← Тараджим

Тараджим · id 31366

ذيل طبقات الحنابلة - لابن رجب - ت العثيمين

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (2 431 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

وَهُمُ الَّذِيْنَ بِهِمْ يَفُوْزُ مُحِبُّهُمْ … يَوْمَ المَعَادِ وَكُلُّ ذُخْرٍ يَنْفَعُ قَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: تُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الآخِرَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ. وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ "بَابِ حَرْبٍ" وَفِي "تَارِيْخِ ابنِ القَطِيْعِيِّ" أَنَّهُ تُوُفِّيَ لَيْلَةَ الإِثْنَيْنِ لِخَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةٍ مَضَتْ مِنْ جُمَادَى الأُوْلَى مِن السَّنَةِ المَذْكُوْرَةِ، وَذَكَرَ ابنُ النَّجَّارِ - عَنِ عُمَرَ القُرَشِيِّ - أَنَّهُ تُوُفِّيَ يَوْمَ الأَحَدِ ثَانِي عَشَرَ جُمَادَى الأُوْلَى. ١٣١ - مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ (١) بنُ عَلِيِّ بنِ عَبْدِ اللهِ الأَبْرَادِيُّ، البَغْدَادِيُّ، الفَقِيْهُ، أَبُو الحَسَنِ بنِ أَبِي البَرَكَاتِ، وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ أَبِيْهِ. تَفَقَّهَ عَلَى ابنِ عَقِيْلٍ. وَسَمِعَ مِنْهُ، وَمِنْ أَبِيْهِ أَبِي البَرَكَاتِ، وَأَبِي الحَسَنِ بنِ الفَاعُوْسِ. وَحَدَّثَ بِاليَسِيْرِ. سَمِعَ مِنْهُ أَبُو الفَضْلِ بنُ شَافِعٍ. وَتُوُفِّيَ يَوْمَ الجُمُعَةِ خَامِسَ شَعْبَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَدُفِنَ عِنْدَ "بَابِ المُخْتَارَةِ" (٢). أَرَّخَ وَفَاتَهُ: صَدَقَةُ بنُ الحُسَيْنِ، وَابْنُ نُقْطَةَ،

стр. 667

وَابْنُ النَّجَّارِ، وَقَدْ اشْتَبَهَ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ وَفَاتُهُ بِوَفَاةِ أَبِيْهِ، كَمَا سَبَقَ فِي تَرْجَمَةِ أَبِيْهِ. ١٣٢ - أَحْمَدُ بنُ مُهَلْهِلْ (١) بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ أَحْمَدَ البَرْدَانِيُّ. قَالَ ابْنُ النَّجَّارِ: هُوَ مِنْ قَرْيَةِ "بَرْدَ" (٢) بِسُكُوْنِ الرَّاءِ، مِنْ بَلَدِ "إِسْكَافَ" المُقْرِئُ الزَّاهِدُ، الضَّرِيْرُ، أَبُو العَبَّاسِ، وَيُعْرَفُ بِـ "الأَزَجِيِّ" كَانَ مِنْ أَهْلِ القُرْآنِ وَالزُّهْدِ وَالعِبَادَةِ. رَوَى عَنْ أَبِي طَالِبٍ اليُوْسُفِيِّ وَغَيْرِهِ، وَحَدَّثَ. ذَكَرَهُ ابنُ القَطِيْعِيِّ، وَقَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الحَسَنِ البَرَانْدَاسِيَّ (٣) الفَقِيْهِ يَقُوْلُ: كَانَ هَذَ الشَّيْخُ يُصَلِّي فِي كُلِّ يَوْمِ أَرْبَعِمَائَةَ رَكْعَةٍ (٤). وَتُوُفِّيَ يَوْمَ الخَمِيْسِ غُرَّةَ جُمَادَى الأُوْلَى سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ "بَابِ حَرْبٍ"، رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.

стр. 668

وَقَالَ ابنُ النَّجَّارِ: كَانَ مُنْقَطِعًا فِي مَسْجدِهِ لَا يُخَالِطُ أَحَدًا، مُشْتَغِلًا بِاللهِ ، وَكَانَ الإِمَامُ المُقْتَفِي يَزُوْرُهُ، وَكَذَلِكَ وَزِيْرُهُ ابنُ هُبَيْرَةَ، وَالنَّاسُ كَافَّةً يَتبَرَّكُونَ (١) بِهِ. وَكَانَ قَرَأَ طَرَفًا صَالِحًا مِن الفِقْهِ علَى أَبِي الخَطَّابِ الكَلْوَذَانِيِّ، ثُمَّ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الدِّيْنَوَرِيِّ. وَسَمِعَ الحَدِيْثَ مِنْ أَبِي غَالِبٍ البَاقِلَّانِيِّ، وَأَبِي الغَنَائِمِ النَّرْسِيِّ، وَأَبِي طَالِبٍ اليُوْسُفِيِّ، وَغَيْرِهِمْ، وَحَدَّثَ بِاليَسِيْرِ. رَوَى عَنْهُ أَبُو الفَضْلِ بنُ شَافِعٍ، وَأَبُو بَكْرٍ البَاقِدَارِيُّ (٢). ١٣٣ - سَعِيْدُ بنُ الحُسَيْنِ (٣) بنِ شُنَيْفِ بنِ مُحَمَّدٍ الدَّيْلَمِيُّ الدَّارَقَزِّيُّ،

стр. 669

الأَمِيْنُ، أَبُو عَبْدِ اللهِ. وُلِدَ سَنَةَ تِسْعٍ وَسَبْعِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ. وَسَمِعَ مِنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ الحُسَيْنِ بنِ مُحَمَّدٍ السَّرَّاجِ، وَالحُسَيْنِ بنِ طَلْحَةَ النَّعَّالِ، وَابنِ الطُّيُوْرِيِّ، وَغَيْرِهِمْ، وَتَفَقَّهَ فِي المَذْهَبِ، وَكَانَ إِمَامًا بِجَامِعِ "دَارِ القَزِّ" وَأَمِيْنًا لِلْقَاضِي بِمَحِلَّتِهِ وَمَا يَلِيْهَا، وَكَانَ شَيْخًا صَالِحًا، ثِقَةً، حَدَّثَ وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ ابْنُهُ أَبُو عَبْدِ اللهِ الحُسَيْنُ. وَتُوُفِّيَ لَيْلَةَ السَّبْتِ رَابِعَ عَشَرَ ذِيْ الحِجَّةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَدُفِنَ مِنَ الغَدِ بِمَقْبَرَةِ "بَابِ حَرْبٍ" - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -. ١٣٤ - أَحْمَدُ بنُ أَبِي غَالِبِ (١) بنِ أَحْمَدَ بنِ غَالِبِ بنِ عَبْدِ اللهِ الحَرْبِيُّ، الفَقِيْهُ، الفَرَضِيُّ، المُعَدَّلُ، أَبُو بَكْرٍ. سَمِعَ الحَدِيْثَ مِنْ أَحْمَدَ بنِ الحُسَيْنِ بنِ قُرَيْشٍ،

стр. 670

وَابْنِ الحُصَيْنِ، وَأَبِي بَكْرٍ الأَنْصَارِيِّ، وَأَبِي الحُسَيْنِ بنِ الفَرَّاءِ، وَغَيْرِهِمْ، وَتَفَقَّهَ فِي المَذْهَبِ. قَالَ ابنُ النَّجَّارِ: كَانَ أَحَدَ الفُقَهَاءِ عَلَى مَذْهَبِ الإِمَامِ أَبِي عَبْدِ الله أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ، حَافِظًا لِكَتَابِ اللهِ تَعَالَى، لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالفَرَائِضِ، وَالحِسَابِ وَالنُّجُومِ، وَأوْقَاتِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَشَهِدَ عِنْدَ قَاضِي القُضَاةِ أَبِي القَاسِمِ الزَّيْنَبِيِّ، وَتَوَلَّى قَضَاءَ "دُجَيْلٍ" مُدَّةً، ثُمَّ عُزِلَ، حَدَّثَ بِاليَسِيْرِ، وَسَمِعَ مِنْهُ عَبْدُ المُغِيْثِ الحَرْبِيُّ، وَالقَاضِي أَبُو القَاسِمِ بنُ الفَرَّاءِ، وغَيْرُهُمَا. وَتُوُفِّيَ يَوْمَ الأَحَدِ، يَوْمَ عِيْدَ الأَضْحَى، سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ. ١٣٥ - وَفِي نِصْفِ ذِيْ القَعْدَةِ توُفِّيَ الشَّرِيْفُ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ (١) بنِ عَلِيِّ

стр. 671

ابنِ الحُسَيْنِ التُّرَيْكِيُّ العَبَّاسِيُّ، الهَاشِمِيُّ، المُعَدَّلُ الشَّرِيْفُ، الخَطِيْبُ، أَبُو المَظَفَّرِ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ. وَدُفِنَ بِالقُرْبِ مِنْ قَبْرِ مَعْرُوفٍ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ سَبْعِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ. رَوَى عَنْ طِرَادٍ، وَأَبِي نَصْرٍ الزَّيْنَبِيِّ، وَالعَاصِمِيِّ، وَغَيْرِهِمْ. وَحَدَّثَ، وَسَمِعَ مِنْهُ جَمَاعَةٌ. وَكَانَ جَلِيْلَ القَدْرِ، وَكَانَ مِنْ رِجَالَاتِ الهَاشِمِيِّيْنَ، ذَا أَدَبٍ وَعِلْمٍ، وَلَهُ نَظْمٌ، وَخَطَبَ بِجَامِعٍ لَهُ. ١٣٦ - عَلَوِيُّ الإسْكَافُ (١). تُوُفِّيَ فِي يَوْمِ الجُمُعَةِ رَابِعَ عَشَرَ جُمَادَى

стр. 672

الآخِرَةَ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ. تُوُفِّيَ عَلَوِيُّ (١) الإِسْكَافُ وَكَانَ شَيْخًا، صالِحًا، مِنْ أَصْحَابِ أَبِي الحَسَنِ بنِ الزَّاغُوْنِيِّ، وَكَانَ يَقْرَأُ "كِتَابَ الخِرَقِيِّ" وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بِجَامِعِ القَصْرِ، بُكْرَةَ النَّهَارِ، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ "الوَرْدِيَّةِ". ذَكَرَهُ صَدَقَةُ بنُ الحُسَيْنِ فِي "تَارِيْخِهِ". ١٣٧ - إِبْرَاهِيْمُ بنُ دِيْنَارِ (٢) بنِ أَحْمَدَ بنِ الحُسَيْنِ بنِ حَامِدِ بنِ إِبْرَاهِيْمَ النَّهْرَوَانِيُّ،

стр. 673

الرَّزَّازُ، الفَقِيْهُ، الفَرَضِيُّ، الزَّاهِدُ، الحَكِيْمُ (١)، الوَرِعُ، أَبُو حَكِيْمٍ. وُلِدَ سَنَةَ ثَمَانِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ. وَسَمِعَ الحَدِيْثَ مِنْ أَبِي الحَسَنِ بنِ العَلَّافِ، وَأَبِي عُثْمَانَ بنِ مِلَّةَ، وَأَبِي القَاسِمِ بنِ بَيَانٍ، وَأَبِي الخَطَّابِ الكَلْوَذَانِيِّ، وَأَبِي عَلِيِّ بنِ شِهَابٍ، وَابْنِ الحُصَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ. وَتَفَقَّهَ عَلَى أَبِي سَعْدِ بنِ حَمْزَة (٢) صَاحِبُ أَبِي الخَطَّابِ، وَبَرَعَ فِي المَذْهَبِ، وَالخِلَافِ، وَالفَرَائِضِ، وَأَفْتَى، وَنَاظَرَ. وَكَانَتْ لَهُ مَدْرَسَةٌ بَنَاهَا بِـ "بَابِ الأَزَجِ" وَكَانَ يُدَرِّسُ وَيُقِيْمُ بِهَا، وَفِي آخِرِ عُمُرِهِ فُوِّضَتْ إِلَيْهِ المَدْرَسَةُ الَّتِي بَنَاهَا ابنُ الشِّمَحْلِ (٣) بِـ "المَأْمُوْنِيَّةِ"،

стр. 674

وَدَرَّسَ بِهَا أَيْضًا، وَقَرَأَ عَلَيْهِ العِلْمَ خَلْقٌ كَثِيْرٌ، وَانْتَفَعُوا بِهِ. قَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: قَرَأْتُ عَلَيْهِ القُرْآنَ وَالمَذْهَبَ وَالفَرَائِضَ، وَمِمَّنْ قَرَأَ عَلَيْهِ: السَّامُرِّيُّ (١) صَاحِبُ "المُسْتَوعَبِ" وَنَقَلَ عَنْهُ فِي تَصَانِيْفِهِ. قَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: وَكَانَ زِاهِدًا، عَابِدًا، كَثِيْرَ الصَّوْمِ، يُضْرَبُ بِهِ المَثَلُ فِي الحِلْمِ وَالتَّوَاضُعِ. وَقَالَ أَيْضًا: كَانَ مِنَ العُلَمَاءِ العَامِلِيْنَ بِالعِلْمِ، كَثِيْرَ الصِّيَامِ وَالتَّعَبُّدِ، شَدِيْدَ التَّوَاضُعِ، مُؤَثِّرًا للخُمُوْلِ (٢)، وَكَانَ المَثَلُ يُضْرَبُ بِحِلْمِهِ وَتَوَاضُعِهِ، وَمَا رَأَيْنَا لَهُ نَظِيْرًا فِي ذلِكَ. قَالَ ابنُ القَطِيْعِيِّ: سَمِعْتُ ابنُ الجَوْزِيِّ يَقُوْلُ: كَانَ الشَّيْخُ أَبُو حَكِيْمٍ تَالِيًا لِلْقُرْآنِ، يَقُوْمُ اللَّيْلَ وَيَصُوْمُ النَّهَارَ، وَيَعْرِفُ المَذْهَبَ وَالمُنَاظَرَةَ، وَلَهُ الوَرَعُ العَظِيْمُ، وَكَانَ يَكْسِبُ (٣) بِيَدِهِ، فَإِذَا خَاطَ ثَوْبًا فَأُعْطِيَ الأُجرَةَ مَثَلًا قِيْرَاطًا، أَخَذَ مِنْهُ حَبَّةً وَنِصْفًا وَرَدَّ البَاقِي، وَقَالَ: خِيَاطَتِي لَا تُسَاوِي أَكْثَرَ

стр. 675

مِنْ هَذَا، وَلَا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا. قُلْتُ: وَقَدْ صَنَّفَ أَبُو حَكِيْمٍ تَصَانِيْفَ فِي المَذْهَبِ وَالفَرَائِضِ، وَصَنَّفَ "شَرْحًا لِلْهِدَايَةِ" (١) كَتَبَ مِنْهُ تِسْعَ مُجَلَّدَاتٍ، وَمَاتَ وَلَمْ يُكْمِلْهُ. وَحَدَّثَ، وَسَمِعَ مِنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُم: ابنُ الجَوْزِيِّ، وَعُمَرُ بنُ عَلِيٍّ القُرَشِيُّ الدِّمَشْقِيُّ، وَلَهُ نَظْمٌ. وَقَالَ ابنُ القَطِيْعِيِّ: أَنْشَدَنِي أَحْمَدُ التَّاجِرُ، أَنْشَدَنِي إِبْرَاهِيْمُ بنُ دِيْنَارٍ الفَقِيْهُ لِنَفْسِهِ: يَا دَهْرُ إِنْ جَارَتْ صُرُوْفُكَ وَاعْتَدَتْ … وَرَمَيْتَنِي فِي ضَيْقَةٍ (٢) وَهَوَانِ أَنَّى أَكُوْنَ عَلَيْكَ يَوْمًا سَاخِطًا … وَقَدِ اسْتَفَدْتُ مَعَارِفَ الإخْوَانِ قَالَ القَطِيْعِيُّ: وَقَرَأْتُ فِي كِتَابِ أَبِي حَكِيْمٍ النَّهْرَوَانِيِّ بِخَطِّهِ: وَإِنِّي لأَتْرُكُ عُوْرَ (٣) الكَلَامِ (٤) … لِئَلَّا أُجَابُ بِمَا أَكْرَهُ أَصَمُّ عَنِ الكَلِمِ المُخْفِظَاتِ … وَأَحْكُمُ وَالحُكْمُ بِي أَشْبَهُ

стр. 676

إِذَا مَا أَثَرْتُ (١) سَفَاهَ السَّفِيْهِ … عَلَيَّ فَإِنِّي وَلَهُ أَوْجُهُ يَنَامُ إِذَا حَضَرَ المُكْرَمَاتُ … وَعِنْدَ الدَّنَاءَةِ يَسْتَنْبِهُ قَالَ: وَقَرَأْتُ فِي كِتَابِهِ بِخَطِّهِ: عَجَبًا لِي وَقَدْ مَرَرْتُ بِآثَا … رِكَ أَنِّي اهْتَدَيْتُ نَهْجَ الطَّرِيْقِ أَتُرَانِي أُنْسِيْتُ عَهْدَكَ فِيْهَا … صَدَقُوا مَا لِمَيِّتٍ مِنْ صَدِيْقِ قَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: رَأَيْتُ بِخَطِّهِ - يَعْنِي: أَبَا حَكِيْمٍ - عَلَى ظَهْرِ "جُزْءٍ" لَهُ: رَأَيْتُ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ عَاشِرَ رَجَبٍ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِيْنَ - فِيْمَا يَرَى النَّائِمُ - كَأَنَّ شَخْصًا فِي وَسَطِ دَارِي قَائِمًا، قُلْتُ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا الخَضِرُ. قَالَ (٢): تَأَهَّبْ لِلَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ … مِنَ المَوْتِ المُوَكَّلِ بِالعِبَادِ ثُمَّ كَأَنَّهُ عَلِمَ أنِّي أُرِيْدُ أَنْ أَقُوْلَ لَهُ: هَلْ ذلِكَ عَنْ قُرْبٍ؟ فَقَالَ: قَدْ بَقِيَ مِنْ عُمُرِكَ اثْنَا عَشَرَ (٣) سَنَةً تَمَامِ سِنِيِّ أَصْحَابِكَ. وَعُمْرِيْ يَوْمَئِذٍ خَمْسٌ وَسِتُّوْنَ سَنَةً. قَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: فَكُنْتُ دَائِمًا أَتَرَقَّبُ صِحَّةَ هَذَا، وَلَا أُفَاوِضُهُ فِي ذِكْرِهِ لِئَلَّا أَنْعَى إِلَيْهِ نَفْسَهُ، فَمَرِضَ - رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ - اثْنَيْنِ وَعِشْرِيْنَ يَوْمًا. وَتُوُفِّيَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ بَعْدَ الظُّهْرِ ثَالِثَ عَشَرَ جُمَادَى الآخِرَةِ مِنْ سَنَةِ سِتٍّ وَخَمْسِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، فَكَانَ مُقْتَضَى حِسَابِ مَنَامِهِ أَنْ يَبْقَى لَهُ سَنَةٍ، وَمَاتَ فِي أَوَّلِ الأُخْرَى أَوْ لَعَلَّهَا مِنَ السِّنِيْنَ الشَّمْسِيَّةِ (٤). وَدُفِنَ ﵀

стр. 677

قَرِيْبًا مِنْ بشْرٍ الحَافِي ﵁. وَقَدِ امْتَدَحَهُ الصَّرْصَرِيُّ (١) فِي قَصِيْدَتِهِ اللَّامِيَّةِ، الَّتِي مَدَحَ فِيْهَا الإمَامَ أَحْمَدَ وَأَصْحَابَهُ، فَقَالَ (٢): وَبالحِلْمِ وَالتَّقْوَى [وَحُسْنِ] الرِّضَى أَبُو … حَكِيْمٍ غَدَا لِلْفِقْهِ خَيْرَ (٣) مُجَمِّلِ أَخْبَرَنَا أَبُو الفَتْحِ مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِبْرَاهِيْمَ بِـ "مِصْرَ" (أَنَا) أَبُو الفَرَجِ عَبْدُ اللَّطِيْفِ بنُ عَبْدِ المُنْعِمِ الحَرَّانِيُّ (أَنَا) أَبُو الفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَلِيٍّ الحَافِظُ، (أَنَا) أَبُو حَكِيْمٍ النَّهْرَاوَانِيُّ (ح) قَالَ الحَرَّانِيُّ: (أَنَا) - عَالِيًا - أَبُو الفَرَجِ عَبْدِ المُنْعِمِ (٤) بنِ عَبْدِ الوَهَّابِ التَّاجِرُ قَالَا (أَنَا) أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بنُ نَبْهَانَ (أَنَا) (٥) أَبُو الحَسَنِ بنُ الحُسَيْنِ بنِ دُوْمَا (أَنَا) أَحْمَدُ بنُ نَصْرٍ الزَّارِعُ، (ثَنَا) صَدَقَةُ بنُ مُوْسَى، وَأَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدٍ الأَنْبَارِيُّ، وَالقَاسِمُ بنُ أَحْمَدَ، قَالُوا: (ثَنَا) سُوَيْدُ بنُ سَعِيْدٍ الحَدْثَانِيُّ (٦)، (ثَنَا) عَلِيُّ بنُ مُسْهِرٍ، عَنْ أَبِي

стр. 678

يَحْيَى القَتَّاتِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ (١):

стр. 679

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 680

"مَنْ عَشَقَ وَكَتَمَ وَعَفَّ فَمَاتَ فَهُوَ شَهِيْدٌ". ١٣٨ - عَلِيُّ بنُ عُمَرَ (١) بنِ أَحْمَدَ بنِ عَمَّارِ بنِ أَحْمَدَ بنِ عَلِيِّ بنِ عَبْدُوْسٍ الحَرَّانِيُّ،

стр. 681

الفَقِيْهُ، الزَّاهِدُ، الوَاعِظُ، أَبُو الحَسَنِ. وُلِدَ سَنَةَ عَشْرٍ، أَوْ إِحْدَى عَشْرَةَ وَخَمْسِمَائَةَ، عَلَى مَا نَقَلَهُ القَطِيْعِيُّ عَن أَبِي المَحَاسِنِ الدِّمَشْقِيِّ عَنْهُ. وَسَمعَ بِـ "بَغْدَادَ" بِأَخَرَةٍ (١) سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِيْنَ مِنَ الحَافِظِ أَبِي الفَضْلِ بنِ نَاصِرٍ، وَغيْرِهِ، وَتَفَقَّهَ، وَبَرَعَ فِي الفِقْهِ، والتَّفْسِيْرِ، وَالوَعْظِ، وَالغَالِبُ عَلَى كَلَامِهِ التَّذْكِيْرُ وَعُلُوْمُ المُعَامَلَاتِ، وَلَهُ تَفْسِيْرٌ كَبِيْرٌ، وَهُوَ مَشْحُوْنٌ بِهَذَا الفَنِّ. وَلَهُ كِتَابُ "المُذْهَبِ فِي المَذْهَبِ" وَ"مَجَالِسُ وَعْظِيَّةٌ" فِيْهَا كَلَامٌ حَسَنٌ، عَلَى طَرِيْقَةِ كَلَامِ ابنِ الجَوْزِيِّ. قَرَأَ عَلَيْهِ قَرِيْبُهُ (٢) أَبُو الفَتْحِ نَصْرُ اللهِ بنُ عَبْدِ العَزِيْزِ، وَخَالُهُ الشَّيْخُ فَخْرُ الدِّيْنِ بنُ تَيْمِيَّةَ فِي أَوَّلِ اشْتِغَالِهِ، وَقَالَ عَنْهُ: كَانَ نَسِيْجُ وَحْدِهِ فِي عِلْمِ التَّذْكِيْرِ، وَالاطِّلَاعِ عَلَى فُنُوْنِ التَّفْسِيْرِ، وَلَهُ فِيْهِ التَّصَانِيْفَ البَدِيْعَةُ، وَالمَبْسُوْطَاتُ الوَسِيْعَةُ. وَسَمِعَ مِنْهُ الحَدِيْثَ أَبُو المَحَاسِنِ عُمَرُ بنُ عَلِيٍّ القُرَشِيُّ الدِّمَشْقِيُّ بِـ "حَرَّانَ" سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِيْنَ، وَقَالَ: هُوَ إِمَامُ الجَامِعِ بِـ "حَرَّانَ"، مِنْ أَهْلِ الخَيْرِ وَالصَّلَاحِ وَالدِّيْنِ، قَالَ: وَأَنْشَدَنِي لِنَفْسِهِ: سَأَلْتُ حَبِيْبِي وَقَدْ زُرْتُهُ … وَمِثْلِيَ فِي مِثْلِهِ يَرْغَبُ فَقُلْتُ حَدِيْثُكَ مُسْتَظْرَفٌ … وَيَعْجَبُ مِنْهُ الَّذِي يَعْجَبُ

стр. 682

أَرَاكَ مَلِيْحًا ظَرِيْفَ (١) الجَوَابِ … فَصِيْحَ الخِطَابِ فَمَا تَطْلُبُ فَهَلْ فِيْكَ مِنْ خَلَّةٍ تُزْدَرَى … بِهَا الصَّدُّ وَالهَجْرُ (٢) يَقْرُبُ فَقَالَ أَمَا قَدْ سَمِعْتَ المَقَالَ … مُغَنِّيَة الحَيِّ [لَا (٣)] تُطْرِبُ وَمِمَّا أَوْرَدَ الشَّيْخُ أَبُو الحَسَنِ فِي مَوَاعِظِهِ لِنَفْسِهِ: يَا حَامِلًا ثِقْلَ الذُّنُوْبِ جَاهِلًا (٤) … حُمِّلْتَ مِنْ أَثْقَالِهَا العَظَائِمَا لَا بُدَّ مِنْ يَوْمٍ عَبُوْسٍ هَائِلٍ … يَكُوْنُ مِنْ أَسْرَفَ فِيْهِ نَادِمَا قُمْ خَفِّفِ الثُّقْلَ بِحُسْنِ تَوْبَةٍ … حَتَّى تَكُوْنَ فِي المَعَادِ سَالِمَا وَكُنْ بِأَنْوَارِ اليَقِيْنَ مُبْصِرًا … إِنْ كُنْتَ فِي لَيْلِ المَعَادِ هَائِمَا فَإِنَّ للهِ عِبَادًا أَبْصَرُوا … بِأَعْيُنِ الفِكْرِ المَعَادَ قَائِمَا فَشَمَّرُوا أَذْيَالَهُمْ وَقَصَّرُوا … آمَالَهُمْ وَحَقَّقُوا العَزَائِمَا وَصَيَّرُوا أَفْرَاحَهُمْ فِي قُرْبِهِ … وَأَقْلَبُوا (٥) أَعْرَاسَهُمْ مَآتِمَا وَاسْتَفْرَغُوا مِنَ العُيُوْنِ مَاءَهَا … وَأَسْعَدُوا عَلَى البُكَا الحَمَائِمَا

стр. 683

أُوْلَئِكَ النَّاجُوْنَ فِي مَعَادِهِمْ … يُعْطِيْهِمُ اللهُ نَعِيْمًا دَائِمَا وَمِمَّا أَوْرَدَهُ أَيْضًا لِنَفْسِهِ: أَقَامُوا فَقَامُوا لَهُ رُكَّعًا … وَكَبَّرُوا (١) فَخَرُّوا لَدَيْهِ سُجُوْدَا وَأَجْرَوا دُمُوْعَهُمُ خَشْيَةً … فَبَلُّوا بِتِلْكَ الدُّمُوْعِ الخُدُوْدَا وَلَمَّا أَطَالُوا لَدَيْهِ السُّجُوْ … دَ رَجَوا مِنْهُ وَعْدًا وَخَافُوا وَعِيْدَا فَأَعْطَاهُمُ مِنْهُ مَا يَرْتَجُوْنَ … وَأَمَّنَهُمْ بَعْدَ ذَاكَ الصُّدُوْدَا فَمُعْظَمُ أَشْغَالِهِمْ ذِكْرُهُ … فَطَوْرًا قِيَامًا وَطَوْرًا قُعُوْدَا فَوَّرَثَهُمْ ذِكْرُهُمْ ذِكْرَهُ … وَزَادَهُمُ فِي الجِنَانِ الخُلُوْدَا وَمِنْ ذلِكَ قَوْلُهُ (٢): قُرَّةَ عَيْنِ مَنْ صَدَفَ … بِعَزْمِهِ عَنِ الصَّدَفْ ثُمَّ اقْتَنَى الدُّرَ الَّذِي … مَنْ نَالَهُ نَالَ الشَّرَفْ وَإِنَّمَا الدُّنْيَا مَتَـ … ــاعٌ زَائِلٌ لِمَنْ عَرَفْ مَنْ نَالَ مِنْهَا طَرَفًا … فَلْيُعْطِهَا مِنْهُ طَرَفْ تُوُفِّيَ ﵀ وَإِيَّانَا - في آخِرِ نَهَارِ يَوْمِ عَرَفَةَ - وَقِيْلَ: لَيْلَةَ عِيْدِ النَّحْرِ -

стр. 684

سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ بِـ "حَرَّانَ". وَرَثَاهُ الإمَامُ فَخْرُ الدِّيْنِ بنُ تَيْمِيَّةَ (١) وَهُوَ يَوْمَئِذٍ شَابٌّ لَهُ دُوْنَ العِشْرِيْنِ بِقَصِيْدَةٍ وَهِيَ: قَدْ زَادَنِي حَزَنِي وَاسْتَمْكَنَتْ عِلَلِي … لَمَّا رَحَلْتَ عَنِ الإِخْوَانِ يَا أَمَلِي يَا عَالِمًا أَوْحَشَ الدُّنْيَا بِغَيْبَتِهِ … لَا صُنْعَ لِي فِي قَضَاءِ اللهِ وَالأَجَلِ يَا أَهْلَ حَرَّانَ وَالَهْفِي وَوَا أَسَفِي … عَلَى فِرَاقِ ابنِ عَبْدُوْسِ الفَقِيْهِ عَلِي وَا حَسْرَتَاهُ عَلَى زَيْنِ الزَّمانِ وَمَنْ … كَانَتْ عَقِيْدَتُهُ بِالقَوْلِ وَالعَمَلِ يَا قَوْمُ مَا الصُّنْعُ مِنْ بَعْدَ الفِرَاقِ لَهُ … لَا صُنْعَ لِلْعَبْدِ فِي شَيْءٍ مِنَ الحِيَلِ كَانَ الفَقِيْهُ عَلِيٌّ عَالِمًا وَرِعًا … وَكَانَ مَسْلَكُهُ فِي أَحْسَنِ السُّبُلِ كَانَ الفَقِيْهُ عَلِيٌّ فَوْقَ مَنْبَرِهِ … مِثْلَ العَرُوْسِ تُرَى فِي أَحْسَنِ الحُلَلِ كَانَ الفَقِيْهُ عَلِيٌّ غَيْرَ مُبْتَدِعٍ … بَلْ كَانَ فِي دِيْنِهِ كَالفَارِسِ البَطَلِ يَقُوْلُ إِنَّ كَلَامَ اللهِ ذُو قِدَمٍ … حَرْفٌ وَصَوْتٌ عَلَى التَّحْقِيْقِ كَيْفَ تُلِي كَانَ الفَقِيْهُ عَلِيٌّ دَائِمًا أَبَدًا … بِذِكْرِ (٢) مَوْلَاهُ ذَا خَوْفٍ وَذَا وَجَلِ وَرُوْحُهُ قُبِضَتْ فِي لَيْلَةٍ شَرُفَتْ … يَحْظَى بِهَا كُلُّ مَحْبُوْبٍ وَكُلُّ وَلِي أَبْكَى عُيُوْنَ الوَرَى حُزْنًا لِفُرْقَتِهِ … وَأَرْسَلَ الدَّمْعَ يَا رُوْحِي مِنَ المُقَلِ بَكَتْ عَلَيْهِ عُيُوْنُ النَّاسِ كُلِّهِمُ … وَأَوْحَشَ الكُلَّ مِنْ سَهْلٍ وَمِنْ جَبَلِ بَكَتْ عَلَيْهِ الزَّوَايَا الخَالِيَاتِ كَمَا … قَدْ كَانَ يُؤْنِسُهَا مِنْ غَيْرِ مَا مَلَلِ بَكَتْ دَفَاتِرُهُ حُزْنًا لَهُ وَأَسًى … لأَنَّهُ كَانَ عَنْهَا غَيْرَ مُشْتَغِلِ

стр. 685

عَلَيْهِ طِيْبُ سَلَامٍ غَيْرُ مُنْفَصِلٍ … عَلَى مَمَرِّ لَيَالِيَ الدَّهْرَ مُتَّصِلِ ذَكَرَ أَبُو الحَسَنِ بنُ عَبْدُوْسٍ فِي كِتَابِ "المُذْهَبِ" أَنَّ فَائِدَةَ الخِلَافِ فِي أَنَّ الغَرَضَ فِي اسْتِقْبَالِ القِبْلَةِ هَلْ هُوَ اسْتِقْبَالُ العَيْنِ أَوِ الجِهَةِ؟ أَنَّا إِنْ قُلْنَا: الغَرَضُ اسْتِقْبَالُ العَيْنِ، فَمَتَى رَفَعَ رَأْسَهُ وَوَجْهَهُ إِلَى السَّمَاءِ حَتَّى خَرَجَ وَجْهَهُ عَنْ مُسَامَتَةِ القِبْلَةِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ قُلْنَا: الغَرَضُ اسْتِقْبَالُ الجِهَةِ لَمْ تَفْسُدْ، كَذَا قَالَ، وَفِيْهِ نَظَرٌ؛ فَإِنَّ فَائِدَةَ هَذَا الخِلَافِ إِنَّمَا يَظْهَرُ فِي صُوْرَةٍ يَخْرُجُ فِيْهَا المُصلِّيَ عَنِ اسْتِقْبَالِ العَيْنِ إِلَى اسْتِقْبَالِ الجِهَةِ، وَهَذَا لَمْ يَخْرُجْ عَنِ العَيْنِ إِلَى الجِهَةِ، بَلْ أَخْرَجَ وَجْهَهُ خَاصَّةً عَنِ اسْتِقْبَالِهِمَا جَمِيْعًا. وَحَكَى ابنُ حَمْدَانَ عَنِ ابنِ عَبْدُوْسَ (١). ١٣٩ - مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدِ (٢) مُحَمَّدِ بنِ الحُسَيْنِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ خَلَفِ بنِ أَحْمَدَ

стр. 686

ابنِ الفَرَّاءِ، القَاضِي أَبُو (١) يَعْلَى الصَّغِيْرِ، وَيُلَقَّبُ عِمَادَ الدِّيْنِ ابنِ القَاضِي أَبِي خَازِمٍ ابنِ القَاضِي الكَبِيْرِ أَبِي يَعْلَى، شَيْخِ المَذْهَبِ فِي وَقْتِهِ. وُلِدَ يَوْمَ السَّبْتِ لِثَمَانِ عَشْرَةَ مِنْ شَعْبَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وتِسْعِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ. وَسَمِعَ الحَدِيْثَ مِنْ أَبِيْهِ، وَعَمِّهِ القَاضِي أَبِي الحُسَيْنِ، وَأَبِي البَرَكَاتِ طَلْحَةَ العَاقُوْلِيِّ، وَأَبِي عَلِيٍّ التَّكَكِيِّ، وَأَبِي الحَسَنِ بنِ العَلَّافِ، وَأَبِي العِزِّ بنِ كَادِشٍ، وَأَبِي الغَنَائِمِ النَّرْسِيِّ، وَابْنِ نَبْهَانَ، وَابْنِ بَيَانٍ، وَغَيْرِهِمْ. وَظَهَرَ لَهُ إِجَازَةٌ، وَ (٢) لابنِ الجَوَالِيْقِيِّ مَعَهُ مِنَ الحَرِيْرِيِّ صَاحِبِ "المَقَامَاتِ".

стр. 687

وَتَفَقَّهَ عَلَى أبِيْهِ القَاضِي أَبِي خَازِمٍ، وَعَلَى عَمِّهِ القَاضِي أَبِي الحُسَيْنِ، وَبَرَعَ فِي المَذْهَبِ وَالخِلَافِ وَالمُنَاظَرَةِ، وَأَفْتَى، وَدَرَّسَ، وَنَاظَرَ فِي شَبِيْبَتِهِ. وَكَانَ ذَا ذَكَاءٍ مُفْرِطٍ، وَذِهْنٍ ثَاقِبٍ، وَفَصَاحَةٍ، وَحُسْنِ عِبَارَةٍ. قَالَ ابنُ القَطِيْعِيِّ: قَرَأْتُ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنَ المَذْهَبِ، وَحَضَرْتُ دَرْسَهُ، وَلَمْ يُرَ مِثْلُهُ فِي حُسْنِ عِبَارَتِهِ، وَعذُوْبَةِ مُحَاوَرَتِهِ، وَحُسْنِ سَمْتِهِ، وَلَطَافَةِ طَبْعٍ، وَلِيْنِ مُعَاشَرَةٍ، وَلُطْفِ تَفْهِيْمٍ، عَطِرٍ بِالرِّيَاسَةِ، خَلِيْقٍ بِالتَّصَدُّرِ، جَدَّ وَاجْتَهَدَ حَتَّى صَارَ أَنْظَرَ (١) أَهْلِ زَمَانِهِ، وَأَوْحَدَ أَقْرَانِهِ، ذُو خَاطِرٍ عَاطِرٍ، وَفِطْنَةٍ نَاشِئَةٍ، أَعْرَفُ النَّاسَ بِاخْتِلَافِ أَقْوَالِ الفُقَهَاءِ، ظَهَرَ عِلْمُهُ فِي الآفَاقِ، وَرَأَى مِنْ تَلَامِيْذِهِ مَنْ نَاظَرَ وَدَرَّسَ وَأَفْتَى فِي حَيَاتِهِ، وَوَلِيَ القَضَاءَ بِـ "بَابِ الأَزَجِ" سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، ثُمَّ وَلِيَ قَضَاءَ "وَاسِطَ" سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِيْنَ، وَبَقِيَ مُدَّةً بِهَا حَاكِمًا، ثُمَّ عَزَلَهُ قَاضِي القُضَاةِ أَبُو الحَسَنِ بنُ الدَّامَغَانِيِّ. وَذُكِرَ عَنْهُ: أَنَّهُ لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى عَزْلِهِ وَاسْتَمَرَّ عَلَى الحُكْمِ، ثُمَّ خَافَ عَاقِبَةَ ذلِكَ فَتَشَفَّعَ بِصَاحِبِ "البَطِيْحَةَ" (٢) إِلَى الخَلِيْفَةِ، ثُمَّ قَدِمَ "بَغْدَادَ" بَعْدَ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةٍ، وَقَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ، فَلَازَمَ بَيْتَهُ. وَكَانَتْ لَهُ حَلْقَةٌ بِجَامِعِ القَصْرِ لِلْمُنَاظَرَةِ،

стр. 688

وَبُنِيَتْ لَهُ فِي بَعْضِ الأوْقَاتِ مَوْضِعِهَا دَكَّةٌ، ثُمَّ أُزِيْلَتْ، وَذلِكَ قَبْلَ وِلَايَتِهِ لِلْقَضَاءِ، وَلَمَّا بَنَى أَبُو المَعَالِي بنُ البَلِّ (١) مَدْرَسَةً بِـ "الرَّيَّانِ" جَعَلَهَا لِلْحَنَابِلَةِ، وَفَوَّضَ أَمْرَهَا إِلَى القَاضِي أَبِي يَعْلَى هَذَا. وَكَانَ ذَا فَصَاحَةٍ، وَ (٢) لَسَنٍ. وَمِنْ بَعْضِ كُتُبِهِ إِلَى بَعْضِ العُلَمَاءِ: فَلَوْ أَنَّ الكَرَمَ مُقْلَةٌ كَانَ هُوَ إِنْسَانَهَا، أَوِ المَجْدُ لُغَةً لَكَانَ هُوَ لِسَانَهَا، أَوِ السُّؤْدَدِ دَهْرًا لَكَانَ هُوَ رَبِيْعَ أَزْمَانِهِ، أَوِ الشَّرَفُ عُمْرًا كَانَ صَفْوَةَ رَيَعَانِهِ، أَوِ الأَجْوَادَ شُهُبًا لَكَانَ هُوَ الشَّمْسَ الَّتِي إِذَا ظَهَرَتْ خَفِيَتِ الكَوَاكِبُ لِظُهُوْرِهَا، وَإِذَا تَأَمَّلَهَا الرَّاءُوْنَ رُدَّتْ أَبْصَارُهُمْ عَنْ شُعَاعِهَا وَنُوْرِهَا. وَلِلشَّيْخِ أَبِي الفَرَجِ بنِ الجَوْزِيِّ فِي القَاضِي أَبِي يَعْلَى هَذَا مَدَائِحُ كَثِيْرَةٌ. فَمِنْ ذلِكَ قَوْلُهُ يُهَنِّيْهِ بِقُدُوْمِ رَجَبٍ (٣)، أَنْشَدَهُ عَنْهُ ابنُ القَطِيْعِيِّ فِي "تَارِيْخِهِ":

стр. 689

تَهَنَّ بِشَهْرِ قَدْ أَتَاكَ عَلَى يُمْنِ … يُبَشِّرُ بِالإقْبَالِ وَالسَّعْدِ وَالأَمْنِ وَعِشْ سَالِمًا مِنْ كُلِّ مُنْيَةِ حَاسِدٍ … وَمِنْ شَرِّ ذِي شَرٍّ وَمِنْ كَيْدِ ذِي ضِغْنِ وَمُرْ وَانْهَ وَانْعِمْ وَاعْلَ وَابْقَ (١) وَطِبْ وَجُدْ … وَعُدْ وَارْقَ وَازْدَدْ وَاسْمُ بِالفَهْمِ وَالذِّهْنِ تَدَبَّرْتُ بِالفِكْرِ السَّلِيْمِ عَوَاقِبَ الـ … أُمُوْرِ وَلَمْ تَقْبَلْ عَلَى مُثْمِرِ الغَبْنِ وَسَابَقْتَ أَهْلَ العِلْمِ حَتَّى سَبَقْتَهُمْ … فَذُو السَّبْقِ مِنْهُمْ حِيْنَ سَعْيُكَ فِي وَهْنِ وَكُلُّهُمْ فِي الدِّيْنِ أَضْحَوا كَهَيْئَةٍ … وَأَصْبَحْتَ فِي الإسْلَامِ كَالشَّرْطِ والرُّكْنِ وَكَمْ لَيْلَةٍ نَامُوا وَبُتَّ مُؤَانِسًا … عُلُوْمًا أَبَتْ مِنْ لَمْ يَبُتْ سَاهِرَ الجَفْنِ إِذَا أَنْتَ جَادَلْتَ الخُصُوْمَ تَجَدَّلُوا … لَدَيْكَ بِلَا ضَرْبٍ يَقِدُّ وَلَا طَعْنِ وَإِنْ فُهْتَ بِالتَّدْرِيْسَ نَظَّمْتَ لُؤْلُؤًا … وَإِنْ تَسْطُرِ الفَتْوَى فَكَالدُّرِّ فِي القُطْنِ فَبَيْتُكَ مَعْرُوْفٌ وَعِلْمُكَ ظَاهِرٌ … وَفَضْلُكَ مَشْهُوْرٌ فَمَا حَصَّلَ المُثْنِي عَلَيْكَ سِوَى تَشْرِيْفِهِ بِمَدِيْحِكُمْ … وَإِلَّا فَعِلْمِ النَّاسِ فِيْكُمْ بِكُمْ يُغْنِي وَذَكَرَ ابنُ الجَوْزِي فِي كِتَابِهِ "التَّلْقِيْحِ" (٢): أَنَّ أَبَا يَعْلَى هَذَا هُوَ الَّذِي كَانَ فَقِيْهُ العَصْرِ فِي الطَّبَقَةِ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ. وَصَنَّفَ القَاضِي أَبُو يَعْلَى تَصَانِيْفَ كَثِيْرَةٌ، مِنْهَا: "التَّعْلِيْقَةُ فِي مَسَائِلِ

стр. 690

الخِلَافِ" كَبِيْرَةٌ وَ"المُفْرَدَاتُ" وَكِتَابُ "شَرْحِ المَذْهَبِ" وَهُوَ مِمَّا صَنَّفَهُ فِي شَبِيْبَتِهِ، وَكِتَابُ "النُّكَتِ وَالإشَارَاتِ فِي المَسَائِلِ المُفْرَدَاتِ". وَقَرَأَ عَلَيْهِ المَذْهَبُ وَالخِلَافُ جَمَاعَةٌ كَثِيْرَةٌ، مِنْهُمْ: أَبُو إِسْحَقَ الصَقَّالُ، وَأَبُو العَبَّاسُ القَطِيْعِيُّ، وَأَبُو الحَسَنِ بنُ وَرْخِزٍ (١)، وَأَبُو البَقَاءِ العُكْبَرِيُّ. وَعَلَّقَ عَنْهُ الخِلَافَ بِـ "وَاسِطَ" يَحْيَى بنُ الرَّبِيْعِ الشَّافِعِيُّ (٢) مُدَرِّسُ النِّظَامِيَّةِ. وَحَدَّثَ، وَسَمِعَ مِنْهُ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ: أَبُو العَبَّاسِ القَطِيْعِيُّ، وَأَبُو إِسْحَقَ الصَّقَّالِ، وَأَبُو المَعَالِي بنُ شَافِعٍ، وَأَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ المَبَارَكِ بنِ الحُصْريِّ، وَأَحْمَدُ بنُ صِرْمَا، وَغَيْرُهُم. وَتُوُفِّيَ لَيْلَةَ السَّبْتِ - سَحَرًا - خَامِسَ جُمَادَى الأُوْلَى سَنَةَ سِتِّيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، كَذَا ذَكَرَهُ ابنُ الجَوْزِيِّ فِي "طَبَقَاتِهِ"، وَفِي "جُزْءٍ مُفْرَدٍ" [، وابْنُ القَطِيْعِيِّ، وَابْنُ نُقْطَةَ. وَذَكَرَ ابنُ الجَوْزِيِّ أَيْضًا فِي "تَارِيْخِهِ" وَفِي كِتَابِ "فَضَائِلِ مَقْبَرَةِ أَحْمَدَ"] (٣): أَنَّهُ تُوُفِّيَ فِي خَامِسِ جُمَادَى الآخِرَةِ. وَصُلِّيَ عَلَيْهِ مِنَ الغَدِ بِجَامِعِ القَصْرِ، وَأَمَّ النَّاسَ عَلَيْهِ وَلَدُهُ أَبُو مَنْصُوْرٍ (٤). وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ "بَابِ حَرْبِ" عِنْدَ أَبِيْهِ وَجَدِّهِ، رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى. وَذَكَرَ ابنُ الجَوْزِيِّ فِي مَوْضِعٍ: أَنَّهُ لَمْ يُشَيِّعْهُ عَدَدٌ كَثِيْرٌ، وَقَالَ فِي "تَارِيْخِهِ": كَانَ سَأَلَ فِي مَرَضِهِ أَنْ يُدْفَنَ فِي دَكَّةِ الإمَامِ

стр. 691

أَحْمَدَ، فَأَرْسَلَ إِلَى الوَزِيْرِ يَقُوْلُ: فِي الدَّكَّةِ جَدِّي لأُمِّي، فَأَنْكَرَ الوَزِيْرُ ذلِكَ وَقَالْ: كَيْفَ تُنْبَشُ عِظَامُ المَوْتَى؟. قَرَأْتُ عَلَى أَبِي المَعَالِي مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الرزَّاقِ بنِ أَحْمَدَ الشَّيْبَانِيُّ (١) بِـ "بَغْدَادَ": أَخْبَرَكُمْ أَبُو الفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَبْدِ اللَّطِيْفِ البَزَّارُ سَمَاعًا (أَنَا) أَبُو العَبَّاسِ أَحْمَدُ بنُ صِرْمَا قِرَاءَةً عَلَيْهِ (أَنَا) القَاضِي الإمَامُ أَبُو يَعْلَى مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ [مُحَمَّدِ بنِ] الحُسَيْنِ بنِ الفَرَّاءِ الحَنْبَلِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ (أَنَا) أَبُو الغَنَائِمِ مُحَمَّدُ بنُ عَلِيِّ بنِ مَيْمُوْنٍ الحَافِظُ (ثَنَا) (٢) عَلِي بن إِبْرَاهِيْم المُقْرِئُ. (ح)، وَأَخْبَرَنَاهُ عَالِيًا مُحَمَّدُ بنُ إِسْمَاعِيْلَ بنِ إِبْرَاهِيْمَ الأنْصَارِيُّ (٣) بِـ "دِمَشْقَ" (أَنَا) المُسَلَّمُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَلَّانٍ (أَنَا) حَنْبَلُ بنُ عَبْدِ اللهِ (أَنَا) هِبَةُ اللهِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ الحُصَيْنِ (أَنَا) أَبُو عَلِيٍّ التَّمِيْمِيُّ قَالَا: (أَنَا) أَحْمَدُ بنُ جَعْفَرِ بنِ مَالِكٍ (ثَنَا) عَبْدُ اللهِ بنُ أَحْمَدَ (ثَنَا) أَبِي، (ثَنَا) يَزِيْدُ بنُ هَارُوْنَ، (ثَنَا) فُضَيْلُ بنُ مَرْزُوْقٍ، (ثَنَا) أَبُو سَلَمَةَ الجُهَنِيُّ، عَنِ القَاسِمِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ هُوَ ابنُ مَسْعُوْدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ (٤): "مَا أَصَابَ أَحَدًا

стр. 692

قَطُّ هَمٌّ ولَا حَزَنٌ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، ابنُ عَبْدِكَ ابنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كتَابِكَ، أَوِ اسْتأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ القُرْآنَ العَظِيْمَ رَبِيْعَ قَلْبِي، وَنُوْرَ صَدْرِيْ، وَجَلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي، إلَّا أَذْهَبَ اللهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ، وأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَحًا، قَالَ: فَقِيْلَ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، أَفَلَا نَتَعَلَّمُهَا؟ قَالَ: فَقَالَ: بلْ يَنْبَغِي لِمَنْ يَسْمَعُهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا". ذَكَرَ القَاضِي أَبُو يَعْلَى الصَّغِيْرُ فِي "تَعْلِيْقَتِهِ" - وَنَقَلْتُهُ مِنْ خَطِّهِ - فِيْمَا إِذَا طَرَحَ فِي المَاءِ طُحْلُبًا أَوْ وَرَقًا أَوْ طِيْنًا تَعَمُّدًا فَتَغَيَّرَ بِهِ المَاءُ، فَهَلْ يَسْلُبُهُ طَهُوْرِيَّتَهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. قَالَ: وَإِنْ تَغَيَّرَ بِعُوْدٍ، أَوْ كَافُوْرٍ، أَوْ دُهْنٍ فَفِيْهِ وَجْهَانِ. قَالَ: وَيَتَوَجَّهُ عَلَى المَذْهَبِ: أَنْ يَصِحَّ الوُضُوْءُ وَالغَسْلُ منْ غَيْرِ نِيَّةٍ؛ لأَنَّ الأثْرَمَ نَقَلَ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ رَجُلٍ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ مِنْ جَنَابَةٍ يَنْوِيْ بِهِ غُسْلَ الجُمُعَةِ؟ قَالَ: أَرْجُو أَنْ يُجْزِيَهِ. قَالَ: وَظَاهِرُ هَذَا يَقْتَضِي الجَوَازَ. قَالَ: وَقَدْ بَنَى القَاضِي هَذِهِ المَسْأَلَةَ عَلَى أَنَّ التَّجْدِيْدَ هَلْ يَرْفَعُ الحَدَثَ أَمْ لَا؟. وَقَالَ: فَأَمَّا إِخْرَاجُ البَعِيْرِ عَنْ خَمْسٍ مِنَ الإبِلَ فَلَا يَجُوْزُ عِنْدَنَا فِي أَحَدِ

стр. 693

الوَجْهَيْنِ، وَالثَّانِي: يَجُوْزُ، وَإِذَا قُلْنَا: يُجْزِي، فَهَلِ البَعِيْرُ كُلُّهُ فَرْضٌ، أَوْ خُمُسُهُ؟ فِيْهِ وَجْهَانِ. وَفَائِدَةُ الوَجْهَيْنِ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ الفَرْضُ قَدْرَ خُمُسِ البَعِيْرِ جَازَ هَذَا البَعِيْرُ الوَاحِدُ عَنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِيْنَ بَعِيْرًا، وَهَلِ الأَصْلُ الشَّاةُ أَمِ البَعِيْرُ؟ فِيْهِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: الأَصْلُ كِلَاهُمَا، أَيُّهُمَا أَدَّى كَانَ أَصْلًا. وَالثَّانِي: الإبِلُ أَصْلٌ، وَالشَّاةُ بَدَلُ. وَقَالَ: فِيْهِ وُجُوْبُ الحَجِّ عَلَى التَّرَاخِي فِي إِحْدَى (١) الرِّوَايَتَيْنِ. ثُمَّ نَصَرَ هَذَا القَوْلَ وَرَجَّحَهُ. وَقَالَ أَيْضًا: تَثْبُتُ الاسْتِطَاعَةُ بِبَذْلِ الابنِ الطَّاعَةَ، عَلَى قِيَاسِ المَذْهَبِ، والمَنْصُوْصُ أَنَّهَا لَا تَثْبُتُ بِبَذْلِ الابنِ مَالَهُ وَبَدَنَهُ، وَأَخَذَهُ مِنْ قَاعِدَةِ أَحْمَدَ فِي تَصَرُّفِ الأَبِ فِي مَالِ ابْنِهِ، وَبَسْطِهِ فِيْهِ. وَنَصَرَ فِيْهِ أَيْضًا: أَنَّ الإحْرَامَ بِالحَجِّ لَا يَنْعَقِدُ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الحَجِّ. قَالَ: وَرَوَاهُ هِبَةُ اللهِ الطَّبَرِيُّ (٢) فِي "سُنَنِهِ" عَنْ إِمَامِنَا أَحْمَدَ، قَالَ: وَالَّذِي نَقَلَهُ جَمَاعَةُ الأَصْحَابِ وَاخْتَارُوْهُ: أَنَّهُ يَصِحُّ فِي جَمِيْعِ السَّنَةِ.

стр. 694

وَنَصَرَ فِيْهِ: صِحَّةُ الاسْتِئْجَارِ، وَجَوَازُ أَخْذِ الأُجْرَةِ عَلَى سَائِرِ القُرَبِ غَيْرِ المُتَعَيِّنَةِ، وَمِمَّا ذَكَرَهُ فِي "شَرْحِ المَذْهَب" (١) - وَنَقَلْتُهُ مِنْ خَطِّهِ -: يَتَوَجَّهُ أَنْ يَجِبُ الغُسْلُ بِغَيْبُوْبَةِ بَعْضِ الحَشَفَةِ؛ لأَنَّ مِنْ أَصْلِنَا أَنَّ وُجُوْدَ بَعْضِ الجُمْلَةِ يُجْرَى مُجْرَى وُجُوْدِ جَمِيْعِهَا، كَمَا فِي مَسَائِلِ الأَيْمَانِ. وَذَكَرَ فِيْهِ: إِذَا أَوْلَجَ رَجُلٌ فِي قُبُلِ الخُنْثَى المُشْكِلُ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الغُسْلُ؟ يُحْتَمَلُ وَجْهَيْنِ. وَذَكَرَ فِيْهِ: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ إِذَا أَجْنَبَ وَأَرَادَ النَّوْمَ أَنْ يَتَوَضَّأَ، فَإِنْ كَانَ الجُنُبُ امْرَأَةً فَفِي اسْتِحْبَابِ (٢) الوُضُوْءِ لَهَا رِوَايَتَانِ. قَالَ: فَإِنْ أَرَادَ الجُنُبُ الأَكْلَ أَوِ الشُّرْبَ استُحِبَّ لَهُ أَنْ يَغْسِلَ فَرْجَهُ وَيَتَوَضَّأَ فِي الرِّوَايَتَيْنِ. وَفِي الأُخْرَى: يَغْسِلُ يَدَهُ وَفَمَهُ. قَالَ: وَيُسْتَحَبُّ للإنْسَانِ إِذَا فَرَغَ مِنْ وُضُوْئِهِ أَنْ يَشْرَبَ المَاءَ الَّذِي فَضُلَ مِنْهُ، وَذَكَرَ حَدِيْثَ عَلِيٍّ فِي ذلِكَ. وَذَكَرَ فِي جَوَازِ دُخُوْلِ المَرْأَةِ حَمَّامَهَا فِي بَيْتِهَا لِغَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ: يُحْتَمَلُ وَجْهَيْنِ. قَالَ: فَإِنْ أَجَزْنَاهُ فَإِنَّهَا تَدْخُلُ وَحْدَهَا، وَلَا تَدْخُلُ مَعهَا امْرَأَةٌ قَرِيْبَةٌ وَلَا بَعِيْدَةٌ. وَحَكَى فِي كَفَّارَةِ وَطْءِ الحَائِضِ هَلْ يُجْزِئُ صَرْفَهَا إِلَى وَاحِدٍ مِنَ

стр. 695

الفُقَرَاءِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: يُجْزِئُ، وهُوَ اخْتِيَارُ أبِي حَفْصٍ البَرْمَكِيِّ. وَالثَّانِي: لَا يُجْزِئُ. وَعَلَى هَذَا فَبِكَمْ يَتَقَدَّرُ؟ لَا نَصَّ فِيْهَا عَنْ أَصْحَابِنَا، وَيُحْتَمَلُ وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: يَجِبُ صَرْفُهَا إِلَى عَشَرَةٍ مِنَ المَسَاكِيْنِ؛ لأنَّهُ أَقَلُّ عَدَدٍ يُجْزِئُ فِي كَفَّارَةِ اليَمِيْنِ. وَالثَّانِي: يُجْزِئُ ثَلَاثَةٌ؛ لأنَّهُ أَقَلُّ الجَمْعِ المُطْلَقِ. وَقَالَ فِيْهِ: فَأَمَّا مَنْ بِهِ جُرْحٌ يَجْرِي دَمُهُ يَرْقَأُ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَغْسِلَهُ عِنْدَ كُلِّ فَرِيْضَةٍ وَيَشُدَّهُ، وَفِي إِيْجَابِ الوُضُوْءِ رِوَايَتَانِ. وَحَكَى رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّ أَقَلَّ النِّفَاسِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ؛ لِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، وَقَدْ قِيْلَ لَهُ: إِذَا طَهُرَتْ بَعْدَ يَوْمٍ؟ فَقَالَ: بَعْدَ يَوْمٍ لَا يَكُوْنُ، وَلَكِنْ بَعْدَ أَيَّامٍ. وَذَكَرَ فِيْمَنِ اجْتَهَدَ وَصَلَّى، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ صَلَّى قَبْلَ دُخُوْلِ الوَقْتِ رِوَايَةً: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ القَضَاءُ. قَالَ: وَقَدْ تَأَوَّلَهَا أَصْحَابُنَا. وَقَالَ: إِذَا كَانَ عَلَيْهِ سُجُوْدُ سَهْوٍ بَعْدَ السَّلَامِ أَخَّرَ الدُّعَاءَ إِلَى تَشَهُّدِهِ؛ لِيَكُوْنَ خَاتِمَةَ صَلَاتِهِ. وَحَكَى فِيْمَا إِذَا كَانَ عَلَيْهِ سُجُوْدٌ بَعْدَ السَّلَامِ، فَسَجَدَ قَبْلَهُ: هَلْ تُجْزِيْهِ وَيَعْتَدُّ بِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: وَقَالَ فِيْهِ: فَإِنْ صَلَّى فَاسِقٌ خَلْفَ فَاسِقٍ فَهَلْ تَصِحُّ أَمْ لَا؟ عَلَى احْتِمَالَيْنِ.

стр. 696

١٤٠ - مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله (١) بنِ العَبَّاسِ بنِ عَبْدِ الحَمِيْدِ بنِ الحَرَّانِيِّ الأَزَجِيُّ المُعَدَّلُ، أَبُو عَبْدِ اللهِ، مِنْ أَعْيَانِ عُدُوْلِ "بَغْدَادَ" (٢). تُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الأُوْلَى سَنَةَ سِتِّيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَدُفِنَ بِـ "مَقْبَرَةِ الفِيْلِ". رَوَى عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ التَّمِيْمِيِّ (٣)، والنَّعَّالِيُّ، وَحَدَّثَ، سَمِعَ مِنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ: ابنُ القَطِيْعِيِّ وَقَالَ: كَانَ ثِقَةً، مَأْمُوْنًا، عَالِمًا، لَطِيْفًا، صَاحِبَ نَادِرَةٍ، حَسَنَ المُعَاشَرَةِ. جَمَعَ كِتَابًا سَمَّاهُ "رَوْضَةُ الأُدَبَاءِ" وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ مِنْ

стр. 697

شُهُوْدِ أَبِي الحَسَنِ الدَّامَغَانِيِّ. وَكَانَ يَنْتَحِلُ مَذْهَبَ الإمَامِ أَحْمَدَ. انْتَهَى. وَلَهُ شِعْرٌ حَسَنٌ، قَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: زُرْتُهُ يُوْمًا، فَأَطَلْتُ الجُلُوْسَ عِنْدَهُ، فَقُلْتُ: قَدْ ثَقُلْتُ، فَقَالَ: لَئِنْ سَمَّيْتَ إِبْرَامًا وَثُقْلًا … زِيَارَاتٍ رَفَعْتَ بِهِنَّ قَدْرِي فَمَا أَبْرَمْتَ إلَّا حَبْلَ وُدِّي … وَلَا أَثْقَلْتَ إِلَّا ظَهْرَ شُكْرِي ١٤١ - يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هُبَيْرَةَ بْنِ سَعْدِ (١) بنِ الحَسَنِ (٢) بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الحَسَنِ

стр. 698

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 699

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 700

ابْنِ الجَهْمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ هُبَيْرَةَ بْنِ عُلْوَانَ بْنِ الحَوْفَزَانِ، وَهُوَ الحَارِثُ (١) بنُ شَرِيكِ

стр. 701

ابْنِ عَمْرِو بْنِ قَيْسِ بْنِ شَرَحْبِيْلَ بْنِ مُرَّةَ بْنِ هَمَّامِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بنِ عُكَّابَة، (١) الشَّيْبَانِيُّ الدُّوْرِيُّ، ثُمَّ البَغْدَادِيُّ، الوَزِيْرُ، العَالِمُ، العَادِلُ، صَدْرُ الوُزَرَاءِ (٢)، عَوْنُ الدِّينِ، أَبُو المَظَفَّرِ. وُلِدَ فِي رَبِيْعٍ الآخِرِ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَأَرْبَعِمَائَةَ بِـ "الدُّوْرِ" (٣) قَرْيَةٌ مِنْ أَعْمَالِ "الدُّجَيْلِ"، وَدَخَلَ "بَغْدَادَ" شَابًّا. وَقَرَأَ القُرْآنَ بِالرِّوَايَاتِ عَلَى جَمَاعَةٍ، وَسَمِعَ الحَدِيثَ الكَثِيرَ مِنْ جَمَاعَةٍ، مِنْهُمْ: القَاضِي أَبُو الحُسَيْنِ بْنُ الفَرَّاءِ، وَأَبُو الحَسَنِ (٤) بْنُ الزَاغُونِيِّ، وَعَبْدُ الوَهَّابِ الأَنْمَاطِيُّ وَأَبُو غَالِبِ بْنُ البَنَّاءِ وَأَبُو عُثْمَانَ بْنُ مَلَّه (٥) وَابْنُ الحُصَيْنِ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَرَأَ الفِقْهَ عَلَى أَبِي

стр. 702

بَكْرٍ الدِّيْنَوَرِيِّ - فِيْمَا ذَكَرَهُ ابْنُ القَطِيعِيِّ - وَقِيْلَ: إِنَّهُ قَرَأَ عَلَى أَبِي الحُسَيْنِ بْنِ الفَرَّاءِ، وَقَرَأَ الأَدَبَ علَى أَبِي مَنْصُورِ بْنِ الجَوَالِيْقِيِّ، وَصَحِبَ أَبَا عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى الزَّبِيْدِيَّ، الوَاعِظَ الزَّاهِدَ (١) مِنْ حَدَاثَتِهِ، وَكَمَّلَ عَلَيْهِ فُنُوْنًا مِنَ العُلُوْمِ الأَدَبِيَّةِ وَغَيْرِهَا، وَأَخَذَ عَنْهُ التَّاَلُّهَ وَالعِبَادَةَ، وَانْتَفَعَ بِصُحْبَتِهِ حَتَّى إِنَّ الزَّبيْدِيَّ كَانَ يَرْكَبُ جَمَلًا وَيَعْتَمُّ بِفُوْطَةٍ، وَيَلْوِيْهَا تَحْتَ حَنَكِهِ، وَعَلَيْهِ جُبَّةُ صُوْفٍ، وَهُوَ مَخْضُوْبٌ بِالحِنَّاءِ، فَيَطُوْفُ بأَسْوَاقِ "بَغْدَادَ" وَيَعِظُ النَّاسَ، وَزِمَامُ جَمَلِهِ بِيَدِ أَبِي المُظَفَّرِ بْنِ هُبَيرَةَ، وَهُوَ أَيْضًا مُعْتَمٌّ بِفُوْطَةٍ مِنْ قُطْنٍ، قَدْ لَوَاهَا تَحْتَ حَنَكِهِ، وَعَلَيْهِ قَمِيصُ قُطْنٍ خَامٍّ، قَصِيرُ الكُمِّ وَالذَّيْلِ، وَكُلَّمَا وَصَلَ الزَّبِيْدِيُّ مَوْضِعًا أَشَارَ أَبُو المُظَفَّرِ بِمَسْبَحَتِهِ، وَنَادَى بِرَفِيعِ صَوْتِهِ: "لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، يُحْيي وَيُمِيتُ، وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، بِيَدِهِ الخَيرَ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيْرٌ". ذَكَرَ ذلِكَ أَبُو بَكْرٍ التَّيْمِيُّ بْنُ المَرَسْتَانِيَّةِ (٢) فِي الكِتَابِ الَّذِي جَمَعَهُ فِي مَنَاقِبِ الوَزِيْرِ وَفَضائِلِهِ. وَقَالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: كَانَتْ لَهُ مَعْرِفَةٌ حَسَنَةٌ بِالنَّحْوِ، وَاللُّغَةِ، وَالعَرُوْضِ،

стр. 703

وَصَنَّفَ فِي تِلْكَ العُلُوْمِ، وَكَانَ مُتَشَدِّدًا فِي اتِّبَاعِ السُّنَّةِ، وَسِيَرِ السَّلَفِ. قُلتُ: صَنَّفَ الوَزِيْرُ أَبُو المُظَفَّرِ كِتَابَ "الإِفْصَاحِ عَنْ مَعَانِي الصِّحَاحِ" فِي عِدَّةِ مُجَلَّدَاتٍ، وَهُوَ شَرْحُ صَحِيْحَيْ البُخَارِي وَمُسْلِمٍ (١)، وَلَمَّا بَلَغَ

стр. 704

فِيْهِ إِلَى حَدِيْثِ: "مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّيْنِ" شَرَحَ الحَدِيْثَ، وَتَكَلَّمَ عَلَى مَعْنَى الفِقْهِ، وَآلَ بهِ الكَلَامُ إِلَى أَنْ ذَكَرَ مَسَائِلَ الفِقْهِ المُتَّفَقِ عَلَيْهَا، وَالمُخْتَلَفِ فِيْهَا بَيْنَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ المَشْهُوْرِينَ، وَقَدْ أَفْرَدَهُ النَّاسُ مِنَ الكِتَابِ، وَجَعَلُوهُ مُجَلَّدَةً مُفَرَدَةً، وَسمَّوْهُ بِكِتَابِ "الإِفْصَاحِ" (١) وَهُوَ

стр. 705

قِطْعَةٌ مِنْهُ، وَهَذَا الكِتَابُ صَنَّفَهُ فِي وِلَايَتِهِ الوِزَارَةَ، وَاعْتَنَى بِهِ وَجَمَعَ عَلَيْهِ أَئِمَّةَ المَذَاهِبِ، وَأَوْفَدَهُمْ مِنَ البُلدَانِ إِلَيْهِ لأَجْلِهِ، بِحَيْثُ إِنَّهُ أَنْفَقَ عَلى ذلِكَ مَائَةَ أَلْفَ دِيْنَارٍ، وَثَلَاثَةَ عَشَرَ أَلْفَ دِيْنَارٍ (١)، وَحَدَّثَ بِهِ، وَاجْتَمَعَ الخَلْقُ العَظِيْمُ لِسَمَاعِهِ عَلَيْهِ. وَكَتَبَ بِهِ نُسْخَةً لِخِزَانَةِ المُسْتَنْجِدِ (٢)، وَبَعَثَ
следующие страницы →