← Тараджим

Тараджим · id 31366

ذيل طبقات الحنابلة - لابن رجب - ت العثيمين

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (2 431 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

الحَافِظُ يَقُوْلُ: بَيْتُ ابنِ مَنْدَه بُدِئْ بِيَحْيَى وَخُتِمَ بِيَحْيَى، قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: يُرِيْدُ فِي مَعْرِفَةِ الحَدِيْثِ وَالفَضْلِ وَالعِلْمِ (١). وَذَكَرَهُ شَهْرَوَيْهِ (٢) بنُ شَهْرَدَارَ الحَافِظُ فَقَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا، سَمِعَ مِنْهُ عَامَّةُ مَشَايِخِ "الجَبَلِ" وَ"خُرَاسَانَ" وَكَانَ حَافِظًا، فَاضِلًا مُكْثِرًا، صَدُوْقًا،

стр. 422

ثِقَةً، يُحْسِنُ هَذَا الشَّأْنِ، جَيِّدًا، كَثِيْرَ التَّصَانِيْفِ، شَيْخَ الحَنَابِلَةِ وَمُقَدَّمَهُمْ، حَسَنَ السِّيْرَةِ، بَعِيْدًا مِنَ التكَّلُّفِ، مُتَمَسِّكًا بِالأَثَرِ. وَذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ الدَّقَّاقُ الحَافِظُ فَقَالَ: الشَّيْخُ، الإِمَامُ، الأَوْحَدُ، عِنْدَهُ الحَدِيْثُ الكَثِيْرُ، وَالكُتُبُ الكَثِيْرَةُ الوَافِرَةُ، جَمَعَ، وَصَنَّفَ تَصانِيْفَ كَثِيْرَةً، مِنْهَا: كِتَابُ "الصَّحِيْحِ عَلَى كِتَابِ مُسْلِمِ بنِ الحَجَّاجِ". وَذَكَرَهُ إِسْمَاعِيْلُ بنُ عَبْدِ الغَافِرِ، فِي "تَارِيْخِ نَيْسَابُورَ" فَقَالَ: رَجُلٌ فَاضِلٌ مِنْ بَيْتِ العِلْمِ وَالحَدِيْثِ المَشْهُوْرِ فِي الدُّنْيَا، سَمِعَ مِنْ مَشَايخِ "أَصْبَهَانَ" وَسَافَرَ، وَدَخَلَ "نَيْسَابُورَ" وَأَدْرَكَ المَشَايِخَ، وَسَمِعَ مِنْهُمْ، وَجَمَعَ، وَصَنَّفَ عَلَى الصَّحِيْحَيْنِ، وَعَادَ إِلَى بَلَدِهِ. وَقَالَ ابنُ السَّمْعَانِيِّ فِي حَقِّهِ: جَلِيْلُ القَدْرِ، وَافِرُ الفَضْلِ، وَاسِعُ الرِّوَايَةِ، ثِقَةٌ، حَافِظٌ، فَاضِلٌ، مُكْثِرٌ، صَدُوْقٌ، كَثِيْرُ التَّصَانِيْفِ، حَسَنُ السِّيْرَةِ، بَعِيْدُ [من] (١) التَّكَلُّفِ، أَوْحَدُ بَيْتِهِ فِي عَصْرِهِ (٢)، صَنَّفَ "تَارِيْخَ أَصْبَهَانِ" وَغَيْرَهُ مِنَ الجُمُوْعِ. قُلْتُ: وَصَنَّفَ "مَنَاقِبَ العَبَّاسِ" ﵁ فِي أَجْزَاءَ كَثِيرَةٍ. وَلِلْحَافِظِ السِّلَفِيِّ فِيْهِ يَمْدَحُهُ: (٣)

стр. 423

إِنَّ يَحْيَى فَدَيْتُهُ مِن إِمَامٍ … حَافِظٍ مُتْقِنٍ تَقِيٍّ حَلِيْمِ جَمَعَ النَّبْلَ وَالأَصَالَةَ وَالفَضْـ … ــلَ وَفِي العِلْمِ فَوْقَ كُلِّ عَلِيْمِ وَصَنَّفَ "مَنَاقِبَ الإِمَامِ أَحْمَدَ" ﵁ في مُجَلَّدٍ كَبِيرٍ، وَفِيْهِ فَوَائِدُ حَسَنَةٌ، وَقَالَ فِي أَوَّلِهِ: وَمِنْ أَعْظَمِ جَهَالَاتِهِمْ - يَعْنِي المُبْتَدِعَةَ - وغُلُوِّهِمْ فِي مَقَالَاتِهِم وُقُوْعُهُمْ فِي الإِمَامِ المَرْضِيِّ، إِمَامِ الأَئِمَّةِ، وَكَهْفِ الأُمَّةِ، نَاصِرِ الإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ، وَمَنْ لَمْ تَرَ عَيْنٌ مِثْلَهُ (١) عِلْمًا وَزُهْدًا، وَدِيَانَةً وَأَمَانَةً، إِمَامُ أَهْلِ الحَدِيْثِ، أَبي عَبْدِ اللهِ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ حَنْبَلٍ الشَّيْبَانِيِّ، قَدَّسَ اللهُ رُوْحَهُ، وَبَرَّدَ عَلَيْهِ ضَرِيْحَهُ، الإِمَامُ الَّذِي لَا يُجَارَى، وَالفَحْلُ الَّذِي لَا يُبَارَى، وَمَنْ أَجْمَعَ أَئِمَّةِ الدِّيْنِ - رَحْمَةُ اللهُ وَرِضْوَانُهُ عَلَيْهِم - فِي زَمَانِهِ عَلَى تَقَدُّمِهِ فِي شَأنِهِ، وَنُبْلِهِ وَعُلُوِّ مَكَانِهِ، وَالَّذِي لَهُ مِنَ المَنَاقِبِ مَا لَا يُعَدُّ وَلَا يُحْصَى، قَامَ للهِ تَعَالَى مَقَامًا لَوْلَاهُ لَتَجَهَّمَ النَّاسُ، وَلَمَشَوَا عَلَى أَعْقَابِهِمْ القَهْقَرَى، وَلَقَدْ صَدَقَ الإِمَامُ أَبُو رَجَاءٍ قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيْدٍ البَغْلَانِيُّ (٢) حَيْثُ قَالَ: إِنَّ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلِ فِي زَمَانِهِ بِمَنْزِلَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فِي زَمَانِهِمَا. وَأَحْسَنَ مَنْ قَالَ (٣): لَوْ كَانَ أَحْمَدَ فِي بَنِي إِسْرَائِيْلَ لَكَانَ آيَةً، أَعَاشَنَا اللهُ

стр. 424

تَعَالَى عَلَى عَقِيْدَتِهِ، وَحَشَرَنَا يَوْمَ القِيَامَةِ فِي زُمْرَتِهِ. وَحِيْنَ وَقَفْتُ عَلَى سَرَائِرِ هَؤُلَاءِ (١)، وَخُبْثِ اعْتِقَادِهِمْ فِي هَذَا الإِمَامِ، قَصَدْتُ لِمَجْمُوعٍ نَبَّهْتُ فِيْهِ عَلَى بَعْضِ فَضَائِلِهِ، وَنُبْذَةٍ مِنْ مَنَاقِبِهِ، وَذَكَرْتُ طَرَفًا مِمَّا مَنَحَهُ اللهُ تَعَالَى مِنَ المَنْزِلَةِ الرَّفِيْعَةِ، وَالرُّتْبَةِ العَلِيَّةِ فِي الإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ، مَعَ أَنِّي لَسْتُ أَرَى لِنَفْسِيَ أَهْلِيَّةً لِذلِكَ، وَأَنَّ المَشَايِخَ المَاضِيْنَ - رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى - قَدْ عُنُوا بِجَمْعِهِ فَشَفَوا لكِنِّي أَرَدْتُ أَنْ يَبْقَى لِي (٢) بِجَمْعِ مَنَاقِبِهِ ذِكْرٌ، وَأَنْ أَكُوْنَ مُشَرَّفًا فِيْمَا بَيْنَ أَهْلِ العِلْمِ مِنَ أَهْلِ السُّنَّةِ بِانْتِسَابِي إِلَيْهِ، وَنَحْلِيْ مَذْهَبَهُ وَطَرِيْقَتَهُ. وَذَكَرَ فِي أَثْنَاءِ هَذَا الكِتَابِ (أَثَنَا) أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ جَعْفَرٍ الفَقِيْهُ إِجَازَةً: (أَثَنَا) أَبُو مَسْعُوْدٍ أَحْمَدَ بُن مُحَمَّدٍ البَجَلِيُّ الطَّبَرِيُّ قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ الحُسَيْنُ بنُ أَحْمَدَ بنِ الحُسَيْنِ الأَسَدِيُّ، فِي "فَضَائِلِ الإِمَامِ أَبِي عَبْدِ اللهِ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ حَنْبَلٍ" (٣): لَمَّا فَرَغْتُ مِنْ سَمَاعِ كِتَابِ "المُسْنَدِ" مِنْ أَبِي بَكْرٍ القَطيْعِيِّ بِـ "بَغْدَادَ"، عَنْ عَبْدِ الله، عَنْ أبِيْهِ ﵏، وَتَحْصِيْلِ نُسْخَةٍ مِنْ مَائَةٍ وَنَيِّفٍ وَعِشْرِيْنَ جُزْءًا، وَجُمْلَةُ مَا وَعَاهُ الكِتَابُ أَرْبَعُونَ أَلْفَ

стр. 425

حَدِيْثٍ غَيْرَ ثَلَاثِيْنَ - أَوْ أَرْبَعِيْنَ - حَدِيْثًا. سَمِعْتُ ذلِكَ مِنْ ابنِ مَالِكٍ، يَقُوْلُ وَسَمِعْتُهُ أَيْضًا يَقُولُ: سمِعْتُ عَبْدَ الله يَقُولُ: أَخْرَجَ وَالِدِي هَذَا "المُسْنَدَ" مِنْ جُمْلَةِ سَبْعِمَائَةِ أَلْفَ حَدِيثٍ، وَقَدْ أَفْرَدْتُ لِذلِكَ كِتَابًا فِي جُزْءٍ واحِدٍ، سَمَّيْتُهُ: كِتَابَ "المُدْخَلِ فِي المُسْنَدِ" أَشْبَعْتُ فِيْهِ ذِكْرَ ذلِكَ أَجْمَعَ، وَأَنَا أَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى انْتِفَاعًا بِالعِلْمِ، وَتَوْفِيقًا لِمَا يُقَرِّبُنَا إِلَيْسَ، فَإِنَّهُ قَرِيْبٌ مُجِيْبٌ. وَمِنْهُ قَالَ: (أَنَا) عَمِّي الإِمَامُ، (أَنَا) عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الوَهَّابِ، (أَنَا) أَبُو الحَسَنِ العَبْدِيُّ، (ثَنِي) أَبُو الحُسَيْنِ، (ثنا) رَزِيْنُ بنُ أَبي هَارُونَ قَالَ: قَالَ فُوْرَانُ: مَاتَتْ امْرَأَةٌ لِبَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ، قَالَ: فَجَاءَ يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ وَالدَّوْرَقِيُّ قَالَ: فَلَمْ يَجِدُوا امْرَأَةً تَغْسِلُهَا إِلَّا امْرَأَةً حَائِضًا قَالَ: فَجَاءَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ وَهُمْ جُلُوْسٌ، فَقَالَ: مَا شَأْنَكُمْ؟ فَقَالَ أَهْلُ المَرْأَةِ: لَيْسَ نَجِدُ غَاسِلَةً إِلَّا امرْأَةً [حَائِضًا] (١)، قَالَ: فَقَالَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ: أَلَيْسَ تَرْوُوْنَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "يَاعَائشِةُ ناوِلِيْنِي الخُمْرَةَ؟ قَالَتْ: إِنِّي حَائِضٌ، فَقَالَ: إِنَّ حَيْضَتِكِ لَيْسَتْ فِي يَدَكِ" يَجُوْزُ أَنْ تُغَسِّلَهَا، قَالَ: فَخَجِلُوا وَبَقَوا. سَمِعْتُ أَبَا العَبَّاسِ البَيْهَقِيِّ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ الحَافِظَ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بنَ أَحْمَدَ بنِ سَعِيْدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ العَبَّاسَ بنَ حَمْزَةَ (٢) يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ ﵀ يَقُوْلُ: الدُّنْيَا دَارُ عَمَلٍ،

стр. 426

وَالآخِرَةُ دَارُ جَزَاءٍ، فَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ هُنَا نَدِمَ هُنَاكَ. وَرَوَى مِنْ طَرِيْقِ النَّقَّاشِ: سَمِعْتُ الدَّارَقُطْنِيَّ، سَمِعْتُ أَبَا سَهْلِ بنَ زِيَادٍ (١) سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بنَ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ يَقُوْلُ: سُئِلَ أَحْمَدُ ﵀ عَنِ الفُتُوَّةِ؟ فَقَالَ: تَرْكُ مَا تَهْوَى لِمَا تَخْشَى. وَمِنْ طَرِيْقِ أَحْمَدَ بنِ مَرْوَانَ المَالِكِيِّ، (ثَنَا) إدْرِيْسُ الحَدَّادُ (٢) قَالَ: كَانَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ إِذَا ضَاقَ بِهِ الأَمْرُ آجَرَ نَفْسَهُ مِنَ الحَاكَةِ فَسَوَّى لَهُمْ. قَالَ إِدْرِيْسَ: فَلَمَّا كَانَ أَيَّامُ المِحْنَةِ، وَصُرِفَ إِلَى بَيْتِهِ حُمِلَ إِلَيْهِ مَالٌ جَلِيْلٌ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى رَغِيْفٍ يَأْكُلُهُ، فَرَدَّ جَمِيْعَ ذلِكَ، وَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ قَلِيلًا وَلَا كَثِيْرًا، قَالَ: فَجَعَلَ عَمُّهُ إِسْحَقَ يَحْسِبُ مَا رَدَّ، فَإِذَا هُوَ خَمْسِمَائَةِ أَلْفٍ - أَوْ نَحْوِهَا - فَقَالَ لَهُ: يَا عَمِّ، أَرَاكَ مَشْغُوْلًا بِحِسَابِ مَا لَيْسَ يُحْسَبُ، فَقَالَ: قَدْ رَدَدْتَ اليَوْمَ كَذَا وَكَذَا، وَأنْتَ مُحْتَاجٌ إِلَى حَبَّةٍ، فَقَالَ: يَا عَمِّ، لَوْ طَلَبْنَا لَمْ يَأْتِنَا، وَإِنَّمَا أَتَانَا لَمَّا تَرْكْنَاهُ. (أَثَنَا) مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ عَبْدِ الرَّحِيْمِ، (أَثَنَا) أَبُو مُحَمَّدِ بنِ حِبَّانِ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ البُرْدِيَّ، سَمِعْتُ إِسْمَاعِيْلَ بنَ قُتَيْبَةَ (٣)، سَمِعْتُ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ يَقُوْلُ: إِنَّ القَلَنْسُوَةَ لَتَقَعُ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى رَأْسِ مَنْ لَا يُحِبُّهَا. (أَثَنَا) أَبِي ﵀ (أَثَنَا) أَبُو عُمَرَ بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ إِجَازَةً، (ثَنَا)

стр. 427

أَحْمَدُ بنِ مُحَمَّدٍ بنِ عُمَرَ، (ثَنَا) أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ - يَعْنِي: عَبْدَ الله بنَ أَحْمَدَ - قَالَ: قُلْتُ لِأَبي ﵀ يَقُوْلُوْنَ: إنَّكَ تتَوَضَّأُ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ؟ قَالَ: مَا فَعَلْتُهُ قَطُّ، وَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدِي فِي ذَا خَبَرٌ. أَخْبَرَنَا عَمِّي الإِمَامُ، (أَثَنَا) عَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ جَهْضَمٍ بِـ "مَكَةَ"، (ثَنَا) مُحَمَّدُ بنُ أَبي زكَرِيَّا الفَقِيْهُ، (ثَنَا) عَبْدُوْسُ بنُ أَحْمَدَ، (ثَنَا) أَبُو حَامِدٍ الخُلْقَانِيُّ (١) قَالَ: قُلْتُ لأَحْمَد بنِ حَنْبَلٍ: مَا تَقُوْلُ فِي القَصَائِدِ؟ فَقَالَ: فِي مِثْلِ مَاذَا؟ قُلْتُ: مِثْلُ مَا تَقُوْلُ: إِذَا مَا قَالَ لِي رَبِّي … أَمَا اسْتَحْيَيْتَ تَعْصِيْنِي وَتُخْفِيْ الذَّنْبَ مِنْ غَيْرِي … وَبِالعِصْيَانِ تَأْتِيْنِي قَالَ: فَرَدَّ البَابَ، وَجَعَلَ يَقُوْلُ: إِذَا مَا قَالَ لِي رَبِّي … أَمَا استَحْيَيْتَ تَعْصِيْنِي وَتُخْفِي الذَّنْبَ مِنْ غَيْرِي … وَبِالعِصْيَانِ تَأْتِيْنِي يُرَدِّدُهَا (٢)، فَخَرَجْتُ وَتَركْتُهُ. (أَثَنَا) عَمِّي، (أَثَنَا) عَبْدُ العَزِيزِ بنُ أَحْمَدَ بنِ قَاذَوَيْهِ، (أَثَنَا) عَبْدُ الله بنُ

стр. 428

مَحْمُوْدِ، (أَثَنَا) أَبُو حَاتِمٍ (١) مُحَمَّدٍ بنُ إِدْرِيْسَ قَالَ: وَلَقَدْ ذُكِرَ لأَبِي عَبْدِ اللهِ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ كَانَتْ لَهُ زلَّةٌ، وَأَنَّهُ تَابَ مِنْ زَلَّتِهِ، فَقَالَ: لَا يَقْبَلُ اللهُ ذلِكَ مِنْهُ حَتَّى يُظْهِرَ التَّوْبَةَ وَالرُّجُوْعَ عَنْ مَقَالَتِهِ، وَلْيُعْلِمَنَّ أَنَّهُ قَالَ مَقَالَتَهُ كَيْتَ وَكَيْتَ، وَأَنَّهُ تَابَ إِلَى اللهِ تَعَالَى مِنْ مَقَالَتِهِ وَرَجَعَ عَنْهُ، فَإِذَا ظَهَرَ ذلِكَ مِنْهُ حِيْنَئِذٍ تُقْبَلُ، ثُمَّ تَلَا أَبُو عَبْدِ اللهِ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ (٢) وَمِنْ طَرِيْقِ أَبِي أَحْمَدَ بنِ عَدِيٍّ، (ثَنَا) عَبْدُ المُؤْمِنِ بنُ أَحْمَدَ بنِ حَوْثَرَةَ (٣) الجُرْجَانِيِّ: سَمِعْتُ عَمَّارَ بنَ رَجَاءٍ (٤) يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ يَقُوْلُ: طَلَبُ إِسْنَادِ العُلُوِّ مِنَ السُّنَّةِ. (أَثَنَا) عَمِّي الإِمَامُ (أَثَنَا) يَحْيَى بنُ عَمَّارِ بنِ يَحْيَى كِتَابَةً، أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بنَ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارَ أَخْبَرَهُ (ثَنَا) مُحَمَّدُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ الصَّرَّامُ (ثَنَا) عُثْمَانُ بنُ سَعِيْدٍ الدَّارِمِيُّ، قَالَ: قَالَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ ﵀ كُنَّا نَرَى السُّكُوْتَ عَنْ هَذَا قَبْلَ أَنْ يَخُوْضَ فِيْهِ هَؤُلَاءِ، فَلَمَّا أَظْهَرُوهُ لَمْ نَجِدْ بُدًّا مِنْ مُخَالَفَتِهِمْ. وَوَجَدْتُ فِي كُتُبِ عَمِّي بِخَطِّهِ، قَالَ القَاسِمُ بنُ مُحَمَّدٍ أَبُو الحَارِثِ:

стр. 429

(ثَنَا) يَعْقُوْبُ بنُ إِسْحَقَ البَغْدَادِيُّ، سَمِعْتُ هَارُونَ الحَمَّالَ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بنَ حَنْبلٍ وَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ إِنَّ هَهُنَا رَجُلٌ يُفَضِّلُ عُمَرَ بنَ عَبْدِ العَزِيْزِ عَلَى مُعَاوِيَةَ بنِ أَبِي سُفْيَانَ، فَقَال أَحْمَدُ: لَا تُجَالِسُهُ، وَلَا تُؤَاكِلُهُ وَلَا تُشَارِبُهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَلَا تَعُدْهُ. (أَثَنَا) أَبي وَعَمَّايَ ﵏، (أَنَا) وَالِدُنَا ﵀ (أَنَا) مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ يُوسُفَ العُمَانِيُّ، (ثَنِيَ) جَدِّي العَبَّاسُ بنُ حَمْزَةَ (١) قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ: سُبْحَانَكَ، مَا أغْفَلَ هَذَا الخَلْقِ عَمَّا أَمَامَهُمْ! الخَائِفُ مِنْهُمْ مُقَصِّرٌ، وَالرَّاجِي مِنْهُمْ مُتَوَانٍ. (أَثَنَا) عَمِّي الإِمَامُ (أَنَا) عَبْدُ اللهِ بنُ عُمَرَ الكَرْخِيُّ (أَنَا) سُلَيْمَانَ بنُ أَحْمَدَ بنِ أَيُّوْبَ (٢)، (ثَنَا) عَبْدُ اللهِ بنُ أَحْمَدُ بنِ حَنْبَلٍ قَالَ: سُئِلَ أَبي عَنْ رَجُلٍ وَجَبَ عَلَيْهِ تَحْرِيْرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، فَكَانَ عِنْدَهُ مَمْلُوْكُ سُوْءٍ، لَقَّنَهُ أَنْ يَقُولَ بِخَلْقِ القُرآنِ؟ فَقَالَ: لَا يُجْزِئُ عَنْهُ عِتْقُهُ؛ لِأَنَّ اللهَ ﵎ أَمَرَهُ بِتَحْرِيْرِ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، وَلَيْسَ هَذَا بِمُؤْمِنٍ، هَذَا كَافِرٌ. (أَثَنَا) عَمِّي الإِمَامُ، (أَثَنَا) أَبِي (أَنَا) أَبُو الحَسَنِ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدٍ بنِ عُمَرَ، (ثَنَا) عَبْدُ اللهِ بنُ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ قَالَ (٣): سأَلْتُ أَبِي عَنْ قَوْمٍ يَقُوْلُون:

стр. 430

لَمَّا كَلَّمَ اللهُ مُوْسَى ﵇ لَمْ يَتَكَلَّمِ اللهُ بِصوْتٍ، فَقَالَ أَبِي ﵀: بَلْ تَكَلَّمَ بِصَوْتٍ، هَذِهِ الأَحَادِيثُ نُمِرُّهَا كَمَا جَاءَتْ. قَالَ أَبِي ﵀: حَدِيْثُ ابنِ مَسْعُوْدٍ "إِذَا تَكَلَّمَ اللهُ سُمِعَ لَهُ صَوْتٌ كَمَرِّ السِّلْسِلَةِ عَلَى الصَّفْوَانِ" قَالَ أَبِي: وَهَذِهِ الجَهْمِيَّةُ تُنْكِرُهُ، قَالَ أَبِي: وَهَؤُلَاءِ كُفَّارٌ يُرِيْدُوْنَ أَنْ يُمَوِّهُوا عَلَى النَّاسِ، مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللهَ لَمْ يَتَكَلَّمْ فَهُوَ كَافِرٌ، إِلَّا أَنَّا نَرْوِيْ هَذِهِ الأَحَادِيْثَ كَمَا جَاءَتْ. (أَثَنَا) عَمِّي الإِمَامُ، (أَثَنَا) مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (أَنَا) عَبْدُ اللهِ بنُ جَعْفَرِ بنِ فَارِسٍ (ثَنَا) إِسْمَاعِيْلُ بنُ أَحْمَدَ (ثَنَا) عَبْدُ اللهِ بنُ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبي عَنْ رَجُلٍ يُمْتَحَنُ بِالقُرْآنِ مَخْلُوْقٌ، فَيُحَدِّثُ؟ فَقَالَ: كَانَ ابنُ عُيَيْنَةَ يَتَحَدَّثُ بهِ، وَلَمْ أَسْمَعَهُ أَنَا مِنْهُ. عَنْ إِسْمَاعِيْلَ، عَنْ قَيْسٍ قَالَ (١): اجْتَمَعَ الأَشْعَثُ بنُ قَيْسٍ وَجَرِيْرُ بنُ عَبْدِ اللهِ عَلَى جَنَازَةٍ، فَقَدَّمَ الأَشْعَثُ جَرِيْرًا عَلَيْهَا، وَقَالَ الأَشْعَثُ (٢) للْنَّاسِ: إِنِّي ارْتَدَدْتُ، وَلَمْ يَرْتَدَّ، قَالَ: أَنَا أَقُوْلُ بهَذَا الحَدِيْثِ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ، فَقُلْتُ: إِنِ اجْتَمَعَ رَجُلَانِ، أَحَدُهُمَا قَدِ امْتُحِنَ، وَالآخَرُ لَمْ يُمْتَحَنْ، فَقَالَ: لَا يَتَقَدَّمُ، وَلْيُصَلِّ بِهِمُ الَّذِي لَمْ يُمْتَحَنْ، وَرَأَى ذلِكَ فَضِيْلَةً لَهُ عَلَى مَنِ امْتُحِنَ، وَأَعْجَبَهُ حَدِيْثُ قَيْسٍ عَنْ جَرِيْرٍ، وَقَالَ: هَذَا أَصْلٌ مِنَ الأُصُوْلِ، وأَعْجَبَهُ جِدًّا، وَقَالَ: أَنَا آخِذُ بِه.

стр. 431

وَمِنْ طَرِيْقِ أَبِي (١) عَبْدِ الرَّحمنِ السُّلَمِيِّ (أَنَا) أَبُو مُحَمَّدٍ، (ثَنَا) الأَزْهَرِيُّ، (ثَنَا) إِسْمَاعِيلُ بنُ عُمَرَ (٢): سَمِعْتُ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ يَقُوْلُ: أَحَادِيْثُ حَمَّادِ بنِ سَلَمَةَ تَأْخُذُ بِحُلُوْقِ المُبْتَدِعَةِ. وَمِنْ طَرِيْقِ عَبْدِ اللهِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ مَنْدَوَيْهِ، سَمِعْتُ أَحْمَدَ بنَ مُحَمَّدِ بنِ مَصقَلَةَ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ المُثَنَّى الأَنْبَارِيَّ قَالَ: سَأَلْتُ - أَوْ سُئِلَ - أَبُو عَبْدِ الله أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ عَنْ بَيْعِ المَاءِ؟ فَقَالَ: هُوَ مَا لَا يَمْلِكُهُ الرَّجُلُ، وَأمَّا بَيْعُ المَاءِ السَّايِحِ فَهُوَ جَائِزٌ، وَكُلُّ مَا يَمْلِكُهُ الرَّجُلُ فَهوَ جَائِزٌ. (أَثَنَا) أَبُو القَاسِمِ عَمِّي (أنَا) أَبُو عَبْدِ اللهِ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ إِسْحَقَ الوَيْذَابَاذِيُّ (٣) (أنَا) أَبُو القَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ (ثَنَا) مُعَاذُ بنُ المُثَنَّى العَنْبَرِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ يَقُوْلُ: أُصُوْلُ الإِيْمَانِ ثَلَاثَةٌ: دَالٌّ، وَدَلِيْلٌ، وَمُسْتَدِلٌّ، فَالدَّالُ: اللهُ ﵎، وَالدَّلِيْلُ: القُرآنُ، والمُسْتَدِلُّ: المُؤْمِنُ، فَمَنْ طَعَنَ عَلَى حَرْفٍ مِنَ القُرآنِ فَقَدْ طَعَنَ عَلَى اللهِ تَعَالَى وَعَلَى كِتَابِهِ، وَعَلَى رَسُوْلِهِ ﷺ . (أَثَنَا) عَمِّي (أَثَنَا) أَبُو القَاسِمِ بنُ قَاذَوَيْهِ (أَنَا) عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدٍ الشُّرُوْطِيُّ

стр. 432

سَمِعْتُ أَبَا زكَرِيَّا القَسَّامَ يَحْيَى بنَ عَبْدِ اللهِ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبَا عِمْرَانَ الصُّوْفِيَّ مُوسَى بنَ مُحَمَّدٍ، وَأَبَا الشَّيْخِ الأَبْهَرِيَّ، يَذْكُرَانِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الأَثْرَمِ (١) أَنَّهُ سَأَلَ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ عَنْ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَتَعَوُّذِهِ مِنَ الفَقْرِ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ فَقْرُ القَلْبِ. وَمِنْ طَرِيْقِ ابنِ عَدِيٍّ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بنَ سَعِيْدٍ الحَرَّانِيَّ، سَمِعْتُ المَيْمُوْنِيَّ (٢) يَقُولُ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ يَقُوْلُ: ثَلَاثَةُ كُتُبٌ لَيْسَ لَهَا أُصُوْلٌ: المَغَازِي، وَالمَلَاحِمُ، وَالتَّفْسِيرُ. وَمِنْ طَرِيْقِ أَحْمَدَ بنَ مُحَمَّدِ بنِ يَاسِيْنَ (٣)، سَمِعْتُ أَبَا أَحْمَدَ بنَ عَبْدُوْسٍ (٤) يَقُولُ: قَالَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ: مَنْ لَمْ يَجْمَعْ عِلْمَ الحَدِيْثِ وَكَثْرَةَ طُرُقِهَا وَاخْتِلَافِهَا لَا يَحِلُّ لَهُ الحُكْمُ عَلَى الحَدِيْثِ وَلَا الفُتْيَا بِهِ. أَخْبَرَنَا عَمِّي (أَنَا) مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ الحَافِظُ كِتَابَةً، أَنَّ يَحْيَى بنَ مُحَمَّدٍ العَنْبَرِيَّ حَدَّثَهُمْ، سَمِعْت أَبَا العَبَّاسِ أَحْمَدَ بنَ مُحَمَّدٍ السِّجْزِيَّ، سَمِعْتُ النَّوْفَلِيَّ (٥)،

стр. 433

سَمِعْتُ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ يَقُوْلُ: إِذَا رَوَيْنَا عَنْ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ فِي الحَلَالِ وَالحَرَامِ وَالسُّنَنِ وَالأَحْكَامِ تَشَدَّدْنَا فِي الأَسَانِيْدِ، وَإِذَا رَوَيْنَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي فَضَاِئِلِ الأَعْمَالِ، وَمَا لَا يَضَعُ حُكْمًا وَلَا يَرْفَعُهُ تَسَاهَلْنَا فِي الأَسَانيدِ. وَمِنْ طَرِيْقِ مُحَمَّدِ بنِ الحُسَيْنِ - أَظُنُّهُ النَّقَاشَ - (أَنَا) عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَلِيِّ بنِ زِيَادٍ (ثَنَا) مُحَمَّدُ بنُ إِبْرَاهِيمَ المَاسْتَوِيُّ (١)، سَمِعْتُ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ يَقُوْلُ: كَتَبْتُ فِي كِتَابِ الحَيْضِ تِسْعَ سِنِيْنَ حَتَّى فَهِمْتُهُ. (أَثَنَا) عَمِّي (أَنَا) مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ (أَنَا) جَدِّي (ثَنَا) مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ فُوْرَكَ، سَمِعْتُ عَبْدَ الله بنَ عَبدِ الوَهَّابِ (٢) يَقُوْلُ: سُئِلَ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ ﵀ هَذِهِ الكِتَابَةُ إِلَى مَتَى العَمَلُ بِهِ؟ قَالَ: أَخْذُهُ العَمَلُ بِهِ. أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بنُ الفَضْلُ المُقْرِئُ إِجَازَةً (أَثَنَا) أَبُو العَبَّاسِ النَّسَوِيُّ شَيْخُ الحَرَمِ، (ثَنَا) عُمَرُ بنُ المُقْرِئُ (ثَنَا) أَحْمَدُ بنُ مَرْوَانَ الخُزَاعِيُّ (ثَنَا) صَالِحُ بنُ أَحمَدَ بنِ حَنبَلٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُوْلُ: مَا النَّاسُ إِلَّا مَنْ يَقُوْلُ حَدَّثَنَا، وَأَخْبَرَنَا، وَسَائِرُ النَّاسِ لَا خَيْرَ فِيْهِمْ. أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ البَيْهَقِيُّ (أَنِي) أَبُو عَبْدِ اللهِ الحَافِظُ (ثَنَا) أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ يَعْقُوْبَ (ثَنَا) مُهَنَّى بنُ يَحْيَى (٣) سَأَلْتُ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ عَنِ الإِقْعَاءِ فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: أَلَيْسَ يُرْوَى عَنِ العَبَادِلَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُوْنَ ذلِكَ؟ قُلْتُ:

стр. 434

وَمَنِ العَبَادِلَةُ؟ قَالَ: عَبْدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ، وَعَبْدُ اللهِ بنُ الزُّبَيْرِ، وَعَبْدُ الله بنُ عُمَرَ، وَعَبْدِ اللهِ بنُ عَمْرٍو ﵃ قُلْتُ لِأَحْمَدَ: فَابْنُ مَسْعُودٍ؟ قَالَ: لَيْسَ ابنُ مَسْعُوْدٍ مِنَ العَبَادِلَةِ. وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بنِ مَخْلَدٍ (ثَنَا) حَاتِمُ بنُ مُحَمَّدٍ، سَمِعْتُ أَبَا رَجَاءٍ قُتَيْبَةٌ بنُ سَعِيْدٍ يَقُولُ: أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ إِمَامٌ، وَمَنْ لَا يَرْضَى بِإِمَامَتِهِ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ ضَالٌّ. قَالَ يَحْيَى بنُ مَنْدَهْ: نَقُوْلُ - وَبِاللهِ التَّوْفِيْقُ -: إِنَّ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ إِمَامُ المُسْلِمِيْنَ، وَسَيِّدُ المُؤْمِنِيْنَ، وَبِهِ نَحْيَا، وَبِهِ نَمُوْتُ وَبِهِ نُبْعَثُ، إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، فَمَنْ قَالَ غَيْرَ هَذَا، فَهُوَ عِنْدَنَا مِنَ الجَاهِلِيْنَ. وَمِنْ طَرِيْقِ مُحَمَّدِ بنِ مَخْلَدٍ (ثَنَا) مُحَمَّدُ بنُ الحُسَيْنِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَنْمَاطِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بنِ عُمَرَ بنِ يُونُسَ، (ثَنَا) شَيْخٌ رَأَيْتُهُ بِـ "مَكَّةَ"، يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللهِ مِنْ أَهْلِ "سِجِسْتَانَ" ذُكِرَ عَنْهُ فَضْلٌ وَدِيْنٌ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ فِي المَنَامِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، مَنْ تَرَكْتَ لَنَا فِي عَصْرِنَا هَذَا مِنْ أمَّتِكَ نَقْتَدِي بِهِ فِي دِيْنِنَا؟ قَالَ: أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ. قَالَ يَحْيَى بنُ مَنْدَه: فَمَا قَالَهُ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ فِي نَوْمِهِ وَيَقَظَتِهِ فَهُوَ حَقٌّ، وَقَدْ نَدَبَ ﷺ إِلَى الاِقْتِدَاءِ بِهِ، فَلَزِمَنَا جَمِيْعًا امْتِثَالَ مَرْسُوْمِهِ، وَاقْتِفَاءَ مَأْمُورِهِ. تُوفِّيَ يَحْيَى بنُ مَنْدَه ﵀ فِي يَوْمِ الجُمُعَةِ حَادِي عَشَرَ ذِي الحِجَّةِ، سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ وَخَمْسِمَائَةَ، كَذَا نَقَلَهُ ابنُ النَّجَّارِ، عَنْ أَبِي مُوْسَى الحَافِظِ، وَذَكَرَ ابنُ السَّمْعَانِيِّ عَنْ بَعْضِ الأَصْبَهَانِّيِيْنَ أَنَّهُ تُوفَيَ فِي ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ اثْنَيْ عَشَرَةَ وَخَمْسَمِائَةَ بـ "أَصْبَهَانَ" قَالَ: ثُمَّ كَتَبَ إِلَيَّ مَعْمَرُ بنُ

стр. 435

الفَاخِرِ مِنْ "أَصْبَهَان" أَنَّ ابنَ مَنْدَه تُوفِّيَ يَوْمَ عِيْدِ الأَضْحَى مِنَ السَّنَةِ (١). وَذَكَرَ غَيْرُهُ: أَنَّهُ دُفِنَ بـ "بَابِ دَرْيَةَ" عِنْدَ قَبْرِ وَالِدِهِ وَجَدِّهِ - رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِيْنَ -. وَذَكَرَهُ ابنُ الجَوْزِيِّ مِمَّنْ تُوفِّيَ سَنةَ اثْنَيْ عَشَرَةَ، ثُمَّ قَالَ: وَقِيلَ: تُوفِّيَ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ. أَخْبَرَنَا أَبُو الفَتْحِ مُحَمَّدِ بنِ إِبْرَاهِيْمَ المِصْرِيُّ بهَا، بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ (أَثَنَا) أَبُو الفَرَجِ عَبْدُ اللَّطِيْفِ بنُ عَبْدِ المُنْعِمِ الحَرَّانِيُّ (أَنَا) أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بنُ إِسْمَاعِيلَ الطَّرَسُوْسِيُّ (أَنَا) يَحْيَى بنُ مَنْدَه الحَافِظُ (أَنَا) مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ، (ثَنَا) سُلَيْمَانُ بنُ أَحْمَدَ، (ثَنَا) إِسْحَقُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ الدَّبَرِيُّ (أَنَا) عَبْدُ الرَّزَّاقِ (أَنَا) الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَاصِمِ بنِ عُبَيْدِ اللهِ (٢) عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَامِرِ بنِ رَبِيعَةَ، عَنْ أَبيْهِ قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُوْلَ الله ﷺ يَسْتَاكُ وَهُوَ صَائِمٌ مَا لَا أُحْصِي" (٣). ٦٣ - مُحَمَّدُ بنُ عَلِيِّ بنِ طَالِبِ بنِ زَبِيْبَا (٤) الخِرَقِيُّ البَزَّارُ، الفَقِيْهُ، أَبُو الفَضْلِ

стр. 436

ابنِ أَبِي الغَنَائِمِ، وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ وَالِدِهِ. (١) وُلِدَ فِي العُشْرِ الأَخِيْرِ مِنَ المُحَرَّمِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِيْنَ وَأَرْبَعَمِائَةَ. وَقِيْلَ عَنْهُ: إِنَّهُ قَالَ: سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِيْنَ. وَسَمِعَ مِنَ القَاضِي أَبِي يَعْلَى، وَالجَوْهَرِيِّ، وابنِ المُذْهِبِ، وَأَبِي بَكْرِ بنِ بِشْرَانَ، وَعُمَرَ بنِ أَبِي طَالِبٍ المَكِّيِّ. وَحَدَّثَ، وَرَوَى عَنْهُ السِّلَفِيِّ (٢)، وَأَبُو المُعَمَّرِ الأَنْصَارِيُّ، وابنُ نَاصِرٍ، وَالمُبَارَكُ بنُ كَامِلٍ، وَعُمَرُ بنُ ظَفَرٍ. وَبِالإِجَازَةِ ذَاكِرُ بنُ كَامِلٍ، وابنُ كُلَيْبٍ. وَكَانَ فَقِيْهًا، فَاضِلًا، أَظُنُّهُ تَفَقَّهَ عَلَى القَاضِي، أَوْ عَلَى أَبِيْهِ المَذْكُورِ. وَقَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: قَالَ شَيْخُنَا ابنُ نَاصِرٍ: لَمْ يَكُنْ بِحُجَّةٍ، كَانَ عَلَى غَيْرِ السَّمْتِ المُسْتَقِيْمِ، وَذَكَرَ ابنُ النَّجَّارِ أَنَّهُ قَرَأَ بِخَطِّ ابنِ نَاصِرٍ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَعْتَقِدُ عَقِيْدَةَ الفَلَاسِفَةِ تَقْلِيْدًا عَنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ، نَسْأَلُ اللهَ العَافِيَةَ.

стр. 437

تُوفِّيَ لَيْلَةَ السَّبْتِ تَاسِعِ شَوَّالٍ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ وَخَمسِمَائَةَ، وَدُفِنَ بِمَقَابِرِ "بَابِ أَبْرزِ" فِي العَالِيَةِ ﵀ وَسَامَحَهُ. أَخْبَرَنَا أَبُو الفَتْحِ مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِبْرَاهِيْمَ بـ "فِسْطَاطِ مِصْرَ" (أَنَا) عَبْدُ اللَّطِيْفِ بنُ عَبْدِ المُنْعِمِ الحَرَّانِيُّ (أَنَا) أَبُو الفَرَجِ عَبْدُ المُنْعِمِ بنُ عَلِيٍّ (أَنَا) مُحَمَّدُ بنُ عَلِيِّ بنِ زِبِبْيَا إِذْنًا (أَنَا) القَاضِي أَبُو يَعْلَى بنُ الفَرَّاءِ (أَنَا) أَبُو الفَضْلِ عَبْدُ اللهِ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الزُّهْرِيُّ - فِيْمَا أَذِنَ لَنَا - أَنَّ حَمْزَةَ بنَ الحُسَيْنِ بنِ عُمَرَ البَزَّارَ حَدَّثَهُ، حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَاصِمٍ الجَرْمِيِّ (١)، قَالَ: رَأَيْتُ فِي المَنَامِ كَأَنِّي قَدْ دَخَلْتُ "دَرْبَ هِشَامٍ"، فَلَقِيَنِي بِشْرُ بنُ الحَارِثِ ﵀ فَقُلْتُ: مِنْ أَيْنَ يَا أَبَا نَصْرٍ؟ فَقَالَ: مِنْ عِلَيِّيْنَ، قُلْتُ: مَا فَعَلَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ؟ قَالَ: تَرَكْتُ السَّاعَةَ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ، وَعَبْدَ الوَهَّابِ الوَرَّاقُ

стр. 438

بَيْنَ يَدَيْ اللهِ يَأْكُلَانِ وَيَشْرَبَانِ وَيَتَنَعَّمَانِ. قُلْتُ: فَأَنْتَ؟ قَالَ: عَلِمَ اللهُ قِلَّةَ رَغْبَتِي فِي الطَّعَامِ فَأَبَا حَنِي النَّظَرَ إِلَيْهِ. ٦٤ - طَلْحَةُ بنُ أَحْمَدَ (١) بنِ طَلْحَةَ بنِ أَحْمَدَ بنِ الحُسَيْنِ بنِ سُلَيْمَانَ بنِ بَادِي بنِ الحَارِثِ بنِ قَيْسِ بنِ الأَشْعثِ بنِ قَيْسٍ الكِنْدِيُّ العَاقُوْليُّ، القَاضِي أَبُو البَرَكَاتِ. وُلِدَ يَوْمَ الجُمُعَةِ بَعْدَ صَلَاتِهَا ثَالِثِ عِشْرِيْنَ شَعْبَانَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ بـ "دَيْرِ العَاقُوْلِ" وَهِيَ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ فَرْسَخًا مِنْ "بَغْدَادَ"، وَدَخَلَ "بَغْدَادَ" سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، وَاشْتَغَلَ بِالعِلْمِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِيْنَ، وَسَمِعَ مِنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الجَوْهَرِيِّ سنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِيْنَ، وَمِنَ القَاضِي أَبي يَعْلَى، وَأَبِي الحُسَيْنِ بنِ حَسْنُوْنَ، وَأَبي الغَنَائِمِ بنِ المَأْمُوْنِ، وَأِبي جَعْفَرِ بنِ المُسْلِمَةِ، وَأَبِي الحُسَيْنِ بنِ المُهْتَدِي، وَأَبِي الغَنَائِمِ بنِ الدَّجَاجِيِّ، وَهَنَّادٍ النَّسَفِيِّ، وَجَابِرِ بنِ يَاسِيْنَ، وَابْنِ هَزَارَمُرْدَ، وَأَبِي الفَتْحِ

стр. 439

أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ الحَدَّادِ الحَنَفِيِّ، وَأَبِي القَاسِمِ بنِ البُسْرِيِّ، وَغَيْرِهِمْ. قَالَ القَاضِي أَبُو الحُسَيْنِ: قَرَأَ عَلَى الوَالِدِ "الخِصَالُ"، وَحَضَرَ دَرْسَهُ الفِقْهَ. قُلْتُ: وَرَوَى عَنْهُ "الجَامِعَ الصَّغِيْرَ" أَيْضًا، قَالَ: وَقَالَ لِي: اقْرَأَ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ خَتْمَتَيْنِ. وَقَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: قَرَأَ الفِقْهَ عَلَى القَاضِي يَعْقُوْبَ (١)، وَهُوَ مِنْ مُتَقَدِّمِي أَصْحَابِهِ، وَكَانَ عَارِفًا بِالمَذْهَبِ، حَسَنَ المُنَاظَرَةِ. وَكَانَتْ لَهُ حَلْقَةٌ بِجَامِعِ القَصْرِ لِلْمُنَاظَرَةِ. وَقَالَ ابنُ شَافِعٍ: سَمَاعُهُ صَحِيْحٌ، وَكَانَ ثِقَةً، أَمِيْنًا، وَمَضَى عَلَى السَّلَامَةِ وَالسِّتْرِ، سَمِعَ مِنْهُ ابنُ كَامِلٍ (٢) وَغَيْرُهُ. وَقَالَ ابنُ السَّمْعَانِيِّ: كَانَ صَالِحًا، دَيِّنًا، خَيِّرًا، رَوَى لَنَا عَنْهُ هِبَةُ اللهِ بنُ الحَسَنِ الأَمِيْنُ بِـ "دِمَشْقَ" وَالمُبَارَكُ بنُ أَحْمَدَ الأَنْصَارِيُّ، وَغَيْرُهُمَا. قُلْتُ: وَرَوَى عَنْهُ ابنُ نَاصِرٍ، وَالشَّيْخُ عَبْدُ القَادِرِ، وَبِالإِجَازَةِ ابنُ كْلَيْبٍ، وَذَاكِرُ بنُ كَامِلٍ (٣).

стр. 440

قَالَ ابنُ نَاصِرٍ: حَدَّثَنِي أَبُو البَرَكَاتِ طَلْحَةُ بنُ أَحْمَدَ بنِ طَلْحَةَ القَاضِي، قَالَ: كَانَ لِي صَدِيْقٌ اسْمُهُ ثَابِتٌ، وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا، يَقْرَأُ القُرآنَ، وَيَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ المُنْكَرِ، فَتُوفِّيَ فَلَمْ أُصَلِّ عَلَيْهِ لِعُذْرٍ مَنَعَنِي، فَرَأَيْتُهُ فِي المَنَامِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَليَّ السَّلَامُ، وَأَعْرَضَ عَنِّي، فَقُلْتُ: يَا ثَابِتُ، مَا تُكَلِّمُنِي وَأَنْتَ صَدِيْقِي، وَبَيْنِي وَبَيْنَكَ مَوَدَّةٌ؟ فَقَالَ: أَنْتَ صَدِيْقِي، وَلَمْ تُصَلِّ عَلَيَّ، فَاعْتَذَرْتُ إِلَيْهِ، ثُمَّ قُلْتُ لَهُ: حَدِّثْنِي كَيْفَ أَنْتَ بِقَبْرِ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ؛ لأنَّهُ دُفِنَ هُنَاكَ؟ فَقَالَ: لَيْسَ فِي قَبْرِ أَحْمَدَ أَحَدٌ يُعَذَّبُ بِالنَّارِ (١). تُوفِّيَ طَلْحَةُ العَاقُوْلِيُّ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ ثَانِي شَعْبَانَ، وقالَ ابنُ نُقْطَةَ: ثَالِثُ شَعْبَانَ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشَرَةَ وَخَمْسَمِائَةَ - وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ "الفِيْلِ" مِنْ "بَابِ الأَزَجِ"، قَرِيْبَا مِنْ قَبْرِ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ العَزِيْزِ. أَخْبَرَنَا أَبُو الفَتْحِ مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِبْرَاهِيْمَ المَيْدُوْمِيُّ بِـ "مِصْرَ" (أَنا) أَبُو الفَرَجِ الحَرَّانِيُّ (أَنا) ابنُ كُلَيْبٍ (أَنا) طَلْحَةُ بنُ أَحْمَدَ العاقُوْلِيُّ (أَنا) أَبُو مُحَمَّدٍ الجَوْهَرِيُّ (أَنا) أَبُو عُمَرَ بنُ حَيَّوَيْهِ (أَنا) أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ خَلَفِ بنِ المَرْزُبَانِ (أَنا) الحُسَيْنُ بنُ بَحْرٍ (ثَنَا) عَبْدُ اللهِ بنُ رَجَاءٍ، قَالَ ابنُ المَرْزُبَانِ: وَ (ثَنَا) مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ الحَضْرَمِيُّ (ثَنَا) أَحْمَدُ بنُ عَوْنٍ القَوَّاسُ قَالَا: (ثَنَا) مُسْلِمُ بنُ خَالِدٍ، عَنِ العَلَاءِ، عَنْ أَبِيْهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ

стр. 441

قَالَ: "كَرَمُ المَرْءِ دِيْنُهُ، وَمُرُوْءَتُهُ عَقْلُهُ، وَحَسَبُهُ خُلُقُهُ" (١). ذَكَرَ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّيْنِ فِي "المُغْنِي" فِي بَابِ الأَيْمَانِ (٢)، عَنْ طَلْحَةَ العَاقُولِيِّ: أَنَّ العَبْدَ إِذَا مَلَّكَهُ سَيِّدُهُ مَالًا، وَقُلْنَا: يَمْلِكُهُ، وَأَعْتَقَ مِنْهُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، فَإِنَّ الوَلَاءَ يَكُوْنُ مَوْقُوْفًا، فَإِنْ عَتَقَ فَهُوَ لَهُ، وَإِنْ مَاتَ فَهُوَ لِسَيِّدِهِ، وَهَذَا خِلَافُ مَا ذَكَرَهُ الأَكْثَرُوْنَ: أَنَّ العَبْدَ لَا يَرِثُ بِالوَلَاءِ وَلَا غَيْرِهِ. وَحَكَمُوا فِي المُكَاتَبِ: إِذَا عَتَقَ لَهُ عَبْدٌ فِي حَالِ كِتَابَتِهِ، هَلْ يَكُوْنُ وَلَاؤُهُ لِلْسَيِّدِ، أَوْ يَكُونُ مَوْقُوْفًا، فَإِنْ عَتَقَ المُكَاتَبُ كَانَ لَهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ، وَالقَاضِي فِي "خِلَافِهِ": أَنَّهُ لِلْسَيِّدِ بِكُلِّ حَالٍ. وَحَكَى الشَّيْخُ أَيْضًا: فِي "المُغْنِي" (٣) وَ"الكَافِي"عَنْ طَلْحَةَ العَاقُولِيِّ: أَنَّ الحَالِفَ إِذَا قَالَ: وَالخَالِقِ، وَالرَّازِقِ، وَالرَّبِّ: كَانَ يَمِيْنًا بِكُلِّ حَالٍ، وَإِنْ نَوَى بِذلِكَ غَيْرَ اللهِ تَعَالَى سُبْحَانَهُ؛ لَا تُسْتَعْمَلُ مَعَ التَّعْرِيْفِ (٤) إِلَّا فِي اسْمِ اللهِ تَعَالَى، فَهِيَ كَاسْمِ اللهِ، وَالرَّحْمَنِ. قُلْتُ: وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَى ذلِكَ ابنُ الزَّاغُونِيِّ فِي "الإِقْنَاعِ": فِي الخَالِقِ، وَالرَّازِقِ، وَسَائِرُ أَسْمَاءِ الأَفْعَالِ، قَالَ: وَهَذا مَبْنِيٌّ عِنْدَنَا عَلَى أَصْلٍ، فَإِنَّ صِفَاتَ الأَفْعَالِ قَدِيْمَةٌ، استَحَقَهَا اللهُ تَعَالَى فِي القِدَمِ كَصِفَاتِ الذَّاتِ.

стр. 442

٦٥ - يَحْيَى بنُ عُثْمَانَ (١) بنِ الحُسَيْنِ بن عُثْمَانَ بنِ عَبْدِ اللهِ (٢) البَيِّعِ، الأَزَجِيُّ، الفَقِيْهُ، أَبُو القَاسِمِ بنُ الشَّوَّاءِ. وُلِدَ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ. وَقَرَأَ القُرْآنَ بِالرِّوَايَاتِ، وَسَمِعَ مِنِ ابنِ المُهْتَدِي، وابْنِ المُسْلِمَةِ (٣)، والجَوْهَرِيِّ، وَالقَاضِي أَبِي يَعْلَى، وأَبِي الغَنَائِمِ بنِ المَأْمُونِ، وَأَبَوَيْ الحُسَيْنِ بنِ حَسْنُونَ، وَابْنِ النَّقُّوْرِ، وَتَفَقَّه علَى القَاضِي أَبِي يَعْلَى، ثُمَّ عَلَى القَاضِي يَعْقُوْبَ (٤) وَكَانَ فَقِيْهًا، حَسَنًا، صَحِيْحَ السَّمَاعِ، وَحَدَّثَ بِشَيْءٍ يَسِيْرٍ، رَوَى عَنْهُ أَبُو المَعَمَّرِ الأَنْصَارِيُّ فِي "مُعْجَمِهِ" وَقَالَ أَبُو الحُسَيْنِ: سَمِعَ مِنَ الوَالِدِ، وَحَضَرَ دَرْسَهُ، وَنَسَخَ مُعْظَمَ كُتُبِهِ. تُوفِّيَ لَيْلَةَ الثُّلاثَاءِ، تَاسِعَ عَشَرَ جُمَادَى الآخِرَةِ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَخَمْسِمَائَةَ. وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ "بَابِ حَرْبٍ" ﵀ (٥).

стр. 443

٦٦ - حَمْدُ بنُ نَصْرِ (١) بنِ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ مَعْرُوفٍ الهَمَذَانِيُّ، الحَافِظُ الفَقِيْهُ، الأَدِيْبُ أَبُو العَلَاءِ، المَعْرُوفُ بِـ "الأَعْمَشِ" وُلِدَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ. وَسَمِعَ بِـ "هَمَذَانِ" مِنْ عُبَيْدِ الله بنِ الحَافِظِ بنِ مَنْدَه، وَأَبي مُسْلِمِ بنِ عَوْفٍ النَّهَاوَنْدِيِّ، وَأَبِي مُحَمَّدِ بنِ مَاهِلَةَ (٢) وَطَبَقَتِهِمْ. رَوَى عَنْهُ السِّلَفِيُّ، وَأَبُو العَلَاءِ القَطَّانُ، وَأَبُو الفُتُوْحِ الطَّائِيُّ، وَغَيرُهُمْ. ذَكَرَهُ الذَّهَبِيُّ فِي "تَذْكِرَةِ الحُفَّاظِ"، فَقَالَ: شَيْخٌ، حَافِظٌ، ثِقَةٌ، مُكْثِرٌ. وَكَانَ - مَعَ بَصرِهِ بهَذا الشَّأْنِ - عَارِفًا بِفِقْهِ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ، نَاصِرًا للسُنَّةِ، عَالِمًا بِالعَرَبِيَّةِ، وَافِرَ الجَلَالَةِ بـ "هَمَذَانَ"، وَأَمْلَى عِدَّةَ مَجَالِسَ مِنْ حِفْظِهِ. قَالَ أَبُو سَعْدٍ السَّمْعَانِيِّ: أَجَازَ لِي مَرْوِيَّاتَهُ. وَكَانَ عَارِفًا بِالحَدِيْثِ، حَافِظًا، ثِقَةً، سَمِعَ الكَثِيْرَ بِنَفْسِهِ، وَأَمْلَى، وَحَدَّثَ. تُوُفِّيَ عَاشِرَ شَوَّالٍ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَخَمْسِمَائَةَ، - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - (٣).

стр. 444

٦٧ - عَلِيُّ بنُ عَقِيْلِ (١) بنِ مُحَمَّدِ بنِ عَقِيْلِ بنِ أَحْمَدَ - كَذَا قَرَأْتُ نَسَبَهُ بِخَطِّهِ - البَغْدَادِيُّ، الظَّفَرِيُّ، المُقْرِئُ، الفَقِيْهُ، الأُصُولِيُّ، الوَاعِظُ، المُتَكَلِّمُ، أَبُو الوَفَاءِ، أَحَدُ الأَئِمَّةِ (٢) الأَعْلَامِ، وَشَ يْخُ الإِسْلَامِ.

стр. 445

وُلِدَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، فِي جُمَادَى الآخِرَةِ، كَذَا نَقَلَهُ عَنْهُ ابنُ نَاصِرٍ، وَالسِّلَفِيُّ (١) قَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ. وَرَأَيْتُهُ بِخَطِّهِ. وَنَقَلَ عَنْهُ عَلِيُّ بنُ مَسْعُوْدِ بنِ هِبَةِ اللهِ البَزَّارُ أَنَّهُ قَالَ: وُلِدْتُ فِي جُمَادَى الأُوْلَى سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِيْنَ، وَتَفَقَّهْتُ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَأَرْبَعِيْنَ. وَذَكَرَ أَبُو مُحَمَّدِ بنُ السَّمَرْقَنْدِيِّ عَنْهُ: أَنَّهُ وُلِدَ سَنَةَ ثَلَاثِيْنَ. وَالأَوَّلُ أَصَحُّ، وَحَفِظَ القُرْآنَ، وَقَرَأَ بِالرِّوَايَاتِ القُرْآنَ عَلَى أَبِي الفَتْحِ بنِ شِيْطَا (٢)، وَغَيْرِهِ. وَكَانَ يَقُولُ: شَيْخِي فِي القِرَاءَةِ: ابنُ شِيْطَا. وَفِي النَّحْوِ وَالأَدَبِ (٣): أَبُو القَاسِمِ بنُ بَرَهَانَ (٤)، وَفِي الزُّهْدِ:

стр. 446

أَبُو بَكْرٍ الدِّيْنَوَرِيِّ (١)، وَأَبُو بَكْرِ بنِ زَيْدَانَ (٢)، وَأَبُو الحُسَيْنِ القَزْوِيْنِيِّ (٣)، وَذَكَرَ جَمَاعَةً غَيْرَهُمْ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَفِي آدَابِ التَّصَوُّفِ: أَبُو مَنْصورٍ صاحِبُ الزِّيَادَةِ العَطَّارُ (٤)، وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِالزُّهْدِ وَالتَّخَلُّقِ بِأَخْلَاقِ مُتَقَدِّمِي الصُّوْفِيَّةِ، وَفِي الحَدِيْثِ: ابنُ التَّوَّزِيِّ (٥)، وَأَبُو بَكْرِ بنُ بِشْرانَ، وَالعُشَارِيُّ،

стр. 447

وَالجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَفِي الشِّعْرِ وَالتَّرَسُّلِ: ابنُ شِبْلٍ (١)، وَابنُ الفَضْلِ (٢)، وَفِي الفَرَائِضِ: أَبُو الفَضْلِ الهَمَذَانِيُّ (٣)، وَفِي الوَعْظِ: أَبُو طَاهِرِ بنُ العَلَّافِ (٤) صَاحِبُ ابنِ سَمْعُوْنَ، وَفِي الأُصُولِ ابنُ (٥) الوَليْدِ، وَأَبُو القَاسِمِ بنُ التَّبَّانِ (٦)، وَفِي الفِقْهِ: القَاضِي أَبُو يَعْلَى المَمْلُوْءُ عَقْلًا وَزُهْدًا وَوَرَعًا، قَرَأْتُ عَلَيْهِ سَنَةَ

стр. 448

سَبْعٍ وَأَرْبَعِيْنَ، وَلَمْ أُخِلَّ بِمَجَالِسِهِ وَخَلْوَتِهِ الَّتِي تَتَّسِعُ لِحُضُوْرِي (١)، وَالمَشْيِ مَعَهُ مَاشِيًا، وفِي (٢) رِكَابِهِ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ، وَحَظِيْتُ مِنْ قُرْبِهِ بمَا لَمْ يَحْظَ بِهِ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ مَعَ حَدَاثَةِ سِنِّي، وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَقَ الشِّيْرَازِيُّ، إِمَامُ الدُّنْيَا وَزَاهِدُهَا، وَفَارِسُ المُنَاظَرَةِ وَوَاحِدُهَا، كَانَ يُعَلِّمُنِي المُنَاظَرَةَ، وانْتَفَعَتُ بِمُصَنَّفَاتِهِ، وأَبُو نَصْرِ الصَّبَاغِ، وَأَبُو عَبْدُ اللهِ الدَّامَغَانِيُّ، حَضَرْتُ مَجَالِسَ دَرْسِهِ وَنَظَرِهِ، وَقَاضِي القُضَاةِ الشَّامِيُّ انْتَفَعْتُ بِهِ غَايَةَ النَّفْعِ، وَأَبُو الفَضْلِ الهَمَذَانِيُّ، وَأَكْبَرُهُمْ سِنًّا وَأَكْثَرُهُمْ فَضْلًا: أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ حَظِيتُ بِرُؤْيَتِهِ، وَمَشَيْتُ فِي رِكَابِهِ، وَكَانَتْ صُحْبَتِي لَهُ حِيْنَ انْقِطَاعِهِ عَنِ التَّدْرِيْسِ وَالمُنَاظَرَةِ، فَحَظِيْتُ بِالجَمَالِ وَالبَرَكَةِ. وَمِنْ مَشَايِخِيِ: أَبُو مُحَمَّدٍ التَّمِيْمِيُّ كَانَ حَسَنَةَ العَالَمِ، وَمَاشِطَةَ "بَغْدَادَ"، وَمِنْهُمْ: أَبُو بَكَرٍ الخَطِيْبُ كَانَ حَافِظَ وَقْتِهِ. وَكَانَ أَصْحَابُنَا الحَنَابِلَةِ يُرِيْدُونَ مِنِّي هِجْرَانَ جَمَاعَةٍ مِنَ العُلَمَاءِ، وَكَانَ ذلِكَ يَحْرِمُنِي عِلْمًا نَافِعًا، وَأَقْبَلَ عَلَيَّ أَبُو مَنْصُورِ بنُ يُوسُفَ (٣) فَحَظِيْتُ مِنْهُ بِأَكْبَرِ حَظْوَةٍ، وَقَدَّمَنِي عَلَى الفَتَاوَى، مَعَ حُضُوْرِ مَنْ هُوَ أَسَنُّ مِنِّي، وَأَجْلَسَنِي فِي "حَلْقَةِ البَرَامِكَةِ" بِجَامِعِ المَنْصُوْرِ، لَمَّا مَاتَ شَيْخِي

стр. 449

سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِيْنَ، وَقَامَ بِكُلِّ مَؤُوْنَتِي وَتَحَمُّلِي، فَقُمْتُ مِنَ الحَلْقَةِ أَتَتَبَّعُ حِلْقَ العُلَمَاءِ لِتَلَقُّطِ الفَوائِدِ. وَأَمَّا أَهْلُ بَيْتِي فَإِنَّ بَيْتَ أَبِي كُلُّهُمْ أَرْبَابُ أَقْلَامٍ، وَكِتَابَةٍ، وَشِعْرٍ، وَآدَابٍ، وَكَانَ جَدِّي مُحَمَّدُ بنُ عَقِيْلٍ كَاتِبُ حَضْرَةِ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ، وَهُوَ المُنْشِيءُ لِرِسَالَةِ "عَزْلِ الطَّايِعِ وَتَوْلِيَةِ القَادِرِ" (١)، وَوَالِدِي أَنْظَرُ النَّاسَ وَأَحْسَنُهُمْ جزْلًا (٢) وَعِلْمًا. وَبَيْتُ أُمِّي (٣) بَيْتُ الزُّهْرِيِّ صَاحِبِ الكَلَامِ وَالدَّرْسِ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيْفَةَ. وَعَانَيْتُ مِنَ الفَقْرِ، وَالنَّسْخِ بِالأُجْرَةِ، مَعَ عِفَّةٍ وَتُقًى (٤). وَلَا أُزَاحِمُ فَقِيْهًا فِي حَلْقَةٍ، وَلَا تَطْلُبُ نَفْسِي رُتْبَةً مِنْ رُتَبِ أَهْلِ العِلْمِ القَاطِعَةِ لِي عَنِ الفَائِدَةِ. وَتَقَلَّبَتْ (٥) عَلَيَّ الدُّوَلُ فَمَا أَخَذَتْنِي دَوْلَةُ سُلْطَانٍ، وَلَا عَامَّةَ عَمَّا أَعْتَقِدُهُ أَنَّهُ الحَقُّ، فَأُوْذِيْتُ مِنْ أَصْحَابِي حَتَّى طُلِبَ الدَّمُ، وَأُوْذِيْتُ فِي دَوْلَةِ النِّظَامِ بِالطَّلَبِ وَالحَبْسِ - فَيَا مَنْ خِفْتُ الكُلَّ لأَجْلِهِ لَا تُخَيِّبْ ظَنِّي فِيْكَ - وَعَصَمَنِي اللهُ تَعَالَى فِي عُنْفُوانِ شَبَابِي بِأَنْوَاعٍ مِنَ العِصْمَةِ، وَقَصَرَ مَحَبَّتِي

стр. 450

عَلَى العِلْمِ وَأَهْلِهِ، فَمَا خَالَطْتُ لَعَّابًا قَطُّ، وَلَا عَاشَرْتُ إِلَّا أَمْثَالِي مِنْ طَلَبَةِ العِلْمِ. قَالَ: والغَالِبُ عَلى أَحْدَاثِ طَائِفَةِ أَصْحَابِ أَحْمَدَ العِفَّةُ، وَعَلَى مَشَايِخِهُمْ الزَّهَادَةُ وَالنَّظَافَةُ. آخِرُ كَلَامِهِ. وَالأَذِيَّةُ الَّتِي ذَكَرَهَا مِنْ أَصْحَابِهِ لَهُ، وَطَلَبِهِمْ مِنْهُ هِجْرَانَ جَمَاعَةٍ مِنَ العُلَمَاءِ، نَذْكُرُ بَعْضَ شَرْحِهَا، وَذلِك: أَنَّ أَصْحَابَنَا كَانُوا يَنْقِمُوْنَ عَلَى ابنِ عَقِيْلٍ تَرَدُّدُهُ إِلَى ابنِ الوَليْدِ، وَابنِ التَّبَّانِ شَيْخَيِ المُعْتَزِلَةِ، وَكَانَ يَقْرَأُ عَلَيْهِمَا فِي السِّرِّ عِلْمَ الكَلَامِ، وَيَظْهَرُ مِنْهُ فِي بَعْضِ الأَحْيَانِ نَوْعُ انْحِرَافٍ عَنِ السُّنَّةِ، وَتَأَوَّلَ لِبَعْضِ الصِّفَاتِ، وَلَمْ يَزَلْ فِيْهِ بَعْضُ ذلِكَ إِلَى أَنْ مَاتَ ﵀ (١). ففِي سَنَةِ إِحْدَى وَستِّينَ اطَّلَعُوا لَهُ عَلَى كُتُبٍ فِيْهَا شَيْءٌ مِنْ تَعْظِيْمِ المُعْتَزِلَةِ، وَالتَّرَحُّمُ عَلَى الحَلَّاجِ وَغَيْرِ ذلِكَ، وَوَقَفَ علَى ذلِكَ الشَّرِيْفُ أَبُو جَعْفَرٍ وَغَيْرُهُ، فَاشْتَدَّ ذلِكَ عَلَيْهِمْ، وَطَلَبُوا أَذَاهُ، فَاخْتَفَى، ثُمَّ الْتَجَأَ إِلَى دَارِ السُّلْطَانِ، وَلَمْ يَزَلْ أَمْرَهُ فِي تَخْبِيْطٍ إِلَى سَنَةِ خَمْسٍ وَسِتِّيْنَ، فَحَضَرَ فِي أَوَّلِهَا إِلَى الدِّيْوَانِ، وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الأَصْحَابِ، فَاصْطَلَحُوا، وَلَمْ يَحْضُرِ الشَّرِيْفُ أَبُو جَعْفَرٍ؛ لأَنَّهُ كَانَ عَاتِبًا عَلى وُلَاةِ الأَمْرِ بِسَبَبِ إِنْكَارِ مُنْكَرٍ قَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ فِي تَرْجَمَتِهِ. فَمَضَى ابنُ عَقِيْلٍ إِلَى بَيْتِ الشَّرِيْفِ وَصَالَحَهُ، وَكَتَبَ خَطَّهُ: يَقُوْلُ عَلِيُّ بنُ عَقِيْلِ بنِ مُحَمَّدٍ: إِنِّي أبْرَأُ إِلَى اللهِ تَعَالَى مِنْ مَذَاهِبِ مُبْتَدِعَةِ الاعْتِزَالِ وَغَيْرِهِ، وَمِن صُحْبَةِ أَرْبَابِهِ، وَتَعْظِيْمِ أَصْحَابِهِ، وَالتَّرَحُّمِ علَى أَسْلَافِهِمْ، وَالتَّكَثُّرِ

стр. 451

بِأَخْلَاقِهِمْ، وَمَا كُنْتُ عَلَّقْتُهُ، وَوُجِدَ بِخَطِّي مِنْ مَذَاهِبِهِمْ وَضَلَالَتِهِمْ فَأَنَا تَائِبٌ إِلَى اللهِ تَعَالَى مِنْ كِتَابَتِهِ، وَلَا تَحِلُّ كِتَابَتُهُ، وَلَا قِرَاءَتُهُ، وَلَا اعْتِقَادُهُ، وَإِنَّنِيْ عَلَّقْتُ مَسْأَلَةَ اللَّيْلِ فِي جُمْلَةِ ذلِكَ. وَإِنَّ قَوْمًا قَالُوا: هُوَ أَجْسَادٌ سُوْدٌ، وَقُلْتُ: الصَّحِيْحُ: مَا سَمِعْتُهُ مِنَ الشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ، وَأَنَّهُ قَالَ: هُوَ عَدَمٌ وَلَا يُسَمَّى جِسْمًا، ولَا شَيْئًا أَصْلًا، وَاعْتَقَدْتُ أَنَا ذلِكَ، وَأَنَا تَائِبٌ إِلَى اللهِ تَعَالَى مِنْهُمْ (١) وَاعْتَقَدْتُ فِي الحَلَّاجِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ، وَالزُّهْدِ، وَالكَرَامَاتِ، وَنَصَرْتُ ذلِكَ فِي جُزْءٍ عَمِلْتُهُ، وَأَنَا تَائِبٌ إِلَى اللهِ تَعَالَى مِنْهُ، وَأَنَّهُ قُتِلَ بِإِجْمَاعِ عُلَمَاءِ عَصْرِهِ، وَأَصَابُوا فِي ذلِكَ وَأَخْطَأَ هُوَ، وَمَعَ ذلِكَ فَإِنِّي أَستَغْفِرُ اللهَ تَعَالَى، وَأَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ مُخَالَطَةِ المُعْتَزِلَةِ وَالمُبْتَدِعَةِ وَغَيْرِ ذلِكَ، وَالتَّرَحُّمِ عَلَيْهِمْ، وَالتَّعْظِيمِ لَهُمْ؛ فإِنَّ ذلِكَ كُلُّهُ حَرَامٌ، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ فِعْلُهُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ عَظَّمَ صَاحِبَ بِدْعَةِ فَقَدْ أَعَانَ عَلَى هَدْمِ الإِسْلَامِ". وَقَدْ كَانَ الشَّرِيْفُ أَبُو جَعْفَرٍ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنَ الشُّيُوْخِ وَالأَتْبَاعِ سَادَتِي وَإِخْوَانِيْ - حَرَسَهُمُ اللهُ تَعَالَى - مُصِيْبِيْنَ فِي الإِنْكَارِ عَلَيَّ؛ لِمَا شَاهَدُوْهُ بِخَطِّي مِنَ الكُتُبِ الَّتِي أَبْرَأُ إِلَى اللهِ تَعَالَى مِنْهَا، وَأَتَحَقَّقُ أَنِّي كُنْتُ مُخْطِئًا غَيْرَ مُصِيْبٍ، وَمَتَى حُفِظَ عَلَيَّ مَا يُنَافِي هَذَا الخَطَّ وَهَذَا الإِقْرَارَ فَلإِمَامِ المُسْلِمِيْنَ مُكَافَاتِي عَلَى ذلِكَ، وَأَشْهَدْتُ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأُوْلِي العِلْمِ عَلَى ذلِكَ غَيْرَ مُجْبَرٍ، وَلَا مُكْرَهٍ، وَبَاطِنِي وَظَاهِرِيْ

стр. 452

- يَعْلَمُ اللهُ تَعَالَى - فِي ذلِكَ سَوَاءٌ، قَالَ تَعَالَى (١): ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥)﴾ وَكُتِبَ يَوْمَ الأَرْبَعَاءِ عَاشِرَ مُحَرَّمٍ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، وَكَانَتْ كِتَابَتُهُ قَبْلَ حُضُوْرِهِ الدِّيْوَانَ بِيَوْمِ، فَلَمَّا حَضَرَ شَهِدَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ كَثِيْرَةٌ مِنَ الشُّهُوْدِ وَالعُلَمَاءِ (٢). قَالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: وَأَفْتَى ابنُ عَقِيْلٍ، وَدَرَّسَ، وَنَاظَرَ الفُحُوْلَ، وَاسْتُفْتِيَ فِي الدِّيْوَانِ فِي زَمَنِ القَائِمِ فِي زُمْرَةِ الكِبَارِ، وَجَمَعَ عِلْمَ الفُرُوعِ وَالأُصُوْلِ، وَصَنَّفَ فِيْهَا الكُتُبَ الكِبَارَ، وَكَانَ دَائِمَ التَّشَاغُلِ بِالعِلْمِ حَتَّى أَنِّي رَأَيْتُ بِخَطِّهِ: إِنِّي لَا يَحِلُّ لِي أَنْ أُضَيِّعَ سَاعَةً مِنْ عُمُرِي، حَتَّى إذَا تَعَطَّلَ لِسَانِي عَنْ مُذَاكَرَةِ وَمُنَاظَرَةٍ، وَبَصَرِي عَنْ مُطَالَعَةٍ أَعْمَلَتْ فِكْرِيْ فِي حَالِ رَاحَتِي وَأَنَا مُسْتَطْرِحٌ، فَلَا أَنْهَضُ إِلَّا وَقَدْ خَطَرَ لِي مَا أُسَطِّرُهُ، وَإِنِّي لأَجِدُ مِنْ حِرْصِيْ عَلَى العِلْمِ وَأَنَا فِي عَشْرِ الثَّمَانِيْنَ أَشَدُّ مِمَّا كُنْتُ أَجِدُهُ وَأَنَا ابنُ عِشْرِيْنَ سَنَةٍ. قَالَ: وَكَانَ لَهُ الخَاطِرُ العَاطِرُ، وَالبَحْثُ عَنِ الغَوَامِضِ وَالدَّقَائِقِ، وَجَعَلَ كِتَابَهُ المُسَمَّى بِـ "الفُنُوْنِ" مَنَاطًا لِخَوَاطِرِهِ وَوَاقِعَاتِهِ. وَمَنْ تَأَمَّلَ وَاقِعَاتِهِ فِيْهِ عَرَفَ غَوْرَ الرَّجُلِ، وَتَكَلَّمَ عَلَى المِنْبَرِ بِلِسَانِ الوَعْظِ مُدَّةً، فَلَمَّا كَانَتْ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ جَرَتْ فِيْهَا فِتَنٌ بَيْنَ الحَنَابِلَةِ

стр. 453

وَالأَشَاعِرَةِ (١) فَتَرَكَ الوَعْظَ، وَاقْتَصَرَ عَلَى التَّدْرِيْسِ، وَمَتَّعَهُ اللهُ تَعَالَى بِسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ، وَجَمِيْعِ جَوَارِحِهِ. قَالَ: وَقَرَأْتُ بِخَطِّهِ قَالَ: بَلَغْتُ الاثْنَتَيْ عَشَرَةَ سَنَةً، وَأَنَا فِي سَنَةِ الثَّمَانِيْنَ وَمَا أَرَى نَقْصًا فِي الخَاطِرِ، وَالفِكْرِ، وَالحِفْظِ، وَحِدَّةِ النَّظَرِ، وَقُوَّةِ البَصَرِ لِرُؤْيَةِ الأَهِلَّةِ الخَفِيَّةِ، إِلَّا أَنَّ القُوَّةَ بِالإِضَافَةِ إِلَى قُوَّةِ الشَّبِيْبَةِ وَالكُهُوْلَةِ ضَعِيْفَةٌ. قُلْتُ: وَذَكَرَ ابنُ عَقِيْلٍ (٢)، في "فُنُوْنِهِ": قَالَ حَنْبَلِيُّ - يَعْنِي نَفْسَهُ -: أَنَا أَقْصُرُ بِغَايَةِ جَهْدِي أَوْقَاتَ أَكْلِي، حَتَّى أَخْتَارُ سَفَّ الكَعْكِ وَتَحَسِّيْهِ بِالمَاءِ عَلَى الخُبْزِ؛ لِأَجْلِ مَا بَيْنِهِمَا مِنْ تَفَاوُتِ المَضْغِ، تَوَفُّرًا عَلَى مُطَالَعَةٍ، أَو تَسْطِيْرَ فَائِدَةٍ، لَمْ أُدْرِكْهَا (٣). قَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: وَكَانَ ابنُ عَقِيْلٍ قَوِيَّ الدِّيْنِ، حَافِظًا لِلْحُدُوْدِ، وَتُوُفِّيَ لَهُ وَلَدَانِ، فَظَهَرَ مِنْهُ مِنَ الصَّبْرِ مَا يُتَعَجَّبُ مِنْهُ، وَكَانَ كَرِيْمًا يُنْفِقُ مَا يَجِدُ، وَلَمْ يُخَلِّفْ سِوَى كُتُبِهِ وَثِيَابِ بَدَنِهِ، وَكَانَتْ بِمِقْدَارِ كَفَنِهِ، وَقَضَاءِ دَيْنِهِ. وَقَالَ ابنُ عَقِيْلٍ: قَدِمَ عَلَيْنَا أَبُو المَعَالِيْ الجُوَيْنِيُّ "بَغْدَادَ" أَوَّلَ مَا دَخَلَ الغَزَّالِي (٤) فَتَكَلَّمَ مَعَ أَبِي إِسْحَقَ، وَأَبِي نَصْرٍ الصَّبَّاغِ، وَسَمِعْتُ كَلَامَهُ، ثُمَّ

стр. 454

ذَكَرَ عَنْهُ مَسْأَلةَ العِلْمِ بِالأَعْرَاضِ المشْهُورَةِ عَنْهُ، وَبَالَغَ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ. وَلَمَّا وَرَدَ الغَزَّالِيُّ "بَغْدَادَ"، وَدَرَّسَ بِالنِّظَامِيَّةِ حَضَرَهُ ابنُ عَقِيْلٍ، وَأَبُو الخَطَّابِ، وَغَيْرُهُمَا، وَكَانَ ابنُ عَقِيْلٍ كَثيْرَ المُنَاظَرَةِ لِـ "إِلْكِيَا" الهَرَّاسِيِّ (١) [وكَانَ إِلْكِيَا] (٢) يُنْشِدُهُ فِي المُنَاظَرَةِ: ارْفِقْ بِعَبْدِكَ إِنَّ فِيْهِ فَهَاهَةً … جَبَلِيَّةً وَلَكَ العِرَاقُ وَمَاؤُهَا قَالَ السِّلَفِيُّ: مَا رَأَتْ عَيْنَايَ مِثْلَ الشَّيْخِ أَبِي الوَفَاءِ بنِ عَقِيْلٍ؛ مَا كَانَ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَتَكَلَّمَ مَعَهُ لِغَزَارَةِ عِلْمِهِ، وَحُسْنِ إِيْرَادِهِ، وَبَلَاغَةِ كَلَامِهِ، وَقُوَّةِ حُجَّتِهِ، وَلَقَدْ تَكَلَّمَ يَوْمًا مَعَ شَيْخِنَا أَبِي الحَسَنِ إلْكِيَا الهَرَّاسِيِّ فِي مَسْأَلَةٍ، فَقَالَ شَيْخُنَا: هَذَا لَيْسَ بِمَذْهَبِكَ، فَقَالَ: أَنَا لِي اجْتِهَادٌ (٣) مَتَى مَا طَالَبَنِي خَصْمِي بِحُجَّةٍ كَانَ عِنْدِي مَا أَدْفَعُ بِهِ عَنْ نَفْسِي، وَأَقُومُ لَهُ بِحُجَّتِي، فَقَالَ لَهُ

стр. 455

شَيْخُنَا: كَذلِكَ الظَّنُّ بِكَ. وَذَكَرَ ابنُ النَّجَّارِ فِي "تَارِيْخِهِ" (١): أَنَّ ابنَ عَقِيْلٍ قَرَأَ الفِقْهَ عَلَى القَاضِي أَبِيْ يَعْلَى، وَعَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ التَّمِيْمِيِّ، وَقَرَأَ الأُصُوْلَ وَالخِلَافَ عَلَى القَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ الطَّبَرِيِّ، وَأَبي نَصْرِ بنِ الصَّبَّاغِ، وَقَاضِي القُضَاةِ أَبِي عَبْدِ اللهِ الدَّامَغَانِيِّ. وَكَانَ شَهْمًا مِقْدَامًا، يُوَاجِهُ الأَكَابِرِ بِالإِنْكَارِ بِلَفْظِهِ وَخَطِّهِ، حَتَّى إِنَّهُ أَرْسَلَ مَرَّةً إِلَى حَمَّادٍ الدَّبَّاسِ (٢) - مَعَ شُهْرَتِهِ بِالزُّهْدِ وَالمُكَاشَفَاتِ، وَعُكُوْفِ العَامَّةِ عَلَيْهِ - يَتَهَدَّدُهُ فِي أَمْرٍ كَانَ يَفْعَلُهُ وَيَقُولُ لَهُ: إِنْ عُدْتَ إِلَى هَذَا ضَرَبْتُ عُنُقَكَ. وَكَتَبَ مَرَّةً إِلَى الوَزِيْرِ عَمِيْدِ الدَّوْلَةِ ابنِ جَهِيْرٍ (٣) - لَمَّا بَنَى سُوْرَ "بَغْدَادَ"،

стр. 456

وَأَظْهَرَ العَوَامُّ فِي الاِشْتِغَالِ بِبِنَائِهِ المُنْكَرَاتِ -: لَوْلَا اعْتِقَادُ صِحَّةِ البَعْثِ، وَأَنَ لَنَا دَارًا أَكُونُ فِيْهَا عَلَى حَالٍ أَحْمَدُهَا لَمَا نَصَّبْتُ نَفْسِيْ إِلَى مَالِكِ عَصْرِي، وَعَلَى اللهِ أَعْتَمِدُ فِي جَمِيْعِ مَا أُوْرِدُهُ، بَعْدَ أَنْ أُشهِدَهُ: أنِّي مُحِبٌ مُتَعَصِّبٌ، لَكِنْ إِذَا تَقَابَلَ دِيْنُ مُحَمَّدٍ وَدَوْلَةُ بَنِي جَهِيْرٍ، فَوَاللهِ مَا أَرَدْتُ هَذِهِ بِهَذِهِ، وَلَوْ كُنْتُ كَذلِكَ كُنْتُ كَافِرًا، فَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا الخَرْقُ الَّذِيْ جَرَى بِالشَّرِيْعَةِ لِمُنَاصَبَةِ وَاضِعِهَا، فَمَا بَالُنَا نَعْقِدُ الخَتَمَاتِ وَرِوَايَةَ الأَحَادِيْثِ فَإِذَا نَزَلَتْ بِنَا الحَوَادِثُ تَقَدَّمْنَا بِجَمِيْعِ الخَتَمَاتِ، وَالدُّعَاءِ عَقِيْبَهَا؟! ثُمَّ بَعْدَ ذلِكَ طُبُوْلٌ وَصَوَابِي (١)، وَمَخَانِيْثُ، وَخَيَالٌ، وَكَشْفُ عَوْرَاتِ الرِّجَالِ مَعَ حُضُوْرِ النِّسَاءِ، إِسْقَاطًا لِحُكْمِ اللهِ تَعَالَى. وَمَا عِنْدِي يَا شَرَفَ الدِّيْنِ أَنْ تَقُوْمَ بِسَخْطَةٍ مِنْ سَخَطَاتِ اللهِ تَعَالَى، تُرَى بِأَيِّ وَجْهٍ تَلْقَى مُحَمَّدًا ﷺ ؟! بَلْ لَوْ رَأَيْتُهُ فِي المَنَامِ مُقَطِّبًا كَانَ ذلِكَ يُزْعِجُكَ فِي يَقَظَتِكَ، وَأَيُّ حُرْمَةٍ تَبْقَى لِوُجُوْهِنَا وَأَيْدِيْنَا وَأَلْسِنَتِنَا عِنْدَ اللهِ، إِذَا وَضَعْنَا الجِبَاهَ سَاجِدَةً؟! ثُمَّ كَيْفَ

стр. 457

تُطَالِبُ الأَجْنَادَ بِتَقْبِيْلِ عَتَبَةٍ، وَلَثْمِ تُرَابِهَا، وَتُقِيْمُ الحَدَّ فِي دِهْلِيْزِ (١) الحَرِيْمِ، صَبَاحًا وَمسَاءً، عَلَى قِدْحِ نَبِيْذٍ مُخْتَلِفٍ فِيْهِ، ثُمَّ تَمْرَحُ العَوَامُّ فِي المُسْكِرِ المُجْمَعِ عَلَى تَحْرِيْمِهِ؟! هَذَا مُضافُ إِلَى الزِّنَا الظَّاهِرِ بـ "بَابِ بَدْرٍ" وَلُبْسِ الحَرِيْرِ عَلَى جَمِيْعِ المُتَعَلِّقَيْنِ وَالأَصْحَابِ. يَا شَرَفُ الدِّيْنِ، اتَّقِ سَخَطَ اللهِ تَعَالَى: فَإِنَّ سَخَطَهُ لَا يُقَاوِمُهُ سَمَاءٌ وَلَا أَرْضٌ وَإِنْ فَسَدَتْ حَالِيْ بِمَا قُلْتُ فَلَعَلَّ اللهَ يَلْطُفُ بِي، وَيَكْفِيْنِي هَوَائِجِ الطِّبَاعِ. ثُمَّ لَا تَلُمْنَا عَلَى مُلَازَمَةِ البُيُوْتِ، وَالاخْتِفَاءِ عَنِ العَوَامِّ؛ لأَنَّهُمْ إِنْ سَأَلُوا لَمْ نَقُلْ إِلَّا مَا يَقْتَضِي الإِعْظَامَ لِهَذِهِ القَبَائِحِ، وَالإِنْكَارَ لَهَا، وَالنِّيَاحَةَ عَلَى الشَّرِيْعَةِ، أَتُرَى لَوْ جَاءَتْ مُعْتِبَةٌ مِنَ اللهِ سُبْحَانَهُ فِي مَنَامٍ أَوْ عَلَى لِسَانِ نَبِيٍّ - أَن (٢) لَوْ كَانَ لِلْوَحْيِ نُزُوْلٌ - أَوْ أُلْقِيَ إِلَى رَوْعِ مُسْلِمٍ بِإِلْهَامٍ: هَلْ كَانَتْ إِلَّا إِلَيْكَ؟ فَاتَّقِ اللهَ تَقْوَى مِنْ عِلْمِ بِمِقْدَارِ (٣) سُخْطِهِ، فَقَدْ قَالَ (٤): ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ وَقَدْ مَلأَتْكُمْ فِي عُيُوْنِكُمْ مَدَائِحُ الشُّعَرَاءِ (٥) وَمُدَاجَاةُ المَتَمَوِّلِيْنَ

стр. 458

بِدَوْلَتِكُمْ، الأَغْنِيَاءِ الأَغْبِيَاءِ، الَّذِيْنَ خَسِرُوا اللهَ فِيْكُمْ، فَحَسَّنُوا لَكُمْ طَرَائِقَكُمْ، وَالعَاقِلُ مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ، وَلَا يَغُرُّهُ مَدْحُ مَنْ لَا يَخْبُرُهَا. وَكَتَبَ ابنُ عَقِيْلٍ إِلَى السُّلْطَانِ جَلَالِ الدَّوْلَةِ "مَلِكْشَاه" (١) وَقَدْ كَانَتِ البَاطِنيَّةُ أَفْسَدُوا عَقِيْدَتُهُ، وَدَعَوْهُ إِلَى إِنْكَارِ الصَّانِعِ: أَيُّهَا المَلِكُ، اعْلَمْ أَنَّ هَؤُلَاءِ العَوَامَّ وَالجُهَّالَ يَطْلُبُوْنَ اللهَ مِنْ طَرِيْقِ الحَوَاسِّ، فَإِذَا فَقَدُوْهُ جَحَدُوْهُ، وَهَذَا لَا يَحْسُنُ بِأَرْبَابِ العُقُوْلِ الصَّحِيْحَةِ؛ وَذلِكَ أَنَّ لَنَا مَوْجُوْدَاتٌ مَا نَالَهَا الحِسُّ، وَلَمْ يَجْحَدْهَا العَقْلُ، وَلَا يُمْكِنُنَا جَحْدُهَا لِقِيَامِ دِلَالَةِ العَقْلِ عَلَى إِثْبَاتِهَا، فَإِنْ قَالَ لَكَ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ: لَا تُثْبِتُ إِلَّا مَا تَرَى، فَمِنْ هَهُنَا دَخَلَ الإِلْحَادُ عَلَى جُهَّالِ العَوَامِّ الَّذِيْنَ يَسْتَثْقِلُوْنَ الأَمْرَ وَالنَّهْيَ، وَهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ لَنَا هَذِهِ الأَجْسَادِ الطَّوِيْلَةِ العَمِيْقَةِ، الَّتِي تَنْمِي وَلَا تَفْسُدُ، وَتَقْبَلُ الأَغْذِيَةَ، وَتَصْدُرُ عَنْهَا الأَعْمَالُ المُحْكَمَةُ، كَالطِّبِّ، وَالهَنْدَسَةِ، فَعَلِمُوا أَنَّ ذلِكَ صادِرٌ عَنْ أَمْرٍ وَرَاءَ هَذِهِ الأَجْسَادِ المُسْتَحِيْلَةِ وَهُوَ الرُّوْحُ وَالعَقْلُ، فَإِذَا سَأَلْنَاهُمْ: هَلْ أَدْرَكْتُمْ هَذَيْنِ الأَمْرَيْنِ بِشَيءٍ مِنْ إِحْسَاسِكُمْ؟ قَالُوا: لَا، لكِنَّنَا أَدْرَكْنَاهُمَا (٢) مِنْ طَرِيْقِ الاسْتِدْلَالِ بِمَا صَدَرَ عَنْهُمَا (١) مِنَ التَّأْثِيْرَاتِ قُلْنَا: فَمَا

стр. 459

لَكُمْ جَحَدْتُمْ الإِلَهَ، حَيْثُ فَقَدْتُمُوهُ حِسًّا، مَعَ مَا صَدَرَ عَنْهُ مِنْ إِنْشَاءِ الرِّيَاحِ وَالنُّجُوْمِ، وَإِدَارَةِ الأَفْلَاكِ، وَإِنْبَاتِ الزَّرْعِ، وَتَقْلِيْبِ الأَزْمِنَةِ؟ وَكَمَا أَنَّ لِهَذَا الجَسَدِ عَقْلًا وَرُوْحًا بِهِمَا (١) قَوَامُهُ وَلَا يُدْرِكُهُمَا الحِسُّ، لكِنْ شَهِدَتْ بِهِمَا أَدِلَّةُ العَقْلِ مِنْ حَيْثُ الآثَارِ، كَذلِكَ اللهُ سُبْحَانَهُ - وَلهُ المَثَلُ الأَعْلَى - ثَبَتَ بِالعَقْلِ، لِمُشَاهَدَةِ الإِحْسَاسِ مِنْ آثَارِ صَنَائِعِهِ، وإِتْقَانِ أَفْعَالِهِ. وَأَرْسَلَ هَذَا الفَصْلَ إِلَى السُّلْطَانِ مَعَ بعْضِ خَوَاصِّهِ، قَالَ: فَحَكَى لِي أَنَّهُ أَعَادَهُ عَلَيْهِ فَاسْتَحْسَنَهُ، وَهَشَّ إِلَيْهِ، وَلَعَنَ أُوْلَئِكَ، وَكَشَفَ إِلَيْهِ مَا يَقُوْلُونَ لَهُ. وَكَتَبَ ابنُ عَقِيْلٍ أَيْضًا مَرَّةً إِلَى أَبِي شُجَاعٍ (٢)، وَزِيْرِ الخَلِيْفَةِ المُقْتَدِي (٣)

стр. 460

وَكَانَ دَيِّنًا، كَثِيْرَ التَّعَبُّد، لكِنْ كَانَتْ بِهِ وَسْوَسَةُ فِي عِبَادَاتِهِ: أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَجَلَّ تَحْصِيْلٍ عِنْدَ العُقَلَاءِ بإِجْمَاعِ العُلَمَاءِ: الوَقْتُ، فَهُوَ غَنِيْمَةٌ تُنْتَهِزُ فِيْهَا الفُرَصُ، فَالتَّكَالِيْفُ كَثيْرَةٌ، وَالآدَابُ خَاطِفَةٌ، وَأَقَلُّ مُتَعَبَّدٍ بِهِ المَاءُ، وَمَنْ اطَّلَعَ عَلَى أَسْرَارِ الشَّرِيْعَةِ عَلِمَ قَدْرَ التَّخْفِيْفِ، فَمِنْ ذلِكَ قَوْلُهُ: "صُبُّوا عَلَى بَوْلِ الأَعْرَابِيِّ ذَنُوبًا منَ المَاءِ"، وَقَوْلُهُ فِي المَنِيِّ: "أَمِطْهُ عَنْكَ"، وَقَوْلُهُ فِي الخُفِّ: "طَهُورُهُ أنْ تَدْلِكَهُ بِالأَرْضِ"، وَفِي "ذَيْلِ المَرْأَةِ": "يُطَهِّرُهُ مَا بَعْدَهُ"، وَقَوْلُهُ: "يُغْسَلُ بَوْلُ الجَارِيَةِ، وَيُنْضحُ بَوْلُ الغُلَامِ"، و"كَانَ يَحْمِلُ بِنْتَ أَبِي العَاصِ فِي الصَّلَاةِ". وَنَهَى الرَّاعِي فِي إِعْلَامِ السَّائِلِ عَنِ المَاءِ وَمَا يَرِدُهُ، وَقَالَ: "يَا صَاحِبَ المِيْزَابِ لَا تُخْبِرُهُ" فَإِنْ خَطَرَ بِالبَالِ نَوْعُ احْتِيَاطٍ فِي الطَّهَارَةِ، كَالاحْتِيَاطِ فِي غَيْرِهَا فِي مُرَاعَاةِ الإِطَالَةِ، وَغَيْبُوْبَةِ الشَّمْسِ، وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّهُ يَفُوْتُ منَ الأَعْمَالِ مَا لَا يَفِي بهِ الاحْتِيَاطُ فِي المَاءِ الَّذِي أَصْلُهُ الطَّهَارَةُ، وَقَدْ صَافَحَ رَسُوْلُ اللهِ (١) ﷺ الأَعْرَابِيَّ، وَرَكِبَ الحِمَارَ وَمَا عُرِفَ مِنْ خُلُقِهِ التَّعَبُّدُ بِكَثْرَةِ المَاءِ، وَقَدْ تَوَضَّأَ مِنْ سِقَايَةِ المَسْجِدِ، وَمَعْلُومٌ
следующие страницы →