← Тараджим

Тараджим · id 31366

ذيل طبقات الحنابلة - لابن رجب - ت العثيمين

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (2 431 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

وَفِي اليَمِيْنِ عَلَى مَا أَنْتَ وَاعِدُهُ … مَا دَلَّ أَنَّكَ فِي المِيْعَادِ مُتَّهَمُ وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (١): ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾ قَالَ: العَجَبُ لِجَهْلِهمْ حِيْنَ أَرَادُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ، وَلَوْ فَهِمُوا عَلِمُوا أَنَّ كُلَّ الكُنُوْزِ لَهُ، وَجَمِيْعُ الدُّنْيَا مُلْكَهُ، أَوَ لَيْسَ قَدْ قَهَرَ أَرْبَابَ الكُنُوْزِ، وَحَكَمَ فِي جَمِيْعِ المُلُوْكِ؟ وَكَانَ مِنْ تَمَامِ مُعْجِزَاتِهِ أَنَّ الأَمْوَالَ لَمْ تُفْتَحْ عَلَيْهِ فِي زَمَنهِ؛ لِئَلَّا يَقُوْلَ قَائِلٌ: قَدْ جَرَتِ العَادَةُ بِأَنَّ إِقَامَةَ الدُّوَلِ، وَقَهْرِ الأَعْدَاءِ بِكَثْرَةِ الأَمْوَالِ، فَتَمَّتِ المُعْجِزَةُ بِالغَلَبَةِ وَالقَهْرِ مِنْ غَيْرِ مَالٍ، وَلَا كَثْرَةِ أَعْوَانٍ، ثُمَّ فُتِحَتْ الدُّنْيَا عَلَى أَصْحَابِهِ، فَفَرَّقُوا مَا جَمَعَهُ المُلُوْكُ بِالشَّرَهِ، فَأَخْرَجُوْهُ فِيْمَا خُلِقَ لَهُ، وَلَمْ يُمْسِكُوْهُ إِمْسَاكَ الكَافِرِيْنَ؛ لِيُعْلِمُوا النَّاسَ بِإِخْرَاجِ ذلِكَ المَالِ أَنَّ لَنَا دَارًا سِوَى هَذِهِ، وَمَقَرًّا غَيْرَ هَذَا، وَكَانَ مِنْ تَمَامِ المُعْجِزَاتِ لِلْنَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ لَمَّا جَاءَهُمْ بِالهُدَى فَلَمْ يُقْبَلْ، سَلَّ السَّيْفَ عَلَى الجَاحِدِ؛ لِيُعْلِمَهُ أَنَّ الَّذِي ابْتَعَثَنِي قَاهِرٌ بِالسَّيْفِ بَعْدَ القَهْرِ بِالحُجَجِ، وَمِمَّا يُقَوِّي صِدْقَهُ أَنَّ قَيْصَرَ وَكِبَارَ المُلُوْكِ لَمْ يُوَافِقُوا للإِيْمَانِ بِهِ؛ لِئَلَّا يَقُوْلَ قَائِلٌ: إِنَّمَا ظَهَرَ لأَنَّ فُلَانًا المَلِكَ تَعَصَّبَ لَهُ فَتَقَوَّى بِهِ، فَبَانَ أَنَّ أَمْرَهُ مِنَ السَّمَاءِ لَا بِنُصْرَةِ أَهْلِ الأَرْضِ.

стр. 737

وَقَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (١): ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ﴾ قَالَ: المَعْنَى: فَقَدْ كَذَّبَكُمْ أَصْنَامُكُمْ بِقَوْلِكُمْ؛ لِأَنَّكُمْ ادَّعَيْتُمْ أَنَّهَا الآلِهَةُ، وَقَدْ أَقْرَرْتُمْ أَنَّهَا لَا تَنْفَعُ فَإِقْرَارُكُمْ يُكَذِّبُ دَعْوَاكُمْ. وَقَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (٢) ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ قَالَ: فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ هِدَايَةِ الخَلْقِ بِالعِلْمِ، وَيُبَيِّنُ شَرَفَ العَالِمِ عَلَى الزَّاهِدِ المُنْقَطِعِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَالطَّبِيْبِ، وَالطَّبِيْبُ يَكُوْنُ عِنْدَ المَرْضَى، فَلَوْ انْقَطَعَ عَنْهُمْ هَلَكُوْا. وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (٣) ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ قَال: هَذَا مِنْ تَمَامِ بِرِّ الوَالِدَيْنِ، كَأَنَّ هَذَا الوَلَدَ خَافَ أَنْ يَكُونَ وَالِدَاهُ قَصَّرَا فِي شُكْرِ الرَّبِّ ، فَسَأَلَ اللهُ أَنْ يُلْهِمَهُ الشُّكْرَ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمَا؛ لِيَقُومَ بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِمَا مِنْ الشُّكْرِ إِنْ كَانَا قَصَّرَا. وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (٤) ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ﴾ قَال: إِيْثَارُ ثَوَابِ الآجِلِ عَلَى العَاجِلِ حَالَةُ العُلَمَاءِ، فَمَنْ كَانَ هكَذَا فَهُوَ عَالِمٌ، وَمَنْ آثَرَ العَاجِلَ فَلَيْسَ بِعَالِمٍ.

стр. 738

وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (١) ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١)﴾ وَفِي الآيَةِ الَّتِي تَلِيْهَا: ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢)﴾ قَالَ: إِنَّمَا ذَكَرَ السَّمَاعَ عِنْدَ ذِكْرِ اللَّيْلِ وَالإِبْصَارُ عِنْدَ ذِكْرِ النَّهَارِ؛ لأَنَّ الإِنْسَانَ يُدْرِكُ بِسَمْعِهِ (٢) فِي اللَّيْلِ أَكْثَرُ مِنْ إِدْرَاكِهِ بِالنَّهَارِ، وَيَرَى بِالنَّهَارِ أَكْثَرَ مِمَّا يَرَى بِاللَّيْلِ. قَالَ المُبَرَّدُ: (٣) سُلْطَانُ السَّمْعِ فِي اللَّيْلِ، وَسُلْطَانُ البَصَر فِي النَّهَارِ. وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (٤) ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ﴾ قَالَ: فَطَلَبْتُ الفِكْرَ فِي المُنَاسَبَةِ بَيْنَ ذِكْرِ النِّعْمَةِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ﴾ فَرَأَيْتُ أَنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ يَنَالَهَا العَبْدُ فَاللهُ خَالِقُهَا، فَقَدْ أَنْعَمَ بِخَلْقِهِ لِتِلْكَ النِّعْمَةِ، وَبِسَوْقِهَا إِلَى المُنعَمِ عَلَيْهِ. وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (٥) ﴿إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى﴾ قَالَ: المَعْنَى أَنْ يَكُوْنَ قِيَامُكُمْ خَالِصًا للهِ ، لَا لِغَلَبَةِ خُصُوْمِكُمْ، فَحِيْنَئِذٍ تَفُوْزُوْنَ بِالهُدَى. وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (٦) ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ

стр. 739

يَسْعَى﴾، وَفِي الآيَةِ الأُخْرَى: (١) ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ فَرَأَيْتُ الفَائِدَةَ فِي تَقْدِيمِ ذِكْرِ الرَّجُلِ وَتَأْخِيْرِهِ: أَنَّ ذِكْرَ الأَوْصَافِ قَبْلَ ذِكْرِ المَوْصُوفِ أَبْلغُ فِي المَدْحِ مِنْ تَقْدِيْمِ ذِكْرِهِ عَلَى وَصْفِهِ؛ فَإِنَّ النَّاسَ يَقُوْلُوْنَ: الرَّئِيْسُ، الأَجَلُّ فُلَانٌ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا الَّذِي زِيْدَ فِي مَدْحِهِ، وَهُوَ صَاحِبُ يَس، أَمَرَ بِالمَعْرُوفِ، وَأَعَانَ الرُّسُلَ، وَصَبَرَ عَلَى القَتْلِ، وَالآخَرُ إِنَّمَا حَذَّرَ مُوسَى مِنَ القَتْلِ، فَسَلِمَ مُوْسَى بِقَبُوْلِهِ مَشُوْرَتَهُ، فَالأَوَّلُ هُوَ الآمِرُ بِالمَعْرُوفِ، وَالنَّاهِي عَنِ المُنْكَرِ، وَالثَّانِي هُوَ نَاصِحُ الآمِرِ بِالمَعْرُوفِ، فَاسْتَحَقَّ الأَوَّلُ الزِّيَادَةَ. ثُمَّ تأَمَّلْتُ ذِكْرَ أَقْصَى المَدِيْنَةِ، فَإِذَا الرَّجُلَانِ جَاءَا مِنْ بُعْدٍ فِي الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ، وَلَمْ يَتَقَاعَدَا لِبُعْدِ الطَّرِيْقِ. وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (٢) ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ قَالَ: المَعْنَى يَا لَيْتَهُمْ يَعْلَمُونَ بِأَيِّ شَيءٍ وَقَعَ غُفْرَانُهُ، وَالمَعْنَى: أَنَّهُ غَفَرَ لِي بِشَيءٍ يَسِيْرٍ فَعَلْتُهُ، لَا بِأَمْرٍ عَظِيْمٍ. وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (٣) ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥) فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٦) أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ قَالَ: رُبَّمَا تَوَهَّمَ جَاهِلٌ أَنَّهُمْ لَمْ يُجَابُوا عَمَّا سَأَلُوا، وَلَيْسَ كَذلِكَ؛ فَإِنَّ الَّذِي سَأَلُوا لَا

стр. 740

يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ دَلِيْلًا عَلَى البَعْثِ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ أُجِيْبُوا إِلَى مَا سَأَلُوا لَمْ يَكُنْ ذلِكَ حُجَّةً عَلَى مَنْ تَقَدَّمَ، وَلَا عَلَى مَنْ تَأَخَّرَ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى أَنْ يَكُونَ لِمَنْ تَقَدَّمَ وَعْدًا، وَلِمَنْ تَأَخَّرَ خَبَرًا، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَجِيْئَ لِكُلِّ وَاحِدٍ أَبُوْهُ، فَتَصِيْرُ هَذِهِ الدَّارُ دَارَ البَعْثِ، ثُمَّ لَوْ جَازَ وُقُوْعُ مِثْلِ هَذِهِ كَانَ إِحْيَاءُ مَلِكٍ يُضْرَبُ بِهِ الأَمْثَالُ أَوْلَى كَتُبَّعٍ، لَا أَنْتُمْ يَا أَهْلَ "مَكَّةَ" فَإِنَّكُمْ لَا تُعْرَفُوْنَ فِي بِقَاعِ الأَرْضِ. وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (١) ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ قَالَ: عَلِمَتِ المَلَائِكَةُ أَنَّ اللهَ يُحِبُّ عِبَادَهُ المُؤْمِنِيْنَ، فَتَقَرَّبُوا إِلَيْهِ بِالشَّفَاعَةِ فِيْهِمْ، وَأَحْسَنُ القُرَبِ أَنْ يَسْأَلَ المُحِبُّ إِكْرَامَ حَبِيْبِهِ، فَإِنَّكَ لَوْ سَأَلْتَ شَخْصًا أَنْ يَزِيْدَ فِي إِكْرَامِ وَلَدِهِ لَارْتَفَعْتَ عِنْدَهُ، حَيْثُ تَحُثُّهُ عَلَى إِكْرَامِ مَحْبُوْبِهِ. وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (٢) ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾، ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ قَالَ: تأَمَّلْتُ دُخُوْلَ اللَّامِ وَخُرُوْجَهَا، فَرَأَيْتُ المَعْنَى: أَنَّ اللَّامَ تَقَعُ لِلِاسْتِقْبَالِ، تَقُوْلُ: لأَضْرِبَنَّكَ، أَيْ: فِيْمَا بَعْدُ، لَا فِي الحَالِ، وَالمَعْنَى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ أَيْ: فِي مُسْتَقْبَلِ الزَّمَانِ إِذَا تَمَّ فَاسْتَحْصَدَ، وَذلِكَ أَشَدُّ العَذَابِ؛ لأَنَّهَا حَالَةُ انْتِهَاءِ تَعَبِ الزُّرَّاعِ، وَاجْتِمَاعُ الدَّيْنِ عَلَيْهِ، لِرَجَاءِ

стр. 741

القَضَاءِ بَعْدَ الحَصَادِ، مَعَ فَرَاغِ البُيُوْتِ مِنَ الأَقْوَاتِ. وَأَمَّا فِي المَاءِ: فَقَالَ: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ أَيْ الآنَ؛ لأَنَّا لَوْ أَخَّرْنَا ذلِكَ لَشَرِب العَطْشَانِ، وَادَّخَرَ مِنهُ الإِنْسَانُ. وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (١) ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قَالَ المَعْنَى: لَا تَبْتَلِيْنَا بِأَمْرٍ يُوْجِبُ افْتِتَانَ الكُفَّارِ بِنَا، فَإِنَّهُ إِذَا خُذِلَ المُتَّقِي، ونُصِرَ العَاصِي، وَفُتِنَ الكَافِرَ، وَقَالَ: لَوْ كَانَ مَذْهَبُ هَذَا صَحِيْحًا مَا غُلِبَ. قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ فِي قَوْلِهِ ﷺ : (٢) "إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ سُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ" قَالَ: إِنَّ الشَّيَاطِينَ لِلْعَاصِي فِي غَيْرِ رَمَضَانَ كَالعُكَّازِ يَقُوْلُ: سَوَّلَ لِي، وَغَرَّنِي، فَإِذَا سُلْسِلَ الشَّيْطَانُ قَلَّ عُذْرُ العَاصِي. وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ فِي حَدِيْثِ عَائِشَةَ ﵂: (٣) "كَانَ أَكْثَرَ صَوْمِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ فِي شَعْبَانَ"، قَالَ مَا أَرَى هَذَا إِلَّا وَجْهَ الرِّيَاضَةِ؛ لأَنَّ الإِنْسَانَ إِذَا هَجَمَ بِنَفْسِهِ عَلَى أَمْرٍ لَمْ يَتَعَوَّدْهُ صَعُبَ عَلَيْهِ، فَدَرَّجَ نَفْسَهُ بِالصَّوْمِ فِي شَعْبَانَ لِأَجْلِ رَمَضَانَ.

стр. 742

وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ فِي قَوْلِهِ ﷺ : (١) "أَعُوْذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا لَمْ أَعْمَلْ". قَالَ لَهُ مَعْنَيَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الإِنْسَانَ يَبْلُغُهُ أَنَّ الرَّجُلَ قَدْ عَمِلَ الشَّرَّ فَيَرْضَى بِهِ، أَوْ يتَمَنَّى أَنْ يَعْمَلَ مِثْلَهُ، فَهَذَا شَرُّ مَا لَمْ يَعْمَلْ. وَالثَّانِي: أَنَّ الرَّجُلَ قَدْ لَا يَشْرَبُ الخَمْرَ، فَيُعْجَبُ بِنَفْسِهِ كَيْفَ لَا يَشْرَبُ، فَيَكُونُ العَجَبُ بِتَرْكِ الذَّنْبِ شَرُّ مَا لَمْ يَعْمَلْ. وَذَكَرَ صَاحِبُ سِيْرَةِ الوَزِيْرِ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُوْلُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (٢) ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ﴾ قَالَ: فِي حَمْلِ العَصَا عِظَةٌ؛ لأَنَّهَا مِنْ شَيءٍ قَدْ كَانَ نَامِيًا فَقُطِعَ، فَكُلَّمَا رَآهَا حَامِلُهَا تَذَكَّرَ المَوْتَ. قَالَ: وَمِنْ هَذَا قِيْلَ لاْبنِ سِيْرِيْنَ ﵀ رَجُلٌ رَأَى فِي المَنَامِ أَنَّهُ يُضْرَبُ بِطَبْلٍ؟ فَقَالَ: هَذِهِ مَوْعِظَةٌ؛ لأَنَّ الطَّبْلَ مِنْ خَشَبٍ قَدْ كَانَ نَامِيًا فَقُطِعَ، وَمِنْ أَغْشِيَةٍ كَانَتْ جُلُوْدَ حَيَوَانٍ قَدْ ذُبِحَ، وَهَذَا أَثَرُ المَوْعِظَةِ. وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (٣) ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ الآيَة، قَالَ: المَرِيْضُ يَجِدُ الطُّعُوْمَ عَلَى خِلَافِ مَا هِيَ عَلَيْهِ، فَيَرَى الحَامِضَ حُلْوًا وَالحُلْوُ مُرًّا، وَكَذلِكَ هَؤُلَاءِ يَرَوْنَ الحَقَّ بَاطِلًا، وَالبَاطِلَ حَقًّا.

стр. 743

قَالَ: وَسَمِعْتُ الوَزِيْرَ يَقُوْلُ وَقَدْ قُرِئَ عِنْدَهُ: "أَنَّ رَجُلًا قَالَ عِنْدَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ (١) الحَمْدُ للهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيْهِ، فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : أَيُّكُمْ قَالَ ذلِكَ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: أَنَا يَا رَسُوْلَ اللهِ، وَلَمْ أُرِدْ بِذلِكَ إِلَّا الخَيْرَ. فَقَالَ ﷺ رَأَيْتُ بِضْعًا وَثَلَاثِيْنَ مَلَكًا يَبْتَدِرُوْنَهَا" فَطَفِقْتُ وَالجَمَاعَةُ عِنْدِي أُفَكِّرُ فِي مَعْنَى تَخْصِيْصِ هَذَا العَدَدِ مِنَ المَلَائِكَةِ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا حُرُوْفُ هَذِهِ الكَلِمَاتِ بِضْعٌ وَثَلَاثُوْنَ حَرْفًا إِذَا فُكَّ المُشَدَّدُ، وَرَأَيْتُ أَنَّهُ مِنْ عِظَمِ مَا قَدِ ازْدَحَمَتِ المَلَائِكَةُ عَلَيْهَا، بَلَغُوا إِلَى فَكِّ المُشَدَّدِ، فَلَمْ يَحْصُلْ لِكُلِّ مَلَكٍ سِوَى حَرْفٍ وَاحِدٍ، فَصَعَدَ بِهِ يَتَقَرَّبُ بِحَمْلِهِ. وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ فِي قَوْلِهِ ﷺ : (٢) "وَجَدْتُ عَلَى بَابِ الجَنَّةِ مَكْتُوْبًا: الصَّدَقَةُ بِعَشَرَةٍ، وَالقَرْضُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ" فَتَدَبَّرْتُ هَذَا الحَصْرَ، فَإِذَا الفَائِدَةُ: أَنَّ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، فَدِرْهَمُ الصَّدَقَةِ لَا يَعُوْدُ فَيُكْتَبُ بِهِ عَشْرٌ مَعَ ذَهَابِهِ، فَيَكُوْنُ الحَاصِلُ بِهِ عَلَى الحَقِيْقَةِ تِسْعَةٌ، وَالقَرْضُ يُضَاعَفُ عَلَى الصَّدَقةِ، فَيَصِيْرُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ؛ لأَنَّ تِسْعَةً وَتِسْعَةً ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَالسَّبَبُ فِي مُضَاعَفَتِهِ: أَنَّ الصَّدَقَةَ قَدْ تَقَعُ فِي يَدِ غَيْرِ مُحْتَاجٍ، وَالقَرْضُ لَا يَقَعُ إِلَّا فِي يَدِ مُحْتَاجٍ.

стр. 744

وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ فِي قَوْلِهِ ﷺ (١): "إِذَا شَرِبْتُمْ فَأَسْئِرُوا" قَالَ: هَذَا فِي الشُّرْبِ خَاصَّةً، فَأَمَّا الأَكْلُ فَمِنَ السُّنَّةِ: لَعْقُ القَصْعَةِ وَالأَصَابِع، وَإِنَّمَا خَصَّ الشُّرْبَ بِذلِكَ؛ لأَنَّ التُّرَابَ وَالأَقْذَارَ تَرْسَخُ فِي أَسْفَلِ الإِنَاءِ فَاسْتِيْفَاءُ ذلِكَ يُوْجِبُ شُرْبَ مَا يُؤْذِي، قَالَ: وَكَذلِكَ السِّرُّ فِي الأَمْرِ بِالتَّنَفُّسِ فِي الإِنَاءِ ثَلَاثًا؛ لأَنَّ التَّنَفُّسَ يُخْرِجُ كُرَبَ القَلْبِ، وَكَدَرَ البَدَنِ، فَكَرِهَ الشَّارِعُ أَنْ يَعُوْدَ فِي المَاءِ فَيُؤْذِي الشَّارِبَ (٢). وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ: فِي قَوْلِهِ ﷺ : (٣) "أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي وُجُوْهُهُمْ كالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ" قَالَ: إِنَّمَا لَمْ يَقُلْ كَالشَّمْسِ؛ لأَنَّ نُوْرَ الشَّمْسِ يُؤَثِّرُ فِي عُيُوْنِ النَّاظِرِيْنَ إِلَيْهَا، فَلَا يَتَمَكَّنُوْنَ مِنَ النَّظَرِ، وَالجَنَّةُ دَارُ لَذَّةٍ وَطِيْبِ عَيْشٍ، فَلَوْ أَشْبَهَتْ وُجُوْهَهُمُ نُوْرَ الشَّمْسِ لَمْ يَتَمَكَّنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنْ يَنْظُرَ الآخَرَ. وَمِنْ كَلَامِهِ فِي السُّنَّةِ: قَالَ أَبُو الفَرَجِ بنُ الجَوْزِيِّ: سَمِعْتُ الوَزِيْرَ يَقُوْلُ: تَأْوِيْلُ الصِّفَاتِ أَقْرَبُ إِلَى الخَطَرِ (٤) مِنْ إِثْبَاتِهَا عَلَى وَجْهِ التَّشْبِيهِ؛ فَإِنَّ ذلِكَ كُفْرٌ، وَهَذَا غَايَتُهُ البِدْعَةُ. قَالَ وَسَمِعْتُهُ يُنْشِدُ لِنَفْسِهِ: لَا قَوْلَ عِنْدَ آيِهِ المُتْشَابِهْ … لِلرَّاسِخِيْنَ غَيْرُ آمَنَّا بِهْ

стр. 745

قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ: مَا أَنْزَلَ اللهُ آيَةً إِلَّا وَالعُلَمَاءُ قَدْ فَسَّرُوْهَا، لَكِنَّهُ يَكُوْنُ لِلآيَةِ وُجُوْهٌ مُحْتَمَلَاتٌ، فَلَا يَعْلَمُ مَا المُرَادُ مِنْ تِلْكَ الوُجُوْهِ المُحْتَمَلَاتِ إِلَّا اللهُ . قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (١): ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ قَالَ: العَرَبُ لَا تَعْرِفُ "ذَا" وَلَا "هَذَا" إِلَّا فِي الإِشَارَةِ إِلَى الحَاضِرِ، وَإِنَّمَا أَشَارَ هَذَا القَائِلُ إِلَى هَذَا لمَسْمُوْعُ. فَمَنْ قَالَ: إِنَّ المَسْمُوْعَ عِبَارَةٌ عَنِ القَدِيْمِ، فَقَدْ قَالَ: هَذَا قَوْلُ البَشَرِ. قَالَ مُصَنِّفُ سِيْرَتِهِ: كَثِيْرًا مَا سَمِعْتُهُ يَقُوْلُ: لَيْسَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ إِلَّا الاتِّبَاعِ فَقَطْ، فَمَا قَالَهُ السَّلَفُ قَالَهُ، وَمَا سَكَتُوْا عَنْهُ سَكَتَ عَنْهُ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يُنْكِرُ (٢) أَنْ يُقَالَ: لَفْظِي بِالقُرْآنِ مَخْلُوْقٌ، أَوْ غَيْرَ مَخْلُوْقٍ، لأَنَّهُ لَمْ يُقَلْ. وَكَانَ يَقُوْلُ فِي آيَاتِ الصِّفَاتِ: تُمَرُّ كَمَا جَاءَتْ. قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ: تَفَكَّرْتُ فِي أَخْبَارِ الصِّفَاتِ، فَرَأَيْتُ الصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِيْنَ سَكَتُوْا عَنْ تَفْسِيْرِهَا، مَعَ قُوَّةِ عِلْمِهِمْ، فَنَظَرْتُ السَّبَبَ فِي سُكُوتِهِمْ، فَإِذا هُوَ قُوَّةُ الهَيْبَةِ لِلْمَوْصُوْفِ، وَلأَنَّ تَفْسِيْرَهَا، لَا يَتَأَتَّى إِلَّا بِضَرْبِ الأَمْثَالِ للهِ، وَقَدْ قَالَ (٣): ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ قَالَ: وَكَانَ يَقُوْلُ: لَا

стр. 746

تُفَسَّرُ عَلَى الحَقِيْقَةِ وَلَا علَى المَجَازِ؛ لأَنَّ حَمْلَهَا عَلَى الحَقِيْقَةِ تَشْبِيهٌ (١)، وَعَلَى المَجَازِ بِدْعَةٌ. قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ: وَاللهِ مَا نَتْرُكُ أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مَعَ الرَّافِضَةِ؛ نَحْنُ أَحَقُّ بِهِ مِنْهُمْ؛ لأَنَّهُ مِنَّا وَنَحْنُ مِنْهُ، وَلَا نَتْرُكُ الشَّافِعِيَّ مَعَ الأَشْعَرِيَّةِ؛ فَإِنَّا أَحَقُّ بِهِ مِنْهُمْ. قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ: مِنْ مَكَايِدِ الشَّيْطَانِ تَنْفِيْرُهُ عِبَادَ اللهِ مِنْ تَدَبُّرِ القُرْآنِ؛ لِعِلْمِهِ أَنَّ الهُدَى وَاقِعٌ عِنْدَ التَّدَبُّرِ، فَيَقُوْلُ: هَذِهِ مُخَاطَرَةٌ، حَتَّى يَقُوْلَ الإِنْسَانُ: أَنَا لَا أَتَكَلَّمُ فِي القُرْآنِ تَوَرُّعًا. وَمِنْهَا: أَنْ يُخْرِجَ جَوَالِبَ الفِتَنِ مُخْرَجَ التَّشَدُّدِ فِي الدِّيْنِ. وَمِنْهَا: أَنْ يُقِيْمَ أَوْثَانًا فِي المَعْنَى تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ، مِثْلَ أَنْ يُبَيِّنَ الحَقَّ، فَيَقُولُ: لَيسَ هَذَا مَذْهَبَنَا؛ تَقْلِيدًا لِلْمُعَظَّمِ عِنْدَهُ، قَدْ قَدَّمَهُ عَلَى الحَقِّ. قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ لِبَعْضِ النَّاسِ: لَا يَحِلُّ وَاللهِ أَنْ تُحْسِنَ الظَنَّ بِمَنْ يَرْفُضُ، وَلَا بِمَنْ يُخَالِفُ الشَّرْعَ فِي حَالٍ. وَمِنْ كَلَامِهِ فِي فُنُونٍ: قَالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ: يَحْصُلُ العِلْمُ بثَلَاثَةِ أَشْيَاءٍ: أَحَدُهَا: العَمَلُ بِهِ، فَإِنَّ مَنْ كَلَّفَ نَفْسَهُ التَّكَلُّمُ بِالعَرَبِيَّةِ، دَعَاهُ ذلِكَ إِلَى حِفْظِ النَّحْوِ، وَمَنْ سَأَلَ عَنِ المُشْكِلَاتِ لِيَعْمَلَ فِيْهَا بِمُقْتَضَى الشَّرْعِ تَعَلَّمَ.

стр. 747

وَالثَّانِي: التَّعْلِيْمُ، فَإِنَّهُ إِذَا عَلَّمَ النَّاسَ كَانَ أَدْعَى إِلَى تَعْلِيْمِهِ. وَالثَّالِثُ: التَّصْنِيْفُ، فَإِنَّهُ يُخْرِجُهُ إِلَى البَحْثِ، وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنَ التَّصْنِيْفِ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ غَوْرَ ذلِكَ الَّذِي صَنَّفَ فِيْهِ. قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ: الحِكْمَةُ فِي اخْتِصَاصِ المَرْأَةِ بِالحَيْضِ: أَنَّهَا تَحْمِلُ الوَلَدَ، وَالوَلَدُ مُفْتَقَرٌ إِلَى الغِذَاءِ، فَلوْ شَارَكَهَا فِي غِذَائِهَا لَضَعُفَتْ قُوَاهَا، وَلكِنْ جَعَلَتْ لَهُ فَضْلَةً مِنْ فَضَلَاتِهَا، إِنْ حَمَلَتْ فَهِيَ قُوْتُهُ، وَإِنْ لَمْ تَحْمِلْ انْدَفَعَتْ، فَإِذَا وَلَدَتْ تَوَفَّرَتْ تِلْكَ الفَضْلَةُ عَلَى اللَّبَنِ. قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ لِبَعْضِ مَنْ يَأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ: اجْتَهِدْ أَنْ تَسْتُرَ العُصَاةَ؛ فَإِنَّ ظُهُوْرَ مَعَاصِيْهِمْ عَيْبٌ فِي أَهْلِ الإِسْلَامِ، وَأَوْلَى الأُمُوْرِ سِتْرُ العُيُوبِ. وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: الأَيَّامُ قَدْ ذَهَبَتْ، وَالأَعْمَارُ قَدْ نُهِبَتْ، وَالنُّفُوْسُ بِاتِّبَاعِ الهَوَى قَدْ التَهَبَتْ، وَمَا يُطْلَبُ مِنْهَا شَيْءٌ مِنَ الخَيْرِ إِلَّا أَبَتْ، وَبُيُوْتُ التَّقْوَى مِنَ القُلُوبِ قَدْ خَرِبَتْ. وَسَمِعتُهُ يَقُولُ: نَظَرُ العَامِلِ إِلَى عَمَلِهِ بِعَيْنِ الثِّقَةِ بِهِ فِي بَابِ النَّجَاةِ، أَضَرُّ عَلى العُصَاةِ مِنْ تَفْرِيْطِهِمْ. وَقَالَ: لَوْلَا الظُّلْمُ الجَائِرُ مَا حَصَلَتِ الشَّهَادَةِ للشَّهِيْدِ، وَلَوْلَا أَهْلُ المَعَاصِي، مَا بَانَتْ بَلْوَى الصَّابِرِ فِي الأَمْرِ بِالمَعْرُوْفِ، وَلَوْ كَانَ المُجْرِمُوْنَ ضُعَفَاءَ لَقُهِرُوا، فَلَمْ يَحْصُلُ ذلِكَ المَعْنَى. وَكَانَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (١): ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِر

стр. 748

مُجْرِمِيهَا﴾ إِنَّهُ عَلَى التَّقْدِيْمِ وَالتَّأْخِيرِ، أَيْ جَعَلْنَا مُجْرِمِيْهَا أَكَابِرَ. وَقَالَ: البَحْرُ مُحِيْطٌ بِالأَرْضِ، وَخِلْجَانُهُ تَتَخَلَّلُ الأَرْضَ، وَالرِّيْحُ تَهُبُّ عَلَى المَاءِ، وَتَمُرُّ عَلَى الأَرْضِ، فَيَعْتَدِلَ النَّسِيْمُ بِالرُّطُوْبَةِ، وَلوْ كَانَ مَاءَ البَحْرِ عَذْبًا لأَنْتَنَ؛ لِكَوْنِهِ وَاقِفًا، فَكَانَتْ الرِّيْحُ إِذَا هَبَّتْ عَلَيْهِ أَوْقَعَتِ الوَبَاءَ فِي الخَلْقِ، وَلكِنَّهُ جُعِلَ مَالِحًا، لِيَحْصُلَ مِنْهُ نَفْعُ الرُّطُوْبَةِ، وَلَا يَقَعُ بِهِ فَسَادٌ. قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ: احْذَرُوا مَصَارِعَ العُقُوْلِ، عِنْدَ التِهَابِ الشَّهَوَاتِ. قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ: العَجَبُ مِمَّنْ يُخَاصِمُ الأَقْدَارَ وَلَا يُخَاصِمُ نَفْسَهُ، فَيَقُولُ: قُضِيَ عَليَّ، وَعَاقَبَنِي! وَيْحَكَ، قُلْ لَنَا: كَيْفَ تُحِبُّ أَنْ يَكُونَ الأَمْرُ؟ أَتَخْتَارُ أَنْ تُخْلَقَ أَعْمَى لَا تَنْظُرُ إِلى المُسْتَحْسَنِ؟ قَالَ: لَا، قُلْنَا: أَفَتُحِبُّ أَنْ تُخْلَقَ مَعْدُوْمَ الحِسِّ؟ قَالَ: لَا، قُلْنَا: أَتَخْتَارُ أَنْ تُرَدَّ عَنِ المَعَاصِي قَهْرًا؟ قَالَ: لَا، قُلْنَا: أَفَتُؤْثِرُ أَنْ تُطْلَقَ فِيْهَا مِنْ غَيْرِ حَجْرٍ؟ فَلَا تَغْضَبُ إِذًا إِنْ أَطْلَقَ غَيْرُكَ فِي أَخَوَاتِكَ وَبَنَاتِكَ، فَأَمَّا أَنْ تَغْضَبَ لِذلِكَ الفِعْلِ مِنْ غَيْرِكَ فِي حَرَمِكَ، وَتَخْتَارُ أَنْ تَفْعَلَهُ فِي حَرَمِ غَيْرِكَ فَهَذَا فِي غَايَةِ الجَوْرِ، فَإِذَا جَعَلَ لَكَ الطَّرِيْقَ إِلَى مُرَادِكَ بكَلِمَةٍ هِيَ عَقْدُ النِّكَاحِ، أَوْ عُوِّضْتَ عَمَّا مُنِعْتَ عَنْهُ مِنْ جِنْسِهِ وَوُعِدْتَ الأَجْرَ عَلَى الصَّبْرِ، فَهَذَا غَايَةُ العَدْلِ، فَإِنْ زَلَلْتَ فِي مَعْصِيَةٍ فَقَدْ جُعِلَ لَكَ طَرِيْقُ النَّجَاةِ بِالتَّوْبَةِ. قَالَ مُصَنِّفُ سِيْرَةِ الوَزِيْرِ: سَمِعْتُهُ يَقُوْلُ: قَفَلْتُ فِي صُحْبَةِ أَمِيْرِ المُؤْمِنِينَ المُقْتَفي مِنَ "الكُوَفَةِ" بَعْدَ وِدَاعِ الحَاجَّ، فَشَاهَدْنَا فِي الطَّرِيْقِ بَرَدًا كِبَارًا قَدْ (١)

стр. 749

وَقَعَ أَمَامَنَا - وَكَانَ الجَمَاعَةُ يَأْكُلُوْنَ مِنْهُ - فَلَمْ أَسْتَطِبْهُ عَلَى الرِّيْقِ فَلَمَّا نَزَلْنَا الخِيَامَ وَأَمْسَيْنَا، وَحَضَرَ العَشَاءُ، وَأَكَلْنَا الطَّعَامَ، ذَكَرْتُ ذلِكَ البَرَدَ، وَوَدَدْتُ (١) أَنْ لَوْ كَانَ الآنَ مِنْهُ شَيْءٌ وَأَظُنُّ أَنِّي دَعُوْتُ اللهَ أَنْ يَأْتِيَنَا مِنْهُ شَيْءٌ، فَمَا كَانَ إِلَّا لَحْظَةً وَالسَّحَابُ هَمَى (٢)، وَإِذَا البَرَدُ فِيْهِ كَثِيْرٌ، وَشَرَعَ الغِلْمَانُ وَجَمَعُوا مِنْهُ شَيْئًا كَثِيْرًا، وَجَاءُوْا بِهِ، فَأَكَلْتُ مِنهُ حَتَّى تَرَكْتُهُ، وَحَمِدْتُ اللهَ عَلَى إِجَابَةِ الدُّعَاءِ، وَإِعْطَائِهِ لِمَا خَطَرَ فِي النَّفْسِ. قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ: كُنْتُ جَالِسًا فِي سَطْحٍ أُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَعَيْنَايَ مُغْمَضَتَانِ، فَرَأَيْتُ كَاتِبًا يَكْتُبُ فِي قِرْطَاسٍ أَبْيَضَ بِمِدَادٍ أَسْوَدَ، مَا أَذْكُرُهُ، وَكُلَّمَا قُلْتُ: "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ"، كَتَبَ الكَاتِبُ: "اللَّهُمَّ صَلِّ علَى مُحَمَّدٍ"، فَقُلْتُ لِنَفْسِي: افْتَحْ عَيْنَكَ وَانْظُرْ بِهَا، فَفَتَحْتُ عَيْنَيَّ، فَخَطَفَ عَنْ يَمِيْنِي، حَتَّى رَأَيْتُ (٣) بَيَاضَ ثَوْبِهِ، وَهُوَ شَدِيْدُ البَيَاضِ فِيْهِ صَقَالَةٌ. قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ: مَرِضْتُ مَرَّةً مَرَضًا شَدِيْدًا انْتَهَى بِيَ الأَمْرُ فِيْهِ إِلَى مَقَامٍ (٤) رُفِعْتُ فِيْهِ إِلَى أَرْضٍ ذَاتِ ظِلِّ مَمْدُوْدٍ، وَرَمْلَةٍ دَمِثَةٍ، وَهُوَ أَطْيَبُ مُسْتَلَذٍّ، وَبِجَانِبِ تِلْكَ الرَّمْلَةِ مَاءٌ عَلَى نَحْوِ دِجْلَةَ لَا أَجْرَافَ لَهُ، وَأَنَا أُنَاجِي

стр. 750

فِي سِرِّي بِمَا أُرَاهُ مِنْ اللهِ ، وَفِيْهِ عِتَابٌ لِي عَلَى نَظَرِي إِلَى الخَلْقِ وَعَمَلِي لَهُمْ، وَنَحوِ هَذَا، فَشَرَعْتُ فِي الإِنْكَارِ لِذلِكَ، فَاستَوْحَشْتُ حِيْنَئِذٍ مِنَ الحَيَاةِ وَوَدَدْتُ (١) المَوْتَ كُلَّ الوِدَادِ، حَتَّى كُنْتُ أَقُوْلُ: لَوْ كَانَ الشَّرْعُ يُبِيْحُ قَتْلَ النَّفْسِ كَانَ شَيْئًا طَيِّبًا، ثُمَّ عُرِضَتْ عَلَيَّ أَعْمَالُ الخَيْرِ كُلُّهَا، فَلَمْ تَخْفَ عَلَيَّ كَمَا كَانَتْ تَخْفَى عَلَيَّ، فَوَقَرَ حِيْنَئِذٍ فِي نَفْسِي أَنَّكَ إِنَّمَا كُنْتَ تُرِيْدُ الحَيَاةَ مَعَهُمْ، وَأَعْمَالُ الخَيْرِ لِتَبْلُغَهُمْ، وَنَحْوِ هَذَا، فَاعْتَرَفْتُ حِينَئِذٍ بِمَا كُنْتُ قَدْ نَاكَرْتُ عَلَيهِ، ثُمَّ نُوْجِيْتُ أَيْضًا بِمَا مَعْنَاهُ: إِنَّكَ قَدْ تَخَافُ مِنَ الأَشْيَاءِ، وَإِنَّ دَوَاءَ ذلِكَ كُلَّهُ أَنْ تَدْخُلَ فِي الخَوْفِ مِنْهُ بِالإِيْمَانِ بِأَنَّ كُلَّ مَخْلُوْقٍ لَا يَقْدِرُ إِلَّا عَلَى مَا يُقَدِّرُهُ اللهُ عَلَيْهِ لِوَقْتِهِ، أَوْ نَحْوِ هَذَا. قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ: اتِّبَاعُ السُّنَّةِ سَبَبٌ لِكُلِّ خَيْرٍ، فَإِنِّي صَلَّيْتُ الفَرِيْضَةَ يَوْمًا فِي مَسْجِدِنَا، ثُمَّ قُلْتُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ تُصَلِّيَ السُّنَّةَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الفَرْضِ وَمَضَيْتُ إِلَى البَيْتِ فَصَلَّيْتُهَا (٢) ثُمَّ اشْتَاقَ قَلْبِي إِلَى رُؤْيَةِ اللهِ ، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ أَرِنِي نَفْسَكَ، فَنِمْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَرَأَيْتُهُ ، وَأَنْشَدَ هَذِهِ الأَبْيَاتِ، وَقَالَ: كَانَ ابْنُ سَمْعُونَ (٣) كَثِيْرًا مَا يُنْشِدُهَا:

стр. 751

رَكِبْتُ بِحَارَ الحُبِّ جَهْلًا بِقَدْرِهَا … وَتِلْكَ بِحَارٌ لَا يَفِيْقٌ غَرِيْقُهَا وَسِرْنَا عَلَى رِيْحٍ تَدُلُّ عَلَيْكُمْ … فَبَانَتْ قَلِيْلًا ثُمَّ غَابَ طَرِيْقُهَا إِلَيْكُمْ بِكُمْ أَرْجُو النَّجَاةَ وَمَا أَرَى … لِنَفْسِيَ مِنْهَا سَائِقًا فَيَسُوْقُهَا وَذَكَرَ الوَزِيْرُ فِي كِتَابِهِ "الإِفْصَاحِ" قَالَ: الصَّحِيْحُ عنْدِي: أنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ تَنْتَقِلُ فِي أَفرَادِ العَشْرِ، فَإِنَّهُ حَدَّثَنِي مِنْ أَثِقُ بِه أَنَّهُ رَآهَا فِي لَيْلَةِ سَبعٍ وَعِشْرِيْنَ، وَحَدَّثَنِي أَمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ المُقْتَفِي لِأَمْرِ اللهِ: أَنَّهُ رَآهَا، فَأَمَّا أَنَا فَكُنْتُ فِي لَيْلَةِ إِحْدَى وَعِشْرِيْنَ وَكَانَتْ لَيْلَةَ جُمُعَةٍ، فَوَاصَلْتُ انْتِظَارَهَا بِذِكرِ اللهِ ، وَلَمْ أَنَمْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، فَلَمَّا كَانَ وَقْتُ السَّحَرِ - وَأَنَا قَائِمٌ عَلَى قَدَمَيَّ - رَأَيْتُ فِي السَّمَاءِ بَابًا مَفْتُوْحًا مُرَبَّعًا عَنْ يَمِيْنِ القِبْلَةِ، قَدَّرْتُ أَنَّهُ عَلَى حُجْرَةِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ ، فَبَقِيَ عَلَى حَالِهِ - وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ - نَحْوَ قِرَاءَةِ مَائَةِ آيَةٍ، وَلَمْ يَزَلْ، حَتَّى التَفَتُّ عَنْ يَسَارِي إِلَى المَشْرِقِ لأَنْظُرَ هَلْ طَلَعَ الفَجْرُ؟ فَرَأَيْتُ أَوَّلَ الفَجْرِ، فَالْتَفَتُّ إِلَى ذلِكَ البَابِ فَرَأَيْتُهُ قَدْ ذَهَبَ، وَكَانَ ذلِكَ مِمَّا صَدَّقَ عِنْدِي مَا رَأَيْتُ، فَالظَّاهِرُ مِنْ ذلِكَ تَنَقُّلُهَا فِي لَيَالِي الأَفْرَادِ فِي العَشْرِ، فَإِذَا اتَّفَقَتْ لَيَالِي الجُمَعِ فِي الأَفْرَادِ فَأَجْدَرُ وَأَخْلَقُ بِكَوْنِهَا فِيْهَا. وَكِتَابُ "الإِفْصَاحِ" فِيْهِ فَوائِدُ جَلِيْلَةٌ غَرِيْبَةٌ. وَقَالَ فِيهِ: الخَضِرُ الَّذِي لَقِيَهُ مُوْسَى ﵇ قِيْلَ: كَانَ مَلَكًا، وَقِيلَ: كَانَ بَشَرًا، وَهُوَ الصَّحِيْحُ، ثُمَّ قِيْلَ: إِنَّهُ عَبْدٌ صَالِحٌ لَيْسَ بِنَبِيٍّ، وَقِيْلَ: بَلْ نَبِيٌّ وَهُوَ الصَّحِيْحُ، وَالصَّحِيْحُ عِنْدَنَا أَنَّهُ حَيٌّ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَقِفَ عَلَى بَابِ أَحَدٍ مُسْتَعْطِيًا لَهُ، وَغَيْرِ ذلِكَ؛ لِمَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى

стр. 752

الزَّبَيْدِيُّ، وَذَكَرَ عَنْهُ حِكَايَابٍ تتَضَمَّنُ رُؤْيَةِ الخَضِرِ، وَالاجْتِمَاعِ بِهِ. وَقَالَ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ (١): "لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ بَعْضَكُمْ خَالَجَنِيْهَا" فِيْهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَقْرَأُ المَأْمُوْمُ وَرَاءَ الإِمَامِ. قَالَ: وَهَذا مَحْمُوْلٌ عِنْدِي عَلَى غَيْرِ الفَاتِحَةِ. وَقَالَ: الحَبْسُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ إِلَّا فِي مَوَاضِعَ: أَحَدُهَا: إِذَا سَرَقَ فَقُطِعَت يَمِيْنُهُ، ثُمَّ سَرَقَ فَقُطِعَتْ رِجْلُهُ، ثُمَّ سَرَقَ: حُبِسَ وَلَمْ يُقْطَعْ، فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. الثَانِي: أَمْسَكَ رَجُلٌ رَجُلًا لآخَرَ فَقتَلَهُ حُبِسَ المُمْسِكُ حَتَّى يَمُوْتَ، فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ أَيْضًا. الثَّالِثُ: مَا يَرَاهُ الإِمَامُ كَفًّا لِفَسَادِ مُفْسِدٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى (٢): ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨)﴾ وَمَا يَرَاهُ أَبُو حَنِيْفَةَ فِي قُطَّاعِ الطَّرِيْقِ، فَإِنَّهُ يَحْبِسُهُمْ حَتَّى يَتُوبُوا. فَأَمَّا الحَبْسُ علَى الدَّيْنِ فَمِنَ الأُمُوْرِ المُحْدَثَةِ وَأَوَّلُ مَنْ حَبَسَ فِيْهِ شُرَيْحٌ القَاضِي (٣) وَقَضَتِ السُّنَّةُ فِي عَهْدِ رَسُولِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ

стр. 753

وَعُثْمَانَ: أَنَّهُ لَا يُحْبَسُ علَى الدَّيْنِ، وَلكِنْ يَتَلَازَمُ الخَصْمَانِ. فَأَمَّا الحَبْسُ الَّذِي هُوَ الآنَ فَإِنِّي لَا أَعْرِفُ أَنَّهُ يَجُوْزُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ المُسْلِمِيْنَ، وَذلِكَ أَنَّهُ يُجْمَعُ الكَثِيْرُ فِي مَوْضِعٍ يَضِيْقُ عَنْهُمْ، غَيْرَ مُتَمَكِّنِيْنَ مِنَ الوُضُوْءِ وَالصَّلَاةِ، وَيَتَأَذَّوْنَ بِذلِكَ بِحَرِّهِ وَبَرْدِهِ، فَهَذَا كُلُّهُ مُحَدَثٌ، وَلَقَدْ حَرِصْتُ مِرَارًا عَلَى فَكِّهِ، فَحَالَ دُوْنَهُ مَا قَدْ اعْتَادَهُ النَّاسُ مِنْهُ، وَأَنَا فِي إِزَالَتِهِ حَرِيْصٌ وَاللهُ المُوَفِّقُ. وَقَالَ فِي حَدِيْثِ الزُّبَيْرِ فِي شِرَاجِ (١) الحَرَّةِ: فِيْهِ جَوَازُ أَنْ يَكُوْنَ السَّقْيُ لِلأَوَّلِ، ثُمَّ الَّذِي بَعْدَهُ، إِلَّا أَنَّ هَذَا فِي النَّخْلِ خَاصَّةً، وَمَا يُجرَى مُجَرَاهُ، وَأَمَّا الزَّرْعُ وَمَا لَا يَصْبِرُ عَلَى العَطَشِ أَكْثَرَ مِنْ جُمُعَةٍ وَنَحْوِ ذلِكَ: فَإِنَّ المَاءَ يُتَنَاصَفُ فِيْهِ بِالسَّوِيَّةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى (٢): ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾. وقَالَ فِي سُورَة الضُّحَى: لَمَّا تَوَالَى فِيْهَا قَسَمَانِ، وجَوَابَانِ مُثْبَتَانِ، وَجَوابَانِ نَافِيَانِ. فَالقَسَمَانِ: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾، وَالجَوابَانِ النَّافِيَانِ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾. والجَوَابَانِ المُثْبَتَانِ: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾. ثُمَّ قَرَّرَ بِنَعَمِ ثَلَاثٍ، وَأَتْبَعَهُنَّ بِوَصَايَا ثَلَاثٍ، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الوَصَايَا شُكْرُ النِّعْمَةِ الَّتِي قُوْبِلَتْ بِهَا.

стр. 754

فإِحْدَاهُنَّ: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ وَجَوَابُهَا: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾. وَالثَّانِيَةُ: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧)﴾ فَقَابَلَهَا بِقَوْلِهِ: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠)﴾. وَهَذَا لأَنَّ السَّائِلَ ضَالٌّ يَبْغِي الهُدَى. والثَّالثَةُ: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾ فَقَابَلَهَا بِقَوْلِهِ: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾. وَإِنَّمَا قَالَ: ﴿وَمَا قَلَى (٣)﴾ وَلَمْ يَقُلْ: ﴿وَمَا قَلَاكَ﴾؛ لأَنَّ القِلَى بُغْضٌ بَعْدَ حُبٍّ، وَذلِكَ لَا يَجُوْزُ عَلَى اللهِ تَعَالَى، وَمَا قَلَى أَحَدًا قَطُّ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤)﴾ وَلَمْ يَقُلْ: خَيْرٌ عَلَى الإِطْلَاقِ، وَإِنَّمَا المَعْنَى خَيْرٌ لَكَ وَلِمَنْ آمَنَ بِكَ، وَقَوْلُهُ: ﴿فَآوَى (٦)﴾ وَلَمْ يَقُلْ: فَآوَاكَ؛ لأَنَّهُ أَرَادَ: آوَى بِكَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ. وَقَالَ: أَمَّا كَوْنُ صَوْمِ يَوْمِ "عَرَفَةَ" بِسَنَتَيْنِ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَمَّا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ فِي شَهْرٍ حَرَامٍ بَيْنَ شَهْرَيْنِ حَرَامَيْنِ، كَفَّرَ سَنَةً قَبْلَهُ وَسَنَةً بَعْدَهُ. وَالثَّانِي: إِنَّمَا كَانَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ، وَقَدْ وُعِدَتْ فِي العَمَلِ بِأَجْرَيْنِ، قَالَ تَعَالَى (١) ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾. أَمَّا عَاشُوْرَاءُ: فَقَدْ كَانَتِ الأُمَمُ قَبْلَ هَذِهِ الأُمَّةِ تَصُوْمُهُ، فَفُضِّلَ مَا خُصَّتْ بِهِ هَذِهِ الأُمَّةُ، وَإِنَّمَا كَفَّرَ عَاشُوْرَاءُ السَّنَةَ المَاضِيَةَ؛ لأَنَّهُ تَبِعَهَا وَجَاءَ بَعْدَهَا، وَالتَّكْفِيْرُ بِالصَّوْمِ إِنَّمَا يَكُونُ لِمَا مَضَى لَا لِمَا يَأْتِي. فَأَمَّا يَوْمُ "عَرَفَةَ" فَإِنَّهُ يُكَفِّرُ السَّنَّةَ الَّتِي قَدْ مضَى أَكْثَرُهَا، وَيَزِيْدُ لِمَوْضِعِ فَضْلِهِ بِتَكْفِيْرِ مَا يَأْتِي.

стр. 755

وقَالَ فِي حَدِيْثِ تَفْضِيْلِ صَلَاةِ الجَمَاعَةِ عَلَى صَلَاةِ الفَذِّ: لَمَّا كَانَتْ صَلَاةُ الفَذِّ مُفْرَدَةً أَشْبَهَتِ العَدَدَ المُفْرَدَ، فَلَمَّا جُمِعَتْ مَعَ غَيْرِهَا أَشْبَهَتْ ضَرْبَ العَدَدِ، وَكَانَتْ خَمْسًا فَضُرِبَتْ فِي خَمْسٍ، فَصَارَتْ خَمْسًا وَعِشْرِيْنَ، وَهِيَ غَايَةُ مَا يَرْتَفِعُ إِلَيْهِ ضَرْبُ الشَّيءِ فِي نَفْسِهِ، فَأَمَّا رِوَايَةُ "سَبْعٍ وَعِشْرِيْنَ" فَإِنَّ صَلَاةَ المُنْفَرِدِ وَصَلَاةَ الإِمَامِ أُدْخِلَتَا مَعَ المُضَاعَفَةِ فِي الحِسَابِ. وَقَدْ ذَكَرَ الوَزِيْرُ فِي كَلَامِهِ عَلَى شَرْحِ حَدِيْثِ: "مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِهُ فِي الدِّيْنِ" وَهُوَ الَّذِي أُفْرِدَ مِنْ كِتَابِهِ "الإِفْصَاحِ" فَوَائِدَ غَرِيْبَةً. فَذَكَرَ فِي أَوَّلِ كَلَامِهِ: أَنَّ اخْتِصَاصَ المَسَاجِدِ بِبَعْضِ أَرْبَابِ المَذَاهِبِ بِدْعَةٌ مُحْدَثَةٌ، فَلَا يُقَالُ: هَذِهِ مَسَاجِدُ أَصْحَابِ أَحْمَدَ، فَيُمْتَنَعُ (١) مِنْهَا أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ، وَلَا بِالعَكْسِ؛ فَإِنَّ هَذَا مِنَ البِدَعِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ: (٢) ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَاد﴾ وَهُوَ أَفْضَلُ المَسَاجِدِ. وَأَمَّا المَدَارِسُ فَلَمْ يَقُلْ فِيْهَا ذلِك، بَلْ قَالَ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُضَيَّقَ فِي الاِشْتِرَاطِ عَلَى المُسْلِمِيْنَ فِيْهَا، فَإِنَّ المُسْلِمِيْنَ فِيْهَا إِخْوَةٌ، وَهِيَ مَسَاجِدُ تُبْنَى للهِ تَعَالَى، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي اشْتِرَاطِهَا مَا يَقَعُ لِعِبَادِ اللهِ، فَإِنِّي امْتَنَعْتُ مِنْ دُخُوْلِ مَدْرَسَةٍ شُرِطَ فِيْهَا شُرُوْطٌ لَمْ أَجِدْهَا عِنْدِي، وَلَعَلِّي مُنِعْتُ بِذلِكَ أَنْ أَسْأَلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ أَحْتَاجُ إِلَيْهَا، أَوْ أُفِيْدُ أَوْ أَسْتَفِيدُ. وَحَكَى فِي مَسَائِلِ الخِلَافِ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي المَسْحِ

стр. 756

عَلَى العِمَامَةِ، وَلَا بِحَوَائِلَ الرَّأْسِ، خَاصَّةً إِذَا لَبِسَهَا عَلى طَهَارَةٍ، وَهَذِهِ غَرِيْبَةٌ جِدًّا، لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الأَصْحَابِ حَكَاهَا غَيْرُهُ. وَاخْتَارَ فِيْهِ: اسْتِحْبَابَ الجَمْعِ بَيْنَ الاِسْتِفْتَاحِ؛ "وَجَّهْتُ وَجْهِي" وَ"سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ". وَاخْتَارَ: أنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُزَادَ فِي التَّشَهُّدِ الأَولِ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدِ. وَاخْتَارَ: اسْتِحْبَابَ التَّكْبِيْرِ ثَلَاثًا فِي أَوَّلِ تَكْبِيْرَ العِيْدَيْنِ، وَأَيَّامِ التَّشْرِيْقِ. وَذَكَرَ: أَنَّ الفِصَادَ يُفْطِرُ الصَّائِمَ كَالحِجَامَةِ، وَأنَّهُ مَذْهَبُ أَحْمَدَ. وَكَانَ الوَزِيرُ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - أَدِيْبًا، بَارِعًا، فَصِيْحًا، مُفَوَّهًا، وَقَدْ أَوْرَدَ لَهُ مُصَنَّفُ سِيْرَتِهِ مِنْ رَسَائِلِهِ إِلَى الخُلَفَاءِ وَالمُلُوْكِ، وَالكُتُبِ الَّذِي أَنْشَأَهَا بِأَفْصَحِ العِبَارَاتِ، وَأَجْزَلِ الأَلْفَاظِ مَالَا يَتَّسِعُ هَذَا المَكَانُ لِذِكْرِهِ، وَلَهُ شِعْرٌ كَثِيْرٌ، حَسَنٌ، فِي الزُّهْدِ وَغَيْرِهِ. فَمِمَّا أَنْشَدَهُ ابْنُ الجَوْزِيِّ عَنْهُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي نَاصِحٌ لَكُمُ … فَعُوا كَلَامِي فَإِنِّي ذُو تَجَارِيْبِ لَا تُلْهِيَنَّكُمُ الدُّنْيَا بِزَهْرَتِهَا … فَمَا تدُوْمُ عَلَى حُسْنٍ وَلَا طِيْبِ قَالَ: وَأَنْشَدَنَا لِنَفْسِهِ: يَلَذُّ بِهَذَا العَيْشِ مَنْ لَيْسَ يَعْقِلُ … وَيَزْهُدُ فِيْهِ الأَلْمَعِيُّ المُحَصِّلُ وَمَا عُجْبٌ نَفْسٍ أَن تَرَى الرَّأْيَ إِنَّمَا الـ … ــعَجِيْبَةُ نَفْسٌ مُقْتَضَى الرَّأْيِ تَفْعَلُ إِلَى اللهِ أَشْكُو هِمَّةً دُنْيَوِيَّةً … تَرَى النَّصَّ إِلَّا أَنَّهَا تَتَأَوَّلُ يُنَهْنِهُهَا (١) مَوْتُ النَّبِيْهِ فَتَرْعَوِيْ … وَيَخْدَعُهَا رُوْحُ الحَيَاةِ فَتَغْفُلُ

стр. 757

وَفِي كُلِّ جُزْءٍ يَنْقَضِي مِنْ زَمَانِهَا … مِنَ الجِسْمِ جُزْءٌ مِثْلُهُ يَتَحَلَّلُ فَنَفْسُ الفَتَى فِي سَهْوِهَا وَهِيَ تَنْقَضِي … وَجِسْمُ الفَتَى فِي شُغْلِهِ وَهْوَ يَعْمَلُ قَالَ: وَأَنْشَدَنَا لِنَفْسِهِ: وَالْوَقْتُ أَنْفُسُ مَا عُنِيْتَ بِحِفْظِهِ … وَأُرَاهُ أَسْهَلُ مَا عَلَيْكَ يَضِيْعُ قَالَ: وَأَنْشَدَنَا لِنَفْسِهِ: الحَمْدُ للهِ هَذَا العَيْنُ لَا الأَثَرُ … فَمَا الَّذِي بِاتِّبَاعِ الحَقِّ يُنْتَظَرُ وَقْتٌ يَفُوْتُ وَأَشْغَالٌ مُعَوِّقَةٌ … وَضَعْفُ عَزْمٍ وَدَارُ شَأْنُهَا الغِيَرُ وَالنَّاسُ رَكْضًا إِلَى مَهْوَى مَصَارِعِهِمْ … وَلَيسَ عِنْدَهُمُ مِن رَكْضِهِمْ خَبَرُ تَسْعَى بِهِمْ خَادِعَاتٌ منْ سَلَامَتِهِمْ … فَيَبْلُغُوْنَ إِلَى المَهْوَى وَمَا شَعُرُوا وَالجَهْلُ أَصْلُ فَسَادِ النَّاسِ كُلِّهِمُ … وَالجَهْلُ أَصْلٌ عَلَيْهِ يُخْلَقُ البَشَرُ وَإِنَّمَا العِلْمُ عَنْ ذِي الرُّشْدِ يَطْرَحُهُ … كَمَا عَنِ الطِّفْلِ يَوْمًا يُطْرَحُ السُّرَرُ وَأَصْعَبُ الدَّاءِ دَاءٌ لَا يُحَسُّ بِهِ … كَالدِّقِّ (١) يَضْعَفُ حِسًّا وَهْوَ يَسْتَعِرُ وَإِنَّمَا لَمْ يُحِسُّ المَرْءُ مَوْقِعَهَا … لأَنَّ أجَزَاءَهُ (٢) قَدْ عَمَّهَا الضَّرَرُ وَقَالَ صَاحِبُ سِيْرَتِهِ: سَمِعْتُهُ يَقُوْلُ: لَوْلَا عُمُوْمُ فُقَرَاءِ النَّاسِ مَا اسْتَغْنَوا؛ فَإِنَّ الإِنْسَانَ لَمَّا افْتَقَرَ احْتَالَ، فَسَافَرَ لِجَلْبِ الثِّيَابِ وَالمَطَاعِمِ وَالأَدْوِيَةِ وَالحَطَبِ، وَغَيْرِ ذلِكَ، فَانْتَفَعَ بِذلِكَ المُقِيْمُ فَلَوْ أَنَّ النَّاسَ اسْتغْنَوا عَنِ

стр. 758

الكَسْبِ لَافْتَقَرُوا، لكنَّهُمْ لَمَّا افْتَقَرُوا تَمَّ الغَنَاءُ (١). قَالَ: وَأَنْشَدَنَا لِنَفْسِهِ فِي المَعْنَى. وَقَدْ أَنْشَدَهَا ابْنُ الجَوْزِيِّ عَنْهُ أَيْضًا: جُسُوْمُ لَا يُلَائِمُهَا البَقَاءُ … وَأَجْزَاءُ تَخَلَّلَهَا الثَّوَاءُ وَكَوْنُ الشَّيءِ لَا يَنْفَكُّ يُفْنِي … فَذلِكَ أَنَّ غَايَتَهُ الفَنَاءُ نُكِبُّ علَى التَّكَاثُرِ وَهُوَ فَقْرٌ … وَتُعْجِبُنَا السَّلَامةُ وَهْيَ دَاءُ وَنَجْزَعُ لِلْشَّدَائِدِ وَهْيَ نُصْحٌ … وَتُغْرِيْنَا وَقَدْ عَزَّ الرَّجَاءُ تَنَافَى النَّاسُ فَانْتَفُوا اضْطِرَارًا … وَقَدْ يُرْجَى مِنَ الدَّاءِ الدَّوَاءُ وَعَمَّ الفَقْرُ فَاسْتَغْنَوا وَلَوْلَا … عُمُوْمُ الفَقْرِ مَا عَمَّ الغَنَاءُ قَالَ: وَأَنْشَدَنَا لِنَفْسِهِ: يَلَذُّ بِذِي الدُّنْيَا الغَنِيُّ وَيَطْرَبُ … وَيَزْهَدُ فِيْهَا الأَلْمَعِيُّ المُجَرِّبُ وَمَا عَرَفَ الأَيَّامُ وَالنَّاسُ عَاقِلٌ … وَوُفِّقَ إِلَّا كَانَ فِي اليَوْمِ يَرْغَبُ إِلَى اللهِ أَشْكُو هِمَّةً لَعِبَتْ بِهَا … أَبَاطِيْلُ آمَالٍ تَغُرُّ وَتَخْلُبُ فَوَاعَجبًا مِنْ عَاقِلٍ يَعْرِفُ الدُّنَا … فَيُصْبِحُ فِيْهَا بَعْدَ ذلِكَ يَرْغَبُ قَالَ: وَأَنْشَدَنَا لِنَفْسِهِ - مِمَّا قَالَهُ قَدِيْمًا -: كُلُّ مَنْ جَاءَ (٢) بِدِيْنٍ غَرِيْب … غَيْرَ دِيْنِ الإِسْلَامِ فَهْوَ كَذُوْبُ وَإِذَا عَالِمٌ تَكَلَّفَ فِي القَوْ … لِ سُنَّةً فَذَاكَ المُرِيْبُ قَالَ: وَأَنْشَدَنَا لِنَفْسِهِ:

стр. 759

مَا لَنَا قَطُّ غَيْرُ مَا شَرَعَ اللـ … ــهُ بِهِ يُعْبَدُ الإِلهُ الكَرِيْمُ فَتَمَسَّكْ بِالشَّرعِ وَاعْلَمْ بِأَنَّ الـ … ــحَقَّ فِيْهِ وَمَا سُوَاهُ سُمُوْمُ ومِمَّا يُذْكَرُ مِنْ شِعْرِ الوَزِيْرِ ﵀: تَمَسَّكْ بِتَقْوَى اللهِ فَالمَرْءُ لَا يَبْقَى … وَكُلُّ امْرِئٍ مَا قَدَّمَتْ يَدَهُ يَلْقَى وَلَا تَظْلِمَنَّ النَّاسَ مَا فِي يَدَيْهِمُ … وَلَا تَذْكُرْنَ إِفْكًا وَلَا تَحْسِدَنْ خَلْقَا تَعَوَّدْ فِعَالَ الخَيْرِ جَمْعًا فَكُلَّمَا … تَعَوَّدَهُ الإِنْسَانُ صَارَ لَهُ خُلْقًا وَذَكَرَ يَاقُوْتٌ الحَمَوِيُّ فِي كِتَابِهِ "مُعْجَمِ الأُدَبَاءِ" (١) بِإِسْنَادٍ لَهُ: أَنَّ الوَزِيْرَ عُرِضَتْ عَلَيْهِ جَارِيَةٌ فَائِقَةُ الحُسْنِ، وَظَهرَ لَهُ فِي المَجْلِسِ مِنْ أَدَبِهَا، وَحُسْنِ كِتَابَتِهَا، وَذَكَائِهَا، وَظُرْفِهَا مَا أَعْجَبَهُ، فَأَمَرَ فَاشْتُرِيَتْ لَهُ بِمَائَةٍ وَخَمْسِيْنَ دِيْنَارًا، وَأَمَرَ أَنْ يُهَيَّأ لَهَا مَنْزِلٌ وَجَارِيَةٌ، وَأَنْ يُحْمَلَ لَهَا مِنَ الفُرُشِ وَالآنِيَةِ وَالثِّيَابِ وَجَمِيْعِ مَا تُحْتَاجُ إِلَيْهِ، ثُمَّ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ جَاءَهُ الَّذِي بَاعَهَا، وَشَكَى إِلَيْهِ أَلَمَ فِرَاقِهَا، فَضَحِكَ وَقَالَ لَهُ: لَعَلَّكَ تُرِيْدُ ارْتِجَاعَ الجَارِيَةِ؟ قَالَ: إِيْ وَاللهِ يَا مَوْلَانَا، وَهَذَا الثَّمَنُ بِحَالِهِ لَم أَتَصَرَّفْ فِيْهِ وَأَبْرَزَهُ، فَقَالَ لَهُ الوَزِيْرُ: وَلَا نَحْنُ تَصَرَّفْنَا فِي المُثْمَنِ، ثُمَّ قَالَ لِخَادِمِهِ يُمْنٍ (٢): ادْفَعْ إِلَيْهِ الجَارِيَةَ وَمَا عَلَيْهَا، وَجَمِيْعَ مَا فِي حُجْرَتِهَا، وَدَفَعَ إِلَيْهِ الخِرْقَةَ الَّتِي فِيْهَا الثَّمَنَ،

стр. 760

وَقَالَ: اسْتَعِيْنَا بِهِ عَلَى شَأْنِكُمَا، فَأَكْثَرَا مِنَ الدُّعَاءِ لَهُ، وَأَخَذَهَا (١) وَخَرجَ. وَحُكِيَ عَنِ الوَزِيْرِ أَنَّهُ كَانَ إِذَا مُدَّ السِّمَاطُ فَأَكْثَرُ مَا يَحْضُرُهُ الفُقَرَاءُ وَالعُمْيَانُ، فَلَمَّا كَانَ ذَاتُ يَوْمٍ وَأَكَلَ النَّاسُ وَخَرَجُوا بَقِيَ رَجُلٌ ضَرِيْرٌ يَبْكِي، وَيَقُولُ: سَرَقُوا مَدَاسِي وَمَا لِي غَيْرُهُ، وَاللهِ مَا أَقْدِرُ عَلَى ثَمَنِ مَدَاسٍ، وَمَا بِي إِلَّا أَنْ أَمْشِيَ حَافِيًا وَأُصَلِّي، فَقَامَ الوَزِيْرُ مِنْ مَجْلِسِهِ، وَلَبِسَ مَدَاسَهُ وَجَاءَ إِلَى الضَّرِيْرِ، فَوَقَفَ عِنْدَهُ وَخَلَعَ مَدَاسَهُ وَالضَّرِيْرُ لَا يَعْرِفُهُ، وَقَالَ لَهُ: اِلْبَسْ هَذَا وَأَبْصِرْهُ عَلَى قَدَرِ رِجْلِكَ، فَلَبِسَهُ، وَقَالَ: نَعَمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ كَأَنَّهُ مَدَاسِي، وَمَضَى الضَّرِيْرُ، وَرَجَعَ الوَزِيْرُ إِلَى مَجْلِسِهِ، وَهُوَ يَقُوْلُ: سَلِمْتُ مِنهُ أَنْ يَقُولَ: أَنْتَ سَرَقْتَهُ. وَأَخْبَارُ الوَزِيْرِ ﵀ وَمَنَاقِبُهُ كَثيْرَةٌ جِدًا، وَقَدْ مَدَحَهُ الشُعَرَاءُ فَأَكْثَرُوا. وَقِيْلَ: إِنَّهُ رُزِقَ مِنَ الشُّعَرَاءِ مَا لَمْ يُرْزَقْهُ أَحَدٌ، وَمِنْ أَكَابِرِهمْ: الحَيْصَ بَيْصَ (٢)

стр. 761

وَابْنُ بُخْتِيَارٍ الأَبْلَهُ (١)، وَابْنِ التَّعَاوَيْذِيِّ (٢)، وَالعِمَادُ الكَاتِبُ (٣)، وَأَبُو عَلِيِّ

стр. 762

ابْنُ أَبِي قِيْرَاطٍ (١)، وَمَنْصُوْرٌ النُّمَيْرِيُّ (٢)، وَخَلْقٌ كَثيْرٌ (٣)، حَتَّى قِيْلَ: إِنَّهُ جُمِعَتْ

стр. 763

مِنْ مَدَائِحِهِ مَا يَزِيْدُ عَلَى مَائَتَيْ أَلْفِ قَصِيدَةٍ فِي مُجَلَّدَاتٍ. فَلَمَّا بِيْعَتْ كُتُبُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ اشْتَرَاهَا بَعْضُ الأَعْدَاءِ، فَغَسَلَهَا. وَمِنْ قَوْلِ الحَيْصَ بَيْصَ (١) فِي مَدْحِهِ، رَحِمَهُ الله تَعَالَى: يُفِلُّ عَزْبَ الرَّزَايَا وَهِيَ بَاسِلَةٌ … وَيُوْسِعُ الجَارَ نَصْرًا وَهُوَ مَخْذُوْلُ وَيَشْهَدُ الهَوْلَ (٢) بَسَّامًا وَقَدْ دَمَعَتْ … شُوْسُ العُيُوْنِ فَذَمَّ القَوْمَ إِحْفِيْلُ وَيُتَّقَى مِثْلَ مَا تُرْجَى فَوَاضِلُهُ … وَجُوْدُهُ، فَهْوَ مَرْهُوْبٌ وَمَأْمُوْلُ عَارٍ مِنَ العَارِ كَاسٍ مِن مَنَاقِبِهِ … كَأَنَّهُ مُرْهَفُ الخَدَّيْنِ مَسْلُوْلُ سَهْلُ المَكَارِمِ صَعْبٌ فِي حَفِيْظَتِهِ … فَبَأْسُهُ وَالنَّدَى مُرٌّ وَمَعْسُوْلُ قَالِي الدَّنَايَا وَصَبْوَانُ العُلَى كَلِفٌ … فَالعَارُ وَالمَجْدُ مَقْطُوْعٌ وَمَوْصُوْلُ المَلْكُ يَحْيَى لِذِي قَوْلٍ وَمُعْتَرَكٍ … إِذَا تَشَابَهَ مَقْطُوْعٌ وَمَفْلُوْلُ (٣) يُمْضِي الأَسِنَّةَ وَالأَقْوَالُ مَاضِيَةٌ … فَالحَبْرُ وَالقِرْنُ مَطْرُوْدٌ وَمَفْصُوْلُ جَوَادُ مَجْدٍ لَهُ فِي فَخْرِهِ شَبَهٌ … وَفِيْهِ مِنْ وَاضِحِ العَلْيَاءِ تَحْجِيْلُ يَصِيْدُ وَحْشَ المَعالِي وَهِيَ نَافِرَةٌ … كَأَنَّ مَسْعَاهُ لِلْعَلْيَاءِ أُحْبُوْلُ

стр. 764

وَمِمَّا أَنْشَدَهُ أَبُو الفَتْح بْنُ الأَدِيْبِ (١) في أَوَّلِ يَوْمٍ جَلَسَ فِيهِ الوَزِيْرُ وَقُرِئَ عَهْدُهُ: إِذَا قُلْتَ لَيْثٌ فَهْوَ أَمْضَى عَزِيْمَةً … وَإِنْ قُلْتَ غَيْثٌ فَهُوَ أَنْدَى وَأَجْوَدُ مِنَ القَوْمِ مَا أَبْقَوا سِوَى حُسْنِ ذِكْرِهِمْ … وَمَا عَمَرُوْهُ بِالجَمِيْلِ وَشَيَّدُوا وَصِيَّةُ مَوْرُوْثٍ إلَى خَيْرِ وَارِثٍ … إِذَا سَيِّدٌ مِنْهُمْ خَلَا قَامَ سَيِّدُ (٢) سَيُحْيِيْهُمُ يَحْيَى وَمَا غَابَ غَائِبٌ … إِلَيْهِ أَحَادِيْثُ المَكَارِمِ تُسْنَدُ مَنَاقِبُ تُحْصَى دُوْنَها عَدَدُ الحَصَى … بِهَا يُغْبَطُ الحُرُّ الكَرِيْمُ وَيُحْسَدُ لِيَهْنَ أَمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ اعْتِضَادُهُ … بِرَأْيِكَ وَالآرَاءُ تَهْدِي وَتُرْشِدُ هُوَ المُقْتَفِي أَمْرَ الإِلَهِ وَإِنَّهُ … لَيُصْدِرُ عَنْ أَمْرِ الإِلهِ وَيُوْرِدُ تَمَنَّى وَزِيْرًا صَالِحًا يَكْتَفِي بِهِ … وَأَفْكَارُهُ فِي مِثْلِهِ (٣) تَتَرَدَّدُ دَعَا زكَرِّيَاءُ النَبِيُّ كَمَا دَعَا … إِمَامُ الهُدَى، وَالأَمْرُ بِالأَمْرِ يُعْضَدُ فَخُصَّ بِيَحْيَى بَعْدَمَا خُصَّ بَعْدَهُ … بِيَحْيَى أَمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ مُحَمَّدُ وَهِيَ طَوِيْلَةٌ (٤). وَمِنْ قَصِيْدَةٍ لأَبِي عَلِيِّ بْنِ الفَلَّاسِ الشَّاعِرُ (٥) أَوَّلُهَا:

стр. 765

الحُبُّ يَهْجُرُ وَالطُّيُوْفُ تَزُوْرُ … وَكَأَنَّمَا أَصْلُ الصَّبَابَةِ زُوْرُ طِلْتَ (١) المُلُوْكَ وَقَصَّرُوا عَنْ غَايَةٍ … مَا نَالَهَا كِسْرَى وَلَا سَابُوْرُ وَعَدَلْتَ حَتَّى لَمْ تَدَعْ مِنْ ظَالِمٍ … يَدَهُ عَلى المُسْتَضْعَفِيْنَ تَجُوْرُ فَالأَرْضُ مُشْرِقَةُ بِعَدْلِكَ وَالنَّدَى … وَصَبَاحُ عَدْلِكَ مَالَهُ دَيْجُوْرُ قَدْ رُوِّضَتْ بِالمَكْرُمَاتِ كَأَنَّمَا … كُلُّ البِلَادِ خَوَرْنَقٌ (٢) وَسَدِيْرُ وَلِنَصْرٍ النُّمَيْرِيِّ: (٣) أَعْلَقْتُ منْ يَحْيَى رَجَائِي لِمَنْ … تَحْتَكِمُ الآمَالُ فِي وَفْرِهِ وَكَانَ عَوْنُ الدِّيْنِ أَحْرَى الوَرَى … بِنُصْرَةِ الحُرِّ عَلَى دَهْرِهِ

стр. 766

وَزِيْرُ صِدْقٍ عَمَّ إِحْسَانُهُ … فَأَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى شُكْرِهِ أبَّهَةُ المُلْكِ عَلَى وَجْهِهِ … وَخَشْيَةُ الرَّحْمَنِ فِي سِرِّهِ يُرْبِي عَلَى الغَيْثِ نَدَى كَفِّهِ … وَنَائِلُ المَرْءِ عَلى قَدْرِهِ قَالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: كَانَ الوَزِيْرُ يَتَأَسَّفُ علَى مَا مَضَى مِنْ زَمَانِهِ، ويَنْدَمُ عَلَى مَا دَخَلَ فِيْهِ، ثُمَّ صَارَ يَسْأَلُ اللهَ الشَّهَادَةَ، وَيَتَعَرَّضُ بِأَسْبَابِهَا. وَكَانَ الوَزِيْرُ لَيْسَ بِهِ قَلَبَةٌ (١) فِي يَوْمِ السَّبْتِ ثَانِي عَشَرَ جُمَادَى الأُوَلى سَنةَ سِتِّيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَنَامَ لَيْلَةَ الأَحَدِ فِي عَافِيَةٍ، فَلَمَّا كَانَ وَقْتَ السَّحَرِ قَامَ، فَحَضَرَ طَبِيْبٌ كَانَ يَخْدِمُهُ، فَسَقَاهُ شَيْئًا، فَيُقَالُ: إِنَّهُ سَمَّهُ فَمَاتَ، وَسُقِيَ الطَّبِيْبُ بَعْدَهُ بِنَحْوِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ سُمًّا، فَكَانَ يَقُوْلُ: سُقِيْتَ كَمَا سَقَيْتُ، فَمَاتَ (٢). قَالَ: وَكُنْتُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ رَأَيْتُ فِي النَّوْمِ مَعَ انْشِقَاقِ الفَجْرِ وَالوَزِيْرُ كَأَنَّهُ فِي دَارِهِ، وَدَخَلَ رَجُلٌ بِيَدِهِ حَرْبَةٌ فَضَرَبَهُ بِهَا، فَخَرَجَ الدَّمُ كَالفَوَّارِ فَضَرَبَ الحَائِطَ، وَرَأَيْتُ هُنَاكَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ مُلْقًى، فَلَمَّا اسْتَيْقَظْتُ أَخْبَرْتُ مَنْ مَعِي بِالحَدِيْثِ، فَمَا استَتْمَمْتُهُ حَتَّى جَاءَ الخَبَرُ بِمَوْتِ الوَزِيْرِ، وَنَفَذَ إِلَيَّ مِنْ

стр. 767

دَارِهِ، فَحَضَرْتُ وَأَمَرَنِي وَلَدَاهُ أَنْ أُغَسِّلَهُ فَغَسَّلْتُهُ، فَرَفَعْتُ يَدَهُ لِيَدْخُلَ المَاءَ فِي مَغَابِنِهِ، فَسَقَطَ الخَاتَمُ مِنْ يَدِهِ حَيْثُ رَأَيْتُ ذلِكَ الخَاتَمَ، فَتَعَجَّبْتُ مِنْ وَجْهِهِ، وَرَأَيْتُ فِي وَقْتِ غَسْلِهِ آثَارًا بِوَجْهِهِ وَجَسَدِهِ، تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَسْمُوْمٌ، وَحُمِلَتْ جِنَازَتُهُ يَوْمَ الأَحَدِ إِلَى جَامِعِ القَصْرِ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ حُمِلَ إِلَى مَدْرَسَتِهِ الَّتِي أَنْشَأَهَا بِـ "بَابِ البَصْرَةِ" فَدُفِنَ بِهَا، وَغُلِّقَتْ يَوْمَئِذٍ أَسْوَاقُ "بَغْدَادَ" وَخَرَجَ جَمْعٌ لَمْ نَرَهُ لِمَخْلُوْقٍ قَطُّ فِي الأَسْوَاقِ، وَعَلَى السُّطُوْحِ وَشَاطِئِ "دِجْلَةَ" وَكَثُرَ البُكَاءُ عَلَيْهِ؛ لِمَا كَانَ يَفْعَلُهُ مِنَ البِرِّ، وَيُظْهِرُهُ مِنَ العَدْلِ. وَذَكَرَ مُصَنِّفُ سِيْرَتِهِ أَنَّهُ كَانَ ثَارَ بِهِ بَلْغَمٌ وَهُوَ فِي قَصْرِهِ بِـ "الخَالِصِ" ثُمَّ خَرَجَ مَعَ المُسْتَنْجِدِ لِلْصَّيْدِ، فَسُقِيَ مُسْهِلًا لأَجْلِ البَلْغَمِ، فَاسْتَأْذَنَ الخَلِيْفَةَ فِي الدُّخُوْلِ إِلَى "بَغْدَادَ" لِلتَّدَاوِي، فَأَذِنَ لَهُ، فَدَخَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ فِي مَوْكِبٍ عَظِيْمٍ، وَصَلَّى الجُمُعَةِ، وَحَضَرَ النَّاسُ عِنْدَهُ يَومَ السَّبْتِ، فَلَمَّا كَانَ وَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ يَوْمَ الأَحَدِ عَاوَدَهُ البَلْغَمُ، فَوَقَعَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَصَرَخَ الجَوَارِي، فَأَفَاقَ فَسَكَّتَهُنَّ، وَقِيْلَ لَهُ: إِنَّ أُسْتَاذَ الدَّارِ ابْنَ رَئِيْسِ الرُّؤسَاءِ (١) قَدْ بَعَثَ

стр. 768

جَمَاعَةً لِيَسْتَعْلِمَ مَا هَذَا الصِّيَاحُ؟ فَتَبَسَّمَ الوَزِيْرُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الحَالِ، وَأَنْشَدَ مُتَمَثِّلًا: وَكَمْ شَامِتٍ بِي عِنْدَ مَوْتِيَ جَاهِلٍ … بِظُلْمٍ يَسِلُّ السَّيْفَ بَعْدَ وَفَاتِي وَلَوْ عَلِمَ المِسْكِيْنُ مَاذَا يَنَالُهُ … مِنَ الضُّرِّ بَعْدِي مَاتَ قَبْلَ مَمَاتِي قُلْتُ: وَكَذَا وَقَعَ، فَإِنَّ البَلَدِيَّ (١) الَّذِي تَوَلَّى الوِزَارَةَ بَعْدَهُ لَمْ يُبْقِ مِنَ الأَذَى

стр. 769

لِبَيْتِ رَئِيْسِ الرُّؤَسَاءِ مُمْكِنًا، قَالَ: ثُمَّ تَنَاوَلَ مَشْرُوْبًا فَاسْتَفْرَغَ بِهِ، ثُمَّ اسْتَدْعَى بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ، وَصَلَّى قَاعِدًا، فَسَجَدَ فَأَبْطَأ عَنِ القُعُوْدِ مِنَ السُّجُوْدِ، فَحَرَّكُوهُ فَإِذَا هُوَ مَيِّتٌ، ﵀ وَرَثَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ شُعَرَائِهِ، مِنْهُمْ: النُّمَيْرِيُّ بِقَصَائِدِ، مِنْهَا قَوْلُهُ: (١) أَلْمِمْ عَلَى جَدَثٍ حَوَى … تَاجَ المُلُوْكِ وَقُلْ سَلَامْ وَاعْقِرْ سُوَيْدَاء (٢) الضَّمِيْـ … ـــر فَلَيْسَ يُقْنِعُنِي السَّوَامْ وَتَوَقَّ أَنْ يُثْنِي حَيَا (٣) … ءً دَمْعُ عَيْنِكَ (٤) أَوْ مَلَامْ إِنَّ التَّمَاسُكَ وَالوَقَا … رَ بِمَنْ أُصِيْبَ بِهِ حَرَامْ فَإِذَا ارْتَوَتْ تِلْكَ الجَنَا … دِلُ مِنْ دُمُوعِكَ وَالرَّغَامْ

стр. 770

فَأَقِمْ صُدُوْرَ اليَعْمُلَا … تِ فَبَعْدَ يَحْيَى لَا مَقَامْ ذَهَبَ الَّذِي كَانَتْ تُقَـ … ــيِّدُنِي مَوَاهِبُهُ الجِسَامْ وَإِذَا نَظَرْتُ إِلَيْهِ لَمْ … يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِي السَّآمْ غاضَ النَّدَى (١) الفَيَّاضُ عَنْ … رَاجِيْهِ (٢) واشْتَدَّ الأَوَامْ وَتَفَرَّقَتْ تِلكَ الجُمُوْ … عِ وَقُوِّضَتْ تِلكَ الخِيَامْ وَلَقَدْ عُهِدْتُ أَبَا المُظَّـ … ــفَرِ ذَا عُلًا لَا يُسْتَضَامْ يَثِبُ القُعُوْدَ إِذَا بَدَا … وَيُقَبِّلُ الأَرْضَ القِيَامْ مَا لِلْنُفُوسِ مِنَ الحِمَامِ … إِذَا أَلَمَّ بِهَا اعْتِصَامْ عَجَبًا لِمَنْ يَغْتَرُّ بِالدُّنْـ … ــيَا وَلَيْسَ لَهَا دَوَامْ عُقْبَى مَسَرَّتِهَا الأَسَى … وَعَقِيْبَ صِحَّتِهَا السَّقَامْ انْظُرْ إِلَى أَبْوَابِ عَوْ … نِ الدِّيْنِ يَعْلُوْهَا القَتَامْ وَكَأَنَّ (٣) عَوْنَ الدِّيْنِ لَمْ … يَكُ لِلْزَّمَانِ بِهِ ابْتِسَامْ للهِ مَا عَدِمَتْ بِهِ الدُّ … نْيَا وَمَا حَوَتِ الرِّجَامْ لا غَرْوَ أَنْ أَدْمَى الجُفُوْ … نَ لِفَقْدِكَ الدَّمْعُ السِّجَامْ (٤) إنَّ المَكَارِمَ بَعْدَ مَوْ … تِكَ مَا لِفُرْقَتِهَا الْتِئَامْ

стр. 771

مَا مُتَّ وَحْدَكَ يَوْمَ مُـ … ــتَّ وَإِنَّمَا مَاتَ الأَنَامْ حَيَّاكَ رَقْرَاقُ النَّسِـ … ــيْمِ وَجَادَ مَثْوَاكَ الغَمَامْ يَأْبَى لَكَ الإِحْسَانُ أَنْ (١) … أَنْسَاكَ وَالشِّيَمُ الكِرَامْ وَبِبَعْضِ حَقِّكَ إِنَّ حُزْ … نِي فِيْكَ لَيْسَ لَهُ انْصِرَامْ وَأَنْشَدَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ يَوْمَ مَوْتِهِ: (٢) مَاتَ يَحْيَى وَلَمْ نَجِدْ بَعْدَ يَحْيَى … مَلِكًا مَاجِدًا بِهِ يُسْتَعَانُ وَإِذَا مَاتَ مِنْ زَمَانٍ كَرِيْمٌ … مِثْلَ يَحْيَى بِهِ يَمُوتُ الزَّمَانُ قَالَ مُصَنِّفُ سِيْرَتِهِ: حَدَّثَنِي أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى الفَقِيْهُ الحَنْبَلِيُّ "ثَنِي" (٣) الشَّيْخِ الصَّالِحِ أَبُو عَبْدِ اللهِ بْنُ زُفَرٍ، قَالَ: رَأَيْتُ فِي المَنَامِ - وَأَنَا بِأَرْضِ "جَزِيْرَةِ ابْنِ عُمَرَ" - كَأَنَّ جَمَاعَةً مِنَ المَلَائِكَةِ يَقُوْلُوْنَ لِي: قَدْ مَاتَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ بِـ "بَغْدَادَ" مِنْ أَوْلِيَاءِ اللهِ تَعَالَى فَاسْتَيْقَظْتُ مُنْزَعِجًا، فَحَدَّثْتُ بِالمَنَامِ الجَمَاعَةُ الَّذِيْنَ كَانُوا مَعِي، وَأَرَّخْنَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَلَمَّا قَدِمْتُ "بَغْدَادَ" سَأَلْتُ مَن مَاتَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ؟ فَقِيْلَ لِي: مَاتَ بِهَا الوَزِيْرُ عَوْنُ الدِّيْنِ بْنُ هُبَيْرَةَ.

стр. 772

قَالَ: "ثَنِي" (١) الشَّيْخُ الصَّالِحُ مَحْمُودُ بْنُ النَّعَّالِ (٢) المُقْرِئُ الزَّاهِدُ، قَالَ: كُنْتُ دَائِمًا إذَا ذَكَرْتُ الوَزِيْرَ عَوْنَ الدِّيْنِ بْنَ هُبَيْرَةَ أَقُوْلُ: اللَّهُمَّ هَبْهُ، وَاسْتَوْهِبْ لَهُ. قَالَ: وَمَضَى عَلَى ذلِكَ زَمَانٌ، فَرَأَيْتُ فِي النَّوْمِ كَأَنَّنِي قَدْ دَخْلْتُ إِلَى مَدْرَسَتِهِ لِزِيَارَةِ قَبْرِهِ، وَإِذَا هُوَ قَائِمٌ عَلَى القَبْرِ، فَقَالَ: يَا مَحْمُوْدُ، إنَّ اللهَ وَهَبَنِي وَاسْتَوْهَبَ لِي. وَحَدَّثَنِي الوَزِيْرُ أَبُو شُجَاعٍ مُحَمَّدُ بْنُ الوَزِيْرِ أَبِي مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ قَالَ: كُنْتُ كَثِيْرَ الوُقُوعِ فِي الوَزِيْرِ ابْنِ هُبَيْرَةَ، فَرَأَيْتُهُ فِي المَنَامِ فِي بُسْتَانٍ لَمْ أَرَ لَهُ فِي الدُّنْيَا شَبِيْهًا، وَمَعَهُ مَلَكٌ يَجْنِيَ لَهُ مِنْ ثِمَارِهِ، وَيَتْرُكُ فِي فَمِه، فَهَمَمْتُ بِدُخُوْلِ البُسْتَانِ، فَصَاحَ المَلَكُ عَلَيَّ وَقَالَ: هَذَا البُسْتَانُ قَدْ وَهَبَهُ اللهُ تَعَالَى لِهَذَا بَعْدَ أَنْ غَفَرَ لَهُ، فَلَا سَبِيْلَ لأَحَدٍ أَنْ يَدْخُلَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَاستَيْقَظْتُ مَرْعُوْبًا، وَتُبْتُ إِلَى اللهِ مِنْ ذِكْرِهِ، إِلَّا بِالرَّحْمَةِ عَلَيْهِ، وَالاِسْتِغْفَارِ لَهُ. قَالَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ الوَاحِدِ المُقْرِئُ قَالَ: رَأَيْتُ الوَزِيْرَ بنَ هُبَيْرَةَ فِي النَّوْمِ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ حَالِهِ؟ فَأَجَابَنِي بِهَذَيْنِ البَيْتَيْنِ (٣):

стр. 773

قَدْ سُئِلْنَا عَنْ حَالِنَا فَأَجَبْنَا … بَعْدَ مَا حَالَ حَالُنَا وَحُجِبْنَا فَوَجَدْنَا مُضَاعَفًا مَا كَسِبْنَا … ووَجَدْنَا مُمَحَّصًا مَا اكْتَسَبْنَا وَهَذِهِ الأَبْيَاتُ رَوَاهَا ابْنُ النَّجَّارِ، عَنِ ابْنِ الدُّبَيْثِيِّ، عَنْ أبِي شُجَاعٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ المُؤَدِّبِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا القَاسِمِ السِّلَاحِيَّ قَالَ: رَأَيْتُ الوَزِيْرَ فِي النَّوْمِ فَذَكَرَهَا. قَالَ صَاحِبُ سِيْرَتِهِ: وَلَوْ اسْتَقْصَيْتُ مَا ذُكِرَ لَهُ مِنَ المَنَامَاتِ الصَّالِحَةِ لَجاءَتْ بِمُفْرَدِهَا كِتَابًا ضَخْمًا. أَخْبَرَنا أَبُو المَعَالِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بْنِ أَحْمَدَ الشَّيْبَانِيُّ الزَّاهِدُ (١) - بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ بِـ "بَغْدَادَ" سَنَةَ تِسْعَ وَأَرْبَعِيْنَ وَسَبْعِمَائَةَ - أَخْبَرَنَا الحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللهِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الأَنْجَبَ بنِ الكَسَّارِ - سَمَاعًا - أَخْبَرَنَا العَلَّامَةُ أُسْتَاذُ دَارِ الخِلَافَةِ أَبُو مُحَمَّدٍ يُوسُفُ بْنُ الحَافِظِ أَبِي الفَرَجِ بْنِ الجَوْزِيِّ، أَخْبَرَنَا أَمِيْرُ المُؤْمِنِينَ المُسْتَعْصِمُ بِاللهِ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ بْنِ المُسْتَنْصِرِ بِاللهِ أَبِي جَعْفَرٍ مَنْصُوْرُ بْنِ الظَّاهِرِ بِنِ النَّاصِرِ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الحَسَنُ بْنُ المُبَارَكِ الزَّبِيْدِيُّ. (ح) وَأَخْبَرَنَاهُ - عَالِيًا - أَبُو الفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيْمَ المِصْرِيُّ (٢) بِهَا، أَخْبَرَنَا سَفِيْرُ الخِلَافَةِ أَبُو الفَرَجِ عَبْدِ اللَّطِيْفِ بنُ عَبْدِ المُنْعِمِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَلِيٍّ الحَافِظُ قَالَا: أَخْبَرَنَا الوَزِيْرُ أَبُو المُظَفَّر يَحْيَى بنُ مُحَمَّد بنِ هُبَيْرَة قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى الإمَام المُقْتَفِي لأَمْرِ اللهِ أَمِيْرِ المُؤْمِنِينَ

стр. 774

أَبِي عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدِ بنِ المُسْتَظهِرُ بِاللهِ بنِ المُقْتَدِي، قُلْتُ لَهُ: حَدَّثَكُمْ أَبُو البَرَكَاتِ أَحْمَدُ بنُ عَبْدِ اللهِ السِّيْبِيُّ (١)، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدٍ الصَّيْرَفِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ المُخَلِّصُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيْلُ بنُ العَبَّاسِ الوَرَّاقُ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بنُ عَمْرٍو الرِّبَالِيُّ، أَخْبَرَنَا المُبَارَكُ بنُ سُحَيْمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيْزِ بنُ صُهَيْبٍ، عَنْ أنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ (٢): "لَا يَزْدَادَ الأَمْرُ إلَّا شِدَّةٌ، وَلَا يَزْدَادُ النَّاسُ إِلَّا شُحًّا، وَلَا تَقُوْمُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ النَّاسِ" وَفي هَذَا الإِسْنَادِ سِلْسِلَةٌ عَجِيْبَةٌ بِالخُلَفَاءِ وَالمُلُوْكِ. ١٤٢ - عبْدُ اللهِ بْنُ سَعْدِ (٣) بنِ الحُسَيْنِ بنِ الهَاطِرِ (٤) الوَزَّانُ العَطَارُ، الأَزَجِيُّ،

стр. 775

أَبُو المُعَمَّرِ. كَانَ اسْمُهُ خُزَيْفَةَ (١)، فَغَيَّرَ وَصَارَ (٢) يُكْتَبُ عَبْدَ اللهِ (٣). قَرَأَ القُرْآنَ بِالرِّوَايَاتِ عَلَى أَبِي الخَطَّابِ بنِ الجَرَاحِ، وَغَيْرِهِ، وَسَمِعَ الحَدِيْثَ مِنْ أَبِي الفَضْلِ بْنِ خَيْرُوْنَ، وَأَبِي القَاسِمِ الرَّبَعِيِّ، وَغَيْرِهِمْ (٤). وَتَفَقَّهُ عَلَى أَبِي الخَطَّابِ الكَلْوَذَانِيِّ، وَحَدَّثَ. رَوَى عَنْهُ أَبُو حَفْصٍ السَّهْرَوَرْدِيُّ (٥) فِي "مَشْيَخَتِهِ"، وَغَيْرِهِ. قَالَ الشَّرِيْفُ أَبُو الحَسَنِ الزَّيْدِيُّ (٦) الحَافِظُ: كَانَ مُحِبًّا لِلْرِوَايَةِ صَحِيْحَ السَّمَاعِ. قَالَ: وَتُوُفِّيَ يَوْمَ الاِثْنَيْنِ ثَامِنَ عَشَرَ رَجَبٍ سَنَةَ سِتِّيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَصَلَّى عَلَيْهِ الشَّيْخُ عَبْدُ القَادِرِ مِنَ الغَدِ بِمَدْرَسَتِهِ، وَدُفِنَ بِـ "بَابِ حَرْبٍ". وَكَذَا أَرَّخَهُ القَطِيْعِيُّ فِي "تَارِيْخِهِ". وَوَقَعَ فِي "مَشْيَخَةِ السَّهْرَوَرْدِيِّ": أَنَّه تُوفِّيَ يَوْمَ الأَرْبِعَاءِ تَاسِعَ عَشَرَ رَجَبٍ.
следующие страницы →