← Тараджим

Тараджим · id 31366

ذيل طبقات الحنابلة - لابن رجب - ت العثيمين

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (2 431 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 492

القَاضِي، أَبُو سَعْدٍ قَاضِي "بَابِ الأَزَجِ". وُلِدَ فِي رَجَبَ سَنَةَ سِتٍّ وَأَرْبَعِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ. وَسَمِعَ الحَدِيْثَ مِنَ القَاضِي أَبِي يَعْلَى، وَأَبِي الحُسَيْنِ بنِ المُهْتَدِي، وَأَبِي جَعْفَرِ بنِ المُسِلَمَةِ، وَجَابِرِ بنِ يَاسِيْنَ، وَالصِّرِيْفِيْنِيِّ، وَابْنِ المَأْمُوْنِ، وَابْنِ النَّقُوْرِ. وَسَمِعَ مِنَ القَاضِي أَبِي يَعْلَى شَيْئًا مِنَ الفِقْهِ، ثُمَّ تَفَقَّهَ عَلَى صَاحِبِهِ الشَّرِيْفِ أَبِي جَعْفَرٍ، ثُمَّ القَاضِي يَعْقُوْبَ البَرْزَبِيْنِيِّ. وَأَفْتَى، وَدَرَّسَ، وَنَاظَرَ، وَجَمَعَ كُتُبًا كَثِيْرَةً لَمْ يُسْبَقْ إِلَى جَمْعِ مِثْلِهَا، وَشَهِدَ عِنْدَ أَبِي الحَسَنِ الدَّامَغَانِيِّ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَثَمَانِيْنَ، ثُمَّ

стр. 493

نَابَ فِي القَضَاءِ (١)، وَكَانَ حَسَنَ السِّيرَةِ، جَمِيْلَ الطَّرِيْقَةِ، سَدِيْدَ الأَقْضِيَةِ، وَبَنَى مَدْرَسَةً بِـ "بَابِ الأَزَجِ" ثُمَّ عُزِلَ عَنِ القَضَاءِ فِي سَنَةِ إِحْدَى عَشْرَةَ، وَوُكِّلَ بِهِ فِي الدِّيْوَانِ عَلَى حِسَابِ وُقُوْفِ التُّرَبِ، فَأَدَّى مَالًا. ثُمَّ تُوُفِّيَ فِي ثَانِي عَشَرَ المُحَرَّمِ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَدُفِنَ إِلَى جَانِبِ أَبِي بَكْرٍ الخَلَّالِ (٢) عِنْدَ رِجْلَي الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁. ذَكَرَ هَذَا كُلَّهُ أَبُو الفَرَجِ فِي "تَارِيْخِهِ". وَقَالَ أَبُو الحُسَيْنِ: تُوُفِّيَ لَيْلَةَ الجُمْعَةِ ثَانِي عَشَرَ المُحَرَّمِ، وَدُفِنَ يَوْمَ الجُمُعَةِ. قَبْلَ الصَّلَاةِ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ. قَالَ: وَكَانَ مَلِيْحَ المُنَاظَرَةِ، سِيْرَتُهُ جَمِيْلَةٌ، وَعِشْرَتُهُ مَلِيْحَةٌ، وَكَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ امْتِزَاجٌ، وَاجْتَمَعْنَا

стр. 494

فِي مَجْلِسِ الشَّرِيْفِ لِلدَّرْسِ. غَفَرَ اللهُ لَهُ (١). وَفِي "تَارِيْخِ القُضَاةِ" للْمَنْدَائِيِّ (٢): أَنَّهُ تُوُفِّيَ لَيْلَةَ الأَحَدَ رَابِعَ عَشَرَ مُحَرَّمٍ. وَهُوَ وَهمٌ. وَ"المُخَرِّمِيُّ" - بِكَسْرِ الرَّاءِ - مَنْسُوبٌ إِلَى "المُخَرَّمِ": مَحِلَّةٌ بِـ "بَغْدَادَ" شَرْقِيِّهَا. نَزَلَهَا بَعْضُ وَلَدِ يَزِيْدِ بنِ المُخَرِّمِ، فَنُسِبَتْ إِلَيْهِ، ذَكَرَهُ المُنْذِرِيُّ (٣). وَالمَدْرَسَةُ المَذْكُورَةُ الَّتِي بَنَاهَا هِيَ المَنْسُوْبَةُ الآنَ إِلَى تِلْمِيْذِهِ الشَّيْخِ عَبْدِ القَادِرِ الجِيْلِيِّ (٤)؛ لأَنَّهُ وَسَّعَهَا وَسَكَنَ بِهَا (٥) فَعُرِفَتْ بِهِ. وَلِلْمُخَرِّمِيِّ ذُرِيَّةٌ فِيْهِمْ شُيُوْخُ تَصَوُّفٍ، وَرُؤَسَاءُ ذَوُو وِلَايَاتٍ، وَرُوَاةُ حَدِيْثٍ (٦). وَلأَبِي سَعْدٍ المَخَرَّمِّيِّ مَعَ ابنِ عَقِيْلٍ مُنَاظَرَةٌ فِي مَسْأَلَةِ بَيْعِ الوَقْفِ إِذَا خَرِبَ وَتَعَطَّلَ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ مَضْمُونَ المُنَاظَرَةِ مُلَخَّصًا (٧): قَالَ ابنُ عَقِيْلٍ: أَنَا أُخَالِفُ صَاحِبِي فِي هَذِهِ؛ لِدَلِيْلٍ عَرَضَ لِي، وَهُوَ أَنَّ البَاقِيَ بَعْدَ التَّعَطُّلِ وَالدُّرُوْسِ صَالِحٌ لِوُقُوعِ البَيْعِ وَابْتِدَاءِ الوَقْفِ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَصِحُ وَقْفُ هَذِهِ الأَرْضِ العَاطِلَةِ ابْتِدَاءً، فَالدَّوَامُ أَوْلَى، أَلَا تَرَى أَنَّ الرِّدَّةَ وَالعِدَّةَ يَمْنعَانِ ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ، وَلَا يَمْنَعَانِ دَوَامَهُ؟

стр. 495

اعْتَرَضَ عَلَيْهِ المُخَرَّمِيُّ، فَقَالَ: يُحْتَمَلُ أَنْ لَا أُسَلِّمَ مَا عَوَّلْتَ عَلَيْهِ فِي صِحَّةِ إِنْشَاءِ وَقْفِهَا، بَلْ لَا يَصِحُّ وَقْفُ مَا يَجِبُ نَقْلُهُ؟ قَالَ ابنُ عَقِيْلٍ: هَذَا لَا يَجُوْزُ أَنْ يُقَالَ جُمَلَةً، فَإِنَّكَ تَقُوْلُ: تُبَاعُ وَيُصْرَفُ ثمَنُهَا فِي وَقْفٍ آخَرَ، فَهَذِهِ المَالِيَّةُ الَّتِي قَبِلَتِ البَيْعِ، وَهُوَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ مُسْتَأْنَفٌ كَيْفَ لَا يَصْلُحُ لِبَقَاءِ دَوَامِ عَقْدٍ قَدِ انْعَقَدَ بِشُرُوْطِهِ؟! وَأَكْثَرُ مَا يُقَدَّرُ أَنَّ المَسْجِدَ بَقِيَ فِي بَرِّيَّةٍ، فَيَصْلُحُ لِصَلَاةِ المَارَّةِ وَالقَوَافِلِ، وَيَصِحُّ أَنْ يَسْتَأْجَرَ البُقْعَةَ أَهْلُ قَافِلَةٍ لإِيْقَافِ دَوَابِّهِمْ، وَطَرْحِ رِحَالِهِمْ، وَهَذَا القَدْرُ مِنْ بَقَاءِ مَالِيَّةِ الأَصْلِ وَالمَنَافِعِ، وَقُبُوْلَهَا لِلْعُقُوْدِ المُسْتَجِدَّةِ، لَا يَجُوْزُ مَعَهُ قَطْعُ دَوَامِ الوَقْفِ. قُلْتُ: هَذَا لَيْسَ بِجَوَابٍ؛ لِمَا قَالَهُ المُخَرِّمِيِّ مِنْ مَنْعِ صِحَّةِ إِنْشَاءَ وَقْفِهَا، فَإِنَّ أَكْثَرَ مَا يُفِيْدُ هَذَا: أَنَّ وَقْفِيَّتَهَا لَمْ تَزُلْ بِالخَرَابِ، وَالمُخَرِّمِيُّ مُوَافِقٌ عَلَى ذلِكَ، وَلكنَّهُ يَقُوْلُ: إِنَّهُ يَجُوْزُ أَوْ يَجِبُ بَيْعُهَا وَصَرْفُ ثَمَنِهَا إِلَى مِثْلِهَا، وَهَذَا شَيءٌ آخَرُ، وَلَمْ يَسْتَدِلَّ ابنُ عَقِيْلٍ عَلَى صِحَّةِ إِنْشَاءِ وَقْفِهَا. فَإِنْ قَالَ: (١) فَإِذَ صَحَّ إِنْشَاءُ عَقْدِ البَيْعِ عَلَيْهَا صَحَّ إِنْشَاءُ الوَقْفِ. قُلْنَا: هَذَا مَمْنُوعٌ، فَكَمْ مِنْ عَيْنٍ يَصِحُّ بَيْعُهَا، وَلَا يَصِحُّ وَقْفُهَا، فَإِنَّ الوَقْفَ إِنَّمَا يَصِحُّ فِي عَيْنٍ يَدُوْمُ نَفْعُهَا مَعَ بَقَائِهَا، وَلَوْ جَازَ وَقْفُ مَا يَجِبُ بَيْعُهُ وَنَقْلُهُ لَجَازَ (٢) وَقْفُ المَطْعُوْمَاتِ وَنَحْوِهَا، وَتُبَاعُ وَيُصْرَفُ ثَمَنُهَا فِي

стр. 496

غَيْرِهَا، ثُمَّ يُقَالُ: إِذَا وَقَفَهَا (١) ابْتِدَاءً وَهِيَ مُتَعَطِّلَةٌ، فَإِنْ كَانَ يُمْكِنُ الانْتِفَاعُ بِهَا فِيْمَا وُقِفَتْ لَهُ كَوَقْفِ أَرْضٍ سَبَاخٍ مَسْجِدًا صَحَّ وَقْفُهَا. فَإِنْ قِيلَ: مَعَ هَذَا يُقَرُّ لِحَالِهِ (٢) وَلَا يُبَاعُ؛ فَلأَنَّهُ لَمْ يُفْقَدْ مِنْهُ شيءٌ مِنْ مَنَافِعِهِ المَوْقُوْفَةِ. بِخِلَافِ المَسْجِدِ العَامِرِ إِذَا خَرِبَ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِن الانْتِفَاعُ بِهَا فِيْمَا وَقَفتْ لَهُ، كَفَرَسٍ زَمِنٍ حُبِسَ لِلجِهَادِ، فَهَذَا كَيْفَ يَصِحُّ وَقْفُهُ وَالمَقْصُودُ مِنْهُ مَفْقُوْدٌ؟ فَإِنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ إِجَارَةِ (٣) أَرْضِ سَبِخَةٍ للزَّرْعِ، وَبَعِيْرٍ زَمَنٍ لِلرُّكُوْبِ، وَإِنْ سَلَّمْنَا صِحَّةَ إِنْشَاءِ وَقْفِهَا، وَأَنَّهَا تُبَاعُ، وَيُصْرَفُ ثَمَنُهَا، فِيْمَا يُنْتَفَعُ بِهِ، كَمَا هُو ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِي مَسْأَلَةِ السُّرُجِ الفِضِّيَّةِ، وَأَفْتَى بِمِثْلِهِ جَمَاعَةٌ فِي وَقْفِ السُّتُوْرِ عَلَى المَسْجِدِ، فَهَذَا حُجَّةٌ لَنَا، لأَنَّ صِحَّةَ الوَقْفِ لَمَّا لَمْ تُنَافِ جَوَازَ البَيْعِ وَالإِبْدَالِ، بَلْ وُجْوْبَهَا فِي الابْتِدَاءِ، فَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُوْنَ فِي الدَّوَامِ. وَقَوْلُهُ: وَهَذَا القَدْرُ مِنْ بَقَاءِ المَالِيَّةِ لَا يَجُوْزُ مَعَهُ قَطْعُ دَوَامِ الوَقْفِ، دَعْوَى مُجَرَّدَةٌ. قَالَ المُخَرِّمِيُّ: فَمَا طُلِبَ بِالنَّقْلِ وَالبَيْعِ إِلَّا دَوَامُ النَّفْعِ، فَإِنَّ نَقْلَ الوَقْفِ إِلَى مَكَانٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَبْقَى للْنَّفْعِ. قَالَ ابنُ عَقِيْلٍ: إِلَّا أَنَّكَ لَمَّا أَسْقَطْتَ حُكْمَ العَيْنِ وَالتَّعِيْينِ، وَذلِكَ إِسْقَاطٌ،

стр. 497

كُمَرَاعَاةِ تَعْيِيْنِ الوَاقِفِ، وَأَحَقُّ النَّاسِ بِمُرَاعَاةِ بَقَايَا المَحَلِّ أَحْمَدُ، حَتَّى إِنَّهُ قَالَ: إِذَا حَلَفَ: لَا دَخَلْتُ هَذَا الحَمَّامِ فَصَارَ (١) مَسْجِدًا وَدَخَلَهُ، أَوْ لَا أَكَلْتُ لَحْمَ هَذَا الجَدْيَ فَصَارَ تَيْسًا، أَوْ هَذَا التَّمْرَ فَاستَحَالَ نَاطِفًا (٢)، أَوْ خَلًّا حَنَثَ بِأَكْلِهِ، فَهَذَا فِي بَابِ الأَيْمَانِ. وَفِي بَابِ المَالِيَّةِ وَالمِلْكِ: تَزُوْلُ المَالِيَّةُ بِمَوْتِ الشَّاةِ، وَشِدَّةِ العَصِيْرِ، وَيَبْقَى تَخْصِيْصُهُ بِهِ بَدْءًا، بِحَيْثُ يَكُوْنُ أَحَقَّ بِالجِلْدِ دَبْغًا وَاسْتِصْلَاحًا، وَبِالخَمْرِ تَخْلِيْلًا فِي رِوَايَةِ، وَكَذلِكَ الجَلَّالَةُ وَالمَاءُ النَّجِسُ. قُلْتُ: الإِمَامُ أَحْمَدُ يُرَاعِي المَعَانِي فِي مَسَائِلِ الأَيْمَانِ، وَمَسْأَلَةِ الوَقْفِ؛ فَإِنَّ الوَاقِفَ إِنَّمَا قَصَدَ بِوَقْفِهِ دَوَامَ الانْتِفَاعَ بِمَا وَقَفَهُ، فَإِذَا تَعَذَّرَ حُصُوْلُ ذلِكَ النَّفْعِ مِنْ تِلْكَ العَيْنِ أَبْدَلْنَاهَا بِغيْرِهَا مِمَّا يَحْصُلُ مِنْهُ ذلِكَ النَّفْعُ، مُرَاعَاةً بِحُصُوْلِ (٣) النَّفْعِ المَوْقُوْفِ وَدَوَامِهِ بِهِ، وَهُوَ المَقْصُوْدُ الأَعْظَمِ لِلْوَاقِفِ،

стр. 498

دُوْنَ خُصُوْصِيَّةِ تِلْكَ العَيْنِ المُعَيَّنَةِ. وَكَذلِكَ الحَالِفُ قَصَدَ الامْتِنَاعَ مِنْ تِلْكَ العَيْنِ المَحْلُوْفِ عَلَيْهَا دُخُوْلًا وَأَكْلًا. وَهَذَا القَصْدُ لَا يَتَغَيَّرُ بِتَبَدُّلِ

стр. 499

صِفَاتِ تِلْكَ العَيْنِ، فَإِنَّ ذَاتَهَا بَاقِيَةٌ. وَهَذَا أَفْقَهُ وَأَحْسَنُ مِمَّا اخْتَارَهُ ابنُ عَقِيْلٍ مِنْ تَعْلِيْقِ الحُكْمِ عَلَى مُجَرَّدِ الاسْمِ، فَرَاعَى العيْنَ فِي صُوْرَةِ الوَقْفِ وَلَمْ يُجِزْ إِبْدَالَهَا، وَإِنْ فَاتَ المَقْصُوْدُ مِنْهَا؛ لِتَعَلُّقِ الوَقْفِ بِهَا، وَرَاعَى الاسْمَ المُعَلَّقَ بِهِ اليَمِيْنِ، فَمَنَعَ الحِنْثَ بِتَبَدُّلِهِ مَعَ بَقَاءِ العَيْنِ، وَوُجُوْدِ المَعْنَى الَّذِي قَصَدَ اجْتِنَابَهُ بِاليَمِيْنِ. وَأَمَّا مَسْأَلَةُ المَيْتَةِ وَالخَمْرِ وَمَا أَشْبَهَهِمَا فَهُنَاكَ عَيْنٌ بَاقِيَةٌ عَلَى اخْتِصَاصِ صَاحِبِهَا وَتَحْتَ يَدِهِ الحُكْمِيَّةِ لِمَا بَقِيَ فِيْهَا مِنَ المَنَافِعِ، فَلِذلِكَ كَانَ أَحَقَّ بِهَا، كَذلِكَ هُنَا العَيْنُ بَاقِيَةٌ عَلَى الوَقْفِيَّةِ، لكِنْ نَحْنُ نَقُوْلُ: يَجُوْزُ إِبْدَالُهَا، وَالمُخَالِفُ لَمْ يَذْكُرْ حُجَّةً عَلَى مَنْعِ ذلِكَ. قَالَ المُخَرِّمِيُّ: لَا يَجُوْزُ أَخْذُ حُكْمِ الدَّوَامِ مِنَ الابْتِدَاءِ، كَمَا لَمْ يَجُزْ فِي بَابِ تَمَلُّكِ القَرِيْبِ ذِي الرَّحْمِ المُحَرِّمِ، وَكَمَا لَمْ يَجُزْ فِي بَابِ تَمَلُّكِ الكَافِرِ العَبْدَ المُسْلِمَ بِالإِرْثِ. فَإِنَّهُ لَا يَدُوْمُ المِلْكُ عَلَى الأَبِ وَلَا عَلَى المُسْلِمِ، وَيَصِحُّ ابْتِدَاءُ المِلْكِ فِيْهِمَا، وَالأُضْحِيَةُ المُعَيَّنَةُ يَجُوْزُ نَقْلُهَا إِلَى مَا هُوَ أَسْمَنُ مِنْهَا، فَيَقْطَعُ الدَّوَامُ بِالإِبْدَالِ. قالَ ابنُ عَقِيْلٍ: أَمَّا مَسْأَلَةُ تَمَلُّكِ ذِي الرَّحْمِ المُحَرَّمِ فَذكَ ضِدُّ مَا نَحْنُ فِيْهِ؛ لأَنَّ ذلِكَ التَّمَلُّكَ جُعِلَ وَسِيْلَةَ الوَسَائِلِ إِلَى الأَغْرَاضِ المَقْصُودَةِ، يُعْفَى فِيْهَا عَنْ خَلَلٍ يَدْخُلُ، وَضَرَرٍ يَحْصُلُ، كَمَا فِي مَسْأَلَةِ النَّجَاسَةِ بِاليَدِ، وَإِزَالَةِ المُحْرِمِ الطِّيْبَ عَنْهُ بِيَدِهِ، فَالتَّمَلُّكُ لِلأَبِ سَبَبٌ لِلْمُجَازَةِ وَالمُكَافَأَةِ الَّتِي نَطَقَ بِهَا الشَّرْعُ، وَهِيَ عِتْقُهُ، وَلَا يُمْكِنُهُ ذلَكَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، فَصَارَ التَّمَلُّكُ ضَرُوْرَةً لِحُرِّيَّتِهِ، إِذْ لَوْ مَلَكَهُ وَدَامَ مُلْكُهُ صَارَ مُكَافَأَةَ الشَّيءِ بِضِدِّهِ؛

стр. 500

لِمَا فِيْهِ مِنْ إِذْلَالِهِ لأَبِيْهِ، وَالمَطْلُوْبُ مُكَافَأَتُهُ بِالإِعْتَاقِ وَالإِطْلَاقِ، وَاغْتُفِرَ دُخُولُهُ فِي مِلْكِهِ لَحْظَةً؛ لِمَا يَعْقُبُهُ مِنَ العِزِّ الدَّائِمِ، فَهَذِهِ عِلَّةُ انْقِطَاعِ الدَّوَامِ هُنَاكَ، وَهُوَ ضِدُّ مَا نَحْنُ فِيْهِ، فَإِن المَوْقُوْفَ مَوْضُوعٌ لِدَوَامِ الانْتِفَاعِ، وَلِهذَا لَا يَصِحُّ إِلَّا فِي مَحَلٍّ يَبْقَى عَلَى الدَّوَامِ. وَأَمَّا الأُضْحِيَةُ فَمَنِ الَّذِي أَخْبَرَكَ أَنِّي أَنْصُرُ مَذْهَبَ أَحْمَدَ وَأَبِي حَنِيْفَةَ، حَتَّى يَلْزَمُنِي إِبْدَالُهَا بِخَيْرٍ مِنْهَا، عَلَى أَنَّهَا انْقَطَعَتْ لِجَوَازِ المُشَارَكَةِ بِالثُّلُثِ أَكْلًا لِلْمُضَحِّي، وَإِهْدَاءً لِثُلُثِهَا، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا، فَهَهُنَا إِبْدَالُ قَلِيْلَةِ الانْتِفَاعِ بِأَنْفَعَ مِنْهَا لَا يَجُوْزُ، فَالأَمْرَانِ مُخْتَلِفَانِ. وَاللهُ أَعْلَمُ. قُلْتُ: كَانَ المُخَرِّمِيُّ رَجَعَ مَعَهُ عَلَى وَجْهِ التَّنَزُّلِ إِلَى أَنَّ الوَقْفَ المُعَطَّلَ وَإِنْ صَحَّ ابْتِدَاؤُهُ فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ صِحَّةَ دَوَامِهِ، كَشِرَاءِ ذِيْ الرَّحِمِ. فَاسْتَطَالَ ابنُ عَقِيْلٍ عَلَيْهِ، وَقَالَ: المَقْصُوْدُ مِنْ شِرَاءِ ذِي الرَّحِمِ قَطْعُ الدَّوَامِ، بِخِلَافِ الوَقْفِ، وَلكِنْ لَا حَاجَةَ إِلَى مَا ذَكَرَهُ المُخَرِّمِيُّ هُنَا؛ فَإِنَّ التَّحْقِيْقَ فِي ذلِكَ مَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ أَنَّ العَيْنَ المُعَطَّلَةَ إِنْ كَانَ يُمْكِنُ الانْتِفَاعَ بِهَا عَلى وَجْهٍ مَا صَحَّ وقْفُهَا ابْتِدَاءً وَدَوَامًا، لكِنْ فِي الدَّوَامِ تُبْدَلُ، وَإِنْ لَمْ تُبْدَلْ فِي الابْتِدَاءِ؛ لِمَا سَبَقَ مِن الفَرْقِ، وَفِي المَوْضِعَيْنِ الوَقْفُ صَحِيْحٌ، لكِنَّ جَوَازَ الإِبْدَالِ أَوْ وُجُوْبَهُ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى صِحَّةِ الوَقْفِ، وَلَمْ يَذْكُرِ ابنِ عَقِيْلٍ دَلِيْلًا عَلَى امْتِنَاعِهِ، وَأَمَّا إِنْ كَانَتِ العَيْنُ مَسْلُوْبَةَ النَّفْعِ بِالكُلِّيَّةِ فَهَذِهِ لَا يَصِحُّ وَقْفُهَا ابْتِدَاءً وَلَا دَوَامًا، بَلْ تَخْرُجُ بِذلِكَ عَنِ الوَقْفِيَّةِ، وَإِنْ سُلِّمَ صِحَّةُ بَقَائِهَا عَلَى الوَقْفِيَّةِ فِي الدَّوَامِ - وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الأَصْحَابِ - فَلِأَنَّهُ يَفْتَقِرُ فِي

стр. 501

الدَّوَامِ مَا لَا يَفْتَقِرُ فِي الابْتِدَاءِ. وَأَمَّا الأُضْحِيَةُ وَتَفْرِيْقُهُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الوَقْفِ بِالمُشَارَكَةِ فِيْهَا دُوْنَ الوَقْفِ: فَالَوَقْفُ أَيْضًا قَد يَدْخُلُهُ المُشَارَكَةُ، بِأَنْ يَقِفَ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ يَقِفَ مَسْجِدًا وَيُصَلِّي فِيْهِ مَعَ النَّاسِ، وَنَحْوِ ذلِكَ. وَأَمَّا تَفْرِيْقُهُ بِجَوَازِ الإِبدَالِ فِي الأُضْحِيَةِ بِأَنْفَعَ مِنْهَا دُوْنَ الوَقْفِ، فَيُقَالُ: وَالوَقْفُ فِيْهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ بِجَوَازِ الإبْدَالِ كَالأُضْحِيَةِ، فَلِمَنْ نَصَرَ هَذَا القَوْلَ أَنْ يَنْتَصِرَ لِهَذِهِ، فَلَا يَبْقَى بَيْنَهُمَا فَرْقٌ. وَاللهُ أَعْلَمُ. ٦٩ - مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَد (١) بنِ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَد بنِ الغَازِيْ البَدْلِيْسِيُّ، أَبُو الحَسَنِ، أَحَدُ الفُقَهَاءِ الأَعْيَانِ. اشْتَغَلَ قَدِيْمًا عَلَى أَبِي الحَسَنِ الآمِدِيِّ (٢) بـ "آمِدَ"، وَلَازَمَهُ وَتَفَقَّهَ عَلَيْهِ، وَسَمِعَ مِنْهُ الحَدِيْثَ، وَبَرَعَ فِي الفِقْهِ. وَقَدْ ذَكَرَهُ القَاضِي أَبُو الحُسَيْنِ فِي تَرْجَمَةِ شَيْخِهِ أَبِي الحَسَنِ (٣)، وأَشْغَلَ (٤) النَّاسَ، وَتَفَقَّهَ عَلَيْهِ طَائِفَةٌ، وأَظُنُّهُ قَدِيْمَ الوَفَاةِ.

стр. 502

قَرَأْتُ بِخَطِّ شَيْخِ الإسْلَامِ أَبِي العَبَّاسِ بنِ تَيْمِيَّةَ قَالَ: نَقَلْتُ مِنْ خَطِّ شَيْخِنَا يَحْيَى بنِ الصَّيْرَفِيِّ الحَرَّانِيِّ (١) قَالَ: ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ الحَسَنُ بنُ عَلِيِّ بنِ سَلَامَةَ الحَرَّانِيُّ (٢) فِيْمَا عَلَّقَهُ عَنِ الشَّيْخِ أَبِي الحَسَنِ بنِ الغَازِيْ، فَقَالَ: وَإِذَا وَقَعَ الإنَاءُ الَّذِي أَصَابَهُ الوُلُوْغ فِي مَاءٍ كَثيْرٍ، فَهُوَ غَسْلَةٌ واحِدَةٌ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ أَصْحَابِنَا، سَوَاءً أَكَانَ وَاقِفًا أَوْ (٣) جَارِيًا، وَلَا يُعْتَبَرُ لِكُلِّ غَسْلَةٍ جَرْيَةٌ، قَالَ: وَيُحْتَمَلُ وَجْهًا آخَرَ وَهُوَ أَنْ يَكُوْنَ وُقُوْعُهُ فِي المَاءِ الوَاقِفِ يُحْتَسَبُ بِهِ غَسْلَةٌ وَاحِدَةٌ، وَفِي المَاءِ الجَارِي يُحْتَسَبُ بِكُلِّ جَرْيَةٍ غَسْلَةٌ، وَكِلا الوَجْهَيْنِ مُحْتَمَلَانِ، قَالَ: وَذَكَرَ إِذَا مَاتَ فِي المَاءِ مَا لَيْسَتْ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ، فَإِنَّهُ لَا يَنْجَسُ مَا مَاتَ فِيْهِ مِنَ المَاءِ اليَسِيْرِ وَالكَثِيْرِ وَالمَائِعِ عَلَى الظَّاهِرِ مِنَ المَذْهَبِ. قَالَ: وَفِيْهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ يَنْجَسُ مَا مَاتَ فِيْه، وَالأَوَّلُ أَصَحُّ. ٧٠ - الحُسَيْنُ (٤) بنُ مُحمَّدٍ العُكْبُريُّ، (٥)، أَبُو المَوَاهِبِ، أَحَدُ الفُقَهَاءِ الأَكَابِرِ،

стр. 503

وَلَهُ تَصَانِيْفٌ فِي المَذْهَبِ أَظُنُّهُ مِنْ أَصْحَابِ القَاضِي - أَوْ أَصْحَابِهِ القُدَمَاءِ - وَوَقَفْتُ لَهُ عَلَى "رُءُوْسِ المَسَائِلِ" (١) وَهِيَ مُنْتَخَبَةٌ مِنَ "الخِلَافِ الكَبِيْرِ" عَلَى طَرِيْقِ أَبِي جَعْفَرٍ، وَأَبِي الخَطَّابِ. وقَدْ رَوَى عَنْ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ اللهِ بِنِ أَحْمَدَ بنِ عَبْدِ اللهِ الخَيَّاطِ العُكْبَرِيِّ (٢) المُقْرِئِ حَدِيْثًا. وَرَوَى عَنْهُ نَصْرٌ المَقْدِسِيُّ (٣). وَشَيْخُهُ العُكْبَرِيُّ هَذَا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ ابنِ بَطَّة (٤) فَقِيْهًا. مَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلَاثِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ. ذَكَرَهُ ابنُ البَنَّاءِ فِي "طَبَقَاتِ الفُقَهَاءِ". وَرِوَايَةُ نَصْرٍ المَقْدِسِيِّ عَنْ أَبِي المَوَاهِبِ تَدُلُّ عَلَى تَقَدُّمِ وَفَاتِهِ.

стр. 504

٧١ - أَبُو عَلِيِّ بنُ شِهَابٍ العُكْبَريُّ (١) صَاحِبُ كِتَابِ "عُيُوْنِ المَسَائِلِ"، مُتَأَخِّرٌ. وَنَقَلَ مِنْ كَلَامِ القَاضِي، وَأَبِي الخَطَّابِ كَأَنَّهُ مِنْ وَلَدِ ابنِ شِهَابٍ المُتَقَدِّمِ، مَا وَقَفتُ لَهُ عَلَى تَرْجَمَةٍ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَظُنُّهُ الحَسَنُ بنُ شِهَابٍ الكَاتِبُ، الفَقِيْهِ، صَاحِبُ ابنِ بَطَّةَ، وَهُوَ خَطَأٌ عَظِيْمٌ. ٧٢ - عَبْدُ الوَهَّابِ بنُ حَمْزَةَ (٢) بنِ عُمَرَ البَغْدَادِيُّ، الفَقِيْهُ المُعَدَّلُ، أَبُو سَعْدٍ، وُلِدَ فِي أَحَدِ الرَّبِيْعَيْنِ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، وَسَمِعَ مِن ابنِ النَّقُّوْرِ، وَالصِّرِيْفِيْنِيِّ، وَأَبِي القَاسِمِ بنِ البُسْرِيِّ، وَأَبِي عَبْدِ اللهِ الحُمَيْدِيِّ، وَتَفَقَّهَ عَلَى أَبِي الخَطَّابِ، وَأَفْتَى، وَبرَعَ فِي الفِقْهِ، وَشَهِدَ عِنْدَ قَاضِي القُضَاةِ أَبِي الحَسَنِ بنِ الدَّامَغَانِيِّ، وَكَانَ مَرْضِيَّ الطَّرِيْقَةِ، جَمِيْلَ السِّيْرَةِ، مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَهُوَ شَيْخُ أَبِي حَكِيْمٍ النَّهْرَاوِنِيِّ، الَّذِي تَفَقَّهَ عَلَيْهِ، وَرَوَى عَنْهُ حِكَايَةً، وَلَمْ

стр. 505

يُحدِّثْ إلَّا باليَسِيْرِ (١).

стр. 506

تُوُفِّيَ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ ثَالِثَ شَعْبَانَ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَدُفِنَ بِمَقْبَرةِ الإمَامِ أَحْمَدَ ﵁. ٧٣ - مُحَمَّدُ بنُ عَلِيِّ (١) بنِ عُبَيْدِ اللهِ بنِ الدَّنِفِ البَغْدَادِيُّ المُقْرِئُ الزَّاهِدُ،

стр. 507

أَبُو بَكْرٍ، وُلِدَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِيْنَ وأَرْبَعِمَائَةَ. وَسَمِعَ الحَدِيْثَ مِن ابنِ المُسْلِمَةِ، وَابنِ المُهتَدِيْ، وَالصِّرِيْفِيْنِيِّ، وَابنِ المَأْمُوْنِ، وَابنِ النَّقُّوْرِ، وَطَبَقَتِهِمْ. وَتَفَقَّهَ عَلَى الشَّرِيْفِ أَبِي جَعْفَرٍ، وَحَدَّثَ بِشَيْءٍ يَسِيْرٍ. سَمِعَ مِنْهُ ابنُ نَاصِرٍ، وَرَوَى عَنْهُ المُبَارَكُ بنُ خُضَيْرٍ، وَذَاكِرُ بنُ كَامِلٍ، وَابنُ بَوْشٍ وَغَيْرُهُم، وَكَانَ مِنَ الزُّهَّادِ الأَخْيَارِ، وَمِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، انْتَفَعَ بهِ خَلْقٌ كَثِيْرٌ. ذَكَرَهُ ابنُ الجَوْزِيِّ. وَقَالَ ابنُ النَّجَّارِ: كَانَ مَشْهُوْرًا بالصَّلَاحِ وَالدِّيْنِ، دَرَسَ الفِقْهَ عَلَى الشَّرِيْفِ أَبِي جَعْفَرٍ، وَصَحِبَهُ، وانْتَفَعَ بِهِ جَمَاعَةٌ قَرَأُوا عَلَيْهِ، وَعَادَتْ عَلَيْهِمْ بَرَكَتُهُ. تُوُفِّيَ يَوْمَ الاثْنَيْنِ سَابِعَ شَوَّالٍ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ بِـ "بَابِ حَرْبٍ" ﵀. وَ"الدَّنِفُ": بِفَتْحِ الدَّالِ المهْمَلَةِ، وَكَسْرِ النُّوْنِ، وآخرُهُ فَاءٌ. قَيَّدَهُ ابنُ نُقْطَةَ الحَافِظُ وَغَيْرُهُ. ٧٤ - مُحَمَّدُ بنُ أحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ (١) بنِ الحَسَنِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ بنِ دَاوُدَ

стр. 508

الأَصْبَهَانِيُّ، أَبُو سَعْدِ بنِ أَبِي العَبَّاسِ، وَيُعْرَفُ بِـ "الخَيَّاطِ"، مِنْ أَهْلِ "أَصْبَهَانَ"، قَدِمَ "بَغْدَادَ"، وَاسْتَوْطَنَهَا مُدَّةً طَوِيْلَةً، وَسَمِعَ مِنْ مَشَايِخِهَا، وَانْتَخَبَ، وَعَلَّقَ، وَكَتَبَ بِخَطِّهِ كَثيْرًا، وَحَصَّلَ الأُصُوْلَ وَالنُّسَخَ، وَجَمَعَ شَيْئًا كَثِيْرًا جِدًّا مِنَ الحَدِيْثِ وَالفِقْهِ، وَنَفَذَهُ إِلَى "أَصْبَهَانَ" وَأَدْرَكَهُ أَجَلُهُ بِـ "بَغْدَادَ". حَدَّثَ بِـ "بَغْدَادَ" عَن أَبِي القَاسِم بنِ مَنْدَه إِجَازَةً، وَعَنْ غَيْرِهِ سَمَاعًا. كَتَبَ عَنْهُ ابنُ عَامِرٍ العَبْدَرِيِّ، وَابنِ نَاصِرٍ، وَخَطُّهُ حَسَنٌ. قَالَ ابنُ النَّجَّارِ: وَكَانَ مِنْ أَهْلِ السُّنُّةِ المُحَقِّقِيْنَ المُبَالِغِيْنَ المُتَشَدِّدِيْنَ، ظَاهِرَ الصَّلَاحِ، قَلِيْلَ المُخَالَطَةِ للنَّاسِ، كَانَ حَنْبَلِيًّا مُتَعَصِّبًا لِمَذْهَبِهِ، مُتَشَدِّدًا فِي ذلِك. تُوُفِّيَ يَوْمَ الخَمِيْسِ سَادِسَ عِشْرِي (١) ذِي الحِجَّة سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَدُفِنَ

стр. 509

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 510

بِـ "بَابِ حَرْبٍ"، وَلَمْ يُخَلِّفْ وَارِثًا؛ لأنَّهُ لَمْ يَتَزَوَّجْ قَطٌّ ﵀. ٧٥ - عَلِيُّ بنُ المُبَارَكِ (١) بنِ عَلِيِّ بنِ الفَاعُوْسِ البَغْدَادِيُّ، الإسْكَافُ،

стр. 511

المُقْرِئُ، الزَّاهِدُ، أَبُو الحَسَنِ، سَمِعَ مِنَ القَاضِي أَبِي يَعْلَى، وَأَبِي مَنْصُوْرٍ عَبْدِ البَاقِي بنِ مُحَمَّد بنِ غَالِبٍ العَطَّارِ وَغَيْرِهِمَا، وَصَحِبَ الشَّرِيْفَ أَبَا جَعْفَرٍ، وَكَانَ مَشْهُوْرًا بِالزُّهْدِ، وَالوَرَعِ، وَالتَّقَشُّفِ، وَحُسْنِ الطَّرِيْقَةِ، لِلْخَلْقِ فِيْهِ اعْتِقَادٌ عَظِيْمٌ. وَذَكَرَ ابنُ نَاصِرٍ: أَنَّهُ كَانَ أَزْهَدَ النَّاسِ فِي عَصْرِهِ، وَكَانَ يَقْرَأُ يَوْمَ الجُمُعَةِ عَلَى النَّاسِ أَحَادِيْثَ قَدْ جَمَعَهَا بِغَيْرِ أَسَانِيْدَ. قَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: حَدَّثَنِي أَبُو حَكِيْمٍ النَّهْرَوَانِيُّ (١) قَالَ: كَانَ ابنُ الفَاعُوْسِ إِذَا صَلَّى الجُمُعَةَ جَلَسَ يَقْرَأُ عَلَى أَصْحَابِهِ الحَدِيْثَ، فَيَأْتِي سَاقِي المَاءَ فَيَأْخُذَ مِنْهُ فَيَشْرَبَ؛ لِيُرِيَهُمْ أَنَّهُ مُفْطِرٌ، وَرُبَّمَا صَامَهَا فِي بَعْضِ الأَيَّامِ. وَكَانَ ابنُ الفَاعُوْسِ يَتَوَرَّعُ (٢) عَنِ الرِّوَايَةِ، وَحَدَّثَ، وَسَمِعَ مِنْهُ أَبُو المُعَمَّرِ

стр. 512

الأَنْصَارِيُّ، وَأَبُو القَاسِمِ بنُ عَسَاكِرٍ الحَافِظُ. وَقَالَ: كَانَ أَبُو القَاسِمِ بنُ السَّمَرْقَنْدِيُّ يَقُوْلُ: إِنَّ أَبَا بَكْرِ بنِ الخَاضِبَةِ كَانَ يُسَمِّي ابنَ الفَاعُوْسِ الحَجَرِيَّ؛ لأنَّهُ كَانَ يَقُوْلُ: الحَجَرُ الأَسْوَدُ يَمِيْنُ اللهِ حَقِيْقَةً. قُلْتُ (١): إِنْ صَحَّ عَنِ ابنِ الفَاعُوْسِ أَنَّهُ كَانَ يَقُوْلُ: الحَجَرُ الأَسْوَدُ يَمِيْنُ اللهِ حَقِيْقَةً، فَأَصْلُ ذلِكَ: أَنَّ طَائِفَةً مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ نَفَوْا وُقُوْعَ المَجَازِ فِي القُرْآنِ، وَلكِنْ لَا يُعْلَمُ مِنْهُمْ مَنْ نَفَى المَجَازَ فِي اللُّغَةِ، كَقَوْلِ أَبِي إِسْحَقَ الإسْفِرَائِيْنِيِّ (٢). وَلكِنْ قَدْ يَسْمَعُ بَعْضُ صَالِحِيْهِمْ إِنْكَارَ المَجَازِ في القُرْآنِ، فَيَعْتَقِدُ إِنْكَارَهُ مُطْلَقًا. وَيُؤَيِّدُ ذلِكَ: أَنَّ المُتَبَادِرَ إِلَى فَهْمِ

стр. 513

أَكْثَرِ النَّاسِ مِنْ لَفْظِ الحَقِيْقَةِ وَالمَجَازِ: المَعَانِي وَالحَقَائِقُ دُوْنَ الألْفَاظِ. فَإِذَا قِيْلَ: إِنَّ هَذَا مَجَازٌ فَهِمُوا أَنَّهُ لَيْسَ تَحْتَهُ مَعَنًى، وَلَا لَهُ حَقِيْقَةٌ، فَيُنْكِرُوْنَ ذلِكَ، وَيَنْفُرُوْنَ مِنْهُ، وَمَنْ أَنْكَرَ المَجَازَ مِنَ العُلَمَاءِ فَقَدْ يُنْكِرُ إِطْلَاقَ اسْمِ المَجَازِ؛ لِئَلَّا يُوْهِمَ هَذَا المَعْنَى الفَاسِدَ، وَيَصِيْرَ ذَرِيْعَةً لِمَنْ يُرِيْدُ جَحْدَ حَقَائِقِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمَدْلُوْلَاتِهِمَا، وَيَقُوْلُ: غَالِبُ مَنْ تَكَلَّمَ بالحَقِيْقَةِ وَالمَجَازِ هُمُ المُعْتَزِلَةُ وَنَحْوُهُمْ مِنْ أَهْلِ البِدَعِ، وَتَطَرَّقُوا بِذلِكَ إِلَى تَحْرِيْفِ الكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ، فَيُمْنَعُ مِنَ التَّسْمِيَةِ بِالمَجَازِ، وَيَجْعَلُ جَمِيْعَ الأَلْفَاظِ حَقَائِقَ، وَيَقُوْلُ: اللَّفْظُ إِنْ دَلَّ بِنَفْسِهِ فَهُوَ حَقِيْقَةٌ لِذلِكَ المَعْنَى، وَإِنْ دَلَّ بِقَرِيْنَةٍ فَدِلَالَتُهُ بِالقَرِيْنَةِ حَقِيْقَةٌ لِلْمَعْنَى الآخَرِ، فَهُوَ حَقِيْقَةٌ فِي الحَالَيْنِ، وَإِنْ كَانَ المَعْنَى المَدْلُوْلُ عَلَيْهِ مُخْتَلِفًا فَحِيْنَئِذٍ يُقَالُ: لَفْظُ اليَمِيْنِ فِي قَوْلِهِ : (١) ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ حَقِيْقَةٌ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى الصِّفَةِ الذَّاتِيَّةِ، وَلَفْظُ اليَمِيْنِ فِي الحَدِيْثِ المَعْرُوْفِ: "الحَجَرُ الأَسْوَدُ يَمِيْنُ اللهِ فِي الأَرْضِ، فَمَنْ صَافَحَهُ فَكَأَنَّمَا صَافَحَ اللهَ" (٢). وَقِيْلَ: يَمِيْنُهُ يُرَادُ بِهِ - مَعَ هَذِهِ القَرَائِنِ المُحْتَفَّةِ بِهِ - مَحَلُّ الاسْتِلَامِ وَالتَّقْبِيْلِ، وَهُوَ حَقِيْقَةٌ فِي هَذَا المَعْنَى فِي هَذِهِ الصُّوْرَةِ، وَلَيْسَ فِيْهِ مَا يُوْهِمُ الصِّفَةَ الذَّاتِيَّةَ أَصْلًا، بَلْ دِلَالَتُهُ عَلَى مَعْنَاهُ الخَاصِّ قَطْعِيَّةٌ، لَا تَحْتَمِلُ النَّقِيْضَ بِوَجْهٍ، وَلَا تَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيْلٍ وَلَا غَيْرِهِ.

стр. 514

وَإِذَا قِيْلَ: فَابنُ الفَاعُوْسِ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ هَذَا الشَّأْنِ؛ أَعْنِي: البَحْثَ عَنْ مَدْلُوْلَاتِ الألْفَاظِ؟ قيْلَ: وَلَا ابنُ الخَاضِبَةِ كَانَ مِنْ أَهْلِهِ (١)، وَإِنْ كَانَ مُحَدِّثًا، وَإِنَّمَا سَمِعَ مِنِ ابْنِ الفَاعُوْسِ، أَوْ بَلَغَهُ عَنْهُ إِنْكَارُ أَنْ يَكُوْنَ هَذَا مَجَازًا؛ لِمَا سَمِعَهُ مِنْ إِنْكَارِ لَفْظِ المَجَازِ فَحَمَلَهُ السَّامِعُ لِقُصُوْرِهِ، أَوْ لِهَوَاهُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ حَقِيْقَةً لَزِمَ أَنْ يَكُوْنَ هُوَ يَدُ الرَّبِّ ، الَّتِي هِيَ صِفَتُهُ، وَهَذَا بَاطِلٌ. وَاللهُ أَعْلَمُ.

стр. 515

تُوُفِّيَ ابنُ الفَاعُوْسِ لَيْلَةَ السَّبْتِ تَاسِعَ عَشَرَ شَوَّالٍ - وَقِيْلَ: العِشْرِيْنَ مِنْهُ، وَالأَوَّلُ أَصَحُّ - سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ مِنَ الغَدِ بِجَامِعِ القَصْرِ، وَدُفِنَ قَرِيْبًا مِنْ قَبْرِ الإمَامِ أَحْمَدَ ﵁، وَكَانَ ذلِكَ يَوْمًا مَشْهُوْدًا، غُلِّقَتْ فِيْهِ أَسْوَاقُ "بَغْدَادَ" وَكَانَ أَهْلُ "بَغْدَادَ" يَصِيْحُوْنَ فِي جَنَازَتِهِ: هَذَا يَوْمٌ سُنِّيٌّ حَنْبَلِيٌّ، لَا قُشَيْرِيٌّ وَلَا أَشْعَرِيٌّ، وَكَانَ حَيْنَئِذٍ بِـ "بَغْدَادَ" أَبُو الفَرَجِ (١) الإِسْفِرَائِيْنِيُّ الوَاعِظُ، وَكَانَ العَوَامُّ قَدْ رَجَمُوْهُ غَيْرَ مَرَّةٍ فِي الأَسْوَاقِ، وَرَمَوا عَلَيْهِ المَيْتَاتُ، فَأَظْهَرُوا فِي ذلِكَ اليَوْمِ لَعْنَهُ وَسَبَّهُ، فَبَلَغَ ذلِكَ المُسْتَرْشِدَ، فَمَنَعَهُ مِنَ الوَعْظِ، وَأَمَرَهُ بِالخُرُوْجِ مِنْ "بَغْدَادَ" (٢) وَظَهَرَ فِي ثَانِي يَوْمٍ عِنْدَ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ كَرَارِيْسَ فِيْهَا مَا يَتَضَمَّنُ الاسْتِخْفَافَ

стр. 516

بِالقُرْآنِ، فَطِيْفَ بِهِ البَلَدُ، وَنُوْدِيَ عَلَيْهِ، وَهَمَّتِ العَامَّةُ بِإِحْرَاقِهِ (١)، وَظَهَرَ الشَّيْخُ عَبْدُ القَادِرِ، وَجَلَسَ لِلْوَعْظِ [، وَعَكَفَ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَانْتَصَرَ بِهِ أَهْلُ السُّنَّةِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى. ٧٦ - مُوْسَى بنُ أَحْمَدَ] (٢) بنِ مُحَمَّدٍ النَّشَادِرِيُّ (٣)، الفَقِيْهُ، أَبُو القَاسِمِ. كَانَ يَذْكُرُ أَنَّهُ مِنْ أَوْلَادِ أَبِي ذَرٍ الغِفَارِيُّ ﵁. سَمِعَ الحَدِيْثَ الكَثِيْرَ، وَقَرَأَ بِالرِّوَايَاتِ، وَتَفَقَّهَ عَلَى أَبِي الحَسَنِ بنِ الزَّاغُوْنِيِّ (٤)، وَنَاظَرَ. قَالَ ابنُ الجَوْزِيُّ: رَأَيْتُهُ يَتَكَلَّمُ كَلَامًا حَسَنًا. تُوُفِّيَ رَابِعَ رَجَبٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِيْنَ وَخَمْسِمَائَة، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ الإمَامِ أَحْمَدَ بِـ "بَابِ حَرْبٍ" رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، وَقَالَ غَيْرُهُ: تُوُفِّيَ لَيْلَةَ الخَمِيْسِ خَامسَ رَجَبٍ، وَذَكَرَ ابنُ القَطِيْعِيِّ: أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ أَبِي مَنْصُوْرٍ الخَازِنِ، وَأَنَّهُ كَمَّلَ "التَّعْلِيْقَةَ" وَنَاظَرَ، وَتَبَصَّرَ في المَذْهَبِ.

стр. 517

قُلْتُ: أَظُنُّهُ مَاتَ شَابًّا؛ (١) فَإِنَّ شَيْخَهُ ابْنَ الزَّاغُوْنِيِّ عَاشَ بَعْدَهُ مُدَّةً.

стр. 518

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 519

٧٧ - مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدِ (١) بنِ الحُسَيْنِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ الفَرَّاءِ، القَاضِي الشَّهِيْدُ، أَبُو الحُسَيْنِ، ابنِ شَيْخِ المَذْهَبِ، القَاضِي أَبِي يَعْلَى.

стр. 520

وُلِدَ لَيْلَةَ نِصْفِ شَعْبَانَ سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ. وَقَرَأَ بِبَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الخَيَّاطِ (١)، وَسَمِعَ الحَدِيْثَ مِنْ أَبِيْهِ، وَعَبْدِ الصَّمَدِ بنِ المَأْمُوْنِ، وَأَبَوي الحُسَيْنِ بنِ المُهْتَدِيْ، وَابْنِ النَّقُّوْرِ، وَأَبِي بَكْرٍ الخَطِيْبِ، وَالعَاصِمِيِّ، وَطَبَقَتِهِمْ. وَتُوُفِّيَ وَالِدُهُ وَهُوَ صَغِيْرٌ (٢)، فَتَفَقَّهَ عَلَى الشَّرِيْفِ أَبِي جَعْفَرٍ، وَبَرَعَ فِي الفِقْهِ، وَأَفْتَى، وَنَاظَرَ، وَكَانَ عَارِفًا بِالمَذْهَبِ، مُتَشَدِّدًا فِي السُّنَّةِ، وَلَهُ تَصَانِيْفُ كَثِيْرَةٌ فِي الفُرُوْعِ وَالأُصُوْلِ، وَغَيْرِ ذلِكَ، مِنْهَا:

стр. 521

"المَجْمُوْعُ فِي الفُرُوْعِ" "رُؤوْسُ المَسَائِلِ" "المُفْرَدَاتِ فِي الفِقْهِ" "التَّمَامُ لِكِتَابِ الرِّوَايَتَيْنِ وَالوَجْهَيْنِ" (١) الَّذِي لأَبِيْهِ "المُفْرَدَاتُ فِي أُصُوْلِ الفِقْهِ" "طَبَقَاتُ الأَصْحَابِ" (٢) "إِيْضاحُ الأَدِلَّةِ فِي الرَّدِّ عَلَى الفِرَقِ الضَّالَّةِ المُضِلَّةِ" "الرَّدُّ عَلَى زَائِغِي الاعْتِقَادَاتِ فِي مَنْعِهِمْ مِنْ سَمَاعِ الآيَاتِ" "شَرَفُ الاتِّبَاعِ وَسَرَفُ الابْتِدَاعِ" "تَنْزِيْهُ مُعَاوِيَةَ بنِ أَبِي سُفْيَان" "المُقْنِعُ فِي النِّيَّاتِ" "المِفْتَاحُ فِي الفِقْهِ". وَقَرَأَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمُ: الشَّيْخُ عَبْدُ المُغِيْثِ الحَرْبِيِّ، وَغَيْرُهُ. وَحَدَّثَ، وَسَمِعَ مِنْهُ خَلْقٌ كَثِيْرٌ مِنَ الأَصْحَابِ وَغَيْرِهِمْ، مِنْهُمْ: ابنُ نَاصِرٍ، وَمَعْمَرُ بنُ الفَاخِرِ، وَابنُ الخَشَّابِ، وَأَبُو الحُسَيْنِ البَرَانْدَسِيُّ الفَقِيْهُ، وَالجُنَيْدُ بنُ يَعْقُوْبَ الجِيْلِيُّ الفَقِيْهُ، وَحَدَّثَا عَنْهُ، وَعَبْدُ الغَنِيِّ بنُ الحَافِظِ أَبِي العَلَاءِ الهَمَذَانِيِّ، وَأَبُو نُجَيْحٍ مَحْمُوْدُ بنُ أَبِي المُرَجَّى الأصْبَهَانِيُّ الحَنْبَلِيُّ، وَعَبْدُ الوَهَّابِ بنُ أَبِي حَبَّةَ (٣)، وَيَحْيَى بنُ بَوْشٍ، وَحَدَّثَ عَنْهُ أَيْضًا: عَلِيُّ بنُ المُرَجِّبِ البَطَائِحِيُّ، وَالمُبَارَكُ بنُ الطَّبَّاخِ، وَابْنُ الخُرَيْفِ، وَابنُ عَسَاكِرٍ الحَافِظُ، وَبالإِجَازَةِ أَبُو مُوْسى المَدِيْنِيُّ، وَابْنُ كُلَيْبٍ. وَكَانَ للقَاضِي أَبِي الحُسَيْنِ بَيْتُ في دَارِهِ بِـ "بَابِ المَرَاتِبِ" يَبِيْتُ فِيْهِ

стр. 522

وَحْدَهُ، فَعَلِمَ بَعْضُ مَنْ كَانَ يَخْدِمُهُ وَيَتَرَدَّدُ إِلَيْهِ بِأَنَّ لَهُ مَالًا، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ لَيْلًا، وَأَخَذُوا المَالَ وَقَتَلُوْهُ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ - لَيْلَةَ عَاشُوْرَاءَ - سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَصُلَّيَ عَلَيْهِ يَوْمَ السَّبْتِ حَادِي عَشَرَ المُحَرَّمِ، وَدُفِنَ عِنْدَ أَبِيْهِ بمَقْبَرَةِ "بَابِ حَرْبٍ"، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُوْدًا، وَقَدَّرَ اللهُ ظُهُوْرَ قَاتِلِيْهِ، فَقُتِلُوا كُلُّهُمْ. أَخْبَرَنَا أَبُو الفَتْحِ المَيْدُوْمِيُّ بـ "مِصْرَ" (أَثَنَا) أَبُو الفَرَجِ الحَرَّانِيُّ (أَثَنَا) أَبُو عَلِيٍّ ضِيَاءُ بنُ أَحْمَدَ بنِ الحَسَنِ النَّجَّارُ (أَثَنَا) القَاضِي أَبُو (١) يَعْلَى (أثنَا) أَبُو الغَنَائِمِ عَبْدُ الصَّمَدِ بنُ المَأْمُوْنِ (أَثَنَا) أَبُو القَاسِمِ بنُ حَبَابَةَ (ثَنَا) أَبُو القَاسِمِ البَغَوِيُّ (ثَنَا) أَبُو الرَّبِيْعِ الزَّهْرَانِيُّ (ثَنَا) جَعْفَرُ بنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الجَوْنِيِّ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: "وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيْمِ الأظْفَارِ وَنَتْفِ الإبِط وَحَلْقِ العَانَةِ: أَنْ لَا يُتْرَكَ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِيْنَ لَيْلَةً" أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٢). نَقَلْتُ مِنْ خَطِّ القَاضِي أَبِي الحُسَيْنِ فِي "مُفْرَدَاتِهِ فِي الأصُوْلِ": اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ هَلْ يَصِحُّ الاسْتِثْنَاءُ [فِي اليَمِيْنِ] (٣) بِاللهِ؟ فَقَالَ: مَعَ انْقِطَاعِ يَمِيْنِهِ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. إِحْدَاهُمَا: يَصِحُّ، وَإِنْ كَانَ مُنْقَطِعًا، وَهِيَ مَذْهَبُ عَبْدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يَصِحُّ الاسْتِثْنَاءُ، اخْتَارَهَا الخِرَقِيُّ وَالوَالِدُ، وَبِهَا

стр. 523

قَالَ أَكْثَرُهُمْ. وَجْهُ الأُوْلَى: أَنَّ النَّسْخَ وَالتَّخْصِيْصَ يَجُوْزُ أَنْ يَتَأَخَّرَا، فَكَذلِكَ الاسْتِثْنَاءُ. وَوَجْهُ الثَّانِيَةِ: أَنَّ الاسْتِثْنَاءِ يُجْرِي مُجْرَى الشَّرْطِ؛ لأنَّهُ إِذَا انْفَصَلَ عَمَّا قَبْلَهُ لَمْ يُفِدْ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ إِذَا قَالَ: اضْرِبْ زَيْدًا، أَوْ أَعْطِهِ دِرْهَمًا، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ يَوْمٍ، إِذَا قَامَ أَوْ أَكَلَ لَمْ يُفِدْ ذلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ شَرْطًا كَذلِكَ فِي اليَمِيْنِ؟ هَذَا لَفْظُهُ بِحُرُوْفِهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الرِّوَايَةَ الأُوْلَى كَمَا حَكَى عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ مِنْ صِحَّةِ الاسْتِثْنَاءِ، فِي اليَمِيْنِ، وَإِنْ طَالَ الفَصْلُ. وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الأَصْحَابِ حَكَى ذلِكَ عَنْ أَحْمَدَ. ٧٨ - عَلِيُّ بنُ الحَسَنِ الدَّوَاحِيُّ، (١) أَبُو الحَسَنِ الوَاعِظُ، تَفَقَّهَ عَلَى أَبِي الخَطَّابِ

стр. 524

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 525

الكَلْوَذَانِيِّ، وَسَمِعَ مِنْهُ الحَدِيْثَ. تُوُفِّيَ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ خَامِسَ شَوَّالٍ سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ مِنَ الغَدِ، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ "بَابِ حَرْبٍ". ٧٩ - مُحَمَّدُ بنُ الحُسَيْنِ (١) بنِ عَلِيِّ بنِ إِبْرَاهِيْمَ بنِ عَبْدِ الله الشَّيْبَانِيُّ، الحَاجِّيُّ،

стр. 526

المَزْرَفِيُّ، المُقْرِئُ، الفَرَضِيُّ، أَبُو بَكْرٍ. وُلِدَ فِي سَلْخِ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلَاثِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، وَقِيْلَ: سَنَةَ أَرْبَعِيْنَ. وَقَرَأَ القُرْآنَ بِالرِّوَايَاتِ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الحَمَّامِيِّ، مِنْهُمْ: أَبُو بَكْرِ بنِ مُوْسَى الخَيَّاطُ، وَطَاهِرُ بنُ الحُسَيْنِ القَوَّاسُ. وَسَمِعَ مِن ابنِ المُسْلِمَةِ، وَابنِ المَأْمُوْنِ، وَالصَّرِيْفِيْنِيِّ، وَابنِ المُهْتَدِي، وَابنِ النَّقُوْرِ، وَالنَّهْرَوَانِيِّ، وَأَبِي الحُسَيْنِ العَاصِمِيِّ، وَابنِ البُسْرِيِّ (١)،

стр. 527

وَأَبِي الغَنَائِمِ بنِ الدَّجَاجِيِّ، وَكَتَبَ بِخَطِّهِ كَثِيْرًا، وَبَرَعَ فِي القِرَاءَاتِ، وَتَفَرَّدَ بِعِلْمِ الفَرَائِضِ، وَأَلَّفَ فِيْهِ. وَذَكَرَ ابنُ نَاصِرٍ أَنَّهُ كَانِ مُقْرِئَ زَمَانِهِ، قَرَأَ عَلَيْهِ القُرْآنَ جَمَاعَةٌ، مِنْهُم: أَبُو مُوْسَى المَدِيْنِيُّ الحَافِظُ، وَعَلِيُّ بنُ عَسَاكِرٍ البَطَائِحِيُّ. وَحَدَّثَ عَنْهُ ابنُ نَاصِرٍ، وَابْنُ عَسَاكِرٍ، وَاليُوْنَارْتِيُّ، وَأَبُو سَعْدِ (١) بنُ أَبِي عُصْرُوْنَ، وَابْنُ الجَوْزِيِّ،

стр. 528

وَجَمَاعَةٌ آخِرُهُمْ أَبُو الفَتْحِ المَنْدَائِيُّ (١)، وَدَرَسَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ الفَرَائِضَ وَالحِسَابَ. قَالَ أَبُو نَصْرٍ اليُوْنَارْتيُّ في "مُعْجَمِهِ": هُوَ وَحِيْدُ عَصْرِهِ فِي خُلُقِهِ، وَحُسْنِ قِرَاءَتِهِ. قَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: كَانَ ثِقَةً، عَالِمًا، ثَبْتًا، حَسَنَ العَقِيْدَةِ. وَقَالَ ابنُ القَطِيْعِيِّ: سَمِعْتُ ابنَ الأَخْضَرِ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ الخَشَّابَ يَقُوْلُ: قَدْ سَمِعْتُ مِنْ يَحْيَى بنِ مَنْدَه سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِيْنَ - وَحَضَرَ مَعِي فِي الطَّبَقَةِ أَبُو مَنْصُوْرٍ الخَيَّاطُ المُقْرِئُ - وَلَا أَفْرَحُ بِسَمَاعِي مِنْهُ مِثْلَ مَا أَفْرَحُ بِسَمَاعِي مِنَ المَزْرَفِيِّ؛ وَذلِكَ لأنَّهُ طَلَبَ الحَدِيْثَ بِنَفْسِهِ وَفَهِمَ. تُوُفِّيَ يَوْمَ السَّبْتِ مُسْتَهَلَّ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ فَجْأَةً، وَقِيْلَ: إِنَّهُ تُوُفِّيَ فِي سُجُوْدِهِ، وَدُفِنَ بِـ "بَابِ حَرْبٍ". (وَالمَزْرَفِيُّ) نِسْبَةً إِلَى "المَزْرَفَةِ": (٢) قَرْيَةٌ بَيْنَ "بَغْدَادَ" وَ"عُكْبَرَا"،

стр. 529

وَلَمْ يَكُنْ مِنْهَا، وَإِنَّمَا انْتَقَلَ أَبُوْهُ إِلَيْهَا أَيَّامَ الفِتْنَةِ، فَأَقَامَ بِهَا مُدَّةً، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى "بَغْدَادَ" قِيْلَ لَهُ: المَزْرَفِيُّ. أَخْبَرَنَا أَبُو الفَتْحِ المِصْرِيُّ بِهَا (أَثَنَا) أَبُو الفَرَجِ الحَرَّانِيُّ (أَثَنَا) أَبُو الفَرَجِ بنُ الجَوْزِيِّ (أَثَنَا) أَبُو بَكْرٍ المَزْرَفِيُّ سَنَةَ عِشْرِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ (أَنَا) أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ المُسْلِمَةِ (أَثَنَا) أَبُو الفَضلِ عُبَيْدُ اللهِ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَن الزُّهْرِيُّ، (أَثَنَا) جَعْفَرُ بنُ مُحَمَّدٍ الفِرْيَابِيُّ (ثَنَا) قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيْدٍ، (ثَنَا) إِسْمَاعِيْلُ بنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ نَافِعِ بنِ مَالِكٍ بنِ أَبِي عَامِرٍ، عَنْ أَبِيْهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: "آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ؛ إِذَا حَدَّثَ كذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا ائْتُمِنَ خَانَ" أَخْرَجَاهُ عَنْ قُتَيْبَةَ (١). ٨٠ - عَلِيُّ بنُ عَبَيْدِ اللهِ (٢) بنِ نَصْرِ بنِ السَّرِيِّ. (٣) كَذَا نَسَبَهُ ابنُ شَافِعٍ وَابْنُ الجَوْزِيِّ

стр. 530

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →