← Тараджим

Тараджим · id 31366

ذيل طبقات الحنابلة - لابن رجب - ت العثيمين

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (2 431 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وَنَقَلَ السِّلَفِيُّ عَنْ خَمِيْسٍ الحَوْزِيِّ (١) الحَافِظِ قَالَ: كَانَ أَبُو عَلِيِّ بنُ البَرَدَانِيِّ أَحَدَ الحُفَّاظِ الأَئِمَّةِ الَّذِيْنَ يَعْلَمُوْنَ مَا يَقُوْلُوْنَ (٢). تُوُفِّيَ لَيْلَةَ الخَمِيْسِ حَادِي عِشْرِيْنَ شَوَّالٍ، سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، وَدُفِنَ مِنَ الغَدِ بِمَقْبَرَةِ "بَابِ حَرْبٍ". وَفِي "الطَّبَقَاتِ" لأَبِي الحُسَيْنِ: أَنَّهُ تُوُفِّيَ عَشَيَّةَ الأَرْبِعَاءِ عَاشِرَ شَوَّالٍ. ٤٧ - مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ (٣) بنِ عَلِيِّ بنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، الشِّيْرَازِيُّ الأَصْلِ،

стр. 352

البَغْدَاديُّ، الصَّفَّارُ، المُقْرِئُ، الزَّاهِدُ، المَعْرُوْفُ بِـ "أَبي مَنْصُوْرٍ الخَيَّاطِ". وُلِدَ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِمَائَةَ فِي شَوَّال أَوْ ذِيْ القَعْدَةِ، وقَرأَ القُرآنَ عَلَى أَبِي نَصْرٍ أَحْمَدَ بنِ عبْدِ الوَهَّابِ بنِ مَسْرُوْرٍ وَغَيْرِهِ، وَسَمِعَ الحَدِيْثَ في كِبَرِهِ مِنْ أَبِي القَاسِم بنِ بِشْرَانَ، وَأَبِي مَنْصُوْرِ بنِ السَّوَّاقِ، وأَبِي طَاهِرٍ عَبْدِ الغفَّارِ بنِ مُحَمَّدٍ المُؤَدِّبِ، وَالحُسَيْنِ بنِ مُحَمَّدٍ الخَلَّالِ، وَأَبِي الحَسَنِ القَزْوِيْنِيِّ وَغَيْرِهِمْ، وَتَفَقَّه عَلَى القَاضِي أَبِي يَعْلَى، وَصَنَّفَ كِتَابَ "المُهَذَّبِ فِي القِرَاءَاتِ" وَرَوَى الحَدِيْثَ الكَثِيْرَ. وَرَوَى عَنْهُ سِبْطُهُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ المُقْرِئُ، وَأَخُوهُ أَبُو عَبْدِ اللهِ الحُسَيْنُ، وَعَبْدُ الوَهَّابِ بنُ الأَنْمَاطِيِّ، وَابنُ نَاصِرٍ، وَالسِّلفِيُّ،

стр. 353

وَسَعَدُ اللهِ بنُ الدَّجَاجِيِّ، وَأَبُو الفَضْلِ خَطِيْبُ "المَوْصِلِ" وَغَيْرُهُمْ. وَكَانَ إِمَامًا بِمَسْجِدِ ابنِ جَرْدَةَ (١) بِـ "بَغْدَادَ"، بِـ "حَرِيْمِ دَارِ الخَلَافَةِ"، اعْتَكَفَ فِيْهِ مُدَّةً طَوِيْلَةً، يُعَلِّمُ العُمْيَانَ القُرْآنَ، لِوَجْهِ اللهِ تَعَالَى، وَيَسْأَلُ لَهُم، ويُنْفَقُ عَلَيْهِم، فَخَتَمَ عَلَيْهِ القُرْآنَ خَلْقٌ كَثِيْرٌ، حَتَّى بَلَغَ عَدَدُ مَنْ أَقْرَأَهُمْ القُرْآنَ مِنَ العُمْيَانِ سَبْعِيْنَ أَلْفًا. قَالَ ابنُ النَّجَّارِ: هكَذَا رَأَيْتُهُ بِخَطِّ أَبِي نَصْرٍ اليُوْنَارْتِيِّ الحَافِظِ، وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ هَذا مُسْتَحِيْلٌ، وَأَنَّهُ مِنْ سَبْقِ القَلَمِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ: سَبْعِيْنَ نَفْسًا. وَهَذَا كَلَامٌ سَاقِطٌ؛ فَإِنَّ أَبَا مَنْصُوْرٍ قَدْ تَوَاتَرَ عَنْهُ إِقْرَاءُ الخَلْقِ الكَثيْرِ فِي السِّنِيْنَ الطَّوِيْلَةَ. قَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: أَقْرَأَ بِضْعًا وَسِتِّيْنَ سَنَةً، وَلَقَّنَ أُمَمًا، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَا قَالَهُ أَبُوْ نَصْرٍ، وَهَذَا أَمْرٌ مَشْهُوْرٌ عَنْ أَبِي مَنْصُوْرٍ، فَيَكُوْنُ جَمِيْعُ مَنْ خَتَمَ عَلَيْهِ القُرْآنَ سَبْعِيْنَ نَفْسًا! وَهَذَا بَاطِلٌ قَطْعًا، وَنَحْنُ نَرَى آحَادَ المُقْرِئِيْنَ يَخْتُمُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعِيْنَ نَفْسًا، وَإِنَّمَا كَانَ الشَّيْخُ أَبُو مَنْصُوْرٍ يُقْرِئُ هُوَ بِنَفْسِهِ وَبِأَصْحَابِهِ هَذِهِ المُدَدَ الطَّوِيْلَةَ، فَاجْتَمَعَ فِيْهَا إِقْرَاءُ هَذَا العَدَدِ الكَثيْرِ (٢). قَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: كَانَ أَبُو مَنْصُوْرٍ مِنْ كِبَارِ الصَّالِحِيْنَ الزَّاهِدِيْنَ

стр. 354

المُتَعَبِّدِيْنَ، كَانَ لَهُ وِرْدٌ بَيْنَ العِشَاءَيْنِ، يَقْرَأُ فِيْهِ سُبْعًا مِنَ القُرْآنِ قَائِمًا وَقَاعِدًا، حَتَّى طَعَنَ فِي السِّنِّ. وَقَالَ ابنُ نَاصِرٍ عَنْهُ: كَانَ شَيْخًا صَالِحًا، زَاهِدًا، صَائِمًا أَكْثَرَ وَقْتِهِ، ذَا كَرَامَاتٍ ظَهَرَتْ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ. قَالَ أَبُو الحُسَيْنِ: كَانَ الوَالِدُ السَّعِيْدُ إذَا جَلَسَ لِلْحُكْمِ بِـ "نَهْرِ المُعَلَّى" يَقْصِدُ الجُلُوْسُ لِلْحُكْمِ بِمَسْجِدِهِ، وَيُصَلِّي خَلْفَهُ. قَالَ عَبْدُ الوَهَّابِ الأَنْمَاطِيُّ: تُوُفِّيَ الشَّيْخُ الزَّاهِدُ أَبو مَنْصُوْرٍ فِي يَوْمِ الأَرْبِعَاءِ، وَقْتَ الظُّهْرِ، السَّادِسَ عَشَرَ مِنَ المُحَرَّمِ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةِ. وَصَلَّى عَلَيْهِ يَوْمَ الخَمِيْسِ فِي جَامِعِ القَصْرِ ابنُ ابْنَتِهِ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ، وَكَانَ الجَمْعُ كَثِيْرًا جِدًّا، وَعُبِرَ بِهِ إِلَى جَامِعَ المَنْصُورِ، فَصُلِّيَ عَلَيْهِ أَيْضًا، وَحَضَرْتُ ذلِكَ، وَكَانَ الجَمْعُ وَافِرًا عَظِيْمًا، وَكَانَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ في دَاخِلِ المَقْصُوْرَةِ عِنْدَ القِبْلَةِ. وَمَضَيْتُ مَعَهُ إِلَى "بَابِ حَرْبٍ"، وَدُفِنَ فِي الدَّكَّةِ بَجَنْبِ الشَّيْخِ أَبِي الوَفَاءِ بنِ القَوَّاسِ (١). وَقَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: مَاتَ وَسِنُّهُ سَبْعٌ وَتِسْعُوْنَ سَنَةً، مُمَتَّعًا بسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَعَقْلِهِ، وَحَضَرَ جَنَازَتَهُ مَالَا يُحَدُّ مِنَ النَّاسِ، حَتَّى إِنَّ الأَشْيَاخَ بِـ "بَغْدَادَ" كَانُوا يَقُوْلُونَ: مَا رَأَيْنَا جَمْعًا قَطُّ هكَذَا، لَا جَمْعَ ابنِ القَزْوِيْنِيِّ، وَلَا جَمْعَ ابنِ الفَرَّاءِ، وَلَا جَمْعَ الشَّرِيْفِ أَبِي جَعْفَرٍ، وَهَذِهِ الجُمُوعُ الَّتي

стр. 355

تَنَاهَتْ إِلَيْهَا الكَثْرَةُ، وَشُغِلَ النَّاسُ ذَلِكَ اليَوْمِ وَفِيْمَا بعْدَهُ عَنِ المَعَاشِ، فَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ مِنْ نُقَّادِ البَاعَةِ فِي ذَلِكَ الأُسْبُوْعِ عَلَى تَحْصِيْلِ نَقْدِهِ. وَقَالَ أَبُو مَنْصُوْرِ بنُ خَيْرُوْنَ: مَا رَأَيْتُ مِثْلَ يَوْمَ صُلِّيَ عَلَى أَبي مَنْصُوْرٍ الخَيَّاطِ مِنْ كَثْرَةِ الخَلْقِ وَالتَّبَرُّكِ بِالْجَنَازَةِ. وَقَالَ السِّلَفِيُّ (١): ذَكَرَ لِي المُؤْتَمَنُ فِي ثَانِي جُمْعَةٍ مِنْ وَفَاةِ الشَّيْخِ أَبِي مَنْصُوْرٍ: أَنَّ اليَوْمَ خَتَمُوا عَلَى رَأْسِ قَبْرِهِ مَائَتَيْ وَإِحْدَى وَعِشْرِيْنَ خَتْمَةً. قَالَ السِّلَفِيُّ: وَقَالَ لِي عَلِيُّ بنُ مُحَمَّدٍ بنِ الأَيْسَرِ العُكْبَرِيُّ (٢) - وكَانَ رَجَلًا صَالِحًا: حَضَرتُ جَنَازَةَ الشَّيْخِ الأَجَلِّ أَبِي مَنْصُورٍ بنِ يُوْسُفَ، [وَأَبِي تَمَّامِ بنِ أَبِي مُوْسَى القَاضِي] (٣). فَلَمْ أَرَ قَطُّ خَلْقًا أَكْثَرَ مِمَّنْ حَضَرَ جَنَازَةَ الشَّيْخِ أَبِي مَنْصُوْرٍ، قَالَ: وَاسْتَقبَلَنَا يَهُوْدِيٌّ فَرَأَى كَثْرَةَ

стр. 356

الزِّحَامِ وَالْخَلْقِ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ هَذَا الدِّيْنَ هُوَ الحَقُّ، وَأَسْلَمَ. وَذكَرَ ابنُ السَّمْعَانِيِّ سَمِعْتُ أَبَا حَفْصٍ عُمَرَ بنَ المُبَارَكِ بنِ سَهْلَانَ، سَمِعْتُ الحُسَيْنَ بنَ خِسْرُو البَلْخِيَّ، قَالَ: رُئِيَ الشَّيْخُ أَبَوْ مَنْصُوْرٍ الخَيَّاطُ فِي النَّوْمِ فَقِيْلَ لَهُ: مَا فَعَلَ اللهُ بِكَ؟ قَالَ: غَفَرَ لِي بِتَعْلِيْمِيَ الصِّبْيَانَ (١) فَاتِحَةَ الكِتَابِ. قَرَأْتُ عَلَى أَبِي حَفْصٍ عُمَرَ بنِ حَسَنٍ المِزِّيِّ (٢) أَخْبَرَكُمْ إِسْمَاعِيْلُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الفَرَّاءُ (أَثَنَا) الإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ بنُ أَحْمَدَ المَقْدِسِيُّ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللهِ مُظَفَّرِ بنِ أَبِي نَصْرٍ البَوَّابِ، وَابْنِهِ أَبي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ بنِ مُظفَّرِ بِـ "بَغْدَادَ"، قُلْتُ لَهُمَا: حَدَّثَكُمَا الإِمَامُ، الحَافِظُ، أَبُو الفَضْلِ مُحَمَّدُ بنُ نَاصِرٍ، قَالَ: كُنْتُ أَسْمَعُ الفُقَهَاءَ فِي النِّظَامِيَّةِ يَقُوْلُوْنَ فِي القُرْآنِ مَعْنَى قَائِمٌ بِالذَّاتِ، وَالْحُرُوْفُ وَالأَصْوَاتُ عِبَارَاتٌ وَدِلَالَاتٌ عَلَى الكَلَامِ القَدِيْمِ القَائِمِ بِالذَّاتِ، فَحَصَلَ فِي قَلْبِي شَيْءٌ مِن ذلِكَ حَتَّى صرْتُ أَقُوْلُ بِقَوْلِهِمِ مُوَافَقَةً، وَكُنْتُ إِذَا صَلَيَّتُ أَدْعُو اللهَ تَعَالَى أَنْ يُوَفِّقَنِي لأَحَبِّ المَذَاهِبِ وَالاعْتِقَادَاتِ إِلَيْهِ، وَبَقِيْتُ عَلَى ذلِكَ مُدَّةً طَوِيْلةً أَقُوْلُ: اللَّهُمَّ وَفِّقْنِي لأَحَبِّ المَذَاهِبِ إِلَيْكَ وَأَقْرَبِهَا عِنْدَكَ، فَلَمَّا كَانَ فيِ أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَجَبِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِيْنَ وأَرْبَعِمَائَةَ رَأَيْتُ فِي المَنَامِ كَأَنِّي قَدْ جِئْتُ إِلَى مَسْجِدِ الشَّيْخِ أَبي مَنْصُوْرٍ

стр. 357

الخَيَّاطِ، وَالنَّاسُ عَلَى البَابِ مُجْتَمِعُونَ، وَهُمْ يَقُوْلُوْنَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ عِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي مَنْصُوْرٍ، فَدَخَلْتُ المَسْجِدَ، وَقَصَدْتُ إِلَى الزَّاوِيَةِ الَّتي كَانَ يَجْلِسُ فِيْهَا الشَّيْخُ أَبُو مَنْصُوْرٍ، فَرَأَيْتُهُ قَدْ خَرَجَ مِنْ زَاوِيَتِهِ، وَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْ شَخْصٍ، فَمَا رَأَيْتُ شَخْصًا أَحْسَنَ مِنْهُ عَلَى نَعْتِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذي وُصِفَ لَنَا، وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ مَا رَأَيْتُ أَشَدَّ بَيَاضًا مِنْهَا، وَعَلَى رَأْسِهِ عِمَامَةٌ بَيْضَاءُ، وَالشَّيْخُ أَبُو مَنْصُوْرٍ مُقْبِلٌ عَلَيْه بِوَجْهِهِ، فَدَخَلْتُ فَسَلَّمْتُ، فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ، وَلَمْ أَتَحَقَّقْ مِنَ الرَّادُّ عَلَيَّ؛ لِدَهْشَتِي بِرُؤْيَةِ النَّبيِّ ﷺ ، وَجَلَسْتُ بَيْنَ أَيْدِيْهِمَا، فَالتَفَتَ إِلَيَّ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ غَيْرِ أَنْ أَسْأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ، أَوْ أَسْتَفْتِحَهُ بِكَلَامٍ أَصْلًا، وَقَالَ ليْ: عَلَيْكَ بِمَذْهَبِ هَذَا الشَّيْخِ، عَلَيْكَ بِمَذْهَبِ هَذَا الشَّيْخِ، عَلَيْكَ بِمَذْهَبِ هَذَا الشَّيْخِ. قَالَ الحَافِظُ أَبُو الفَضْلِ: وَأَنَا أُقْسِمُ بِاللهِ ثَلَاثًا، وَأَشْهَدُ بِاللهِ لَقَدْ قَالَ لِي ذلِكَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ ثَلاثًا، وَيُشِيْرُ في كُلِّ مَرَّةٍ بِيَدِهِ اليُمْنَى إِلَى الشَّيْخِ أَبي مَنْصُوْرٍ، قَالَ: فَانْتَبَهْتُ وَأَعْضَائِي تَرْعُدُ، فَنَادَيْتُ وَالِدَتِي رَابِعَةَ (١) بِنْتَ الشَّيْخِ أَبِي حَكِيْمٍ الخَبْرِيِّ، وَحَكَيْتُ لَهَا مَا رَأَيْتُ، فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّ، هَذَا مَنَامُ وَحْيٍ، فَاعْتَمِدْ عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ بَكَّرْتُ إِلَى الصَّلَاةِ خَلْفَ

стр. 358

الشَّيْخِ أَبِي مَنْصُوْرٍ، فَلَمَّا صَلَّيْنَا الصُّبْحَ قَصَصْتُ عَلَيْهِ المَنَامَ، فَدَمَعَتْ عَيْنَاهُ، وَخَشَعَ قَلْبُهُ، وَقَالَ لِي: يَا بُنَيَّ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ حَسَنٌ، فَتَكُوْنُ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فِي الفُرُوْعِ، وَعَلَى مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِ الحَدِيْثِ فِي الأُصُوْلِ، فَقُلْتُ لَهُ: أَيْ سَيِّدِيْ، مَا أُرِيْدُ أَكُونُ لَوْنَيْنِ، وَأَنَا أُشْهِدُ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَنْبِيَائَهُ، وَأُشْهِدُكَ عَلَى أَنِّي مُنْذُ اليَوْمِ لَا أَعْتَقِدُ، وَلَا أَدِيْنُ للهَ وَلَا أَعْتَمِدُ إِلَّا عَلَى مَذْهَبِ أَحْمَدَ فِي الأُصُوْلِ وَالفُرُوْعِ، فَقَبَّلَ الشَّيْخُ أَبُو مَنْصوْرٍ رَأْسِي، وَقَالَ: وَفَّقَكَ اللهُ، فَقَبَّلْتُ يَدَهُ، وَقَالَ لِيَ الشَّيْخُ أَبُو مَنْصُوْرٍ: أَنَا كُنْتُ فِي ابْتِدَائِي شَافِعِيًّا، وَكُنْتُ أَتَفَقَّهُ عَلَى الْقَاضِي الإِمَامِ أَبِي الطَّيِّبِ الطَّبَرِيِّ (١)، وَأَسْمَعُ الخِلَافَ

стр. 359

عَلَيْهِ، فَحَضَرْتُ يَوْمًا عِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي الحَسَنِ عَلِيِّ بنِ عُمَرَ القَزْوِيْنِيِّ الزَّاهِدِ الصَّالِحِ؛ لِأَقْرَأَ عَلَيْهِ القُرآنَ، فَابْتَدَتُ أَقْرَأُ عَلَيْهِ القُرْآنَ، فَقَطَعَ عَلَيَّ القِرَاءَةَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْن، ثُمَّ قَالَ: قَالُوا وَقُلْنَا، وَقُلْنَا وَقَالُوا، فَلَا نَحْنُ نَرْجِعُ إِلَيْهِم، وَلَا هُمْ يَرْجِعُونَ إِلَى قَوْلِنَا، وَرَجَعْنَا إِلَى عَادَتِنَا، فَأَيُّ فَائِدةٍ في هَذَا؟ ثُمَّ كَرَّرَ عَلَيَّ هَذَا الكَلَامَ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: وَاللهِ مَا عَنَى الشَّيْخُ بِهَذَا أَحَدًا غَيْرِي، فَتَرَكْتُ الاشْتِغَالَ بِالخِلَافِ، وَقَرَأَتُ "مُخْتَصَرَ أَبي القَاسِمِ الخِرَقِيِّ" عَلَى رَجُلٍ كَانَ يُقْرِئُ القُرْآنَ، قَالَ الحَافِظُ: وَرَأَيْتُ بَعْدَ ذلِكَ مَا زَادَانِي يَقِيْنًا، وَعَلِمْتُ أَنَّ ذلِكَ تَثْبِيْتٌ مِنَ اللهِ، وَتَعْلِيْمٌ لأَعْرِفَ حَقَّ نِعْمَةِ اللهِ عَلَيَّ وَأَشْكُرَهُ، وَاللهُ المَسْئُوْلُ الخَاتِمَةَ بِالمُوْتِ عَلَى الإِسْلَامِ وَالسُّنَّةَ. آمِيْنَ. ٤٨ - جَعْفَرُ بن أَحْمَدَ بنِ الحُسَيْنِ (١) بنِ أَحْمَدَ بنِ الحُسَيْنِ بنِ أَحْمَدَ بنِ جَعْفَرٍ

стр. 360

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 361

جَعْفَرٍ السَّرَّاجُ، المُقْرِئُ، المُحَدِّثُ، الأَدِيْبُ، أَبُو مُحَمَّدٍ. وُلِدَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، فِي آخِرِهَا أَوْ فِيْ أَوَّلِ سَنَةِ ثَمَانِ عَشْرَةَ، ذَكَرهُ السِّلَفِيُّ عَنْهُ، وَقَالَ شُجَاعٌ الذُّهْلِيُّ: سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ. وَقَرَأ القُرْآنَ بِالرِّوَايَاتِ، وَأَقْرَأَ سِنِيْنَ، وَسَمِعَ أَبَا عَلِيِّ بنَ شَاذَانَ، وَأَبَا مُحَمَّدٍ الخَلَّالَ، وَأَبَا القَاسِمِ بنَ شَاهِيْنَ، وَالْبَرْمَكِيَّ وَالقَزْوِيْنيَّ، وَخَلَقًا كَثيْرًا. وَسَافَرَ إِلَى "مَكَّةَ" وَسَمِعَ بِهَا (١)، وَدَخَل "الشَّامَ" وَسَمِعَ بِـ "دِمَشْقَ" مِنْ عَبْدِ العَزِيْزِ الكِنَانيِّ، وَالخَطِيْبِ (٢) وَغَيْرِهِمَا، وَسَمِعَ بِـ "طَرَابُلُسَ"، وَتَوَجَّهَ إِلَى الدِّيَارِ المِصْرِيَّةِ، فَسَمِعَ بِهَا مِنْ أَبِي إِسْحَقَ الحَبَّالِ وَأَبي مُحَمَّدِ بنِ الضَّرَّابِ (٣)، وخَرَّجَ

стр. 362

لَهُ الخَطِيْبُ خَمْسَةَ أَجْزَاءٍ مَعْرُوْفَةٍ، تُسَمَّى "السِّرَاجِيَّاتِ" (١). وَكَانَ أَدِيْبًا، شَاعِرًا، لَطِيْفًا، صَدُوْقًا، ثِقَةً، وَصَنَّفَ كُتُبًا حِسَانًا، مِنْها كِتَابُ "مَصَارعِ العُشَّاقِ" (٢)، وَكِتَابُ "حُكْمِ الصِّبْيَانِ" وَكِتَابُ "مَنَاقِبِ السُّوْدَانِ" وَشِعْرُهُ مَطْبُوْعٌ، وَقَدْ نَظَمَ كُتُبًا كَثِيْرةً شِعْرًا، فَنَظَمَ كِتَابَ "المُبْتَدَأ" (٣) وَكِتَابَ "مَنَاسِكَ الحَجِّ" وَكِتَابَ

стр. 363

"الخِرَقِيِّ" وَكِتَابَ "التَّنْبِيْهِ" (١) وَغَيْرَهَا، ذَكَرَ ذلِكَ ابنُ الجَوْزِيِّ (٢) وَقَالَ: حَدَّثَنَا عَنْهُ أَشْيَاخُنَا، وَآخِرُ مَنْ حَدَّثَنَا عَنْهُ شُهْدَةُ بِنْتُ الإِبَرِيِّ، قَالَ: وَقَرَأْتُ عَلَيْهَا كِتَابَهُ المُسَمَّى بـ "مَصَارِعِ العُشَّاقِ" بِسَمَاعِهَا مِنْهُ، قَالَ: وَمِنْ أَشْعَارِهِ (٣): بَانَ الخَلَيْطُ فَأَدْمُعِي … وَجْدًا عَلَيْهِمْ تَسْتَهِلُّ وَحَدَا بِهِمْ حَادِيْ الفِرَا … قِ عَنِ المَنَازِلِ فَاستَقَلُّوا قُلْ لِلَّذِينَ تَرَحَلُّوا … عَنْ نَاظِرِيْ وَالْقَلْبَ حَلُّوا وَدَمِي بِلَا جُرْمٍ أَتَيْـ … ــتُ غَدَاةَ بَيْنِهِمُ اسْتَحَلُّوا مَا ضَرَّهُمْ لَوْ أَنْهَلُو … مِنْ مَاءِ وَصْلِهِمُ وَعَلُّوا قَالَ: وَأَنْبَأَنَا أَبُو المُعَمَّرِ الأَنْصَارِيُّ (٤)، أَنْشَدْنَا جَعْفَرُ السَّرَّاجُ

стр. 364

لِنَفْسِهِ (١): قُلْ لِلَّذِينَ بِجَهْلِهِمْ … أَضْحَوا يَعِيْبُونَ المَحَابِرْ وَالحَامِليْنَ لَهَا مِنَ الأَ … يْدِيْ بِمُجْتَمَعِ الأَسَاوِرْ لَوْلَا المَحَابِرُ وَالمَقَا … لِمُ (٢) وَالصَّحَائِفُ وَالدَّفَاتِرْ وَالحَافِظُوْنَ شِرِيْعَةَ المَبْـ … ــعُوْثِ مِنْ خَيْرِ العَشَائِرِ (٣) وَالنَّاقِلُوْنَ حَدِيْثَهُ … عَنْ كَابِرٍ ثَبْتٍ وَكَابِرْ لَرَأَيْتَ مِنْ شِيَعِ الضَّلَا … لِ عَسَاكِرًا تَتْلُو عَسَاكِرْ كُلٌّ يَقُوْلُ بَجَهْلِهِ … وَاللهُ لِلْمَظْلوْمِ نَاصِرْ سَمَّيْتُمُ أَهْلَ الحَدِ … يْثِ أُوْلِيْ النُّهَى وَأُوْلِي البَصَائِرْ حَشْوِيَّةً فَعَلَيْكُمْ … لَعَنٌ يُزِيْرُكُمُ المَقَابِرْ (٤) هُمْ حَشُوُ جَنَّاتِ النَّعِـ … ــيْمِ عَلَى الأَسِرَّةِ وَالمَنَابِرْ رُفَقَاءُ أَحْمَدَ كُلُّهُم … عَنْ حَوْضِهِ رَيَّانُ صَادِرْ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بنُ عَلِيٍّ الجَزَرِيُّ (٥)، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الهَادِي، عَنْ أَبِي طَاهِرٍ

стр. 365

السِّلَفِيِّ، أَنْشَدَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ السَّرَّاجُ لِنَفْسِهِ: سَقَى اللهُ قَبْرًا حَلَّ فِيْهِ ابنُ حَنْبَلٍ … مِنَ الغَيْثِ وَسْمِيًّا عَلَى إِثْرِهِ وَلِي عَلَى أَنَّ دَمْعِيْ فِيْهِ رَوَّى عِظَامَهُ … إذَا فَاضَ مَا لَمْ يُبْلَ مِنْهَا وَمَا بَلِي للهِ رَبِّ النَّاسِ مَذْهَبُ أَحْمَدٍ … فَإنَّ عَلَيْهِ مَا حَييْتُ مُعَوَّلِي دَعَوْهُ إِلَى خَلْقِ القُرَانِ كَمَا دَعَوْا … سَوَاهُ فَلَمْ يَسْمَعْ وَلَمْ يَتَأَوَّلِ وَلَا رَدَّهُ ضَرْبُ السِّيَاطِ وَسَجْنُهُ … عَنِ السُّنَّةِ الغَرَّاءِ وَالمَذْهَبِ الجَلِي وَلَمَّا يَزِدْهُمْ وَالسِّيَاطُ (١) تَنُوْشُهُ … فَشَلَّتْ يَمِيْنُ الضَّارِبِ المُتَبَتِّلِ عَلَى قَوْلِهِ القُرْآنُ وَلْيَشْهَدِ الوَرَى … كَلَامُكَ يَا رَبَّ الوَرَى كَيْفَمَا مَا تِلي فَمَنْ مُبْلِغٌ أَصْحَابَهُ أَنَّنِي بهِ … أُفَاخِرُ أَهْلَ العِلْمِ فِي كُلِّ مَحْفَلِ وَأَلْقَى بِهِ الزُّهَّادُ كُلَّ مُطَلِّقٍ … مِنَ الخَوْفِ دُنْيَاهُ طَلَاقَ التَّبَتُّلِ مَنَاقِبُهُ إِنْ لَمْ تَكُنْ عَالِمًا بِهَا … فَكَشْفًا طُرُوْسَ القَوْمِ عَنْهُنَّ وَاسْألِ لَقَدْ عَاشَ فِي الدُّنْيَا حَمِيْدًا مُوَفِّقًا … وَصَارَ إِلَى الأُخْرَى إِلَى خَيْرِ مَنْزِلِ وَإِنِّي لَرَاجٍ أَنْ يَكُوْنَ شَفِيعَ مَنْ … تَوَلَّاهُ مِنْ شَيْخٍ وَمِنْ مُتَكَهِّلِ وَمِنْ حَدَثٍ قَدْ نَوَّرَ اللهُ قَلْبَهُ … إِذَا سَأَلُوا عَنْ أَصْلِهِ قَالَ حَنْبَلِي وَقَد رَوَى هَذِهِ الأَبْيَاتِ عَنْ جَعْفَرٍ الحَافِظَانِ مُحَمَّدُ بنُ نَاصِرٍ، وَيَحْيَى بنُ

стр. 366

مَنْدَه، وَسَاقَها فِي كِتَابِهِ "مَنَاقِبِ أَحْمَدَ". وَقَدْ أَثْنَى عَلَيْهِ شُجَاعٌ الذُّهْلِيُّ، وَعَبْدُ الوَهَّابِ الأَنْمَاطِيُّ، وَابنُ نَاصِرٍ، وَقَالَ: كَانَ ثِقَةً، مأْمُوْنًا، عَالِمًا، فَهْمًا، صَالِحًا، كَتَبَ الكَثيْرَ، وَصَنَّفَ عِدَّةَ مُصَنَّفَاتٍ، وَكَانَ قَدِيْمًا يَسْتَمْلِي عَلَى أَبِي الحَسَنِ القَزْوِيْنِيِّ، وَأَبِي مُحَمَّدٍ الخَلَّالِ، وَغَيْرِهِمَا. قَالَ القَاضِي عَيَاضٌ: سَأَلْتُ أَبَا عَلِيِّ بنَ سُكَّرَةَ عَنْ جَعْفَرٍ السَّرَّاجِ؟ فَقَال: شَيْخٌ، فَاضِلٌ، جَمِيْلٌ، وَسِيْمٌ، مَشْهُوْرٌ، يَفْهَمُ، عِنْدَهُ لُغَةٌ، وَقِرَاءَاتٌ، وَكانَ الغَالِبَ عَلَيْهِ الشِّعْرُ. وَذَكَرَهُ القَاضِي أَبُو بَكْرِ بنُ العَرَبِيِّ (١)، فَقَالَ: ثِقَةٌ، عَالِمٌ، مُقْرِئٌ، لَهُ أَدَبٌ ظَاهِرٌ، واخْتِصَاصٌ بِالخَطِيْبُ (٢). وَقالَ السِّلَفِيُّ: كَانَ مِمَّنْ يُفْتَخَرُ بِرُؤْيَتِهِ؛ لِدِيَانَتِهِ وَدِرَايَتِهِ، وَلَهُ تَوَالِيْفٌ مُفِيْدَةٌ، وَفِي شُيُوْخِهِ كَثْرَةٌ، وَأَعْلَاهُم إِسْنَادًا ابنُ شَاذَانَ (٣). وَقَالَ ابنُ النَّجَّارِ: كَتَبَ بِخَطِّهِ الكَثِيْرَ، وَكَانَتْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالحَدِيْثِ

стр. 367

وَالأَدَبِ، وَحَدَّثَ بِالكَثِيْرِ، عَلَى اسْتِقَامَةٍ وَسَدَادٍ، بِـ "بَغْدَادَ" وَ"الشَّامِ" وَ"مِصْرَ"، وَسَمِعَ مِنْهُ الأَئِمَّةُ الكِبَارُ وَالحُفَّاظُ، وَكَانَ مُتَدَيِّنًا حَسَنَ الطَّرِيْقَةِ، مَعَ ظُرْفِهِ وَلُطْفِ أَخْلَاقِهِ. رَوَى عَنْهُ أَبُو القَاسِمِ بنُ السَّمَرْقَنْدِيِّ، وَعَبْدُ الوَهَّابِ الأَنْمَاطِيُّ (١)، وَابْنُ (٢) نَاصِرٍ، وَالسِّلَفِيُّ [، وَغَيْرُهُمْ] (٣).

стр. 368

ومن شِعْرِ جَعْفَرٍ السَّرَّاجِ (١): للهِ دَرُّ عِصَابَةٍ … يَسْعَوْنَ فِي طَلَبِ الفَوَائِدْ يُدْعُوْنَ أَصْحَابَ الحَدِيْـ … ــثِ بِهِمْ تَجَمَّلَتِ (٢) المَشَاهِدْ طَوْرًا تَرَاهُمْ بِالصَّعِيْـ … ـــدِ وَتَارَةً فِي ثَغْرٍ آمِدْ يَتَتَبَّعُوْنَ مِنَ العُلُوْ … مِ بِكُلِّ أَرْضٍ كُلَّ شَارِدْ فَهُمْ النُّجُوْمُ المُهْتَدَى … بِهِمُ إِلَى سُبُلِ المَقَاصِدْ وَلَهُ (٣):

стр. 369

إِذَا كُنْتُمُ تَكْتُبُوْنَ الحَدِيْـ … ــثَ لَيْلًا وَفِي صُبْحِكُمْ تَسْمَعُوْن وَأَفْنَيْتُمُ فِيْهِ أَعْمَارَكُمْ … فَأَيُّ زَمَانٍ بِهِ تَعْمَلُوْن قَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: كَانَ جَعْفَرُ السَرَّاجُ صَحِيحَ البَدَن، لَمْ يَعْتَوِرْهُ فِي عُمُرِهِ مَرَضٌ يُذْكَرُ، فَمَرِضَ أَيَّامًا، وَتُوُفِّيَ لَيْلَةَ الأَحَدِ العِشْرِيْنَ مِنْ صَفَرٍ سَنَةَ خَمْسِمَائةَ، وَدُفِنَ بِالمَقْبَرَةِ المَعْرُوفَةِ بِـ "الأَجَمَةِ" مِنْ "بَابِ أَبْرِز"، وَقِيْلَ: مَاتَ لَيْلَةَ الأَحَدِ، حَادِي عِشْرِيْنَ صَفَرٍ، كَذَا قَالَ ابنُ نَاصِرٍ، وَالذُّهْلِيُّ. ٤٩ - رَجَبُ بنُ قَحْطَانَ بنِ الحَسَنِ (١) بنِ قَحْطَانَ الأَنْصَارِيُّ، الضَّرِيْرُ،

стр. 370

أَبُو المَعَالِي، المُقْرِئُ، الأَدِيْبُ. سَمِعَ مِنْ أَبِي الحُسَيْنِ بنِ النَّقُّوْرِ، وَحَدَّثَ بِاليَسِيْرِ، وَسَمِعَ مِنْهُ هَزَارَ سِبُ بنُ عَوَضٍ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ أَبُو الفَضْلِ بنُ عَطَّافٍ: كَانَ مِنْ مُجَوَّدِي القُرَّاءُ، وَالمُحْسِنِيْنَ فِي الأَدَاءِ، ذَا فَضْلٍ وَعَقْلٍ وَأَدَبٍ. تُوُفِّيَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِمَائَةَ. وَمِنْ شِعْرِهِ - أَنْشَدَهُ عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ المَزْرَفِيُّ -: (١) إِنَّمَا المَرْءُ خِلَاصٌ جَائِزٌ … فإِذَا جَرَّبْتُهُ فَهُوَ شَبَهْ وَتَرَاهُ رَاقِدًا فِي غَفْلَةٍ … فَهْوَ حَيُّ فَإِذَا مَاتَ انْتَبَهْ ٥٠ - أَحْمَدُ بنُ عَلِيِّ (٢) العُلْبِيُّ، أَبُو بَكْرٍ الزَّاهِدُ، ذَكَرَهُ أَبُو الحُسَيْنِ، وَابْنُ

стр. 371

الجَوْزِيِّ فِي "الطَّبَقَات" فَقَالَ: أَحَدُ المَشْهُوْرِيْنَ بِالزُّهْدِ وَالصَّلَاحِ، سَمِعَ الحَدِيْثَ عَلَى القَاضِي أَبِي يَعْلَى، وَقَرأَ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنَ المَذْهَبِ. وَقَالَ أَبُو الحُسَيْنِ: صَحِبَ الوَالِدَ سِنِيْنَ، سَمِعَ دَرْسَهُ وَالْحَدِيْثَ مِنْهُ. وَكَانَ يَعْمَلُ بِيَدِهِ يُجَصَّصُ الحِيْطَانَ، ثُمَّ تَرَكَ ذلِكَ، وَلَازَمَ المَسْجِدَ يُقْرِئُ القُرْآنَ وَيَؤُمُّ النَّاسَ، وَكَانَ عَفِيْفًا (١) لا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا، وَلَا يَسأَلُ أَحَدًا حَاجَةً لِنَفْسِهِ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيا، مُقْبِلًا عَلَى شَأْنِهِ وَنَفْسِهِ، مُشْتَغِلًا بِعِبَادَةِ رَبِّهِ،

стр. 372

كَثِيْرَ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، مُسَارِعًا إِلَى قَضَاءِ حَوَائِجِ المُسْلِمِيْنَ، مُكَرَّمًا عِنْدَ النَّاسِ أَجْمَعِيْنَ، وَكَانَ يَذْهَبُ بِنَفْسِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى دِجْلَةَ، فَيَأْخُذَ فِي كُوْزٍ لَهُ مَاءً يُفْطِرُ عَلَيْهِ. وَكَانَ يَمْشِي بِنَفْسِهِ فِي حَوَائِجِهِ وَلَا يَسْتَعِيْنُ بِأَحَدٍ، وَكَانَ إِذَا حَجَّ يَزُوْرُ القُبُوْرَ بِـ "مَكَّةَ" وَيَجِيْئُ إِلَى قَبْرِ الفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ، وَيَخُطُّ بِعَصَاهُ، وَيَقُوْلُ: يَا رَبِّ هَهُنَا، يَا رَبِّ هَهُنَا، فَاتَّفَقَ أَنَّهُ خَرَجَ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَخَمْسِمَائَةَ إِلَى الحَجِّ - وَكَانَ قَدْ وَقَعَ مِنَ الجَمَلِ فِي الطَّرِيْقِ دَفْعَتَيْنِ - فَشَهِدَ "عَرَفَةَ" مُحْرِمًا وَبِهِ بَقِيَّةٌ مِنْ أَلَمِ الوُقُوعِ، وَتُوُفِّيَ عَشِيَّةَ ذلِكَ اليَوْمِ، يَوْمِ الأَرْبِعَاءِ، يَوْمِ "عَرَفَةَ" فِي أَرْضِ "عَرَفَاتٍ" فَحُمِلَ إِلَى "مَكَّةَ" فَطِيْفَ بِهِ البَيْتَ، وَدُفِنَ يَوْمَ النَّحْرِ إِلَى جَنْبِ قَبْرِ الفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ ﵁. وَذَكَرَهُ فِي "التَّارِيْخِ" أَيْضًا (١)، فَذَكَرَهُ نَحْوًا مِنْ ذلِكَ، وَقَالَ: كَانَ يَتَنَزَّهُ عَنْ عَمَلِ النُّقُوْشِ وَالصُّوَرِ، وَكَانَ لَهُ عَقَارٌ قَدْ وَرِثَهُ عَنْ أَبِيْهِ، فَكَانَ يَبِيْعُ مِنْهُ شَيْئًا فَشَيْئًا فَيَتقَوَّتُ بِهِ. وَذَكَر أَبُو الحُسَيْنِ أَنَّ سَبَبَ تَرْكِهِ لِصِنَاعَتِهِ أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ الصُّنَّاعِ إِلَى بَعْضِ دُوْرِ السَّلَاطِيْنِ مُكْرَهًا، وَكَانَ فِيْهَا صُوَرٌ مِنَ الإِسْفِيْدَاجِ (٢) مُجَسَّمَةٌ، فَلَمَّا خَلَا كَسَرَهَا كُلَّهَا، فَاسْتَعْظَمُوا ذلِكَ، فَقَالَ: هَذَا مُنْكَرٌ، وَاللهُ أَمَرَ بِكَسْرِهِ، فَانْتَهَى أَمْرُهُ إِلَى السُّلْطَانِ، وَقِيْلَ لَهُ: هَذَا

стр. 373

رَجُلٌ صَالِحٌ مَشْهُوْرٌ بِالدِّيَانَةِ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ الفَرَّاءِ، فَقَالَ: يُخْرَجُ، وَلَا يُكَلَّمُ، وَلَا يُقَالُ لَهُ شَيْءٌ يَضِيْقُ بِهِ صَدْرُهُ، وَلَا يُرْجَعُ يُجَاءُ بِهِ إِلَى عِنْدَنَا، قَالَ: وَظَهَرَ لَهُ مِنَ الكَرَامَاتِ غَيْرُ قَلِيْلٍ، أَخْبَرَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ: أَنَّهُ كَانَ لِبَعْضِ أَهْلِهِ صَبِيٌّ صَغِيْرٌ، فَظَهَرَ بِهِ وَجَعٌ فِي حَلْقِهِ وَرَقَبَتِهِ، وخَافُوا مِنْهُ عَلَى الصَّبِيِّ، فَحَمَلَهُ إِلَى الشَّيْخِ فَقَرَأَ عَلَيْهِ، وَنَفَثَ مِنْ رِيْقِهِ، فَزَالَ مَا كَانَ بِهِ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى عِلَاجٍ. قَالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: وَصَحِبَ القَاضِيَ أَبَا يَعْلَى، وَقَرأَ عَلَيْهِ طَرَفًا مِنَ الفِقْهِ، وَسَمِعَ مِنْهُ الحَدِيْثَ، وَحَدَّثَ عَنْهُ بِشَيْءٍ يَسِيْرٍ. قُلْتُ: رَوَى عَنْهُ ابْنُ نَاصِرٍ، وَالسِّلَفِيُّ (١) وَلَمَّا بَلَغَ خَبَرُ مَوْتِهِ إِلَى

стр. 374

"بَغْدَادَ" نُوْدِيَ فِي البَلَدِ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ صَلَاةَ الغَائِبِ، فَحَضَرَ النَّاسُ فِي جَامِعَيْ "بَغْدَادَ" مِنَ الجَانِبَيْنِ، وَحَضَرَ أَصْحَابُ دَوْلَةِ المُسْتَظْهِرِ (١)، وَتَقَدَّمَ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ فِي الجَانِبِ الشَّرْقِيِّ بَعْضُ أَصْحَابِ القَاضِي. قَالَ أَبُو الحُسَيْنِ: وَصلَّيْتُ عَلَيْهِ أَنَا فِي مَسْجِدِي بِـ "بَابِ المَرَاتِبِ"، لِعُذْرٍ، وَصَلَّى مَعِي جَمَاعَةٌ. ٥١ - مُحَمَّدُ بنُ عَلِيٍّ بْنِ مُحَمَّدِ (٢) بْنِ عُثْمَانَ بنِ المرَّاقِ الحَلْوَانِيُّ،

стр. 375

أَبُو الفَتْحِ، الفَقِيْه، الزَّاهِدِ، وُلِدَ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلَاثِيْنَ وَأَرْبَعمَائَةَ، وَسَمِعَ الحَدِيْثَ مِنْ أَبِي الحُسَيْنِ بنِ المُهْتَدِي، وَأَبي الغَنَائِمِ (١) بنِ المَأْمُوْنِ، وَالقَاضِي أَبِي يَعْلَى (٢)، وَأَبِي جَعْفَرِ بْنِ المُسْلِمَةِ، وَالصَّرِيْفِيْنِيِّ، وَالنَّهْرَوَانِيِّ، وَغَيْرِهِمْ. وَرَأَى القَاضِي أَبَا يَعْلَى وَصَحِبَهُ مُدَّةً يَسِيْرَةً، ثُمَّ تَفَقَّهَ عَلَى صَاحِبَيْهِ الفَقِيْهَيْنِ: أَبِي عَلِيٍّ يَعْقُوبَ، وَأَبِي جَعْفَرٍ الشَّرِيْفِ، وَدَرَسَ عَلَيْهِمَا الفِقْهَ أُصُوْلًا وَفُرُوعًا، حَتَّى بَرَعَ فِيْهِمَا، وَأَفْتَى، وَدَرَّسَ بِمَسْجِدِ الشَّرِيْفِ أَبي جَعْفَرٍ بِـ "الْحَرِيْمِ" بَعْدَ ابْنِ شَافِعٍ. وَحَدَّثَ بِشَيْءٍ يَسِيْرٍ. قَالَ ابْنُ شَافِعٍ: كَانَ ذَا زَهَادَةٍ وَعِبَادَةٍ، وَرَوَى عَنْهُ السِّلَفِيُّ فِي "مَشْيَخَتِهِ"، وَقَالَ: كَانَ مِنْ فُقَهَاءِ الحَنَابِلَةَ بِـ "بَغْدَادَ". وَكَانَ مَشْهُورًا بِالوَرَعِ الثَّخِيْنِ، وَالدِّيْنِ المَتِيْنِ. تُوفِيَ يَوْمَ الجُمعَةِ يَوْمَ عِيْدِ النَّحْرِ، سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِمَائَةَ، وَصُلِيَ عَلَيْهِ مِنَ الغَدِ، يَوْمَ السَّبْتِ بِالجَامِعِ، وَكَانَ الجَمْعُ مُتَوَافِرًا جِدًّا، لَا

стр. 376

يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ إِلَّا اللهُ تَعَالَى، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ "بَابِ حَرْبِ" وَقَالَ المُبَارَكُ بْنُ كَامِلٍ (١) تُوفِّيَ يَوْمَ الجُمُعَةِ حَادِي عَشَرَ ذِي الحِجَّةِ. قُلْتُ: لهُ كِتَابُ "كِفَايَةِ المُبْتَدِي" فِي الفِقْهِ مُجَلَّدَةٌ، وَمُصنَّفٌ آخَرُ فِي الفِقْهِ أَكْبَرُ مِنْهُ، وَمُصَنَّفٌ فِي أُصُوْلِ الفِقْهِ فِي مُجَلَّدَيْنِ، وَلَهُ "مُخْتَصَرُ العِبَادَاتِ" قَالَهُ ابْنُ النَّجَّارِ. ٥٢ - المُعَمَّرُ بْن علِيٍّ (٢) بنِ المُعَمَّرِ بْنِ أَبِي عِمَامَةَ البَقَّالُ البَغْدَادِيُّ، أَبُو سَعْدٍ،

стр. 377

الفَقِيْهُ، الوَاعِظُ، رَيْحَانَةُ البَغْدَادِيِّيْنَ، وُلِدَ سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِيْنَ وَأَرْبَعَمِائَةَ، وَسَمِعَ مِنِ ابْنِ غَيْلَانِ، وَأَبِي مُحَمَّدٍ الخَلَّالِ، وَالجَوْهَرِيِّ، وَأَبِي القَاسِمِ الأَزَجِيِّ وَغَيْرِهِمْ. وَكَانَ فَقِيْهًا مُفْتِيًا، وَوَاعِظًا بَلِيْغًا فَصِيْحًا، لَهُ قَبُوْلٌ تَامٌّ، وَجَوَابٌ سَرِيْعٌ، وَخَاطِرٌ حَادٌّ، وَذِهْنٌ بَغْدَادِيٌّ، وَكَانَ يُضْرَبُ بِهِ المَثَلُ فِي حِدَّةِ الخَاطِرِ، وَسُرْعَةِ الجَوَابِ بِالمُجُونِ، وَطِيْبِ الخُلُقِ، وَلَهُ كَلِمَاتٌ فِي الوَعْظِ حَسَنَةٌ، وَرَسَائِلُ مُسْتَحْسَنَةٌ، وَجُمْهُوْرَ وَعْظِهِ حِكَايَاتُ السَّلَفِ، وَكَانَ يَحْصُلُ بِوَعْظِهِ نَفْعٌ كَثيرٌ، وَكَانَ فِي زَمَنِ أَبِي عَلِيِّ عَبْدُ اللهِ بنِ (١) الوَلِيدِ، شَيْخِ المُعْتَزِلَةِ، يَجْلِسُ فِي مَجْلِسِهِ، وَيَلْعَنُ المُعْتَزِلَةَ. وَخَرَجَ مَرَّةً فَلَقِيَ مُغَنِيَّةً قَدْ خَرَجَتْ مِنْ عِنْدِ تُرْكِيٍّ، فَقَبَضَ عَلَى عُوْدِهَا وَقَطَّعَ أَوْتَارَهَا، فَعَادَتْ إلَى التُّرْكِيِّ فَأَخْبَرَتْهُ، فَبَعَثَ مَنْ كَبَسَ دَارَ أَبِي سَعْدٍ، وَأُفْلِتَ، وَاجْتَمَعَ (٢) بِسَبَبِ ذَلِكَ الحَنَابِلَةُ، وَطَلَبُوا مِنَ الخَلِيْفَةِ إزَالَةَ المُنْكَرَاتِ كُلِّهَا، كَمَا سَبَقَ ذِكْرُ ذْلِكَ فِي تَرْجَمَةِ الشَّرِيْفِ أَبِي جَعْفَرٍ (٣)، وَكَانَ أَبُو سَعْدٍ يَعِظُ بِحَضْرَةِ الخَلِيْفَةِ المُسْتَظْهِرِ وَالمُلُوْكِ، وَقَالَ يَوْمًا لِلْمُسْتَظْهِرِ فِي وَعْظِهِ: أَهْوَنُ مَا عِنْدَهُ أَنْ يَجْعَلَ لَكَ أَبْوَابَ العِرْضِيِّ (٤) تَوَابِيْتَ وَوَعَظَ نِظَامَ المُلْكِ الوَزِيْرَ مَرَّةً بِجَامِعِ المَهْدِيِّ، فقَالَ: الحَمْدُ للهِ وَلِيِّ الإِنْعَامْ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى

стр. 378

مَنْ هُوَ لِلأَنْبِيَاءِ خِتَامْ، وَعَلَى آلِهِ سُرُجِ الظَّلَامْ، وَعَلَى أَصْحَابِهِ (١) الغُرِّ الكِرَامْ، وَالسَّلَامُ عَلَى صَدْرِ الإسْلَامْ، وَرَضِيَّ الإمَامْ، زَيَّنَهُ اللهُ بِالتَّقْوَى، وَخَتَمَ عَمَلَهُ (٢) بِالحُسْنَى، وَجَمَعَ لَهُ بَيْنَ خَيْرِ الآخِرَةِ وَالدُّنْيَا، مَعْلُوْمٌ يَا صَدْرَ الإسْلَامِ، أَنَّ آحَادَ الرَّعِيَّةِ مِنَ الأَعْيَانِ مُخَيَّرُوْنَ فِي القَاصِدِ وَالوَافِدِ، إِنْ شَاءُوا وَصَلُوا وَإِنْ شَاءُوا فَصَلُوا، وَأَمَّا مَنْ تَوَشَّحَ بِوِلَايَةٍ فَلَيْسَ مُخَيَّرًا فِي القَاصِدِ وَالوَافِدِ؛ لِأَنَّ مَنْ هُوَ عَلَى الخَلِيْفَةِ أَمِيْرٌ، فَهُوَ فِي الحَقِيْقَةِ أَجِيْرٌ، قَدْ بَاعَ زَمَنَهُ وَأَخَذَ ثَمَنَهُ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُ مِنْ نَهَارِهْ مَا يَتَصَرَّفُ فِيْهِ عَلَى اخْتِيَارِهْ، وَلَا لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ نَفْلًا، وَلَا يَدْخُلَ مُعْتَكَفًا، دُوْنَ الصَّدَدِ لِتَدْبِيْرِهِمْ، وَالنَّظَرِ فِي أُمُورِهِمْ؛ لِأَنَّ ذلِكَ فَضْلٌ، وَهَذَا فَرْضٌ لَازِمٌ. وَأَنْتَ يَا صَدْرَ الإسْلَامِ وَإِنْ كُنْتَ وَزِيرَ الدَّوْلَةِ، فَأَنْتَ أَجِيْرُ الأُمَّةِ، اسْتَأْجَرَكَ جَلَالُ الدَّوْلَةِ بِالأُجْرَةِ الوَافِرَهْ؛ لِتَنُوْبَ عَنْهُ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَهْ (٣) فَلْتُجِيْبَ عَنْهُ رَبَّ العَالَمِيْنَ؛ فَإِنَّهُ سَيَقِفُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَقُولُ لَهُ: مَلَّكْتُكَ البِلادْ، وَقَلَّدْتُكَ أَزِمَّةَ العِبَادْ، فَمَا صَنَعْتَ فِي إفَاضَةِ البَذْلِ، وَإِقَامَةِ العَدْلِ؟ فَلَعَلَّهُ يَقُوْلُ: يَا رَبِّ اخْتَرْتُ مِنْ دَوْلَتِي

стр. 379

شُجَاعًا عَاقِلًا، حَازِمًا، فَاضِلًا، وَسَمَّيْتُهُ قَوَامَ الدِّيْنِ، نِظَامَ (١) المُلْكِ، وَهَا هُوَ قَائِمٌ فِي جُمْلَةِ الوُلَاةِ، وَبَسَطْتُ بِيَدِهِ فِي الشُّرَطِ وَالسَّيْفِ وَالقَلَمِ، وَمَكَّنْتُهُ فِي الدِّيْنَارِ وَالدِّرْهَمِ، فَاسْأَلْهُ يَا رَبِّ: مَاذَا صَنَعَ فِي عِبَادِكَ وَبِلَادِكَ؟ أَفَتُحْسِنُ أَنْ تَقُولَ فِي الجَوَابِ نَعَمْ، تَقَلَّدْتُ أُمُوْرَ البِلَادِ، وَمَلَكْتُ أَزِمَّةَ العِبَادِ، وَبَثَثْتُ النَّوَالَ، وَأَعْطَيْتُ الإِفْضَالَ، حَتَّى إِذَا قَرُبْتُ مِنْ لِقَائِكَ، وَدَنَوْتُ مِنْ تِلْقَائِكَ، اتَّخَذْتُ الأَبْوَابَ وَالبَوَّابَ، وَالحِجَابَ وَالحُجَّابَ؛ لِيَصُدُّوا عَنِّيَ القَاصِدَ، وَيَرُدُّوا عَنِّي الوَافِدَ! فَاعْمُرْ قَبْرِكَ كَمَا عَمَرْتَ قَصْرَكَ، وَانْتَهِزِ الفُرْصَةَ مَا دَامَ الدَّهْرُ يَقْبَلُ أَمْرَكَ، فَلَا تَعْتَذِرْ، فَمَا ثَمَّ مَنْ يَقْبَلُ عُذْرَكَ. وَهَذَا مَلِكُ الهِنْدِ - وَهُوَ عَابِدُ صَنَمٍ - ذَهَبَ سَمْعُهُ (٢)، فَقَالَ: مَا حَسْرَتِي لِذَهَابِ الجَارِحَةِ مِنْ بَدَنِي، وَلكِنْ تَأَسُّفِي لِصَوْتِ المَظْلُومِ لا أَسْمَعَهُ فَأُغِيْثَهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنْ كَانَ قَدْ ذَهَبَ سَمْعِي فَمَا ذَهَبَ بَصَرِي فَلْيُؤْمَرْ كُلُّ ذِيْ ظَلَامَةٍ أَنْ يَلْبَسَ الأَحْمَرَ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتُهُ عَرَفْتُهُ فَأَنْصَفْتُهُ. وَهَذَا أَنُوشِرْوَانَ قَالَ لَهُ رَسُوْلُ مَلِكِ الرُّوْمِ: لَقَدْ أَقْدَرْتَ عَدُوَّكَ عَلَيْكَ بِتَسْهِيْلِ الوُصُوْلِ إِلَيْكَ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَجْلِسُ هَذَا المَجْلِسَ لأَكْشِفَ ظُلَامَةً وَأَقْضِيَ

стр. 380

حَاجَةً. وَأَنْتَ يَا صَدْرَ الإِسْلَامِ، أَحَقُّ بِهَذِهِ المَأْثَرَةِ، وَأَوْلَى بِهَذِهِ وَأَحْرَى مَنْ أَعَدَّ جَوَابًا لِتِلْكَ المَسْأَلَةِ، فَإِنَّهُ اللهُ الَّذِي ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ (١) فِي مَوْقِفٍ مَا فِيْهِ إِلَّا خَاشِعٌ، أَوْ خَاضِعٌ، أَوْ مُقْنِعٌ، فَيَنْخَلِعَ فِيْهِ القَلْبُ، وَيَحْكُمَ فِيْهِ الرَّبُّ، وَيَعْظُمَ فِيْه الكَرْبُ، وَيَشِيْبَ فِيْهِ الصَّغِيْرُ، وَيُعْزَلَ فِيهِ المَلِكُ وَالوَزِيْرُ: ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (٣٥)﴾ (٢) ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ (٣)، وقَدِ اسْتَجْلَبْتُ لَكَ الدُّعَاءَ، وَخَلَّدْتُ لَكَ الثَّنَاءَ، مَعَ بَرَاءَتِي مِنَ التُّهَمَةِ، فَلَيْسَ لِي - بِحَمْدِ اللهِ تَعَالَى -[فِي أَرْضِ اللهِ ضَيْعَةٌ ولَا قَرْيَةٌ، وَلَا بَيْنِي وَبَيْنَ أَحَدٍ خُصُوْمَةٌ، وَلَا بِي - بِحَمْدِ اللهِ تَعَالَى -] (٤) فَقْرٌ وَلَا فَاقَةٌ. فَلَمَّا سَمِعَ نِظَامُ المُلْكِ هَذِهِ المَوْعِظَةَ بَكَى بُكَاءً شَدِيْدًا، وَأَمَرَ لَهُ بِمَائَةِ دِيْنَارٍ، فَأَبَى أَنْ يَأخُذَهَا، وَقَالَ: أَنَا فِي ضِيَافَةِ أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ، وَمَنْ يَكُنْ فِي ضِيَافَةِ أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ يَقْبُحُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ عَطَاءَ غَيْرِهِ، فَقَالَ لَهُ: فُضَّهَا (٥) عَلَى الفُقَرَاءِ، فَقَالَ: الفُقَرَاءُ عَلَى بَابِكِ أَكْثَرُ مِنْهُمْ عَلَى بَابِي، وَلَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا. تُوُفِّيَ أَبُو سَعْدٍ يَوْمَ الاثْنَيْنِ ثَامِنَ عِشْرِينَ رَبِيْعَ الأَوَّلَ، سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسَمَائَةَ،

стр. 381

وَدُفِنَ مِنَ الغَدِ بِمَقْبَرَةِ "بَابِ حَرْبٍ"، - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - (٢). قَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: حَكَى أَبُو المَكَارِمِ بْنُ رُمَيْضَاءَ السَّقْلَاطُوْنِيُّ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا سَعْدٍ بنَ أَبِي عِمَامَةَ فِي المَنَامِ، حِينَ اخْتَصَمَ المُسْتَرْشِدُ وَالسُّلْطَانِ مَحْمُوْدٌ، وَعَلَيْهِ ثِيَابُ بَيَاضٍ، فَسَلَّمْتُ عَلَيهِ، وَقُلْتُ: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ؟ قَالَ: مِنْ عِنْدِ الإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَهَا هُوَ وَرَائِي، فَالْتَفَتُّ فَرَأَيْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقُلْتُ: إِلَى أَيْنَ تَقْصِدُوْنَ؟ قَالَ: إِلَى أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ المُسْتَرْشِدِ بِاللهِ لِنَدْعُوَ لَهُ، فَصَحِبْتُهُمْ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى "الحَرْبِيَّةِ" إِلَى "مَسْجِدِ ابْنِ القَزْوِيْنِيِّ" فَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: نَدْخُلُ، فَأَخَذَ الشَّيْخُ مَعَنَا، فَدَخَلَ بَابَ المَسْجِدِ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ (١)، فَإِذَا الصَّوْتُ مِنْ صَدْرِ المَسْجِدِ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ، الإِمَامُ قَدْ نُصِرَ، قَالَ: فَانْتَبَهْتُ مَرْعُوْبًا، وَكَانَ كَمَا قَالَ الشَّيْخُ. ٥٣ - جَعْفَرُ بْنُ الحَسَن (٢) الدَّرْزِيْجَانِيُّ، الفَقِيْهُ، الزَّاهِدُ. ذَكَرَهُ القَاضِي

стр. 382

أَبُو الحُسَيْنِ فِيْمَنْ تَفَقَّهَ عَلَى أَبِيْهِ، وَعَلَّقَ، وَسَمِعَ الحَدِيْثِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَرْجَمَتَهُ كَمَا ذَكَرَهَا ابْنُ شَافِعٍ فِي "تَارِيْخِهِ" فَقَالَ: هُوَ الأَمَّارُ بِالمَعْرُوفِ، وَالنَّهَّاءُ عَنِ المُنْكَرِ، ذُو المَقَامَاتِ المَشْهُوْدَةِ فِي ذلِكَ، المُهْتَدِي (١) بِنُوْرِ الإِيْمَانِ وَاليَقِينِ لَدَى المُلُوْكِ وَالمُتصَرِّفِيْنَ. صَحِبَ القَاضِي أَبَا يَعْلَى، وَتَفَقَّهَ عَلَيْهِ، ثُمَ تَمَّمَ عَلَى

стр. 383

صَاحِبِهِ الشَّرِيْفِ أَبي جَعْفَرٍ (١)، وَخَتَمَ عَلَيْهِ القُرْآنَ خَلْقٌ لَا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً، وَكَانَ مِنْ عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِيْنَ، أَمَّارًا بِالمَعْرُوفِ، قَوَّالًا بِالحَقِّ، نَاهِيًا عَنِ المُنْكَرِ، لَا تَأْخُذْهُ فِي اللهِ تَعَالَى لَوْمَةَ لَائِمٍ، مَهِيْبًا، وَقُوْرًا، لَهُ حُرْمَةٌ عِنْدَ المُلُوْكِ وَالسَّلَاطِيْنِ، وَلَا يَتَجَاسَرُ أَحَدٌ (٢) أَنْ يُقْدِمَ عَلَيْهِ إِذَا أَنْكَرَ مُنْكَرًا، وَلَهُ المَقَامَاتُ المَشْهُوْدَةُ فِي ذلِكَ، مُدَاوِمًا لِلْصِيَّامِ، وَالتَّهَجُّدِ وَالقِيَامِ، وَلَهُ خَتَمَاتٌ كَثيْرَةٌ جِدًّا، كُلُّ خَتْمَةٍ مِنْهَا فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ (٣) وَسَمِعَ الحَدِيْثَ مِنْ أَبي عَلِيِّ بْنِ البَنَّاءِ. تُوفِيَ فِي الصَّلَاةِ سَاجِدًا، فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الآخِرِ سَنَةَ سَتٍّ وَخَمْسِمَائَةَ بِـ "دَرْزِيْجَانَ" - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -. قَالَ المُبَارَكُ بْنُ كَامِلٍ: سَمِعْتُ عَبْدَ الوَهَّابِ بْنَ قَاسِمِ بْنِ علَيِّ الشَّعْرَانِيَّ (٤) قَالَ: رَأَيْتُ جَعْفَرَ الدِّرْزِيْجَانِيَّ جَاءَ إِلَى "بَغدَادَ" فَالتَقَى بِهِ أَبُو الحَسَنِ الدِّرْزِيجَانِيّ (٥) فَقَالَ لَهُ: كَيْفَ تَرَكْتَ الصِّبْيَانَ؟ فقَالَ لَهُ (٦) ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ

стр. 384

وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩)﴾ (١) تَقْوَى اللهِ لَنَا وَلَهُمْ.

стр. 385

٥٤ - عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ (١) بنِ عَلِيِّ بنِ أَحْمَدَ بْنِ إِسْمَاعِيْلَ الأَنْبَارِيُّ، القَاضِي أَبُو مَنْصُورٍ، الفَقِيْهِ، الوَاعِظُ. وُلِدَ يَوْمَ الخَمِيسِ خَامِسَ عِشْرِيْنَ ذِي الحِجَّةِ، سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمَائَةَ وَقَرَأَ القُرْآنَ عَلَى ابنِ الشَّرْمَقَانِيِّ، (٢) وسَمِعَ الحَدِيثَ مِنْ أَبِي طَالِبِ بنِ غَيْلَانَ، وَالجَوْهَرِيِّ، وَأَبِي إِسْحَقَ البَرْمَكِيِّ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ بِشْرَانَ، وَأَبِي مُحَمَّدٍ الصَّرِيْفِيْنِيِّ، وَأَبِي الحُسَيْنِ بْنِ المُهْتَدِي، وَأَبِي الغَنَائِمِ بْنِ المَأْمُوْنِ، وَأَبِي جَعْفَرِ بْنِ المُسْلِمَةِ، وَأَبِي بَكْرٍ الخَطِيْبِ، وَغَيْرِهِمْ. وَسَمِعَ مِنَ القَاضِي أَبِي يَعْلَى، وَتَفَقَّهَ عَلَيْهِ حَتَّى بَرَعَ فِي الفِقْهِ، وَأَفْتَى وَوَعَظَ بِـ "جَامِعِ القَصْرِ"، وَ"جَامِعِ المَنْصُورِ"، وَ"جَامِعِ المَهْدِيِّ"، وَكَانَ مُظْهِرًا لِلْسُّنَّةِ فِي مَجَالِسِهِ. وَشهِدَ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللهِ بْنِ الدَّامَغَانِيِّ، وَأَبِي بَكْرٍ الشَّامِّي (٣)،

стр. 386

وَغَيْرِهِمَا، وَوَلِيَ القَضَاءَ بِـ "بَابِ الطَّاقِ" وَحَدَّثَ وَانْتَشَرَتْ الرِّوَايَةُ عَنْهُ، فَرَوَى عَنْهُ عَبْدُ الوَهَّابِ الأَنْمَاطِيُّ، وَعَبْدُ الخَالِقِ بْنُ أَحْمَدَ بنِ يُوسُفَ، وَأَبُو المُعَمَّرِ الأَنْصَارِيُّ، وَالمُبَارَكُ ابْنُ خُضَيْرٍ، وَالسِّلَفِيُّ. (١)

стр. 387

تُوُفِيَّ يَوْمَ السَّبْتِ رَابِعَ عِشْرِيْنَ جُمَادَى الآخِرَةِ، سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِمَائَةَ، وَدُفِنَ مِنَ الغَدِ بِمَقْبَرَةِ "بَابِ حَرْبٍ"، وَتَبِعَهُ مِنَ الخَلْقِ مَا لَا يُحْصَى كَثْرَةً، وَلَا يَعُدُّهُمْ إِلَّا أَسْرَعُ الحَاسِبِيْنَ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ شَافِعٍ. وَفِي "تَارِيخِ ابْنِ

стр. 388

السَّمْعَانِيِّ"، عَنْ أَبِي الفَضْلِ بْنِ عَطَّافٍ أَنَّهُ تُوفِيَّ لَيْلَةَ السَّبْتِ المَذْكُورَةِ. قَالَ أَبُو الحُسَيْنِ: صلَّيْتُ عَلَيْهِ إِمَامًا بِجَامِعِ المَنْصُورِ فِي المَقْصُورَةِ، قَالَ: وَحَدَّثَ عَنِ الوَالِدِ بِكَثِيْرٍ مِنْ سَمَاعَاتِهِ وَمُصَنَّفَاتِهِ. ٥٥ - إِسْمَاعِيْلُ بْن مُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ (١) بن دَاوُدَ الأَصْبَهَانِيُّ، الخَيَّاطُ، أَبُو عَلِيٍّ، سَمِعَ الكَثِيْرَ، وَكَتَبَ بِخَطِّهِ، وَكَانَ خَطُّهُ دَقِيْقًا مَطْبُوْعًا، دَخَلَ "بَغْدَادَ" سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِمَائَةَ، وَحَدَّثَ بِهَا عَنْ وَالِدِهِ، وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ بْنِ الحَسَنِ بْنِ مَاجَهْ، وَأَبِي مُطِيعٍ المُضَرِيِّ، وَغَيْرِهِمْ. سَمِعَ مِنْهُ أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بنُ نَاصِرِ البَرْدَنِيُّ (٢). وَقَالَ: كَانَ مِنَ الأَئِمَّةِ الكِبَارِ، وَهُوَ أَخُو أَبِي سَعْدٍ مُحَمَّدِ بنِ دَاوُدَ (٣).

стр. 389

قَالَ ابنُ النَّجَّارِ: قَرَأْتُ بِخَطِّ أَخِيْهِ أَبِي سَعْدٍ: تُوُفِّيَ أَخِي أَبُو عَلِيٍّ إِسْمَاعِيلُ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ جُمَادَى الآخِرَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِمَائَةَ، رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى. ٥٦ - إِسمَاعِيلُ بنُ المُبَارَكِ (١) بنِ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ بنِ وَصِيْفٍ البَغْدَادِيُّ، الفَقِيهُ، أَبُو حَازِمٍ. وُلِدَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلاثِينَ وَأَرْبَعَمِائَةَ. وَقَرَأَ الفِقْهَ عَلَى القَاضِي أَبِي يَعْلَى، وَسَمِعَ مِنْهُ، وَمِن ابنِ العُشَارِيِّ، وَالجَوْهَرِيِّ. رَوَى عَنْهُ أَبُو المُعَمَّرِ الأَنْصَارِيُّ، وَبِالإِجَازَةِ ابنُ كُلَيْبٍ. وَتُوفِّيَ فِي رَجَبٍ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِمَائَةَ. ٥٧ - أَحْمدُ بنُ الحَسَنِ (٢) بنِ أَحْمَدَ المُخَلَّطِيُّ، البَغْدَادِيُّ الفَقِيهُ، أَبُو العَبَّاسِ

стр. 390

الدَّبَّاسُ (١). صَحِبَ القَاضِيَ أَبَا يَعْلَى، وَتَفَقَّهَ عَلَيْهِ، وَلَازَمَهُ، وَسَمِعَ مِنْهُ الحَدِيْثَ، وَكَتَبَ "الخِلَافَ" وَغَيْرَهُ مِنْ تَصَانِيْفِهِ. وَسَمِعَ أَيْضًا مِنْ أَبِي الحُسَيْنِ بنِ المُهْتَدِي، وَأَبي جَعْفَرِ بنِ المُسْلِمَةِ، وَأَبِي الحُسَيْنِ بنِ الآبَنُوْسِيِّ، وَأَبِي عَلِيِّ بنِ وِشَاحٍ، وَأَبِي عَلِيِّ المُبَارَكِيِّ وَغَيْرِهِمْ، وَحَدَّثَ عَنْهُمْ. قَالَ ابنُ نَاصِرٍ الحَافِظُ: وَسَمِعْتُ مِنْهُ، قَالَ: وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا، مِنْ أَهْلِ القُرْآنِ، وَالسِّتْرِ، وَالصِّيَانَةِ، ثِقَةً، مَأْمُوْنًا. تُوفِّيَ لَيْلَةَ الأَرْبِعَاءِ ثَانِي عَشَرَ جُمَادَى الأُوْلَى سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِمَائَةَ، وَدُفِنَ مِنَ الغَدِ بمَقْبَرَةِ "بَابِ حَرْبٍ" ﵀. وَ"المُخَلَّطِيُّ" بِفَتْحِ اللَّامِ المُشَدَّدَةِ (٢) - نِسْبَةَ إِلَى المُخَلَّطِ -، وَهُوَ النُّقْلُ (٣)، وَلَعَلَّهُ كَانَ يَبِيْعُهُ.
следующие страницы →