنَا عَنْهُ غَيْرُهُ. стр. 161
وَقَالَ ابنُ خَيْرُوْن (١): مُقَدَّمُ (٢) أَهْلِ زَمَانِهِ شَرَفًا، وَعِلْمًا، وَزُهْدًا.
وَقَالَ ابنُ عَقِيْلٍ: كَانَ يَفُوْقُ الجَمَاعَةَ مِنْ [أَهْلِ] (٣) مَذْهَبِهِ وَغَيْرِهِمْ فِي عِلْمِ الفَرَائِضِ، وَكَانَ عِنْدَ الإِمَامِ - يَعْنِي الخَلِيْفَةَ - مُعَظَّمًا حَتَّى إنَّه وَصَّى (٤) عِنْدَ مَوْتِهِ بِأَنْ يُغَسِّلَهُ، تَبرُّكًا بِهِ، وَكَانَ حَوْلَ الخَلِيْفَةِ مَا لَوْ كَانَ غَيْرُهُ لأخَذَهُ، وَكَانَ ذلِكَ كفَايَةَ عُمُرِهِ فَوَاللهِ مَا الْتَفَتَ إِلَى شَيْءٍ مِنْهُ، بَلْ خَرَجَ وَنَسِيَ مَئْزَرَهُ حَتَّى حُمِلَ إِلَيْهِ. قَالَ: وَلَمْ يُشْهَدْ مِنْهُ أَنَّهُ شَرِبَ مَاءً فِي حَلْقَةٍ عَلَى شِدَّةِ الحَرِّ، وَلَا غَمَسَ يَدَهُ فِي طَعَامِ أَحَدٍ مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا.
قُلْتُ: وَللشَّرِيْفِ أَبِي جَعْفَرٍ تَصَانِيْفُ عِدَّةٌ، مِنْهَا "رُؤُوْسُ المَسَائِلِ" (٥) وَهِيَ مَشْهُوْرَةٌ، وَمِنْهَا "شَرْحُ المَذْهَبِ" وَصَلَ فِيْهِ إِلَى أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، وَسَلَكَ فِيْهِ مَسْلَكَ القَاضي فِي "الجَامِعِ الكَبِيْرِ" (٦). وَلَهُ "جُزْءٌ" في أَدَبِ الفِقْهِ، وَ"بَعْضُ فَضَائِلِ أَحْمَدَ وَتَرْجِيْحِ مَذْهَبِهِ". стр. 162
وَقَدْ تَفَقَّهَ عَلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنْ أَكَابِرِ المَذْهَبِ كَالحَلْوَانِيِّ، وَابنِ المُخَرِّمِيِّ، وَالقَاضِي أَبِي الحُسَيْنِ. وَكَانَ مُعَظَّمًا عِنْدَ الخَاصَّةِ وَالعَامَّةِ، زَاهِدًا (١) فِي الدُّنْيَا إِلَى الغَايَةِ، قَائِمًا فِي إِنْكَارِ المُنْكَرَاتِ بِيَدِهِ وَلِسَانِهِ، مُجْتَهِدًا فِي ذلِكَ.
قَالَ أَبُو الحُسَيْنِ، وَابنُ الجَوزِيِّ: لَمَّا احْتُضِرَ القَاضِي أَبُو يَعْلَى أَوْصَى أَنْ يُغَسِّلَهُ الشَّرِيْفُ أَبُو جَعْفَرٍ، فَلَمَّا احْتُضِرَ القَائِمُ بِأَمْرِ اللهِ (٢) قَالَ: يُغَسِّلُنِي عَبْدُ الخَالِقِ، فَفَعَلَ، وَلَمْ يَأْخُذْ مِمَّا هُنَاكَ شَيْئًا، فَقِيْلَ لَهُ: قَدْ وَصَّى لَكَ أَمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ بِأَشْيَاءٍ كَثيْرَةٍ، فَأَبَى أَنْ يَأْخُذَ، فَقِيْلَ لَهُ: فَقَمِيْصُ أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ تتَبَرَّكُ بِهِ؟ فَأَخَذَ فُوْطَةَ نَفْسِهِ، فَنَشَّفَهُ بِهَا، وَقَالَ: قَدْ لَحِقَ هَذِهِ الفُوْطَةَ بَرَكَةُ أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ، ثُمَّ اسْتَدْعَاهُ فِي مَكَانِهِ المُقْتَدِي، فَبَايَعَهُ مُنْفَرِدًا، قَالَ: وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ بَايَعَ، وَقَالَ الشَّرِيْفُ: لَمَّا بَايَعتُهُ أَنْشَدْتُهُ (٣): стр. 163
* إِذَا سَيِّدٌ مِنَّا مَضَى قَامَ سَيِّدٌ *
ثُمَّ أُرْتِجَ عَلَيَّ تَمَامُهُ، فَقَالَ هُوَ:
* قَؤُوْلٌ لِمَا قَالَ الكِرَامُ فَعُوْلُ *
قَالَ: وَأَنْبأَنَا ابْنُ عُبَيْدِ اللهِ (١) عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ التَّمِيْمِيِّ قَالَ: مَا حَسَدْتُ أَحَدًا إلَّا الشَّرِيْفَ أَبَا جَعَفْرٍ في ذلِكَ اليَوْمِ، وَقَدْ نِلْتُ مَرْتَبَةَ التَّدْرِيْسِ، وَالتَّذْكِيْرِ، وَالسِّفَارَةِ بَيْنَ المُلُوْكِ، وَرِوَايَةِ الأحَادِيْثِ، وَالمَنْزِلَةِ اللَّطِيْفَةِ عِنْدَ الخَاصِّ وَالعَامِّ، فَلَمَّا كَانَ ذلِكَ اليَوْمِ خَرَجَ الشَّرِيْفُ عَلَيْنَا وَقَدْ غَسَّلَ القَائِمَ عَنْ وَصِيَّتِهِ بِذلِكَ، ثُمَّ لَمْ يَقْبَلْ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا، ثُمَّ انْسَلَّ طَالِبًا لِمَسْجِدِهِ، وَنَحْنُ كُلٌّ مِنَّا جَالِسٌ عَلَى الأَرْضِ مُخْتَفٍ، مُتَغَيِّرٌ لَوْنُهُ، مُخَرِّقٌ لِثَوْبِهِ، يَهُوْلُهُ مَا يَحْدُثُ بِهِ بَعْدَ مَوْتِ هَذَا الرَّجُلُ، عَلَى قَدْرِ مَا لَهُ تَعَلُّقٌ بِهِمْ، فَعَرَفْتُ أَنَّ الرَّجُلَ هُوَ ذلِكَ. قَالَ القَاضِي أَبُو الحُسَيْنِ: قُلْتُ لَهُ (٢) بَعْدَ اجْتِمَاعِهِ مَعَهُ: стр. 164
أَيْنَ سَهْمُنَا مِمَّا كَانَ هُنَاكَ؟ فَقَالَ: أَحْيَيْتُ جَمَالَ شَيْخِنَا وَالِدِكَ الإِمَامِ أَبِي يَعْلَى، يُقَالُ: هَذَا غُلَامُهُ تَنَزَّهُ عَنْ هَذَا القَدْرِ الكَثِيْرِ، فَكَيْفَ لَوْ كَانَ هُوَ؟
وَفِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسِتِّيْنَ وَأَرْبَعِمَائَة اجْتَمَعَ الشَّرِيْفُ أَبُو جَعَفَرٍ وَمَعَهُ الحَنَابِلَةُ فِي جَامِعِ القَصْرِ، وَأَدْخَلُوا مَعَهُم أَبَا (١) إِسْحَق الشِّيْرَازِيَّ وَأَصْحَابُهُ، وَطَلَبُوا مِنَ الدَّوْلَةِ قَلْعَ المَوَاخِيْرِ (٢)، وَتَتَبُّعُ المُفْسِدِيْنَ وَالمُفْسِدَاتِ، وَمَنْ يَبِيْعُ النَّبِيْذَ، وَضَرْبَ دَرَاهِمَ تَقَعُ بِهَا المُعَامَلَةُ عِوَضَ القُرَاضَةِ (٣)، فَتَقَدَّمَ الخَلِيْفَةُ (٤) بِذلِكَ، فَهَرَبَ المُفْسِدَاتُ، وَكُبِسَتِ الدُّوْرُ، وَأُرِيْقَتِ الأَنْبِذَةُ، стр. 165
وَوَعَدُوا بِقَلْعِ المَوَاخِيْرِ، وَمُكَاتَبَةِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ (١) بِرَفْعِهَا، وَالتَّقَدُّمِ بِضَرْبِ الدَّرَاهِمِ الَّتِي يُتَعَامَلُ بِهَا، فَلَمْ يَقْنَعِ الشَّرِيْفُ، وَلَا أَبُو إِسْحَقَ بِهَذَا الوَعْدِ، وَبَقِيَ الشَّرِيْفُ مُدَّةً طَوِيْلَةً مُتَعَتِّبًا، مُهَاجِرًا لَهُمْ، وَحَكَى أَبُو المَعَالِي صَالِحُ بنُ شَافِعٍ عَمَّنْ حَدَّثَهُ أَنَّ الشَّرِيْفَ رَأَى مُحَمَّدًا وَكِيْلَ الخَلِيْفَةِ حِيْنَ غَرِقَتْ "بَغْدَادُ" سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّيْن (٢)، وَجَرَى عَلَى دَارِ الخِلَافَةِ العَجَائِبُ، وَهُمْ فِي غَايَةِ التَّخَبُّطِ، فَقَالَ الشَّرِيْفُ أَبُو جَعْفَرٍ: يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ لَهُ: لَبَّيْكَ يَا سَيِّدَنَا، فَقَالَ لَهُ: قُلْ لَهُ: كَتَبْنَا وَكَتَبْتُمْ، وَجَاءَ جَوَابُنَا قَبْلَ جَوَابِكُمْ، يُشِيْرُ إِلَى قَوْلِ الخَلِيْفَةِ: سَنُكَاتِبُ فِي رَفْعِ المَوَاخِيْرِ، وَيُرِيْدُ بِجَوَابِهِ الغَرَقَ وَمَا جَرَى فِيْهِ.
وَفِي سَنَةِ سِتِّينَ وَأَرْبَعِمَائَةَ كَانَ أَبُو عَلِيِّ بنُ الوَلِيْدِ (٣) - شَيْخُ المُعْتَزِلَةِ - قَدْ عَزَمَ عَلَى إِظْهَارِ مَذْهَبِهِ لأَجْلِ مَوْتِ الشَّيْخِ الأَجَلِّ أَبِي مَنْصُوْرِ بنِ يُوْسُفَ (٤)، стр. 166
فَقَامَ الشَّرِيْفُ أَبُو جَعَفَرِ وَعَبَرَ إِلَى جَامِعِ المَنْصُوْرِ هُوَ وَأَهْلُ مَذْهَبِهِ، وَسَائِرِ الفُقَهَاءِ، وَأَعْيَانُ أَهْلِ الحَدِيْثِ، وَبَلَغُوا (١) ذلِكَ، فَفَرَحَ أَهْلُ السُّنَّةِ بِذلِكَ، وَقَرَأُوا كِتَابَ "التَّوْحِيْدِ" (٢) لابنِ خُزَيْمَةَ، ثُمَّ حَضَرُوا الدِّيْوَانَ، وَسَأَلُوا إِخْرَاجَ الاعْتِقَادِ الَّذِي جَمَعَهُ الخَلِيْفَةُ القَادِرُ (٣)، فَأُجِيْبُوا إِلَى ذلِكَ، وَقُرِئَ هُنَاكَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الجَمِيْعِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى لَعْنِ مَنْ خَالَفَهُ، وتَكْفِيْرِهِ، وَبَالَغَ ابنُ فُوْرَكَ (٤) فِي ذلِكَ، ثُمَّ سَأَلَ الشَّرِيْفُ أَبُو جَعَفَرٍ، وَالزَّاهِدُ الصَّحْرَاوِيُّ (٥) أَنْ يُسَلَّمَ إِلَيْهِمْ الاعْتِقَادُ، فَقَالَ لَهُمُ الوَزِيْرُ: لَيْسَ هَهُنَا نُسْخَةٌ غَيْرَ هَذِهِ، وَنَحْنُ نَكْتُبُ لَكُمْ بِهِ نُسْخَةٌ لِتُقْرَأَ فِي المَجَالِسِ، فَقَالُوا: هكَذَا فَعَلْنَا فِي أَيَّامِ القَادِرِ، قُرِئَ في المَسَاجِدِ وَالجَوَامِعِ، فَقَالَ: هكَذَا تَفْعَلُوْنَ، فَلَيْسَ اعْتِقَادٌ غَيْرَ هَذَا، وَانْصَرَفُوا، ثُمَّ قُرِئَ بَعْدَ ذلِكَ الاعْتِقَادُ بِـ "بَابِ البَصْرَةِ"، وَحَضَرَهُ الخَاصُّ وَالعَامُّ. стр. 167
وَكَذلِكَ أَنْكَرَ الشَّرِيْفُ أَبُو جَعْفَرٍ عَلَى ابنِ عَقِيْلٍ تَرَدُّدَهُ إِلَى ابنِ الوَلِيْدِ وَغَيْرِهِ، فَاخْتَفَى مُدَّةً، ثُمَّ تَابَ وَأَظْهَرَ تَوْبَتَهُ، وَسَنَذْكُرُ مَضمُوْن ذلِكَ فِي تَرْجَمَةِ ابنِ عَقِيْلٍ إِنْ شَاءَ الله (١).
وآخرُ ذلِكَ كُلِّهِ: فِتْنَةُ ابنِ القُشَيْرِيِّ (٢)، قَامَ فِيْهَا الشَّرِيْفُ قِيَامًا كُلِّيًّا، وَمَاتَ فِي عَقِبِهَا، وَمَضْمُوْنُ ذلِكَ أَنَّ أَبَا نَصْرِ بنِ القُشَيْرِيِّ وَرَدَ "بَغْدَادَ" سَنَةَ تِسْعٍ وَسِتِّيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، وَجَلَسَ فِي "النِّظَامِيَّةِ" وَأَخَذَ يَذُمُّ الحَنَابِلَةِ، وَيَنْسِبُهُمْ إِلَى التَّجْسِيْمِ، وَكَانَ المُتَعَصِّبُ لَهُ أَبُو سَعْدٍ (٣) الصُّوْفِيُّ - وَمَالَ إِلَى نَصْرِهِ أَبُو إِسْحَقَ الشِّيْرَازِيُّ - وَكَتَبَ إِلَى نِظَامِ المُلْكِ الوَزِيْرِ يَشْكُو الحَنَابِلَةَ، وَيَسْأَلُهُ المَعُوْنَةَ، فاتَّفَقَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَتْبَاعِهِ عَلَى الهُجُوْمِ عَلَى الشَّرِيْفِ أَبِي جَعْفَرٍ فِي مَسْجِدِهِ، وَالإِيْقَاعِ بِهِ، فَرَتَّبَ الشَّرِيْفُ جَمَاعَةً أَعَدَّهُمْ لِرَدِّ خُصُوْمةٍ إِنْ وَقَعَتْ، فَلَمَّا وَصَلَ أُوْلَئِكَ إِلَى بَابِ المَسْجِدِ رَمَاهُمْ هَؤُلَاءِ بِالآجُرِّ، فَوَقَعَتِ الفِتْنَةُ، وَقُتِلَ مِنْ أُوْلَئِكَ رَجُلٌ مِنَ العَامَّةِ وَجُرِحَ آخَرُوْنَ، وَأُخِذَتْ ثِيَابٌ، وَأَغْلَقَ أَتْبَاعُ ابنِ القُشَيْرِيِّ أَبْوَابَ سُوْقِ مَدْرَسَةِ النِّظَامِ (٤)، وَصَاحُوا: стр. 168
المُسْتَنْصِرَ باللهِ (١)، يَا مَنْصُوْرُ - يَعْنُوْنَ العُبَيْدِيَّ صَاحِبَ "مِصْرَ" - وَقَصَدُوا بِذلِكَ التَّشْنِيْعَ عَلَى الخَلِيْفَةِ العَبَّاسِيِّ، وَأَنَّهُ مُمَالِئٌ للْحَنَابِلَةِ، لَاسِيَّمَا وَالشَّرِيْفُ أَبُو جَعْفَرٍ ابنُ عَمِّهِ، وَغَضِبَ أَبُو إِسْحَقَ، وَأَظْهَرَ التَّأَهُّبَ لِلسَّفَرِ، وَكَاتَبَ فُقَهَاءُ الشَّافِعِيَّةِ نِظَامَ المُلْكِ (٢) بِمَا جَرَى، فَوَرَدَ كِتَابُهُ بالامْتِعَاضِ مِنْ ذلِكَ، وَالغَضَبِ؛ لِتَسَلُّطِ الحَنَابِلَةِ عَلَى الطَّائِفَةِ الأُخْرَى، وَكَانَ الخَلِيْفَةُ يَخَافُ مِنَ السُّلْطَانِ وَوَزِيْرِهِ نِظَامِ المُلْكِ وَيُدَارِيْهِمَا، وَحَكَى (٣) أَبُو المَعَالِي صَالِحُ بنُ شَافِعٍ، عَنْ شَيْخِهِ أَبِي الفَتْحِ الحَلْوَانِيِّ (٤) وَغَيْرِهِ مِمَّنْ شَاهَدَ الحَالَ أَنَّ الخَلِيْفَةَ لَمَّا خَافَ مِنْ تَشْنِيْعِ الشَّافِعِيَّةِ عَلَيْهِ عِنْدَ النِّظَامِ أَمَرَ الوَزِيْرَ стр. 169
أَنْ يُجِيْلَ الفِكْرَ فِيْمَا تَنْحَسِمُ بِهِ الفِتْنَةُ، فَاسْتَدْعَى الشَّرِيْفَ أَبَا جَعْفَرٍ بِجَمَاعَةٍ مِنْ الرُّؤسَاءِ مِنْهُمُ ابنُ جَرْدَة (١)، فَتَلَطَّفُوا بِهِ حَتَّى حَضَرَ فِي اللَّيْلِ، وَحَضَرَ أَبُو إِسْحَقَ، وَأَبُو سَعْدٍ الصُّوْفِي (٢)، وَأَبُو نَصْرِ بنِ القُشَيْرِيِّ، فَلَمَّا حَضَرَ الشَّرِيْفُ عَظَّمَهُ الوَزِيْرُ وَرَفَعَهُ وَقَالَ: إِنَّ أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ سَاءَهُ مَا جَرَى مِن اخْتِلَافِ المُسْلِمِيْنَ فِي عَقَائِدِهِمْ، وَهَؤُلَاءِ يُصَالِحُوْنَكَ عَلَى مَا تُرِيْدُ، وَأَمَرَهُمْ بِالدُّنُوِّ مِنَ الشَّرِيْفِ. فَقَامَ إِلَيْهِ أَبُو إِسْحَقَ - وَكَانَ يَتَرَدَّدُ فِي أَيَّامِ المُنَاظَرَةِ إِلَى مَسْجِدِهِ بِـ "دَرْبِ المَطْبَخِ (٣) " - فَقَالَ: أَنَا ذَاكَ الَّذِي تَعْرِفُ، وَهَذِهِ كُتُبِي فِي أُصُوْلِ الفِقْهِ أَقُوْلُ فِيْهَا خِلَافًا لِلأَشْعَرِيَّةِ، ثُمَّ قَبَّلَ رَأْسَهُ، فَقَالَ لَهُ الشَّرِيْفُ: قَدْ كَانَ مَا تَقُوْلُ، إلَّا أَنَّكَ لَمَّا كُنْتَ فَقِيْرًا لَمْ تُظْهِرْ لَنَا مَا فِي نَفْسِكَ، فَلَمَّا جَاءَ الأَعْوَانُ، وَالسُّلْطَانُ، وَخَوَاجَا بُزُرْكُ (٤) - يَعْنِي النِّظَامَ - стр. 170
أَبْدَيْتَ مَا كَانَ مَخْفِيًّا. ثُمَّ قَامَ أَبُو سَعْدٍ الصُّوْفِيُّ، فَقَبَّلَ يَدَ الشَّرِيْفِ، وَتَلَطَّفَ بِهِ، فالْتَفَتَ مُغْضَبًا وَقَالَ: أَيُّهَا الشَّيْخُ، إِنَّ الفُقَهَاءَ إِذَا تَكَلَّمُوا في مَسَائِلِ الأُصُوْلِ فَلَهُمْ فِيْهَا مَدْخَلٌ، وَأَمَّا أَنْتَ: فَصَاحِبُ لَهْوٍ وَسَمَاعٍ وَتَعْبِيْرٍ، فَمَنْ زَاحَمَكَ عَلَى ذلِكَ حَتَّى دَاخَلْتَ المُتَكَلِّمِيْنَ وَالفُقَهَاءَ، فَأَقَمْتَ سَوْقَ التَّعَصُّبِ؟ ثُمَّ قَامَ ابنُ القُشَيْرِيِّ - وَكَانَ أَقَلَّهُمْ احْتِرَامًا للشَّرِيْفِ - فَقَالَ الشَّرِيْفُ: [مِنْ هَذَا؟ فَقِيْلَ: أَبُو نَصْرِ بنُ القُشَيْرِيِّ، فَقَالَ] (١): لَوْ جَازَ أَنْ يُشْكَرَ أَحَدٌ عَلَى بِدْعَتِهِ لَكَانَ هَذَا الشَّابُّ؛ لأنَّه بَادٍ هُنَا بِمَا فِي نَفْسِهِ، وَلَمْ يُنَافِقْنَا كَمَا فَعَلَ هَذَانِ. ثُمَّ التَفَتَ إِلَى الوَزِيْرِ فَقَالَ: أَيُّ صُلْحٍ يَكُوْنُ (٢) بَيْنَنَا؟ إِنَّمَا يَكُوْنُ الصُّلْحُ بَيْنَ مُخْتَصِمِيْنَ عَلَى وِلَايَةٍ، أَوْ دُنْيَا، أَوْ تَنَازِعٌ في مُلْكٍ، فَأَمَّا هَؤُلَاءِ القَوْمِ فَإِنَّهُمْ يَزْعُمُوْنَ أَنَّا كُفَّارٌ، وَنَحْنُ نَزْعُمُ أَنَّ مَنْ لَا يَعْتَقِدُ مَا نَعْتَقدُهُ كَانَ كَافِرًا، فَأَيُّ صُلْحٍ بَيْنَنَا؟ وَهَذَا الإمَامُ يَصْدَعُ المُسْلِمِيْنَ، وَقَدْ كَانَ جَدَّاهُ - القَائِمُ وَالقَادِرُ - أَخْرَجَا اعتِقَادَهُمَا للنَّاسِ، وَقُرِئَ عَلَيْهِمْ فِي دَوَاوِينِهِمْ، وَحَمَلَهُ عَنْهُمُ الخُرَاسَانِيُّوْنَ وَالحَجِيْجُ إِلَى أَطْرَافِ الأَرْضِ، وَنَحْنُ عَلَى اعْتِقَادِهِمَا.
وَأَنْهَى الوَزِيْرُ إِلَى الخَلِيْفَةِ مَا جَرَى، فَخَرَجَ فِي الجَوَابِ: عُرِفَ مَا стр. 171
أَنْهَيْتُهُ مِنْ حُضُوْرِ ابنِ العَمِّ - كَثَّرَ اللهُ فِي الأَوْلِيَاءِ مِثْلَهُ - وَحُضُوْرِ مَنْ حَضَرَ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ، وَالحَمْدُ للهِ الَّذِي جَمَعَ الكَلِمَةَ، وَضَمَّ الأُلْفَةَ، فَلْيُؤْذَنْ لِلْجَمَاعَةِ فِي الانْصِرَافِ، وَلْيُقَلْ لابنِ أَبي مُوْسَى: إِنَّهُ قَدْ أُفْرِدَ لَهُ مَوْضِعٌ قَرِيْبٌ مِنَ الخِدْمَةِ لِيُرَاجَعَ فِي كَثِيْرٍ مِنَ الأُمُوْرِ المُهِمَّةِ، وَلِيُتَبَرَّكَ بِمَكَانِهِ، فَلَمَّا سَمِعَ الشَّرِيْفُ هَذَا قَالَ: فَعَلْتُمُوْهَا، فَحُمِلَ إِلَى مَوْضِعٍ أُفْرِدَ لَهُ بِدَارِ الخِلَافَةِ، وَكانَ النَّاسُ يَدْخُلُوْنَ عَلَيْهِ مُدَّةً مَدِيْدَةً، ثُمَّ قِيْلَ لَهُ: قَدْ كَثُرَ اسْتِطْرَاقُ النَّاسِ دَارَ الخِلَافَةِ، فَاقْتَصِرْ عَلَى مَنْ تُعَيِّنُ دُخُوْلَهُ، فَقَالَ: مَالِي غَرَضٌ فِي دُخُوْلِ أَحَدٍ عَلَيَّ، فَامْتَنَعَ النَّاسُ.
ثُمَّ إِنَّ الشَّرِيْفَ مَرِضَ مَرَضًا أَثَّرَ فِي رِجْلَيْهِ فَانْتَفَخَتَا. فَيُقَالُ: إِنَّ بَعْضَ المُتَفَقِّهَةِ (١) مِنَ الأَعْدَاءِ تَرَكَهُ فِي مَدَاسِهِ سُمًّا، وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
ثُمَّ إِنَّ أَبَا نَصْرِ بنَ القُشَيْرِيِّ أُخْرِجَ مِنْ "بَغْدَادَ" وَأُمِرَ بِمُلَازَمَةِ بَلَدِهِ لِقَطْعِ الفِتْنَةِ. وَذلِكَ نَفْيٌ فِي الحَقِيْقَةِ.
قَالَ ابنُ النَّجَّارِ كُوْتِبَ نِظَامُ المُلْكِ الوَزِيْرُ بِأَنْ يَأْمُرَهُ بِالرُّجُوعِ إِلَى وَطَنِهِ، وَقَطْعِ هَذِهِ الثَّائِرَةِ، فَبَعَثَ وَاسْتَحْضَرَهُ، وَأَمَرَهُ بِلُزُوْمِ وَطَنِهِ، فَأقَامَ بِهِ إِلَى حِيْنِ وَفَاتِهِ. قَالَ القَاضِي أَبُو الحُسَيْنِ: أُخِذَ الشَّرِيْفُ أَبُو جَعْفَرٍ فِي فِتْنَةِ أَبي نَصْرِ بنِ القُشَيْرِيِّ، وَحُبِسَ أَيَّامًا، فَسَرَدَ الصَّوْمَ وَمَا أَكَلَ لِأَحَدٍ شَيْئًا، قَالَ: وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ وَرَأَيْتُهُ يَقْرَأُ فِي المُصْحَفِ، فَقَالَ стр. 172
لِي: قَالَ اللهُ تَعَالَى (١): ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ تَدْرِي مَا الصَّبْرُ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: هُوَ الصَّوْمُ، وَلَمْ يُفْطِرْ إِلَى أنْ بَلَغَ مِنْهُ المَرَضُ، وَضَجَّ النَّاسُ مِنْ حَبْسِهِ. وَأُخْرِجَ إِلَى الحَرِيْمِ الطَّاهِرِيِّ (٢) بالجَانِبِ الغَرْبِيِّ فَمَاتَ هُنَاكَ. وَذَكَرَ ابنُ الجَوْزِيِّ: أَنَّهُ لَمَّا اشْتَدَّ مَرَضُهُ، تَحَامَلَ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَمَضَى إِلَى بَابِ الحُجْرَةِ فَقَالَ: جَاءَ المَوْتُ، وَدَنَا الوَقْتُ، وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَمُوْتَ إلَّا فِي بَيْتِي بَيْنَ أَهْلِي، فَأُذِنَ لَهُ، فَمَضَى إِلَى بَيْتِ أُخْتِهِ بـ "الحَرِيْمِ" قَالَ: وَقَرَأْتُ بِخَطِّ أَبِي عَلِيِّ بنِ البَنَّاءِ، قَالَ: جَاءَتْ رُقْعَةٌ بِخَطِّ الشَّرِيْفُ أَبِي جَعْفَرٍ، وَوَصِيَّتُهُ إلَى أَبِي عَبْدِ اللهِ بنِ جَرْدَةَ فَكَتَبَها، وَهَذِهِ نُسْخَتُهَا: "مَالِي - يَشْهَدُ اللهُ - سِوَى الحَبْلِ وَالدَّلْوِ، وَشَيْءٍ يَخْفَى عَلَيَّ لَا قَدْرَ لَهُ، وَالشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللهِ، إِنْ رَاعَاكُمْ بَعْدِي، وَإِلَّا فاللهُ لَكُمْ، قَالَ اللهُ (٣): ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ﴾ وَمَذْهَبِي الكِتَابُ، وَالسُّنَّةِ، وَإِجْمَاعِ الأُمَّةِ، وَمَا عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَغَيْرُهُم مِمَّن يَكْثُرُ ذِكْرُهُمْ، وَالصَّلَاةُ: بِجَامِعِ المَنْصُوْرِ إِنْ سَهَّلَ اللهُ تَعَالَى ذلِكَ عَلَيْهِمْ، стр. 173
وَلَا يُعْقَدَ لِي عَزَاءٌ، وَلَا يُشَقُّ عَلَيَّ جَيْبٌ، وَلَا يُظْلَمُ خَدٌّ، فَمَنْ فَعَلَ ذلِكَ فَاللهُ حَسِيْبُهُ". وَتُوُفِّيَ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - لَيْلَةَ الخَمِيْسِ سَحَرًا، خَامِسَ عَشَرَ صَفَرٍ سَنَةَ سَبْعِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، وَغَسَّلَهُ أَبُو سَعِيْدٍ البَرَدَانِي، وَابنِ القِيْمَةِ (١) بِوَصِيَّةٍ مِنْهُ، وَكَانَا قَدْ خَدَمَاهُ طُوْلَ مَرَضِهِ. وَصُلِّيَ عَلَيْهِ يَوْمَ الجُمُعَةِ ضُحًى بِجَامِعِ المَنْصُوْرِ، وَأَمَّ النَّاسَ أَخُوْهُ الشَّرِيْفُ أَبُو الفَضْلِ مُحَمَّدٌ (٢)، وَلَمْ يَسَع стр. 174
الجَامِعُ الخَلْقَ وَانْضَغَطُوا، وَلَمْ يَتَهَيَّأْ لِكَثيْرٍ مِنْهُمْ الصَّلَاةَ، وَلَمْ يَبْقَ رَئِيْسٌ وَلَا مَرْؤُوْسٌ مِنْ أَرْبَابِ الدَّوْلَةِ وَغيْرِهِمْ إلَّا حَضَرَهُ، إلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ، وَازْدَحَمَ النَّاسُ عَلَى حَمْلِهِ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُوْدًا بِكَثْرَةِ الخَلْقِ، وَعَظُمَ البُكَاءُ وَالحُزْنُ، وَكَانَتْ العَامَّةُ تَقُوْلُ: تَرَحَّمُوا عَلَى الشَّرِيْفِ، الشَّهِيْدِ، القَتِيْلِ المَسْمُوْمِ؛ لِمَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ بَعْضَ المُبْتَدِعَةِ أَلْقَى في مَدَاسِهِ سُمًّا، وَدُفِنَ إِلَى جَانِبِ الإِمَامِ أَحْمَدَ.
قَالَ ابنُ السَّمْعَانِيِّ: سَمِعْتُ أَبَا يَعْلَى بنَ أَبِي خَازِمِ بنِ أَبِي يَعْلَى بنِ الفَرَّاءِ الفَقِيْهِ الحَنْبَلِيَّ - يَوْمَ خَرَجْنَا إِلَى الصَّلَاةِ عَلَى شَيْخِنَا أَبِي بَكْرِ بنِ عَبْدِ البَاقِي، وَرَأَى ازْدِحَامَ العَوَامِّ، وَتزَاحُمَهُم لِحَمْلِ الجَنَازَةِ - فَقَالَ أَبُو يَعْلَى: العَوَامُّ فِيْهِمْ جَهْلٌ عَظِيْمٌ، سَمِعْتُ أَنَّهُ فِي اليَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيْهِ الشَّرِيْفُ أَبُو جَعْفَرٍ حَمَلُوْهُ وَدَفَنُوْهُ فِي قَبْرِ الإِمَامِ أَحْمَدَ، وَمَا قَدَرَ أَحَدٌ أَنْ يَقُوْلَ لَهُمْ: لَا تَنْبُشُوا قَبْرَ الإِمَامِ أَحْمَدَ، وَادْفُنُوْهُ بِجَنْبِهِ، فَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ التَّمِيْمِيُّ - مِنْ بَيْنِ الجَمَاعَةِ - كَيْفَ تَدْفُنُوْنَهُ فِي قَبْرِ الإِمَامِ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ وَبِنْتُ أَحْمَدَ مَدْفُوْنَةٌ مَعَهُ فِي القَبْرِ؟ فَإِنْ جَازَ دَفْنُهُ مَعَ الإِمَامِ لَا يَجُوْزُ دَفْنُهُ مَعَ ابْنَتِهِ! فَقَالَ بَعْضُ العَوَامِّ: اسْكُتْ، فَقَدْ زَوَّجْنَا بنْتَ أَحْمَدَ مِنَ الشَّرِيْفِ، فَسَكَتَ التَّمِيْمِيُّ، وَقَالَ: لَيْسَ هَذَا يَوْمَ كَلَامٍ، وَلَزِمَ النَّاسُ قَبْرَهُ، فَكَانُوا يَبِيْتُوْنَ عِنْدَهُ كُلَّ لَيْلَةِ
стр. 175
أَرْبِعَاءَ، وَيَخْتِمُوْنَ الخَتَمَاتِ (١)، وَيَخْرُجُ المُتَعَيِّشُوْنَ، فَيَبِيْعُوْنَ الفَوَاكِهَ وَالمَأْكُوْلَاتِ، فَصَارَ ذلِكَ فُرْجَةً للنَّاسِ، وَلَمْ يَزَالُوا عَلَى ذلِكَ مُدَّةَ شُهُوْرٍ، حَتَّى دَخَلَ الشِّتَاءُ وَمَنَعَهُمُ البَرْدُ، فَيُقَالُ إِنَّهُ قُرِئَ عَلَى قَبْرِهِ فِي تِلْكَ المُدَّةِ عَشَرَةُ آلَافِ خَتْمَةٍ. وَرَآهُ بَعْضُهُمْ فِي المَنَامِ، فَقَالَ لَهُ: مَا فَعَلَ اللهُ بِكَ؟ قَالَ: لَمَّا وُضِعْتُ فِي قَبْرِيْ رَأَيْتُ قُبَّةً مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ لَهَا ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ، وَقَائِلٌ يَقُوْلُ: هَذِهِ لَكَ، أُدْخُلْ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِهَا شِئْتَ. وَرَآهُ آخَرُ فِي المَنَامِ، فَقَالَ: مَا فَعَلَ اللهُ بِكَ؟ قَالَ: التَقَيْتُ بِأَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ فَقَالَ لِي: يَا أَبَا جَعْفَرٍ، لَقَدْ جَاهَدْتَ فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ، وَقَدْ أَعْطَاكَ اللهُ الرِّضَى. ﵁.
وَقَعَ لِي جُمْلَةٌ مِنْ حَدِيْثِ الشَّرِيْفِ أَبي جَعْفَرٍ بالسَّمَاعِ، فَمِنْهَا: مَا أَخْبَرَنَا بِهِ أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ إِسْمَاعِيْلَ بنِ عَبْدِ العَزِيْزِ الصُّوْفِيُّ - بـ "القَاهِرَةِ"- (أَثَنَا) أَبُو العِزِّ عَبْدُ العَزِيْزِ بنُ عَبْدِ المُنْعِمِ الحَرَّانِيُّ، (أثَنَا) أَبُو عَلِيِّ (٢) بنُ أَبِي القَاسِمِ بنِ الخُرَيْفِ، (أَثَنَا) القَاضِيْ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ البَاقِي البَزَّارُ (أَثَنَا) أُسْتَاذِي أَبُو جَعْفَرٍ عَبْدُ الخَالِقِ بنُ عِيْسَى الهَاشِمِيُّ - بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ - قُلْتُ لَهُ: حَدَّثَكُمْ أَبُو القَاسم عَبْدُ المَلِكِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ بِشْرَان، (أَثَنَا) أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ الصَوَّافِ (أَثَنَا) عَبْدُ اللهِ بنُ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ (أَثَنَا) أَبي (أَثَنَا) يَزِيْدُ بنُ هَارُوْنَ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَا: (أَثَنَا) المَسْعُوْدُ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَن مَوْلَى أَبي طَلْحَةَ، عَن عِيْسَى بنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، عَن стр. 176
النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (١): "لَا يَلِجُ النَّارَ أَحَدٌ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللهِ، حَتَّى يَعُوْدَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ، وَلَا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيْلِ اللهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ فِي مَنْخِرَيْ امْرِئٍ أَبَدًا".
وَقَرَأْتُ بِخَطِّ ابنِ عَقِيْلٍ فِي "الفُنُوْنِ" (٢) قَالَ: مِمَّا اسْتَحْسَنْتُهُ مِنْ فِقْهِ الشَّرِيْفِ، الإِمَامِ، الزَّاهِدِ، أَبِي جَعْفَرٍ عَبْدِ الخَالِقِ بنِ عِيْسَى بنِ أَبِي مُوْسَى الهَاشِمِيِّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ (٣) وَتَدْقِيْقِهِ - وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُحْصَى -: مَا قَالَهُ فِي أَوَائِلِ قُدُوْمِ الغِرِّ إِلَى (٤) "بَغْدَادَ" وَجَعَلُوا يَأْخُذُوْنَ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ في الطُّرُقَاتِ، وَتَقْصُرُ أَيْدِي العَوَامِّ عَنْهُمْ، فَقَالَ: الَّذِي يُشْبِهُ (٥) مِنْ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيْفَةَ: أَنْ تَجْرِيَ عَلَيْهِم أَحْكَامُ قُطَّاع الطَّرِيْقِ، وَإِنْ كَانَ ذلِكَ فِي الحَضرِ؛ لأنَّهُم عَلَّلُوا بِأَنَّ في الحَضَرِ يَلْحَقُ الغَوْثُ، فَلَا يَكُوْنُ لَهُمْ حُكْمُ قُطَّاعِ الطَّرِيْقِ فِي الصَّحَارَى وَالبَرَارِيْ، وَهَذَا التَّعْلِيْلُ مَوْجُوْدٌ فِي الحَضَرِ؛ لأنَّهُ لَا مُغِيْثَ يُغِيْثُ مِنْهُم؛ لِقُوَّتِهِمْ وَاسْتِطَالَتِهِمْ عَلَى العَوَامِّ.
قُلْتُ: هَذَا قَرِيْبٌ مِنْ قَوْلِ القَاضِي أَبِي يَعْلَى: إِنَّ أَصْحَابَنَا اخْتَلَفُوا فِي المُحَارِبِيْنَ فِي الحَضرِ هَلْ تُجْرَى عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ المُحَارِبِيْنَ؟ فَظَاهِرُ كَلَامِ стр. 177
الخِرَقِيِّ (١): أَنَّهَا لَا تُجْرَى عَلَيْهِمْ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَلْ أَحْكَامُ المُحَارِبِيْنَ جَارِيَةٌ عَلَيْهِمْ، وَفَصَّلَ القَاضِي بَيْنَ أَنْ يَفْعَلُوا ذلِكَ فِي حَضَرٍ يَلْحَقُ فِيْهِ الغَوْثُ عَادَةً أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ يَلْحَقُ فِيْهِ الغَوْثُ عَادَةً فَلَيْسُوا بِمُحَارِبِيْنَ، وَإِلَّا فَهُمْ مُحَارِبُوْنَ، وَمَعْلُوْمٌ أَنَّ السُّلْطَانَ إِذَا امْتَنَعَ مِنْ دَفْعِهِمْ - إِمَّا لِضَعْفِهِ وَعَجْزِهِ، وَإِمَّا لِكَوْنِهِ ظَالِمًا يُسَلِّطُ أَعْوَانَهُ عَلَى الظُّلْم - تَعَذَّرَ لُحُوْقُ الغَوْثِ مَعَ ذلِكَ عَادَةً، فَيَثْبُتُ لَهُمْ - عَلَى قَوْلِهِ - أَحْكَامُ المُحَارِبِيْنَ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَنَقَلْتُ مِنْ "بَعْضِ تَعَالِيْقِ" الإِمَامِ أَبِي العَبَّاسِ أَحْمَدَ بنِ تَيْمِيَّةَ ﵀ مِمَّا نَقَلَهُ مِنَ "الفُنُوْنِ" لابنِ عَقِيْلٍ حَادِثَةَ رَجُلٍ حَلَفَ عَلَى زَوْجَتِهِ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ لَا فَعَلْتِ كَذَا، فَمَضَى عَلَى ذلِكَ مُدَّةً، ثُمَّ قَالَتْ: قَدْ كُنْتُ فَعَلْتُهُ. هَلْ تُصَدَّقُ مَعَ تَكْذِيْبِ الزَّوْجِ لَهَا؟ أَجَابَ الشَّرِيْفُ الإِمَامُ أَبُو جَعَفْرٍ بنِ أَبِي مُوْسَى تُصَدَّقُ وَلَا يَنْفَعُهُ تَكْذِيْبُهُ، وَأَجَابَ الشَّيْخُ الإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ لا تُصَدَّقُ عَلَيْهِ، وَالنِّكَاحُ بِحَالِهِ.
قُلْتُ: أَبُو مُحَمَّدٍ: أَظُنُّهُ التَّمِيْمِيَّ.
وَمِنَ "الفُنُوْنِ" أَيْضًا (مَسْأَلَةُ) إِذَا وَجَدَ عَلَى ثَوْبِهِ مَاءً وَاشْتَبَهَ عَلَيْهِ أَمَذْيٌ أَمْ مَنِيٌّ؟ إنْ قُلْتُمْ: يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى أَقَلِّ الأحْوَالِ مِنْ كَوْنِهِ مَذْيًا؛ لأنَّ الأَصْلَ سُقُوْطُ غَسْلِ البَدَنِ، أَوْجَبْتُمْ غَسْلَ الثَّوْبِ؛ لأنَّ المَذْيَ نَجِسٌ، وَالأَصْلُ سُقُوْطُ стр. 178
غَسْلِ الثَّوْبِ فَتَقَابَلَا (١)، فَقَالَ الشَّرِيْفُ أَبُو جَعْفَرٍ بنِ أَبِي مُوْسَى ﵁: لَا يَجِبُ غَسْلُ الثَّوْبِ وَلَا البَدَنِ جَمِيْعًا؛ لِتَرَدُّدِ الأَمْرِ فِيْهِمَا، وَأَوْجَبَ غَسْلَ الأَرْبَعَةِ (٢) الأَعْضَاءِ؛ لِأَنَّ الخَارِجَ - أَيَّ خَارِجٍ كَانَ - يُوْجِبُ غَسْلَ الأعْضَاءِ. وَقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ المَسْأَلَةَ ابنُ تَمِيْمٍ (٣) فِي كِتَابِهِ مِنَ "الفُنُوْنِ" وَعَزَاهَا إِلَى ابنِ أَبِي مُوْسَى، فَرُبَّمَا تَوَهَّمَ السَّامِعُ أَنَّهُ ابنُ أبِي مُوْسَى صَاحِبُ "الإِرْشَادِ" وَلَيْسَ كَذلِكَ.
وَهَذِهِ المَسْأَلَةُ تُشْبِهُ مَسْأَلَةَ الرَّجُلَيْنِ إِذَا وَجَدَا عَلَى فِرَاشِهِمَا مَنِيًّا، وَلَمْ يَعْلَمَا مَنْ خَرَجَ مِنْهُ، أَوْ سَمِعَا صَوْتًا وَلَمْ يَعْلَمَا صَاحِبَهُ، وَفِي وُجُوْبِ الغُسْلِ وَالوَضُوْءِ عَلَيْهِمَا رِوَايَتَانِ، لكِنْ أَرْجَحَهُمَا لَا يَجِبُ، وَعَلَى القَوْلِ بِانْتِفَاءِ الوُجُوْبِ، فَقَالُوا: لَا يَأْتَمُّ أَحَدُهُمَا بِصَاحِبِهِ، وَلَا يُصَافُّهُ وَحْدَهُ؛ لأَنَّهُ يَظْهَرُ حُكْمُ الحَدَثِ المُتَيَقَّنِ بِاجْتِمَاعِهِمَا، وَيُعْلَمُ أَنَّ صَلَاةَ أَحَدِهِمَا بَاطِلَةٌ، فَتَبْطُلُ الجَمَاعَةُ وَالمُصَافَّةُ.
وَنَظِيْرُ هَذَا: مَا قُلْنَا فِي المُخْتَلِفَيْنِ فِي جِهَةِ القِبْلَةِ إِنَّهُ لَا يَأْتَمُّ أَحَدُهُمَا بِصَاحِبِهِ؛ فَإِنَّهُ يُتَيَقَّنُ بِاجْتِمَاعِهِمَا فِي الصَّلَاةِ خَطَأُ أَحَدِهِمَا فِي القِبْلَةِ، стр. 179
فَتَبْطُلُ جَمَاعَتُهُمَا. وَكذلِكَ مَا ذَكَرَهُ أَكْثَرُ الأَصْحَابِ فِي رَجُلَيْنِ عَلَّقَ كُلٌّ مُنْهُمَا عِتْقَ عَبْدِهِ عَلَى شَرْطٍ، وَوُجِدَ أَحَدُ الشَّرْطَيْنِ يَقِيْنًا، وَلَا يَعْلَمُ عَيْنُهُ أَنَّهُ لَا يُحْكُم بِعِتْقِ عَبْدٍ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَيُسْتَصْحَبُ أَصْلُ مِلْكِهِ، فَإِنِ اشْتَرَى أَحَدُهُمْ عَبْدَ الآخَرِ: أُخْرِجَ المُعْتَقُ مِنْهُمَا بِالقُرْعَةِ عَلَى الصَّحِيْحِ أَيْضًا. فَكَذلِكَ يُقَالُ هَهُنَا: يُسْتَصْحَبُ أَصْلُ طَهَارَةِ الثَّوْبِ وَالبَدَنِ مِنَ النَّجَاسَةِ وَالجَنَابَةِ، وَلكِنْ لَيْسَ لَهُ أنْ يُصَلِّيَ بِحَالِهِ فِي الثَّوْبِ؛ كَأَنَّا نَتَيَقَّنُ بِذلِكَ حُصُوْلَ المُفْسِدِ لِصَلَاتِهِ، وَهُوَ إِمَّا الجَنَابَةُ وَإِمَّا النَّجَاسَةُ.
وَمِنْ غَرَائِبِ الشَّرِيْفِ مَا نَقَلَهُ عَنْهُ ابنُ تَمِيْمٍ فِي كِتَابِهِ: أَنَّ المُتَوَضِّيءَ إِذَا نَوَى غَسْلَ النَّجَاسَةِ مَعَ الحَدَثِ لَمْ يُجْزِءْهُ. وَأَنَّ طَهَارَةَ المُسْتَحَاضَةِ لَا تَرْفَعُ الحَدَثَ. وَذَكَرَ الشَّرِيْفُ فِي "رُؤُوْسِ مَسَائِلِهِ" أَنَّ القَدْرَ المُجْزِئَ مَسْحُهُ مِنَ الخُفَّيْنِ ثَلَاثَةُ أَصَابِعٍ، وَأَنَّ أَحْمَدَ رَجَعَ إِلَى ذلِكَ فِي مَسْحِ الخُفِّ وَمَسْحِ الرَّأْسِ، قَالَ: وَكَانَ شَيْخُنَا يَنْصُرُ أَوَّلًا مَسْحَ الأَكْثَرِ، ثُمَّ رَأَيْتُهُ مَائِلًا إِلَى هَذَا. وَهَذَا غَرِيْبٌ جِدًّا.
١٢ - عَبْدُ الرَّحْمَن بنُ مُحَمَّدِ (١) بنِ إِسْحَقَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ يَحْيَى بنِ إِبْرَاهِيْمَ стр. 180
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →