← Тараджим

Тараджим · id 31366

ذيل طبقات الحنابلة - لابن رجب - ت العثيمين

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (2 431 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وَغَيْرِهِمَا، وَوَلِيَ القَضَاءَ بِـ "بَابِ الطَّاقِ" وَحَدَّثَ وَانْتَشَرَتْ الرِّوَايَةُ عَنْهُ، فَرَوَى عَنْهُ عَبْدُ الوَهَّابِ الأَنْمَاطِيُّ، وَعَبْدُ الخَالِقِ بْنُ أَحْمَدَ بنِ يُوسُفَ، وَأَبُو المُعَمَّرِ الأَنْصَارِيُّ، وَالمُبَارَكُ ابْنُ خُضَيْرٍ، وَالسِّلَفِيُّ. (١)

стр. 387

تُوُفِيَّ يَوْمَ السَّبْتِ رَابِعَ عِشْرِيْنَ جُمَادَى الآخِرَةِ، سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِمَائَةَ، وَدُفِنَ مِنَ الغَدِ بِمَقْبَرَةِ "بَابِ حَرْبٍ"، وَتَبِعَهُ مِنَ الخَلْقِ مَا لَا يُحْصَى كَثْرَةً، وَلَا يَعُدُّهُمْ إِلَّا أَسْرَعُ الحَاسِبِيْنَ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ شَافِعٍ. وَفِي "تَارِيخِ ابْنِ

стр. 388

السَّمْعَانِيِّ"، عَنْ أَبِي الفَضْلِ بْنِ عَطَّافٍ أَنَّهُ تُوفِيَّ لَيْلَةَ السَّبْتِ المَذْكُورَةِ. قَالَ أَبُو الحُسَيْنِ: صلَّيْتُ عَلَيْهِ إِمَامًا بِجَامِعِ المَنْصُورِ فِي المَقْصُورَةِ، قَالَ: وَحَدَّثَ عَنِ الوَالِدِ بِكَثِيْرٍ مِنْ سَمَاعَاتِهِ وَمُصَنَّفَاتِهِ. ٥٥ - إِسْمَاعِيْلُ بْن مُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ (١) بن دَاوُدَ الأَصْبَهَانِيُّ، الخَيَّاطُ، أَبُو عَلِيٍّ، سَمِعَ الكَثِيْرَ، وَكَتَبَ بِخَطِّهِ، وَكَانَ خَطُّهُ دَقِيْقًا مَطْبُوْعًا، دَخَلَ "بَغْدَادَ" سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِمَائَةَ، وَحَدَّثَ بِهَا عَنْ وَالِدِهِ، وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ بْنِ الحَسَنِ بْنِ مَاجَهْ، وَأَبِي مُطِيعٍ المُضَرِيِّ، وَغَيْرِهِمْ. سَمِعَ مِنْهُ أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بنُ نَاصِرِ البَرْدَنِيُّ (٢). وَقَالَ: كَانَ مِنَ الأَئِمَّةِ الكِبَارِ، وَهُوَ أَخُو أَبِي سَعْدٍ مُحَمَّدِ بنِ دَاوُدَ (٣).

стр. 389

قَالَ ابنُ النَّجَّارِ: قَرَأْتُ بِخَطِّ أَخِيْهِ أَبِي سَعْدٍ: تُوُفِّيَ أَخِي أَبُو عَلِيٍّ إِسْمَاعِيلُ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ جُمَادَى الآخِرَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِمَائَةَ، رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى. ٥٦ - إِسمَاعِيلُ بنُ المُبَارَكِ (١) بنِ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ بنِ وَصِيْفٍ البَغْدَادِيُّ، الفَقِيهُ، أَبُو حَازِمٍ. وُلِدَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلاثِينَ وَأَرْبَعَمِائَةَ. وَقَرَأَ الفِقْهَ عَلَى القَاضِي أَبِي يَعْلَى، وَسَمِعَ مِنْهُ، وَمِن ابنِ العُشَارِيِّ، وَالجَوْهَرِيِّ. رَوَى عَنْهُ أَبُو المُعَمَّرِ الأَنْصَارِيُّ، وَبِالإِجَازَةِ ابنُ كُلَيْبٍ. وَتُوفِّيَ فِي رَجَبٍ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِمَائَةَ. ٥٧ - أَحْمدُ بنُ الحَسَنِ (٢) بنِ أَحْمَدَ المُخَلَّطِيُّ، البَغْدَادِيُّ الفَقِيهُ، أَبُو العَبَّاسِ

стр. 390

الدَّبَّاسُ (١). صَحِبَ القَاضِيَ أَبَا يَعْلَى، وَتَفَقَّهَ عَلَيْهِ، وَلَازَمَهُ، وَسَمِعَ مِنْهُ الحَدِيْثَ، وَكَتَبَ "الخِلَافَ" وَغَيْرَهُ مِنْ تَصَانِيْفِهِ. وَسَمِعَ أَيْضًا مِنْ أَبِي الحُسَيْنِ بنِ المُهْتَدِي، وَأَبي جَعْفَرِ بنِ المُسْلِمَةِ، وَأَبِي الحُسَيْنِ بنِ الآبَنُوْسِيِّ، وَأَبِي عَلِيِّ بنِ وِشَاحٍ، وَأَبِي عَلِيِّ المُبَارَكِيِّ وَغَيْرِهِمْ، وَحَدَّثَ عَنْهُمْ. قَالَ ابنُ نَاصِرٍ الحَافِظُ: وَسَمِعْتُ مِنْهُ، قَالَ: وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا، مِنْ أَهْلِ القُرْآنِ، وَالسِّتْرِ، وَالصِّيَانَةِ، ثِقَةً، مَأْمُوْنًا. تُوفِّيَ لَيْلَةَ الأَرْبِعَاءِ ثَانِي عَشَرَ جُمَادَى الأُوْلَى سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِمَائَةَ، وَدُفِنَ مِنَ الغَدِ بمَقْبَرَةِ "بَابِ حَرْبٍ" ﵀. وَ"المُخَلَّطِيُّ" بِفَتْحِ اللَّامِ المُشَدَّدَةِ (٢) - نِسْبَةَ إِلَى المُخَلَّطِ -، وَهُوَ النُّقْلُ (٣)، وَلَعَلَّهُ كَانَ يَبِيْعُهُ.

стр. 391

نَقَلْتُ مِنْ بَعْضِ تَعَالِيْقِ الإِمَامِ أَبِي العَبَّاسِ بنِ تَيْمِيَّةَ، قَالَ: نَقَلْتُ مِنْ خَطِّ أَحْمَدَ بنِ الحَسَنِ بنِ أَحْمَدَ المُخلَّطِيِّ عَلَى ظَهْرِ الجُزْءِ الثَّانِي وَالأَرْبَعِينَ مِنْ "تَعْلِيْقِ القَاضِيَ"، ثُمَّ رَأَيْتُهُ أَنَا بِخَطِّ المُخَلِّطِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ بِخَطِّ شَيْخِنَا - يَعْنِي القَاضِيَ أَبَا يَعْلَى - قَالَ: إِذَا وَقَفَ دَارَهُ عَلَى مَسْجِدٍ وَعَلَى إِمَامِ يُصَلِّي فِيْهِ كَانَ لِلإِمَامِ نِصْفُ الاِرْتِفَاعِ، كَمَا لَو وَقَفَهَا عَلَى زَيْدٍ وَعَمْرٍو أَنَّهُ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ وَقَفَهُ عَلى مَسَاجِدِ القَرْيَةِ، وَعَلَى إِمَامٍ يُصَلِّي فِي وَاحِدٍ مِنْهَا، قُسِمَ الاِرْتِفَاعُ عَلَى عَدَدِ المَسَاجِدِ، وَعَلَى الإِمَامِ، فَإِنْ وَقَفَهَا عَلَى المَسْجِدِ خَاصَّةً لَمْ يَجُزْ أَنْ يُدْفَعَ إِلَى إِمَامٍ يُصَلِّي فِيْهِ، وَلَا يُصْرَفُ فِي بَوَارِي (١) المَسْجِدِ؛ لِأَنَّ ذلِكَ مِنْ مَصلَحَةِ المُصَلِّينَ، لَا مِنْ مَصْلَحَةِ المَسْجِدِ. ٥٨ - مُحَمَّدُ بنُ سَعْدِ (٢) بنِ سَعِيْدٍ الغَسَّالُ المُقْرِئُ، أَبُو البَرَكَاتِ بنُ

стр. 392

الحَنْبَلِيِّ يُلَقَّبُ "التَّارِيْخَ" (١). وُلِدَ فِي رَبِيعِ الآخِرِ سَنَةَ سَبْعِيْنَ وَأَرْبَعَمِائَةَ (٢). وَقَرَأَ بِالرِّوَايَاتِ عَلَى

стр. 393

رِزْقِ اللهِ التَّمِيْمِيِّ، وَيَحْيَى بنِ البُسْتِيِّ، وَغَيْرِهِمَا (١). سَمِعَ مِنْ أَبِي نَصْرٍ الزَّيْنَبِيِّ، وَأَبي الغَنَائِمِ بنِ أَبِي عُثْمَانَ، وَالقَاضِي ابنِ البَطْرِ، وَالنَّعَّالِيِّ وَغَيْرِهِمْ، وَعَلَّقَ الفِقْهَ عَنِ ابنِ عَقِيْلٍ. وَكَانَ مِنَ القُرَّاءِ المُجَوِّدِيْنَ، المَوْصُوْفِيْنَ بِحُسْنِ الأَدَاءِ، وَطِيْبِ النَّغَمَةِ، يُقْصَدُ فِي رَمَضَانَ لِسَمَاعِ قِرَاءَتِهِ فِي صَلَاةِ التَّرَاوِيْحِ مِنَ الأَمَاكِنِ البَعِيْدَةِ، وَكَانَ دَيِّنًا صَالِحًا، صَدُوقًا. حَدَّثَ، سَمِعَ مِنْهُ ابنُ نَاصِرٍ، وَالسِّلَفِيُّ، قَالَ: وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ تِلَاوَةً لِلْقُرْآنِ، وَكَتَبَ الحَدِيْثَ الكَثِيْرَ مَعَنَا وَقَبْلَنَا، وَهُوَ حَنْبَلِيُّ المَذْهَبِ، عَلَّقَ الفِقْهَ عَنْ ابنِ عَقِيْلٍ. تُوفِّيَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ سَابِعَ رَمَضَانَ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِمَائَةَ، وصُلِّيَ عَلَيْهِ بِجَامِعِ القَصْرِ، وَكَانَ الجَمْعُ مُتَوَفِّرًا، وَدُفِنَ بِـ "بَابِ حَرْبٍ" - رَحِمَهُ اللهُ تعَالَى -. ٥٩ - هِبَةُ اللهِ بنُ المُبَارَكِ (٢) بنِ مُوسَى بنِ عَلِيِّ بنِ يُوْسُفَ السَّقَطِيُّ، أَبُو البَرَكَاتِ

стр. 394

المُحَدِّثُ، الرَّحَّالُ، ذَكَرَ أَنَّهُ وُلِدَ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ. وَسَمِعَ الحَدِيْثَ بِبَلَدِهِ "بَغْدَادَ" مِنْ جَمَاعَةٍ، مِنْهُمْ: القَاضِي أَبُو يَعْلَى. وَتَفَقَّهَ عَلَيْهِ، وَرَحَلَ إِلَى "وَاسِطَ" وَ"البَصْرَةَ" وَالكُوفَةِ" و"المَوْصِلِ" وَ"أَصْبَهَانَ" وَ"الجِبَالِ" وَغَيْرِهَا، وَبَالَغَ فِي الطَّلَبِ، وَتَعِبَ فِي جَمْعِ الحَدِيْثِ وَكِتَابَتِهِ. وَكَانَ لَهُ فَضْلٌ وَمَعْرِفةٌ بِالحَدِيْثِ وَاللُّغَةِ، وَجَمَعَ الشُّيُوخَ، وَخَرَّجَ التَّخَارِيْجَ، جَمَعَ لِنَفْسِهِ "مُعْجَمًا لِشُيُوْخِهِ" فِي نَحْوِ ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ ضَخْمَةٍ، وَجَمَعَ "تَارِيْخًا لِبَغْدَادَ" (١) ذَيَّلَ بِهِ عَلَى "تَارِيْخِ الخَطِيبِ". وَكَانَ مُجِدًّا فِي الطَّلَبِ، وَالسَّمَاعِ،

стр. 395

وَالبَحْثِ عَنِ الشُّيُوْخِ، وَإِظْهَارِ مَسْمُوْعَاتِهِمْ، وَالقِرَاءَةِ عَلَيْهِمْ. كَتَبَ عَنْ أَصْحَابِ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَابْنِ شَاهِيْنَ، وَالمُخَلِّصِ، وَابنِ حَبَابَةَ، وَالحَرْبِيِّ، وَطَبَقَتِهِمْ (١)، وَمَنْ دُوْنَهُمْ، حَتَّى ادَّعَى السَّمَاعَ مِنْ شُيُوْخٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُمْ، وَلَا يَحْتَمِلُ سِنُّهُ السَّمَاعَ مِنْهُمْ، كَأَبِي مُحَمَّدٍ الجَوْهَرِيِّ؟ وَغَيْرِهِ، وَسُئِلَ شُجَاعٌ الذُّهْلِيُّ عَنْ رِوَايَتِهِ عَنِ الجَوْهَرِيِّ؟ فَقَالَ: مَا سَمِعْنَا بِهَذَا قَطُّ، وَضَعَّفَهُ فِيْهِ جِدًّا. قَالَ ابنُ السَّمْعَانِيِّ: سَأَلْتُ ابنَ نَاصِرٍ عَنِ السَّقَطِيِّ فَقُلْتُ لَهُ: أَكَانَ ثِقَةً؟ فَقَالَ: لَا وَاللهِ، حَدَّثَ بِـ "وَاسِطَ" عَنْ شُيُوْخٍ لَمْ يَرَهُمْ، وَظَهَرَ كَذِبُهُ عِنْدَهُمْ، قَالَ: وَسَمِعْتُ ابنَ نَاصِرٍ غَيْرَ مَرَّةٍ يَقُوْلُ: السَّقَطِيُّ لَا شَيءَ، وَهُوَ مِثْلُ نَسَبِهِ مِنْ سَقَطِ المَتَاعِ، وَقَدْ أَثْنَى عَلَيْهِ السِّلَفِيُّ، وَعَدَّهُ مِنْ أَكَابِرِ الحُفَّاظِ الَّذِيْنَ أَدْرَكَهُمْ (٢). وَكَانَ لَهُ نَظْمٌ حَسَنٌ، وَمَعْرِفَةٌ بِالآدَابِ. قَالَ أَبُو القَاسِمِ بنُ السَّمَرْقَنْدِيِّ: كُنَّا فِي مَجْلِسِ أَبِي مُحَمَّدٍ رِزْقُ اللهِ التَّمِيْمِيِّ فَأَنْشَدَنَا: فَمَا تَنْفَعُ الآدَابُ وَالعِلْمُ وَالحِجَى … وَصَاحِبُهَا عِنْدَ الكَمَالِ يَمُوْتُ كَمَا مَاتَ لُقْمَانُ الحَكِيْمُ وَغَيْرُهُ … وَكُلُهُمْ تَحْتَ التُّرَابِ صُمُوْتُ

стр. 396

وَكَانَ هِبَةُ اللهِ السَّقَطِيُّ فِي المَجْلِسِ حَاضِرًا، فَأَجَابَهُ بِبَيْتَيْنِ، وَأَنْشَدَنَاهُمَا مِنْ لَفْظِهِ لِنَفْسِهِ: بَلَى أَثَرٌ يَبْقَى لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ … وَذُخْرٌ لَهُ فِي الحَشْرِ لَيْسَ يَفُوْتُ وَمَا يَسْتَوِي المَنْطِيْقُ ذُو العِلْمِ وَالحِجَى … وَأَخْرَسُ بَيْنَ النَّاطِقِيْنِ صَمُوْتُ تُوُفِّيَ يَوْمَ الاثْنَيْنِ ثَالِثِ عِشْرِيْنَ رَبِيْعٍ الأَوَّلِ سَنَّة تِسْعٍ وَخَمْسِمَائَةَ، وَصَلَّى عَلَيْهِ مِنَ الغَدِ بِالجَامِعِ أَبُو الخَطَّابِ (١) الفَقِيْهُ إِمَامًا، ثُمَّ حُمِلَ إِلَى "بَابِ حَرْبٍ" فَدُفِنَ قَرِيْبًا مِنْ قَبْرِ مَنْصُوْرِ بنِ عَمَّارٍ، وَقِيْلَ: تُوفِّيَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ المَذْكُوْرِ، وَقِيْلَ: فِي جُمَادَى الآخِرَةِ، وَالصَّحِيْحُ الأَوَّلُ. قَالَ ابنُ الجَوْزِيُّ: حَكَى هِبَةُ اللهِ السَّقَطِيُّ، قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بنُ الخَلِيلِ البُوشَنْجِيُّ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بنُ عَلِيٍّ الهَرَوِيُّ - وَكَانَ تِلْمِيْذَ أَبِي المَعَالِي الجُوَيْنِيِّ - قَالَ: دَخَلْتُ عَلَيْهِ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيْهِ، وَأَسْنَانُهُ تَتَنَاثَرُ مِنْ فِيهِ، وَيَسْقُطُ مِنْهَا الدُّوْدُ، لَا يُسْتَطَاعُ شَمُّ فِيهِ، فَقَالَ: هَذَا عُقُوْبَةُ تَعَرُّضِي بِالكَلَامِ، فَاحْذَرُوا. ٦٠ - مُحَمَّدُ بنُ الحَسَنِ (٢) بنِ أَحْمَدَ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ البَنَّاءِ البَغْدَادِيُّ، الوَاعِظُ،

стр. 397

أَبُو نَصْرِ بنِ الإِمَامِ أَبِي عَلِيِّ المُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ (١). وُلِدَ حَادِي عِشْرِيْنَ صَفَرٍ، سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ. وَسَمِعَ مِنَ الجَوْهَرِيِّ، وَأَبِي بَكْرٍ بنِ بِشْرَانَ، وَالعُشَارِيِّ، وَأَبِي عَلِيٍّ المُبَارَكِيِّ، وَوَالِدِهِ أَبِي عَلِيِّ بنِ البِنَّاءِ وَطَبَقَتِهِمْ، وَتَفَقَّهَ عَلَى أَبِيْهِ، وَحَدَّثَ. روَى عَنْهُ أَبُو المُعَمَّرِ الأَنْصَارِيُّ، وَأَبُو سَعْدِ بنُ البَغْدَادِيِّ، وَابْنُ نَاصِرٍ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَوَثَّقَهُ، وَكَانَ مِن أَهْلِ الدِّيْنِ، وَالصِّدْقِ، وَالعِلْمِ وَالمَعْرِفَةِ، وَخَلَفَ أَبَاهُ في حَلَقَتِهِ بِجَامِعِ القَصْرِ، وَجَامِعِ المَنْصُورِ. تُوفِّيَ لَيْلَةَ الأَرْبِعَاءِ خَامِسَ عَشَرَ رَبِيْعٍ الأَوَّلِ سَنَةَ عَشْرٍ وَخَمْسِمَائَةَ، وَفِي "تَارِيْخِ ابنِ النَّجَّارِ": سَادِسَ رَبِيعَ الأَوَّل - وَصَلَّى عَلَيْهِ مِنَ الغَدِ أَبُو الحَسَنِ الفَاعُوْسُ (٢) الزَّاهِدُ، بِجَامِعِ القَصْرِ، وَدُفِنَ بِـ "بَابِ حَرْبٍ" وَقِيلَ: تُوُفِّيَ فِي صَفَرٍ. وَالأَوَّلُ أَصَحُّ.

стр. 398

٦١ - مَحْفُوظُ بنُ أَحْمَدَ (١) بنِ الحَسَنِ بنِ أَحْمَدَ الكَلْوَذَانِيُّ، أَبُو الخَطَّابِ البَغْدَادِيُّ،

стр. 399

الفَقِيهُ. أَحَدُ أَئِمَّةِ المَذْهَبِ وَأَعْيَانِهِ. وُلِدَ فِي ثَانِي شَوَّالٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعَمِائَةَ، وَسَمِعَ الحَدِيْثَ مِنَ الجَوْهَرِيِّ، وَالعُشَارِيِّ، وَأَبِي عَلِيٍّ الجَازِرِيِّ، وَالمُبَارَكِيِّ، وَأَبِي الفَضْلِ بنِ الكُوْفِّي، وَالقَاضِي أَبِي يَعْلَى، وَأَبِي جَعْفَرِ بنِ المُسْلِمَةِ، وَأَبِي الحُسَيْنِ بنِ المُهْتَدِي، وَغَيْرِهِمْ. وَكَتَبَ بِخَطِّهِ كَثِيْرًا مِنْ مَسْمُوْعَاتِهِ، وَدَرَسَ الفِقْهَ عَلَى القَاضِي أَبي يَعْلَى، وَلَزِمَهُ حَتَّى بَرَعَ فِي المَذْهَبِ وَالخِلَافِ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ بَعْضَ مُصَنَّفَاتِهِ، وَقَرَأَ الفَرَائِضَ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللهِ الوَنِّيِّ (١)، وَبَرَعَ فِيْهَا أَيْضًا، وَصَارَ إِمَامَ وَقْتِهِ، وَفَرِيْدَ عَصْرِهِ فِي الفِقْهِ، وَدَرَّسَ وَأَفْتَى، وَقَصَدَهُ الطَّلَبَةُ، وَصَنَّفَ كُتُبًا حِسَانًا فِي المَذْهَبِ، وَالأُصُوْلِ وَالخِلَافِ، وَانْتُفِعَ بِهَا بِحُسْنِ قَصْدِهِ. فَمِنْ تَصَانِيْفِهِ: "الهِدَايَةُ" (٢) فِي الفِقْهِ، وَ"الخِلَافُ الكَبِيرِ"

стр. 400

المُسَمَّى بـ "الانْتِصَارِ في المَسَائِلِ الكِبَارِ" (١)، وَ"الخِلَافُ الصَّغِيْرِ" المُسَمَّى بِـ "رُؤُوْسِ المَسَائِلِ" وَنُقِلَ عَنْ صَاحِبِ "المُحَرَّرِ" أَبِي البَرَكَاتِ بنِ تَيْمِيَّةَ أَنَّهُ كَانَ يُشِيْرُ إِلَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ أَبُو الخَطَّابِ فِي "رُؤُوْسِ المَسَائِلِ" هُو ظَاهِرُ المَذْهَبِ،

стр. 401

وَلَهُ أَيْضًا كِتَابُ "التَّهْذِيْبِ" (١) فِي الفَرَائِضِ، وَ"التَّمْهِيْدُ" (٢) فِي أُصُولِ الفِقْهِ، وَكِتَابُ "العِبَادَاتِ الخَمْسِ" (٣)، و"مَنَاسِكُ الحَجِّ". وكَانَتْ لَهُ يَدٌ حَسَنَةٌ فِي الأَدَبِ، وَيَقُوْلُ الشِّعْرَ اللَّطِيْفَ (٤)، وَلَهُ قَصِيْدَةٌ دَالِيَّةٌ فِي السُّنَّةِ مَعْرُوفَةٌ (٥)،

стр. 402

وَمُقَطَّعَاتٌ عَدِيْدَةٌ مِنَ الشِّعْرِ. وَكَانَ حَسَنَ الأَخْلَاقِ، ظَرِيْفًا، مَلِيْحَ النَّادِرَةِ، سَرِيعَ الجَوَابِ، حَادَّ الخَاطِرِ، وَكَانَ مَعَ ذلِكَ كَامِلِ الدِّيْنِ، غَزِيْرَ العَقْلِ، جَمِيْلَ السِّيْرَةِ، مَرْضِيَّ الفِعَالِ، مَحْمُوْدَ الطَّرِيْقَةِ، شَهِدَ عِنْدَ قَاضِي القُضَاةِ أَبي عَبْدُ اللهِ بنِ الدَّامَغَانِيِّ، وَحَدَّثَ بِالكَثِيْرِ مِنْ مَسْمُوْعَاتِهِ عَلَى صِدْقٍ وَاسْتِقَامَةٍ. رَوَى عَنْهُ ابنُ نَاصِرٍ، وَأَبُو المُعَمَّرِ (١) الأَنْصَارِيُّ، وَأَبُو طَالِبِ بنُ خُضَيْرٍ، وَسَعْدُ اللهِ بنُ الدَّجَاجِيِّ، وَوَفَاءُ بنُ الأَسْعَدِ التُّرْكِيُّ، وَأَبُو الفَتْحِ بنُ شَاتِيْلٍ، وَغَيْرُهُمْ. وَرَوَى عَنْهُ ابنُ كُلَيْبٍ بِالإِجَازَةِ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ الفِقْهَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ المَذْهَبِ مِنْهُمْ عَبْدُ الوَهَّابِ بنُ حَمْزَةَ، وَأَبُو بَكْرٍ الدِّيْنَوَرِيُّ، وَالشَّيْخُ عَبْدُ القَادِرِ الجِيْلِيُّ الزَّاهِدُ، وَغَيْرُهُمْ. قَالَ أَبُو بَكْرِ بنُ النَّقُوْرِ: كَانَ إِلْكِيَا الهَرَّاسِيُّ إِذَا رَأَى الشَّيْخَ أَبَا الخَطَّابِ مُقْبِلًا قَالَ: قَدْ جَاءَ الفِقْهُ. وَقَالَ السِّلَفِيُّ: أَبُو الخَطَّابِ مِنْ أَئِمَّةِ أَصْحَابِ أَحْمَدَ، يُفْتِي عَلَى مَذْهَبِهِ وَيُنَاظِرُ (٢). وَكَانَ عَدْلًا، رَضِيًّا، ثِقَةً، عِنْدَهُ كِتَابُ "الجَلِيْسُ وَالأَنِيْسُ" (٣) لِلْقَاضِي أَبِي الفَرَجِ الجَرِيْرِيِّ، عَنِ

стр. 403

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 404

الجَازِرِيِّ عَنْهُ. وَكَانَ يَنْفَرِدُ (١) بِهِ وَلَمْ يَتَّفِقُ لِي سَمَاعُهُ، وَنَدِمْتُ بَعْدَ خُرُوْجِيْ مِن "بَغْدَادَ" عَلَى فَوَاتِهِ. وَكَذلِكَ أَثْنَى ابنُ نَاصِرٍ عَلَى أَبِي الخَطَّابِ ثَنَاءً كَثِيْرًا. وَذَكَرَ ابنُ السَّمْعَانِيِّ: أَنَّ أَبَا الخَطَّابِ جَاءَتْهُ فَتْوَى فِي بَيْتَيْنِ مِنْ شِعْرٍ، وَهُمَا: (٢) قُلْ لِلإِمَامِ أَبِي الخَطَّابِ مَسْأَلَةً … جَاءَتْ إِلَيْكَ وَمَا يُرْجَى سِوَاكَ لَهَا مَاذَا عَلَى رَجُلٍ رَامَ الصَّلَاةَ فَمُذْ … لَاحَتْ لِنَاظِرِهِ ذَاتُ الجَمَالِ لَهَا فَكَتَبَ عَلَيْها أَبُو الخَطَّابِ: قُلْ لِلأَدِيْبِ الَّذِي وَافَى بِمَسْأَلَةٍ … سَرَّتْ فُؤَادِيَ لَمَّا أَنْ أَصَخْتُ لَهَا إِنَّ الَّذِي فَتَنَتْهُ عَنْ عِبَادَتِهِ … خَرِيْدَةٌ ذَاتُ حُسْنٍ فَانْثَنَى وَلَهَا إِنْ تَابَ ثُمَّ قَضى عَنْهُ عِبَادَتُهُ … فَرَحْمَةُ اللهِ تَغْشَى مَنْ عَصَى وَلَهَا تُوُفِّيَ ﵀ فِي آخِرِ يَوْمِ الأَرْبِعَاءِ ثَالِثِ عِشْرِيْنَ جُمَادَى الآخِرَةِ سَنَةَ عَشْرٍ وَخَمْسَمِائَةَ، وَتُرِكَ يَوْمَ الخَمِيْسِ، وَصُلِّيَ عَلَيْه يَوْمَ الجُمُعَةِ فِي جَامِعِ القَصرِ، وَدُفِنَ إِلَى جَانِبِ قَبْرِ الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁، كَذلِكَ حَرَّرَ وَفَاتَهُ القَاضِي أَبُو بَكْرِ بنُ عَبْدِ البَاقِي، وَكَذَا ذَكَرَهُ ابنُ شَافِعٍ، وَذَكَرَ ابنُ الجَوْزِيِّ: أَنَّهُ تُوفِّيَ سَحَرَ يَوْمَ الخَمِيْسِ، وَدُفِنَ يَوْمَ الجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَذَكَرَ ابنُ شَافِعٍ: أَنَّ أَبَا الحَسَنِ بنَ الفَاعُوْسِ الزَّاهِدِ صَلَّى عَلَيْهِ إِمَامًا، وَحَضَرَ الجَمْعُ

стр. 405

العَظِيْمُ، وَالجُنْدُ الكَثِيْرُ، وَدُفِنَ بَيْنَ يَدَيْ صَفِّ الإِمَامِ أَحْمَدَ، بِجَنْبِ أَبِي مُحَمَّدٍ التَّمِيْمِيِّ، ﵀ (١). قَرَأْتُ بِخَطِّ أَبِي العَبَّاسِ بنِ تَيْمِيَّةَ فِي "تَعَالِيْقِهِ القَدِيْمَةِ": رُئِيَ الإِمَامُ أَبُو الخَطَّابِ فِي المَنَامِ، فَقِيْلَ لَهُ: مَا فَعَلَ اللهُ بِكَ؟ فَأَنْشَدَ: (٢) أَتَيْتُ رَبِّي بِمِثْلِ هَذَا … فَقَالَ ذَا المَذْهَبُ الرَّشِيْدُ مَحْفُوْظُ نَمْ فِي الجِنَانِ حَتَّى … يَنْقُلَكَ السَّائِقُ الشَّهِيْدُ قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الفَتْحِ مُحَمَّدِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ إِبْرَاهِيمَ المِصْرِيِّ بِهَا، أَخْبَرَكُمْ أَبُو الفَرَجِ عَبْدُ اللَّطِيفِ بنُ عَبْدِ المُنْعِمِ الحَرَّانِيُّ (أَنَا) عَبْدُ المُنْعِمِ بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ بنِ عَلِيٍّ الحَرَّانِيُّ (أثنَا) أَبُو الخَطَّابِ مَحْفُوْظُ بنُ أَحْمَدَ فِي كِتَابِهِ، (أَنَا) أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بنُ الحُسَيْنِ الجَازِرِيُّ (أَنَا) أَبُو الفَرَجِ المُعَافَى بنُ زكَرِيَّا النَّهْرَوَانِيُّ (أَثَنَا) أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ الأَدَمِيُّ (ثَنَا) فَضْلٌ - يَعْنِي: ابنَ سَهْلٍ - (ثَنَا) مُوْسَى بنُ دَاوُدَ (ثَنَا) ابنُ لَهِيْعَةَ، عَنْ دَرَّاجٍ، عَنْ أَبي الهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيْدٍ الخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: "يَا رَسُولَ اللهِ، طُوَبَى لِمَنْ رَآكَ وَآمَنَ بِكَ، فَقَالَ: طُوْبَى لِمَنْ رَآنِي وَآمَنَ بِي، وَطُوْبَى، ثُمَّ طُوْبَى، ثُمَّ طُوْبَى لِمَنْ آمنَ بِي وَلَمْ يَرَنِي، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ مَا طُوْبَى؟ قَالَ: شَجَرَةٌ فِي الجَنَّةِ مَسِيْرَةَ مِائَةَ عَامٍ، ثِيَابُ أَهْلِ الجَنَّةِ تَخْرُجُ مِنْ أكمَامِهَا" (٣) وَبِهِ إِلَى أَبِي

стр. 406

الخَطَّابِ وَأَنْشَدَ مِنْ قَوْلهِ: (١) بِأَبِي مَنْ إِذَا شَكَوْتُ إِلَيْهِ … حُبَّهُ قَالَ ذَا مُحَالٌ وَلَهْوُ وَإِذَا مَا حَلَفْتُ بِاللهِ إِنِّي … صَادِقٌ قَالَ لِيْ يَمِيْنُكَ لَغْوٌ لَا وَمَنْ خَصَّهُ بِحُسْنٍ بَدِيْعٍ … وَجَمَالٍ جِسْمِي بِهِ اليَوْمَ نِضْوُ لَا تَبَدَّلْتُ فِي هَوَاهُ وَلَا خُنْـ … ــتُ وَلا حَلَّ لِيْ عَلَيْهِ السُّلُوُّ وَقَوْلُهُ أَيْضًا: (٢) يَقُوْلُ لِيَ الأَحِبَّةُ لَا تَزُرْنَا … عَلَى حَالٍ وَنَحْنُ فَلَا نَزُوْرُ فَقُلْتُ مَتَى أَطَعْتَ فَقَالَ هَذَا … وَقُلْتُ أُحِبُّكُمْ فَالقَوْلُ زُوْرُ وَقَوْلُهُ أَيْضًا: (٣) كَيْفَ أُخْفِيْ هَوَاكُمُ وَعَلَيْهِ … شَاهِدُ الحُزْنِ وَالنُّحُوْلِ يُنِمُّ وَإِذَا اللَّائِمُوْنَ لَامُوا فَطَرْفِي … فِي هَوَاكُمْ أَعْمَى وَسَمْعِيْ أَصَمُّ أَنْتُمُ لِلْفُؤَادِ هَمُّ وَلِلْعَـ … ــيْنِ سُهَادٌ وَلِلْجَوَانِحِ سُقْمُ كُلُّ يَوْمٍ تُجَدِّدُوْنَ عَلَى قَلْـ … ــبِي عَذَابًا وَلَيْسَ لِلْقَلْبِ جُرْمُ وَلَئِنْ دَامَ ذَا وَلَا دَامَ مِنْكُمْ … تَلِفَتْ مُهْجَتِيْ وَفِي ذَاكَ إِثْمُ

стр. 407

وَقَوْلُهُ أَيْضًا: (١) عَلَامَ أُجَازَى بِالوِصَالِ قَطِيْعَةً … وَبِالحُبِّ بَغْضًا إِنَّ ذَا لَعَجِيْبُ وَكَمْ ذَا التَّجَنِّي مِنْكَ فِي كُلِّ سَاعَةٍ … أَمَا لِفُؤَادِي مِنْ رِضَاكَ نَصِيْبُ لَئِنْ لَانَ جَنْبِي عِنْدَكُمْ فَهْوَ وَالهَوَى … مَنِيْعٌ وَلكِنَّ الحَبِيْبُ حَبِيْبُ وَإِنْ كَانَ ذَنْبِي عِنْدَكُمْ كَلَفِي بِكُمْ … فَمَا أَنَا مِنْهُ مَا حَيِيْتُ أَتُوْبُ غَرَامِي بِكُمْ حَتَّى المَمَاتِ مَضَاعِفٌ … وَقَلْبِي لَكُمْ عِنْدِي عَلَيَّ رَقِيْبُ وَمِنْ شِعْرِ أَبِي الخَطَّابِ - أَوْرَدَهُ ابنُ النَّجَّارِ مِنْ طَرِيْقِ أَبِي المُعَمَّرِ الأَنْصَارِيِّ عَنْهُ -: (٢) إِنْ كُنْتَ يَا صَاحِ بِوَجْدِي عَالِما … فَلَا تَكُنْ لِي فِي هَوَاهُ لَائِمَا وَإِنْ جَهِلْتَ مَا أُلَاقِي بِهِمُ … فَانْظُرْ تَرَ دُمُوْعِيَ السَّوَاجِمَا هُمْ قَتَّلُوْنِي بِالصُّدُوْدِ وَالقِلَى … وَمَا رَعَوْا فِي قَتْلِيَ المَحَارِمَا يَا مَنْ يَخَافُ الإِثْمَ فِي وَصْلِي أَمَا … تَخَافُ فِي سَفْكِ دَمِي المَآثِمَا هَبْنِيْ رَضِيْتُ أَنْ تَكُوْنَ قَاتِلِي … فَهَلْ رَضِيْتَ أَنْ تَكُوْنَ ظَالِمَا سَلُوا النُّجُوْمَ بَعْدَكُمْ عَنْ مَضْجَعِي … هَلْ قَرَّ جَنْبِيْ أَوْ رَأَتْنِيْ نَائِمَا وَاسْتَقْبِلُوا الشَّمَالَ كَيْمَا تَنْظُرُوا … مِنْ حُرِّ أَنْفَاسِيْ بِهَا سَمَائِمَا وَهَذِهِ الأَيْكُ سَلُوا الأَيْكَ أَلَمْ … أُعْلِّمِ النَّوْحَ بِهَا الحَمَائِمَا لَقَدْ أَقَمْتُ بَعْدَ أَنْ فَارَقْتُكُمْ … عَلَى فُؤَادِي بَيْنَهُمَا مَآتِمَا

стр. 408

كَانَ أَبُو الخَطَّابِ ﵁ فَقِيْهًا، عَظِيْمًا، كَثِيرَ التَّحْقِيْقِ، وَلَهُ مِنَ التَّحْقِيْقِ وَالتَّدْقِيْقِ الحَسَنِ فِي مَسَائِلِ الفِقْهِ وَأُصُوْلِهِ شَيْءٌ كَثِيْرٌ جِدًّا، وَلَهُ مَسَائِلُ يَنْفَرِدُ بِهَا عَنِ الأَصْحَابِ. فَمِمَّا تَفَرَّدَ بِهِ قَوْلُهُ: إِنَّ لِلْعَصْرِ سُنَّةٌ رَاتِبَةٌ قَبْلَهَا أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ. وَقَوْلُهُ: إِنَّ الكُفَّارَ لَا يَمْلِكُوْنَ أَمْوَالَ المُسْلِمِيْنَ بِالقَهْرِ، وَإِنَّهَا تُرَدُّ إِلَى مَنْ أُخِذَتْ مِنْهُ مِنَ المُسْلِمِيْنَ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَلَوْ قُسِمَتْ فِي المَغْنَمِ أَوْ أَسْلَمَ الكَافِرُ وَهِيَ فِي يَدِهِ. وَمِنْ ذلِكَ قَوْلُهُ: إِنَّ الأُضْحِيَةَ يَزُوْلُ المِلْكُ فِيْهَا بِمُجَرَّدِ الإِيْجَابِ، فَلَا يَمْلِكُ صَاحِبُهَا إِبْدَالَهَا بِحَالٍ. وَمِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ فِي "الهِدَايَةِ" أَنَّ الزَّرَافَةَ حَرَامٌ، وَقَالَ السَّامُرِّيُّ (١): هُوَ سَهْوٌ مِنْهُ. وَمنْ ذلِكَ قَوْلُهُ: بِطَهَارَةِ الأَدْهَانِ المُنَجَّسَةِ الَّتِي يُمْكِنُ غَسْلُهَا (٢) بِالغَسْلِ. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: إِنَّ مَنْ مَلَكَ أُخْتَيْنِ لَمْ يَجُزْ لَهُ الإِقْدَامُ عَلَى وَطْءِ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حَتَّى تَحْرُمَ الأُخْرَى عَلَيْهِ، بِإِزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْهَا أَوْ عَنْ بَعْضِهَا، كَمَا لَوْ كَانَ قَدْ وَطِيءَ إِحْدَاهُمَا، ثُمَّ أَرَادَ وَطْءَ الأُخْرَى، وَقَدْ رَأَيْتُ فِي كَلَامِ الإِمَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ إِسْحَقَ بنِ هَانِئٍ (٣) مَا يَدُلُّ عَلَى مِثْلِ ذلِكَ، وَنَصُّهُ

стр. 409

مَذْكُوْرٌ فِي "مَسَائِلِ ابنِ هَانِئِ" فِي (كِتَابِ الجِهَادِ). وَمنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: إِنَّ النِّكَاحَ لَا يَنْفَسِخُ بِسَبْيِ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ بِحَالٍ، سَوَاءً سُبِيَا مَعًا، أَوْ سُبِيَ أَحَدَهُمَا وَحْدَهُ. وَقَدْ حَكَى ابنُ المِنْذِرِ (١) الإِجْمَاعَ عَلَى انْفِسَاخِ نِكَاحِ المَسْبِيَّةِ وَحْدَهَا إِذَا كَانَ زَوْجُهَا فِي دَارِ الحَرْبِ، وَحَكَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا أَيْضًا كَـ "ابْنِ عَقِيْلٍ"، وَهُوَ ظَاهِرُ القُرْآنِ، وَحَدِيْثُ أَبِي سَعِيْدٍ فِي "صَحِيْحِ مُسْلِمٍ" صَرِيْحٌ فِي ذلِكَ، وَالعَجَبُ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي "الانْتِصَارِ" (٢) أَنَّ حَدِيْثَ أَبِي سَعِيْدٍ لَا يَصِحُّ، قَالَ: وَالدَّلِيْلُ عَلَى ضَعْفِهِ أَنَّ سَبَايَا "أَوْطَاسَ" (٣) كُنَّ مَجُوْسِيَّاتٍ. وَهَذَا مِمَّا يَعْلَمُ بُطْلَانُهُ قَطْعًا؛ فَإِنَّ العَرَبَ لَمْ يَكُوْنُوا مَجُوْسًا (٤).

стр. 410

وَقَدْ نُسِبَ إِلَى أَبِي الخَطَّابِ التَّفَرُّدُ بِتَخْرِيْجِ رِوَايَةٍ: بِأَنَّ التَّرْتِيْبَ لَا يُشْتَرَطُ فِي الوُضُوءِ، وَلَيْسَ كَذلِكَ؛ فَقَدْ وَافَقَهُ عَلَى هَذَا التَّخْرِيْجِ ابنُ عَقِيْلٍ، وَاتَّفَقَا عَلَى تَخْرِيْجِهَا مِنْ رِوَايَةِ سُقُوْطِ التَّرْتِيْبِ بَيْنَ المَضْمَضَةِ وَالاِسْتِنْشَاقِ، وَسَائِرِ أَعْضَاءِ الوُضُوءِ. وَذَكَرَ أَبُو الخَطَّابِ فِي (كِتَابِ الصِّيَامِ) مِنَ "الهِدَايَةِ" - رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ -: أَنَّ مَنْ دَخَلَ فِي حَجِّ تَطَوُّعٍ ثُمَّ أَفْسَدَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاؤُهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذلِكَ في (كِتَابِ الحَجِّ)، وَلَا فِي غَيْرِ "الهِدَايَةِ". قَالَ أَبُو البَرَكَاتِ بنُ تَيْمِيَّةَ (١): وَلَعَلَّهُ سَهَا فِي ذلِكَ، وَانْتَقَلَ ذِهْنُهُ مِنْ مَسْأَلَةِ الفَوَاتِ إِلَى مَسْأَلَةِ الإِفْسَادِ. وَذَكَرَ فِي "الانْتِصَارِ" - رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ - أَنَّ صَلَاةَ الفَرْضِ تُقْضَى عَنِ المَيِّتِ كَالنَّذْرِ. وَذَكَرَ فِي "الانْتِصَارِ" فِي مَسْأَلَةِ مَا إِذَا قَتَلَ وَاحِدٌ جَمَاعَةً عَمْدًا أَنَّ أَوْلِيَاءَهُمْ بِالخِيَارِ، إِنْ شَاءُوا قُتِلَ لِلْجَمِيْعِ، وَلَا يَكُوْنُ لَهُمْ غَيْرُ ذلِكَ،

стр. 411

وَيَسْقُطُ بَاقِي حُقُوْقِهِمْ. وَإِنِ اخْتَارَ بَعْضُهُمْ القَوَدَ وَبَعْضُهُمُ الدِّيَةَ قُتِلَ لِمُخْتَارِ القَوَدِ، وَأُخِذَ مِنْ مَالِهِ الدِّيَةَ لِطَالِبِهَا، وَأَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَى ذلِكَ فِي رِوَايَةِ المَيْمُونيِّ (١) وَذَكَرَهُ الخِرَقِيُّ فِي "مُخْتَصَرِهِ" قَالَ: وَيَتَخَرَّجُ لَنَا كَقَوْلِ أَبِي حَنِيْفَةَ وَمَالِكٍ: يُقْتَلُ لِلْجَمِيْعِ، وَلَيْسَ لَهُمْ غَيْرُ ذلِكَ، عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُوْلُ: لَا يَثْبُتُ بِقَتْلِ العَمْدِ غَيْرُ القَوَدِ، ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ المَسْأَلَةِ: هَذَا الفَصْلُ مُشْكَلٌ عَلَى قَوْلِ أَحْمَدَ ﵀؛ لِأَنَّهُ إِنْ قَالَ: حُقُوْقُ الجَمِيْعِ تَسَاوَتْ، فَإِذَا طَلَبُوا القَتْلَ لَيْسَ لَهُمْ غَيْرُهُ، وَعَلَّلَ بِأَنَّهُمْ أَخَذُوا بَعْضَ حُقُوقِهِمْ، وَسَقَطَ بَعْضُهَا، فَقَدْ قَالَ: بِأَنَّ القِصَاصَ يَتَبَعَّضِ فِي الاسْتِيْفَاءِ وَالإِسْقَاطِ، وَهَذَا بَعِيْدٌ، فَإِنَّهُ لَوْ قتَلَ رَجُلٌ رَجُلَيْنِ، فَقَالَ وَلِيُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: قَدْ عَفَوْتُ لَكَ عَنْ نِصفِ القِصَاصِ، وَلكِنْ قَدْ بَقِيَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا النِّصْفُ فَيَسْتَحِقَّ قَتْلُكَ بِهِ: لَمْ يَجُزْ لَهُمْ ذلِكَ، وَسَقَطَ حَقُّهُمْ مِنَ القِصَاصِ، وَلَوْ كَانَ يَتَبَعَّضُ لَثَبَتَ ذلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ بِالتَّبْعِيْضِ لَمْ يَصِحَّ قَوْلُهُ: أَخَذَ بَعْضَ الحَقِّ وَأَسْقَطَ بَعْضَهُ، وَاقْتَضَى أَنْ يَقُوْلَ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيْفَةَ، وَأَنَّهُ يُقْتَلُ لِلْجَمِيْعِ، لِأَنَّ دَمَهُ يُسَاوِيْ دَمَ الجَمِيْعِ، أَوْ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَحَلٌّ يُسْتَوْفَى مِنْهُ، أَوْ يَقُوْلُ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ: يُقْتَلُ بِالأَوَّلِ، أَوْ بِمَنْ تُخْرِجُهُ القُرْعَةُ، وَتُؤْخَذُ الدِّيَاتُ لِلْبَاقِيْنَ. وَالَّذِي يَتَحَقَّقُ عِنْدِي أَنَّهُ يُقْتَلُ لِلْجَمِيْعِ وَتُؤْخَذُ مِنْ مَالِهِ دِيَاتُ الجَمِيْعِ تُقْسِمُ بَيْنَهُمْ، كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيْفَةِ: إِذَا قَطَعَ يَمِيْنَيْ رَجُلَيْنِ فَيُقْطَعُ لَهُمَا،

стр. 412

وَتُؤْخَذُ دِيَةُ يَدٍ فَتُقْسَمُ بَيْنَهُمَا، وَكَمَا قَالَ ابنُ حَامِدٍ (١)، وَشَيْخُنَا وَأَصْحَابُنَا: إِذَا قَطَعَ فِي يَدِهِ نَاقِصَةِ الأَصَابِعِ يَدًا تَامَّةً يَجُوْزُ لِلْمَقْطُوْعَةِ يَدُهُ أَنْ يَقْطَعَ اليَدَ النَّاقِصَةَ، وَيَأْخُذَ دِيَةَ الأَصَابِعِ فَيَجْتَمِعُ القِصَاصُ وَالدِّيَةُ لِيَكْمُلَ حَقُّهُ، كَذلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا. وَاللهُ أَعْلَمُ. وَذَكَرَ في "الانْتِصَارِ" فِي مَسْأَلَةِ ضَمَانِ العَارِيَّةِ أَنَّ المَبِيْعَ إِذَ فُسِخَ لِعَيْبٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَتَلِفَتِ السِّلْعَةُ فِي يَدِ المُشْتَرِي أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ يَدَهُ أَمَانَةٌ. وَهَذَا غَرِيْبٌ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الأَصْحَابِ، كَالقَاضِي في "خِلَافِهِ" وَابنِ عَقِيْلٍ، وَالأَزَجِيِّ فِي "النِّهَايَةِ" (٢). وَاخْتَارَ فِيْهِ: أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَضْمَنَ (٣) بَعْضَ مَا عَلَى فُلَانٍ مِنَ الدَّيْنِ، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ بِهِ (٤) البَعْضَ، وَقَالَ: لَا أَعْلَمُ فِيْهِ نَصًّا عَنْ أَحَمَدَ. وَفِي "الفُنُوْنِ" لابنِ عَقِيْلٍ قَالَ: إِنَّ الشَّرِيْفَ أَبَا جَعْفَرٍ قَالَ: إِنَّ الصِّحَّةَ قِيَاسُ المَذْهَبِ، وَأَنَّهُ اخْتَارَهُ. وَاخْتَارَ فِيْهِ: أَنَّ عَامِلَ الزَّكَاةِ شَرِيْكٌ لِبَقِيَّةِ الأَصْنَافِ لَا أَجِيْرٌ، فَلَا

стр. 413

يَجُوْزُ أَنْ يَكُونَ هَاشِمِيًّا وَلَا عَبْدًا. وَحَكَى فِيْهِ رِوَايَةً أَنَّ السَّيِّدَ إِذَا أَذِنَ لِعَبْدِهِ فِي نَوْعٍ مِنَ التِّجَارَةِ مَلَكَ التَّصَرُّفَ فِي سَائِرِ الأَنْوَاعِ. وَحَكَى فِيْهِ - رِوَايَّةً -: أَنَّ السَّيِّدَ إِذَا أَذِنَ لِعَبْدِهِ فِي نَوْعٍ مِنَ التِّجَارَةِ مَلَكَ التَّصَرُّفَ فِي سَائِرِ الأَنْوَاعِ. وَحَكَى فِيْهِ وَجْهًا أَنَّ كُلَّ صَلَاةٍ تَفْتَقِرُ إِلَى تَيَمُّمٍ، وَإِنْ كَانَتْ نَوَافِلَ. وَاخْتَارَ فِي "الهِدَايَةِ": رَدَّ اليَمِيْنِ عَلَى المُدَّعِي، فَيَقْضِيَ لَهُ بِيَمِيْنِهِ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ (١). وَوَقَفْتُ عَلَى فَتَاوَى أُرْسِلَتْ إِلَى أَبِي الخَطَّابِ ﵀ مِنَ "الرَّحْبَةِ" فَأَفْتَى فِيْهَا فِي الشَّهْرِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ فِي جُمَادَى الآخِرَةِ سَنَةَ عَشْرٍ وَخَمْسِمَائَةَ، وَأَفْتَى فِيْهَا ابنُ عَقِيْلِ، وَابْنُ الزَّاغُونِيِّ (٢) أَيْضًا. فَمِنْهَا: إِذَا غَابَ الزَّوْجُ قَبْلَ الدُّخُوْلِ فَطَلَبَتِ المَرْأَةُ المَهْرَ، فَإِنَّ الحَاكِمَ يُرَاسِلُ الزَّوْجَ، وَيُعْلِمُهُ بِالمُطَالَبَةَ بِالمَهْرِ، وَأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَبْعَثْ بِهِ إِلَى الزَّوْجَةِ بَاعَ عَلَيْهِ مُلْكَهُ، [فَإِنْ لَمْ يَبْعَثْ بَاعَ عَلَيْهِ] (٣) وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ مَوْضِعَهُ

стр. 414

بَاعَ بِمِقْدَارِ نِصْفِ الصَّدَاقِ، وَدَفَعَهُ إِلَيْهَا؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُوْنَ قَدْ طَلَّقَها قَبْلَ الدُّخُولِ، وَيَبْقَى بَقِيَّةُ الصَّدَاقِ مَوْقُوفًا، وَوَافَقَهُ ابنُ عَقِيْلٍ عَلَى ذلِكَ. وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ إِنْ أَمْكَنَ مُرَاسَلَتُهُ وَامْتَنَعَ بَاعَ عَلَيْهِ، وَدَفَعَ إِلَيْهَا كُلَّ الصَّدَاقِ؛ لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَمْ يُطَلِّقْ. وَأَمَّا ابنُ الزَّاغُوْنِيِّ فَإِنَّهُ أَفْتَى بِأَنَّهُ لَا يَدْفَعُ الحَاكِمُ إِلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الصَّدَاقِ بِكُلِّ حَالٍ، لِأنَّهُ الثَّابِتُ لَهَا بِاليَقِيْنِ، وَالنِّصْفُ البَاقِي يُحْتَمَلُ أَنْ يُسْقِطَهُ بِطَلَاقٍ مُتَجَدِّدٍ، ويَرِدُ علَى هَذَا التَّعْلِيْلِ أَنَّ هَذَا النِّصْفَ أَيْضًا (١) يُحْتَمَلُ سُقُوْطُهُ بِفَسْخٍ؛ لِعَيْبٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ المُسْقِطَاتِ. وَمِنْهَا: فِي وَقْفِ السُتُوْرِ عَلَى المَسْجِدِ، أَفْتَى أَنَّهُ يَصِحُّ وَقْفَهَا وَتُبَاعُ وَتُنْفَقُ أَثْمَانُهَا عَلَى عِمَارَتِهِ، وَلَا تُسْتَرُ حِيْطَانُهُ بِخِلَافِ الكَعْبَةِ، فَإِنَّهَا خُصَّتْ بِذلِكَ كَمَا خُصَّتْ بِالطَّوَافِ حَوْلَهَا، وَخَالَفَهُ ابنُ عَقِيلٍ وَابْنِ الزَّاغُوْنِيِّ وَقَالَا: الوَقْفُ بَاطِلٌ مِنْ أَصْلِهِ، وَالمَالُ عَلَى مِلْكِ الوَاقِفِ. وَمِنْهَا: إِذَا وَجَدَ شَاةً بِمَضْيَعَةٍ فِي البَرِّيَّةِ فَإِنَّهُ يَجُوْزُ لَهُ أَخْذُهَا وَذَبْحُهَا، وَيَلْزَمُهُ ضَمَانُهَا إِذَا جَاءَ مَالِكُهَا، وَإِذَا وَجَدَهَا بِمِصْرٍ وَجَبَ تَعْرِيْفُهَا، وَوَافَقَهُ ابنُ الزَّاغُونِيِّ، وَخَالَفَهُمَا ابنُ عَقِيْلٍ، وَقَالَ: لَا يَجُوْزُ لَهُ ذَبْحُهَا بِحَالٍ، وَإِنْ ذَبَحَهَا أَثِمَ وَلَزِمَهُ ضَمَانُهَا. وَمِنْها: أَنَّ الشَّاهِدَ لَا يَجُوْزُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى آخَرَ فِي كِتَابٍ مَكْتُوْبٍ عَلَيْهِ حَتَّى يَقْرَأَهُ عَلَيْهِ، أَوْ يُقِرَّ عِنْدَهُ المَكْتُوْبُ عَلَيْهِ أَنَّهُ قُرِئَ عَلَيْهِ، أَوْ أَنَّهُ

стр. 415

فَهِمَ جَمِيْعَ مَا فِيْهِ، وَلَا يَجُوْزُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ: اِشْهَدْ عَلَيَّ بِمَا فِي هَذَا الكِتَابِ، وَوَافَقَهُ ابنُ الزَّاغُوْنِيِّ عَلَى ذلِكَ. وَمِنْهَا: كَمْ قَدْرُ التُّرَابِ الَّذِي يُسْتَعْمَلُ فِي غَسْلِ الإِنَاءِ مِنْ وُلُوْغِ الكَلْبِ؟ أَفْتَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ، وَإِنَّمَا يَكُوْنُ بِحَيْثُ تُمَرُّ أَجْزَاءَ التُّرَابِ مَعَ نَدَاوَةِ المَاءِ عَلَى جَمِيْعِ الإِنَاءِ، وَأَفْتَى ابنُ عَقِيْلٍ: أَنَّهُ تَكُوْنُ بِحَيْثُ تَظْهَرُ صِفَتُهُ وَيُغَيِّرُ المَاءَ. وَقَالَ ابنُ الزَّاغُونِيِّ: إِنْ كَانَ المَحَلُّ لَا يَضُرُّهُ التُّرَابُ، فَلَا بُدَّ أَنْ يُؤَثِّرَ فِي المَاءِ، وَإِنْ كَانَ يَتَضَرَّرُ بِالتُّرَابِ فَهَلْ يَجِبُ ذلِكَ، أَمْ يَكْفِي مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ التُّرَابِ وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ أَثَرُهُ؟ علَى وَجْهَيْنِ. وَمِنْهَا: إِشَارَةُ الأَخْرَسِ فِي الصَّلَاةِ؟ أَفْتَى إِذَا كَثُرَ ذلِكَ مِنْهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَأَفْتَى ابنُ الزَّاغُوْنِيِّ أنَّ الإِشَارَةَ بِرَدِّ السَّلَامِ لَا تُبْطِلُ مِنَ الأَخْرَسِ، وَلَا مِنَ المُتَكَلِّمِ، وَمَا عَدَاهَا يُجْرَى مُجْرَى العَمَلِ فِي الصَّلَاةِ، فَيُفَرَّقُ بَيْنَ كَثِيْرِهَا وَيَسِيْرِهَا، وَأَفْتَى ابنُ عَقِيْلٍ أَنَّ إِشَارَةَ الأَخْرَسِ المَفْهُوْمَةِ تُجْرَى مُجْرَى الكَلَامِ، فَإِنْ كَانَتْ بِرَدِّ سَلَامٍ خَاصَّةً لَمْ تُبْطِلْ، وَمَا سِوَى ذلِكَ تُبْطِلُ. وَمِنْهَا: إِذَا كُتِبَ القُرْآنَ بِالذَّهَبِ تَجِبُ فِيْهِ الزَّكَاةُ إِذَا كَانَ نِصَابًا، وَيَجُوْزُ لَهُ حَكُّهُ وَأَخْذُهُ، وَوَافَقَهُ ابنُ الزَّاغُوْنِيِّ، وَزَادَ إِنَّ كِتَابَتَهُ بِالذَّهَبِ حَرَامٌ، وَيُؤْمَر بِحَكِّهِ، وَلَا يَجُوْزُ لِلرَّجُلِ اتِّخَاذُهُ. وَمِنْهَا إِذَا أَجَّرَتْ نَفْسَهَا لِلإِرْضَاعِ فِي رَمَضَانَ، هَلْ لَهَا أَنْ تُفْطِرَ، إِذَا تَغَيَّرَ لَبَنُهَا بِالصَّوْمِ بِحَيْثُ يَتَأذَّى بِذلِكَ المُرْتَضِعُ؟ أَجَابَ يَجُوْزُ لَهَا ذلِكَ، وَإِذَا امْتَنَعَتْ لَزَمَهَا ذلِكَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ كَانَ لِأَهْلِ الصَّبِيِّ الخِيَارُ فِي الفَسْخِ،

стр. 416

وَوَافَقَهُ ابنُ الزَّاغُوْنِيِّ، وَزَادَ مَتَى قَصَدَتْ بِصَوْمِهَا تَضَرُّرَ الصَّبِيِّ عَصَتْ وَأَثِمَتْ، وَكَانَ لِلْحَاكِمِ إِلْزَامُهَا بِالفِطْرِ إِذَا طَلَبَهُ المُسْتَأْجِرُ. وَمِنْهَا: إِذَا رَأَى إِنْسَانًا يَغْرَقُ، يَجُوْزُ لَهُ الإِفْطَارُ إِذَا تَيَقَّنَ تَخْلِيْصَهُ مِنَ الغَرَقِ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ الصَّوْمُ مَعَ التَّخْلِيْصِ، وَوَافَقَهُ ابنُ الزَّاغُوْنِيِّ. وَمِنْها: هَلْ يَجُوْزُ التَّفرِيْقُ بَيْنَ الأُمِّ وَوَلَدِهَا بِالسَّفَرِ، إِذَا قُصِدَ أَنْ يُجْعَلَ وَطَنُهَا دُوْنَ وَطَنِهِ؟ أَجَابَ: إِنَّهُ لَا يَجُوْزُ ذلِكَ، وَأَجَابَ ابنُ عَقِيْلٍ إِذَا كَانَ الوَلَدُ مُسْتَقِلًّا، غَيْرَ مُحْتَاجٍ إِلَى تَرْبِيَةِ الأُمِّ، كَانَ الأَبُ أَحَقُّ بِهِ سَفَرًا، كَتَخْرِيْجِهِ فِي عَمَلٍ أَوْ تِجَارَةٍ، وَانْقَطَعَ آخِرَ جَوَابِهِ. وَأَجَابَ ابنُ الزَّاغُوْنِيِّ إِذَا افْتَرَقَتْ بِالأَبَوَيْنِ الدَّارُ، وَلَم يَقْصِدِ الأَبُ ضَرَرَ الأُمِّ بِمَنْعِهَا مِنْ كَفَالَةِ الوَلَدِ، فَالأَبُ أَحَقُّ بِهِ. (فَصْلٌ) (١): صَنَّفَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا - وَهُوَ الوَزِيْرُ ابنُ يُونُسَ - (٢) مُصنَّفًا فِي أَوْهَامِ أَبِي الخَطَّابِ فِي الفَرَائِضِ وَمُتَعَلَّقَاتِهَا مِنَ الوَصَايَا وَالمَسَائِلِ الحِسَابِيَّةِ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ كُلُّهُ (٣)، لَكِنْ لِأَبي الخَطَّابِ فِي هَذِهِ المَوَاضِعِ مَسَائِلَ مُتَفَرِّقَةً، يُقَالُ: إِنَّهَا وَهْمٌ وَغَلَطٌ.

стр. 417

فَمِنْهَا: مَسْأَلَةٌ فِي البَيْعِ بِتَخْيِيْرِ الثَّمَنِ، وَالوَضِيْعَةِ مِنْهُ. وَمَسْأَلَةٌ: فِي وَقْفِ المَرِيْضِ دَارَهُ الَّتِي لَا يَمْلِكُ سِوَاهَا عَلَى ابْنهِ وَابْنَتِهِ بِالسَّوِيَّةِ، وَحُكْمِ إِجَازَتِهِمَا وَرَدِّهِمَا، وَإِجَازَةِ أَحَدِهِمَا وَرَدِّ الآخَرِ، وَلِتَصْحِيْحِ كَلَامِهِ فِيْهَا وَجْهٌ فِيهِ تَعْسِيْفٌ شَدِيْدٌ. وَمَسْأَلَةٌ: فِي الوَصَايَا، فِيْمَا إِذَا تَرَكَ وَوَصَّى لِرَجُلٍ بِجَمِيْعِ مَالِهِ، وَلآخَرَ بِثُلُثِهِ، وَحُكْمِ إِجَازَتِهِمَا وَرَدِّهِمَا، وَإِجَازَةِ أَحَدِهِمَا وَرَدِّ الآخَرِ، وَإِجَازَتهِمَا لِأَحَدِهِمَا وَرَدِّهِمَا عَلَى الآخِرِ، وَقَدْ تَأَمَّلْتُ هَذهِ المَسْأَلَةَ فَوَجَدْتُ الخَلَلَ فِيْهَا وَقَعَ مِنْ جِهَّةِ النُّسَخِ؛ فَإِنَّ فِي الأَصْلِ فِيْهَا إِلْحَاقًا اشْتَبَهَ عَلَى النُسَّاخِ مَوْضِعُهُ، فَأَلْحَقُوهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، فَنَشَأَ الخَلَلُ فِي الكَلَامِ، وَلَزِمَ بِسَبَبِ ذلِكَ لَوَازِمَ فَاسِدَةً، وَقَدْ نَسَبَ السَّامُرِّيُّ الوَهْمَ فِيْهَا إِلَى أَبِي الخَطَّابِ، وَلَيْسَ كَذلِكَ. وَمِنْهَا: مَسْأَلَةٌ، فِي بَابِ الإِقْرَارِ بِمُشْتَرِكٍ فِي المِيْرَاثِ. وَقَدْ ذَكَرَهَا أَبُو البَرَكَاتِ فِي "المُحَرَّرِ" وَذَكَرَ أَنَّهَا سَهْوٌ. وَمِنْهَا: مَسْأَلَةٌ فِي الوَصِيَّةِ بِسَهْمٍ مِنْ سِهَامِ الوَرَثَةِ، وَقَدْ بَيَّنَ خَلَلَهَا السَّامُرِّيُّ فِي "مُسْتَوْعِبِهِ". وَمِنْهَا: عَدَّهُ الجِهَاتَ فِي ذَوِيْ الأَرْحَامِ، وَأَنَّهَا خَمْسَةٌ، وَقَدِ اعْتَرَفَ بِأَنَّهُ لَمْ يُسْبَقْ إِلَى ذلِكَ، وَقَدْ أَلْزَمَهُ صَاحِبُ "المُغْنِي" وَصَاحِبُ "المُحَرَّرِ" وَغَيْرِهِمَا لَوَازِمَ فَاسِدَةً، بِسَبَبِ ذلِكَ، وَطَائِفَةُ مُحَقِّقِي المُتَأَخِّرِيْنَ صَحَّحُوا كَلَامَهُ فِي الجِهَاتِ، وَأَجَابُوا عَمَّا أُوْرِدَ عَلَيْهِ، وَبَيَّنُوا أَنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ لَهُ. وَلَوْلَا خَشْيَةُ الإِطَالَةِ، وَأَنْ نَخْرُجَ عَمَّا نَحْنُ بِصَدَدِهِ مِنَ التَّرَاجِمِ لَذَكَرَنَا هَذِهِ

стр. 418

المَسَائِلَ مَسْأَلَةً مَسْأَلَةً، وَبَيَّنَّا مَا وَقَعَ فِيْهِ الوَهْمُ مِنْ غَيْرِهِ، وَلكِنْ نَذْكُرُ ذلِكَ فِي مَوْضعٍ آخَرَ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. ٦٢ - يَحْيَى بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ (١) بنِ مُحَمَّدِ بنِ إِسْحَقَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ يَحْيْى بنِ مَنْدَه العَبْدِيُّ، الأَصْبَهَانِيُّ، الحَافِظُ، الإِمَامُ، أَبُو زكَرِيَّا بنِ أَبِي عَمْرٍو (٢) ابنِ الإِمَامِ الحَافِظِ أَبِي عَبْدِ الله بنِ أَبِي مُحَمَّدِ بنِ أَبِي يَعْقُوْبَ، المُحَدِّثُ بنُ المُحَدِّثِ

стр. 419

ابنِ المُحَدِّثِ بنِ المُحَدِّثِ، بنِ المُحَدِّثِ، بنِ المُحَدِّثِ. وُلِدَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ تَاسِعَ عَشَرَ شَوَّالٍ، سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ بِـ "أَصْبَهَانَ" وَسَمِعَ مِنْ أَبِيْهِ أَبِي عَمْرٍو، وَعَمَّيْهِ أَبِي القَاسِمِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَبِي الحَسَنِ عُبَيْدِ اللهِ (١)، وَأَبِي بَكْرِ بنِ رِيْذَةَ، وَسَمِعَ مِنْهُ "المُعْجَمَ الكَبِيرِ" للطَّبَرَانِيِّ عَنْهُ (٢)، وَأَبِي طَاهِرٍ الكَاتِبِ (٣)، وَأَبِي مَنْصُوْرٍ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ فَضْلَوَيْهِ، وَأَبِي طَاهِرٍ أَحْمَدَ بنِ مَحْمُوْدٍ الثَّقَفِيِّ، وَغَيْرِهِمْ. وَرَحَلَ إِلَى "نَيْسَابُوْرَ"، وَسَمِعَ بِهَا مِنْ أَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بنِ مَنْصُوْرِ بنِ خَلَفٍ المُقْرِيءِ، وَأَبِي بَكْرٍ البَيْهَقِيِّ الحَافِظِ بِـ "هَمَذَانَ"، وَأَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّهَاوَنْدِيِّ، وَسَمِعَ بِـ "البَصْرَةِ" مِنْ أَبِي القَاسِمِ إِبْرَاهِيْمَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ الشَّاهِدِ، وَعَبْدِ اللهِ بنِ الحُسَيْنِ السَّعِيْدَانِيِّ، وخَلْقٍ كَثِيْرٍ سِوَاهُمْ. وَصَنَّفَ

стр. 420

التَّصَانِيْفَ، وَأَمْلَى، وَخَرَجَ التَّخَارِيْجَ لِنَفْسِهِ، وَلِجَمَاعَةٍ مِنْ شُيُوْخِ "أَصْبَهَانَ". وَحَدَّثَ بِالكَثِيْرِ، وَسَمِعَ مِنْهُ الكِبَارُ وَالحُفَّاظُ مِنْ أَهْلِ بَلَدِهِ وَغَيْرِهِمْ. مِنْهُمْ: الحَافِظُ أَبُو القَاسِمِ إِسْمَاعِيْلُ التَّيْمِيُّ، وَمُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ الدَّقَّاقُ، وَأَبُو الفَضْلِ مُحَمَّدُ بنُ هِبَةِ اللهِ بنِ العَلَاءِ، وَقَدِمَ "بَغْدَادَ" حَاجًّا، وَحَدَّثَ بِهَا، وَأَمْلَى بِـ "جَامِعِ المَنْصُورِ" سَمِعَ مِنْهُ بِهَا أَبُو مَنْصُورٍ الخَيَّاطُ، وَأَبُو الحُسَيْنِ بنُ الطُّيُوْرِيِّ، وَهُمَا أَسَنُّ مِنْهُ وَأَقْدَمُ إِسْنَادًا، وَسَمِعَ مِنْهُ بِهَا أَيْضًا ابنُ نَاصِرٍ، وَعَبْدُ الوَهَّابِ الأَنْمَاطِيُّ، وَالسِّلَفِيُّ (١)، وَالشَّيْخُ عَبْدُ القَادِرِ الجِيْلِيُّ، وَأَبُو مُحَمَّدِ بنُ الخَشَّابِ، وَعَبْدُ الحَقِّ اليُوْسُفِيُّ، وَآخِرُ أَصْحَابِهِ مَوْتًا أَبُو جَعْفَرٍ الطَّرَسُوْسِيُّ، وَرَوَى عَنْهُ بِالإِجَازَةِ أَبُو سَعْدِ بنُ السَّمْعَانِيِّ الحَافِظُ (٢). قَالَ ابنُ السَّمْعَانِيِّ: سَأَلْتُ إِسْمَاعِيْلَ التَّيْمِيَّ الحَافِظَ عَنْهُ فَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَصَفَهُ بِالحِفْظِ وَالمَعْرِفَةِ وَالدِّرَايَةِ، قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ اللَّفْتُوَانِيُّ (٣)

стр. 421

الحَافِظُ يَقُوْلُ: بَيْتُ ابنِ مَنْدَه بُدِئْ بِيَحْيَى وَخُتِمَ بِيَحْيَى، قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: يُرِيْدُ فِي مَعْرِفَةِ الحَدِيْثِ وَالفَضْلِ وَالعِلْمِ (١). وَذَكَرَهُ شَهْرَوَيْهِ (٢) بنُ شَهْرَدَارَ الحَافِظُ فَقَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا، سَمِعَ مِنْهُ عَامَّةُ مَشَايِخِ "الجَبَلِ" وَ"خُرَاسَانَ" وَكَانَ حَافِظًا، فَاضِلًا مُكْثِرًا، صَدُوْقًا،

стр. 422

ثِقَةً، يُحْسِنُ هَذَا الشَّأْنِ، جَيِّدًا، كَثِيْرَ التَّصَانِيْفِ، شَيْخَ الحَنَابِلَةِ وَمُقَدَّمَهُمْ، حَسَنَ السِّيْرَةِ، بَعِيْدًا مِنَ التكَّلُّفِ، مُتَمَسِّكًا بِالأَثَرِ. وَذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ الدَّقَّاقُ الحَافِظُ فَقَالَ: الشَّيْخُ، الإِمَامُ، الأَوْحَدُ، عِنْدَهُ الحَدِيْثُ الكَثِيْرُ، وَالكُتُبُ الكَثِيْرَةُ الوَافِرَةُ، جَمَعَ، وَصَنَّفَ تَصانِيْفَ كَثِيْرَةً، مِنْهَا: كِتَابُ "الصَّحِيْحِ عَلَى كِتَابِ مُسْلِمِ بنِ الحَجَّاجِ". وَذَكَرَهُ إِسْمَاعِيْلُ بنُ عَبْدِ الغَافِرِ، فِي "تَارِيْخِ نَيْسَابُورَ" فَقَالَ: رَجُلٌ فَاضِلٌ مِنْ بَيْتِ العِلْمِ وَالحَدِيْثِ المَشْهُوْرِ فِي الدُّنْيَا، سَمِعَ مِنْ مَشَايخِ "أَصْبَهَانَ" وَسَافَرَ، وَدَخَلَ "نَيْسَابُورَ" وَأَدْرَكَ المَشَايِخَ، وَسَمِعَ مِنْهُمْ، وَجَمَعَ، وَصَنَّفَ عَلَى الصَّحِيْحَيْنِ، وَعَادَ إِلَى بَلَدِهِ. وَقَالَ ابنُ السَّمْعَانِيِّ فِي حَقِّهِ: جَلِيْلُ القَدْرِ، وَافِرُ الفَضْلِ، وَاسِعُ الرِّوَايَةِ، ثِقَةٌ، حَافِظٌ، فَاضِلٌ، مُكْثِرٌ، صَدُوْقٌ، كَثِيْرُ التَّصَانِيْفِ، حَسَنُ السِّيْرَةِ، بَعِيْدُ [من] (١) التَّكَلُّفِ، أَوْحَدُ بَيْتِهِ فِي عَصْرِهِ (٢)، صَنَّفَ "تَارِيْخَ أَصْبَهَانِ" وَغَيْرَهُ مِنَ الجُمُوْعِ. قُلْتُ: وَصَنَّفَ "مَنَاقِبَ العَبَّاسِ" ﵁ فِي أَجْزَاءَ كَثِيرَةٍ. وَلِلْحَافِظِ السِّلَفِيِّ فِيْهِ يَمْدَحُهُ: (٣)

стр. 423

إِنَّ يَحْيَى فَدَيْتُهُ مِن إِمَامٍ … حَافِظٍ مُتْقِنٍ تَقِيٍّ حَلِيْمِ جَمَعَ النَّبْلَ وَالأَصَالَةَ وَالفَضْـ … ــلَ وَفِي العِلْمِ فَوْقَ كُلِّ عَلِيْمِ وَصَنَّفَ "مَنَاقِبَ الإِمَامِ أَحْمَدَ" ﵁ في مُجَلَّدٍ كَبِيرٍ، وَفِيْهِ فَوَائِدُ حَسَنَةٌ، وَقَالَ فِي أَوَّلِهِ: وَمِنْ أَعْظَمِ جَهَالَاتِهِمْ - يَعْنِي المُبْتَدِعَةَ - وغُلُوِّهِمْ فِي مَقَالَاتِهِم وُقُوْعُهُمْ فِي الإِمَامِ المَرْضِيِّ، إِمَامِ الأَئِمَّةِ، وَكَهْفِ الأُمَّةِ، نَاصِرِ الإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ، وَمَنْ لَمْ تَرَ عَيْنٌ مِثْلَهُ (١) عِلْمًا وَزُهْدًا، وَدِيَانَةً وَأَمَانَةً، إِمَامُ أَهْلِ الحَدِيْثِ، أَبي عَبْدِ اللهِ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ حَنْبَلٍ الشَّيْبَانِيِّ، قَدَّسَ اللهُ رُوْحَهُ، وَبَرَّدَ عَلَيْهِ ضَرِيْحَهُ، الإِمَامُ الَّذِي لَا يُجَارَى، وَالفَحْلُ الَّذِي لَا يُبَارَى، وَمَنْ أَجْمَعَ أَئِمَّةِ الدِّيْنِ - رَحْمَةُ اللهُ وَرِضْوَانُهُ عَلَيْهِم - فِي زَمَانِهِ عَلَى تَقَدُّمِهِ فِي شَأنِهِ، وَنُبْلِهِ وَعُلُوِّ مَكَانِهِ، وَالَّذِي لَهُ مِنَ المَنَاقِبِ مَا لَا يُعَدُّ وَلَا يُحْصَى، قَامَ للهِ تَعَالَى مَقَامًا لَوْلَاهُ لَتَجَهَّمَ النَّاسُ، وَلَمَشَوَا عَلَى أَعْقَابِهِمْ القَهْقَرَى، وَلَقَدْ صَدَقَ الإِمَامُ أَبُو رَجَاءٍ قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيْدٍ البَغْلَانِيُّ (٢) حَيْثُ قَالَ: إِنَّ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلِ فِي زَمَانِهِ بِمَنْزِلَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فِي زَمَانِهِمَا. وَأَحْسَنَ مَنْ قَالَ (٣): لَوْ كَانَ أَحْمَدَ فِي بَنِي إِسْرَائِيْلَ لَكَانَ آيَةً، أَعَاشَنَا اللهُ

стр. 424

تَعَالَى عَلَى عَقِيْدَتِهِ، وَحَشَرَنَا يَوْمَ القِيَامَةِ فِي زُمْرَتِهِ. وَحِيْنَ وَقَفْتُ عَلَى سَرَائِرِ هَؤُلَاءِ (١)، وَخُبْثِ اعْتِقَادِهِمْ فِي هَذَا الإِمَامِ، قَصَدْتُ لِمَجْمُوعٍ نَبَّهْتُ فِيْهِ عَلَى بَعْضِ فَضَائِلِهِ، وَنُبْذَةٍ مِنْ مَنَاقِبِهِ، وَذَكَرْتُ طَرَفًا مِمَّا مَنَحَهُ اللهُ تَعَالَى مِنَ المَنْزِلَةِ الرَّفِيْعَةِ، وَالرُّتْبَةِ العَلِيَّةِ فِي الإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ، مَعَ أَنِّي لَسْتُ أَرَى لِنَفْسِيَ أَهْلِيَّةً لِذلِكَ، وَأَنَّ المَشَايِخَ المَاضِيْنَ - رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى - قَدْ عُنُوا بِجَمْعِهِ فَشَفَوا لكِنِّي أَرَدْتُ أَنْ يَبْقَى لِي (٢) بِجَمْعِ مَنَاقِبِهِ ذِكْرٌ، وَأَنْ أَكُوْنَ مُشَرَّفًا فِيْمَا بَيْنَ أَهْلِ العِلْمِ مِنَ أَهْلِ السُّنَّةِ بِانْتِسَابِي إِلَيْهِ، وَنَحْلِيْ مَذْهَبَهُ وَطَرِيْقَتَهُ. وَذَكَرَ فِي أَثْنَاءِ هَذَا الكِتَابِ (أَثَنَا) أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ جَعْفَرٍ الفَقِيْهُ إِجَازَةً: (أَثَنَا) أَبُو مَسْعُوْدٍ أَحْمَدَ بُن مُحَمَّدٍ البَجَلِيُّ الطَّبَرِيُّ قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ الحُسَيْنُ بنُ أَحْمَدَ بنِ الحُسَيْنِ الأَسَدِيُّ، فِي "فَضَائِلِ الإِمَامِ أَبِي عَبْدِ اللهِ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ حَنْبَلٍ" (٣): لَمَّا فَرَغْتُ مِنْ سَمَاعِ كِتَابِ "المُسْنَدِ" مِنْ أَبِي بَكْرٍ القَطيْعِيِّ بِـ "بَغْدَادَ"، عَنْ عَبْدِ الله، عَنْ أبِيْهِ ﵏، وَتَحْصِيْلِ نُسْخَةٍ مِنْ مَائَةٍ وَنَيِّفٍ وَعِشْرِيْنَ جُزْءًا، وَجُمْلَةُ مَا وَعَاهُ الكِتَابُ أَرْبَعُونَ أَلْفَ

стр. 425

حَدِيْثٍ غَيْرَ ثَلَاثِيْنَ - أَوْ أَرْبَعِيْنَ - حَدِيْثًا. سَمِعْتُ ذلِكَ مِنْ ابنِ مَالِكٍ، يَقُوْلُ وَسَمِعْتُهُ أَيْضًا يَقُولُ: سمِعْتُ عَبْدَ الله يَقُولُ: أَخْرَجَ وَالِدِي هَذَا "المُسْنَدَ" مِنْ جُمْلَةِ سَبْعِمَائَةِ أَلْفَ حَدِيثٍ، وَقَدْ أَفْرَدْتُ لِذلِكَ كِتَابًا فِي جُزْءٍ واحِدٍ، سَمَّيْتُهُ: كِتَابَ "المُدْخَلِ فِي المُسْنَدِ" أَشْبَعْتُ فِيْهِ ذِكْرَ ذلِكَ أَجْمَعَ، وَأَنَا أَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى انْتِفَاعًا بِالعِلْمِ، وَتَوْفِيقًا لِمَا يُقَرِّبُنَا إِلَيْسَ، فَإِنَّهُ قَرِيْبٌ مُجِيْبٌ. وَمِنْهُ قَالَ: (أَنَا) عَمِّي الإِمَامُ، (أَنَا) عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الوَهَّابِ، (أَنَا) أَبُو الحَسَنِ العَبْدِيُّ، (ثَنِي) أَبُو الحُسَيْنِ، (ثنا) رَزِيْنُ بنُ أَبي هَارُونَ قَالَ: قَالَ فُوْرَانُ: مَاتَتْ امْرَأَةٌ لِبَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ، قَالَ: فَجَاءَ يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ وَالدَّوْرَقِيُّ قَالَ: فَلَمْ يَجِدُوا امْرَأَةً تَغْسِلُهَا إِلَّا امْرَأَةً حَائِضًا قَالَ: فَجَاءَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ وَهُمْ جُلُوْسٌ، فَقَالَ: مَا شَأْنَكُمْ؟ فَقَالَ أَهْلُ المَرْأَةِ: لَيْسَ نَجِدُ غَاسِلَةً إِلَّا امرْأَةً [حَائِضًا] (١)، قَالَ: فَقَالَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ: أَلَيْسَ تَرْوُوْنَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "يَاعَائشِةُ ناوِلِيْنِي الخُمْرَةَ؟ قَالَتْ: إِنِّي حَائِضٌ، فَقَالَ: إِنَّ حَيْضَتِكِ لَيْسَتْ فِي يَدَكِ" يَجُوْزُ أَنْ تُغَسِّلَهَا، قَالَ: فَخَجِلُوا وَبَقَوا. سَمِعْتُ أَبَا العَبَّاسِ البَيْهَقِيِّ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ الحَافِظَ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بنَ أَحْمَدَ بنِ سَعِيْدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ العَبَّاسَ بنَ حَمْزَةَ (٢) يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ ﵀ يَقُوْلُ: الدُّنْيَا دَارُ عَمَلٍ،
следующие страницы →