← Тараджим

Тараджим · id 31366

ذيل طبقات الحنابلة - لابن رجب - ت العثيمين

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (2 431 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

عَشَرَ جُمَادَى الأُوْلَى سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ "بَابِ حَرْبٍ". قُلْتُ: وَفِي "تَارِيْخِ ابنِ شَافِعٍ": أَنَّهُ تُوُفِّيَ لَيْلَةَ الاثْنَيْنِ ثَامِنَ عَشَرَ جُمَادَى الآخِرَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِيْنَ وَدُفِنَ فِي مَنْزِلهِ بـ "بَابِ الأَزْجِ" وَرَأَيْتُ فِي "تَارِيْخِ القُضَاةِ" لابنِ المَنْدَائِيِّ: أَنَّ المُتَوَفَّى فِي هَذِهِ السَّنَةِ هُوَ أَبُو الفَرَجِ أَحْمَدَ بنِ الإمَامِ أَبِي الخَطَّابِ، وَكَانَ مِنَ المُعَدَّلِيْنَ بِـ "بَغْدَادَ" وَأَنَّ وَفَاتَهُ يَوْمَ الاثْنَيْنِ ثَامِنَ عَشَرَ جُمَادَى الآخِرَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِيْنَ، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ "بَابِ حَرْبٍ" عنْدَ أَبِيْهِ. ٩٠ - مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ البَاقِي (١) بنِ مُحمَّدِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ مُحمَّدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ

стр. 562

ابْنِ الرَّبِيْعِ بِنِ ثَابِتِ بنِ وَهَبِ بنِ مَشْجَعَةَ بنِ الحَارِثِ بنِ عَبْدِ الله بنِ كَعبِ بنِ مَالِكٍ - أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِيْنَ خُلِّفُوا، ثُمَّ تَابَ اللهُ عَلَيْهِمْ - الأَنْصَارِيُّ الكَعْبِيُّ البَغْدَادِيُّ النَّصْرِيُّ (١) البَزَّازُ (٢) الفَرَضِيُّ، القَاضِي، أَبُو بَكْرِ بنِ أَبِي طَاهِرٍ، وَيُعْرَفُ بِـ "قَاضِي المَارِسْتَان" (٣).

стр. 563

٩١ - كَانَ وَالِدُهُ أبو طَاهِرٍ عَبْدُ البَاقِي (١) وَيُعْرَفُ بِـ "صِهْرِ هِبَةِ" المُقْرِئُ، وكَانَ

стр. 564

مِنْ أَكَابِرِ أَهْلِ "بَغْدَادَ" وَالمُلَازِمِيْنَ لِلْقَاضِي أَبِي يَعْلَى، شَيْخًا، صَالِحًا، مُحْدِثًا، مُعَدَّلًا، سَمِعَ الحَدِيْثَ وَحَدَّثَ. وَتُوُفِّيَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ. وأَمَّا وَلَدُهُ أَبُو بَكْرٍ هَذَا: فَوُلِدَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ عَاشِرَ صَفَرٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ. وَحَفِظَ القُرآنَ وَهُوَ ابنُ سَبْعِ سِنِيْنَ، وَحَضَرَ عَلَى أَبي إِسْحَقَ البَرْمَكِيِّ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ. وَسَمِعَ مِنْ أَخِيْهِ أَبي الحَسَنِ عَلِيٍّ (١)، وَالقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ الطَّبَرِيِّ وَأَبِي طَالِبٍ العُشَاِرِيِّ، وَأَبِي الحَسَنِ البَاقِلَّاوِيّ (٢)، وَأَبِي مُحَمَّدٍ

стр. 565

الجَوْهَرِيِّ، وَأَبِي القَاسِمِ عُمَرَ بنِ الحُسَيْنِ الخَفَّافِ، وَأَبِي الحُسَيْنِ بنِ حَسْنُونَ، وَأَبِي عَلِيٍّ بنِ غَالِبٍ، وَأَبِي الحُسَيْنِ بنِ الآبَنُوسِيِّ، وَأَبِي الحَسَنِ بنِ أَبِي طَالِبٍ المَكِّيِّ، وَأَبِي الفَضْلِ بنِ المَأْمُونِ، وَتَفَرَّدَ بِالرِّوَايَةِ عَنْ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ وَسَمِعَ مِن خَلْقٍ آخَرِيْنَ (١). وَسَمِعَ بِـ "مَكَّةَ" مِنْ أَبِي مَعْشَرٍ وَغَيْرِهِ، وَبـ "مِصْرَ" مِنْ أَبِي إِسْحَقَ الحَبَّالِ، وَقَدْ خُرِّجَتْ لَهُ "مَشْيَخِهِ" (٢) عَنْ شُيُوخِهِ فِي خَمْسَةِ

стр. 566

أَجْزَاءٍ سَمِعْتُهَا بِـ "القَاهِرَةِ" وَكَانَتْ لَهُ إِجَازَةٌ مِنْ أَبِي القَاسِمِ التَّنُوْخِيِّ، وَابْنِ شِيْطَا، وَالقُضَاعِيِّ مُصَنِّفِ "الشِّهَابِ". وَتَفَقَّهَ فِي صِبَاهُ عَلَى القَاضِي أَبِي يَعْلَى، وَقَرَأَ الفَرَائِضَ وَالحِسَابَ وَالجَبْرَ وَالمُقَابَلَةَ وَالهَنْدَسَةَ، وَبَرَعَ فِي ذلِكَ، وَلَهُ فِيْهِ تَصَانِيْفُ، وَشَهِدَ عِنْدَ قَاضِي القُضَاةِ أَبي الحَسَنِ بنِ الدَّامَغَانِيِّ وَتَفَنَّنَ فِي عُلُوْمِ كَثِيرَةٍ. قَالَ ابنُ السَّمْعَانِيِّ: عَارِفٌ بِالعُلُوْمِ مُتَفَنِّنٌ، حَسَنُ الكَلَامِ، حُلْوُ المَنْطِقِ، مَلِيْحُ المُحَاوَرَةِ، مَا رَأَيتُ أَجْمَعَ لِلْفُنُوْنِ مِنْهُ، نَظَرَ فِي كُلِّ عِلْمٍ، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: تُبْتُ مِن كُلِّ عِلْمٍ تَعَلَّمْتُهُ إِلَّا الحَدِيْثَ وَعِلْمَهُ. قَالَ: وَكَانَ سَرِيْعَ النَّسْخِ، حَسَنَ القِرَاءَةِ لِلْحَدِيْثِ، سَمِعْتُهُ يَقُوْلُ: مَا ضَيَّعْتُ سَاعَةً مِنْ عُمُرِي فِي لَهْوٍ أَوْ لَعَبٍ. قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ: أَسَرَتْنِي الرُّوْمُ، وَبَقِيْتُ فِي الأَسْرِ سَنَةً وَنِصْفًا، وَكَانَ خَمْسَةَ أَشْهُرٍ الغِلُّ فِي عُنُقِي، وَالسَّلَاسِلُ عَلَى يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ، وَكَانُوا يَقُوْلُوْنَ لِي: قُلِ المَسِيْحُ ابنُ اللهِ حَتَّى نَفْعَلَ وَنَصْنَعَ فِي حَقِّكَ، فَامْتَنَعْتُ وَمَا قُلْتُ، قَالَ: وَوَقْتَ أَنْ حُبِسْتُ كَانَ ثَمَّ مُعَلِّمٌ يُعَلِّمُ الصِّبْيَانَ الخَطَّ بِالرُّوْمِيَّةِ، فَتَعَلَّمْتُ فِي الحَبْسِ الخَطَّ الرُوْمِيَّ، وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ: حَفِظْتُ القُرْآنَ وَلِيَ

стр. 567

سَبْعُ سِنِيْنَ، وَمَا مِنْ عِلْمٍ فِي عَالَمِ اللهِ إِلَّا وَقَدْ نَظَرْتُ فِيهِ، وَحَصَّلْتُ مِنْهُ كُلَّهُ أَوْ بَعْضَهُ، وَتَفَرَّدَ فِي الدُّنْيَا بِعُلُوِّ الإِسْنَادِ، وَرَحَلَ إِلِيْهِ المُحَدِّثُوْنَ مِنَ البِلَادِ. قَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: كَانَ حَسَنَ الصُّوْرَةِ، حِلْوَ المَنْطِقِ، مَلِيْحَ المُعَاشَرَةِ، كَانَ يُصَلِّي فِي جَامِعَ المَنْصُوْرِ، فَيَجِيْءُ فِي بَعْضِ الأَيَّامِ، فَيَقِفُ وَرَاءَ مَجْلِسِي وَأَنَا عَلَى مِنْبَرِ الوَعْظِ فَيُسَلِّمُ عَلَيَّ. وَأَمْلَى الحَدِيثَ فِي جَامِعِ القَصْرِ بِاسْتِمْلَاءِ شَيْخِنَا ابنِ نَاصِرٍ، وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ الكَثِيْرَ، وَكَانَ ثِقَةً فَهْمًا، ثَبْتًا، حُجَّةً (١)، مُتْقِنًا فِي عُلُوْمٍ كَثِيْرَةٍ، مِنْفَرِدًا فِي عَلْمِ الفَرَائِضِ، وَكَانَ يَقُوْلُ: مَا أَعْلَمُ أَنِّي ضَيَّعْتُ مِنْ عُمْرِي شَيْئًا فِي لَهْوٍ أَوْ لَعِبٍ، وَمَا مِنْ عِلْمٍ إِلَّا وَقَدْ حَصَّلْتُ بَعْضَهُ أَوْ كُلَّهُ، وَكَانَ قَدْ سَافَرَ فَوَقَعَ فِي أَيْدِيْ الرُّوْمَ، فَبَقِيَ فِي أَسْرِهِمْ سَنَةً وَنِصْفًا، وَقَيَّدُوْهُ، وَجَعَلُوا الغِلَّ فِي عُنُقِهِ، وَأَرَادُوا مِنْهُ أَنْ يَنْطِقَ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ فَلَمْ يَفْعَلْ، وَتَعَلَّمَ مِنْهُمْ الخَطَّ الرُّوْمِيَّ، قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَجِبُ عَلَى المُعَلِّمِ أَنْ لَا يُعَسِّفَ (٢) وَعَلَى المُتَعَلِّمِ أَنْ لَا يَأْنَفَ، وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ: مَنْ خَدَمَ المَحَابِرَ خَدَمَتْهُ المَنَابِرَ، قَالَ: وَأَنْشَدَنِي: (٣) لِيْ مُدَّةٌ لَا بُدَّ أَبْلُغُهَا … فَإِذَا انْقَضَتْ وَتَصَرَّمَتْ مُتُّ لَوْ عَانَدَتْنِيْ الأَسْدُ ضَارِيَةً … مَا ضَرَّنِي مَا لَمْ يَجِي الوَقْتُ قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ مُنَجِّمِيْنَ حَضَرَا حِيْنَ وُلِدَ، فَأَجْمَعَا أَنَّ عُمْرَهُ اثْنَتَانِ

стр. 568

وَخَمْسُونَ سَنَةً، قَالَ: وَهَا أَنَا قَدْ جَاوَزْتُ التِّسْعِيْنَ. قَالَ: وَرَأَيْتُهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِيْنَ صَحِيْحَ الحَوَاسِّ، لَمْ يَتَغَيَّرُ مِنْهَا شَيْءٌ، ثَابِتَ العَقْلِ، يَقْرَأُ الخَطَّ الدَّقِيْقَ مِنْ بُعْدٍ، وَدَخَلْنَا عَلَيْهِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِمُدَيْدَةٍ، فَقَالَ: قَدْ نَزَلَتْ فِي أُذْنِي مَادَّةٌ، فَقَرَأَ عَلَيْنَا مِن حَدِيْثِهِ، وَبَقِيَ عَلَى هَذَا نَحْوًا مِنْ شَهْرَيْنِ، ثُمَّ زَالَ ذلِكَ، وَعَادَ إِلَى الصِّحَّةِ، ثُمَّ مَرِضَ فَأَوْصَى أَن يُعَمَّقَ قَبْرُهُ زِيَادَةً عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ العَادَةُ، وَقَالَ: لِأَنَّهُ إِذَا حُفِرَ مَا جَرَتْ بِهِ العَادَةُ لَمْ يَصِلُوا إِلَيَّ، وَأَنْ يُكْتَبَ عَلَى قَبْرِهِ ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨)﴾ (١) وَبَقِيَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ قَبْلَ مَوْتِهِ لَا يَفْتُرُ مِنْ قِرَاءَةِ القُرْآنِ، إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ يَوْمَ الأَرْبِعَاءِ قَبْلَ الظُّهْرِ ثَانِي رَجَبَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بِجَامِعِ المَنْصُوْرِ، وَحَضَرَ قَاضِي القُضَاةِ الزَّيْنَبِيُّ، وَوُجُوْهُ النَّاسِ، وَشَيَّعْنَاهُ إِلَى مَقْبَرَةِ "بَابِ حَرْبٍ"، فَدُفِنَ إِلَى جَانِبِ أَبِيْهِ، قَرِيْبًا مِنْ بِشْرٍ الحَافِي ﵁. قُلْتُ: وَحَدَّثَ القَاضِي أَبُو بَكْرٍ بِالكَثِيْرِ مِنْ حَدِيْثِهِ، وَسَمِعَ مِنْهُ الأَئِمَّةُ الحُفَّاظُ وَغَيْرُهُمْ، وَأَثْنَوا عَلَيْهِ (٢). قَالَ ابنُ الخَشَّابِ عَنْهُ: كَانَ مَعَ تَفَرُّدِهِ بِعِلْمِ الحِسَابِ وَالفَرَائِضِ، وَافْتِنَانِهِ فِي عُلُوْمٍ عَدِيْدَةٍ، صَدُوْقًا، ثَبْتًا فِي الرِّوَايَةِ، مُتَحَرِّيًا فِيْهَا. وَقَالَ ابنُ نَاصِرٍ عَنهُ: كَانَ إِمَامًا فِي الفَرَائِضِ

стр. 569

وَالحِسَابِ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ حَدَّثَ عَنِ البَرْمَكِيِّ (١) وَذَكَرَ جَمَاعَةً. وَكَانَ سَمَاعُهُ صَحِيْحًا، وَمَتَّعَهُ اللهُ بِعَقْلِهِ، وَسَمْعِهِ، وَبَصَرِهِ، وَجَوَارِحِهِ إِلَى حِيْنَ وَفَاتِهِ، وَلَمْ يُخْلَفْ بَعْدَهُ مَنْ يَقُوْمُ مَقَامَهُ فِي عِلْمِهِ، وَكَانَ قَدْ خُرِّجَتْ لَهُ مَجَالِسُ سَنَةَ ثَمَانِ عَشْرَةَ، فَأَمْلَاهَا بِالجَامِعَ مِنْ دَارِ الخِلَافَةِ (٢). وَقَالَ ابنُ شَافِعٍ: سَمِعْتُ ابنَ الخشَّابِ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ قَاضِي المَارِسْتَان يَقُوْلُ: قَدْ نَظَرْتُ فِي كُلِّ عِلْمٍ حَصَّلْتُ مِنهُ بعْضَهُ أَوْ كُلَّهُ، إِلَّا هَذَا النَّحْوِ، فَإِنِّي قَلِيْلُ البِضَاعَةِ فِيْهِ. قَالَ ابنُ شَافِعٍ: وَمَا رَأَيْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ - يَعْنِي: ابنَ الخَشَّابِ - يُعظِّمُ أَحَدًا مِنْ مَشَايِخِهِ تَعْظِيْمَهُ لَهُ، وَكَانَ أَبُو القَاسِمِ بنُ السَّمَرْقَنْدِيِّ يَقُوْلُ: مَا بَقِيَ مِثْلُهُ، وَيُطْرِيْهِ فِي الثَّنَاءِ. (أَنَا) أَبُو الفَتْحُ مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِبْرَاهيْمَ بـ "مِصْرَ" (أَثَنَا) أَبُو الفَرَجِ عَبْدُ اللَّطِيْفِ بنُ عَبْدِ المُنْعِمِ (أَثَنَا) الحَافِظَانِ: أَبُو الفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَلِيِّ بنِ الجَوْزِيِّ، وَأَبُو مُحَمَّدِ (٣) عَبْدُ العَزِيزِ بنُ مَحْمُودِ بنِ الأَخْضَرِ، وَأَبُو أَحْمَدَ عَبدُ الوَهَّابِ بنُ عَلِيِّ بنِ سُكَيْنَةَ وَغَيْرُهُمْ. (ح) (أَنَا) مُحَمَّدُ بنُ إِسْمَاعِيْلَ بنِ إِبْرَاهِيْمَ الدِّمَشْقِيِّ (٤) بِهَا غَيْرَ مَرَّةٍ

стр. 570

(أَثَنَا) أَبُو مُحَمَّدٍ إِسْمَاعِيْلُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ التَّنُوْخِيُّ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ العَزِيْزِ بنُ عَبْدِ اْلمُنْعِم الحَرَّانِيُّ (١) وَأَبُو الفَرَج عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ أَبِي عُمَرَ المَقْدِسِيُّ، وَأَبُو الغَنَائِمِ المُسَلَّمُ بنُ مُحَمَّدُ بنِ عَلَّانَ وَغَيْرُهُمْ، قَالُوا (أَنَا) أَبُو حَفْصٍ عُمَرَ بنُ مُحَمَّدِ بنِ طَبَرْزَدٍ، وَأَبُو اليُمَنِ زَيْدُ بنُ الحَسَنِ الكِنْدِيُّ، زَادَ الأَوَّلَانِ: وَأَبُو البَرَكَاتِ عَبْدُ اللَّطِيفِ بنُ إِسْمَاعِيلَ الصُّوْفِيُّ، وَزَادَ الأَوَّلُ وَحْدَهُ: وَأَحْمَدُ بنُ تُزْمِشَ (٢) البَغْدَادِيُّ، قَالُوا كُلُّهُمْ: (أَنَا) أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ البَاقِي البَزَّازُ (٣) (أَنَا) أَبُو إِسْحَقَ إِبْرَاهِيْمُ بنُ عُمَرَ البَرْمَكِيُّ - حُضُوْرًا - (أَنَا) أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ بنُ إِبْرَاهِيْمَ البَزَّارُ (ثَنَا) أَبُو مُسْلِمٍ (ثَنَا) مُحَمَّدُ بنُ عبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيُّ (ثَنَا) حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ يَقُوْلُ (٤): "مَنْ كَذَبَ عَليَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ".

стр. 571

أُنْبِئْتُ عَنْ يُوسُفَ بنِ خَلِيْلٍ الحَافِظِ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الصَّالِحُ، أَبُو القَاسِمِ عَبْدُ اللهِ بنُ أَبِي الفَوَارِسِ مُحَمَّدِ بنِ عَلِيِّ بنِ حَسَنِ الخَزَّازُ الصُّوفِيُّ البَغْدَادِيُّ بـ "بَغْدَادَ" قَالَ: سَمِعْتُ القَاضِيَ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بنَ عَبدِ البَاقِي بنِ مُحَمَّدٍ البَزَّازَ الأَنْصَارِيَّ يَقُوْلُ: كُنْتُ مُجَاوِرًا بِمَكَّةَ - حَرَسَهَا اللهُ تَعَالَى - فَأَصَابَنِي يَوْمًا مِنَ الأَيَّامِ جُوْعٌ شَدِيْدٌ لَمْ أَجِدْ شَيْئًا أَدْفَعُ بِهِ عَنِّي الجُوْعَ، فَوَجَدْتُ كِيْسًا مِنْ إِبْرِيْسَمٍ، مَشْدُوْدًا بِشَرَابَةٍ مِنْ إِبْرِيسَمٍ أَيْضًا، فَأَخَذْتُهُ] وَجِئْتُ بِهِ إِلَى بَيتِي] (١)، فَحَلَلْتُهُ فَوَجَدْتُ فِيْهِ عِقْدًا مِنْ لُؤْلُؤٍ لَمْ أَرَ مِثْلَهُ، فَخَرَجْتُ فَإِذَا الشَّيْخُ (٢) يُنَادِي عَلَيْهِ، وَمَعَهُ خِرْقَةٌ فِيْهَا خَمْسُمَائَةِ دِينَارٍ وَهُوَ يَقُوْلُ: هَذَا لِمَنْ يُرَدَّ عَلَيْنَا الكِيْسُ الَّذِي فِيْهِ اللُّؤْلُؤُ، فَقُلْتُ: أَنَا مُحْتَاجٌ، وَأَنَا جَائِعٌ، فَآخُذُ هَذَا الذَّهَبَ فَأَنْتَفِعُ بِهِ، وَأَرُدَّ عَلَيْهِ الكِيْسَ، فَقُلْتُ لَهُ: تَعَالَ إِلَيَّ فَأَخَذْتُهُ وَجِئْتُ بِهِ إِلَى بَيْتِي، فَأَعْطَانِي عَلَامَةَ الكِيْسِ، وَعَلَامَةَ الشَّرَابَةِ، وَعَلَامَةَ اللُّؤْلُؤِ، وَعَدَدَهُ، وَالخَيْطَ الَّذِي هُوَ مَشْدُوْدٌ بِهِ، فَأَخْرَجْتُهُ وَدَفْعْتُهُ إِلَيْه، فَسَلَّمَ إِلَى خَمْسِمَائَةِ دِيْنَارٍ، فَمَا أَخَذْتُهَا، وَقُلْتُ: يَجِبُ عَلَيَّ أنْ أُعِيْدَهُ إِلَيْكَ وَلَا آخُذُ لَهُ جَزَاءً، فَقَالَ لِي: لَا بُدَّ أَنْ تَأْخُذَ وَأَلَحَّ عَلَيَّ كَثِيْرًا، فَلَمْ أَقْبَلَ ذلِكَ مِنْهُ، فَتَرَكَنِي وَمَضَى، وَأَمَّا مَا كَانَ مِنِّي فَإِنِّي خَرَجْتُ مِنْ مَكَّةِ، وَرَكِبْتُ البَحْرَ، فَانْكَسَرَ المَرْكَبُ وَغَرِقَ النَّاسُ، وَهَلَكَتْ أَمْوَالُهُم، وَسَلِمْتُ أَنَا عَلَى قِطْعَةٍ منَ المَرْكَبِ، فَبَقِيَتُ مُدَّةً فِي البَحْرِ لَا أَدْرِيْ أَيْنَ أَذْهَبُ، فَوَصَلْتُ إِلَى جَزِيْرَةٍ فِيْهَا قَوْمٌ، فَقَعَدَتُ فِي

стр. 572

بَعْضِ المَسَاجِدِ، فَسَمِعُوْنِي أَقْرَأُ، فَلَمْ يَبْقَ فِي تِلْكَ الجَزِيْرَةِ أَحَدٌ إِلَّا جَاءَ إِلَيَّ وَقَالَ: عَلِّمْنِي القُرآنَ، فَحَصَلَ لِي مِن أُوْلئِكَ القَوْمِ شَيءٌ كَثِيْرٌ مِنَ المَالِ، قَالَ: ثُمَّ إِنِّي رَأَيتُ فِي ذلِكَ المَسْجِدِ أَوْرَاقًا مِنْ مُصحَفٍ، فَأَخَذْتُهَا أَقْرَأُ فِيْهَا فَقَالُوا لي: تُحْسِنُ تَكْتُبِ؟ فَقلْتُ: نَعَمْ، فقَالُوا: عَلِّمْنَا الخَطَّ، فَجَاءُوا بِأَوْلَادِهِمْ (١) مِنَ الصِّبْيَانِ وَالشَّبَابِ، فَكُنْتُ أُعَلِّمُهُمْ، فَحَصَلَ لِي أَيْضًا مِنْ ذلِكَ شَيءٌ كَثِيْرٌ، فَقَالُوا لِي بَعْدَ ذَلِكَ: عِنْدَنَا صَبِيَّةٌ يَتِيْمَةٌ، وَلَهَا شَيءٌ مِنَ الدُّنْيَا نُرِيْدُ أَنْ تتَزَوَّجَ بِهَا، فَامتَنَعْتُ، فَقَالُوا: لَا بُدَّ، وَأَلزَمُوْنِي، فَأَجَبْتُهُمْ إِلَى ذلِكَ، فَلَمَّا زَفُّوْهَا إِلَيَّ مَدَدْتُ عَيْنِي أَنْظُرُ إِلَيْهَا، فَوَجَدْتُ ذلِكَ العِقْدُ بِعَيْنِهِ مُعَلَّقًا فِي عُنُقِهَا، فَمَا كَانَ لِي حِيْنَئِذٍ شُغْلٌ إِلَّا النَّظَرَ إِلَيْهِ، فَقَالُوا: يَا شَيْحُ، كَسَرْتَ قَلْبَ هَذِهِ اليَتِيْمَةِ مِنْ نَظَرِكَ إِلَى هَذَا العِقْدِ، وَلَمْ تَنْظُرْ إِلَيْهَا، فَقَصَصْتُ عَلَيْهِمْ قِصَّةَ العِقْدِ فَصَاحُوا وَصَرَخُوا بِالتَّهْلِيْلِ وَالتَّكْبِيْرِ، حَتَّى بَلَغَ إِلَى جَمِيْعِ أَهْلِ الجَزِيْرَةِ، فَقُلْتُ: مَا بِكُمْ؟ فَقَالُوا: ذلِكَ الشَّيْخُ الَّذِي أَخَذَ مِنْكَ العِقْدَ أَبُو هَذِهِ الصَّبِيَّةِ، وَكَانَ يَقُوْلُ: مَا وَجَدْتُ فِي الدُّنْيَا مُسْلِمًا إِلَّا هَذَا الَّذِيْ رَدَّ عَليَّ هَذَا العِقْدَ، وَكَانَ يَدْعُو وَيقُوْلُ: اللَّهُمَّ اجْمَعْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ حَتَّى أُزَوِّجَهُ بِابْنَتِي، وَالآنَ قَدْ حَصَلَتْ، فَبَقِيَتُ مَعَهَا مُدَّةً، وَرُزِقْتُ مِنْهَا بِوَلَدَيْنِ، ثُمَّ إِنَّهَا مَاتَتْ، فَوَرِثْتُ العِقْدَ أَنَا وَوَلَدَايَ، ثُمَّ مَاتَ الوَلَدَانِ فَحَصَلَ العِقْدُ لِي، فَبِعْتُهُ بِمَائَةِ أَلْفِ دِيْنَارٍ، وَهَذَا المَالُ الَّذِي تَرَوْنَ مَعِي مِنْ بَقَايَا

стр. 573

ذلِكَ المَالِ. هكَذَا سَاقَ هَذِهِ الحِكَايَةَ يُوْسُفُ بنُ خَلِيْلِ فِي "مُعْجَمِهِ" (١)

стр. 574

وَسَاقَهَا ابنُ النَّجَّارِ فِي "تَارِيخِهِ"، وَقَالَ: هِيَ حِكَايَةٌ عَجِيْبَةٌ، وَأَظُنُّ القَاضِي حَكَاهَا عَنْ غَيْرِهِ، وَقَدْ ذَكَرَهَا أَبُو المُظَّفَرِ سِبْطُ ابنِ الجَوْزِيِّ فِي "تَارِيْخِهِ" (١) فِي تَرْجَمَةِ أَبِي الوَفَاءِ بنِ عَقِيْلٍ، وَذَكَرَ عَنْ ابْنِ عَقِيْلٍ أَنَّهُ حَكَى عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ حَجَّ، فَالْتَقَطَ العِقْدَ وَرَدَّهُ بِالمَوْسِمِ، وَلَمْ يَأْخُذْ مَا بُذِلَ لَهُ مِنَ الدَّنَانِيْرِ، ثُمَّ قَدِمَ "الشَّامَ" وَزَارَ "بَيْتَ المَقْدِسِ" ثُمَّ رَجَعَ إِلَى "دِمَشْقَ"، وَاجْتَازَ بِـ "حَلَبَ" فِي رُجُوْعِهِ إِلَى "بَغْدَادَ"، وَأَنَّ تزَوُّجَهُ بِالبِنْتَ كَانَ بِـ "حَلَبَ" وَلكِنَّ أَبَا المُظَفَّرِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِيْمَا يَنْقُلُهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ لِلْحِكَايَةِ إِسْنَادًا مُتَّصِلًا إِلَى ابْنِ عَقِيْلٍ، وَلَا عَزَاهَا إِلَى كِتَابٍ مَعْرُوْفٍ، وَلَا يُعْلَمُ قُدُوْمُ ابنِ عَقِيْلٍ إِلَى "الشَّامِ"، فَنِسْبَتُهَا إِلَى القَاضِي أَبِي بَكْرٍ الأَنْصَارِيِّ أَنْسَبُ. وَاللهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ القِصَّةُ: أَنَّهُ لَا يَجُوْزُ قَبُوْلُ الهَدِيَّةِ عَلَى رَدِّ الأَمَانَاتِ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّهَا بِغَيْرِ عَوَضٍ، وَهَذَا إِذَا كَانَ لَمْ يَلْتَقِطْهَا بِنِيَّةِ أَخْذِ الجُعْلِ المَشْرُوْطِ وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ ﵁ عَلَى مِثْلِ ذلِكَ فِي الوَدِيْعَةِ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوْزُ لِمَنْ رَدَّهَا إِلَى صَاحِبِهَا قَبُوْلُ هَدِيَّتِهِ إِلَّا بِنِيَّةِ المُكَافَأَةِ. ٩٢ - عَبْدُ الوَهَّابِ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ (٢) بنِ مُحَمَّدِ بنِ عَلِيٍّ الشِّيْرَازِيُّ، ثُمَّ

стр. 575

الدِّمَشْقَيُّ، المَعْرُوفِ بِـ "ابنِ الحَنْبَلِيِّ" الفَقِيْهُ، الوَاعِظُ، المُفَسِّرُ، شَرَفُ الإِسلَامِ، أَبُو القَاسِمِ. كَذَا كَنَّاهُ ابنُ القَلَانِسِيِّ فِي "تَارِيْخِهِ" وَكَنَّاهُ المُنْذِرِيُّ وَغَيْرُهُ: أَبَا البَرَكَاتِ، ابنِ شَيْخِ الإِسلَامِ أَبِي الفَرَجِ الزَّاهِدِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ شَيْخِ الحَنَابِلَةِ بِـ "الشَّامِ" فِي وَقْتِهِ تُوُفِّيَ وَالِدُهُ وَهُوَ صَغِيْرٌ فَاشْتَغَلَ بِنَفْسِهِ، وَتَفَقَّهَ

стр. 576

وَبَرَعَ، وَنَاظَرَ، وَأَفْتَى، وَدَرَّسَ الفِقْهَ، وَالتَّفْسِيْرَ، وَوَعَظَ، وَاشْتَغَلَ عَلَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَكَانَ فَقِيْهًا بَارِعًا، وَوَاعِظًا فَصِيْحًا، وَصَدْرًا مُعَظَّمًا، ذَا حُرْمَةٍ، وَحَشْمَةٍ، وَسُؤدَدٍ، وَرِئَاسَةٍ، وَوَجَاهَةٍ، وَجَلَالَةٍ، وَهَيْبَةٍ. وَلَمَّا وَرَدَ الفِرِنْجُ إِلَى "دِمَشْقَ" سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ أَرْسَلَهُ صَاحِبُ "دِمَشْقِ" إِلَى الخَلِيْفَةِ المُسْتَرْشِدِ بِـ "بَغْدَادَ" لِيَسْتَنْجِدَهُمْ عَلَى الفِرِنْجِ، فَخَلَعَ عَلَيْهِ، وَوَعَدَهُ بِالإِنْجَادِ. وَكَانَ لَهُ بِجَامِعِ "دِمَشْقَ" مَجْلِسٌ يَعْقِدُهُ لِلْوَعْظِ، وَقِيْلَ: إنَّهُ مُنِعَ مِنْهُ بِسَبَبِ الفِتَنِ. قَالَ ابنُ السَّمْعَانِيِّ: سَمَعْتُ أَبَا الحَجَّاجِ يُوْسُفَ بنَ مُحَمَّدٍ بنِ مُقَلِّدٍ التَّنُوْخِيَّ الدِّمَشْقِيَّ مُذَاكَرَةً يَقُوْلُ: سَمِعْتُ الشَّيْخَ الإِمَامَ عَبْدَ الوَهَّابِ بنَ أَبِي الفَرَجِ الحَنْبَلِيَّ الدِّمَشْقِيَّ بِـ "دِمَشقَ" يُنْشِدُ عَلَى الكُرْسِيِّ فِي جَامِعِهَا - وَقَدْ طَابَ وَقْتُهُ -: سَيِّدِيْ عَلِّلِ الفُؤَادَ العَلِيْلَا … وَاحْيِنِي قَبْلَ أَنْ تَرَانِي قَتِيْلَا إِنْ تَكُنْ عَازِمًا عَلَى قَبْضِ (١) رُوْحِيْ … فَتَرَفَّقْ بِهَا قَلِيْلًا قَلِيْلًا قَرَأْتُ بِخَطِّ حَفِيْدِهِ نَاصِحِ الدِّيْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ نَجْمٍ قَال: حَكَى لَنَا الفَصِيْحُ الحَنَفِيُّ قَالَ: احْتَجْتُ فَأَشَارَ عَلَيَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنْ أَقُوْمَ فِي مَجْلِسِ شَرَفِ الإِسْلَامِ فَأَمْتَدِحُهُ بِقَصِيْدَةِ شِعْرٍ، قَالَ: فَفَعَلْتُ، فَرَمَى عَلَى الشَّيْخُ مِنْدِيْلًا كَانَ فِي يَدِهِ، فَخَلَعَ عَلَيَّ جَمَاعَةٌ أَصْحَابِهِ ثِيَابًا كَثيْرَةً، وَنَثَرُوا عَلَيَّ، فَخَرَجْتُ مِنَ المَجْلِسِ وَمَعِي جِمَالٌ تَحْمِلُ الخِلَعَ، فَبَلَغَ ذلِكَ البُرْهَانُ

стр. 577

البَلْخِيُّ (١) شَيْخُ الحَنَفِيَّةِ، فَشَكَانِي إِلَى وَالِدِي، فَقُلْتُ: كُنْتُ مُحْتَاجًا، وَرُحْتُ إِلَى رَجُلٍ أَغْنَانِي، فَاسْكُتُوا عَنِّي وَإِلَّا رُحْتُ إِلَيْهِ بُكْرَةً. قَالَ نَاصِحُ الدِّيْنِ: وَكَانَ وَجِيْهُ الدِّيْنِ مَسْعُوْدُ بنُ شُجَاعٍ (٢) شَيْخُ الحَنَفِيَّةِ بِـ "دِمَشْقَ" يَذْكُرُ شَرَفَ الإِسْلَامِ جَدِّي، وَيَقُوْلُ: كَانَ يَذْكُرُ مُجَلَّدَةً مِنَ التَّفْسِيرِ فِي المَجْلِسِ الوَاحِدِ وَيُثْنِي عَلَيْهِ. قَالَ: وَكَانَ زَيْنُ الدِّيْنِ بنُ الحَكِيْمِ الوَاعِظُ الحَنَفِيُّ (٣) يَذْكُرُ جَدِّي شَرَفَ الإِسْلَامِ عَلَى المِنْبَرِ، وَيُثْنِي

стр. 578

عَلَيْهِ، وَرُبَّمَا ذَكَرَهُ فَبَكَى. قُلْتُ: وَلِشَرَفِ الإِسَلَامِ تَصَانِيْفُ فِي الفِقْهِ وَالأُصُوْلِ، مِنْهَا: "المُنْتَخَبُ فِي الفِقْهِ" فِي مُجَلَّدَيْنِ، وَ"المُفْرَدَاتُ" وَ"البُرْهَانُ" فِي أُصُولِ الدِّيْنِ وَ"رِسَالَةٌ فِي الرَدِّ عَلَى الأَشْعَرِيَّةِ". وَحَدَّثَ عَنْ أَبِيْهِ بِـ "بَغْدَادَ" وَ"دِمَشْقَ" وَسَمِعَ مِنْهُ بِـ "بَغْدَادَ" أَبُو بَكْرِ بنُ كَامِلٍ الخَفَّافُ، وَنَاظَرَ مَعَ الفُقَهَاءِ بِـ "بَغْدَادَ" فِي المَسَائِلِ الخِلَافِيَّاتِ. قَالَ ابنُ النَّجَّارِ: حَدَّثَ عَنْ وَالِدِهِ بِحَدِيْثٍ مُنْكَرٍ، وَبَنَى بِـ "دِمَشْقَ" مَدْرَسَةً دَاخِلَ "بَابِ الفَرَادِيْسِ" وَهِيَ المَعْرُوفَةُ بِـ "الحَنْبَلِيَّةِ" (١) وَلَمَّا شَرَعَ فِي بِنَائِهَا طَلَعَ بعْضُ المُخَالِفِيْنَ إِلَى "زُمُرُّدْ خَاتُونَ" أَمُّ شَمْسِ المُلُوْكِ - وَكَانَ حُكْمُهَا نَافِذًا فِي البَلَدِ - فَقَالُوا لَهَا: هَذَا ابنُ الحَنْبَلِيِّ بَيْنِيْ مَدْرَسَةً لِلْحَنَابِلَةِ، وَهَذَا البَلَدُ عَامَّتُهُ شَافِعِيَّةٌ، وَتَصِيْرُ الفِتَنُ وَبِنَاؤُهَا مَفْسَدَةٌ وَضَرَرٌ كَبِيْرٌ، فَبَعَثَتْ إِلَى الشَّيْخِ، وَقَالَتْ لَهُ: بَطِّلْ هَذَا البِنَاءَ، فَقَالَ: السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ، وَقَالَ لِلْصُّنَّاعِ: انْصَرِفُوا، فَانْصَرَفُوا، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ أَحْضَرَ الصُّنَاعَ وَالفَعَلَةَ

стр. 579

وَأَصْحَابَهُ وَأَشْعَلُوا المَشَاعِلَ وَالشَّمْعَ، وَشَرَعُوا فِي تَأْسِيْسِ حَائِطِ القِبْلَةِ، وَنَصَبُوا المِحْرَابَ لَيْلًا، وَقَالَ: اغْدُوا عَلَى عَمَلِكُمْ، فَغَدَوا، وَقَالَ أُوْلَئِكَ لَهَا: قَدْ خَالَفَ أَمْرَكَ، فَنَزَلَ إِلَيْهِ عَشَرَةٌ مِنَ القَلْعَةِ، وَقَالُوا لَهُ: أَمَا قَدْ نَهَتْكَ خَاتُونُ عَنْ بِنَاءِ هَذَا المَكَانِ؟ فَقَالَ: أَنَا قَدْ بَنَيْتُ بَيْتًا مِنْ بُيُوْتِ اللهِ ، وَنَصَبْتُ مِحْرَابًا لِلْمُسْلِمِيْنَ، فَإِنْ كَانَتْ هِيَ تَهْدِمُهُ تَبْعَثُ تَهْدِمُهُ، وَصَاحَ عَلَى الصُّنَّاعِ: اعْمَلُوا، فَبَلَغَهَا مَا قَالَ، فَقَالَتْ: صَدَقَ، أَنَا مَالِيْ وَلِلْفُقَهَاءِ. ذَكَرَ ذلِكَ النَّاصِحُ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ جَدِّهِ شَرَفِ الإِسْلَامِ. قَالَ: سَمِعْتُ وَالِدِي يَقُوْلَ: جَاءَ رَجُلٌ مِن أَصْحَابِ أَبِي شَرَفِ الإِسْلَامِ إِليْهِ، فَقَالَ: رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ فِي مَنَامِي أَبِي، فَقَالَ لِيْ: هَذَا الَّذِي يَقُوْلُهُ لَكُمْ الشَّيْخُ مَا هُوَ صَحِيْحٌ، مَا رَأَيْنَا لَا جَنَّةً وَلَا نَارًا، وَلَا قِيَامَةً وَلَا حِسَابًا، وَهُوَ يَبْكِي، فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ: مَا ذَاكَ وَالِدُكَ، فَقَالَ: يَا سَيِّدِي، وَالِدِي، أَنَا أَعْرِفُهُ، فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ: ذَاكَ الشَّيْطَانُ، السَّاعَةَ يَعُوْدُ وَيَقُوْلُ لَكَ مِثْلَ مَا قَالَ: فَقُلْ أَنْتَ لَهُ: بِاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، أَنْتَ وَالِدِي؟ فَيُوَلِّي عَنْكَ وَيَضْرِطُ لَكَ، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الثَّانِيَةُ أَصْبَحَ وَجَاءَ إِلَى الشَّيْخِ، فَقَالَ لَهُ: ضَرَطَ لَكَ؟ قَالَ: إِيْ وَاللهِ يَا سَيِّدِيْ. تُوُفِّيَ ﵀ فِي لَيْلَةِ الأَحَدِ سَابِعَ عَشَرَ صَفَرٍ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَدُفِنَ عِنْدَ وَالِدِهِ، بِمَقَابِرِ الشُّهَدَاءِ مِنْ "مَقَابِرِ البَابِ الصَّغِيْرِ". وَذَكَرَهُ أَبُو المَعَالِي بنُ القَلَانِسِيِّ فِي "تَارِيْخِهِ" فَقَالَ: كَانَ عَلَى الطَّرِيْقَةِ المَرْضِيَّةِ، وَالخِلَالِ الرَّضِيَّةِ، وَوُفُوْرِ العِلْمِ، وَحُسنِ الوَعْظِ، وَقُوَّةِ الدِّيْنِ،

стр. 580

وَالتَّنَزُّهِ عَمَّا يَقْدَحُ فِي أَفْعَالِ غَيْرِهِ مِنَ المُتَفَقِّهِيْنَ، وَكَانَ يَوْمَ دَفْنِهِ مَشْهُوْدًا مِنْ كَثْرَةِ المُشَيِّعِيْنَ لَهُ، وَالبَاكِيْنَ حَوْلَهُ، وَالمُؤَبِّنِيْنَ لأَفْعَالِهِ، وَالمُتَأَسِّفِيْنَ عَلَيْهِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى (١). ولِلْمُهَذَّبِ أَحْمَدَ بنِ مُنَيِّرٍ (٢) الشَّاعِرِ الحَلَبِيِّ المَشْهُوْرِ رِسَالَةٌ إِلَى شَرَفِ الإِسْلَامِ يَمْدَحُهُ فِيْهَا وَأَهْلُ بَيْتِهِ بِقَصِيْدَةٍ، يَقُوْلُ فِيْهَا: وَلَعَمْرِيَ لَوْلَا بَقِيَّةُ عَبْدِ الـ … ــوَاحِدِ الحَنْبَلِيِّ أَعْضَلَ دَاؤُهُ هُمْ أَعَادُوا المَعْرُوفَ غَضًّا وَقَدْ صَوَّ … حَ مُخْضَرُّهُ وَغَاضَ بَهَاؤُهُ مَعْشَرٌ أُرْضِعُوا النَّبَاهَةَ مِنْ عُوْ … دٍ نُضَارٍ مَاءُ المُرُوْءَةِ مَاؤُهُ كُلُّ مَعْرُوفِهِمْ لِمَعْرُوْفِهِمْ طَلْـ … ـــقٌ وَهُمْ فِي مَكْرُوْهِهِ شُرَكَاؤُهُ

стр. 581

أَلْسُنُ تَوَّجَ المَنَابِرَ مِنْهَا … كُلُّ عَضْبِ فَلَّ القَضَاءَ مَضَاؤُهُ فَالكِتَابُ العَزِيْزُ يَشْهَدُ أَنْ قَدْ … سَلَّمَتْ خِصْلَةً لَهُ قُرَّاؤُهُ أَهْلُهُ أَنْتُمُ وَمَنْ لَمْ يَقُلْ قَوْ … لِيَ غَمَّمَتْ عَيْنَهُ أَعْضَاؤُهُ فُقَهَاءُ الإِسْلَامِ إِنْ عَـ … ـــنَّ لَبْسُ أَحْبَارِهِ خُطَبَاؤُهُ قَالَ نَاصِحُ الدِّيْنِ حَفِيْدُ شَرَفِ الإِسْلَامِ: قَدْ عَرَضْتُ هَذِهِ القَصِيْدَةَ عَلَى أَبِي البَقَاءِ العُكْبَرِيِّ (١) فَأَثْنَى عَلَيْهَا كَثِيْرًا.

стр. 582

٩٣ - عَبْدُ الوَهَّابِ بنِ المُبَارَكِ (١) بنِ أَحْمَدَ بنِ الحَسَنِ الأَنْمَاطِيُّ، الحَافِظُ أَبُو البَرَكَاتِ، مُحَدِّثُ "بَغْدَادَ" وُلِدَ فِي رَجَبٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ. وَسَمِعَ الكَثِيْرِ مِنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الصَّرِيْفِيْنِيِّ، وَأَبِي الحُسَيْنِ بنِ النَّقُّوْرِ، وأَبِي القَاسمِ الأَنْمَاطِيِّ، وَابنِ البُسْرِيِّ، وَأَبِي نَصْرٍ الزَّيْنَبِيِّ، وَطِرَادٍ، وَخَلْقٍ كَثِيْرٍ

стр. 583

بَعْدَهُمْ (١) وَكَتَبَ بِخَطِّهِ الكَثِيْرَ، وَسَمِعَ العالِي وَالنَّازِلِ، حَتَّى إنَّهُ قَرَأَ عَلَى أَبِي الحُسَيْنِ بنِ الطُّيُورِيِّ جَمِيْعَ مَا عِنْدَهُ (٢).

стр. 584

قَالَ ابنُ نَاصِرٍ عَنْهُ: كَانَ بَقِيَّةَ الشُّيُوْخِ، سَمِعَ الكَثِيْرَ، وَكَانَ يَفْهَمُ، مَضَى مَسْتُوْرًا، وَكَانَ ثِقَةً، وَلَمْ يَتزَوَّجْ قَطُّ. وَقَالَ السِّلَفِيُّ: كَانَ عَبْدُ الوَهَّابِ رَفِيْقًا، حَافِظًا، ثِقَةً، لَدَيْهِ مَعْرِفَةٌ جَيِّدَةٌ. وَقَالَ الحَافِظُ أَبُو مُوْسَى المَدِيْنيُّ فِي "مُعْجَمِهِ": هُوَ حَافِظُ عَصْرِهِ بِـ "بَغْدَادَ". وَذَكَرَهُ ابنُ السَّمْعَانِيِّ، فَقَالَ: حَافِظٌ، ثِقَةٌ، وَاسِعُ الرِّوَايَةِ، دَائِمُ البِشْرِ، سَرِيْعُ الدَّمْعَةِ عِنْدَ الذِّكْرِ، حَسَنُ المُعَاشَرَةِ، جَمَعَ الفَوَائِدَ، وَخَرَّجَ التَّخَارِيجَ، لَعَلَّهُ مَا بَقِيَ جُزْءٌ مَرْوِيُّ إِلَّا وَقَدْ قَرَأَهُ وَحَصَّلَ نُسْخَتَهُ، وَنسَخَ الكُتُبِ الكِبَارَ، مِثْلَ "الطَّبَقَاتِ" لابنِ سَعْدٍ، وَ"تَارِيْخِ الخَطِيْبِ" وَكَانَ مُتَفَرِّغًا لِلْتَّحْدِيْثِ؛ إِمَّا أَنْ يُقْرَأَ عَلَيْهِ، أَوْ يُنْسَخَ شَيْئًا، وَذَكَرَهُ ابنُ الجَوْزِيِّ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ مِنْ كُتُبِهِ، كَـ "مَشْيَخَتِهِ" وَ"طَبَقَاتِ الأَصْحَابِ" المُخْتَصَرَةِ، وَ"التَّارِيْخ" وَ"صَفْوَةِ الصَّفْوَةِ" وَ"صَيْدِ الخَاطِرِ" (١) وَأَثْنَى عَلَيْهِ كَثِيْرًا، وَقَالَ: كَانَ ثِقَةً، ثَبْتًا، ذَا

стр. 585

دِيْنٍ وَوَرَعٍ، وَكُنْتُ أَقْرَأُ عَلَيْهِ الحَدِيْثَ وَهُوَ يَبْكِي، فَاسْتَفَدْتُ بِبُكَائِهِ أَكْثَرَ مِنِ استِفَادَتِي بِرِوَايَتِهِ، وَكَانَ عَلَى طَرِيْقَةِ السَّلَفِ، وَانْتَفَعْتُ بِهِ مَا لَم أَنْتَفِعُ بِغَيْرِهِ، وَدَخَلْتُ عَلَيْه فِي مَرَضِهِ - وَقَدْ بَلِيَ وَذَهَبَ لَحْمُهُ - فَقَالَ لِي: إِنَّ اللهَ لَا يُتَّهَمُ فِي قَضَائِهِ. وَقَالَ أَيْضًا: مَا رَأَيْنَا فِي مَشَايِخِ الحَدِيْثِ أَكْثَرَ سَمَاعًا مِنْهُ، وَلَا أَكْثَرَ كِتَابَةً لِلْحَدِيْثِ بِيَدِهِ، مَعَ المَعْرِفَةِ بِهِ، وَلَا أَصْبَرَ عَلَى الإِقْرَاءِ، وَلَا أَسْرَعَ دَمْعَةً، وَأَكْثَرَ بُكَاءً، مَعَ دَوَامِ البِشْرِ، وَحُسْنِ اللِّقَاءِ. وَقَالَ أَيْضًا: كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَيْهِ الحَدِيْثَ مِنْ أَخْبَارِ الصَّالِحِيْنَ، فَكُلَّمَا قَرَأْتُهَا بَكَى وَانْتَحَبَ، وَكُنَّا نَنْتَظِرُهُ يَوْمَ الجُمُعَةِ بِجَامِعِ المَنْصُورِ، فَلَا يَجِيءُ مِنْ قَنْطَرَةِ "بَابِ البَصْرَةِ" وَإِنَّمَا يَجِيءُ مِنَ القَنْطَرَةِ العَتِيْقَةِ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: تِلْكَ كَانَتْ "دَارَ ابنِ مَعْرُوفٍ القَاضِي" (١)، فَلَمَّا غَضِبَ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ أَخَذَهَا وَبَنَى عَلَيْهَا القَنْطَرَةَ. قَالَ لَنَا: وَسَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ التَّمِيْمِيَّ يَحْكِي عَنِ ابْنِ معْرُوفٍ: أَنَّهُ أَحَلَّ كُلَّ مَنْ يَجُوْزُ عَلَيْهَا، إِلَّا أَنِّي أَنَا لَا أَفْعَلُ. قَالَ: وَكَانَتْ فِيْهِ خَلَّةٌ أُخْرَى عَجِيْبَةٌ: لَا يَغْتَابُ أَحَدًا، وَلَا يُغْتَابُ عِنْدَهُ، وَكَانَ صَبُوْرًا عَلَى القِرَاءَةِ عَلَيْهِ، يَقْعُدُ طُوْلَ النَّهَارِ لِمَنْ يَطْلُبُ العِلْمَ، وَكَانَ سَهْلًا فِي إِعَارَةِ الأَجْزَاءِ لَا يَتَوَقَّفُ، وَلَمْ يَكُنْ يَأُخُذُ أَجْرًا عَلَى العِلْمِ، وَيَعِيْبُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ، ويَقُوْلُ: عَلِّمْ مَجَّانًا، كَمَا عُلِّمْتَ مَجَّانًا. قُلْتُ: حَدَّثَ عَبْدُ الوَهَّابِ بِالكَثِيْرِ، وَسَمِعَ مِنْهُ خُلُقٌ عَظِيْمٌ. وَرَوَى عَنْهُ مِنَ الحُفَّاظِ وَالأَئِمَّةِ وَغَيْرِهِمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، مِنْهُمْ: ابنُ نَاصِرٍ، وَالسِّلَفِيُّ،

стр. 586

وَابنُ عَسَاكِرٍ، وَأَبُو مُوْسَى المَدِيْنِيُّ، وَأَبُو سَعْدٍ السَّمْعَانِيِّ (١) وَابْنُ الجَوْزِيِّ، وَابْنُ الأَخْضَرِ، وَأَبُو أَحْمَدَ بنُ سُكَيْنَةَ، وَابْنُ طَبَرْزَدَ، وَأَحْمَدُ بنُ الدَّبِيْقِيِّ وَعبْدُ الوَهَّابِ بنُ أَحْمَدَ هَذَا خِلَافُ عَبْدِ الوَهَّابِ بنُ أَحْمَدَ بنِ هَدِيَّةَ (٢)،

стр. 587

وَهُوَ خَاتِمَةُ أَصْحَابِهِ وَكَانَ السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرُهُ مِنَ الحُفَّاظِ يَسْتَفِيْدُونَ مِنْهُ، وَيَرْجِعُونَ إِلَى قَوْلهِ فِي أَحْوَالِ الرُّوَاةِ وَجَرْحِهِمْ وَتَعْدِيْلِهِمْ. وَمِنَ الفَوَائِدِ المَذْكُورَةِ عَنْهُ: أَنَّهُ كَانَ لَا يُجِيْزُ الرِّوَايَةِ بِالإِجَازَةِ عَنِ الإِجَازَةِ، وَجَمَعَ فِي ذلِكَ تَأْلِيْفًا ذَكَرَهُ ابنُ السَّمْعَانِيِّ عَنْهُ، وَهُوَ مَذْهَبٌ غَرِيْبٌ. تُوُفِّيَ ﵀ يَوْمَ الخَمِيْسِ حَادِي عَشَرَ المُحَرَّمِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَدُفِنَ مِنَ الغَدِ بِـ "الشَّوْنِيْزِيَّةِ" وَهِيَ مَقْبَرَةُ أَبِي القَاسِمِ الجُنَيْدِ، غَرْبِيِّ بَغْدَادَ. أَخْبَرَنَا أَبُو الفَتْحِ مُحَمَّدُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ بـ "مِصْرَ" (أَنَا) أَبُو الفَرَجِ عَبْدُ اللَّطِيْفِ بنُ عَبْدِ المُنْعِمِ الحَرَّانِيُّ (أَنَا) الحَافِظُ أَبُو الفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَلِيٍّ (أَنَا) الحَافِظُ عَبْدُ الوَهَّابِ بنُ المُبَارَكِ الأَنْمَاطِيُّ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ (أَنَا) أَبُو مُحَمَّدٍ

стр. 588

عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدٍ الصَّرِيْفِيْنِيُّ (أَنَا) أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ الحَسَنِ بنِ عَبْدَانَ (١) الصَّيْرَفِيُّ (أَنَا) أَبُو القَاسِمِ البَغَوِيُّ (أَنَا) عَلِيُّ بنُ الجَعْدِ (أَنَا) شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُوْرٍ، عَنْ رِبْعِيِّ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ (٢): "إِنَّ آخِرَ مَا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُبُوَّةِ الأُوْلَى إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ" أَخْرَجَهُ البخَارِيُّ، عَنْ آدَمَ، عَنْ شُعْبَةَ. ٩٤ - مُحَمَّدُ بن عَلِيِّ (٣) بنِ صَدَقَةَ بنِ جَلب الصَّائِغُ، أَبُو البَرَكَاتِ، أَمِيْنُ الحُكْمِ

стр. 589

بِـ "بَابِ الأَزَجِ". سَمِعَ مِنْ أَبِي مُحَمَّدٍ التَّمِيْمِيُّ، وَقَرَأَ الفِقْهَ عَلَى القَاضِي أَبِي حَازِمٍ. وَذَكَرَ ابنُ القَطِيْعِيِّ، عَنْ أَبِي الحُسَيْنِ بنِ أَبِي البَرَكَاتِ الصَّائِغِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: جَاءَتْ فَتوَىً إِلَى القَاضِي أَبِي حَازِمٍ وَفِيْهَا مَكْتُوبٌ. مَا يَقُوْلُ الإِمَامُ أَصْلَحَهُ اللَّـ … ــهُ وَلِلسَّبِيْلِ هَدَاهُ فِي مُحِبٍّ أَتَى إِلَيْهِ حَبِيْبٌ … فِي لَيَالِي صِيَامِهِ فَأَتَاهُ أَفْتِنَا هَلْ صَبَاحَ لَيْلَتِهِ أَفْـ … ـــطَرَ أَمْ لَا وَقُلْ لَنَا مَا تَرَاهُ قالَ: فَقَالَ لِي القَاضِي أَبُو حَازِمٍ: أَجِبْ يَا أَبَا البَرَكَاتِ، فَكَتَبْتُ: الجَوَابُ وَبِاللهِ التَّوْفِيْقُ: أَيُّهَا السَّائِلُ عَنِ الوَطْءِ فِي لَيْـ … ـــلَةِ الصِّيَامِ الَّذِي إِلَيْهِ دَعَاهُ وَجْدُهُ بِالَّذِي أَحَبَّ وَقَدْ أَحْـ … ــــرَقَ نَارُ الغَرَامِ مِنْهُ حَشَاهُ

стр. 590

كَيْفَ تَعْصِي وَلَوْ تَفَكَّرَ فِي قُدْ … رَةِ رَبِّي مُفَكِّرٌ مَا عَصَاهُ أَأَمِنْتَ الَّذِي دَحَا الأَرْضَ أَنْ تُطْـ … ـــبِقَ دُوْنَ الوَرَى عَلَيْكَ سَمَاهُ لَيْسَ فِيْمَا أَتَيْتَ مَا يُبْطِلُ الصَّوْ … مَ جَوَابِي فَاعْلَمْ هَدَاكَ اللهُ تُوُفِّيَ لَيْلَةَ سَابِعَ عشَرَ رَجَبٍ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِيْنَ وَخَمِسِمَائَةَ، وَدُفِنَ بِـ "بَابِ حَرْبٍ". وَكَانَ سَبَبُ مَوْتِهِ أَنَّ زَوْجَتَهُ سَمَّتْهُ فِي طَعَامٍ قَدَّمَتْهُ لَهُ، وَأَكَلَ مَعَهُ مِنْهُ رَجُلَانِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا منْ لَيْلَتِهِ، وَالآخَرُ مِنْ غَدِهِ، وَبَقِيَ أَبُو البَرَكَاتِ مَرِيْضًا مُدَيْدَةً، ثُمَّ مَاتَ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -.

стр. 591

٩٥ - مَوْهُوْبُ بنُ أحْمَدَ (١) بنِ مُحَمَّدِ بنِ الخَضِرِ بنِ الحَسَنِ بنِ مُحَمَّدٍ الجَوَالِيْقِيُّ،

стр. 592

أَبُو مَنْصُوْرِ بنِ أَبِي طَاهِرٍ. شَيْخُ أَهْلِ اللُّغَةِ فِي عَصْرِهِ. وُلِدَ فِي ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، ذَكَرَهُ ابنُ شَافِعٍ، وَابنُ الجَوْزِيِّ، وَقَالَ ابنُ السَّمْعَانِيِّ: سَأَلْتُهُ عَنْ مَوْلِدِهِ؟ فَقَالَ: سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّيْنَ. وَذَكَرَ غَيْرُهُ: أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ ذلِك؟ فَقَالَ: فِي أَوَاخِرِ سَنَةِ خَمْسٍ، أَوْ أَوَائِلِ سَنَةِ سِتٍّ. وَسَمِعَ الحَدِيْثَ الكَثِيْرَ مِنْ أَبِي القَاسِمِ بنِ البُسْرِيِّ، وَأَبِي طَاهِرٍ بنِ أَبِي الصَّقْرِ، وَأَبِي الحَسَنِ عَلِيِّ بنِ مُحَمَّدٍ الخَطِيْبِ الأَنْبَارِيِّ، وَطِرَادٍ الزَّيْنَبِيِّ، وَنَصْرِ

стр. 593

ابنِ البَطَرِ، وَأَبِي الحُسَيْنِ بنِ الطُّيُوْرِيِّ، وَجَعْفَرٍ السَّرَّاجِ، وَأَبي طَاهِرِ بنِ سِوَارٍ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ بَعْدِهِمْ، وَقَرَأَ الأَدَبَ عَلَى أَبِي زَكَرِيَّا التِّبْرِيْزِيِّ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَبَرَعَ فِي عِلْمِ اللُّغَةِ وَالعَرَبِيَّةِ، وَدَرَّسَ العَرَبِيَّةَ فِي المَدْرَسَةِ النِّظَامِيَّةِ (١) بَعْدَ شَيْخِهِ أَبِي زَكَرِيَّا مُدَّةً، ثُمَّ قَرَّبَهُ المُقْتَفِي لِأَمْرِ اللهِ (٢) فَاخْتُصَّ بِإِمَامَتِهِ فِي الصَّلَوَاتِ. وَكَانَ المُقْتَفِي يَقْرَأُ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنَ الكُتُبِ، وَانْتَفَعَ بِذلِكَ، وَبَانَ أَثَرُهُ فِي تَوْقِيْعَاتِهِ. وَكَانَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ المُحَامِيْنَ عَنْهَا، ذَكَرَ ذلِكَ ابنُ شَافِعٍ. وَقَالَ ابنُ السَّمْعَانِيِّ فِي حَقِّهِ: إِمَامٌ فِي اللُّغَةِ وَالأَدَبِ، وَهُوَ مِنْ مَفَاخِرِ "بَغْدَادَ" وَهُوَ مُتَدَيِّنٌ، ثِقَةٌ، وَرِعٌ، غَزِيرُ الفَضْلِ، كَامِلُ العَقْلِ، مَلِيْحُ الخَطِّ، كَثِيْرُ الضَّبْطِ، صَنَّفَ التَّصَانِيْفَ، وَانْتَشَرَتْ عَنْهُ، وَشَاعَ ذِكْرُهُ، ونَقَلَ بِخَطِّهِ الكَثِيْرَ. وَقَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: انْتَهَى إِلَيْهِ عِلْمُ اللُّغَةِ، وَكَانَ غَزِيْرَ العَقْلِ، مُتَوَاضِعًا فِي مَلْبَسِهِ وَرِئَاسَتِهِ، طَوِيْلَ الصَّمْتِ، لَا يَقُوْلُ الشَّيءَ إِلَّا بَعْدَ التَّحْقِيْقِ وَالفِكْرِ الطَّوِيْلِ، وَكَثِيرًا مَا كَانَ يَقُوْلُ: لَا أَدْرِي، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ. سَمِعْتُ مِنْهُ كَثِيرًا مِنَ الحَدِيْثِ، وَغَرِيْبِ الحَدِيْثِ، وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ كِتَابَهُ "المُعَرَّبَ" وَغَيْرِهِ مِنْ تَصَانِيْفِهِ وَقِطْعَةً مِن اللُّغَةِ. وَقَالَ ابنُ خَلِّكَانَ فِي "تَارِيْخِهِ" صَنَّفَ التَّصَانِيْفَ المُفِيْدَةَ وَانْتَشَرَتْ

стр. 594

عَنْهُ، مِثْلَ شَرْحِ كِتَابِ "أَدَبِ الكَاتِبِ" وَكِتَابِ "المُعَرَّبِ" وَ"تَتِمَّةِ دُرَّةِ الغَوَّاصِ" (١) لِلْحَرِيْرِيِّ، وَخَطُّهُ مَرْغُوبٌ فِيْهِ. وَكَانَ يُصَلِّي بِالمُقْتَفِي بِاللهِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ - وَهُوَ أَوَّلُ مَا دَخَلَ - فَمَا زَادَ عَلَى أَنْ قَالَ: السَّلَامُ عَلَى أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ، فَقَالَ: ابنُ التِّلْمِيْذِ النَّصْرَانِيُّ - وَكَانَ قَائِمًا، وَلَهُ إِدْلَالُ الخِدْمَةِ، وَالطَّلَبِ - مَا هكَذَا يُسَلِّمُ عَلَى أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ، يَا شَيْخُ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ ابْنُ الجَوَالِيْقِيِّ وَقَالَ: يَا أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ، سَلَامِي هُوَ مَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ، وَرَوَى الحَدِيْثَ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ، لَو حَلَفَ حَالِفٌ أَنَّ نَصْرَانِيًّا أَوْ يَهُوْدِيًّا لَمْ يَصِلْ إِلَى قَلْبِهِ نَوعٌ مِنْ أَنْوَاعِ العِلْمِ عَلَى الوَجْهِ (٢) لَمَا لَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ؛ لأَنَّ اللهَ خَتَمَ عَلَى قُلُوْبِهِمْ، وَلَنْ يَفُكَّ خَتْمَ اللهِ إِلَّا الإِيْمَانُ. فَقَالَ: صَدَقْتَ وَأَحْسَنْتَ، وَكَأَنَّمَا أُلْجِمَ ابنُ التِّلْمِيْذِ بِحَجَرٍ، مَعَ فَضْلِهِ وَغَزَارَةِ أَدَبِهِ. وَقَال المُنْذِرِيُّ: الإِمَامُ أَبُو مَنْصُوْرٍ، أَحَدُ الفُضَلَاءِ فِي اللُّغَةِ وَالنَّحْوِ، وَهُوَ مِن مَفَاخِرِ "بَغْدَادَ" وَلَهُ التَّصَانِيْفُ المَشْهُوْرَةُ. حَدَّثَ أَبُو مَنْصُوْرٍ بِالعَوَالِي مِنْ حَدِيْثِهِ لِعِزَّةِ أَوْقَاتِهِ. وَسَمِعَ مِنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ: ابنُ نَاصِرٍ، وَابنُ السَّمَعَانِيِّ، وَابْنُ الجَوْزِيِّ، وَأَبُو اليُمَنِ الكِنْدِيُّ.

стр. 595

وَتُوُفِّيَ سَحَرَ يَوْمِ الأَحَدِ خَامِسَ عَشَرَ مُحَرَّمٍ سَنَةَ أَرْبَعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ مِنَ الغَدِ فِي جَامِعِ القَصْرِ، وَحَضَرَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ أَرْبَابُ الدَّوْلَةِ وَالعُلَمَاءُ، وَتَقَدَّمَهُمْ فِي الصَّلَاةِ قَاضِي القُضَاةِ أَبُو القَاسِمِ الزَّيْنَبِيُّ، وَدُفِنَ بِـ "بَابِ حَرْبٍ" عِنْدَ وَالِدِهِ - رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى - وَوَهِمَ ابنُ السَّمْعَانِيِّ فِي وَفَاتِهِ، فَقَالَ: فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَثَلَاثِيْنَ. أَخْبَرَنَا أَبُو الفَتْحِ المَيْدُوْمِيُّ بِـ "مِصْرَ" (أَنَا) أَبُو الفَرَجِ الحَرَّانِيُّ (أَنَا) عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَلِيٍّ الحَافِظُ (أَنَا) مَوْهُوْبٌ بنُ أَحْمَدَ بنِ الجَوَالِيْقِيُّ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ، (أَثنَا) أَبُو القَاسِمِ عَلِيُّ بنُ أَحْمَدَ بنِ البُسْرِيِّ (أَنَا) أَبُو الحَسَنِ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ الصَّلْتِ (ثَنَا) إِبْرَاهِيْمُ بنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الهَاشِمِيُّ (ثَنَا) أَبُو مُصْعَبٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، عَن أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ (١): "السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ العَذَابِ؛ يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ

стр. 596

نَوْمَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ، فَإِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ نَهْمَتَهُ مِنْ وَجْهِهِ فَلْيُعَجِّلْ الرُّجُوْعَ إِلَى أَهْلِهِ". أَخْرَجَاهُ عَنِ القَعْنَبِيِّ عَنْ مَالِكٍ. ٩٦ - نَصْرُ بنُ الحُسَيْنِ (١) بنِ حَامِدٍ الحَرَّانِيُّ، أَبُو القَاسِمِ. أَحَدُ شُيُوْخِ "حَرَّانَ" وَفُقَهَائِهَا الأَكَابِرِ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي الفَتْحِ بنِ جَلَبَةَ (٢) القَاضِي، وَأَبِي الحَسَنِ (٣) بنِ عَمْرٍو الزَّاهِدِ، وَعَنْهُمَا أَخَذَ العِلْمَ، وَلَا أَعْلَمُ سَنَةَ وَفَاتِهِ. ذَكَرَهُ أَبُو الفَتْحِ بنُ عَبْدُوْسٍ (٤)، وَقَدْ عَدَّدَ شُيُوْخَ "حَرَّانَ" وَعُلَمَاءَهَا، وَفُقَهَاءَهَا.

стр. 597

٩٧ - وذَكَرَ مِنْهُمْ: أَبَا المَحَاسِنِ هِبَةَ اللهِ بنَ نَصْرِ (١) بنِ الحُسَيْنِ بنِ حَامِدٍ وَلَدَ المَذْكُوْرِ. قلْتُ: أَبُو المَحَاسِنِ هَذَا تَفَقَّهَ بِـ "بَغْدَادَ" وَقَرَأَ عَلَى ابنِ الزَّاغُوْنِيِّ، وَأَبِي الخَطَّابِ وَغَيْرِهِمَا، وَسَمِعَ مِنْ طَلْحَةَ العَاقُوْلِيِّ، وَلَهُ تَصْنِيْفٌ أَظُنُّهُ فِي أُصُوْلِ الدِّيْنِ سَمَّاهُ "كِفَايَةَ المُنْتَهِي وَنِهَايَةَ المُبْتَدِي" نَقَلَ مِنْهُ الشَّيْخُ فَخْرُ الدِّيْنِ ابنُ تَيْمِيَّةَ فِي "تَفْسِيْرِهِ". ٩٨ - وَذَكَرَ ابنُ عَبْدُوْسَ: أَبَا القَاسِمِ صَدَقَةَ (٢) بنَ عَلِيِّ بنِ مُحَشَّى. ٩٩ - وَصَاحَبَهُ: أَبَا المَعَالِي رَافِعَ (٣) بنَ مُحَمَّدِ بنِ الحَكِيْمِ.

стр. 598

١٠٠ - وَوَلَدَهُ أَبَا الحَسَنِ مُحَمَّدَ (١) بنَ رَافِعٍ. ١٠١ - وَقَدْ رَوَى (٢) السِّلَفِيُّ عَنْ: أبِي الفَتْحِ أَحْمَدَ بن مُحَمَّد (٣) بن حَامِدٍ (٤) الأَسَدِيُّ الحَرَّانِيُّ بِـ "مَاكِسِيْنَ" (٥). قَالَ: وَكَانَ قَدْ وَلِيَ قَضَاءَهَا حَدِيْثًا - بِإِجَازَتِهِ مِنْ أَبِي طَالِبٍ العُشَارِيِّ، وَبِسَمَاعِهِ مِنَ القَاضِي أَبِي الفَتْحِ بنِ جَلَبَةَ، بِسَمَاعِهِ مِنَ العُشَارِيِّ.

стр. 599

١٠٢ - وَذَكَرَ ابنُ نُقْطَةَ عَنِ السِّلَفِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ المُؤْتَمِنَ بنَ أَحْمَدَ السَّاجِيَّ يَقُوْلُ: عَلِيُّ بنُ مُحَمَّدِ (١) بنِ عَلِيِّ بنِ جَلَبَةَ، قَاضِي "حَرَّانَ" كَانَ مُحِبًّا لِلْحَدِيْثِ، مُجِدًّا فِي السُّنَّةِ. ١٠٣ - نَجِيْبُ بنُ عَبْدِ اللهِ السَّمَرْقَنْدِيُّ (٢)، أَبُو بَكْرٍ، ذَكَرَهُ يَحْيَى بنُ الصِّيْرَفِيُّ الحُرَّانِيُّ الفَقِيْهُ فِي بَعْضِ تَصَانِيْفِهِ، وَقَالَ: أَظُنَّهُ مِنْ تَلَامِذَةِ ابنِ عَقِيْلٍ. قَالَ: وَلَهُ تَخَارِيْجُ حَسَنَةٌ فِي المَذْهَبِ، وَذَكَرَ مِنْ ذلِكَ أَنَّهُ خَرَّجَ رِوَايَةً أَنَّهُ لَا يَجِبُ القَوَدُ فِي صُوْرَةِ الإكْرَاهِ عَلَى القَتْلِ لا (٣) عَلَى المُكْرَهِ، وَلَا عَلَى المُكْرِهِ مِنَ الرِّوَايَةِ الَّتِي يَقُوْلُ فِيْهَا: لَا تُقْتَلُ الجَمَاعَةُ بِالوَاحِدِ؛ لامْتِزَاجِ الأَفْعَالِ فَكَذلِكَ هُنَا وَأَوْلَى؛ لأَنَّ السَّبَبَ غَيْرُ صَالِحٍ.

стр. 600

١٠٤ - الحُسَيْنُ بنُ الهَمَذَانِيُّ (١)، أَبُو عَبْدِ اللهِ، شَمْسُ الحُفَّاظِ. لَهُ كِتَابُ "المُقْتَدِي" فِي الفِقْهِ فِي المَذْهَبِ. ذَكَرَهُ ابنُ الصَّقَّالِ الحَرَّانِيُّ (٢) فِي رِسَالَتِهِ المُسَمَّاةِ بِـ "الإِنْبَاءِ عَنْ تَحْرِيْمِ الرِّبَا". وَذَكَرَ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي هَذَا الكِتَابِ أَنَّ العُرُوْضَ المَطْلِيِّ بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ لَا يَجُوْزُ بَيْعُهُ بِأَحَدِهِمَا، قَوْلًا وَاحِدًا، وَهَذَا مُوَافَقَةً لِطَرِيْقَةِ ابنِ أَبِي مُوْسَى (٣) وَغَيْرِهِ. وَلَا أَعْلَمُ مِنْ حَالِهِ غَيْرَ هَذَا. ١٠٥ - المُبَارَكُ بنُ عَبْدُ المَلِكِ (٤) بنِ الحُسَيْنِ البَغْدَادِيُّ، الحَرِيْمِيُّ، الفَقِيْهُ، الإمَامُ، أَبُو عَلِيٍّ، المَعْرُوْفِ بِـ "ابنِ القَاضِي".
следующие страницы →