Полный текст (2 431 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
وَأَظْهَرَ العَوَامُّ فِي الاِشْتِغَالِ بِبِنَائِهِ المُنْكَرَاتِ -: لَوْلَا اعْتِقَادُ صِحَّةِ البَعْثِ، وَأَنَ لَنَا دَارًا أَكُونُ فِيْهَا عَلَى حَالٍ أَحْمَدُهَا لَمَا نَصَّبْتُ نَفْسِيْ إِلَى مَالِكِ عَصْرِي، وَعَلَى اللهِ أَعْتَمِدُ فِي جَمِيْعِ مَا أُوْرِدُهُ، بَعْدَ أَنْ أُشهِدَهُ: أنِّي مُحِبٌ مُتَعَصِّبٌ، لَكِنْ إِذَا تَقَابَلَ دِيْنُ مُحَمَّدٍ وَدَوْلَةُ بَنِي جَهِيْرٍ، فَوَاللهِ مَا أَرَدْتُ هَذِهِ بِهَذِهِ، وَلَوْ كُنْتُ كَذلِكَ كُنْتُ كَافِرًا، فَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا الخَرْقُ الَّذِيْ جَرَى بِالشَّرِيْعَةِ لِمُنَاصَبَةِ وَاضِعِهَا، فَمَا بَالُنَا نَعْقِدُ الخَتَمَاتِ وَرِوَايَةَ الأَحَادِيْثِ فَإِذَا نَزَلَتْ بِنَا الحَوَادِثُ تَقَدَّمْنَا بِجَمِيْعِ الخَتَمَاتِ، وَالدُّعَاءِ عَقِيْبَهَا؟! ثُمَّ بَعْدَ ذلِكَ طُبُوْلٌ وَصَوَابِي (١)، وَمَخَانِيْثُ، وَخَيَالٌ، وَكَشْفُ عَوْرَاتِ الرِّجَالِ مَعَ حُضُوْرِ النِّسَاءِ، إِسْقَاطًا لِحُكْمِ اللهِ تَعَالَى. وَمَا عِنْدِي يَا شَرَفَ الدِّيْنِ أَنْ تَقُوْمَ بِسَخْطَةٍ مِنْ سَخَطَاتِ اللهِ تَعَالَى، تُرَى بِأَيِّ وَجْهٍ تَلْقَى مُحَمَّدًا ﷺ ؟! بَلْ لَوْ رَأَيْتُهُ فِي المَنَامِ مُقَطِّبًا كَانَ ذلِكَ يُزْعِجُكَ فِي يَقَظَتِكَ، وَأَيُّ حُرْمَةٍ تَبْقَى لِوُجُوْهِنَا وَأَيْدِيْنَا وَأَلْسِنَتِنَا عِنْدَ اللهِ، إِذَا وَضَعْنَا الجِبَاهَ سَاجِدَةً؟! ثُمَّ كَيْفَ стр. 457
تُطَالِبُ الأَجْنَادَ بِتَقْبِيْلِ عَتَبَةٍ، وَلَثْمِ تُرَابِهَا، وَتُقِيْمُ الحَدَّ فِي دِهْلِيْزِ (١) الحَرِيْمِ، صَبَاحًا وَمسَاءً، عَلَى قِدْحِ نَبِيْذٍ مُخْتَلِفٍ فِيْهِ، ثُمَّ تَمْرَحُ العَوَامُّ فِي المُسْكِرِ المُجْمَعِ عَلَى تَحْرِيْمِهِ؟! هَذَا مُضافُ إِلَى الزِّنَا الظَّاهِرِ بـ "بَابِ بَدْرٍ" وَلُبْسِ الحَرِيْرِ عَلَى جَمِيْعِ المُتَعَلِّقَيْنِ وَالأَصْحَابِ. يَا شَرَفُ الدِّيْنِ، اتَّقِ سَخَطَ اللهِ تَعَالَى: فَإِنَّ سَخَطَهُ لَا يُقَاوِمُهُ سَمَاءٌ وَلَا أَرْضٌ وَإِنْ فَسَدَتْ حَالِيْ بِمَا قُلْتُ فَلَعَلَّ اللهَ يَلْطُفُ بِي، وَيَكْفِيْنِي هَوَائِجِ الطِّبَاعِ. ثُمَّ لَا تَلُمْنَا عَلَى مُلَازَمَةِ البُيُوْتِ، وَالاخْتِفَاءِ عَنِ العَوَامِّ؛ لأَنَّهُمْ إِنْ سَأَلُوا لَمْ نَقُلْ إِلَّا مَا يَقْتَضِي الإِعْظَامَ لِهَذِهِ القَبَائِحِ، وَالإِنْكَارَ لَهَا، وَالنِّيَاحَةَ عَلَى الشَّرِيْعَةِ، أَتُرَى لَوْ جَاءَتْ مُعْتِبَةٌ مِنَ اللهِ سُبْحَانَهُ فِي مَنَامٍ أَوْ عَلَى لِسَانِ نَبِيٍّ - أَن (٢) لَوْ كَانَ لِلْوَحْيِ نُزُوْلٌ - أَوْ أُلْقِيَ إِلَى رَوْعِ مُسْلِمٍ بِإِلْهَامٍ: هَلْ كَانَتْ إِلَّا إِلَيْكَ؟ فَاتَّقِ اللهَ تَقْوَى مِنْ عِلْمِ بِمِقْدَارِ (٣) سُخْطِهِ، فَقَدْ قَالَ (٤): ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ وَقَدْ مَلأَتْكُمْ فِي عُيُوْنِكُمْ مَدَائِحُ الشُّعَرَاءِ (٥) وَمُدَاجَاةُ المَتَمَوِّلِيْنَ стр. 458
بِدَوْلَتِكُمْ، الأَغْنِيَاءِ الأَغْبِيَاءِ، الَّذِيْنَ خَسِرُوا اللهَ فِيْكُمْ، فَحَسَّنُوا لَكُمْ طَرَائِقَكُمْ، وَالعَاقِلُ مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ، وَلَا يَغُرُّهُ مَدْحُ مَنْ لَا يَخْبُرُهَا.
وَكَتَبَ ابنُ عَقِيْلٍ إِلَى السُّلْطَانِ جَلَالِ الدَّوْلَةِ "مَلِكْشَاه" (١) وَقَدْ كَانَتِ البَاطِنيَّةُ أَفْسَدُوا عَقِيْدَتُهُ، وَدَعَوْهُ إِلَى إِنْكَارِ الصَّانِعِ: أَيُّهَا المَلِكُ، اعْلَمْ أَنَّ هَؤُلَاءِ العَوَامَّ وَالجُهَّالَ يَطْلُبُوْنَ اللهَ مِنْ طَرِيْقِ الحَوَاسِّ، فَإِذَا فَقَدُوْهُ جَحَدُوْهُ، وَهَذَا لَا يَحْسُنُ بِأَرْبَابِ العُقُوْلِ الصَّحِيْحَةِ؛ وَذلِكَ أَنَّ لَنَا مَوْجُوْدَاتٌ مَا نَالَهَا الحِسُّ، وَلَمْ يَجْحَدْهَا العَقْلُ، وَلَا يُمْكِنُنَا جَحْدُهَا لِقِيَامِ دِلَالَةِ العَقْلِ عَلَى إِثْبَاتِهَا، فَإِنْ قَالَ لَكَ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ: لَا تُثْبِتُ إِلَّا مَا تَرَى، فَمِنْ هَهُنَا دَخَلَ الإِلْحَادُ عَلَى جُهَّالِ العَوَامِّ الَّذِيْنَ يَسْتَثْقِلُوْنَ الأَمْرَ وَالنَّهْيَ، وَهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ لَنَا هَذِهِ الأَجْسَادِ الطَّوِيْلَةِ العَمِيْقَةِ، الَّتِي تَنْمِي وَلَا تَفْسُدُ، وَتَقْبَلُ الأَغْذِيَةَ، وَتَصْدُرُ عَنْهَا الأَعْمَالُ المُحْكَمَةُ، كَالطِّبِّ، وَالهَنْدَسَةِ، فَعَلِمُوا أَنَّ ذلِكَ صادِرٌ عَنْ أَمْرٍ وَرَاءَ هَذِهِ الأَجْسَادِ المُسْتَحِيْلَةِ وَهُوَ الرُّوْحُ وَالعَقْلُ، فَإِذَا سَأَلْنَاهُمْ: هَلْ أَدْرَكْتُمْ هَذَيْنِ الأَمْرَيْنِ بِشَيءٍ مِنْ إِحْسَاسِكُمْ؟ قَالُوا: لَا، لكِنَّنَا أَدْرَكْنَاهُمَا (٢) مِنْ طَرِيْقِ الاسْتِدْلَالِ بِمَا صَدَرَ عَنْهُمَا (١) مِنَ التَّأْثِيْرَاتِ قُلْنَا: فَمَا стр. 459
لَكُمْ جَحَدْتُمْ الإِلَهَ، حَيْثُ فَقَدْتُمُوهُ حِسًّا، مَعَ مَا صَدَرَ عَنْهُ مِنْ إِنْشَاءِ الرِّيَاحِ وَالنُّجُوْمِ، وَإِدَارَةِ الأَفْلَاكِ، وَإِنْبَاتِ الزَّرْعِ، وَتَقْلِيْبِ الأَزْمِنَةِ؟ وَكَمَا أَنَّ لِهَذَا الجَسَدِ عَقْلًا وَرُوْحًا بِهِمَا (١) قَوَامُهُ وَلَا يُدْرِكُهُمَا الحِسُّ، لكِنْ شَهِدَتْ بِهِمَا أَدِلَّةُ العَقْلِ مِنْ حَيْثُ الآثَارِ، كَذلِكَ اللهُ سُبْحَانَهُ - وَلهُ المَثَلُ الأَعْلَى - ثَبَتَ بِالعَقْلِ، لِمُشَاهَدَةِ الإِحْسَاسِ مِنْ آثَارِ صَنَائِعِهِ، وإِتْقَانِ أَفْعَالِهِ.
وَأَرْسَلَ هَذَا الفَصْلَ إِلَى السُّلْطَانِ مَعَ بعْضِ خَوَاصِّهِ، قَالَ: فَحَكَى لِي أَنَّهُ أَعَادَهُ عَلَيْهِ فَاسْتَحْسَنَهُ، وَهَشَّ إِلَيْهِ، وَلَعَنَ أُوْلَئِكَ، وَكَشَفَ إِلَيْهِ مَا يَقُوْلُونَ لَهُ.
وَكَتَبَ ابنُ عَقِيْلٍ أَيْضًا مَرَّةً إِلَى أَبِي شُجَاعٍ (٢)، وَزِيْرِ الخَلِيْفَةِ المُقْتَدِي (٣) стр. 460
وَكَانَ دَيِّنًا، كَثِيْرَ التَّعَبُّد، لكِنْ كَانَتْ بِهِ وَسْوَسَةُ فِي عِبَادَاتِهِ: أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَجَلَّ تَحْصِيْلٍ عِنْدَ العُقَلَاءِ بإِجْمَاعِ العُلَمَاءِ: الوَقْتُ، فَهُوَ غَنِيْمَةٌ تُنْتَهِزُ فِيْهَا الفُرَصُ، فَالتَّكَالِيْفُ كَثيْرَةٌ، وَالآدَابُ خَاطِفَةٌ، وَأَقَلُّ مُتَعَبَّدٍ بِهِ المَاءُ، وَمَنْ اطَّلَعَ عَلَى أَسْرَارِ الشَّرِيْعَةِ عَلِمَ قَدْرَ التَّخْفِيْفِ، فَمِنْ ذلِكَ قَوْلُهُ: "صُبُّوا عَلَى بَوْلِ الأَعْرَابِيِّ ذَنُوبًا منَ المَاءِ"، وَقَوْلُهُ فِي المَنِيِّ: "أَمِطْهُ عَنْكَ"، وَقَوْلُهُ فِي الخُفِّ: "طَهُورُهُ أنْ تَدْلِكَهُ بِالأَرْضِ"، وَفِي "ذَيْلِ المَرْأَةِ": "يُطَهِّرُهُ مَا بَعْدَهُ"، وَقَوْلُهُ: "يُغْسَلُ بَوْلُ الجَارِيَةِ، وَيُنْضحُ بَوْلُ الغُلَامِ"، و"كَانَ يَحْمِلُ بِنْتَ أَبِي العَاصِ فِي الصَّلَاةِ". وَنَهَى الرَّاعِي فِي إِعْلَامِ السَّائِلِ عَنِ المَاءِ وَمَا يَرِدُهُ، وَقَالَ: "يَا صَاحِبَ المِيْزَابِ لَا تُخْبِرُهُ" فَإِنْ خَطَرَ بِالبَالِ نَوْعُ احْتِيَاطٍ فِي الطَّهَارَةِ، كَالاحْتِيَاطِ فِي غَيْرِهَا فِي مُرَاعَاةِ الإِطَالَةِ، وَغَيْبُوْبَةِ الشَّمْسِ، وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّهُ يَفُوْتُ منَ الأَعْمَالِ مَا لَا يَفِي بهِ الاحْتِيَاطُ فِي المَاءِ الَّذِي أَصْلُهُ الطَّهَارَةُ، وَقَدْ صَافَحَ رَسُوْلُ اللهِ (١) ﷺ الأَعْرَابِيَّ، وَرَكِبَ الحِمَارَ وَمَا عُرِفَ مِنْ خُلُقِهِ التَّعَبُّدُ بِكَثْرَةِ المَاءِ، وَقَدْ تَوَضَّأَ مِنْ سِقَايَةِ المَسْجِدِ، وَمَعْلُومٌ стр. 461
حَالُ الأَعْرَابِ الَّذِيْنَ بَانَ مِنْ أَحَدِهِمْ الإِقْدَامُ عَلَى البَوْلِ فِي المَسْجِدِ، وَتَوَضَّأَ مِنْ جَرَّةِ نَصْرَانِيَّةٍ وَمَا احْتَرزَ؛ تَعْلِيْمًا لَنَا وَتَشْرِيْعًا. وَأَعْلَمَنَا أَنَّ المَاءَ أَصْلُهُ الطَّهَارَةُ، وَتَوَضَّأَ مِنْ غَدِيْرٍ كَأَنَّ (١) مَاءَهُ نُقَاعَةُ الحِنَّاءِ. فَأَمَّا قَوْلُهُ: "تَنَزَّهُوا مِنَ البَوْلِ" فَإِنَّ لِلْتَّنَزُّهِ حَدًّا مَعْلُوْمًا، فَأَمَّا الاسْتِشْعَارُ فَإِنَّهُ إِذَا نَمَا وَانْقَطَعَ الوَقْتُ، وَلَا يَقْضِيْ مِثْلُهُ الشَّرْعُ.
وكَتَبَ ابنُ عَقِيْلٍ غَيْرَ مَرَّةٍ إِلَى قَاضِي القُضَاةِ أَبي الحَسَنِ بنِ الدَّامَغَانِيِّ رَسَائِلَ تتَضَمَّنُ تَوْبِيْخَهُ عَلَى تَقْصِيْرٍ وَقَعَ مِنْهُ فِي حَقِّهِ، وَفِيْهَا كَلَامٌ خَشِنٌ، وَعِتَابٌ غَلِيْظٌ.
وَلَمَّا دَخَلَ السُّلْطَانُ جَلَالُ الدَّوْلَةِ إِلَى "بَغْدَادَ" وَمَعَهُ وَزِيْرُهُ نِظَامُ المُلْكِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ (٢) قَالَ النِّظَامُ: أُرِيْدُ أَنْ أَسْتَدْعِيَ بِهِم، وَأَسْأَلَهُمْ عَنْ مَذْهَبِهِمْ، فَقَدْ قِيل: إِنَّهُمْ مُجَسَّمَةٌ، يَعْنِي الحَنَابِلَةَ، قَالَ ابنُ عَقِيْلٍ: فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَصُوغَ لَهُمْ كَلَامًا يَجُوْزُ أَنْ يُقَالَ إِذًا، فَقُلْتُ: يَنْبَغِي لِهَؤُلَاءِ الجَمَاعَةِ أَنْ يُسْأَلُوا عَنْ صَاحِبِنَا؟ فَإِذَا أَجْمَعُوا عَلَى حِفْظِهِ لأخبَارِ رَسُوْلِ الله ﷺ وَأَفْعَالِهِ، إِلَّا مَا كَانَ لِلرَّأي فِيْهِ مَدْخَلٌ مِنَ الحَوَادِثِ الفِقْهِيَّةِ، فَنَحْنُ عَلى مَذْهَبِ ذلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي أَجْمَعُوا عَلى تَعْدِيْلِهِ، عَلَى أَنَّهُمْ عَلَى стр. 462
مَذْهَبِ قَوْمٍ أَجْمَعْنَا عَلى سَلَامَتِهمْ مِنَ البِدْعَةِ، فَإِنْ وَافَقُوا عَلَى أَنَّنَا عَلَى مَذْهَبِهِ فَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى سَلَامَتِنَا مَعَهُ؛ لأَنَّ مُتَّبِعَ السَّلِيْمِ سَلِيْمٌ، وَإنْ ادَّعَوا عَلَيْنَا أَنَّا تَرْكْنَا مَذْهَبَهُ، وَتَمَذْهَبْنَا بِمَا يُخَالِفُ الفُقَهَاءَ، فَلْيَذْكُرُوا ذلِكَ لِيَكُوْنَ الجَوَابُ بِحَسَبِهِ، وَإِنْ قَالُوا: أَحْمَدُ مَا شَبَّهَ وَأَنْتُمْ شَبَّهْتُمْ، قُلْنَا: الشَّافِعِيُّ لَمْ يَكُنْ أَشْعَرِيًّا، وَأَنْتُمْ أَشْعَرِيَّةٌ، فَإِنْ كَانَ مَكْذُوْبًا عَلَيْكُمْ فَقَدْ كُذِبَ عَلَيْنَا، وَنَحْنُ نَفْزَعُ مِنَ التَأْوِيْلِ مَعَ نَفْيِ التَّشْبيهِ، فَلَا يُعَابُ عَلَيْنَا إِلَّا تَرْكُ الخَوْضِ وَالبَحْثِ، وَلَيْسَ بِطَرِيْقَةِ السَّلَفِ، ثُمَّ مَا يُرِيْدُ الطَّاعِنُوْنَ عَلَيْنَا، وَنَحْنُ لَا نُزَاحِمُهُمْ عَلَى طَلَبِ الدُّنْيَا؟.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ المَذْكُورَةِ (١) تُوفِّيَ أَبُو طَاهِرِ بنُ عَلَّكٍ (٢) وَكَانَ مِنْ صدْرِ الشَّافِعِيَّةِ، وَأَكَابِرِ المُتَمَوِّلِيْنَ، فَشَيَّعَهُ نِظَامُ المُلْكِ وَأَرْبَابُ الدَّوْلَةِ، وَدُفِنَ بِتُرْبَةِ أَبي إِسْحَقَ الشِّيْرَازِيِّ، وَجَاءَ السُّلْطَانُ إِلَى القَبْرِ بَعْدَ دَفْنِهِ. قَالَ ابنُ عَقِيْلٍ: جَلَسْتُ إِلَى جَانِبِ نِظَامِ المُلْكِ، بِتُرْبَةِ أَبِي إِسْحَقَ وَالمُلُوْكُ قِيَامٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَاجْتَرَأْتُ عَلَى ذلِكَ بِالعِلْمِ، وَكَانَ جَالِسًا لِلْتَّعْزِيَةِ بابنِ عَلَّكَ. стр. 463
وَلَمَّا بُوْيِعَ المُسْتَظْهِرُ (١) حَضَرَ ابنُ عَقِيْلٍ مَعَ الغَزَّالِيِّ (٢) وَالشَّاشِيِّ (٣) لِلْمُبَايَعَةِ، فَلَمَّا تُوُفِيَّ المُسْتَظْهِرُ (٤) غَسَّلَهُ ابنُ عَقِيْلٍ مَعَ السَّيْبِيِّ (٥). стр. 464
قَالَ ابنُ عَقِيْلٍ: وَلَمَّا تَوَلَّى (١) المُسْتَرْشِدُ تَلَقَانِي ثَلَاثَةٌ مِنَ المُسْتَخْدَمِيْنَ يَقُوْلُ كُلُّ واحِدٍ مِنْهُمْ: قَدْ طَلَبَكَ مَوْلَانَا أَمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ [ثَلَاثَ مَرَّاتٍ] (٢) فَلَمَّا صِرْتُ بِالحَضْرَةِ، وَقَالَ لِي قَاضِي القُضَاةِ - وَهُوَ قَائِمٌ بَيْنَ يَدَيْهِ -: طَلَبَكَ مَوْلَانَا أَمِيْرُ المُؤْمِنِينَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقُلْتُ: ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ، ثُمَّ مَدَدْتُ يَدِي فَبَسَطَ لِي يَدَهُ الشَّرِيْفَةَ، فَصَافَحْتُهُ بَعْدَ السَّلَامِ، وَبَايَعْتُ، فَقُلْتُ: أُبَايِعُ سَيِّدَنَا وَمَوْلَانَا أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ المُسْتَرْشِدَ بِاللهِ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِيْنَ، مَا أَطَاقَ وَاسْتَطَاعَ، وَعَلَى الطَّاعَةِ مِنِّي.
وَكَانَ ابنُ عَقِيْلٍ ﵀ مِنْ أَفَاضِلِ العَالَمِ، وَأَذْكِيَاءِ بَنِي آدَمَ، مُفْرِطُ الذَّكَاءِ، مُتَّسِعُ الدَّائِرَةِ فِي العُلُوْمِ، وَكَانَ خَبِيْرًا بِالكَلَامِ، مُطَّلِعًا عَلَى مَذَاهِبِ المُتَكَلِّمِيْنَ. وَلَهُ بَعْدَ ذلِكَ فِي ذَمِّ الكَلَامِ وَأَهْلِهِ شَيْءٌ كَثِيْرٌ، كَمَا ذَكَرَ стр. 465
ابنُ الجَوْزِيِّ وَغَيْرُهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: أَنَا أَقْطَعُ أَنَّ الصَّحَابَةَ مَاتُوا، وَمَا عَرَفُوا الجَوْهَرَ وَالعَرَضَ، فَإِنْ رَضِيْتَ أَنْ تَكُونَ مِثْلَهُمْ فَكُنْ، وَإِنْ رَأَيْتَ أَنَّ طَرِيْقَةَ المُتَكَلِّمِيْنَ أَوْلَى مِنْ طَرِيْقَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَبِئْسَ مَا رَأَيْتَ. وَذَكَرَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَقَدْ بَالَغْتُ فِي الأُصوْلِ طُوْلَ عُمْرِي، ثُمَّ عُدْتُ القَهْقَرَى إِلَى مَذْهَبِ المَكْتَبِ، وَقَدْ حَكَى هَذَا عَنْهُ القُرْطُبِيُّ (١) في "شَرْحِ مُسْلِمٍ". وَلَهُ مِنَ الكَلَامِ فِي السُّنَّةِ وَالاِنْتِصَارِ لَهَا، وَالرَّدِّ عَلَى المُتَكَلِّمِيْنَ شَيءٌ كَثِيْرٌ، وَقَدْ صَنَّفَ فِي ذلِكَ مُصَنَّفًا. وَقَرَأْتُ بِخَطِّ الحَافِظِ أَبِي مُحَمَّدٍ البَرْزَالِيُّ (٢) قَالَ: قَرَأْتُ بِخَطِّ стр. 466
الحَافِظِ ضِيَاءَ الدِّيْنِ المَقْدِسِيِّ، قَالَ: كَتَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَبِي الوَفَاءِ بنِ عَقِيْلٍ يَقُوْلُ لَهُ: صِفْ لِي أَصْحَابَ الإِمَامِ أَحْمَدَ عَلَى مَا عَرَفْتَ مِنَ الإِنْصَافِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَقُولُ: هُمْ قَوْمٌ خُشُنٌ، تَقَلَّصَتْ أَخْلَاقُهُمْ عَنِ المُخَالَطَةِ، وَغَلَظَتْ طِبَاعُهُمْ عَنْ المُدَاخَلَةِ، وَغَلَبَ عَلَيْهِمْ الجِدُّ، وَقَلَّ عِنْدَهُمْ الهَزْلُ، وَعَزَبَتْ (١) نُفُوسُهُمْ стр. 467
عَنْ ذِلِّ المُرَاءَةِ، وَفَزِعُوا عَنِ الآرَاءِ إِلَى الرِّوَاياتِ، وَتَمَسَّكُوا بالظَّاهِرِ تَحَرُّجًا عَنِ التَّأْوِيْلِ، وَغَلَبَتْ عَلَيْهِمُ الأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ، فَلَمْ يُدَقِّقُوا فِي العُلُومِ الغَامِضَةِ، بَلْ دَقَّقُوا فِي الوَرَعِ، وَأَخَذُوا مَا ظَهَرَ مِنَ العُلُومِ (١)، وَمَا وَرَاءَ ذلِكَ قَالُوا: اللهُ أَعْلَمُ بِمَا فِيْهَا، مِنْ خَشْيَةِ بَارِيْهَا، وَلَمْ أَحْفَظْ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ تَشْبِيْهًا، إِنَّمَا غَلَبَتْ عَلَيْهِمُ الشَّنَاعَةُ لإِيْمَانِهِمْ بِظَوَاهِرِ الآيِ وَالأَخْبَارِ، مِنْ غَيْرِ تَأْوِيْلٍ وَلَا إِنكارٍ، وَاللهُ يَعْلَمُ أَنَّنِي لَا أَعْتَقِدُ فِي الإِسْلَامِ طَائِفَةٌ مُحِقَّةٌ، خَالِيَةٌ مِن البِدَعِ، سِوَى مَنْ سَلَكَ هَذَا الطَّرِيْقِ، وَالسَّلَامُ.
وَكَانَ ﵀ بَارِعًا فِي الفِقْهِ وَأُصُوْلِهِ، وَلَهُ فِي ذلِكَ اسْتِنْبَاطَاتٌ عَظِيْمَةٌ حَسَنَةٌ، وَتَحْرِيْرَاتٌ كَثِيْرَةٌ مُسْتَحْسَنَةٌ، وَكَانَتْ لَهُ يَدٌ طُوْلَى فِي الوَعْظِ وَالمَعَارِفِ، وَكَلَامُهُ فِي ذلِكَ حَسَنٌ، وَأَكْثَرُهُ مُسْتَنْبِطٌ مِنَ النُّصُوْصِ الشَّرْعِيَّةِ، فَيَسْتَنْبِطُ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ وَفَضَائِلِهِ (٢) مَعَارِفَ جَلِيْلَةً، وَإِشَارَاتٍ دَقِيْقَةً، وَمِنْ مَعَانِي كَلَامِهِ يَسْتَمِدُّ أَبُو الفَرَجِ بنُ الجَوْزِيِّ فِي الوَعْظِ، فَمِنْ ذلِكَ مَا قَالَهُ فِي "الفُنُونِ": لَقَدْ عظَّمَ اللهُ (٣) الحَيَوَانَ، لَا سِيَّمَا ابنَ آدَمَ، حَيْثُ أَبَاحَهُ الشِّرْكَ عِنْدَ الإِكْرَاهِ، وَخَوْفِ الضَّرَرِ عَلَى نَفْسِهِ، فَقَالَ (٤): ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾. مَنْ قَدَّمَ حُرْمَةَ نَفْسِكَ عَلَى حُرْمَتِهِ، حَتَّى أَبَاحَكَ стр. 468
أَنْ تتَوَقَّى وَتتَحَامَى (١) عَنْ نَفْسِكَ بِذِكْرِه بِمَا لا يَنْبَغِيْ لَهُ سُبْحَانَهُ، لَحَقِيْقٌ (٢) أَنْ تُعَظَّمَ شَعَائِرُهُ، وَتُوقَّرَ أَوَامِرُهُ، وَزَوَاجِرُهُ. وَعَصَمَ عِرْضَكَ بِإِيْجَابِ الحَدِّ بِقَذْفِكَ، وَعَصَمَ مَالَكَ بِقَطْعِ مُسْلِمٍ فِي سَرِقَتِهِ، وَأَسْقَطَ شَطْرَ الصَّلَاةِ لأَجْلِ مَشَقَّتِكَ، وَأَقَامَ مَسْحَ الخُفِّ مَقَامَ غَسْلِ الرِّجْلِ؛ إِشْفَاقًا عَلَيْكَ مِنْ مَشَقَّةِ الخَلْعِ وَاللِّبْسِ، وَأَبَاحَكَ المَيِّتَةَ سَدًّا لِرَمَقِكَ، وَحِفْظًا لِصِحَّتِكَ، وَزَجَرَكَ عَنْ مُضَارِّكَ بِحَدٍّ عَاجِلٍ، وَوَعِيْدٍ آجِلٍ، وَخَرَقَ العَوَائِدَ لِأَجْلِكَ، وَأَنْزَلَ الكُتُبَ إِلَيْكَ، أَيَحْسُنُ بِكَ - مَعَ هَذَا الإِكْرَامِ - أَنْ تُرَى عَلَى مَا نَهَاكُ مُنْهَمِكًا، وَعَمَّا أَمَرَكَ مُتَنَكِّبًا، وَعَنْ دَاعِيْهِ مُعْرِضًا، وَلِسُنَّتِهِ هَاجِرًا، وَلِدَوَاعِي عَدُوِّكَ فِيْهِ مُطِيْعًا؟ يُعَظِّمُكَ وَهُوَ هُوَ، وَتُهْمِلُ أَمْرَهُ وَأَنْتَ أَنْتَ، هُوَ حَطَّ رُتَبَ عِبَادِهِ لِأَجْلِكَ، وَأَهْبَطَ إِلَى الأَرْضِ مَنِ امْتَنَعَ مِنْ سَجْدَةٍ يَسْجُدُهَا لَكَ، هَلْ عَادَيْتَ خَادِمًا طَالَتْ خِدْمَتُهُ لَكَ لِتَرْكِ صَلَاةٍ؟ هَلْ نَفَيْتَهُ مِنْ دَارِكَ لِلإِخْلَالِ بِفَرْضٍ، أَوْ لارْتِكَابِ نَهْيٍّ؟ فَإِنْ لَمْ تَعْتَرِفْ اعْتِرَافَ (٣) العَبِيْدِ لِلْمَوَالِي فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ تَقْتَضِيَ نَفْسَكَ لِلْحَقِّ سبْحَانَهُ، اقْتِضَاءَ المُسَاوِي المُكَافِيءِ، مَا أَوْحَشَ مَا تَلَاعَبَ الشَّيْطَانُ بِالإِنْسَانِ بَيْنَا يَكُوْنُ بِحَضْرَةِ الحَقِّ، وَمَلَائِكَةِ السَّمَاءِ سُجُوْدٌ لَهُ، تَتَرَامَى بِهِ الأَحْوَالُ وَالجَهَالَاتُ بِالمَبْدَإِ وَالمَآلِ، إِلَى أَنْ يُوْجَدَ سَاجِدًا لِصُوْرَةٍ فِي حَجَرٍ، أَوْ لِشَجَرَةٍ مِنَ الشَّجَرِ، أَوْ لِشَمْسٍ أَوْ стр. 469
القَمَر (١)، أَوْ لِصُورَةِ ثَوْرٍ خَارَ، أَوْ لِطَائرِ صَفَرَ! مَا أَوْحَشَ زَوَالَ النِّعَمِ، وَتَغَيُّرَ الأَحْوَالِ، وَالحَوْرَ (٢) بَعْدَ الكَوْرِ! لَا يَلِيْقُ بِهَذا الحَيِّ الفَاضِلِ عَلَى جَمِيْعِ الحيَوَانِ أَنْ يُرَى إِلَّا عَابِدًا للهِ فِي دَارِ التَّكلِيْفِ، أَوْ مُجَاوِرًا (٣) للهِ فِي دَارِ الجَزَاءِ وَالتَّشْرِيْفِ، وَمَا بَيْنَ ذلِكَ فَهُوَ وَاضِعٌ نَفْسَهُ فِي غَيْرِ مَوَاضِعِهَا.
وَمِنْ كَلَامِهِ فِي تَقْرِيْرِ البَعْثِ وَالمَعَادِ: وَاللهِ لَا أَقْنَعُ مِنَ اللهِ سُبْحَانَهُ بِهَذِهِ اللَّمْحَةِ الَّتِي مُزِجَتْ بِالعَلَاقِمِ، وَلَا أَقْنَعُ مِنَ الأَبَدِيِّ السَّرْمَدِيِّ стр. 470
(١) إلَّا بِبَقَاءٍ سَرْمَدِيٍّ (١) وَلَا يَلِيْقُ بِذَا الكَرَمِ إِلَّا إِدَامَةُ النِّعَمِ. وَاللهِ مَا لَوَّحَ بِمَا لَوَّحَ إِلَّا وَقَدْ أَعَدَّ مَا تَخَافُهُ (٢) الآمَالُ، وَمَا قَدَحَ أَحَدٌ فِي كَمَالِ جُودِ الخَالِقِ وَإِنْعَامِه بِأَكْثَرَ مِنْ جَحْدِهِ البَعْثَ مَعَ تَسْوِيْفِ (٣) النُّفُوْسِ، وَتَعْلِيْقِ القُلُوْبِ بِالإِعَادَةِ، وَالجَزَاءُ عَلَى الأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ، الَّتِي هَجَرَ القَوْمُ فِيْهَا اللَّذَّاتِ، فَصَبَرُوا عَلَى البَلَاءِ؛ طَمَعًا فِي العَطَاءِ. قَالَ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَنَا إِعَادَةً تتَضَمَّنُ بَقَاءً دَائِمًا، وَعَيْشًا سَالِمًا، أَنَّ أَصَحَّ الدَّلَالَةِ قَدْ دَلَّتْ عَلى كَمَالِ البَارِئِ ، وَخُرُوْجِهِ عَنْ النَّقَائِصِ. وَقَدِ استَقْرَيْنَا أَفْعَالَهُ، فَرَأَيْنَاهُ قَدْ أَعَدَّ كُلَّ شَيْءٍ لِشَيْءٍ، فَالسَّمْعُ لِلْمَسْمُوَعاتِ، وَالعَيْنُ لِلْمُبْصَرَاتِ، وَالأَسْنَانُ لِلطَّحْنِ، وَالمَنْخِرَانِ لِلشَّمِّ، وَالمِعْدَةُ لِطَبْخِ الطَّعَامِ، وَقَدْ بَقِي لِلْنَّفْسِ غَرَضٌ قَدْ عُجِنَ فِي طِيْنِهَا وَهُوَ البَقَاءُ بِغَيرِ انْقِطَاعٍ، وَبُلُوغُ الأَغْرَاضِ مِنْ غَيْرِ أَذًى. وَقَدْ عَدِمَتِ النَّفْسُ ذلِكَ في الدُّنْيَا، ثُمَّ إِنَّا نَرَى طَالَمَا لَمْ يُقَابَلْ وَلا تَقْتَضِي الحِكْمَةُ لذلِكَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُوْنَ لَهَا ذلِكَ فِي دَارٍ أُخْرَى. قَالَ: وَلأنْظُرَ إِلَى صوْرَةِ البِلَى فِي القُبُوْرِ، فَكَمْ مِنْ بِدَايَةٍ خَالَفَتْهَا النِّهَايَةُ. فَإِنَّ بِدَايَةَ الآدَمِيِّ وَالطَّيْرِ مَاءٌ مُسَخَّنٌ مُسْتَقْذَرٌ، وَمَبَادِئُ النَّبَاتِ حَبُّ عَفِنٌ، ثُمَّ يَخْرُجُ الآدَمِيُّ والطَّاوُوْسَ، وَكَذلِكَ خُرُوْجُ المَوْتَى بَعْدَ البِلَى. قَالَ: وَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ لَاحَتْ لِي مَقْبَرَةٌ، وَكَأَنَّ قَائِلًا يَقُولُ: هَذِهِ خِيْمُ стр. 471
البِلَى، عَلَى بَابِ الرَّجَاءِ وَعَلَى الوَفَاءِ، قَالَ: وَهَذَا الإِلْقَاءُ مِنَ اللهِ تَعَالَى لِكَثْرَةِ لَهَجِي بِالبَعْثِ، وتَشَوُّفِي إِلَى الاجْتِمَاعِ بِالسَّلَفِ النَّظَافِ وَتَبَرُّمِي مِنْ مُخَالَطَةِ السَّفْسَافِ.
وَكَانَ ابنُ عَقِيْلٍ يَقُوْلُ: لَا يَعْظُمُ عِنْدَكَ بَذْلُكَ نَفْسَكَ فِي ذَاتِ اللهِ فَهِيَ الَّتِي بَذَلْتَهَا بِالأَمْسِ فِي حُبِّ مُغَنِّيَةٍ، وَهَوَى أَمْرَدَ، وَخَاطَرْتَ بِهَا فِي الأَسْفَارِ لِأَجْلِ زِيَادَةِ الدُّنْيَا، فَلَمَّا جِئْتَ إِلَى طَاعَةِ اللهِ تَعَالَى عَظَّمْتَ مَا بَذَلْتَهُ، وَاللهِ مَا يَحْسُنُ بَذْلُ النَّفْسِ إِلَّا لِمَنْ إِذَا أَبَادَ أَعَادَ، وَإِذَا أَعَادَ أفَادَ، وَإِذَا أفَادَ خَلَّدَ فَائِدَتَهُ عَلَى الآبَادِ، وَذَاكَ وَاللهِ الَّذِي يَحْسُنُ فِيْهِ بَذْلُ النُّفُوْسِ، وَإِبَانَةِ الرُّؤُوْسِ، أَلَيْسَ هُوَ القَائِلُ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ (١)؟.
سمِعَ ابنُ عَقِيْلٍ الحَدِيْثَ الكَثِيْرَ مِنْ أَبِي بَكْرِ بنِ بِشْرَانَ، وَأَبِي الفَتْحِ بنِ شِيْطَا، وَأَبِي الحَسَنِ التَّوَّزِيِّ (٢)، وَأَبِي مُحَمَّدٍ الجَوْهَرِيِّ، وَأَبِي طَالِبٍ العُشَارِيِّ، وَالقَاضِي أَبِي يَعْلَى، وَأَبِي عَلِيٍّ المُبَارَكِيِّ، وَغَيْرِهمْ.
وَحَدَّثَ، وَرَوَى عَنْهُ ابنُ نَاصِرٍ، وَعُمَرُ بنُ ظَفَرٍ المَغَازِلِيُ، وَأَبُو المُعَمَّر الأَنْصَارِيُّ، وَأَبُو الرِّضَى الفَارِسِيُّ، وَأَبُو القَاسِمِ النَّاصِحِيُّ، وَأَبُو المُظَفَّرِ السِّنْجِيُّ، وَأَبُو الفَتْحِ مُحَمَّدُ بنُ يَحَيَى البَرَدَانِيُّ، وَغَيْرُهُمْ. وَأَجَازَ لأبِي سَعْدِ بنِ السَّمْعَانِيِّ الحَافِظِ، وَعَبْدِ الحَقِّ اليُوْسُفِيِّ، وَيَحَيَى بنِ بُوْشٍ.
أَنْبَأَتْنَا زَيْنَبُ بِنْتُ أَحْمَدَ بنِ عَبْدِ الرَّحِيْمِ، عَنْ عَلِيِّ بنِ عَبْدِ اللَّطِيْفِ الدِّيْنَوَرِيِّ، стр. 472
عَنْ أَبِي الحُسَيْنِ بِنِ عبْدِ الحَقِّ بنِ عَبْدِ الخَالِقِ (أَثَنَا) أَبُو الوَفَاءِ عَلِيُّ بنُ عَقِيْلٍ الإِمَامُ (أَثَنَا) أَبُو طَالِبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَلِيِّ بنِ الفَتْحِ (أَنَا) مَحْمُوْدُ بنُ عُمَرَ العُكْبَرِيُّ (أَنَا) أَبُو بَكْرِ بنِ المُحِبِّ إِجَازَةً (ثَنَا) أَبُو حَفْصٍ الجَوْهَرِيُّ (ثَنَا) أَبُو أَحْمَدَ بنُ مُحَمَّدِ بنُ نَصْرٍ، قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي المَنَامِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ تَرَكْتَ لَنَا فِي عَصْرِنَا هَذَا مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ؟ قَالَ: عَلَيْكُمْ بِأَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ.
وَلابْنِ عَقِيْلٍ تَصَانِيْفُ كَثيْرَةٌ فِي أَنْوَاعِ العِلْمِ وَأَكْبَرُ تصَانِيْفِهِ: كِتَابُ "الفُنُونِ" وَهُوَ كِتَابٌ كَبِيرٌ جِدًّا، فِيْهِ فَوَائِدُ كَثيْرَةٌ جَلِيْلَةٌ، فِي الوَعْظِ، وَالتَّفْسِيْرِ، وَالفِقْهِ، وَالأَصْلَيْنِ، وَالنَّحْوِ، وَاللُّغَةِ، وَالشِّعْرِ، وَالتَّارِيْخِ، وَالحِكَايَاتِ، وَفِيْهِ مُنَاظَرَاتُهُ، وَمَجَالِسُهُ الَّتِي وَقَعَتْ لَهُ، وَخَوَاطِرُهُ، وَنَتَائِجُ فِكْرِهِ، قَيَّدَهَا فِيْهِ. وَقَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: وَهَذَا الكِتَابُ مَائَتَا مُجَلَّدٍ، وَقَعَ لِي مِنْهُ نَحْوٌ مِنْ مَائَةٍ وَخَمْسِيْنَ مُجَلَّدَةٍ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّازِقِ (١) الرَّسْعَنِيُّ فِي "تَفْسِيرِهِ" قَالَ لِي أَبُو البَقَاءِ اللُّغَوِيُّ (٢): سَمِعْتُ الشَّيْخَ أَبَا حَكِيْمٍ النَّهْرَوَانِيَّ (٣) يَقُولُ: وَقَفْتُ عَلَى السِّفْرِ الرَّابِعِ بَعْدَ الثَّلَاثَمِائَةَ مِنْ كِتَابِ "الفُنُونِ" وَقَالَ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ فِي "تَارِيْخِهِ" لَمْ يُصَنَّفْ فِي الدُّنْيَا أَكْبَرُ مِنْ هَذَا الكِتَابِ. حَدَّثَنِي مَنْ رَأَى стр. 473
مِنْهُ المُجَلَّدَ الفُلَانِيَّ بَعْدَ الأَرْبَعَمِائَةَ. قُلْتُ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو حَفْصٍ عُمَرَ بنُ عَلِيٍّ القَزْوِيِنِيُّ (١) بِـ "بَغْدَادَ"، قَالَ: سَمِعْتُ بَعْضَ مَشَايخِنَا يَقُولُ: هُوَ ثَمَانُمَائَةَ مُجَلَّدَةٍ (٢). وَلَهُ فِي الفِقْهِ كِتَابُ "الفُصُوْلِ" وَيُسَمَّى "كِفَايَةَ المُفْتِي" فِي عَشْرِ مُجَلَّدَاتٍ (٣)، كِتَابُ "عُمْدَةُ الأَدِلَّةِ" كِتَابُ "المُفْرَدَاتِ" كِتَابُ "المَجَالِسِ النَّظَرِيَّاتِ" كِتَابُ "التَّذْكِرَةِ" مجَلَّدٌ (٤)، كِتَابُ "الإِشَارَةِ" مُجَلَّدٌ لَطِيْفٌ، وَهُوَ مُخْتَصَرُ كِتَابِ "الرِّوَايَتَيْنِ وَالوَجْهَيْنِ" كِتَابُ "المَنْثُوْرِ". وَفِي الأَصْلَيْنِ كِتَابُ "الإِرْشَادِ فِي أُصُولِ الدِّينِ" وَكِتَابُ "الوَاضِح فِي أُصُولِ الفِقْهِ" (٥) وَ"الانْتِصَارُ لِأَهْلِ الحَدِيْثِ" стр. 474
مُجَلَّدٌ "نَفْيُ التَّشْبِيْهِ" "مَسْأَلَةٌ فِي الحَرْفِ وَالصَّوْتِ" جُزْءٌ (١) "مَسَائِلُ مُشْكِلَةٌ فِي آيَاتٍ مِنَ القُرْآنِ وَأَحَادِيْثَ سُئِلَ عَنْهَا فَأَجَابَ" وَلَهُ كِتَابُ "تَهْذِيْبِ النَّفْسِ" "تَفْضِيْلِ العِبَادَاتِ عَلَى نَعِيْمِ الجَنَّاتِ" (٢). стр. 475
وَكَانَ ابنُ عَقِيْلٍ كَثِيْرَ التَّعْظِيْمِ لِلإِمَامِ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ، وَالردِّ عَلَى مُخَالِفِيْهِمْ، وَمِنْ كَلَامِهِ فِي ذلِكَ: وَمِنْ عَجِيْبِ مَا نَسْمَعُهُ مِنْ هَؤُلَاءِ الأَحْدَاثِ الجُهَّالِ أَنَّهُمْ يَقُوْلُوْنَ: أَحْمَدُ لَيْسَ بِفَقِيْهٍ، لكِنَّهُ مُحَدِّثٌ، وَهَذَا غَايَةُ الجَهْلِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ خُرِّجَ عَنْهُ اخْتِيَارَاتٌ بَنَاهَا عَلَى الأَحَادِيْثِ بِنَاءً لَا يَعْرِفُهُ أَكْثَرُهُمْ، وَخُرِّجَ عَنْهُ مِنْ دَقِيْقِ الفِقْهِ مَا لَا تَرَاهُ لأَحَدٍ مِنْهُمْ، وَذَكَرَ مَسَائِلَ منْ كَلَامِ أَحْمَدَ، ثُمَّ قَالَ: وَمَا يَقْصُدُ هَذَا إِلَّا مُبْتَدِعٌ، قَدْ تَمَزَّقَ فُؤَادُهُ مِنْ خُمُوْلِ (١) كَلِمَتِهِ، وَانْتِشَارِ عِلْمِ أَحْمَدَ، حَتَّى إِنَّ (٢) أَكْثَرَ العُلَمَاءِ يَقُوْلُوْنَ: أَصْلِي أَصْلُ стр. 476
أَحْمَدَ، وَفَرْعِي فَرْعُ فُلَانٍ، فَحَسْبُكَ بِمَنْ يُرْضِى بِهِ فِي الأُصُوْلِ قُدْوَةً.
وَكَانَ يَقُوْلُ: هَذَا المَذْهَبُ إِنَّمَا ظَلَمَهُ أَصْحَابُهُ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَ أَبي حَنِيْفَةَ وَالشَّافِعِيَّ إِذَا بَرَعَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فِي العِلْمِ تَوَلَّى القَضَاءَ وَغَيْرِهِ مِنَ الوِلَايَاتِ، فَكَانَتِ الوَلَايَةُ سَبَبًا (١) لِتَدْرِيْسِهِ وَاشْتِغَالِهِ بِالعِلْمِ، فَأَمَّا أَصْحَابُ أَحْمَدَ فَإِنَّهُ قَلَّ فِيْهِمْ مَنْ تَعَلَّقَ بِطَرَفٍ مِنَ العِلْمِ إِلَّا وَيُخْرِجُهُ ذلِكَ إِلَى التَّعَبُّدِ وَالتَّزَهُّدِ؛ لِغَلَبَةِ الخَيْرِ عَلَى القَوْمِ، فَيَنْقَطِعُونَ عَنِ التَّشَاغُلِ بِالعِلْمِ.
وَكَانَ مَعَ ذلِكَ يَتَكَلَّمُ كَثِيْرًا بلِسَانِ الاِجْتِهَادِ وَالتَّرْجِيْحِ وَاتِّبَاعِ الدَّلِيْلِ الَّذِي يَظْهَرُ لَهُ، وَيَقُوْلُ: الوَاجِبُ اتِّبَاعُ الدَّلِيْلِ، لَا اتِّبَاعُ أَحْمَدَ. وَكَانَ يَخُوْنُهُ قِلَّةُ بِضَاعَتَهُ فِي الحَدِيْثِ، فَلَوْ كَانَ مُتَضَلِّعًا مِنَ الحَدِيْثِ وَالآثَارِ، مُتَوَسِّعًا فِي عُلُومِهِمَا لَكَمُلَتْ لَهُ أَدَوَاتُ الاجْتِهَادِ، وَكَانَ اجْتِمَاعُهُ بِأَبِي بَكْرٍ الخَطِيْبِ، وَمَنْ كَانَ فِي وَقْتِهِ مِنْ أَئِمَّةِ الحُفَّاظِ كَأَبِي نَصرِ بنِ مَاكُوْلَا، وَالحُمَيْدِيِّ، وَغَيْرِهِمْ أَوْلَى وَأَنْفَعُ لَهُ مِنَ الاجْتِمَاعِ بِابْنِ الوَلِيْدِ وَابْنِ التَّبَّانِ، وَتَرْكُهُ لِمُجَالَسَةِ مِثْلِ هَؤُلَاءِ هُوَ الَّذِي حَرَمَهُ عِلْمًا نَافِعًا فِي الحَقِيْقَةِ، وَلكِنَّ الكَمَالَ للهِ.
وَلَهُ مَسَائِلُ كَثِيْرَةٌ يَنْفَرِدُ بِهَا، وَيُخَالِفُ فِيْهَا المَذْهَبَ، وَقَدْ يُخَالِفُهُ فِي بَعْضِ تَصَانِيْفِهِ، وَيُوَافِقُهُ فِي بَعْضِهَا، فَإِنَّ نَظَرَهُ كَثِيْرًا يَخْتَلِفُ، وَاجْتِهَادُهُ يَتَنَوَّعُ.
وَكَانَ يَقُولُ: عِنْدِي أَنَّ مِنْ أَكْبَرِ فَضَائِلِ المُجْتَهِدِ أَنْ يَتَرَدَّدَ فِي الحُكْمِ عِنْدَ تَرَدُّدِ الحُجَّةِ وَالشُّبْهَةِ فِيْهِ، وَإِذَا وَقَفَ عَلَى أَحَدِ المُتَرَدِّدِيْنَ دَلَّهُ عَلَى أَنَّهُ مَا عَرَفَ الشُّبْهَةَ، وَمَنْ لَا تَعْتَرِضُهُ شُبْهَةٌ وَلَا تَصْفُو لَهُ حُجَّةٌ، وَكُلُّ قَلْبٍ لَا يَقْرَعُهُ стр. 477
التَّرَدُّدُ، فَإِنَّمَا يَظْهَرُ فِيْهِ التَّقْلِيْدُ (١) وَالجُمُوْدُ عَلَى مَا يُقَالُ لَهُ وَيَسْمَعُ مِنْ غَيْرِهِ.
فَمِنَ المَسَائِلِ الَّتِي تَفَرَّدَ بِهَا: أَنَّ النِّسَاءَ لَا يَجُوْزُ لَهُنَّ اسْتِعْمَالُ الحَرِيْرِ إِلَّا فِي اللُّبْسِ دُوْنَ الافْتِرَاشِ وَالاسْتِنَادِ. ذَكَرَهُ فِي "الفُنُونِ".
وَمِنْهَا: أَنَّ صَلَاةَ الفَذِّ (٢) تَصِحُّ فِي صَلَاةِ الجَنَازَةِ خَاصَّةً، وَهُوَ مَعْرُوْفٌ عَنْهُ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الرِّبَا لَا يَجْرِيْ إِلَّا فِي الأَعْيَانِ السِّتَّةِ المَنْصُوْصِ عَلَيْهَا. ذَكَرَهُ فِي "نَظَرِيَّاتِهِ" (٣).
وَمِنْهَا: أَنَّ الوَقْفَ لَا يَجُوْزُ بَيْعُهُ، وَإِنْ خَرِبَ وَتَعَطَّلَ نَفْعُهُ، وَلَهُ ذلِكَ كَلَامٌ فِي "جُزْءٍ" مُفْرَدٍ (٤).
وَمِنْهَا: أَنَّ الأَبَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَمَلَّكَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ مَا شَاءَ، مَعَ عَدَمِ حَاجَتِهِ. ذَكَرَهُ فِي "الفُصُوْلِ" فِي "كِتَابِ النِّكَاحِ".
وَمِنْهَا: أَنَّ المَشْرُوْعَ فِي عَطِيَّةِ الأَوْلَادِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الذُّكُوْرِ وَالإِنَاثِ ذَكَرَهُ فِي "الفُنُونِ".
وَمِنْهَا: أَنَّهُ يَجُوْزُ اسْتِئْجَارُ الشَّجَرِ المُثْمِرِ تَبْعًا لِلأَرْضِ؛ لِمَشَقَّةِ التَّفْرِيْقِ بَيْنَهُمَا حَكَاهُ عَنْهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّيْنِ بْنُ تَيْمِيَّةَ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ العُشْرُ مِنْ تُجَّارِ أَهْلِ الحَرْبِ وَلَا أَهْلِ стр. 478
الذِّمَّةِ، إِذَا اتَّجَرُوا فِي بِلَادِ الإِسْلَامِ إِلَّا بِشَرْطٍ أَوْ تَرَاضٍ. ذَكَرَهُ فِي "فُنُونِهِ". وَقَدْ حَكَى القَاضِي في "شَرْحِهِ الصَّغِيْرِ" رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدُ، كَذلِكَ ذَكَرَهَا ابنُ تَمِيْمٍ، لكِنَّهَا غَرِيْبَةٌ جِدًّا.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ إِذَا حَلَفَ عَلَى فِعْلٍ يَتَعَلَّقُ بِعَيْنٍ مُعَيَّنَةٍ، فَتَغَيَّرَتْ صِفَاتُهَا بِمَا يُزِيْلُ اسْمُهَا: لَمْ يَتَعَلَّقِ الحِنْثُ بِهَا عَلَى هَذِهِ الحَالُ مُطْلَقًا.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا يَجُوْزُ وَطْءُ المُكَاتَبَةِ، وَإِنْ اشْتَرَطَ وَطْأَهَا فِي عَقَدِ الكِتَابَةِ، وَحَكَاهُ فِي "مُفْرَدَاتِهِ" رِوَايةً.
وَمِنْهَا: أَنَّه لَا زكَاةَ فِي حُلِيِّ المَوَاشِطِ المُعَدِّ لِلْكِرَاءِ، وَذَكَرَهُ فِي "عُمْدَةِ الأَدِلَّةِ" وَخَرَّجَ مِنْ قَوْلِ الأَصْحَابِ وَجْهًا يُوْجِبُ الزَّكَاةَ فِي سَائِرِ مَا يُعَدُّ لِلْكِرَاءِ مِنَ الأَمْلَاكِ، مِنْ عَقَارٍ وَغَيْرِهِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الزُّرُوْعَ وَالثِّمَارَ الَّتِي تُسْقَى بِمَاءٍ نَجِسٍ طَاهِرَةٌ مُبَاحَةٌ، وَإِنْ لَمْ تُسْقَ بَعَدَهُ بِمَاءٍ طَاهِرٍ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الزَّوْجَةَ إِذَا كَانَتْ نِضْوَةَ (١) الخُلُقِ لَا يُمْكِنُ زَوْجُهَا وَطْأَهَا стр. 479
إِلَّا بِجِنَايَةٍ عَلَيْهَا يَمْلِكُ فَسْخَ نِكَاحِهَا بِذلِكَ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الإِمَامَ لَا يَمْتَنِعُ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى الغَالِّ، وَلَا عَلَى مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ، وَأنَّ امْتِنَاعَ النَّبي ﷺ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمَا كَانَ مِنْ خصَائِصِهِ.
وَمِنْهَا: تَحْرِيْمُ الاسْتِمْنَاءِ بِكُلِّ حَالٍ، وَحَكَاهُ رِوَايَةً.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ يَجِبُ الحَدُّ بِقَذْفِ العَبْدِ العَفِيْفِ كَالحُرِّ، ذَكَرَهُ فِي "مُفْرَدَاتِهِ".
وَمِنَ المَسَائِلِ الغَرِيْبَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا ابنُ عَقِيْلٍ: مَسْأَلَةٌ فِي الحَامِلِ وَالمُرْضِعُ إِذَا أَفْطَرَتَا خَوْفًا عَلَى وَلَدَيْهِمَا: فَهَلْ تَكُوْنُ الكَفَّارَةُ عَلَى الأُمِّ مِنْ مَالِهَا، أَوْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ؟ ذَكَرَ فِي "الفُنُونِ" فِيْهَا احْتِمَالٌ. قَالَ: وَالأَشْبَهُ أَنَّهُ عَلَى الأُمِّ؛ لِأَنَّهَا هِي المُرْتَفِقَةُ بِالإِفْطَارِ لاسْتِضْرَارِهَا، وَتَغَيُّرِ لَبَنِهَا، وَالوَلَدُ تَبَعٌ لَهَا. قَالَ: وَلأَنَّهُ لَوْ كَانَ الطِّفْلُ مُعْتَبَرًا فِي إِيجَابِ التَّفْكِيْرِ لَكَانَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفَّارَةٌ تَامَّةٌ، كَالجِمَاعِ فِي رَمَضَانَ، وَكَالمُشْتَرِكِيْنُ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ، عَلَى أَصَحِّ الرَوَايَتَيْنِ.
قُلْتُ: وَهَذَا ضَعِيْفٌ؛ فَإِنَّ المُشْتَرِكَيْنِ فِي الجِمَاعِ كُلٌّ مِنْهُمَا أَفْسَدَ صَوْمَهُ وَالمُشْتَرِكَيْنَ فِي القَتْلِ كُلٌّ مِنْهُمَا جَنَى عَلَى إجْرَامِهِ، فَهُمَا مُتَسَاوِيَانِ فِي الجِنَايَةِ، بخِلَافِ الطِّفْلِ وَالأُمِّ هَهُنَا.
وَذَكَرَ أَيْضًا فِي "الفُنُونِ" قَالَ: سَأَلَ سَائِلٌ عَنْ قَائِلٍ قَالَ: وَاللهِ لَا رَدَدْتُ سَائِلًا - أَوْ قَالَ: للهِ عَلَيَّ لَا رَدَدْتُ سَائِلًا - وَلَيْسَ يَتَّسِعُ حَالُهُ لِذلِك، وَإِنْ اعْتَمَدَ ذلِكَ لَمْ يَبْقَ لَهُ وَقْتٌ لِعَمَلٍ، وَلَا لِتِجَارَةٍ، وَلَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ يَفِي، فَكَيْفَ وَلَا مَالَ يَفِي، وَلَا وَقْتَ يَتَّسِعُ لِذلِكَ مَعَ كَثْرَةِ السُّؤَّالِ؟.
стр. 480
فَأَجَابَ حَنْبَلِيٌّ: بَأَنَّ هَذَا قِيَاسُ قَوْلِنَا فِيْمَنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَقَ بِجَمِيْعِ مَالِهِ: فَإِنَّهُ فِي اليَمِيْنِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الثُلُثِ وَكَفَّارَةِ يَمِيْنٍ، وَفي النَذْرَ يَلْزَمهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِثُلُثِ مَالِهِ، فَيَجِبُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِثُلُثِ مَا يَتَحَصَّلُ لَهُ مِمَا يُزِيدُ عَلَى حَاجَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَتَحَصَّلْ لَهُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ نَذْرِهِ لُزُوْمُهُ التَّصَدُّقُ بِهِ، وَيُكَفِّرُ كَفَّارَةَ يَمِيْنٍ.
قَالَ قَائِلٌ: يَشْتَرِي بُرًّا أَوْ حَبَّ رُمَّانٍ، وَيُعْطِي كُلَّ سَائِلٍ حَبَّةً مِنْ ذلِكَ؟
قَالَ لَهُ الحَنْبَلِيُّ: هَذَا لَا يَجِيْءُ عَلَى أَصْلِنَا؛ لأَنَّا نَعْتَبِرُ المَقَاصِدَ فِي الأَيَمَانِ وَالنُّذُوْرِ، وَالقَصْدُ أَنْ لَا يَرُدَّ سَائِلًا عَنْ سُؤَالِهِ، وَحَبَّةُ رُمَّانٍ وَحَبَّةُ بُرٍّ لَيْسَتْ سُؤَالُ السَّائِلِ، فَإِعْطَاؤُهُ كَرَدِّهِ.
وَقَالَ حَنْبَلِيٌّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ خُرُوْجُهُ مِنْ نَذْرِهِ بِبُرَّةِ بُرٍّ؛ لأَنَّا قَدْ عَلَّقْنَا حُكْمَ الرِّبَا عَلَى بُرَّةٍ بِبُرَّتَّيْنِ، وَمَا عَلَّقَ عَلَيْهِ الشَّرْعُ مَأْثَمًا فَأَحْرَى أَنْ يُعَلَّقَ عَلَيْهِ مَا يَحْصُلُ بِهِ الثَّوَابُ، وَقَوْلُ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشقِّ تَمْرَة" يَعْضُدُ القَوْلَ بِالتَّصَدُّقِ بِالبُرَّةِ.
وَقَالَ حَنْبَلِيُّ آخَرُ: بَلْ إِذَا لَمْ يَجِدْ شَيْئًا أَصْلًا وَعَدَ، فَكَانَتِ العِدَّةُ مُخَلِّصَةً لَهُ مِنَ الرَّدِّ، فَإِنَّ الرَدَّ لَا يَتَحَقَّقُ مَعَ العِدَّةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ وَعَدَ بِزَكَاةِ مَالِهِ لِلْسَّاعِي لَا يَسْتَحِقُّ القِتَالَ، وَلَا التَّعْزِيرِ، وَلَا يَأثَمُ؟ وَلَا يُقَالُ: إِنَّهُ رَدَّ السَّاعِي، وَلَا المُطَالِبِ بِدَيْنِهِ، وَلَا الفَقِيْرِ. وَلِلْحَدِيْثِ الَّذِي جَاءَ: "العِدَةُ دَيْنٌ" وَهَذِهِ العِدَّةُ نَافِعَةٌ فِي مَنْعِ الحِنْثِ، مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا لَا تَقِفُ العَزْمِ عَلَى الإِعْطَاءِ عَلَى التَّوْفِيَةِ، بَلْ مَنْ وَعَدَ، فَعَزَمَ أَنَّهُ مَتَى حَصَلَ لَهُ مَالٌ أَعْطَى السَّائِلَ
стр. 481
مَا سَأَلَهُ فَمَا رَدَّهُ. وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَمِنْ غَرَائِبِ ابنِ عَقِيْلٍ: أَنَّهُ اخْتَارَ وُجُوبَ الرِّضَى بِقَضَاءِ اللهِ تَعَالَى في الأَمْرَاضِ وَالمَصائِبِ. ذَكَرَهُ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كَلَامِهِ. لكِنَّهُ فَسَّرَ الرِّضَى في "الفُنُونِ": بِأَنَّهُ الرِّضَى عَنِ اللهِ (١) بِهَا، ثِقَةً بِحُكْمِهِ وَإِنْ كَانَتْ مُؤْلِمَةً للطَّبْعِ، كَمَا لَا يُبْغِضُ الطَّبِيْبُ (٢) عَنْدَ بَطِّ (٣) الدُّمُّلِ وَفَتْحِ العُرُوْقِ، وَلَيْسَ المُرَادَ هَشَاشَةُ (٤) النَّفْسِ وَانْشِرَاحِهَا لَهَا، فَإِنَّ هَذَا عِنْدَهُ مُسْتَحِيْلٌ، وَصَرَّحَ بِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لِلأَنْبِيَاءِ، كَذَا قَالَ. وَهُوَ فاسِدٌ.
وَاخْتَارَ: أَنَّ النَّهَارَ أَفْضَلُ مِنَ اللَّيْلِ.
وَاخْتَارَ: أَنَّهُ لَا يَجُوْزُ الصَّلَاةَ علَى القَبْرِ فِي شَيْءٍ مِنْ أَوْقَاتِ النَّهْيِ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ عَلَى الجَنَازَةِ، وَخَالَفَهُ بَعْضُ مَشَايِخِ أَصْحَابِنَا فِي زَمَنِهِ.
وَمِنْ كَلَامِهِ الحَسَنِ: أَنَّهُ وَعَظَ يَوْمًا فَقَالَ: يَا مَنْ يَجِدُ فِي قَلْبِهِ قَسْوَةً، احْذَرْ أَنْ تَكُونَ نَقَضْتَ عَهْدًا، فَإنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُوْلُ: (٥) ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾.
وَسُئِلَ فَقِيْلَ لَهُ: مَا تَقُوْلُ فِي عُزْلَةِ الجَاهِلِ؟ فَقَالَ: خَبَالٌ وَوَبَالٌ، تَضُرُّهُ стр. 482
وَلَا تَنْفَعُهُ، فَقِيْلَ لَهُ: فَعُزْلَةِ العَالِمِ؟ قَالَ: "مَالَكَ وَلَهَا، مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا تَرِدُ المَاءَ وَتَرْعَى الشَّجَرَ، إِلَى أَنْ يَلْقَاهَا رَبُّهَا" (١).
وَمِنْ كَلَامِهِ فِي صِفَةِ الأَرْضِ أَيَّامَ الرَّبيعِ: (٢) إِنَّ الأَرْضَ أَهْدَتْ إِلَى السَّمَاءِ غُبْرَتَهَا بتَرْقِيَةِ الغُيُوْمِ، فَكَسَتْهَا السَّمَاءُ زُهَرَتَهَا مِنَ الكَوَاكِبِ وَالنُّجُوْمِ، وَقَالَ: كَأَنَّ الأَرْضَ أَيَّامَ زَهْرَتِهَا مِرْآةُ السَّمَاءِ فِي انْطِبَاعِ صُوْرَتَهَا.
قَالَ ابنُ النَّجَّارِ: قَرَأْتُ في كِتَاب أَبِي نَصْرٍ المُعَمَّرِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ البَيِّعِ بِخَطِّهِ، وَ (أَنَا) عَنْهُ أَبُو القَاسِمِ الأَزَجِيُّ، قَالَ: أَنْشَدَنَا أَبُو الوَفَاءِ عَلِيُّ بنُ عَقِيْلِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عَقِيْلٍ الحَنْبَلِيُّ لِنَفْسِهِ: (٣)
يَقُولُوْنَ لي مَا بَالُ جِسْمِكَ نَاحِلٌ … وَدَمْعُكَ مِنْ آمَاقِ عَيْنَيْكَ هَاطِلُ
وَمَا بَالُ لَوْنَ الجِسْمِ بُدِّلَ صُفْرَةً … وَقَدْ كَانَ مُحْمَرًّا فَلَوْنُكَ حَائِلُ
فَقُلْتُ سُقَامًا حَلَّ فِي بَاطِنِ الحَشَا … وَلَوْعَةَ قَلْبٍ بَلْبَلَتْهُ البَلَابِلُ
وَأَنَّى لِمِثْلِي أَنْ يَبِيْنَ لِنَاظِرٍ … وَلكِنَّنِي لِلْعَالَمِيْنَ أُجَامِلُ
فَلَا تَغْتَرِرْ يَومًا بِبِشْرِي وَظَاهِرِي … فَلِي بَاطِنٌ قَدْ قَطَّعَتْهُ النَّوَازِلُ стр. 483
وَمَا أَنَا إِلَّا كَالزِّنَادِ تَضَمَّنَتْ … لَهِيْبًا وَلكِنَّ اللَّهِيْبَ مُدَاخِلُ
إِذَا حُمِّلَ المَرْءُ الَّذِي فَوْقَ طَوْرِهِ … يُرَى عَنْ قَرِيبِ مَنْ تَجَلُّدَ عَاطِلُ
لَعَمْرِي إِذَا كَانَ التَّجَّمُّلُ كُلْفَةً … يَكُوْنُ كَذَا بَيْنَ الأَنَامِ مُجَامِلُ
فَأَمَّا الَّذِي أَثْنَى لَهُ الدَّهْرُ عِطْفَهُ … وَلَانَ لَهُ وَعْرُ الأُمُوْرِ مُوَاصِلُ
بِأَلْطَافِ قُرْبٍ يَسْهُلُ الصَّعْبُ عِنْدَهَا … وَيَنْعُمُ فِيْهَا بِالَّذِي كَانَ يَامَلُ
تَرَاهُ رَخِيَّ البَالِ مِن كُلِّ عُلْقَةٍ … وَقَدْ صَمِيَتْ مِنْهُ الكُلَى وَالمَفَاصِلُ
تُوُفِّيَ أَبُو الوَفَاءِ بنُ عَقِيْلٍ ﵀ بُكْرَةَ الجُمُعَةِ، ثَانِي عَشَرَ جُمَادَى الأُوْلَى سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَقِيْلَ: تُوُفِّيَ سَادِسَ عَشَرَ الشَّهْرَ، وَالأَوَّلُ أَصَحُّ. وَصُلِّيَ عَلَيْهِ فِي جَامِعَيْ القَصْرِ وَالمَنْصُورِ، وَكَانَ الإِمَامُ عَلَيْهِ فِي جَامِعِ القَصْرِ ابنُ شَافِعٍ، وَكَانَ الجَمْعُ يَفُوْتُ الإِحْصَاءِ. قَالَ ابنُ نَاصِرٍ: حَزَرْتُهُمْ بِثَلَاثِمَائَةِ أَلْفٍ، وَدُفِنَ فِي دَكَّةِ قَبْرِ الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁، وَقَبْرُهُ ظَاهِرٌ ﵁، فَمَا كَانَ فِي مَذْهَبِنَا أَحَدٌ مِثْلَهُ، آخِرُ كَلَامِ بنِ نَاصِرٍ. وَذَكَرَ المُبَارَكُ بنُ كَامِلٍ الخَفَّافُ أَنَّهُ جَرَتْ فِتْنَةٌ يَعْنِي عَلَى حَمْلِهِ قَالَ: وَتَجَارَحُوا، وَقَالَ الشَّيْخُ مُطِيْعٌ: كُفِّنَ وَنُطِعَ.
قَالَ ابنُ السَّمْعَانِيِّ أَنْشَدَنِيْ الإِمَامُ أَبُو المَحَاسِنِ مَسْعُودُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ غَانِمٍ الأَدِيْبُ الغَانِمِيُّ (١) لِنَفْسِهِ، يَمْدَحُ الإِمَامَ أَبَا الوَفَاءِ بنَ عَقِيْلٍ: стр. 484
لِعَلِيٍّ بنِ عَقِيْلٍ البَغْدَاذِي … مَجْدُ لِفَوْقَ الفَرْقَدَيْنِ مُحَاذِي
قَدْ كَانَ يَنْصُرُ أَحْمَدًا خَيْرَ الوَرَى … وَكَلَامُهُ أَحْلَى مِنَ الآزَاذِي
وَإِذَا تَلَهَّبَ فِي الجِدَالِ فَعِنْدَهُ … سَحْبَانُ فَهٌ فِي التَّجَارُبِ هَاذِي
مَا أَخْرَجَتْ بَغْدَادَ (١) فَحْلًا مِثْلَهُ … للهِ دَرُّ الفَاضِلِ البَغْدَاذِي стр. 485
وَلَقَدْ مَضَى لِسَبِيْلِهِ مَعْ عُصْبَةٍ … كَانُوا لِدِيْنِ الحَقِّ خَيْرَ مَلَاذِ
وَقَدْ قَرَأَ عَلَى ابنِ عَقِيْلٍ الفِقْهَ وَالأُصُولَ خَلْقٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، يَأْتِي ذِكْرُهُمْ فِي مَوَاضِعِهِمْ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى مِنَ الطَّبَقَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ. وَمِمَّنْ قَرَأَ علَيْهِ أَبُو الفَتْح بنُ بَرَهَان (١) الأُصُوْلِيُّ، صَاحِبُ التَّصَانِيْفِ فِي الأُصُولِ، وَمُدَرِّسُ النِّظَامِيَّةِ، وَكَانَ أَوَّلًا حَنْبَلِيًّا، ثُمَّ انْتَقَلَ لِجَفَاءِ أَصْحَابِنَا لَهُ.
وَكَانَ لابنِ عَقِيْلٍ وَلَدَانِ مَاتَا فِي حَيَاتِهِ:
أَحَدُهُمَا: أبُو الحَسَنِ عَقِيْلٌ (٢) كَانَ فِي غَايَةِ الحُسْنِ. وَكَانَ شَابًّا، فَهِمًا ذَا خَطٍّ حَسَنٍ. قَالَ ابنُ القَطِيْعِيِّ: حَكَى وَالِدُهُ أَنَّهُ وُلِدَ لَيْلَةَ حَادِي عَشَرَ رَمَضَانَ سَنَةَ إِحْدَى (٣) وَثَمَانِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ. وَحَكَى غَيْرُهُ: أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ هِبَةِ اللهِ بنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الأَنْصَارِيِّ، وَعَلِيِّ بنِ حُسَيْنِ بنِ أَيُّوبَ، وَغَيْرِهِمَا. وَتَفَقَّهَ عَلَى أَبِيْهِ، وَنَاظَرَ فِي الأُصُولِ وَالفُرُوعِ. وَسَمِعَ الحَدِيْثَ الكَثِيْرَ، وَشَهِدَ عِنْدَ قَاضِي القُضَاةِ أَبِي الحَسَنِ بنِ الدَّامَغَانِيِّ، فَقَبِلَ قَوْلَهُ، وَكَانَ فَقِيْهًا فَاضِلًا، يَفْهَمُ стр. 486
المَعَانِي جَيِّدًا، وَيَقُولُ الشِّعْرَ، وَكَانَ يَشْهَدُ مَجْلِسَ الحُكْمِ، وَيَحْضُرُ المَوَاكِبَ.
وَتُوُفِّيَ ﵀ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ، مُنْتَصَفَ مُحَرَّم سَنَةَ عَشْرِ وَخَمْسِمَائَةَ. وَصُلِّيَ عَلَيْهِ يَوْمَ الأَرْبِعَاءِ، كَذَا ذَكَرَ ابنُ شَافِعٍ وَغَيْرُهُ. وَفِي تَارِيْخِ ابنِ المَنْدَائِيِّ (١): أَنَّهُ تُوُفِّيَ يَوْمَ الجُمُعَةِ ثَانِي عَشَرَ رَبِيْعٍ الآخِرِ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمَائَةَ. وَدُفِنَ يَوْمَ السَّبْتِ بِدَكَّةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ. فَعَلَى هَذَا: تَكُوْنُ وَفَاتُهُ قَبْلَ وَالِدِهِ بِشَهْرٍ وَاحِدٍ، وَلَا أَظُنُّ هَذَا إِلَّا غَلَطًا، وَكَانَ لَهُ مِنَ العُمُرِ سَبْعٌ وَعُشْرُونَ سَنَةً، وَدُفِنَ فِي دَارِهِ بِالظَّفَرِيَّةِ، فَلَمَّا مَاتَ أَبُوْهُ نُقِلَ إِلَى دَكَّةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁. قَالَ وَالِدُهُ: مَاتَ وَلَدِي عَقِيْلٌ وَكَانَ قَدْ تَفَقَّهَ وَنَاظَرَ، وَجَمَعَ أَدَبًا حَسَنًا، فَتَعَزَّيْتُ بِقِصَّةِ عَمْرِو بنِ عَبْدِ وَدٍّ (٢) الَّذِي قَتَلَهُ عَلِيٌّ ﵇ (٣)، فَقَالَتْ أُمُّهُ ترْثِيْهِ (٤): стр. 487
لَوْ كَانَ قَاتِلُ عَمْرٍو غَيْرَ قَاتِلِهِ … مَا زِلْتُ أَبْكِي عَلَيْهِ دَائِمَ الأَبَدِ
لَكِنَّ قَاتِلَهُ مَنْ لَا يُقَادُ بِهِ … مَنْ كَانَ يُدْعَى أَبُوْهُ بَيْضَةَ البَلَدِ
فَأَسْلَاهَا، وَعَزَّاها جَلَالَةُ القَاتِلِ، وَفَخْرُهَا بِأَنَّ ابْنَهَا مَقْتُوْلُهُ، فَنَظَرتُ إِلَى قَاتِلِ وَلَدِي الحَكِيْمِ المَالِكِ، فَهَانَ عَلَيَّ القَتْلُ وَالمَقْتُوْلُ لِجَلَالَةِ القَاتِلِ (١). وَذُكِرَ عَنِ الإِمَامِ أَبي الوَفَاءِ (٢): أَنَّهُ أَكَبَّ عَلَيْهِ وَقَبَّلَهُ، وَهُوَ فِي أَكْفَانِهِ، وَقَالَ стр. 488
يَا بُنيَّ، أسْتَوْدِعُكَ اللهُ الَّذِي لَا تَضِيْعُ وَدَائِعُهُ، الرَّبُّ خَيْرٌ لَكَ مِنِّي (١) ثُمَّ مَضَى، وَصَلَّى عَلَيْهِ بِجَنَانٍ ثَابِتٍ ﵀.
وَمِنْ شِعْرِ عَقِيْلٍ هَذَا (٢):
شَاقَهُ وَالشَّوْقُ مِنْ غِيَرِهْ … طَلَلٌ عَافٍ سِوَى أَثَرِهْ
مُقْفِرٌ إِلَّا مَعَالِمُهُ … وَاكِفٌ بِالوَدْقِ مِنْ مَطَرِهْ
فَاثْنَى وَالدَّمْعُ مُنْهَمِلٌ … كَانْسِلَالِ السِّلْكِ عَنْ دُرَرِهْ
طَاوِيًا كَشْحًا عَلى نُوَبٍ … سَبَحَاتٍ لَسْنَ مِنْ وَطْرِهْ
رِحْلَةُ الأَحْبَابِ عَنْ وَطَنٍ … وَحُلُوْلُ الشَّيْبِ فِي شَعَرِهْ
شِيَمٌ للدَّهْرِ سَالِفَةٌ … مُسْتَبِيْنَاتٌ لِمُخْتَبِرِهْ
وَقَبُوْلُ الدَّلِّ (٣) مَبْسَمُهَا … أَبْلَجُ يَفْتَرُّ عَنْ خَضِرِهْ стр. 489
هَزَّ عِطْفَيْهَا الشَّبَابُ كَمَا … مَاسَ غِصْنُ البَانِ فِي شَجَرِهْ
ذَاتُ فَرْعٍ فَوْقَ مُلْتَمِعٍ … كَدُجًى أَبْدَى سَنَا قَمَرِهْ
وَبَنَانٌ زَانَهُ تَرَفٌ … ذَادَهُ التَّسْلِيْمُ عَنْ خَفَرِهْ
خِصْرُهَا يَشْكُو رَوَادِفَهَا … كَاشْتِكَاءِ الصَّبِّ مِنْ سَهَرِهْ
نَصَبَتْ قَلْبِي لَهَا غَرَضًا … فَهْوَ مُصْمًى بِمُعْتَوَرِهْ
وَزَهَتْ تِيْهًا كَأَنَّ لَهَا … مَنْبِتًا تُزْهِي بِمُفْتَخِرِهْ
وَأَنَاخَتْ فِي فَنَا مَلِكٍ … دَنَتِ الأَخْطَارُ عَنْ خَطَرِهْ
- وَالآخَرُ: أَبُو مَنْصُورٍ هَبَةُ اللهِ، (١) وُلِدَ فِي ذِيْ الحِجَّةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، وَحَفِظَ القُرْآنَ، وَتَفَقَّهَ، وَظَهَرَ مِنْهُ أَشْيَاءَ تَدُلُّ عَلَى عَقْلٍ غَزِيْرٍ، وَدِيْنٍ عَظِيمٍ، ثُمَّ مَرِضَ وَطَالَ مَرَضُهُ، وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ أَبُوْهُ مَالًا فِي المَرَضِ، وَبَالَغَ.
قَالَ أَبُو الوَفَاءِ: قَالَ لِي ابْنِي، لَمَّا تَقَارَبَ أَجَلُهُ: يَا سَيِّدِي قَدْ أَنْفَقْتَ وَبَالَغْتَ فِي الأَدْوِيَةِ، وَالطِّبِّ، وَالأَدْعِيَةِ، وَللهِ تَعَالَى فِيَّ اخْتِيَارٌ، فَدَعْنِي مَعَ اخْتِيَارِهِ قَالَ: فَوَاللهِ مَا أَنْطَقَ اللهُ وَلَدِي بهَذِهِ المَقَالَةِ الَّتِي تُشَاكِلُ قَوْلَ إِسْحَق لإِبْرَاهِيْم (٢) ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ إِلَّا وَقَدْ اخْتَارَهُ اللهُ تَعَالَى لِلْحَظْوَةِ.
تُوُفِّيَ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، وَلَهُ نَحْوَ стр. 490
أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَحَمَلَ أَبُو الوَفَاءِ ﵀ فِي نَفْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الأَلَمِ أَمرًا عَظِيْمًا، وَلكنَّه تَصَبَّرَ، وَلَمْ يَظْهَرْ مِنهُ جَزَعٌ، وَكَانَ يَقُولُ: لَوْلَا أَنَّ القُلُوْبَ تُوْقِنُ بِاجْتِمَاعٍ ثَانٍ لَتَفطَّرَتِ المَرَائِرُ لِفِرَاقِ المَحْبُوبَيْنِ.
وَقَالَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ - وَقَدْ دَخَلَ فِي عَشْرِ التِّسْعِيْنَ، وَذَكَرَ مَنْ رَأَى فِي زَمَانِه مِنَ السَّادَاتِ مِنْ مَشَايِخِهِ وَأَقْرَانِهِ، وَغَيْرِهِمْ -: قَدْ حَمِدْتُ رَبِّي إِذْ أَخْرَجَنِي وَلَمْ يَبْقَ لِي (١) مَرْغُوْبٌ فِيْهِ، فَكَفَانِي صُحْبَةُ التَّأَسُّفِ عَلَى مَا يَفُوْتُ؛ لِأَنَّ التَّخَلُّفَ مَعَ غَيْرِ الأَمْثَالِ عَذَابٌ، وَإِنَّمَا هَوَّنَ فِقْدَانِي للسَّادَاتِ نَظَرِي إِلَى الإِعَادَةِ بِعَيْنِ اليَقِيْنِ، وَثِقَتِي إِلَى وَعْدِ المُبْدِئُ لَهُمْ عَلَى تِلْكَ الأَشْكَالِ وَالعُلُوْمِ أَنْ يَقْنَعَ لَهُمْ مِنْ الوُجُوْدِ بِتِلْكَ الأَيَّامِ اليَسِيْرَةِ، المَشُوْبَةِ بِأَنْوَاعِ التَّنْغِيْصِ وَهُوَ المَالِكُ، وَلَا وَاللهِ، أَقْنَعُ (٢) لَهُمْ إِلَّا بِضِيَافَةٍ تَجْمَعُهُمْ عَلَى مَائِدَةِ تَلِيْقُ بِكَرَمِهِ، نَعِيْمٌ بِلَا ثُبُوْرٍ، وَبَقَاءُ بِلَا مَوْتٍ وَاجْتِمَاعٌ بِلَا فُرْقَةٍ، وَلَذَّاتٌ (٣) بِغَيْرِ نُغْصَةٍ.
٦٨ - المُبَارَكُ بنُ عَلِيِّ (٤) بنِ الحُسَيْنِ بنُ بُنْدَارٍ البَغْدَادِيُّ المَخَرِّمِيُّ، الفَقِيْهُ стр. 491
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 492
القَاضِي، أَبُو سَعْدٍ قَاضِي "بَابِ الأَزَجِ".
وُلِدَ فِي رَجَبَ سَنَةَ سِتٍّ وَأَرْبَعِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ. وَسَمِعَ الحَدِيْثَ مِنَ القَاضِي أَبِي يَعْلَى، وَأَبِي الحُسَيْنِ بنِ المُهْتَدِي، وَأَبِي جَعْفَرِ بنِ المُسِلَمَةِ، وَجَابِرِ بنِ يَاسِيْنَ، وَالصِّرِيْفِيْنِيِّ، وَابْنِ المَأْمُوْنِ، وَابْنِ النَّقُوْرِ. وَسَمِعَ مِنَ القَاضِي أَبِي يَعْلَى شَيْئًا مِنَ الفِقْهِ، ثُمَّ تَفَقَّهَ عَلَى صَاحِبِهِ الشَّرِيْفِ أَبِي جَعْفَرٍ، ثُمَّ القَاضِي يَعْقُوْبَ البَرْزَبِيْنِيِّ. وَأَفْتَى، وَدَرَّسَ، وَنَاظَرَ، وَجَمَعَ كُتُبًا كَثِيْرَةً لَمْ يُسْبَقْ إِلَى جَمْعِ مِثْلِهَا، وَشَهِدَ عِنْدَ أَبِي الحَسَنِ الدَّامَغَانِيِّ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَثَمَانِيْنَ، ثُمَّ
стр. 493
نَابَ فِي القَضَاءِ (١)، وَكَانَ حَسَنَ السِّيرَةِ، جَمِيْلَ الطَّرِيْقَةِ، سَدِيْدَ الأَقْضِيَةِ، وَبَنَى مَدْرَسَةً بِـ "بَابِ الأَزَجِ" ثُمَّ عُزِلَ عَنِ القَضَاءِ فِي سَنَةِ إِحْدَى عَشْرَةَ، وَوُكِّلَ بِهِ فِي الدِّيْوَانِ عَلَى حِسَابِ وُقُوْفِ التُّرَبِ، فَأَدَّى مَالًا.
ثُمَّ تُوُفِّيَ فِي ثَانِي عَشَرَ المُحَرَّمِ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَدُفِنَ إِلَى جَانِبِ أَبِي بَكْرٍ الخَلَّالِ (٢) عِنْدَ رِجْلَي الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁. ذَكَرَ هَذَا كُلَّهُ أَبُو الفَرَجِ فِي "تَارِيْخِهِ". وَقَالَ أَبُو الحُسَيْنِ: تُوُفِّيَ لَيْلَةَ الجُمْعَةِ ثَانِي عَشَرَ المُحَرَّمِ، وَدُفِنَ يَوْمَ الجُمُعَةِ. قَبْلَ الصَّلَاةِ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ. قَالَ: وَكَانَ مَلِيْحَ المُنَاظَرَةِ، سِيْرَتُهُ جَمِيْلَةٌ، وَعِشْرَتُهُ مَلِيْحَةٌ، وَكَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ امْتِزَاجٌ، وَاجْتَمَعْنَا стр. 494
فِي مَجْلِسِ الشَّرِيْفِ لِلدَّرْسِ. غَفَرَ اللهُ لَهُ (١). وَفِي "تَارِيْخِ القُضَاةِ" للْمَنْدَائِيِّ (٢): أَنَّهُ تُوُفِّيَ لَيْلَةَ الأَحَدَ رَابِعَ عَشَرَ مُحَرَّمٍ. وَهُوَ وَهمٌ.
وَ"المُخَرِّمِيُّ" - بِكَسْرِ الرَّاءِ - مَنْسُوبٌ إِلَى "المُخَرَّمِ": مَحِلَّةٌ بِـ "بَغْدَادَ" شَرْقِيِّهَا. نَزَلَهَا بَعْضُ وَلَدِ يَزِيْدِ بنِ المُخَرِّمِ، فَنُسِبَتْ إِلَيْهِ، ذَكَرَهُ المُنْذِرِيُّ (٣).
وَالمَدْرَسَةُ المَذْكُورَةُ الَّتِي بَنَاهَا هِيَ المَنْسُوْبَةُ الآنَ إِلَى تِلْمِيْذِهِ الشَّيْخِ عَبْدِ القَادِرِ الجِيْلِيِّ (٤)؛ لأَنَّهُ وَسَّعَهَا وَسَكَنَ بِهَا (٥) فَعُرِفَتْ بِهِ.
وَلِلْمُخَرِّمِيِّ ذُرِيَّةٌ فِيْهِمْ شُيُوْخُ تَصَوُّفٍ، وَرُؤَسَاءُ ذَوُو وِلَايَاتٍ، وَرُوَاةُ حَدِيْثٍ (٦).
وَلأَبِي سَعْدٍ المَخَرَّمِّيِّ مَعَ ابنِ عَقِيْلٍ مُنَاظَرَةٌ فِي مَسْأَلَةِ بَيْعِ الوَقْفِ إِذَا خَرِبَ وَتَعَطَّلَ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ مَضْمُونَ المُنَاظَرَةِ مُلَخَّصًا (٧):
قَالَ ابنُ عَقِيْلٍ: أَنَا أُخَالِفُ صَاحِبِي فِي هَذِهِ؛ لِدَلِيْلٍ عَرَضَ لِي، وَهُوَ أَنَّ البَاقِيَ بَعْدَ التَّعَطُّلِ وَالدُّرُوْسِ صَالِحٌ لِوُقُوعِ البَيْعِ وَابْتِدَاءِ الوَقْفِ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَصِحُ وَقْفُ هَذِهِ الأَرْضِ العَاطِلَةِ ابْتِدَاءً، فَالدَّوَامُ أَوْلَى، أَلَا تَرَى أَنَّ الرِّدَّةَ وَالعِدَّةَ يَمْنعَانِ ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ، وَلَا يَمْنَعَانِ دَوَامَهُ؟ стр. 495
اعْتَرَضَ عَلَيْهِ المُخَرَّمِيُّ، فَقَالَ: يُحْتَمَلُ أَنْ لَا أُسَلِّمَ مَا عَوَّلْتَ عَلَيْهِ فِي صِحَّةِ إِنْشَاءِ وَقْفِهَا، بَلْ لَا يَصِحُّ وَقْفُ مَا يَجِبُ نَقْلُهُ؟
قَالَ ابنُ عَقِيْلٍ: هَذَا لَا يَجُوْزُ أَنْ يُقَالَ جُمَلَةً، فَإِنَّكَ تَقُوْلُ: تُبَاعُ وَيُصْرَفُ ثمَنُهَا فِي وَقْفٍ آخَرَ، فَهَذِهِ المَالِيَّةُ الَّتِي قَبِلَتِ البَيْعِ، وَهُوَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ مُسْتَأْنَفٌ كَيْفَ لَا يَصْلُحُ لِبَقَاءِ دَوَامِ عَقْدٍ قَدِ انْعَقَدَ بِشُرُوْطِهِ؟! وَأَكْثَرُ مَا يُقَدَّرُ أَنَّ المَسْجِدَ بَقِيَ فِي بَرِّيَّةٍ، فَيَصْلُحُ لِصَلَاةِ المَارَّةِ وَالقَوَافِلِ، وَيَصِحُّ أَنْ يَسْتَأْجَرَ البُقْعَةَ أَهْلُ قَافِلَةٍ لإِيْقَافِ دَوَابِّهِمْ، وَطَرْحِ رِحَالِهِمْ، وَهَذَا القَدْرُ مِنْ بَقَاءِ مَالِيَّةِ الأَصْلِ وَالمَنَافِعِ، وَقُبُوْلَهَا لِلْعُقُوْدِ المُسْتَجِدَّةِ، لَا يَجُوْزُ مَعَهُ قَطْعُ دَوَامِ الوَقْفِ.
قُلْتُ: هَذَا لَيْسَ بِجَوَابٍ؛ لِمَا قَالَهُ المُخَرِّمِيِّ مِنْ مَنْعِ صِحَّةِ إِنْشَاءَ وَقْفِهَا، فَإِنَّ أَكْثَرَ مَا يُفِيْدُ هَذَا: أَنَّ وَقْفِيَّتَهَا لَمْ تَزُلْ بِالخَرَابِ، وَالمُخَرِّمِيُّ مُوَافِقٌ عَلَى ذلِكَ، وَلكنَّهُ يَقُوْلُ: إِنَّهُ يَجُوْزُ أَوْ يَجِبُ بَيْعُهَا وَصَرْفُ ثَمَنِهَا إِلَى مِثْلِهَا، وَهَذَا شَيءٌ آخَرُ، وَلَمْ يَسْتَدِلَّ ابنُ عَقِيْلٍ عَلَى صِحَّةِ إِنْشَاءِ وَقْفِهَا.
فَإِنْ قَالَ: (١) فَإِذَ صَحَّ إِنْشَاءُ عَقْدِ البَيْعِ عَلَيْهَا صَحَّ إِنْشَاءُ الوَقْفِ.
قُلْنَا: هَذَا مَمْنُوعٌ، فَكَمْ مِنْ عَيْنٍ يَصِحُّ بَيْعُهَا، وَلَا يَصِحُّ وَقْفُهَا، فَإِنَّ الوَقْفَ إِنَّمَا يَصِحُّ فِي عَيْنٍ يَدُوْمُ نَفْعُهَا مَعَ بَقَائِهَا، وَلَوْ جَازَ وَقْفُ مَا يَجِبُ بَيْعُهُ وَنَقْلُهُ لَجَازَ (٢) وَقْفُ المَطْعُوْمَاتِ وَنَحْوِهَا، وَتُبَاعُ وَيُصْرَفُ ثَمَنُهَا فِي следующие страницы →