← Тараджим

Тараджим · id 31366

ذيل طبقات الحنابلة - لابن رجب - ت العثيمين

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (2 431 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

ابْنِ عَمْرِو بْنِ قَيْسِ بْنِ شَرَحْبِيْلَ بْنِ مُرَّةَ بْنِ هَمَّامِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بنِ عُكَّابَة، (١) الشَّيْبَانِيُّ الدُّوْرِيُّ، ثُمَّ البَغْدَادِيُّ، الوَزِيْرُ، العَالِمُ، العَادِلُ، صَدْرُ الوُزَرَاءِ (٢)، عَوْنُ الدِّينِ، أَبُو المَظَفَّرِ. وُلِدَ فِي رَبِيْعٍ الآخِرِ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَأَرْبَعِمَائَةَ بِـ "الدُّوْرِ" (٣) قَرْيَةٌ مِنْ أَعْمَالِ "الدُّجَيْلِ"، وَدَخَلَ "بَغْدَادَ" شَابًّا. وَقَرَأَ القُرْآنَ بِالرِّوَايَاتِ عَلَى جَمَاعَةٍ، وَسَمِعَ الحَدِيثَ الكَثِيرَ مِنْ جَمَاعَةٍ، مِنْهُمْ: القَاضِي أَبُو الحُسَيْنِ بْنُ الفَرَّاءِ، وَأَبُو الحَسَنِ (٤) بْنُ الزَاغُونِيِّ، وَعَبْدُ الوَهَّابِ الأَنْمَاطِيُّ وَأَبُو غَالِبِ بْنُ البَنَّاءِ وَأَبُو عُثْمَانَ بْنُ مَلَّه (٥) وَابْنُ الحُصَيْنِ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَرَأَ الفِقْهَ عَلَى أَبِي

стр. 702

بَكْرٍ الدِّيْنَوَرِيِّ - فِيْمَا ذَكَرَهُ ابْنُ القَطِيعِيِّ - وَقِيْلَ: إِنَّهُ قَرَأَ عَلَى أَبِي الحُسَيْنِ بْنِ الفَرَّاءِ، وَقَرَأَ الأَدَبَ علَى أَبِي مَنْصُورِ بْنِ الجَوَالِيْقِيِّ، وَصَحِبَ أَبَا عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى الزَّبِيْدِيَّ، الوَاعِظَ الزَّاهِدَ (١) مِنْ حَدَاثَتِهِ، وَكَمَّلَ عَلَيْهِ فُنُوْنًا مِنَ العُلُوْمِ الأَدَبِيَّةِ وَغَيْرِهَا، وَأَخَذَ عَنْهُ التَّاَلُّهَ وَالعِبَادَةَ، وَانْتَفَعَ بِصُحْبَتِهِ حَتَّى إِنَّ الزَّبيْدِيَّ كَانَ يَرْكَبُ جَمَلًا وَيَعْتَمُّ بِفُوْطَةٍ، وَيَلْوِيْهَا تَحْتَ حَنَكِهِ، وَعَلَيْهِ جُبَّةُ صُوْفٍ، وَهُوَ مَخْضُوْبٌ بِالحِنَّاءِ، فَيَطُوْفُ بأَسْوَاقِ "بَغْدَادَ" وَيَعِظُ النَّاسَ، وَزِمَامُ جَمَلِهِ بِيَدِ أَبِي المُظَفَّرِ بْنِ هُبَيرَةَ، وَهُوَ أَيْضًا مُعْتَمٌّ بِفُوْطَةٍ مِنْ قُطْنٍ، قَدْ لَوَاهَا تَحْتَ حَنَكِهِ، وَعَلَيْهِ قَمِيصُ قُطْنٍ خَامٍّ، قَصِيرُ الكُمِّ وَالذَّيْلِ، وَكُلَّمَا وَصَلَ الزَّبِيْدِيُّ مَوْضِعًا أَشَارَ أَبُو المُظَفَّرِ بِمَسْبَحَتِهِ، وَنَادَى بِرَفِيعِ صَوْتِهِ: "لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، يُحْيي وَيُمِيتُ، وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، بِيَدِهِ الخَيرَ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيْرٌ". ذَكَرَ ذلِكَ أَبُو بَكْرٍ التَّيْمِيُّ بْنُ المَرَسْتَانِيَّةِ (٢) فِي الكِتَابِ الَّذِي جَمَعَهُ فِي مَنَاقِبِ الوَزِيْرِ وَفَضائِلِهِ. وَقَالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: كَانَتْ لَهُ مَعْرِفَةٌ حَسَنَةٌ بِالنَّحْوِ، وَاللُّغَةِ، وَالعَرُوْضِ،

стр. 703

وَصَنَّفَ فِي تِلْكَ العُلُوْمِ، وَكَانَ مُتَشَدِّدًا فِي اتِّبَاعِ السُّنَّةِ، وَسِيَرِ السَّلَفِ. قُلتُ: صَنَّفَ الوَزِيْرُ أَبُو المُظَفَّرِ كِتَابَ "الإِفْصَاحِ عَنْ مَعَانِي الصِّحَاحِ" فِي عِدَّةِ مُجَلَّدَاتٍ، وَهُوَ شَرْحُ صَحِيْحَيْ البُخَارِي وَمُسْلِمٍ (١)، وَلَمَّا بَلَغَ

стр. 704

فِيْهِ إِلَى حَدِيْثِ: "مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّيْنِ" شَرَحَ الحَدِيْثَ، وَتَكَلَّمَ عَلَى مَعْنَى الفِقْهِ، وَآلَ بهِ الكَلَامُ إِلَى أَنْ ذَكَرَ مَسَائِلَ الفِقْهِ المُتَّفَقِ عَلَيْهَا، وَالمُخْتَلَفِ فِيْهَا بَيْنَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ المَشْهُوْرِينَ، وَقَدْ أَفْرَدَهُ النَّاسُ مِنَ الكِتَابِ، وَجَعَلُوهُ مُجَلَّدَةً مُفَرَدَةً، وَسمَّوْهُ بِكِتَابِ "الإِفْصَاحِ" (١) وَهُوَ

стр. 705

قِطْعَةٌ مِنْهُ، وَهَذَا الكِتَابُ صَنَّفَهُ فِي وِلَايَتِهِ الوِزَارَةَ، وَاعْتَنَى بِهِ وَجَمَعَ عَلَيْهِ أَئِمَّةَ المَذَاهِبِ، وَأَوْفَدَهُمْ مِنَ البُلدَانِ إِلَيْهِ لأَجْلِهِ، بِحَيْثُ إِنَّهُ أَنْفَقَ عَلى ذلِكَ مَائَةَ أَلْفَ دِيْنَارٍ، وَثَلَاثَةَ عَشَرَ أَلْفَ دِيْنَارٍ (١)، وَحَدَّثَ بِهِ، وَاجْتَمَعَ الخَلْقُ العَظِيْمُ لِسَمَاعِهِ عَلَيْهِ. وَكَتَبَ بِهِ نُسْخَةً لِخِزَانَةِ المُسْتَنْجِدِ (٢)، وَبَعَثَ

стр. 706

مُلُوْكُ الأَطْرَافِ وَوُزَرَاؤُهَا وَعُلَمَاؤُهَا، وَاسْتَنْسَخُوا لَهُمْ بِهِ نُسَخًا، وَنَقَلُوْهَا إِلَيْهِمْ، حَتَّى السُّلْطَانِ نُوْرِ الدِّيْنِ الشَّهِيْدِ (١)، وَاشْتَغَلَ بِهِ الفُقَهَاءُ فِي ذلِكَ الزَّمَانِ عَلَى اخْتِلَافِ مَذَاهِبِهِمْ، يُدَرِّسُوْنَ مِنْهُ فِي المَدَارِسِ وَالمَسَاجِدِ، وَيُعِيْدُهُ المُعِيْدُونَ، وَيَحْفَظُ مِنْهُ الفُقَهَاءُ. وَصَنَّفَ فِي النَّحْوِ كِتَابًا سَمَّاهُ "المُقْتَصِدَ" (٢)

стр. 707

وَعَرَضَهُ عَلَى أَئِمَّةِ الأَدَبِ فِي عَصْرِهِ، وَأَشَارَ إِلَى ابْنِ الخَشَّابِ بِالكَلَامِ عَلَيْهِ، فَشَرَحَهُ فِي أَرْبَعِ مُجَلَّدَاتٍ (١)، وَبَالَغَ فِي الثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَاخْتَصَرَ كِتَابَ "إِصْلَاحِ المَنْطِقِ" لابنِ السِّكِّيتِ، وَكَانَ ابْنُ الخَشَّابِ يَسْتَحْسِنُهُ وَيُعَظِّمُهُ. وَصَنَّفَ كِتَابَ "العِبَادَاتِ الخَمْسِ" عَلَى مَذْهَبِ الإِمَامِ أَحْمَدَ، وَحَدَّثَ بِهِ بِحَضْرَةِ العُلَمَاءِ مِنْ أَئِمَّةِ المَذَاهِبِ. وَلَهُ "أُرْجُوْزَةٌ فِي المَقْصُورِ وَالمَمْدُوْدِ"، وَ"أُرْجُوْزَةٌ فِي عِلْمِ الخَطِّ" (٢). وَقَدْ صَنَّفَ ابْنُ الجَوْزِيِّ كِتَابَ "المُقْتَبِسِ مِنَ الفَوَائِدِ العَوْنِيَّةِ" (٣) وَذَكَرَ فِيْهِ

стр. 708

الفَوَائِدِ الَّتِي سَمِعَهَا مِنَ الوَزِيْرِ عَوْنِ الدِّينِ، وَأَشَارَ فِيْهِ إِلَى مَقَامَاتِهِ فِي العُلُوْمِ، وَانْتَقَى مِنْ زُبَدِ كَلَامِهِ فِي "الإِفْصَاحِ" علَى الحَدِيْثِ كِتَابًا سَمَّاهُ "مَحْضَ المَحْضِ" (١). وَكَانَ ابْنُ هُبَيْرَةَ ﵀ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ فَقِيرًا (٢)، فَاحْتَاجَ إِلَى أَنْ

стр. 709

دَخَلَ فِي الخِدَمِ السُّلْطَانِيَّةِ، فَوَلِيَ أَعْمَالًا (١)، ثُمَّ جَعَلَهُ المُقْتَفِي لِأَمْرِ اللهِ مُشْرِفًا فِي المَخْزَنِ، ثُمَّ نُقِلَ إِلَى كِتَابَةِ دِيْوَانِ الزِّمَامِ. ثُمَّ ظَهَرَ لِلْمُقْتَفِي كَفَاءَتُهُ، وَشَهَامَتُهُ، وَأَمَانَتُهُ، وَنُصْحُهُ، وَقِيَامُهُ فِي مَهَامِّ المُلْكِ، فَاسْتَدْعَاهُ المُقْتَفِي سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمَائَةَ إِلَى دَارِهِ، وَقَلَّدَهُ الوِزَارَةَ (٢)، وَخَلَعَ عَلَيْهِ، وَخَرَجَ فِي أُبَّهَةٍ عَظِيْمَةٍ، وَمَشَى أَرْبَابُ الدَّوْلَةِ وَأَصْحَابُ المَنَاصِبِ كُلُّهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَهُوَ رَاكِبٌ إِلَى الإِيْوَانِ فِي الدِّيْوَانِ، وَحَضَرَ القُرَّاءُ وَالشُّعَرَاءُ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا، وَقُرِئَ عَهْدُهُ، وَكَانَ تَقْلِيدًا عَظِيمًا، بُوْلِغَ فِيْهِ؛ بِمَدْحِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ إِلَى الغَايَةِ، وَخُوْطِبَ فِيهِ بِـ "الوَزِيْرِ، العَالِمِ، العَادِلِ، عَوْنِ الدِّينِ، جَلَالِ الإِسْلَامِ، صَفِيِّ الإِمَامِ، شَرَفِ الأَنَامِ، مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، مُجِيْرِ المِلَّةِ، عِمَادِ الأُمَّةِ، مُصْطَفَى الخِلَافَةِ، تَاجِ المُلُوكِ وَالسَّلَاطِينِ، صَدْرِ الشَّرْقِ وَالغَرْبِ، سَيِّدِ الوُزَرَاءِ، ظَهِيرِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ (٣). وَكَانَ الوَزِيرُ قَبْلَ وِزَارَتِهِ يُلَقَّبُ "جَلَالَ

стр. 710

الدِّينِ"، وَقَالَ يَوْمًا: لَا تَقُوْلُوا فِي أَلْقَابِي سَيِّدُ الوُزَرَاءِ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى سَمَّى هَارُونَ وَزِيرًا (١)، وَجَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (٢): "أَنَّ وَزِيرَيْهِ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ: جِبْريلُ وَمِيْكَائِيلُ، وَمِنْ أَهْلِ الأَرْضِ: أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ"، وَجَاءَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ (٣): "إِنَّ اللهَ اخْتَارَنِي، وَاخْتَارَ لِي أَصْحَابًا، فَجَعَلَهُمْ وُزَرَاءَ وَأَنْصَارًا"، وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يُقَالَ عَنِّي: أَنِّي سَيِّدُ هَؤُلَاءِ السَّادَةِ. قالَ صَاحِبُ سِيْرَتِهِ: رَكَبَ الوَزِيْرُ إِلَى دَارِهِ مُجَاوِرَةَ الدِّيْوَانِ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ جَمِيْعُ مَنْ حَضَرَ مِنْ أَرْبَابِ الدَّوْلَةِ، وَأَصْحَابِ المَنَاصِبِ وَالأُمَرَاءِ وَالحُجَّابِ، وَالصُّدُوْرِ وَالأَعْيَانِ، وَقَدْ أَخَذَ قَوْسَ الخِلَافَةِ بَارِيْهَا، وَاسْتَقَرَّتْ الوِزَارَةُ فِي كُفْئِهَا (٤) وَكَافِيْهَا، فَقَامَ فِيْهَا قِيَامَ مَنْ عَدَّلَهُ الزَّمَانُ بِثَقَافِهِ، وَزيَّنَهُ الكَمَالُ بِأَوْصَافِهِ، وَدبَّرَهَا بِجُوْدِهِ وَنُهَاهُ، وَأَوْرَدَ الأَمَلُ فِيْهَا مُنَاهُ، وَمَدَّ الدِّيْنُ رُوَاقَهُ، وَأَمِنَ بَدْرُهُ بِهِ مُحَاقَهُ (٥)، فَأَقَامَ سُوْقَ الخِلَافَةِ عَلَى سَاقِهَا، وَابْتَدَعَ فِي انْتِظَامِ

стр. 711

مَمَالِكِهَا وَاتِّسَاقِهَا، وَأَوْضَحَ رَسْمَهَا، وَأَثْبَتَ فِي حِينِ أَوَانِهِ وَسْمَهَا، وَتَتَبَّعَ مَا أَفْسَدَتْهُ العَيْنُ مِنْهَا بِالإِصْلَاحِ، وَاسْتَدْرَكَ لَهَا مَا أَحْرَضَتْهُ (١) يَدُ الاجْتِيَاحُ، وَدَاوَى كُلَّ حَالٍ بِدَوَائِهِ، وَرَدَّ غَائِرَ المَاءِ إِلَى لِحَائِهِ (٢)، وَأَقَامَ الصَّلَاةَ جَمَاعَةً، وَافْتَرَضَ العَدْلَ سَمْعًا للهِ وَطَاعَةً، وَرَعَى لأَهْلِ الفَضْلِ وَالمَعَارِفِ، وَآوَاهُمْ مِنْ بِرِّهِ إِلَى ظِلٍّ وَارِفٍ، حَتَّى صَارَتْ دَوْلَتُهُ مَشْرَعًا لِلْكَرَمِ، وَمُسْتَرَاحًا لآمَالِ الأُمَمِ، يَرْتَضِعُ فِيْهِ لِلْمَكَارِمِ أَخْلَافٌ، وَتُدَارُ بِهَا (٣) الأَمَانِي سُلَافٌ، وَنَفَقَتْ فِيْهَا أَقْدَارُ الأَعْلَامِ، وَتَدَفَّقَتْ (٤) فِيْهَا بِحَارُ (٥) الكَلَامِ، وَلَاحَتْ بِهَا مِنَ العُلَمَاءِ شُمُوْسٌ، وَارْتَاحَتْ فِيْهَا لِلْطَّلَبَةِ بِالعُلُومِ نُفُوْسٌ، وَلَمْ تَخْلُ أَيَّامُهُ وَمَجَالِسُهُ، مِنْ مُنَاظَرَةٍ، وَلَا عَمَرَتْ إِلَّا بِمُذَاكَرَةٍ وَمُحَاضَرَةٍ (٦)، إِلَّا أَوْقَاتَ عُطَلِهَا مِنْ ذلِكَ النِّظَامِ، وَأَوْقَعَهَا (٧) إِمَّا عَلَى صَلَاةٍ وَصِيَامٍ، أَوْ عَلَى تَصْنِيْفِ،

стр. 712

وَجَمْعٍ وَتأْلِيْفٍ (١)؛ بِحَيْثُ صَنَّفَ عِدَّةَ كُتُبٍ مِنْهَا: كِتَابُ "الإِفْصَاحِ عَنْ شَرْحِ مَعَانِي الصِّحَاحِ" وَهَذَا الكِتَابُ بِمُفْرَدِهِ يَشْتَمِلُ عَلَى تِسْعَةَ عَشَرَ كِتَابًا. وَلَمَّا وَلِيَ الوَزِيْرُ أَبُو المُظَفَّرِ ﵀ الوِزَارَةَ بَالَغَ فِي تَقْرِيْبِ خِيَارِ النَّاسِ مِنَ الفُقَهَاءِ وَالمُحَدِّثِيْنَ وَالصَّالِحِينَ، وَاجْتَهَدَ فِي إِكْرَامِهِمْ وَإِيْصَالِ النَّفْعِ إِلَيْهِمْ، وَارْتَفَعَ أَهْلُ السُنَّةِ بِهِ غَايَةَ الاِرْتِفَاعِ. وَلَقَدْ قَالَ مَرَّةً فِي وِزَارَتِهِ: وَاللهِ لَقَدْ كُنْتُ أَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى الدُّنْيَا لِأَخْدِمَ بِمَا يَرْزُقُنِيْهِ مِنْهَا العِلْمَ وَأَهْلَهُ. وَكَانَ سَبَبُ هَذَا: أَنَّهُ ذَكَرَ مَرَّةً فِي مَجْلِسِهِ مُفْرَدَةً لِلإِمَامِ أَحْمَدَ تَفَرَّدَ بِهَا عَنْ الثَّلَاثَةِ، فَادَّعَى أَبُو مُحَمَّدٍ الأَشِيْرِيُّ (٢) المَالِكِيُّ: أَنَّهَا رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ،

стр. 713

وَلَمْ يُوَافِقْهُ عَلَى ذلِكَ أَحَدٌ، وَأَحْضَرَ الوَزِيْرُ كُتُبَ مُفْرَدَاتِ أَحْمَدَ، وَهِيَ مِنْهَا - وَالمَالِكِيُّ مُقِيْمٌ عَلَى دَعْوَاهُ - فَقَالَ لَهُ الوَزِيْرُ: بَهِيْمَةٌ أَنْتَ؟ أَمَا تَسْمَعُ هَؤُلَاءِ الأَئِمَّةِ يَشْهَدُوْنَ بِانْفِرَادِ أَحْمَدَ بِهَا، وَالكُتُبُ المُصَنَّفَةُ، وَأَنْتَ تُنَازِعُ وَتُفَرِّقُ المَجْلِسَ؟ فَلَمَّا كَانَ المَجْلِسُ الثَّانِيْ، وَاجْتَمَعَ الخَلْقُ لِلْسَّمَاعِ أَخَذَ ابْنُ شَافِعٍ فِي القِرَاءَةِ، فَمَنَعَهُ وَقَالَ: قَدْ كَانَ الفَقِيْهُ أَبُو مُحَمَّدٍ جَرِيْءٌ فِي مَسْأَلَةِ أَمْسِ عَلَى مَا لَا يَلِيْقُ بِهِ عَنِ العُدُوْلِ عَنِ الأَدَبِ وَالانْحِرَافِ عَنْ نَهْجِ النَّظَرِ، حَتَّى قُلْتُ تِلْكَ الكَلِمَةِ، وَهَا أَنَا فَلْيَقُلْ لِي كَمَا قُلْتُ لَهُ، فَلَسْتُ بِخَيْرٍ

стр. 714

مِنْكُمْ، وَلَا أنَا إلا أَحَدُكُمْ، فَضجَّ المَجْلِسُ بِالبُكَاءِ، وَارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ بِالدُّعَاءِ وَالثَّنَاءِ، وَأَخَذَ الأَشِيْرِيُّ يَعْتَذِرُ، وَيَقُوْلُ: أَنَا المُذْنِبُ وَالأوْلَى بِالاعْتِذَارِ مِنْ مَوْلَانَا الوَزِيْرِ، وَيَقُوْلُ: القِصَاصَ، القِصَاصَ، فَقَالَ يُوسُفُ الدِّمَشْقِيُّ (١) مُدَرِّسُ النِّظَامِيَّةِ: يَا مَوْلَانَا، إِذَا أَبَى القِصَاصَ فَالفِدَاءَ، فَقَالَ الوَزِيْرُ: لَهُ حُكْمُهُ، فَقَالَ الأَشِيْرِيُّ: نِعَمُكَ عَلَيَّ كَثِيْرَةٌ، فَأَيُّ حُكْمٍ بَقِيَ لِي؟ فَقَالَ: قَدْ جَعَلَ اللهُ لَكَ الحُكْمَ عَلَيْنَا بِمَا أَلْجَأْتَنَا بِهِ إِلَى الافتِيَاتِ عَلَيْكَ، فَقَالَ: عَليَّ بَقِيَّةُ دَيْنٍ مُنْذُ كُنْتُ بِالشَّامِ، فَقَالَ الوَزِيْرُ: يُعْطَى مَائَةَ دِيْنَارٍ لإِبْرَاءِ ذِمَّتِهِ وَذِمَّتِي، فَأُحْضِرَ لَهُ مَائَةٌ، فَقَالَ لَهُ الوَزِيْرُ: عَفَا اللهُ عَنْكَ وَعَنِّي، وَغَفَرَ لَكَ وَلِي. وَذَكَرَ ابْنُ الجَوْزِيِّ أَنَّهُ قَالَ: يُعْطَى لَهُ مَائَةُ دِيْنَارٍ لإِبْرَاءِ ذِمَّتِهِ، وَمَائَةُ دِيْنَارٍ لإِبْرَاءِ ذِمَّتِي، وَكَانَ هَذَا الأَشِيْرِيُّ مِنْ عُلَمَاءِ المَالِكِيَّةِ (٢)، طَلَبَهُ الوَزِيْرُ مِنْ نُوْرِ الدِّيْنِ مَحْمُوْدِ بْنِ زِنْكِيِّ، فَأَرْسَلَ بِهِ إِلَيْهِ، فَأَكْرَمَهُ غَايَةَ الإكْرَامِ. قَالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: وَكَانَ الوَزِيْرُ (٣) إِذَا اسْتَفَادَ شَيْئًا قَالَ: أَفَادَنِيْهِ

стр. 715

فُلَانٌ، حَتَّى إِنَّهُ عُرِضَ لَهُ يَوْمًا حَدِيْثُ، وَهُوَ: "مَنْ فَاتَهُ حِزْبٌ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّاهُ قَبْلَ الزَّوَالِ كانَ كأَنَّهُ صَلَّى بِاللَّيْلِ" فَقَالَ: مَا أَدْرِي مَعْنَى هَذَا؟ فَقُلْتُ لَهُ: هَذَا ظَاهِرٌ فِي اللُّغَةِ وَالفِقْهِ، أَمَّا اللُّغَةُ: فَإِنَّ العَرَبَ تَقُوْلُ: كَيْفَ كُنْتَ اللَّيْلَةَ، إِلَى وَقْتِ الزَّوَالِ. وَأَمَّا الفِقْهُ: فَإِنَّ أَبَا حَنِيْفَةَ يُصَحِّحُ الصَّوْمَ بِنِيَّةِ قَبْلَ الزَّوَالِ، فَقَدْ جَعَلَ ذلِكَ الوَقْتَ فِي حُكْمِ اللَّيْلِ، فَأَعْجَبَهُ هَذَا القَوْلَ، وَكَانَ يَقُولُ بَيْنَ الجَمْعِ الكَثِيْرِ: مَا كُنْتُ أَدْري مَعْنَى هَذَا الحَدِيْثَ حَتَّى عَرَّفَنِيْهِ ابْنُ الجَوْزِيِّ، فَكُنْتُ أَسْتَحْيِيْ مِنَ الجَمَاعَةِ. قَالَ: وَجَعَلَ لِي مَجْلِسًا فِي دَارِهِ، كُلَّ جُمْعَةٍ يُطْلِقُهُ وَيُطْلِقُ العَوَامَّ فِي الحُضُوْرِ، وَكَانَ بَعْضَ الفُقَرَاءِ يَقْرَأُ القُرْآنَ فِي دَارِهِ كَثِيرًا، فَأَعْجَبَهُ، فَقَالَ لِزَوْجَتِهِ: أُرِيْدُ أَنْ أُزَوِّجَهُ ابْنَتِي، فَغَضِبَتْ الأُمُّ مِنْ ذلِكَ، وَكَانَ يَقْرَأُ عِنْدَهُ الحَدِيْثَ كُلَّ يَوْمٍ بَعْدَ العَصْرِ، وَكَانَ يُكْثِرُ مُجَالَسَةَ العُلَمَاءِ وَالفُقَرَاءِ، وَكَانَتْ أَمْوَالُهُ مَبْذُوْلَةً لَهُمْ، وَلِتَدْبِيرِ الدَّوْلَةِ، فَكَانَتْ السَّنَةُ تَدُوْرُ عَلَيْه وَعَلَيْهِ دُيُوْنٌ، وَقَالَ: مَا وَجَبَتْ عَلَى زكَاةٍ قَطٌّ. قُلْتُ: وَفِي ذلِكَ يَقُولُ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ (١): يَقُوْلُوْنَ يَحْيَى لَا زكَاةَ لِمَالِهِ … وَكيْفَ يُزَكِّي المَالَ مَنْ هُوَ بَاذِلُهْ إِذَا دَارَ حَوْلٌ لَا يُرَى فِي بُيُوتِهِ … مِنَ المَالِ إِلَّا ذِكْرُهُ وَفَضَائِلُهْ وَقَالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: وَكَانَ يَتَحَدَّثُ بِنِعَمِ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهِ، وَيَذْكُرُ فِي مَنْصِبِهِ شِدَّةَ فَقْرِهِ القَدِيْمِ، فَيَقُوْلُ: نَزَلْتُ يَوْمًا إِلَى دِجْلَةَ، وَلَيْسَ مَعِي رَغِيفٌ أَعْبُرُ بِه (٢). ثُمَّ

стр. 716

ذَكَرَ طَرَفًا مِنْ حِلْمِهِ وَصَفْحِهِ وَعَفْوِهِ فَقَالَ: لَمَّا جَلَسَ فِي الدِّيْوَانِ أَوَّلَ وِزَارَتِهِ أحْضَرَ رَجُلًا مِنْ غِلْمَانِ الدِّيْوَانِ فَقَال: دَخَلْتُ يَوْمًا إِلَى هَذَا الدِّيْوَانِ، فَقَعَدْتُ فِي مَكَانٍ، فَجَاءَ هَذَا فَقَالَ: قُمْ فَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعُكَ، فَأَقَامَنِي، فَأَكْرَمَهُ وَأَعْطَاهُ. وَدَخَلَ عَلَيْهِ يَوْمًا تُرْكِيٌّ، فَقَالَ لِحَاجِبِه: أَمَا قُلْتُ لَكَ: اعْطِ هَذَا عِشْرِيْنَ دِيْنَارًا، وَكَذَا مِنَ الطَّعَامِ، وَقُلْ لَهُ: لَا يَحْضُرْ هَهُنَا؟ فَقَالَ: قَدْ أَعْطَيْنَاهُ، قَالَ عُدْ وَأَعْطِهِ، وَقُلْ لَهُ: لَا يَحْضُرْ، ثُمَّ الْتَفَتَ إلَى الجَمَاعَةِ، وَقَالَ: لَا شَكَّ أَنَّكُمْ تَرْتَابُوْنَ بِسَبَبِ هَذَا؟ فَقَالُوا: نَعَمْ، فَقَالَ: هَذَا كَانَ شُحْنَةً (١) فِي القُرَى، فَقُتِلَ قَتِيْلٌ قَرِيْبًا مِنْ قَرْيَتِنَا، فَأَخَذَ مَشَايخُ القُرَى وَأَخَذَنِي مَعَ الجَمَاعَةِ، وَأَمْشَانِي مَعَ الفَرَسِ، وَبَالَغَ فِي أَذَايَ وَأَوْثَقَنِي، ثُمَّ أَخَذَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ شَيْئًا وَأَطْلَقَهُ، ثُمَّ قَالَ لِي: أَيُّ شَيْءٍ مَعَكَ؟ قُلْتُ: مَا مَعِي شَيْئًا، فَانْتَهَرَنِي، وَقَالَ: اذْهَبْ. فَأَنَا لَا أُرِيْدُ اليَوْمَ أَذَاهُ، وَأُبْغِضُ رُؤْيَتَهُ، وَقَدْ سَاقَ مُصَنِّفُ سِيْرَةِ الوَزِيْرِ هَذِهِ الحِكَايَةَ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ، وَذَكَرَ: أَنَّ الوَزِيْرَ قَالَ: نَقِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا أَنِّي سَأَلْتُهُ فِي الطَّرِيْقِ أَنْ يُمْهِلَنِي حَسْبَمَا أُصَلِّي الفَرْضَ فَمَا أَجَابَنِي، وَضَرَبَنِي عَلَى رَأْسِي وَهُوَ مَكْشُوْفٌ عِدَّةَ مَقَارعَ فَكُنْتُ أَنْقِمُ عَلَيْهِ حَيْنَ رَأَيْتُهُ لأَجْلِ الصَّلَاةِ، لَا لِكَوْنِهِ قَبَضَ عَلَيَّ؛ فَإِنَّهُ كَانَ مَأْمُوْرًا. وَذَكَرَ: أَنَّهُ اسْتَخْدَمَهُ فِي أَصْلَح مَعَايِشَ الأُمَرَاءِ، وَاسْتَحَلَّهُ مِنْ صِيَاحِهِ عَلَيْهِ وَقَوْلِهِ: أَخْرِجُوْهُ عَنِّي. قَالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: وَكَانَ بَعْضُ الأعَاجِمِ قَدْ شَارَكَهُ فِي زِرَاعَةٍ، فَآلَ

стр. 717

الأَمْرُ إِلَى أَنْ ضَرَبَ الأَعْجَمِيُّ الوَزِيْرَ وَبَالَغَ، فَلَمَّا وَلِيَ الوِزَارَةَ أَتَى بِهِ فَأَكْرَمَهُ، وَوَهَبَ لَهُ، وَوَلَّاهُ. أُنْبِئْتُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الدَّائِمِ المَقْدِسِيُّ (١) قَالَ: حَكَى لَنَا ابْنُ الجَوْزِيِّ قَالَ: كُنَّا نَجْلِسُ إِلَى الوَزِيْرِ ابْنِ هُبيِّرَةَ، فَيُمْلِي علَيْنَا كِتَابَهُ "الإِفْصَاحَ" فَبَيْنَا نَحْنُ كَذلِكَ إِذْ قَدِمَ رَجُلٌ وَمَعَهُ رَجُلٌ ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ قَتَلَ أَخَاهُ، فَقَالَ لَهُ عَوْنُ الدِّيْنِ: أَقَتَلْتَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، جَرَى بَيْنِي وَبَيْنَهُ كَلَامٌ فَقتَلْتُهُ: فَقَالَ الخَصْمُ: سَلِّمُهُ إِلَيْنَا حَتَّى نَقْتُلَهُ فَقَدْ أَقَرَّ بِالقَتْلِ، فَقَالَ عَوْنُ الدِّينِ: أَطْلِقُوْهُ وَلَا تَقْتُلُوْهُ، قَالُوا: كَيْفَ ذلِكَ، وَقَدْ قَتَلَ أَخَانَا؟ قَالَ: فَتَبِيْعُوْنِيْهِ، فَاشْتَرَاهُ مِنْهُمْ بِسِتِّمَائَةِ دِيْنَارٍ، وَسَلَّمَ الذَّهَبَ إِلَيْهِمْ وَذَهَبُوا، قَالَ لِلْقَاتِلِ: اقْعُدْ عِنْدَنَا لَا تَبْرَحُ، قَالَ: فَجَلَسَ عِنْدَهُمْ، وَأَعْطَاهُ الوَزِيْرُ خَمْسِيْنَ دِيْنَارًا، قَالَ: فَقُلْنَا لِلْوَزِيرِ: لَقَدْ أَحْسَنْتَ إِلَى هَذَا وَعَمِلْتَ، مَعَهُ أَمْرًا عَظِيمًا، وَبَالَغْتَ فِي الإِحْسَانِ إِلَيْهِ، فَقَالَ الوَزِيرُ: مِنْكُمْ أَحَدٌ يَعْلَمُ أَنَّ عَيْنِيَ اليُمْنَى لَا أُبْصِرُ بِهَا شَيْئًا؟ فَقُلْنا: مَعَاذَ اللهُ! فَقَال: بَلَى وَاللهِ (٢) أَتَدْرُونَ مَا سَبَبُ ذلِكَ؟ قُلْنَا: لَا! قَالَ: هَذا الَّذِي خَلَّصْتُهُ مِنَ القَتْلِ جَاءَ إِلَيَّ وَأَنَا فِي "الدُّوْرِ" وَمَعِي كِتَابٌ مِنَ الفِقْهِ أَقْرَأُ فِيْهِ، وَمَعَهُ سَلَّةُ فَاكِهَةٍ، فَقَالَ: احْمِلْ هَذِهِ السَّلَّةَ، قُلْتُ لَهُ: مَا هَذَا شُغْلِي فَاطْلُبْ غَيْرِي، فَشَاكَلَنِي، وَلَكَمَنِي فَقَلَعَ عَيْنِي، وَمَضَى وَلَمْ أَرَهُ بَعْدَ ذلِكَ إِلَى يَومِي هَذَا،

стр. 718

فَذَكَرْتُ مَا صَنَعَ بِي، فَأَرَدْتُ أَنْ أُقَابِلَ إِسَاءَتَهُ إِلَيَّ بِالإِحْسَانِ مَعَ القُدْرَةِ. قَالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: كَانَ الوَزِيْرُ يَجْتَهِدُ فِي اتِّبَاعِ الحَقِّ، وَيُحَذِّرُ مِنَ الظُّلْمِ، وَلَا يَلْبَسُ الحَرِيْرَ، وَكَانَ مُبَالِغًا فِي تَحْصِيلِ التَّعْظِيمِ لِلدَّوْلَةِ العَبَّاسِيَّةِ، قَامِعًا لِلْمُخَالِفِينَ بِأَنْوَاعِ الحِيَلِ، حَسَمَ أُمُوْرَ السَّلَاطِيْنَ السُّلْجُوْقِيَّةِ. وَذَكَرَ صَاحِبُ سِيْرَتِهِ: أَنَّهُ سَمِعَهُ يَذْكُرُ: أنَّهُ لَمَّا اسْتَطَالَ السُّلْطَانُ مَسْعُودٌ (١) وَأَصْحَابُهُ، وَأَفْسَدُوا، عَزَمَ هُوَ وَالخَلِيْفَهُ عَلَى قِتَالِهِ، قَالَ: ثُمَّ إِنِّي فَكَّرْتُ بَعْدُ (٢) فِي ذلِكَ وَرَأَيْتُ أَنَّهُ لَيْسَ بِصَوَابٍ مُجَاهَرَتَهُ؛ لِقُوَّةِ شَوْكَتِهِ، فَدَخَلْتُ عَلَى المُقْتَفِي، فَقُلْتُ: إِنِّي رَأَيْتُ أَنْ لَا وَجْهَ فِي هَذَا الأَمْرِ، إِلَّا اللَّجَاءُ (٣) إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَصِدْقِ الاعْتِمَادِ عَلَيْهِ، فَبَادَرَ إِلَى تَصْدِيْقِي فِي ذلِكَ وَقَالَ: لَيْسَ إلَّا هَذَا، ثُمَّ كَتَبْتُ إِلَيْهِ: إِنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَدْ دَعَا عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ شَهْرًا، وَيَنْبَغِي أَنْ نَدْعُوَ نَحْنُ شَهْرًا، فَأَجَابَنِي بِالأَمْرِ بِذلِكَ، قَالَ الوَزِيْرُ: ثُمَّ لَازَمْتُ الدُّعَاءَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ وَقْتَ السَّحَرِ

стр. 719

أَجْلِسُ فَأَدْعُوَ اللهَ سبْحَانَهُ، فَمَاتَ مَسْعُوْدٌ لِتَمَامِ الشَّهْرِ، لَمْ يَزِدْ يَوْمًا وَلَمْ يَنْقُصْ يَوْمًا، وَأَجَابَ اللهُ الدُّعَاءَ وَأَزَالَ يَدَ مَسْعُودٍ، وَأَتبَاعِهِ عَنِ العِرَاقِ، وَأَوْرَثَنَا أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ، وَهَذِهِ القِصَّةُ تُذْكَرُ فِي كَرَامَاتِ الخَلِيْفَةِ وَالوَزِيْرِ، رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى. وَكَاتَبَ الوَزِيْرُ ابْنُ هُبَيْرَةَ السُّلْطَانَ نُوْرَ الدِّيْنِ مَحْمُوْدَ بْنَ زِنْكِي (١) يَسْتَحِثُّهُ عَلَى انْتِزَاعِ "مِصْرَ" مِنْ يَدِ العُبَيْدِيِّيْنَ، فَسَيَّرَ إِلَيْهَا أَسَدَ الدِّيْنِ شِيْركُوْه (٢) مَرَّتَيْنِ، وَفِي الثَّالِثَةِ خُطِبَ بِهَا لِلْمُسْتَنْجِدِ، وَجَاءَ الخَبَرُ بذلِكَ إِلَى "بَغْدَادَ" سَنَةَ تِسْعَ وَخَمْسِيْنَ (٣)، وَعَمِلَ أَبُو الفَضَائِلِ بْنُ تُرْكَانَ (٤) حَاجِبَ الوَزِيرِ

стр. 720

ابْنِ هُبَيْرَةَ قَصِيْدَةً يُهَنِّئُ بِهَا الوَزِيْرَ بِفَتْحِ "مِصْرَ" وَيَذْكُرُ أَنَّ ذلِكَ كَانَ بِسَبَبِ

стр. 721

سَعْيِهِ وَبَرَكَةِ رَأْيِهِ، وَتَكَامَلَ انْتِزَاعُ "مِصْرَ" مِنْ بَنِي عُبَيْدٍ، وَإِقَامَةَ الخُطْبَةِ لِبَنِي العبَّاسِ بِهَا بَعْدَ سَبع سِنِيْنَ فِي خِلَافَةِ المُسْتَضِيءِ فَعَظُمَتْ حُرْمَةُ الدَّوْلَةِ العَبَّاسِيَّةِ فِي وَقْتِهِ، وَانْتَشَرَتْ إِقَامَةُ الدَّعْوَةُ لَهَا فِي البِلَادِ (١). قَالَ ابْنُ الجَوزِيِّ: وَكَانَ المُقْتَفِي مُعْجَبًا بِهِ، يَقُوْلُ: مَا وَزَرَ لِبَنِي العَبَّاسِ مِثْلَهُ. قَالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: حَدَّثَنِي الوَزِيْرُ قَالَ: لَمَّا رَجَعْتُ مِنَ "الحِلَّةِ" (٢) - وَكَانَ قَدْ خَرَجٍ لِدَفْعِ بَعْضِ البُغَاةِ - دَخَلْتُ عَلَى المُقْتَفِي، فَقَالَ لِي: ادْخُلْ هَذَا البَيْتَ فَغَيِّرْ ثِيَابَكَ، فَدَخَلْتُ فَإِذَا خَادِمٌ وَفَرَّاشٌ وَمَعَهُمْ (٣) خِلْعَةُ حَرِيْرٍ، فَقُلْتُ: أَنَا وَاللهِ مَا أَلْبَسُ هَذِهِ، فَخَرَجَ الخَادِمُ فَأَخْبَرَ المُقْتَفِي، فَسَمِعْتُ صَوْتَ المُقْتَفِي وَهُوَ يَقُولُ: قَدْ - وَاللهِ - قُلْتُ: إِنَّهُ مَا يَلْبَسُ. وَذَكَرَ صَاحِبُ سِيْرَتِهِ هَذِهِ الحِكَايَةَ مَبسُوْطَةً. قَالَ: فَعَادَ الخَادِمُ وَعَلَى يَدِهِ دَسْتٌ (٤) مِنْ ثِيَابِ الخَلِيْفَةِ فَأَفَاضَهُ عَلَيَّ، وَقَالَ: قَدْ أَخْبَرْتُ أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ

стр. 722

بِامْتِنَاعِكَ فَقَالَ: وَاللهِ لَقَدْ حَسِبْتُ هَذَا، وَأَنَّهُ لَا يَفْعَلُ، قَالَ: فَقُلْتُ حِيْنَئِذٍ لِنَفسِي: يَا يَحْيَى كَيْفَ رَأَيْتَ طَاعَةَ اللهِ تَعَالَى؟ لَوْ كُنْتَ قَدْ لَبِسْتَهَا كَيفَ كُنْتَ تَكُوْنُ فِي نَفْسِ أَمِيرِ المُؤْمِنِيْنَ؟ وَكَيْفَ كَانَتْ تَكُوْنُ مَنْزِلَتُكَ عِنْدَهُ؟ قَالَ صَاحِبُ سِيْرَتِهِ: وَكَانَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا يَزِيْدُ فِيهِ الإِبْرِيْسَمُ (١) عَلَى القُطْنِ، فَإِنْ شَكَّ فِي ذلِكَ سَلَّ مِنْ طَاقَاتِهِ وَنَظَرَ: هَلِ القُطْنِ أَكْثَرُ أَمِ الإِبْرِسِيمُ؟ فَإِنْ اسْتَوَيَا لَمْ يَلْبَسُهُ، قَالَ: وَلَقَدْ ذَكَرَ يَومًا فِي بَعْضِ مَجَالِسِهِ، فَقَالَ: لَهُ بَعْضُ الفُقَهَاءِ الحَنَابِلَةِ: يَا مَوْلَانَا، إِذَا اسْتَوَيَا جَازَ لُبْسُهُ فِي أَحَدِ الوَجهَيْنِ عَنْ أَصْحَابِنَا، فَقَالَ: إِنِّي لَا آخُذُ إِلَّا بِالأَحْوَطِ. قَالَ: وَذُكِرَ يَوْمًا بَيْنَ يَدَيْهِ: أَنَّهُ كَانَ لِلصَّاحِبِ ابْنِ عَبَّادٍ (٢) دَسْتٌ مِنْ دِيْبَاجٍ فَقَالَ الوَزِيْرُ: قَبُحَ وَاللهِ بِالصَّاحِبِ أَنْ يَكُونَ لَهُ دَسْتٌ مِنْ دِيْبَاجٍ، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ زِيْنَةً فَهُوَ مَعْصِيَةٌ وَهُجْنَةٌ.

стр. 723

قَالَ ابْنُ الجَوزِيِّ - وَنَقَلَهُ عَنْهُ ابْنِ القَطِيْعِيِّ -: سَمِعْتُ ابْنَ هُبَيْرَةَ الوَزِيْرَ يَقُوْلُ: جَاءَنِي مَكْتُوْبٌ مَخْتُوْمٌ مِنَ المُسْتَنْجِدِ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ المُقْتَفِي، فَقُلْتُ لِلرَّسُوْلِ: ارْجِعْ إِلَيْهِ وَقُلْ لَهُ: إِنْ كَانَ فِيْهِ مَا تَكْرَهُ أَنْ يَعْلَمَ بِهِ أَمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ فَلَا حَاجَةَ لَكَ فِي فَتْحِهِ؛ فَإِنِّي أُعَرِّفُهُ مَا فِيهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَكْرَهُ اطِّلَاعَهُ عَلَيْهِ فَافْتَحْهُ، ثُمَّ أَعْطِهِ الرَّسُوْلَ، فَمَضَى وَلَمْ يَعُدْ، وَحَصَلَ فِي نَفْسِهِ مِنْ ذلِكَ شَيْءٌ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ المُقْتَفِي وَوَلِيَ المُسْتَنْجِدُ، أَمَرَ بِحُضُورِهِ لِلْمُبَايَعَةِ، قَالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: فَقَالَ لِي الوَزِيْرُ حِيْنَ جَاءَهُ الرَّسُوْلُ: إِنْ وَصَلْتُ إِلَى أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ نِلْتُ مَا أُرِيْدُ، وَإِنْ قُتِلْتُ قَبْلَ وَصُولِي إِلَيْهِ فَمَا لِي حِيْلَةٌ، فَمَا كَانَ إِلَّا سَاعَةَ دُخُوْلِهِ عَلَيْهِ حَتَّى عَادَ فَرِحًا، فَقُلْتُ لَهُ: مَا الخَبَرُ؟ قَالَ: وَصَلْتُ إِلَيْهِ وَبَايَعْتُهُ، ثُمَّ قُلْتُ: يَكْفِي العَبْدَ فِي صِدْقِهِ وَنُصْحِهِ أَنَّهُ مَا حَابَى مَوْلَانَا فِي أَبِيْهِ نُصْحًا لأَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ وَأَشَرْتُ إِلَى رَدِّ مَكْتُوْبِهِ، فَقَالَ: صَدَقْتَ، أَنْتَ الوَزِيْرُ، فَقُلْتُ: إِلَى مَتَى فَقَالَ: إِلَى المَوْتِ، فَقُلْتُ: أَحْتَاجُ وَاللهِ إِلَى اليَدِ الشَّرِيْفَةِ، فَأَحْلَفْتُهُ عَلَى مَا ضَمِنَ لِي (١).

стр. 724

قَالَ صَاحِبُ سِيْرَتِهِ: وَأَخْبَرَنِي الخَادِمُ مَرْجَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ (١) - أَحَدُ خَوَاصِّ خَدَمِ الخَلِيْفَةِ - قَالَ: سَمِعْتُ الإِمَامَ المُسْتَنْجِدَ بِاللهِ أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ يُنْشِدُ وَزِيْرَهُ عَوْنَ الدِّيْنِ أَبَا المُظَفِّرِ بْنَ هُبَيْرَةَ، وَقَدْ مَثُلَ الوَزِيْرُ بَيْنَ يَدَيِ سُدَّتِهِ فِي أَثْنَاءِ مُفَاوَضَةٍ جَرَتْ بَيْنَهُمَا فِي كَلَامٍ يَرْجِعُ إِلَى تَقْرِيْرِ قَوَاعِدِ الدِّيْنِ، وَالنَّظَرِ فِي مَصَالِحِ الإِسْلَامِ وَالمُسْلِمِيْنَ، فَأُعْجِبَ الخَلِيْفَةُ بِهِ، فَأَنْشَدَهُ الخَلِيْفَةُ - يَمْدَحُهُ - أَرْبَعَةَ أَبْيَابٍ: الأَخِيْرَيْنِ مِنْهُمَا لِنَفْسِهِ، وَالأَوَّلَيْنِ لابْنِ حَيُّوْسٍ، وَهِيَ: (٢)

стр. 725

صَفَتْ نِعْمَتَانِ خَصَّتَاكَ وَعَمَّتَا … فَذِكْرُهُمَا حَتَّى القِيَامَةِ يُذْكَرُ وُجُوْدُكَ وَالدُّنْيَا إِلَيْكَ فَقِيْرَةٌ … وُجَوْدُكَ وَالمَعْرُوْفُ فِي النَّاسِ يُنْكَرُ فَلَوْ رَامَ يَا يَحْيَى مَكَانَكَ جَعْفَرٌ … وَيَحْيَى لَكَفَّى عَنْهُ يَحْيَى وَجَعْفَرُ وَلَمْ أَرَ مَنْ يَنْوِي لَكَ السُّوْءَ يَا أَبَا الْـ … ـــمُظَفَّرِ إِلَّا كُنْتَ أَنْتَ المُظَفَّرُ وَقَالَ ابْنُ الدُّبَيْثِيِّ (١) فِي "تَارِيْخِهِ" كَانَ عَالِمًا، فَاضِلًا، [عَابِدًا، عَامِلًا] (٢) ذَا رَأْيٍ صَائِبٍ، وَسَرِيْرَةٍ صَالِحَةٍ، وَظَهَرَتْ مِنْهُ كِفَايَةٌ تَامَّةٌ بِأَعْبَاءِ المُلْكِ، حَتَّى شَكَرَهُ الخَاصُّ وَالعَامُّ، وَكَانَ مُكْرِمًا لِأَهْلِ العِلْمِ، وَيُقْرَأُ عِنْدَهُ الحَدِيْثُ عَلَيْه، وَعَلى الشُّيُوْخِ بِحُضُوْرِهِ، وَيَجْزِيْ مِنَ البَحْثِ وَالفَوَائِدِ مَا يَكْثُرُ ذِكْرُهُ. وَكَانَ مُقَرِّبًا لِأَهْلِ العِلْمِ وَالدِّيْنِ، كَرِيْمًا طَيِّبَ الخُلُقِ. قَالَ ابْنُ القَطِيْعِيِّ: كَانَ ابْنُ هُبَيْرَةَ عَفِيْفًا فِي وِلَايَتِهِ، مَحْمُوْدًا فِي وِزَارَتِهِ، كَثِيْرَ البِرِّ وَالمَعْرُوْفِ، وَقِرَاءَةِ القُرْآنِ، وَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ، يُحِبُّ أَهْلَ العِلْمِ، وَيُكْثِرُ مُجَالَسَتَهُمْ وَمُذَاكَرَتَهُمْ، جَمِيْلُ المَذْهَبِ، شَدِيْدُ التَّظَاهُرِ بِالسُّنَّةِ، قَالَ: وَمِنْ كَثْرَةِ مَيْلِهِ إِلَى العَمَلِ بِالسُّنَّةِ، اجْتَازَ فِي سُوْقِ

стр. 726

"بَغْدَادَ" - وَهُوَ الوَزِيْرُ - فَقَالَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيْتُ، بِيَدِهِ الخَيْرَ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيْرٌ". قَالَ صَاحِبُ سِيْرَتِهِ: وَلَقَدْ بَلَغَ بِهِ مِنْ شِدَّةِ الوَرَعِ بِحَيْثُ أُحْضِرَ لَهُ كِتَابٌ مِنْ وَقْفِ المَدْرَسَةِ النِّظَامِيَّةِ، لِيُقْرَأَ عِنْدَهُ، فَقَالَ: قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الوَاقِفَ شَرَطَ فِي كِتَابِ الوَقْفِ: أَن لَا يَخْرُجَ شَيْءٌ مِنْ كُتُبِ الوَقْفِ عَنِ المَدْرَسَةِ، وَأَمَرَ بِرَدِّهِ، فَقِيْلَ لَهُ: إِنَّ هَذَا شَيْءٌ مَا تَحَقَّقْنَاهُ، فَقَالَ: أَلَيْسَ قَدْ قِيلَ؟ وَلَمْ يُمَكِّنْهُمْ مِنْ قِرَاءَتِهِ، وَحَثَّهُمْ عَلَى إِعَادَتِهِ. قَالَ: وَحَدَّثَنِي الفَقِيْهُ أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيْسَى الحَنْبَلِيُّ (١) قَالَ: (ثَنَيَ) (٢) الوَزِيْرُ عَونُ الدِّيْنِ قَالَ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ بَعْضِ مَشَايِخِ القُرَى مُعَامَلَةٌ، مَضَيْتُ مِنْ أَجْلِهَا مِنْ "الدُّوْرِ" إِلَى قَرْيَتِهِ فَلَم أَجِدْهُ، فَقَعَدْتُ لاِنْتِظَارِهِمْ حَتَّى هَجَمَ اللَّيْلُ، فَصَعَدْتُ إِلَى سَطْحِهِ لِلنَّوْمِ، فَسَمِعْتُ قَوْمًا يُسَفِّهُوْنَ بِالهَجْرِ (٣) مِنَ الكَلَامِ، فَسَأَلْتُ عَنْهُمْ فَأُخْبِرْتُ أنَّهُمْ يَعْصِرُوْنَ بِالنَّهَارِ الخَمْرَ، وَيسْفَهُوْنَ فِي اللَّيْلِ، فَقُلْتُ: وَاللهِ لَا بُتُّ بِهَا، فَقِيْلَ: وَلِمَ؟ فَقُلْتُ: أَخَافُ أَنْ يَنْزِلَ بِهِمْ عَذَابٌ وَسَخَطٌ فَأَكُوْنُ مَعَهُمْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ خَسْفًا حَقِيقِيًا كَانَ خَسْفًا مَعْنَوِيًا، مِمَّا يَدْخُلُ عَلى القَلْبِ مِنَ القَسَاوَةِ وَالفُتُوْرِ عَنْ ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى بِسَمَاعِ هَذَا الكَلَامِ،

стр. 727

وَمَضَيْتُ ذلِكَ الوَقْتِ إِلَى "الدُّوْرِ" قَالَ الوَزِيْرُ فَلَمَّا عُدْتُ أَنَا وَالمُقْتَفِي لأَمْرِ اللهِ تَعَالى (١) مِنْ حِصَارِ قَلْعَةِ "تَكْرِيْتَ" (٢) مَرَرْنَا بِتِلْكَ القَرْيَةِ، فَسَأَلَنِي المُقْتَفِي عَنْهَا؟ فَقُلْتُ: هَذِه النَّاحِيَةُ لِلْوُكَلَاءِ أَجَلَّهُمُ اللهُ تَعَالَى. فَقَالَ: لَئِنْ تَكُوْنُ لَكَ، إذْ هِيَ فِي جِوَارِكَ أَصْلَحُ مِنْ أَنْ تَكُونَ لَنَا، فَتَقَدَّمَ إِلَى عُمَّالِكَ بِالتَّصَرُّفِ فِيهَا، فَذَكَرْتُ لَهُ حِيْنَئِذٍ حَالَتِي بِهَا، وَقُلْتُ لَهُ: فَمِنْ بَرَكَةِ ذلِكَ الفِعْلُ رُزِقْتُ القُرْبَ مِنْكَ يَا أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ، وَتَمَلُّكَ النَّاحِيَةِ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ مِنِّي لَهَا، فَاسْتَظْرَفَ ذلِكَ مِنِّي، وَكَثُرَ تَعَجُّبُهُ مِنْهُ. قَالَ: وَكَانَ الوَزِيْرُ شَدِيْدَ التَّوَاضُعِ، رَافِضًا لِلْكِبْرِ، شَدِيْدَ الإِيْثَارِ لِمُجَالسَةِ أَرْبَابِ الدِّيْنِ وَالفُقَرَاءِ، بِحَيْثُ سَمِعْتُهُ فِي بَعْضِ الأَيَّامِ يَقُوْلُ لِبَعْضِ الفُقَرَاءِ وَهُوَ يُخَاطِبُهُ: أَنْتَ أَخِي، وَالمُسْلِمُوْنَ كُلُّهُمْ إِخْوَةٌ. قَالَ: وَلَقَدْ كُنَّا يَوْمًا بِالمَجْلِسِ عَلَى العَادَةِ لِسَمَاعِ الحَدِيثِ، إِذْ دَخَلَ حَاجِبُهُ أَبُو الفَضَائِلِ بْنُ تُرْكَانَ فَسَارَّ الوَزِيْرُ بِشِيءٍ لَمْ يَسْمَعْهُ أَحَدٌ، فَقَالَ لَهُ الوَزِيْرُ: أَدْخِلِ الرَّجُلَ، فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ، فَقَالَ الوَزِيْرُ: أَيْنَ الرَّجُلُ؟ فَأَبْطَأَ؛ فَقَالَ: أَيْنَ الرَّجُلَ؟ فَقَالَ الحَاجِب: إِنَّ مَعَهُ شَمْلَةَ صُوفٍ مُكَوَّرَةً، وَقَدْ قُلْتُ لَهُ: اتْرُكْهَا مَعَ أَحَدِ الغِلْمَانِ خَارِجًا عَنِ السِّتْرِ وَادْخُل، قَالَ: لَا أَدْخُلُ إِلَّا وَهِيَ مَعِي، فَقَالَ لَهُ الوَزِيْرُ: دَعْهُ يَدْخُلُ وَهِيَ مَعَهُ، فَخَرَجَ وَعَادَ، وَإِذَا مَعَهُ شَيْخٌ طِوَالٌ مِنْ أَهْلِ السَّوَادِ، وَعَلَيْهِ فُوْطَةُ قُطْنٍ، وَثَوْبُ خَامٍ، وَفِي رِجْلَيْهِ جُمْجُمَانِ، فَسَلَّمَ، وَقَالَ لِلْوَزِيْرِ: يَا سَيِّدِي، إِنَّ أُمَّ فُلَانٍ يَعْنِي: - أُمَّ وَلَدِهِ -

стр. 728

لَمَّا عَلِمَتْ أَنِّي مُتَوَجِّهٌ إِلَيْكَ (١). قَالَتْ لِي: بِاللهِ سَلِّمْ عَلَى الشَّيْخِ يَحْيَى عَنِّي، وَادْفَعْ إِلَيْهِ هَذِهِ الشَّمْلَةَ؛ فَقَدْ خَبَزْتُهَا عَلَى اسْمِهِ، فَتَبَسَّمَ الوَزِيْرُ إِلَيْهِ، وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: الهَدِيَّةُ لِمَنْ حَضَرَ، وَأَمَرَ بِحَلِّهَا، فَحُلَّتْ الشَّمْلَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَإِذَا فِيْهَا خُبْزُ شَعِيْرٍ مَشْطُوْرٍ بِكَامِخِ اكْشُوْثٍ (٢) فَأَخَذَ الوَزِيْرُ مِنْهُ رَغِيْفَيْنِ، وَقَالَ: هَذَا نَصِيْبِي، وَفَرَّقَ البَاقِيَ عَلَى مَنْ حَضَرَ مِنْ صُدُوْرِ الدَّوْلَةِ، وَالسَّادَةِ الجُلَّة (٣) وَسَأَلَهُ عنْ حَوَائِجِهِ جَمِيْعَهَا وَتَقَدَّمَ بِقَضَائِهَا عَلَى المَكَانِ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الجَمَاعَةِ وَقَالَ: هَذَا شَيْخٌ قَدْ تَقَدَّمَتْ صُحْبَتِي لَهُ قَدِيْمًا، وَاخْتَبَرْتُهُ فِي زَرْعِ بَيْنِنَا فَوَجَدْتُهُ أَمِيْنًا، وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ تَأَفُّفٌ بِمَقَالِ "الشَّيْخِ"، وَلَا تَكَبُّرٌ عَلَيْهِ، وَلَا أَعْرَضَ عنْهُ، بَلْ أَحْسَنَ لِقَاءَهُ، وَقَضَى حَوَائِجَهُ، وَأَجْزَلَ عَطَاءَهُ. ثُمَّ حَكَى: أَنَّهُ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ هَذا الشَّيْخ زَرْعٌ، وَأَنَّهُمْ خَشَوا عَلَيْهِ مِنْ جَيْشِ عَظِيْمٍ (٤) نَزَلَ عِنْدَهُمْ، فَقَرَأُوا عَلَى جَوَانِبِه القُرْآنَ، فَسَلِمَ وَلَمْ يُرْعَ مِنْهُ سُنْبَلَةً وَاحِدَةٌ. قَالَ: وَدَخَلَ عَلَيْهِ يَوْمًا نَقِيْبُ نُقَبَاءِ الطَّالِبِيِّينْ الطَّاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الحُسَيْنِيُّ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَخَدَمَهُ، وَسَأَلَهُ رَفْعَ رُقْعَةٍ لَهُ، إِلَى الخَلِيْفَةِ المُسْتَنْجِدِ، وَأَنْ يَتَكَلَّمَ لَهُ عِنْدَ عَرْضِهَا وَلَا يُهْمِلَهَا، فَتَبَسَّمَ وَقَالَ: وَالله مَا أَهْمَلْتُ لِأحَدٍ رُقَعةً قَطُّ، وَلَا حَاجَةً

стр. 729

حَضَرَنِي ذِكْرُهَا، وَذَكَرَ حِكَايَةً عَنِ الوَزِيْرِ ابْنِ العَمِيدِ (١): أَنَّهُ وَعَدَ رَجُلًا النَّظَرَ فِي ظُلَامَتِهِ، وَمَطَلَهُ وَسَوَّفَهُ، وَقَالَ: سَنَنْظُرُ فِيْهَا، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: هَذَا كَلَامُ مَنْ لَا يَعْرِفُ دَبِيْبَ السَّاعَاتِ فِي انْخِرَامِ السُّدُوْلِ، فَانْتَبَهَ لَهَا ابْنُ العَمِيْدِ، والآنَ يَتَوَلَّى رَفْعَ ظُلَامَاتِ المُتَظَلِّمِيْنَ. قَالَ: وَدَخَلَ عَلَيْهِ يَوْمًا أَبُو الفَرَجِ عَبْدُ الخَالِقِ (٢) بْنُ يُوسُفَ المُحَدِّثُ، وَقَالَ فِي كَلَامِهِ: المَمْلُوْكُ شَيْخٌ مِنْ حَمَلَةِ القُرْآنِ، وَأَهْلِ العِلْمِ، وَرُوَاةِ الحَدِيثِ، وَلَهُ وَعَلَيْهِ حُقُوقٌ فِي بَيْتِ المَالِ (٣) فَانْظُرْ لَهُ وَعَلَيْهِ، مُقَاطَعَةُ شَيءٍ مِنَ الجَانِبِ الغَرْبِيِّ، فَلَيْسَ بِيَدِهِ شَئٌ. فَتَقَدَّمَ لَهُ الوَزِيْرُ بِخَمْسِيْنَ دِيْنَارًا قَبَضَهَا فِي مَجْلِسِهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: هَذا (٤) بَعْضُ مَالَكَ عَلَى بَيْتِ المَالِ، فَأَدِّ بَعْضَ مَا عَلَيْكَ لِبَيْتِ المَالِ. قَالَ: وَكُنَّا يَوْمًا عِنْدَهُ، وَالمَجْلِسُ غَاصُّ بِوُلَاةِ الدِّيْنِ وَالدُّنْيَا، وَالأَعْيَانُ الأَمَاثِلُ، وَابْنُ شَافِعِ يَقْرَأُ عَلَيهِ الحَدِيْثَ، إذْ فَجَأَنَا مِنْ بَابِ السِّتْرِ وَرَاءَ ظَهْرِ الوَزِيْرِ صُرَاخٌ بَشِعٌ وَصِيَاحٌ يرْتَفِعُ، فَاضْطَرَبَ لَهُ المَجْلِسُ، وَارْتَاعَ الحَاضِرُوْنَ،

стр. 730

وَالوَزِيْرُ سَاكِنٌ سَاكِتٌ، حَتَّى أَنْهَى ابْنُ شَافِعٍ (١) قِرَاءَةَ الإِسْنَادِ وَمَتْنَهُ، ثُمَّ أَشَارَ الوَزِيْرُ إِلَى الجَمَاعَةِ عَلَى رِسْلَكُمْ، ثُمَّ قَامَ وَدَخَلَ إِلَى السِّتْرِ وَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ خَرَجَ، فَجَلَسَ وَتَقَدَّمَ بِالقِرَاءَةِ، فَدَعَا لَهُ ابْنُ شَافِعٍ وَالحَاضِرُوْنَ، وَقَالُوا: قَدْ أَزْعَجَنَا ذلِكَ الصِّيَاحُ، فَإِنْ رَأَى مَوْلَانَا أَنْ يُعَرِّفَنَا سَبَبَهُ، فَقَالَ الوَزِيْرُ: حَتَّى يَنْتَهِي المَجْلِسُ، وَعَادَ ابْنُ شَافِعٍ إِلَى القِرَاءَةِ حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ وَقُلُوْبُ الجَمَاعَةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَعْرِفَةِ الحَالِ، فَعَاوَدُوْهُ، فَقَالَ: كَانَ لِي ابْنٌ صَغِيرٌ مَاتَ حِيْنَ سَمِعْتُمُ الصِّيَاحَ، وَلوْلَا تَعَيُّنُ الأَمْرِ عَليَّ بِالأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ فِي الإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ ذلِكَ الصِّيَاحِ، لَمَا قُمْتُ عَنْ مَجْلِسِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ ، فَعَجِبَ الحَاضِرُوْنَ مِنْ صَبْرِهِ. قَالَ: وَحَضَرَ يَوْمًا فِي دَارِ الخِلَافَةِ بـ "المُرَخَّمِ" مِنَ "التَّاجِ" (٢) فَجَلَسَ بِهِ، وَحَضَرَ أَرْبَابُ الدَّوْلَةِ بِأَسْرِهِمْ لِلصَّلَاةِ عَلَى جِنَازَةِ الأَمِيْرِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ المُسْتَظْهِرِ (٣)،

стр. 731

فَسَقَطَ مِنَ السَّقْفِ أفْعَى عَظِيْمَةُ المِقْدَارِ عَلَى كَتِفِ الوَزِيْرِ، فَمَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنْ أَرْبَابِ الدَّوْلَةِ وَحَوَاشِي الخِدْمَةِ إِلَّا خَرَجَ أَوْ قَامَ عَنْ مَوْضِعِهِ إِلَّا الوَزِيْرَ، فَإِنَّهُ الْتَفَتَ إِلَى الأَفْعَى وَهِيَ تَسْرَحُ عَلَى كُمِّهِ حَتَّى وَقَعَتْ عَلَى الأَرْضِ، وَبَادَرَ المَمَالِيْكُ فَقَتَلُوْهَا، وَلَمْ يَتَحَرَّكِ الوَزِيْرُ عَنْ بُقْعَتِهِ، وَلَا تَغَيَّرَ فِي هَيْئَتِهِ وَلَا عِبَارَتِهِ. وَلِلْوَزِيْرِ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - مِنَ الكَلَامِ الحَسَنِ، وَالفَوَائِدِ المُسْتحْسَنَةِ، وَالاْسْتِنْبَاطَاتِ الدَّقِيقَةِ مِنْ كَلَامِ اللهِ وَرَسُوْلِهِ مَا هُوَ كَثِيْرٌ جِدًّا، وَلَهُ مِنَ الحِكَمِ وَالمَوَاعِظِ وَالكَلَامِ فِي أُصُولِ السُّنَّةِ وَذَمِّ مَنْ خَالَفَهَا، شَيْءٌ كَثِيْرٌ أَيْضًا، وَنَذْكُرُ هُنَا بَعْضَ ذلِكَ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. قَالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ فِي "المُقْتَبِسِ": سَمِعْتُ الوَزِيْرَ يَقُوْلُ: الآيَاتُ اللَّوَاتِي فِي الأَنْعَامِ (١): ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ مُحْكَمَاتٌ، وَقَدْ اتَّفَقَتْ عَلَيْهَا الشَّرَائِعُ، وَإِنَّمَا قَالَ فِي الآيَةِ الأُولَى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، وَفِي الثَّانِيَةِ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢)﴾، وَفِي الثَّالِثَة: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾؛ لِأَنَّ كُلَّ آيَةٍ يَلِيْقُ بِهَا ذلِكَ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي الأُوْلَى: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ وَالعَقْلُ يَشْهَدُ أَنَّ الخَالِقَ لَا شَرِيْكَ لَهُ، وَيَدْعُو العَقْلُ إِلَى بِرِّ الوَالِدَيْنِ، وَنَهَى عَنْ قَتْلِ الوَلَدِ، وَإِتْيَانِ الفَوَاحِشِ؛ لأَنَّ الإِنْسَانَ يَغَارُ مِنَ الفَاحِشَةِ عَلَى ابْنَتِهِ وَأُخْتِهِ، فَكَذلِكَ هُوَ يَنْبَغِي أَنْ يَجْتَنِبَهَا، وَكَذلِكَ قَتْلُ النَّفْسِ، فَلَمَّا لَاقَتْ هَذِهِ الأُمُوْرُ بِالعَقْلِ، قَالَ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١)﴾ وَلَمَّا قَالَ فِي الآيَةِ الثَّانِيَةِ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾ وَالمَعْنَى: اذْكُرْ لَوْ هَلَكْتَ فَصَارَ وَلَدُكَ يَتِيْمًا، وَاذْكُرْ عِنْدَ وَرَثَتِكَ،

стр. 732

لَوْ كُنْتَ المُوَرِّثَ لَهُ، وَاذْكُرْ كَيْفَ تُحِبُّ العَدْلَ لَكَ فِي القَوْلِ؟ فَاعْدِلْ فِي حَقِّ غَيْرِكَ، وَكَمَا لَا تَؤْثِرُ أَنْ يُخَانَ عَهْدُكَ فَلَا تَخُنْ، فَلَاقِ بِهَذِهِ الأَشْيَاءَ التَّذَكُّرَ، فَقَالَ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، وَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ فَلَاقِ بِذلِكَ اتِّقَاءَ الزَّلَلِ، فَلِذلِكَ قَالَ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (١): ﴿فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧)﴾ قَالَ: لَيْسَ هَذَا بِإِجَابَةِ سُؤالِهِ، وَإِنَّمَا سَأَلَ الإِنْظَارِ، فَقِيْلَ لَهُ: كَذَا قُدِّرَ، لَا أَنَّهُ جَوَابُ سُؤَلِكَ، لَكِنَّهُ مِمَّا فُهِمَ. وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (٢): ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ قَالَ: إِنَّمَا لَمْ يَقُلْ: مَا كَتَبَ عَلَيْنَا؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ يَتَعَلَّقُ بِالمُؤْمِنِ، وَلَا يُصِيْبُ المُؤْمِنَ شَيءٌ إِلَّا وَهُوَ لَهُ، إِنْ كَانَ خَيْرًا فَهُوَ لَهُ فِي العَاجِلِ، وَإِنْ كَانَ شَرًّا فَهُوَ ثَوَابٌ لَهُ فِي الآجِلِ. وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (٣): ﴿حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥)﴾ قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيْرِ يَقُولُوْنَ: سَاتِرًا، وَالصَّوَابُ: حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَأَنْ يَكُوْنَ الحِجَابُ مَسْتُورًا عَنِ العُيُونِ فَلَا يُرَى، وَذلِكَ أَبْلغُ. وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (٤): ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ

стр. 733

اللَّهُ﴾ قَالَ: مَا قَالَ: مَا شَاءَ اللهُ كَانَ وَلَا يَكُوْنُ، بَلْ أَطْلَقَ اللَّفْظَ؛ لِيَعُمَّ المَاضِيَ وَالمُسْتَقْبَلَ وَالرَّاهِنَ، قَالَ: وَتَدَبَّرْتُ قَوْلَهُ تَعَالَى (١): ﴿لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ فَرَأَيْتُ لَهَا ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ قَائِلَهَا يَتَبَرَّأُ مِنْ حَوْلِهِ وَقُوَّتَهِ، وَيُسَلِّمُ الأَمْرَ إِلَى مَالِكِهِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُعْلَمُ أَنْ لَا قُوَّةَ لِلْمَخْلُوْقِيْنَ إِلَّا بِاللهِ، فَلَا يَخَافُ مِنْهُمْ؛ إِذْ قُوَاهُمْ لَا تَكُوْنُ إِلَّا بِاللهِ، وَذلِكَ يُوْجِبُ الخَوْفَ مِنَ اللهِ وَحْدَهُ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ رَدٌّ عَلَى الفَلَاسِفَةِ وَالطَّبَائِعِيِّيْنَ الَّذِينَ يَدَّعُوْنَ القُوَى فِي الأَشْيَاءِ بِطَبِيْعَتِهَا، فَإِنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ بَيَّنَتْ أَنَّ القَوِيَّ لَا يَكُوْنُ إِلَّا بِاللهِ. وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (٢) ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ قَالَ: "التَّاءُ" مِنْ حُرُوْفِ الشِّدَّةِ، تَقُوْلُ فِي الشَّيءِ القَرِيْبِ الأَمْرَ: مَا اسْطَعْتُهُ (٣)، وَفِي الشَّدِيْدِ: مَا استَطَعْتُهُ، فَالمَعْنَى: مَا أَطَاقُوا ظُهُوْرَهُ لِضعْفِهِمْ، وَمَا قَدِرُوا عَلَى نَقْبَةِ لِقُوَّتِهِ وَشِدَّتِهِ. وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (٤): ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ قَالَ: المَعْنَى إِنِّي قَدْ أَظْهَرْتُهَا حِيْنَ أَعْلَمْتُ بِكَوْنِهَا، لكِنْ قَارَبْتُ أَنْ أُخْفِيْهَا بِتَكْذِيْبِ المُشْرِكِ بِهَا، وَغَفْلَةِ المُؤْمِنِ عَنْهَا، فَالمُشْرِكُ لَا يُصَدِّقُ كَوْنَهَا،

стр. 734

وَالمُؤْمِنُ يُهْمِلُ الاسْتِعْدَادَ لَهَا (١). قَالَ: وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ مَا جَمَعَهُ مِنْ خَوَاطِرِهِ، قَالَ: قَرَأَ عنْدِي قَارِئٌ، قَالَ: ﴿هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي﴾ (٢) فَأَفْكَرْتُ فِي مَعْنَى اشْتِقَاقِهَا، فَنَظَرْتُ فَإِذَا وَضْعُهَا لِلْتَّنبِيْهِ، وَاللهُ لَا يَجُوْزُ أَنْ يُخَاطِبَ بِهَذَا، وَلَمْ أَرَ أَحَدًا خَاطَبَ اللهَ بِحَرْفِ التَّنْبِيْهِ إِلَّا الكُفَّارَ، كَمَا قَالَ : (٣) ﴿قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ﴾، ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا﴾ (٤) وَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنَ الأَنْبِيَاءِ خَاطَبَ رَبَّهُ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. فَأَمَّا قَوْلُهُ (٥): ﴿وَقِيلِهِ يَارَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ فَإِنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ الخِطَابُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَارَبِّ إِنَّ﴾ فَبَقِيَتْ: "هَا" للْتَّمْكِينِ، وَلَمَّا خَاطَبَ اللهُ المُنَافِقِينَ، قَالَ (٦): ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وَكَرَّمَ المُؤْمِنِيْنَ بِإِسْقَاطِ "هَا" فَقَالَ (٧): ﴿هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ وَكَانَ التَّنْبِيهُ لِلْمُؤْمِنِيْنَ أَخَفُّ. وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (٨): ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ﴾

стр. 735

المَعْنَى: أَنَّه إِذا اشْتَدَّتْ الأَصْوَاتُ وَتَغَالَبَتْ فَإِنَّهَا حَالَةٌ لَا يَسْمَعُ فِيْهَا الإِنْسَانُ. وَاللهُ يَسْمَعُ كَلَامَ كُلِّ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ، وَلَا يَشْغَلُهُ سَمْعٌ عنْ سَمْعٍ. قَالَ: وَقَوْلُهُ: (١) ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ قَالَ: المُرَادُ مِنْهُ: كُنْ أَنْتَ أَيُّهَا القَائِلُ عَلَى الحَقِّ؛ لِيُمْكِنَكَ أَنْ تَقُوْلَ: احْكُمْ بِالحَقِّ، لأَنَّ المُبْطِلَ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَقُولَ: احْكُمْ بِالحَقِّ. وَقَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (٢) ﴿قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ قَالَ: وَقَعَ لِي فِيْهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ المَعْنَى: لَا تُقْسِمُوا وَاخْرُجُوْا مِنْ غَيْرِ قَسَمٍ، فَيَكُوْنُ المُحَرِّكُ لَكُمْ إِلَى الخُرُوْجِ الأَمْرَ لَا القَسَمَ، فَإِنَّ مَنْ خَرَجَ لأَجْلِ قَسَمِهِ لَيْسَ كَمَنْ خَرَجَ لِأَمْرِ رَبِّهِ. وَالثَّانِي: أَنَّ المَعْنَى نَحْنُ نَعْلَمُ مَا فِي قُلُوْبِكُمْ، وَهَلْ أَنْتُمْ عَلَى عَزْمِ المُوَافَقَةِ لِلرَّسُولِ فِي الخُرُوْجِ؟ فَالقَسَمُ هَهُنَا إِعْلَامٌ مِنْكُمْ لَنَا بِمَا فِي قُلُوْبِكُمْ. وَهَذَا يَدُلُّ مِنْكُمْ عَلَى أَنَّكُمْ مَا عَلِمْتُمْ أَنَّ اللهَ يَطَّلِعُ عَلَى مَا فِي القُلُوْبِ. وَالثَالِثُ: أَنَّكُمْ مَا أَقْسَمْتُمْ إِلَّا وَأَنْتُمْ تَظُنُّوْنَ أَنَّا نَتَّهِمُكُمْ، وَلَوْلَا أَنَّكُمْ فِي مَحَلِّ تُهْمَةٍ مَا ظَنَنْتُمْ ذلِكَ فِيْكُمْ، وَبِهَذَا المَعْنَى وَقَعَ المُتَنَبِّي، فَقَالَ: (٣)

стр. 736

وَفِي اليَمِيْنِ عَلَى مَا أَنْتَ وَاعِدُهُ … مَا دَلَّ أَنَّكَ فِي المِيْعَادِ مُتَّهَمُ وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (١): ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾ قَالَ: العَجَبُ لِجَهْلِهمْ حِيْنَ أَرَادُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ، وَلَوْ فَهِمُوا عَلِمُوا أَنَّ كُلَّ الكُنُوْزِ لَهُ، وَجَمِيْعُ الدُّنْيَا مُلْكَهُ، أَوَ لَيْسَ قَدْ قَهَرَ أَرْبَابَ الكُنُوْزِ، وَحَكَمَ فِي جَمِيْعِ المُلُوْكِ؟ وَكَانَ مِنْ تَمَامِ مُعْجِزَاتِهِ أَنَّ الأَمْوَالَ لَمْ تُفْتَحْ عَلَيْهِ فِي زَمَنهِ؛ لِئَلَّا يَقُوْلَ قَائِلٌ: قَدْ جَرَتِ العَادَةُ بِأَنَّ إِقَامَةَ الدُّوَلِ، وَقَهْرِ الأَعْدَاءِ بِكَثْرَةِ الأَمْوَالِ، فَتَمَّتِ المُعْجِزَةُ بِالغَلَبَةِ وَالقَهْرِ مِنْ غَيْرِ مَالٍ، وَلَا كَثْرَةِ أَعْوَانٍ، ثُمَّ فُتِحَتْ الدُّنْيَا عَلَى أَصْحَابِهِ، فَفَرَّقُوا مَا جَمَعَهُ المُلُوْكُ بِالشَّرَهِ، فَأَخْرَجُوْهُ فِيْمَا خُلِقَ لَهُ، وَلَمْ يُمْسِكُوْهُ إِمْسَاكَ الكَافِرِيْنَ؛ لِيُعْلِمُوا النَّاسَ بِإِخْرَاجِ ذلِكَ المَالِ أَنَّ لَنَا دَارًا سِوَى هَذِهِ، وَمَقَرًّا غَيْرَ هَذَا، وَكَانَ مِنْ تَمَامِ المُعْجِزَاتِ لِلْنَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ لَمَّا جَاءَهُمْ بِالهُدَى فَلَمْ يُقْبَلْ، سَلَّ السَّيْفَ عَلَى الجَاحِدِ؛ لِيُعْلِمَهُ أَنَّ الَّذِي ابْتَعَثَنِي قَاهِرٌ بِالسَّيْفِ بَعْدَ القَهْرِ بِالحُجَجِ، وَمِمَّا يُقَوِّي صِدْقَهُ أَنَّ قَيْصَرَ وَكِبَارَ المُلُوْكِ لَمْ يُوَافِقُوا للإِيْمَانِ بِهِ؛ لِئَلَّا يَقُوْلَ قَائِلٌ: إِنَّمَا ظَهَرَ لأَنَّ فُلَانًا المَلِكَ تَعَصَّبَ لَهُ فَتَقَوَّى بِهِ، فَبَانَ أَنَّ أَمْرَهُ مِنَ السَّمَاءِ لَا بِنُصْرَةِ أَهْلِ الأَرْضِ.

стр. 737

وَقَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (١): ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ﴾ قَالَ: المَعْنَى: فَقَدْ كَذَّبَكُمْ أَصْنَامُكُمْ بِقَوْلِكُمْ؛ لِأَنَّكُمْ ادَّعَيْتُمْ أَنَّهَا الآلِهَةُ، وَقَدْ أَقْرَرْتُمْ أَنَّهَا لَا تَنْفَعُ فَإِقْرَارُكُمْ يُكَذِّبُ دَعْوَاكُمْ. وَقَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (٢) ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ قَالَ: فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ هِدَايَةِ الخَلْقِ بِالعِلْمِ، وَيُبَيِّنُ شَرَفَ العَالِمِ عَلَى الزَّاهِدِ المُنْقَطِعِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَالطَّبِيْبِ، وَالطَّبِيْبُ يَكُوْنُ عِنْدَ المَرْضَى، فَلَوْ انْقَطَعَ عَنْهُمْ هَلَكُوْا. وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (٣) ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ قَال: هَذَا مِنْ تَمَامِ بِرِّ الوَالِدَيْنِ، كَأَنَّ هَذَا الوَلَدَ خَافَ أَنْ يَكُونَ وَالِدَاهُ قَصَّرَا فِي شُكْرِ الرَّبِّ ، فَسَأَلَ اللهُ أَنْ يُلْهِمَهُ الشُّكْرَ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمَا؛ لِيَقُومَ بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِمَا مِنْ الشُّكْرِ إِنْ كَانَا قَصَّرَا. وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (٤) ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ﴾ قَال: إِيْثَارُ ثَوَابِ الآجِلِ عَلَى العَاجِلِ حَالَةُ العُلَمَاءِ، فَمَنْ كَانَ هكَذَا فَهُوَ عَالِمٌ، وَمَنْ آثَرَ العَاجِلَ فَلَيْسَ بِعَالِمٍ.

стр. 738

وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (١) ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١)﴾ وَفِي الآيَةِ الَّتِي تَلِيْهَا: ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢)﴾ قَالَ: إِنَّمَا ذَكَرَ السَّمَاعَ عِنْدَ ذِكْرِ اللَّيْلِ وَالإِبْصَارُ عِنْدَ ذِكْرِ النَّهَارِ؛ لأَنَّ الإِنْسَانَ يُدْرِكُ بِسَمْعِهِ (٢) فِي اللَّيْلِ أَكْثَرُ مِنْ إِدْرَاكِهِ بِالنَّهَارِ، وَيَرَى بِالنَّهَارِ أَكْثَرَ مِمَّا يَرَى بِاللَّيْلِ. قَالَ المُبَرَّدُ: (٣) سُلْطَانُ السَّمْعِ فِي اللَّيْلِ، وَسُلْطَانُ البَصَر فِي النَّهَارِ. وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (٤) ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ﴾ قَالَ: فَطَلَبْتُ الفِكْرَ فِي المُنَاسَبَةِ بَيْنَ ذِكْرِ النِّعْمَةِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ﴾ فَرَأَيْتُ أَنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ يَنَالَهَا العَبْدُ فَاللهُ خَالِقُهَا، فَقَدْ أَنْعَمَ بِخَلْقِهِ لِتِلْكَ النِّعْمَةِ، وَبِسَوْقِهَا إِلَى المُنعَمِ عَلَيْهِ. وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (٥) ﴿إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى﴾ قَالَ: المَعْنَى أَنْ يَكُوْنَ قِيَامُكُمْ خَالِصًا للهِ ، لَا لِغَلَبَةِ خُصُوْمِكُمْ، فَحِيْنَئِذٍ تَفُوْزُوْنَ بِالهُدَى. وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (٦) ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ

стр. 739

يَسْعَى﴾، وَفِي الآيَةِ الأُخْرَى: (١) ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ فَرَأَيْتُ الفَائِدَةَ فِي تَقْدِيمِ ذِكْرِ الرَّجُلِ وَتَأْخِيْرِهِ: أَنَّ ذِكْرَ الأَوْصَافِ قَبْلَ ذِكْرِ المَوْصُوفِ أَبْلغُ فِي المَدْحِ مِنْ تَقْدِيْمِ ذِكْرِهِ عَلَى وَصْفِهِ؛ فَإِنَّ النَّاسَ يَقُوْلُوْنَ: الرَّئِيْسُ، الأَجَلُّ فُلَانٌ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا الَّذِي زِيْدَ فِي مَدْحِهِ، وَهُوَ صَاحِبُ يَس، أَمَرَ بِالمَعْرُوفِ، وَأَعَانَ الرُّسُلَ، وَصَبَرَ عَلَى القَتْلِ، وَالآخَرُ إِنَّمَا حَذَّرَ مُوسَى مِنَ القَتْلِ، فَسَلِمَ مُوْسَى بِقَبُوْلِهِ مَشُوْرَتَهُ، فَالأَوَّلُ هُوَ الآمِرُ بِالمَعْرُوفِ، وَالنَّاهِي عَنِ المُنْكَرِ، وَالثَّانِي هُوَ نَاصِحُ الآمِرِ بِالمَعْرُوفِ، فَاسْتَحَقَّ الأَوَّلُ الزِّيَادَةَ. ثُمَّ تأَمَّلْتُ ذِكْرَ أَقْصَى المَدِيْنَةِ، فَإِذَا الرَّجُلَانِ جَاءَا مِنْ بُعْدٍ فِي الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ، وَلَمْ يَتَقَاعَدَا لِبُعْدِ الطَّرِيْقِ. وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (٢) ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ قَالَ: المَعْنَى يَا لَيْتَهُمْ يَعْلَمُونَ بِأَيِّ شَيءٍ وَقَعَ غُفْرَانُهُ، وَالمَعْنَى: أَنَّهُ غَفَرَ لِي بِشَيءٍ يَسِيْرٍ فَعَلْتُهُ، لَا بِأَمْرٍ عَظِيْمٍ. وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (٣) ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥) فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٦) أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ قَالَ: رُبَّمَا تَوَهَّمَ جَاهِلٌ أَنَّهُمْ لَمْ يُجَابُوا عَمَّا سَأَلُوا، وَلَيْسَ كَذلِكَ؛ فَإِنَّ الَّذِي سَأَلُوا لَا

стр. 740

يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ دَلِيْلًا عَلَى البَعْثِ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ أُجِيْبُوا إِلَى مَا سَأَلُوا لَمْ يَكُنْ ذلِكَ حُجَّةً عَلَى مَنْ تَقَدَّمَ، وَلَا عَلَى مَنْ تَأَخَّرَ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى أَنْ يَكُونَ لِمَنْ تَقَدَّمَ وَعْدًا، وَلِمَنْ تَأَخَّرَ خَبَرًا، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَجِيْئَ لِكُلِّ وَاحِدٍ أَبُوْهُ، فَتَصِيْرُ هَذِهِ الدَّارُ دَارَ البَعْثِ، ثُمَّ لَوْ جَازَ وُقُوْعُ مِثْلِ هَذِهِ كَانَ إِحْيَاءُ مَلِكٍ يُضْرَبُ بِهِ الأَمْثَالُ أَوْلَى كَتُبَّعٍ، لَا أَنْتُمْ يَا أَهْلَ "مَكَّةَ" فَإِنَّكُمْ لَا تُعْرَفُوْنَ فِي بِقَاعِ الأَرْضِ. وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (١) ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ قَالَ: عَلِمَتِ المَلَائِكَةُ أَنَّ اللهَ يُحِبُّ عِبَادَهُ المُؤْمِنِيْنَ، فَتَقَرَّبُوا إِلَيْهِ بِالشَّفَاعَةِ فِيْهِمْ، وَأَحْسَنُ القُرَبِ أَنْ يَسْأَلَ المُحِبُّ إِكْرَامَ حَبِيْبِهِ، فَإِنَّكَ لَوْ سَأَلْتَ شَخْصًا أَنْ يَزِيْدَ فِي إِكْرَامِ وَلَدِهِ لَارْتَفَعْتَ عِنْدَهُ، حَيْثُ تَحُثُّهُ عَلَى إِكْرَامِ مَحْبُوْبِهِ. وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (٢) ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾، ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ قَالَ: تأَمَّلْتُ دُخُوْلَ اللَّامِ وَخُرُوْجَهَا، فَرَأَيْتُ المَعْنَى: أَنَّ اللَّامَ تَقَعُ لِلِاسْتِقْبَالِ، تَقُوْلُ: لأَضْرِبَنَّكَ، أَيْ: فِيْمَا بَعْدُ، لَا فِي الحَالِ، وَالمَعْنَى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ أَيْ: فِي مُسْتَقْبَلِ الزَّمَانِ إِذَا تَمَّ فَاسْتَحْصَدَ، وَذلِكَ أَشَدُّ العَذَابِ؛ لأَنَّهَا حَالَةُ انْتِهَاءِ تَعَبِ الزُّرَّاعِ، وَاجْتِمَاعُ الدَّيْنِ عَلَيْهِ، لِرَجَاءِ
следующие страницы →