Полный текст (2 431 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
نَوْمَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ، فَإِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ نَهْمَتَهُ مِنْ وَجْهِهِ فَلْيُعَجِّلْ الرُّجُوْعَ إِلَى أَهْلِهِ". أَخْرَجَاهُ عَنِ القَعْنَبِيِّ عَنْ مَالِكٍ.
٩٦ - نَصْرُ بنُ الحُسَيْنِ (١) بنِ حَامِدٍ الحَرَّانِيُّ، أَبُو القَاسِمِ. أَحَدُ شُيُوْخِ "حَرَّانَ" وَفُقَهَائِهَا الأَكَابِرِ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي الفَتْحِ بنِ جَلَبَةَ (٢) القَاضِي، وَأَبِي الحَسَنِ (٣) بنِ عَمْرٍو الزَّاهِدِ، وَعَنْهُمَا أَخَذَ العِلْمَ، وَلَا أَعْلَمُ سَنَةَ وَفَاتِهِ. ذَكَرَهُ أَبُو الفَتْحِ بنُ عَبْدُوْسٍ (٤)، وَقَدْ عَدَّدَ شُيُوْخَ "حَرَّانَ" وَعُلَمَاءَهَا، وَفُقَهَاءَهَا. стр. 597
٩٧ - وذَكَرَ مِنْهُمْ: أَبَا المَحَاسِنِ هِبَةَ اللهِ بنَ نَصْرِ (١) بنِ الحُسَيْنِ بنِ حَامِدٍ وَلَدَ المَذْكُوْرِ.
قلْتُ: أَبُو المَحَاسِنِ هَذَا تَفَقَّهَ بِـ "بَغْدَادَ" وَقَرَأَ عَلَى ابنِ الزَّاغُوْنِيِّ، وَأَبِي الخَطَّابِ وَغَيْرِهِمَا، وَسَمِعَ مِنْ طَلْحَةَ العَاقُوْلِيِّ، وَلَهُ تَصْنِيْفٌ أَظُنُّهُ فِي أُصُوْلِ الدِّيْنِ سَمَّاهُ "كِفَايَةَ المُنْتَهِي وَنِهَايَةَ المُبْتَدِي" نَقَلَ مِنْهُ الشَّيْخُ فَخْرُ الدِّيْنِ ابنُ تَيْمِيَّةَ فِي "تَفْسِيْرِهِ".
٩٨ - وَذَكَرَ ابنُ عَبْدُوْسَ: أَبَا القَاسِمِ صَدَقَةَ (٢) بنَ عَلِيِّ بنِ مُحَشَّى.
٩٩ - وَصَاحَبَهُ: أَبَا المَعَالِي رَافِعَ (٣) بنَ مُحَمَّدِ بنِ الحَكِيْمِ. стр. 598
١٠٠ - وَوَلَدَهُ أَبَا الحَسَنِ مُحَمَّدَ (١) بنَ رَافِعٍ.
١٠١ - وَقَدْ رَوَى (٢) السِّلَفِيُّ عَنْ: أبِي الفَتْحِ أَحْمَدَ بن مُحَمَّد (٣) بن حَامِدٍ (٤) الأَسَدِيُّ الحَرَّانِيُّ بِـ "مَاكِسِيْنَ" (٥). قَالَ: وَكَانَ قَدْ وَلِيَ قَضَاءَهَا حَدِيْثًا - بِإِجَازَتِهِ مِنْ أَبِي طَالِبٍ العُشَارِيِّ، وَبِسَمَاعِهِ مِنَ القَاضِي أَبِي الفَتْحِ بنِ جَلَبَةَ، بِسَمَاعِهِ مِنَ العُشَارِيِّ. стр. 599
١٠٢ - وَذَكَرَ ابنُ نُقْطَةَ عَنِ السِّلَفِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ المُؤْتَمِنَ بنَ أَحْمَدَ السَّاجِيَّ يَقُوْلُ: عَلِيُّ بنُ مُحَمَّدِ (١) بنِ عَلِيِّ بنِ جَلَبَةَ، قَاضِي "حَرَّانَ" كَانَ مُحِبًّا لِلْحَدِيْثِ، مُجِدًّا فِي السُّنَّةِ.
١٠٣ - نَجِيْبُ بنُ عَبْدِ اللهِ السَّمَرْقَنْدِيُّ (٢)، أَبُو بَكْرٍ، ذَكَرَهُ يَحْيَى بنُ الصِّيْرَفِيُّ الحُرَّانِيُّ الفَقِيْهُ فِي بَعْضِ تَصَانِيْفِهِ، وَقَالَ: أَظُنَّهُ مِنْ تَلَامِذَةِ ابنِ عَقِيْلٍ. قَالَ: وَلَهُ تَخَارِيْجُ حَسَنَةٌ فِي المَذْهَبِ، وَذَكَرَ مِنْ ذلِكَ أَنَّهُ خَرَّجَ رِوَايَةً أَنَّهُ لَا يَجِبُ القَوَدُ فِي صُوْرَةِ الإكْرَاهِ عَلَى القَتْلِ لا (٣) عَلَى المُكْرَهِ، وَلَا عَلَى المُكْرِهِ مِنَ الرِّوَايَةِ الَّتِي يَقُوْلُ فِيْهَا: لَا تُقْتَلُ الجَمَاعَةُ بِالوَاحِدِ؛ لامْتِزَاجِ الأَفْعَالِ فَكَذلِكَ هُنَا وَأَوْلَى؛ لأَنَّ السَّبَبَ غَيْرُ صَالِحٍ. стр. 600
١٠٤ - الحُسَيْنُ بنُ الهَمَذَانِيُّ (١)، أَبُو عَبْدِ اللهِ، شَمْسُ الحُفَّاظِ. لَهُ كِتَابُ "المُقْتَدِي" فِي الفِقْهِ فِي المَذْهَبِ. ذَكَرَهُ ابنُ الصَّقَّالِ الحَرَّانِيُّ (٢) فِي رِسَالَتِهِ المُسَمَّاةِ بِـ "الإِنْبَاءِ عَنْ تَحْرِيْمِ الرِّبَا". وَذَكَرَ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي هَذَا الكِتَابِ أَنَّ العُرُوْضَ المَطْلِيِّ بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ لَا يَجُوْزُ بَيْعُهُ بِأَحَدِهِمَا، قَوْلًا وَاحِدًا، وَهَذَا مُوَافَقَةً لِطَرِيْقَةِ ابنِ أَبِي مُوْسَى (٣) وَغَيْرِهِ. وَلَا أَعْلَمُ مِنْ حَالِهِ غَيْرَ هَذَا.
١٠٥ - المُبَارَكُ بنُ عَبْدُ المَلِكِ (٤) بنِ الحُسَيْنِ البَغْدَادِيُّ، الحَرِيْمِيُّ، الفَقِيْهُ، الإمَامُ، أَبُو عَلِيٍّ، المَعْرُوْفِ بِـ "ابنِ القَاضِي". стр. 601
تَفَقَّهَ فِي المَذْهَبِ، وَبَرَعَ فِيْهِ، وَسَمِعَ فِي حَالِ كِبَرِهِ مِنْ غَيْرِ وَاحِدٍ. وَكَانَ مِنْ أَكَابِرِ الفُقَهَاءِ، تَفَقَّهَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ، وَلَا أَعْلَمُ سَنَةَ وَفَاتِهِ.
١٠٦ - وَلَهُ ابنٌ يُقَالُ لَهُ: أَبُو مَنْصُوْرٍ عَبْدُ المَلِكِ (١) كَانَ مَوْصُوْفًا بالصَّلَاحِ стр. 602
وَالخَيْرِ. وَلِيَ القَضَاءِ بِـ "مَدِيْنَةِ المَنْصُوْرِ" بـ "الحَرِيْمِ الطَّاهِرِيِّ". وَسَمِعَ مِنْ أَبِي مَنْصُوْرٍ القَزَّازِ، وأَبِي البَدْرِ الكَرْخِيِّ وَطَبَقَتِهِمَا، وَحَدَّثَ. وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ. وَتُوُفِّيَ فِي عِشْرِيْنَ ذِيْ الحِجَّةِ سَنَةَ تِسْعٍ وَستِّمَائَةَ، وَدُفِنَ بِـ "بَابِ حَرْبٍ". سَمِعَ مِنهُ النَّجِيْبُ الحَرَّانِيُّ. وَسَيَأْتِي عَنْهُ حَدِيْثٌ فِي تَرْجَمَةِ ابنِ الطَّلَّايَةِ (١).
١٠٧ - عَبْدُ اللهِ بنُ علِيِّ (٢) بنِ أَحْمَدَ بنِ عَبْدِ الله البَغْدَادِيُّ، المُقْرِئُ، النَّحْوِيُّ، стр. 603
الأَدِيْبُ، الزَّاهِدُ، أَبُو مُحَمَّدٍ، سِبْطُ أَبِي مَنْصُوْرٍ الخَيَّاطِ.
وُلِدَ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ سَابِعَ عِشْرِيْنَ شَعْبَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ. وَتَلَقَّنَ القُرْآنَ مِنْ شَيْخِهِ أَبِي الحَسَنِ بنِ الفَاعُوْسِ، وَقَرَأَ بِالرِّوَايَاتِ عَلَى جَدِّهِ أَبِي مَنْصُوْرٍ الزَّاهِدِ، وَالشَّرِيْفِ عَبْدِ القَاهِرِ العَبَّاسِيِّ، وَابنِ سِوَارٍ، وَجَمَاعَةٍ. وَسَمِعَ الحَدِيْثَ الكَثِيْرَ مِنْ أَبِي الحُسَيْنِ بنِ النَّقُّوْرِ، وَأَبِي مَنْصُوْرِ بنِ عَبْدِ العَزِيْزِ، وَطِرَادٍ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَرَأَ الأَدَبَ عَلَى أَبِي الكَرَمِ بنِ فَاخِرٍ (١)، وَبَرَعَ عَلَيْهِ فِي стр. 604
العَرَبِيَّةِ وَاللُّغَةِ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ "كِتَابَ سِيْبَويْهِ" وَتَصَانِيْفَ ابنِ جِنِّي، وَصَنَّفَ فِي القِرَاءَاتِ كُتُبًا وَقَصَائِدَ، وَأَمَّ بِمَسْجِدِ ابنِ جَرْدَةَ (١) وَأَقْرَأَ بِهِ، مِنْ سَنَةِ سَبْعٍ وَثَمَانِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ إِلَى وَفَاتِهِ، وَخَتَّمَ مَالَا يُحْصَى، وَقَرَأَ عَلَيْهِ بِالرِّوَايَاتِ خَلْقٌ كَثِيْرٌ، آخِرُهُمْ مَوْتًا تَاجُ الدِّيْنِ زَيْدُ بنُ الحَسَنِ الكِنْدِيُّ (٢)، وَسَمِعَ مِنْهُ الحَدِيْثَ خَلْقٌ كَثِيْرٌ مِنَ الحُفَّاظِ وَغَيْرِهِمْ، مِنْهُمْ: ابنُ نَاصِرٍ، وَابنُ السَّمْعَانِيِّ، وَابْنُ الجَوْزِيِّ، وَكَانَ أَكَابِرُ العُلَمَاءِ، وَأَهْلُ بَلَدِهِ يَقْصُدُوْنَهُ.
قَالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: قَرَأْتُ عَلَيْهِ القُرْآنَ وَالحَدِيْثَ الكَثِيْرَ، وَلَمْ أَسْمَعْ стр. 605
قَارِئًا قَطُّ أَطْيَبَ صَوْتًا مِنْهُ، وَلَا أحْسَنَ أَدَاءً عَلَى كِبَرِ سِنِّهِ، وَجَمَعَ الكُتُبَ الحِسَانَ، وَكَانَ كَثِيْرَ التِّلَاوَةِ، لَطِيْفَ الأَخْلَاقِ، ظَاهِرَ الكَيَاسَةِ وَالظَّرَافَةِ، وَحُسْنِ المُعَاشَرَةِ لِلْعَوَامِّ وَالخَوَاصِّ. وَقَالَ أَيْضًا: كَانَ قَوِيًّا فِي السُّنَّةِ، وَكانَ طُوْلَ عُمُرِهِ مُنْفَرِدًا فِي مَسْجِدِهِ.
وَقَالَ ابنُ السَّمْعَانِيِّ: كَانَ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالنَّحْوِ وَاللُّغَةِ، مُتَوَدِّدًا مُتَوَاضِعًا، حَسَنَ القِرَاءَةِ وَالتِّلَاوَةِ فِي المِحْرَابِ، خُصُوْصًا فِي لَيَالِي رَمَضَانَ، يَحْضُرُ النَّاسُ عِنْدَهُ لاسْتِمَاعِ قِرَاءَتِهِ. وَصَنَّفَ تَصَانِيْفَ فِي القِرَاءَاتِ، وَعُلُوْمِ القُرْآنِ، وَخُوْلِفَ فِي بَعْضِهَا، وَشَنَّعُوا عَلَيْهِ، وَسَمِعْتُ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ ذلِكَ. وَاللهُ تَعَالَى يَغْفِرُ لَنَا وَلَهُ، وَكَتَبْتُ عَنْهُ، وَعَلَّقْتُ عَنْهُ مِنْ شِعْرِهِ.
وَقَالَ ابنُ شَافِعٍ: سَارَ ذِكْرُ سِبْطِ الخَيَّاطِ فِي الأَغْوَارِ وَالأَنْجَادِ (١) وَرَأَسَ أَصْحَابَ الإمَامِ أَحْمَدَ، وَصَارَ أَوْحَدَ وَقْتِهِ، وَنَسِيْجَ وَحْدِهِ، لَمْ أَسْمَعْ فِي جَمِيع عُمُرِي مَنْ يَقْرَأُ الفَاتِحَةَ أَحْسَنَ وَلَا أَصَحَّ مِنْهُ (٢)، وَكَانَ جَمَالَ العِرَاقِ بِأَسْرِهِ، وَكَانَ ظَرِيْفًا، كَرِيْمًا، لَمْ يَخْلِفْ مِثْلَهُ فِي أَكْثَرِ فُنُوْنِهِ، وَلِصَدَقَةَ بنِ الحُسَيْنِ (٣) فِي مَدْحِهِ:
يَا قُدْوَةَ القُرَّاءِ وَالأُدَبَاءِ … وَمَحَجَّةَ الفُقَهَاءِ وَالعُلَمَاءِ стр. 606
وَالعَالِمُ الحَبْرُ الإمَامُ وَمَنْ سَمَى … بِالعِلْمِ مَرْتَبَةً عَلَى الجَوْزَاءِ
وَقَالَ ابنُ نُقْطَةَ: كَانَ شَيْخَ العِرَاقِ، يَرْجِعُ إِلَى دِيْنٍ، وَثِقَةٍ، وَأَمَانَةٍ، وَكَانَ ثِقَةً، صَالِحًا، مِنْ أَئِمَّةِ المُسْلِمِيْنَ.
وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي "طَبَقَاتِ القُرَّاءِ": صَنَّفَ التَّصَانِيْفَ المَلِيْحَةَ فِي القِرَاءَاتِ، مِثْلَ "المُبْهِجِ" (١) وَ"الكِفَايَةِ" وَ"القَصِيْدَةِ المُنْجِدَةِ" (٢) وَ"الرَّوْضَةِ" وَ"الإيْجَازِ فِي السَّبْعَةِ" وَ"المُؤَيِّدَةِ للسَّبْعَةِ" وَ"المُوْضِحَةِ فِي العَشَرَةِ" وَ"الاخْتِيَارِ" (٣) وَ"التَّبْصِرَةِ" وَغَيْرِ ذلِكَ. وَلَهُ شِعْرٌ حَسَنٌ كَثِيْرٌ، فَمِنْهُ مَا أَنْشَدَهُ ابنُ السَّمْعَانِيِّ عَنْهُ (٤):
يَا مَنْ تَمَسَّكَ بِالدُّنْيَا وَلَذَّتِهَا … وَجَدَّ فِي جَمْعِهَا بِالكَدِّ وَالتَّعَبِ
هَلَّا عَمَرْتَ لِدَارٍ سَوْفَ تَسْكُنُهَا … دَارِ القَرَارِ وَفِيْهَا مَعْدِنُ الطَّلَبِ
فَعَنْ قَلِيْلٍ تَرَاهَا وَهِيَ دَاثِرَةٌ … وَقَدْ تَمَزَّقَ مَا جَمَّعْتَ مِنْ نَشَبِ
وَمِنْهُ قَوْلُهُ (٥):
وَمَنْ لَمْ تُؤَدِّبْهُ اللَّيَالِي وَصَرْفُهَا … فَمَا ذَاكَ إلَّا غَائِبُ العَقْلِ وَالحِسِّ
يَظُنُّ بِأَنَّ الأَمْرَ جَارٍ بِحُكْمِهِ … وَلَيْسَ لَهُ عِلْمٌ أَيُصْبِحُ أَمْ يُمْسِي
وَقَوْلُهُ (٦): стр. 607
إِذَا كَانَ أَمْرُ اللهِ فِي الخَلْقِ نَافِذًا … وَمَقْدُوْرُهُ فِيْهِمْ يُقِيْمُ وَيُقْعِدُ
فَلَا يَنْفَعُ الحِرْصُ المُرَكَّبِ فِي الفَتَى … وَلَا أَحَدُ فِيْهِ يَحِلُّ وَيَعْقِدُ
وَقَوْلُهُ (١):
أَيُّهَا الزَّائِرُوْنَ بعْدَ وَفَاتِي … جَدَثًا ضَمَّنِي وَلَحْدًا عَمِيْقَا
ستَرَوْنَ الَّذِي رَأَيْتُ مِنَ المَوْ … تِ عَيَانًا وَتَسْلُكُوْنَ الطَّرِيْقَا
وَقَالَ الحَافِظُ الضِّيَاءُ المَقْدِسِيُّ (٢): (أَنَا) أَبُو الفَضْلِ عَبْدُ الوَاحِدِ بنُ سُلْطَانَ بِـ "بَغْدَادَ" (أَنَا) مُحَمَّدٌ المُقْرِئُ، أَجَازَ لَهُمْ، وَأَنْشَدَنَا لِنَفْسِهِ:
تَرْكُ التَّكَلُّفِ فِي التَّصَوُّفِ وَاجِبٌ … وَمِنَ المُحَالِ تَكَلُّفُ الفُقَرَاءِ
قَوْمٌ إِذَا امْتَدَّ الظَّلَامُ رَأَيْتَهُمْ … يَتَرَكَّعُوْنَ تَرَكُّعَ القُرَّاءِ
وَالوَجْدُ مِنْهُمْ فِي الوُجُوْهِ مَحَلُّهُ … ثُمَّ السَّمَاعُ يَحُلُّ فِي الأَعْضَاءِ
لَا يَرْفَعُوْنَ بِذَاكَ صَوْتًا مُجْهَرًا … يَتَجَنَّبُوْنَ مَوَاقِعَ الأَهْوَاءِ
وَيُوَاصِلُوْنَ الدَّهْرَ صَوْمًا دَائِمًا … فِي البَأْسِ إِنْ يَأْتِي وَفِي السَّرَّاءِ
وَتَرَاهُمُ بَيْنَ الأَنَامِ إِذَا أَتَوا … مِثْلَ النُّجُوْمِ الغُرِّ فِي الظَّلْمَاءِ
صَدَقَتْ عَزَائِمُهُمْ وَعَزَّ مَرَامُهُمْ … وَعَلَتْ مَنَازِلُهُمْ عَلَى الجَوْزَاءِ
صَدَقُوا الإِلَهَ حَقِيْقَةً وَعَزِيْمَةً … وَرَعَوا حُقُوْقَ اللهِ فِي الآنَاءِ
وَالرَّقْصُ نَقْصٌ عِنْدَهُمْ فِي عَقْدِهِمْ … ثُمَّ القَضِيْبُ بِغَيْرِ مَا إِخْفَاءِ стр. 608
هَذَا شِعَارُ الصَّالِحِيْنَ وَمَنْ مَضَى … مِنْ سَادَةِ الزُّهَّادِ وَالعُلَمَاءِ
فَإِذَا رَأَيْتَ مُخَالِفًا لِفِعَالِهِمْ … فَاحْكُمْ عَلَيْهِ بِمُعْظَمِ الإغْوَاءِ
وَلَهُ أَيْضًا (١):
الفِقْهُ عِلْمُ بِهِ الأَدْيَانُ تَرْتَفِعُ … وَالنَّحْوُ عِزٌّ بِهِ الإِنْسَانُ يَنْتَفِعُ
ثُمَّ الحَدِيْثُ إِذَا مَا رُمْتَهُ فَرَجٌ … مِنْ كُلِّ مَعْنًى بِهِ الإِنْسَانُ يَبْتَدِعُ
ثُمَّ الكَلَامُ فَذَرْهُ فَهْوَ زَنْدَقَةٌ … وَخِرْقَةٌ فَهْوَ خَرْقٌ لَيْسَ يُرْتَقَعُ
وَلَهُ أَيْضًا (٢):
ظَهَرَتْ فِي الأَنَامِ بِدْعَةُ قَوْمٍ … جَحَدُوا اللهَ وَالقُرْآنَ المُبِيْنَا
عَطَّلُوا وَصْفَهُ وَحَادُوا عَنِ الحَـ … ـــقِّ جَمِيْعًا وَخَالَفُوْهُ يَقِيْنَا
قَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: تُوُفِّيَ بُكْرَةَ يَوْمِ الاثْنَيْنِ ثَانِي عَشَرَ رَبِيْعٍ الآخِرِ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَتُوُفِّيَ فِي غُرْفَتِهِ الَّتِي فِي مَسْجِدِهِ (٣)، فَحُطَّ تَابُوْتُهُ بِالحِبَالِ مِنْ سَطْحِ المَسْجِدِ، وَأُخْرِجَ إِلَى جَامِعِ القَصْرِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ عَبْدُ القَادِرِ، وَكَانَ النَّاسُ فِي الجَامِعِ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ، ثُمَّ صُلِّيَ عَلَيْهِ فِي جَامِعِ المَنْصُوْرِ، وَقَالَ: وَقَدْ رَأَيْتُ أَنَا جَمَاعَةً مِنَ الأَكَابِرِ، فَمَا رَأَيْتُ أَكْثَرَ جَمْعًا стр. 609
مِنْ جَمْعِهِ عَلَى تَقْدِيْرِ النَّاسِ، مِنْ "نَهْرِ مُعَلَّى" إِلَى قَبْرِ أَحْمَدَ، وَغُلِّقَتِ الأَسْوَاقُ، وَدُفِنَ فِي دَكَّةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ عِنْدَ جَدِّهِ أَبِي مَنْصُوْرِ (١).
أَخْبَرَنَا أَبُو الفَتْحِ المَيْدُوْمِيُّ بِـ "فِسْطَاطِ مِصْرَ" (أَنَا) أَبُو الفَرَجِ عَبْدُ اللَّطِيْفِ بنُ عَبْدِ المُنْعِمِ (أَنَا) الحَافِظُ أَبُو الفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَلِيٍّ (أَنَا) أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ بنُ عَلِيٍّ المُقْرِئُ بِقَرَاءَتِي عَلَيْهِ (أَنَا) الحُسَيْنُ بنُ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ طَلْحَةَ (أَنَا) أَبُو عُمَرَ بنُ مَهْدِيٍّ (ثَنَا) يُوْسُفُ بنُ مُوْسَى القَطَّانُ (ثَنَا) إِسْمَاعِيْلُ بنُ عُلَيَّةَ (ثَنِي) عَلِيُّ بنُ المُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بنِ أَبِي كَثِيْرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ بِشْرِ بنِ سَعِيْدٍ، عَنْ زَيْدِ بنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ (٢): "مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَهُ فِي أَهْلِهِ فَقَدْ غَزَا". أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ الوَارِثِ، وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبي الرَّبِيْعِ الزَّهْرَانِيِّ، عَنْ يَزِيْدَ بنِ زُرَيْعٍ، كِلَاهُمَا عَنْ حُسَيْنٍ المُعَلِّمِ، عَنْ يَحْيَى بنِ أَبِي كَثِيْرٍ.
١٠٨ - دَعْوَانُ بنُ عَلِيِّ (٣) بنِ حَمَّادِ بنِ صَدَقَةَ الجُبَّائِيُّ، وَيُقَالُ لَهُ: الجُبِّيُّ стр. 610
أَيْضًا (١) نِسْبَةً إِلَى قَرْيَةٍ بِسَوَادِ "بَغْدَادَ" عِنْدَ "العَقرِ" (٢) عَلَى طَرِيْقِ "خُرَاسَانَ" المُقْرِئُ، الفَقِيْهُ، الضَّرِيْرُ، أَبُو مُحَمَّدٍ.
وُلِدَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ بِـ "الجُبَّةِ" المَذْكُوْرَةِ. وَقَدِمَ "بَغْدَادَ" فَسَمِعَ بِهَا مِنْ أَبِي مُحَمَّدٍ التَّمِيْمِيِّ، وَأَبِي عَبْدِ اللهِ البُسْرِيِّ، وَالحُسَيْنِ بنِ طَلْحَةَ، وَثَابِتِ بنِ بُنْدَارٍ، وَالصَّرِيْفِيْنِيِّ، وَابْنِ البَطِرِ، وَابنِ السَّرَّاجِ. وَقَرَأَ بِالرِّوَايَاتِ стр. 611
عَلَى الشَّرِيْفِ عَبْدِ القَاهِرِ المَكِّيِّ، وَابنِ سِوَارٍ، وَتَفَقَّهَ عَلَى أَبِي سَعْدٍ المُخَرِّمِيِّ، وَأَحْكَمَ الفِقْهَ، وَأَعَادَ لِشَيْخِهِ (١) المَذْكُوْرِ فِي دَرْسِ الخِلَافِ، وَأَقْرَأَ القُرْآنَ، وَحَدَّثَ، وَانْتَفَعَ بِهِ النَّاسُ، قَرَأَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ، وَحَدَّثَ عَنهُ آخَرُوْنَ، مِنْهُمْ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ (٢). стр. 612
قَال ابنُ الجَوزِيِّ: كَانَ خَيِّرًا دَيِّنًا، ذَا سِتْرٍ، وَصِيَانَةٍ، وَعَفَافٍ، وَطَرَائِقَ مَحْمُودَةٍ، عَلَى سَبيْلِ السَّلَفِ الصَّالِحِ.
تُوُفِّيَ يَوْمَ الأَحَدِ سَادِسَ عَشَرَ ذِي القَعْدَةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَدُفِنَ مِنَ الغَدِ بِمَقْبَرَةِ أَبِي بَكْرٍ غُلَامِ الخَلَّالِ إِلَى جَانِبِهِ.
قَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: كَتَبَ إِلَيَّ عَبْدُ اللهِ الجُبَّائِيُّ (١) الشَّيْخُ الصَّالِحُ، قَالَ: стр. 613
رَأَيْتُ دَعْوَانَ بنَ عَلِيٍّ بَعْدَ مَوْتِهِ بِنَحْوِ مِنْ شَهرٍ فِي المَنَامِ، وَكَأَنَّ عَلَيْهِ ثِيَابًا بَيْضَاءَ شَدِيْدَةَ البَيَاضِ، وَعِمَامَةً بَيْضَاءَ، وَهُوَ يَمضِي إِلَى الجَامِعِ لِصَلَاةِ الجُمُعَةِ، وَقَدْ أَخَذْتُ يَدَهُ اليُسْرَى بِيَدِي وَمَضَيْنَا، فَلَمَّا بَلَغْنَا إِلَى حَائِطِ الجَامِعِ، قُلْتُ لَهُ: يَا سَيِّدِي أَيْشٍ لَقِيْتَ؟ قَالَ لِي: عُرِضْتُ عَلَى اللهِ تَعَالَى خَمْسِيْنَ مَرَّةً، وَقَالَ لِي: أَيْشٍ عَمِلْتَ؟ فَقُلْتُ لَهُ: قَرَأْتُ القُرْآنَ وَأَقْرَأْتُهُ؛ قَالَ لِي: أَنَا أَتَوَلَّاكَ، أَنَا أَتَوَلَّاكَ، قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَأَصَابَنِي مِنَ الوَجْدِ، وَصِحْتُ وَضَرَبْتُ بِكَفِّيَ اليُمْنَى حَائِطَ الجَامِعِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، أَتَأَوَّهُ وَأَضْرِبُ الحَائِطَ بِكَفِّي، ثُمَّ اسْتَيْقَظْتُ.
١٠٩ - صَالِحُ شَافِعِ (١) بنِ حَاتِمِ بنِ أَبِي عَبْدِ اللهِ الجِيْلِيُّ، الفَقِيْهُ، المُعَدَّلُ، стр. 614
أَبُو المَعَالِي. وُلِدَ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ لِسِتٍّ خَلَوْنَ مِنَ المُحَرَّمِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، وَسَمِعَ مِنْ أَبي مَنْصُوْرٍ الخَيَّاطِ، وَابْنِ الطُّيُوْرِيِّ (١)، وَغَيْرِهِمَا، وَصَحِبَ ابْنَ عَقِيْلٍ وَغَيْرَهُ مِنَ الأَصْحَابِ، وَتَفَقَّهَ، وَدَرَّسَ بِالمَسْجِدِ المَعْرُوفِ بِهِ بـ "دَرْبِ المَطْبَخِ" شَرْقِيَّ "بَغْدَادَ".
قَالَ ابنُ المَنْدَائِيُّ (٢) فِي "تَارِيْخِ القُضَاةِ" كَانَ فَقِيْهًا زَاهِدًا مِنْ سَرَوَاتِ النَّاسِ. وَقَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: كَانَ مِنَ المُعَدَّلِيْنَ، فَجَرَتْ حَالَةٌ أَوْجَبَتْ أَنْ عُزِلَ مِنَ الشَّهَادَةِ.
وَقَالَ المُنْذِرِيُّ (٣): كَانَ أَحَدَ الفُضَلَاءِ الشُّهُودِ، وَحَدَّثَ عَنْهُ الحَافِظَانِ: أَبُو القَاسِمِ الدِّمَشْقِيُّ، وَأَبُو سَعْدِ بنُ السَّمْعَانِيِّ (٤).
تُوُفِّيَ يَوْمَ الأَرْبِعَاءِ سَادِسَ عَشَرَ رَجَبٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ مِنَ الغَدِ، وَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ (٥) وَلَدُهُ أَبُو الفَضْلِ أَحْمَدَ صَاحِبُ "التَّارِيْخِ". وَدُفِنَ فِي دَكَّةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ وَذَكَرَ ابنُ الجَوْزِيِّ: أَنَّهُ دُفِنَ عَلَى ابنِ عَقِيْلٍ.
١١٠ - المُبَارَكُ بنُ كَامِلِ (٦) بنِ أَبِي غَالِبٍ مُحَمَّد بُن أَبِي طَاهرٍ الحُسَيْنِ بنِ стр. 615
محَمَّدٍ البَغْدَادِيُّ، الظَّفَرِيُّ، المُحَدِّثُ، مُفِيْدُ العِرَاقِ، أَبُو بَكْرٍ، وَيُعْرَفُ أَبُوْهُ بِـ "الخَفَّافِ" وُلِدَ يَوْمَ الخَمِيْسِ ثَانِي عَشَرَ ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، وَقَرَأَ القُرْآنَ بِالرِّوَايَاتِ، وَسَمِعَ الحَدِيْثَ الكَثِيْرَ، وَأَوَّلُ سَمَاعِهِ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِمَائَةَ، وَعُنِيَ بِهَذَا الشَّأْنِ، سَمِعَ مِنْ أَبِي القَاسِمِ بنِ بَيَانٍ، وَأَبِي عَلِيِّ بنِ شِهَابٍ، وَأَبِي طَالِبِ بنِ يُوسُفَ وَأَبِي سَعْدِ بنِ الطُّيُوْرِيِّ، وَابْنِ
стр. 616
شُجَاعٍ الذُّهْلِيِّ، وَأَبِي الغَنَائِمِ النَّرْسِيِّ، وَأَبِي الوَفَاءِ بنِ عَقِيْلٍ، وَخَلْقٍ كَثِيْرٍ (١).
قَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ وَمَا زَالَ يَسْمَعُ العَالِيَّ وَالنَّازِلَ، وَيَتَتَبَّعُ الأَشْيَاخَ فِي الزَّوَايَا، وَيَنْقُلُ السَّمَاعَاتِ، فَلَوْ قِيْلَ: إِنَّهُ سَمِعَ مِنْ ثَلَاثَةِ آلَافِ شَيْخٍ لَمَا رُدَّ القَائِلُ، وَجَالَسَ الحُفَّاظَ، وَكَتَبَ بِخَطِّهِ الكَثِيْرَ، وَانْتَهَتْ إِلَيْهِ مَعْرِفَةُ المشَايِخِ، وَمِقْدَارُ مَا سَمِعُوا، وَالإِجَازَاتِ. وَكَانَ قَدْ صَحِبَ هِزَارَسِبَ (٢)، وَمَحْمُوْدًا (٣) الأَصْبَهَانِيَّ، وَغَيْرَهُمَا مِمَّنْ يُعْنَى بِهَذَا الشَّأْنِ، وَانْتَهَى الأَمْرُ فِي ذلِكَ إِلَيْهِ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ قَلِيْلَ التَّحْقِيْقِ فِيْمَا يَنْقُلُ مِنَ السَّمَاعَاتِ مُجَازَفَةً؛ لِكَوْنِهِ يَأْخُذُ عَنْ ذلِكَ ثَمَنًا، وَكَانَ فَقِيْرًا إِلَى مَا يَأْخُذُ، وَكَانَ كَثِيْرَ التَّزْوِيْجِ وَالأَوْلَادِ.
وَقَالَ ابنُ النَّجَّارِ: أَفَادَ الطَّلَبَةَ وَالغُرَبَاءَ، وَخَرَّجَ التَّخَارِيْجَ، وَجَمَعَ مَجُمُوْعَاتٍ، مِنْهَا كِتَابُ "سَلْوَةِ الأَحْزَانِ" (٤) نَحْو ثَلَاثِمَائَةِ جُزْءٍ وَأَكْثَرَ، وَحَدَّثَ بِأَكْثَرِ مَا جَمَعَهُ، وَبِقَلِيْلٍ مِنْ مَرْوِيَّاتِهِ، وَسَمِعَ مِنْهُ الكِبَارُ وَالقُدَمَاءُ، وَكَانَ صَدُوْقًا، стр. 617
مَعَ قِلَّةِ فَهْمِهِ وَمَعْرِفَتِهِ، وَخَرَّجَ لِنَفْسِهِ "مُعْجَمًا" لِشُيُوْخِهِ.
وَقَالَ الذَّهَبِيُّ: سَمِعَ الكَثِيْرَ، وَكَتَبَ عَنِ الجَمِّ الغَفِيْرِ، وَأَفَادَ الطَّلَبَةَ، وَانْتَفَعَ بِهُ خَلْقٌ كَثِيْرٌ. تُوُفِّيَ فِي يَوْمِ الجُمُعَةِ تَاسِعَ عَشَرَ جُمَادَى الأُوْلَى سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ وَدُفِنَ بـ "الشَّوْنِيْزِيَّةِ" رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.
١١١ - عَبْدُ اللهِ بنُ الحَسَنِ (١) بنِ أَحْمَدَ (٢) بنِ الحَسَنِ بنِ أَحْمَدَ بنِ قَشَامِيِّ (٣)، الحَرِيْمِيُّ، الفَقِيْهُ، المُعَدَّلُ، أَبُو القَاسِمِ بنِ أَبِي عَلِيٍّ. стр. 618
وُلِدَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ. وَسَمِعَ مِنْ أَبِي نَصْرٍ الزَّيْنَبِيِّ، وَأَبِي الحُسَيْنِ العَاصِمِيِّ، وَأَبِي الغَنَائِمِ بنِ أَبِي عَنَانَ، وَثَابِتِ بنِ بُنْدَارٍ، وَغَيْرِهِمْ.
قَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: كَانَ صَدُوْقًا، فَقِيْهًا (١) مُنَاظِرًا، وَرَوَى عَنْهُ حِكَايَةً فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كُتُبِهِ. وَسَمِعَ مِنْهُ ابنُ السَّمْعَانِيِّ (٢)، وَقَالَ: فَقِيْهٌ، فَاضِلٌ، عَلَى مَذْهَبِ أَحْمَدَ، حَسَنُ الكَلَامِ فِي المَسَائِلِ، جَمِيْلُ الصُّوْرَةِ، مَرْضِيُّ الطَّرِيْقَةِ، مَتَوَاضِعٌ، كَثِيْرُ البِشْرِ رَاغِبٌ فِي الخَيْرِ.
وَقَالَ ابنُ شَافِعٍ: كَانَ فَقِيْهًا، مُفْتِيًا، مُنَاظِرًا، صَدُوْقًا، أَمِيْنًا، ذَكَرَهُ شَيْخُنَا - يَعْنِي: ابنُ نَاصِرٍ - وَأَثْنَى عَلَيْهِ. رَوَى عَنْهُ أَحْمَدُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ بنِ يُوْسُفَ بن بَاتَانَةَ (٣).
وَتُوُفِّيَ يَوْمَ الجُمُعَةِ سَادِسَ ذِيْ القَعْدَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَدُفِنَ مِنَ الغَدِ بِمَقْبَرَةِ "بَابِ حَرْبٍ" رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.
١١٢ - عَبدُ اللهِ بنُ عبْدِ البَاقِي بنِ التَّبَّانِ الوَاسِطِيُّ، (٤) ثُمَّ البَغْدَادِيُّ، أَبُو بَكْرٍ стр. 619
الفَقِيْهُ، وَيُسَمَّى مُحَمَّدًا وَأَحْمَدَ أَيْضًا.
قَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: كَانَ مِنْ أَهْلِ القُرْآنِ، وَسَمِعَ مِنْ أَبِي الحُسَيْنِ بنِ الطُّيُوْرِيِّ، وَتَفَقَّهَ عَلَى ابنِ عَقِيْلٍ، وَنَاظَرَ، وَأَفْتَى، وَدَرَّسَ، وَكَانَ أُمِّيًّا لَا يَكْتُبُ.
стр. 620
تُوُفِّيَ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ عَنْ تِسْعِيْنَ سَنَةٍ، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ "بَابِ حَرْبٍ" رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى. وَقَالَ ابنُ شَافِعٍ: كَانَ مَذْهَبِيًّا جَيِّدًا، وَخِلَافِيًّا مُنَاظِرًا، وَمِنْ أَهْلِ القُرْآنِ، بَقِيَ عَلَى حِفْظِهِ لِعُلُوْمِهِ إِلَى أَنْ مَاتَ، وَذَكَرَ أَنَّهُ تُوُفِّيَ يَوْمَ الخَمِيْسِ ثَامِنَ شَوَّالٍ المَذْكُورِ، وَلَهُ تِسْعُونَ سَنَةً أَوْ أَزْيَدُ.
وَقَالَ ابنُ النَّجَّارِ: دَرَسَ المَذْهَبَ عَلَى ابنِ عَقِيلٍ حَتَّى بَرَعَ فِيْهِ، وَكَانَ يَتَكَلَّمُ فِي مَسَائِلِ الخِلَافِ، وَيُفْتِي وَيُدَرِّسُ، سَمِعَ الحَدِيْثَ مِنْ أَبِي مَنْصُوْرٍ الخَيَّاطِ، وَابْنِ الطُّيُوْرِيِّ، وَأَبِي الحَسَنِ بنِ الدَّهَّانِ المُرَتِّبِ، وَحَدَّثَ بِاليَسِيْرِ. وَسَمِعَ مِنْهُ المُبَارَكُ بنُ كَامِلٍ، وَأَبُو الفَضْلِ بنُ شَافِعٍ.
١١٣ - الجُنَيْدُ بنُ يَعْقُوْبُ (١) بنِ الحَسَنِ بنِ الحَجَّاجِ بنِ يُوْسُفَ الجِيْلِيُّ، الفَقِيْهُ، الزَّاهِدُ، أَبُو القَاسِمِ بنِ أَبِي يُوْسُفَ بنِ أَبِي عَلِيٍّ. وُلِدَ سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ بِـ "تَوْلَمَ" (٢) مِنْ أَرْضِ "جِيْلَانَ" كَذَا ذَكَرَهُ ابنُ السَّمْعَانِيِّ عَنْهُ. وَذَكَرَ стр. 621
ابنُ شَافِعٍ عَنْهُ: أَنَّهُ وُلِدَ سَنَةَ خَمْسِيْنَ، ثُمَّ قَدِمَ "بَغْدَادَ"، وَأَقَامَ بِـ "بَابِ الأَزَجِ" وَقَرَأَ الفِقْهَ عَلَى يَعْقُوْبَ البَرْزَبِيْنِيِّ، وَالأَدَبَ عَلَى أَبِي مَنْصُوْرِ بنِ الجَوَالِيْقِيِّ. وَسَمِعَ الحَدِيْثَ مِنْ أَبِي مُحَمَّدٍ التَّمِيْمِيِّ، وَأَبِي الحَسَنِ الهَكَّارِيِّ، وَأَبِي الحَسَنِ بنِ العَلَّافِ، وَمِنْ طَلْحَةَ العَاقُوْلِيِّ، وَالقَاضِي أَبِي الحُسَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ. وَحَدَّثَ بِاليَسِيْرِ، وَكَتَبَ بِخَطِّهِ الكَثِيْرَ مِنَ الفِقْهِ، وَالأُصُوْلِ، وَالخِلَافِ، وَالحَدِيْثِ، وَالأَدَبِ. وَكَانَ فَاضِلًا، دَيِّنًا، حَسَنَ الطَّرِيْقَةِ، جَمَعَ كِتَابًا كَبِيْرًا فِي اسْتِقْبَالِ القِبْلَةِ وَمَعْرِفَةِ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ، ذَكَرَ ذلِكَ ابنُ النَّجَّارِ. وَرَوَى عَنْهُ ابنُ عَسَاكِرٍ، وَالسَّمْعَانِيُّ، وَقَالَ: شَيْخٌ، صَالِحٌ، حَسَنُ السِّيْرَةِ.
وَقَالَ أَبُو العَبَّاسِ بنُ لَبِيْدَةَ عَنْهُ: كَانَ صَادِقًا، زَاهِدًا، ثَبْتًا، لَمْ يُعْرَفْ عَلَيْهِ إلَّا خَيْرًا. قَالَ: وَتُوُفِّيَ يَوْمَ الأَرْبِعَاءِ سَادِسَ عِشْرِيْ جُمَادَى الآخِرَةِ سَنَةَ سِتٍّ (١) وَأَرْبَعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَصَلَّى عَلَيْهِ الشَّيْخُ عَبْدُ القَادِرِ بِمَدْرَسَتِهِ، وَدُفِنِ مِنْ يَوْمِهِ بِمَقْبَرَةِ "الحَلْبَةِ" (٢) رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى (٣).
قرَأْتُ بِخَطِّ أَبِي القَاسِمِ الجُنَيْدُ بنُ يَعْقُوْبَ الجِيْلِيُّ فِي بَعْضِ تَعَالِيْقِهِ فِي حَادِثَةٍ جَاءَتْ مِنْ بَلَدِ "الهَكَّارِ" (٤): قِطْعَةُ جَبَلٍ لِرَجُلٍ عَلَيْهَا شَجَرٌ نَابِتٌ، стр. 622
وَتَحْتَهَا أَرْضٌ لِرَجُلٍ آخَرَ مَزْرُوْعَةٌ، انْقَطَعَتْ القِطْعَةُ فَسَقَطَتْ عَلَى الأَرْضِ الَّتِي تَحْتَهَا فَسَتَرَتْهَا، وَصَارَتْ حَاضِنَةً لَهَا، مَانِعَةً لِصَاحِبَهَا مِنْ زِرَاعَتِهَا، وَالشَّجَرُ بحَالِهِ ثَابِتٌ فِي تِلْكَ القِطْعَةِ لَا يَسْتَضِرُّ صَاحِبُهَا، لكِنَّ صَاحِبَ الأَرْضِ الَّتِي تَحْتَهَا يَسْتَضِرُّ، مَا الحُكْمُ فِي ذلِكَ؟
الجَوَابُ - وَبِاللهِ التَّوْفِيْقُ -: أَنَّهُ يَحْتَمِلُ القِيْمَةَ؛ لأنَّهَا صَارَتْ كَالمُسْتَهْلَكَةِ فَهِيَ كَالَّلآلِئِ إِذَا ابْتَلَعَهَا عَبْدُهُ، انْتَهَى. وَلَمْ يَعْزُ الجُنَيْدُ هَذَا الجَوَابَ إِلَى أَحَدٍ بِعَيْنِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ جَوَابُهُ بِنَفْسِهِ، وَفِيْمَا قَالَهُ نَظَرٌ؛ فَإِنَّ جِنَايَةَ العَبْدِ تُفَارِقُ بَقِيَّةِ جِنَايَاتِ الأَمْوَالِ؛ لأَنَّ العَبْدَ مُكَلَّفٌ مُخْتَارٌ، فَلَا تَسْقُطُ جِنَايَاتُهُ (١) وَتَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ، وَإِنْ لَزِمَ مِنْ ذلِكَ فَوَاتُ حَقِّ المَالِكِ، وَهَذَا بِخِلَافِ جِنَايَاتِ البَهَائِمِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ مَالِكُهَا إِلَّا أَنْ يُنْسَبَ إِلَى نَوْعٍ مِنْ تَفْرِيْطٍ فِي حِفْظِهَا، عَلَى مَا فِيْهِ مِنِ اخْتِلَافٍ وَتَفْصِيْلٍ، وَأَمَّا الجِنَايَاتُ الحَادِثَةُ مِنْ أَمْوَالِهِ الَّتِي لَا حَيَاةَ فِيْهَا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيْهَا، إِلَّا أَنْ يُنْسَبَ إِلَى نَوْعِ تَفْرِيْطٍ، مِثْلَ مَنْ مَالَ حَائِطُهُ إِلَى جَارِهِ أَوْ إِلَى الطَّرِيْقِ، فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ فَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَإِنْ عَلِمَ وَامْتَنَعَ مِنَ النَّقْضِ حَتَّى سَقَطَ فَأَتْلَفَ، فَفِي وُجُوْبِ الضَّمَانِ عَلَيْهِ خِلَافٌ مَشْهُوْرٌ، فَهَذِهِ الأَرْضُ السَّاقِطَةُ بِسَيْلٍ أَوْ غَيْرِهِ عَلَى أَرْضِ الغَيْرِ تُشْبِهُ مَا تَلِفَ بِسُقُوْطِ الجِدَارِ وَنَحْوِهِ، وَقَدْ يُقَالُ: المُتْلَفُ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا فَاتَ وَلَمْ يُمْكِنْ إِعَادَتُهُ مِنْ مَالٍ وَنَفْسٍ، فَهَذَا الَّذِي تَكَلَّمَ الفُقَهَاءُ فِي ضَمَانِهِ عَلَى مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ. стр. 623
وَالثَّانِي: مَا هُوَ بَاقٍ (١)، وَلكِنَّ [حَالَ مُلْكُ] (٢) المَالِكِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِكِهِ، فَهَذَا يَلْزَمُ المَالِكَ الَّذِي حَالَ مُلْكُهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِكِهِ أَنْ يُخَلَّى بَيْنَ المَالِكِ وَبَيْنَهُ (٣) لِيَأْخُذَهُ، فَإِذَا عَجَزَ فَهَلْ يُقَالُ: يَلْزَمُهُ ضَمَانُهُ لِحَيْلُوْلَةِ مُلْكِهِ [بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِكِهِ] (٤)، فَقَدْ ذَكَرَهُ صَاحِبُ "المُحَرَّرِ" (٥) فِي مُسَوَّدَتِهِ عَلَى "الهِدَايَةِ" فِيْمَا إِذَا ابْتَلَعَتْ بَهِيْمَتُهُ جَوْهَرَةً فِي حَالٍ لَا يَلْزَمُ المَالِكُ ضَمَانَ جِنَايَتِهَا، هَلْ يَلْزَمُهُ هُنَا شَيْءٌ أَمْ لَا؟ وَبَيَّضَ لِذلِكَ. لكِنَّ كَلَامَ ابنِ عَقِيْلٍ وَغَيْرُهُ فِي مَسْأَلَةِ مَنْ وَقَعَ فِي مِحْبَرَتِهِ دِيْنَارٌ لِغَيْرِهِ بِغَيْرِ تَفْرِيْطٍ مِنْهُ (٦) أَنَّهُ يَلْزَمُهُ بَذْلَهَا لِلْكَسْرِ مَضْمُوْنَةً، وَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ ضَمَانُ مَا حَالَ مُلْكُهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِكِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرَ مِنْ بَذْلِ التَّسْلِيْمِ لِلْمَالِكِ، لِيُخَلِّصَ مُلْكَهُ، وَهَذَا يُبْقِي الضَّمَانَ عِنْدَ العَجْزِ، وَهُوَ الأَظْهَرُ.
وَلَوْ قِيْلَ: إِنَّهُ يَلْزَمُهُ الأُجْرَةَ مُدَّةَ الانْتِفَاعِ بِبَقَاءِ أَرْضِهِ عَلَى أَرْضِ غَيْرِهِ، إِلْحَاقًا بِمَنْ حَمَلَ السَّيْلُ غِرَاسَهُ إِلَى أَرْضِ آخَرَ. стр. 624
قُلْنَا: يَلْزَمُهُ الأُجْرَةُ، وَفِيْهِ نَظَرٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَالَّذِي ذَكَرَهُ القَاضِي وَابْنُ عَقِيْلٍ فِيْمَنْ ابْتَلَعَتْ بَهِيْمَتُهُ مَالًا لِغَيْرِهِ يَبْقَى، كَذَهَبٍ وَجَوْهَرٍ، فَإِنْ كَانَ يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ وَكَانَتْ مَأْكُوْلَةً، فَهَلْ تُذْبَحُ لاسْتِخْرَاجِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ؛ لِلنَّهْي عَنْ ذَبْحِ الحَيَوَانِ لِغَيْرِ مَأْكَلَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَأْكُوْلَةٍ تَعَيَّنَ الضَّمَانُ، وَإِنْ تَكُنْ مَضْمُوْنَةً عَلَيْهِ فَلَا ضَمَانَ، وَلَكِنْ قِيَاسُ مَا ذَكَرَ ابنُ عَقِيْلٍ فِي سُقُوْطِ الدِّيْنَارِ فِي المِحْبَرَةِ أَنَّهُ يُخَيَّرُ مَالِكِ المَالِ المُبْتَلَعِ بَيْنَ أَنْ يَذْبَحَ المَأْكُوْلَ وَيَضْمَنَ نَقْصَهُ، وَبَيْنَ أَنْ يَتْرُكَهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
١١٤ - عَبْدُ المَلِكِ بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ (١) بنِ عَبْدِ الوَاحِدِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ (٢) عَلِيٍّ الأَنْصَارِيُّ الشِّيْرَازِيُّ، ثُمَّ الدِّمَشْقِيُّ، القَاضِي بَهَاءُ الدِّيْنِ بِنُ شَرَفِ الإسْلَامِ ابنِ الشَّيْخِ أَبِي الفَرَجِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ أَبِيْهِ وَجَدِّهِ. تَفَقَّهَ وَأَفْتَى وَدَرَّسَ وَنَاظَرَ. стр. 625
وَذَكَرَهُ أَبُو المَعَالِي حَمْزَةُ بنُ القَلَانِسِيُّ فِي "ذَيْلِ تَارِيْخِ دِمَشْقَ" فَقَالَ: كَانَ إِمَامًا فَاضِلًا، مُنَاظِرًا، مُسْتَقِلًّا، مُفْتِيًا عَلَى مَذْهَبِ الإمَامِ أَحْمَدَ وَأَبِي حَنِيْفَةَ، يُحْكَمُ عَلَيْهِ، مَا كَانَ عَلَيْهِ عِنْدَ إِقَامَتِهِ بِـ "خُرَاسَانَ" لِطَلَبِ العِلْمِ وَالتَّقَدُّمِ. وَكَانَ يَعْرِفُ اللِّسَانَ الفَارِسِيَّ مَعَ العَرَبِيِّ، وَهُوَ حَسَنُ الحَدِيْثِ فِي الجِدِّ وَالهَزلِ.
تُوُفِّيَ يَوْمَ الاثْنَيْنِ سَابِعَ عَشَرَ رَجَبٍ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ. وَكَانَ لَهُ يَوْمٌ مَشْهُوْدٌ، وَدُفِنَ فِي جِوَارِ أَبِيْهِ فِي مَقَابِرِ الشُّهَدَاءِ، يَعْنِي بِـ "البَابِ الصَّغِيْرِ" وَكَثُرَ البَاكُوْنَ حَوْلَ سَرِيْرِهِ مِنَ العَالَمِ، وَالمُثْنُوْنَ لَهُ، وَالمُتَأَسِّفُوْنَ عَلَيْهِ، رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.
١١٥ - عَبْدُ اللهِ بنُ هِبَةِ اللهِ (١) بنِ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدٍ السَّامُرِّيُّ، الفَقِيْهُ، أَبُو الفَتْحِ. وُلِدَ يَوْمَ الاثْنَيْنِ ثَانِي عَشَرَ ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ خَمسٍ وَثَمَانِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ. وَسَمِعَ الكَثِيْرَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ الطُّرَيْثِيْثِيِّ، وَثَابِتِ بنِ بُنْدَارٍ، وَالمُبَارَكِ بنِ عَبْدِ الجَبَّارِ، وَأَبِي سَعْدِ بنِ خُشَيْشٍ (٢)، وَجَعْفَرِ السَّرَّاجِ، وَغَيْرِهِمْ. стр. 626
وَتَفَقَّهَ عَلَى أَبِي الخَطَّابِ الكَلْوَذَانِيِّ، وَحَدَّثَ بِاليَسِيْرِ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ.
تُوُفِّيَ لَيْلَةَ الاثْنَيْنِ ثَالِثَ عَشَرَ مُحَرَّمٍ سَنَةَ خَمسٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَدُفِنَ مِنَ الغَدِ بِمَقْبَرَةِ "بَابِ حَرْبٍ".
١١٦ - أَيُّوْبُ بنُ أَحْمَدَ بنِ تَيْمُوْه (١) البَاجِسْرَائِيُّ (٢)، الفَقِيْهُ الحَنْبَلِيُّ. وَيَكْتُبُ بِخَطِّهِ: القَاضِي أَيُّوْبُ. قَالَ ابنُ النَّجَّارِ: سَمِعَ ابنَ نَاصِرٍ الدَّسْكَرِيَّ، وَالقَاضِي أَبَا الحُسَيْنِ بنِ الفَرَّاءِ، وَحَدَّثَ عَنْهُ بـ "أَصْبَهَانَ" بِيَسِيْرٍ. سَمِعَ مِنْهُ أَبُو الكَرَمِ سَعْدُ بنُ الحُسَيْنِ بنِ وَلَّادٍ المَدِيْنِيُّ فِي (٣) ذِيْ القَعْدَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ. стр. 627
قُلْتُ: وَوَجَدْتُ خَطَّهُ كَثِيْرًا عَلَى كُتُبٍ كَثِيْرَةٍ مِنْ كُتُبِ الأَصْحَابِ، قُرِئَتْ عَلَيْهِ، وَحَدَّثَ بِـ "الغَيْلَانِيَّاتِ" (١) سَمَاعُهُ مِن ابنِ الحُصَيْنِ. стр. 628
١١٧ - الحَسَنُ بنُ مُحَمَّدِ (١) بنِ الحُسَيْنِ الرَّاذَانِيُّ الأَوَانِيُّ، ثُمَّ البَغْدَادِيُّ، الفَقِيْهُ الوَاعِظُ، أَبُو عَلِيٍّ الزَّاهِدُ، ابنُ (٢) الزَّاهِدِ أَبِي عَبْدِ اللهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ أَبِيْهِ.
وُلِدَ أَبُو عَلِيٍّ بِـ "أَوَانَا"، وَسَمِعَ بِـ "بَغْدَادَ" مِنْ أَبِي الحُسَيْنِ بنِ الطُّيُوْرِيِّ، وَابْنِ (٣) بَيَانِ وَابْنِ شِهَابٍ، وَابنِ خُشَيْشٍ، وَمِنَ الحَافِظ ابنِ نَاصِرٍ، وَلَازَمَهُ إِلَى أَنْ مَاتَ. وَتَفَقَّهَ عَلَى أَبِي سَعْدٍ المُخَرِّمِيِّ، وَوَعَظَ، وَتَقَدَّمَ، وَلَمَّا تُوُفِّيَ ابنُ الزَّاغُوْنِيِّ أَخَذَ حَلْقَتَهُ بِجَامِعِ المَنْصُوْرِ فِي النَّظَرِ وَالوَعْظِ، وَطَلَبَهَا ابنُ الجَوْزِيِّ فَلَمْ يُعْطَهَا لِصِغَرِ سِنِّهِ. سَمِعَ مِنْهُ ابنُ السَّمْعَانِيِّ وَقَالَ: وَاعِظٌ حَسَنُ السِّيْرَةِ، стр. 629
مُتَوَدِّدٌ، وَسَمِعَ مِنْهُ أَبُو الحَسَنِ بنُ عَبْدُوْسَ الحَرَّانِيُّ الفَقِيْهُ (١) "جُزْءًا" فِيْهِ أَجْوِبَةٌ عَنْ مَسَائِلَ وَرَدَتْ مِنْ "المَوْصِلِ" تَتَضَمَّنُ عِدَّةَ مَسَائِلَ مِنْ أُصُوْلِ الدِّيْنِ، أَجَابَ عَنْهَا فِي كُرَّاسٍ بِجَوَابٍ حَسَنٍ، مُوَافِقٍ لِمَذْهَبِ أَهْلِ الحَدِيْثِ. وَذَكَرَ عَبْدُ المُغِيْثِ الحَرْبِيُّ فِي بَعْضِ مُؤَلَّفَاتِهِ فُتْيًا مِنْ فَتَاوِيْهِ فِي تَحْرِيْمِ السَّمَاعِ.
قَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: تُوُفِّيَ يَوْمَ الأَرْبِعَاءِ رَابِعَ صَفَرٍ سَنَةَ سِتٍّ وَأَرْبَعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَدُفِنَ مِنَ الغَدِ إِلَى جَانِبِ ابنِ سَمْعُوْنَ بِمَقْبَرَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ، وَكَانَ مَوْتُهُ فَجْأَةٍ؛ فَإِنَّهُ دَخَلَ إِلَى بَيْتِهِ لِيَتَوَضَّأَ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ، فَقَاءَ فَمَاتَ. وَكَانَ قَدْ تزَوَّجَ وَعَزَمَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ عَلَى الدُّخُولِ بِزَوْجَتِهِ، وَفِي "تَارِيْخِ ابنِ السَّمْعَانِيِّ" وَابْنِ شَافِعٍ أَنَّهُ تُوُفِّيَ سَادِسَ صَفَرٍ.
١١٨ - عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مُحَمَّدِ (٢) بنِ عَلِيِّ بنِ مُحَمَّدٍ الحَلْوَانِيُّ، الفَقِيْهُ، الإِمَامُ، أَبُو مُحَمَّدِ بنِ أَبِي الفَتْحِ، وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ أَبِيْهِ. وُلِدَ سَنَةَ تِسْعِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ. стр. 630
تَفَقَّهَ عَلَى أَبِيْهِ، وَأَبِي الخَطَّابِ، وَبَرَعَ فِي الفِقْهِ وَأُصُوْلِهِ، وَنَاظَرَ، وَصَنَّفَ تَصَانِيْفَ فِي الفِقْهِ وَالأُصُوْلِ، مِنْهَا: كِتَابُ "التَّبْصِرَةِ" فِي الفِقْهِ، كِتَابُ "الهِدَايَةِ" فِي أُصُوْلِ الفِقْهِ. رَأَيْتُ بِخَطِّهِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ لَهُ "تَعْلِيْقَةٌ فِي مَسَائِلِ الخِلَافِ" كَبِيْرَةٌ، وَلَهُ "تَفْسِيْرُ القُرْآنِ" فِي إِحْدَى وَأَرْبَعِيْنَ جُزْءًا حَدَّثَ بِهِ (١). وَرَوَى عَنْ أَبِيْهِ، وَعَلِيِّ بنِ أَيُّوْبَ البَزَّارِ، وَالمُبَارَكِ بنِ عَبْدِ الجَبَّارِ، وَالحُسَيْنِ الخَلَّالِ، وَأَبِي نَصْرِ بنِ وَدْعَانَ، وَغَيْرِهِمْ. سَمِعَ مِنه يحْيَى [بنُ طَاهِرِ بنِ النَّجَّارِ الوَاعِظُ] (٢)، وَغَيْرُهُ.
قَالَ ابنُ شَافِعٍ: كَانَ فَقِيْهًا فِي المَذْهَبِ، يُفْتِي، وَيَنْتَفِعُ بِهِ جَمَاعَةُ أَهْلِ مَحِلَّتِهِ. وَقَالَ ابنُ النَّجَّارِ: كَانَ مَوْصُوفًا بِالخَيْرِ وَالصَّلَاحِ وَالفَضْلِ. وَقَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: كَانَ يَتَّجِرُ فِي الخَلِّ، وَيَنْتَفِعُ بهِ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا.
وَتُوُفِّيَ فِي يَوْمِ الاثْنَيْنِ سَلْخَ رَبِيْعِ الأَوَّلِ سَنَةَ سِتٍّ وَأَرْبَعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ. وَصَلَّى عَلَيْهِ مِنَ الغَدِ الشَّيْخُ عَبْدُ القَادِرِ بِالمُصَلَّى القَدِيْمِ بِـ "الحَلْبَةِ" (٣) وَدُفِنَ بِدَارِهِ بِـ "المَأْمُوْنِيَّةِ". وَذَكَرَ الحَافِظُ المُنْذِرِيُّ فِي "التَّكْمِلَةِ" فِي تَرْجَمَةِ وَلَدِهِ أَبِي عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحَلْوَانِيِّ المُتَوَفَّى سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَسِتِّمَائَةَ: أَنَّهُ سَمِعَ بِإِفَادَةِ وَالِدِهِ هَذَا مِنْ أَبِي (٤) المَعَالِي بنِ السَّمِيْنِ وَغيْرِهِ. قَالَ: وَوَالِدُهُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، كَانَ مِنْ شُيُوخِ الحَنَابِلَةِ، وَلَهُ مَعْرِفَةٌ بِالفِقْهِ وَالتَّفْسِيْرِ، стр. 631
وَحَدَّثَ. قَالَ: "وَالحَلْوَانِيُّ (١) " - بِفَتْحِ الحَاءِ المُهْمَلَةِ وَسُكُوْنِ اللَّامِ - وَهَذِهِ النِّسْبَةِ إِلَى بَيْعِ الحَلْوَاءِ أَوْ عَمَلِهَا.
قُلْتُ: المَعْرُوْفُ أَنَّهُ بِضَمِّ الحَاءِ، وَمَا أَظُنُّهُ مَنْسُوْبًا إِلَّا إِلَى "حُلْوَانَ" (٢) стр. 632
البَلَدِ المَعْرُوْفِ بِـ "العِرَاقِ".
١١٩ - مَحْمُودُ بنُ الحُسَيْنِ (١) بنِ بُنْدَارٍ، أَبُو نُجَيْحٍ بنُ أَبِي المُرَجَّى بنِ أَبِي الطَّيِّبِ الأَصْبَهَانِيُّ، الطَّلْحِيُّ، الوَاعِظُ، المُحَدِّثُ. سَمِعَ الحَدِيْثَ الكَثِيْرَ، وَطَلَبَ بِنَفْسِهِ، وَقَرَأَ، سَمِعَ بِـ "أَصْبَهَانَ" كَثِيْرًا مِنْ يَحْيَى بنِ مَنْدَه الحَافِظِ، وَمِنْ أَبِي الفَتْحِ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ الحَدَّادِ. وَرَحَلَ إِلَى "بَغْدَادَ" وَسَمِعَ بِهَا مِنْ ابْنِ الحُصَيْنِ، وَالقَاضِيْ أَبِي الحُسَيْنِ وَالطَّبَقَةِ، وَكَتَبَ بِخَطِّهِ كَثِيْرًا، وَخَطُّهُ стр. 633
حَسَنٌ مُتْقَنٌ، وَوَعَظَ، وَقَالَ الشِّعْرَ. وَسَمِعَ مِنْهُ يَحْيَى بنُ سَعْدُوْنَ القُرْطُبِيُّ (١)، حَدَّثَ عَنْهُ أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ مَكِّي [الأَصْبَهَانِي بِهَا] (٢) وَغَيْرُهُ. وَأَجَازَ لِلْشَّيْخِ عَبْدِ المُغِيْثِ بنِ (٣) زُهَيْرٍ وَأَوْلَادِهِ، وَلِأَبِي المَعَالِي بنِ شَافِعٍ وَغَيْرِهِمَا. وَتُوُفِّيَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، أَظُنُّهُ بِـ "أَصْبَهَانَ"، ﵀.
قَرَأْتُ بِخَطِّهِ فِي الإِجَازَةِ [إِنْ شَاءُوا] (٤) فَلْيَرْوُوا عَنِّي بِلَفْظَةِ التَّحْدِيْثِ، وإنْ أَرَادُوا بِلَفْظَةِ الإِخْبَارِ.
قُلْتُ: وَهَذَا وَإِنِ اشْتُهِرَ عِنْدَ المُحَدِّثِيْنَ مِنَ المُتَأَخِّرِيْنَ إِنْكَارُهُ، كَمَا أَنْكَرَهُ الخَطِيْبُ عَلَى أَبي نُعَيْمٍ الأَصْبَهَانِيِّ، لكِنْ هُوَ قَوْلُ طَوَائِفَ مِنْ عُلَمَاءِ الحَدِيْثِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ (أَنَا) أَبُو الفَتْحِ (٥) المَيْدُوْمِيُّ بـ "مِصْرَ" (أَنَا) أَبُو الفَرَجِ الحَرَّانِيُّ (ثَنَا) أَبُو المَعَالِي أَحْمَدُ بنُ يَحْيَى стр. 634
الخَازِنُ مِنْ لَفْظِهِ بِـ "بَغْدَادَ"، (ثَنَا) أَبُو الكَرَمِ المُبَارَكُ بنُ الحَسَنِ الشَّهْرَزُوْرِيُّ إِمْلَاءً، قَالَ: سَمِعْتُ الإِمَامَ أَبَا مُحَمَّدٍ رِزْقَ اللهِ بنَ عَبْدِ الوَهَّابِ التَّمِيْمِيَّ يَقُوْلُ: (ثَنِي) عَمِّي أَبُو الفَضْلِ عَبْدُ الوَاحِدِ بنُ عَبْدِ العَزِيْزِ التَّمِيْمِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ غُلَامَ الخَلَّالِ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ الخَلَّالَ يَقُوْلُ: قَالَ الإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللهِ ﵁ لِوَلَدِهِ صَالِحٍ: إِذَا أَجَزْتُ لَكَ شَيْئًا فَلَا تُبَالِي قُلْتَ: (أَنَا) أَوْ (ثَنَا).
وَرَوَى الخَطِيْبُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي اليَمَانِ الحَكَمِ بنِ نَافِعٍ قَالَ: قَالَ لِي أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ: كَيْفَ سَمِعْتَ الكُتُبَ مِنْ شُعَيْبِ بنِ أَبِي حَمْزَةَ؟ قُلْتُ: قَرَأْتُ عَلَيْهِ بَعْضًا، وَبَعْضًا قَرَأَهُ عَلَيَّ، وَبَعْضًا أَجَازَ لِي، وَبَعْضًا مُنَاوَلَةً. فَقَالَ أَحْمَدُ: قُلْ فِي كُلٍّ (أَنَا) شُعَيْبٌ. وَقَدْ رُوِيَ هَذَا المَذْهَبُ عَنْ مَالِكٍ، وَالحَارِثِ بنِ مِسْكِيْنَ، وَذَكَرَهُ ابنُ الصَّلَاحِ فِي كِتَابِهِ (١) عَنِ الزُّهْرِيِّ وَمَالِكٍ وَغَيْرِهِمَا مِنَ المُتَقَدِّمِيْنَ، وَحَكَاهُ ابنُ شَاهِيْنِ (٢) عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ العُلَمَاءِ. стр. 635
وَذَكَرَ السِّلَفِيُّ فِي "مُقَدِّمَتِهِ لإِمْلَاءِ الاسْتِذْكَارِ": أَنَّ مَذْهَبَ أَبِي عُمَرَ بنِ عَبْدِ البَرِّ (١) وَعَامَّةِ حُفَّاظِ الأَنْدَلُسِ الجَوَازُ فِيْمَا يُجَازُ قَوْلُ (ثَنَا) وَ (أَنَا)، أَوْ مَا شَاءَ المُجَازُ مِمَّا يَقْرُبُ مِنْهُ. قَالَ: بِخِلَافِ مَا نَحْنُ وَأَهْلُ المَشْرِقِ عَلَيْهِ مِنْ إِظْهَارِ السَّمَاعِ وَالإِجَازَةِ، وَتَمْيِيْزِ أَحَدُهُمَا عَنِ الآخَرِ بِلَفْظٍ لَا إِشْكَالَ فِيْهِ.
وَقَدْ صَنَّفَ بَعْضُ المُحَدِّثِيْنَ المُتَأَخِّرِيْنَ فِي جَوَازِ إِطْلَاقِ: "حَدَّثَنَا" وَ"أَخْبَرَنَا" فِي الإِجَازَةِ "جُزْءًا".
١٢٠ - حَمْدُ (٢) بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (٣) بنِ مُحَمَّدِ بنِ نَجَا بنِ مُحَمَّدِ بنِ عَلِيِّ بنِ مُحَمَّدِ الأَزَجِيُّ، القَاضِي، أَبُو عَلِيِّ بنُ شَاتِيْلٍ. سَمِعَ مِنْ أَبِي مُحَمَّدٍ التَّمِيْمِيِّ، وَنَصْرِ بنِ البَطِرِ، وَابْنِ طَلْحَةَ النَّعَّالِيِّ، وَأَبِي بَكْرِ بنِ سَوْسَنٍ، وَشَيْخِ الإِسْلَامِ الهَكَّارِيِّ - وَسَمِعَ مِنْهُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، كَذَا ذَكَرَهُ القَطِيْعِيُّ. وَفِيْهِ نَظَرٌ - وَغَيْرِهِمْ. وَتَفَقَّهَ عَلَى أَبِي الخَطَّابِ الكَلْوَذَانِيِّ، وَوَلِيَ القَضَاءَ следующие страницы →