← Тараджим

Тараджим · id 31366

ذيل طبقات الحنابلة - لابن رجب - ت العثيمين

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (2 431 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

مَا مُتَّ وَحْدَكَ يَوْمَ مُـ … ــتَّ وَإِنَّمَا مَاتَ الأَنَامْ حَيَّاكَ رَقْرَاقُ النَّسِـ … ــيْمِ وَجَادَ مَثْوَاكَ الغَمَامْ يَأْبَى لَكَ الإِحْسَانُ أَنْ (١) … أَنْسَاكَ وَالشِّيَمُ الكِرَامْ وَبِبَعْضِ حَقِّكَ إِنَّ حُزْ … نِي فِيْكَ لَيْسَ لَهُ انْصِرَامْ وَأَنْشَدَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ يَوْمَ مَوْتِهِ: (٢) مَاتَ يَحْيَى وَلَمْ نَجِدْ بَعْدَ يَحْيَى … مَلِكًا مَاجِدًا بِهِ يُسْتَعَانُ وَإِذَا مَاتَ مِنْ زَمَانٍ كَرِيْمٌ … مِثْلَ يَحْيَى بِهِ يَمُوتُ الزَّمَانُ قَالَ مُصَنِّفُ سِيْرَتِهِ: حَدَّثَنِي أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى الفَقِيْهُ الحَنْبَلِيُّ "ثَنِي" (٣) الشَّيْخِ الصَّالِحِ أَبُو عَبْدِ اللهِ بْنُ زُفَرٍ، قَالَ: رَأَيْتُ فِي المَنَامِ - وَأَنَا بِأَرْضِ "جَزِيْرَةِ ابْنِ عُمَرَ" - كَأَنَّ جَمَاعَةً مِنَ المَلَائِكَةِ يَقُوْلُوْنَ لِي: قَدْ مَاتَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ بِـ "بَغْدَادَ" مِنْ أَوْلِيَاءِ اللهِ تَعَالَى فَاسْتَيْقَظْتُ مُنْزَعِجًا، فَحَدَّثْتُ بِالمَنَامِ الجَمَاعَةُ الَّذِيْنَ كَانُوا مَعِي، وَأَرَّخْنَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَلَمَّا قَدِمْتُ "بَغْدَادَ" سَأَلْتُ مَن مَاتَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ؟ فَقِيْلَ لِي: مَاتَ بِهَا الوَزِيْرُ عَوْنُ الدِّيْنِ بْنُ هُبَيْرَةَ.

стр. 772

قَالَ: "ثَنِي" (١) الشَّيْخُ الصَّالِحُ مَحْمُودُ بْنُ النَّعَّالِ (٢) المُقْرِئُ الزَّاهِدُ، قَالَ: كُنْتُ دَائِمًا إذَا ذَكَرْتُ الوَزِيْرَ عَوْنَ الدِّيْنِ بْنَ هُبَيْرَةَ أَقُوْلُ: اللَّهُمَّ هَبْهُ، وَاسْتَوْهِبْ لَهُ. قَالَ: وَمَضَى عَلَى ذلِكَ زَمَانٌ، فَرَأَيْتُ فِي النَّوْمِ كَأَنَّنِي قَدْ دَخْلْتُ إِلَى مَدْرَسَتِهِ لِزِيَارَةِ قَبْرِهِ، وَإِذَا هُوَ قَائِمٌ عَلَى القَبْرِ، فَقَالَ: يَا مَحْمُوْدُ، إنَّ اللهَ وَهَبَنِي وَاسْتَوْهَبَ لِي. وَحَدَّثَنِي الوَزِيْرُ أَبُو شُجَاعٍ مُحَمَّدُ بْنُ الوَزِيْرِ أَبِي مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ قَالَ: كُنْتُ كَثِيْرَ الوُقُوعِ فِي الوَزِيْرِ ابْنِ هُبَيْرَةَ، فَرَأَيْتُهُ فِي المَنَامِ فِي بُسْتَانٍ لَمْ أَرَ لَهُ فِي الدُّنْيَا شَبِيْهًا، وَمَعَهُ مَلَكٌ يَجْنِيَ لَهُ مِنْ ثِمَارِهِ، وَيَتْرُكُ فِي فَمِه، فَهَمَمْتُ بِدُخُوْلِ البُسْتَانِ، فَصَاحَ المَلَكُ عَلَيَّ وَقَالَ: هَذَا البُسْتَانُ قَدْ وَهَبَهُ اللهُ تَعَالَى لِهَذَا بَعْدَ أَنْ غَفَرَ لَهُ، فَلَا سَبِيْلَ لأَحَدٍ أَنْ يَدْخُلَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَاستَيْقَظْتُ مَرْعُوْبًا، وَتُبْتُ إِلَى اللهِ مِنْ ذِكْرِهِ، إِلَّا بِالرَّحْمَةِ عَلَيْهِ، وَالاِسْتِغْفَارِ لَهُ. قَالَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ الوَاحِدِ المُقْرِئُ قَالَ: رَأَيْتُ الوَزِيْرَ بنَ هُبَيْرَةَ فِي النَّوْمِ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ حَالِهِ؟ فَأَجَابَنِي بِهَذَيْنِ البَيْتَيْنِ (٣):

стр. 773

قَدْ سُئِلْنَا عَنْ حَالِنَا فَأَجَبْنَا … بَعْدَ مَا حَالَ حَالُنَا وَحُجِبْنَا فَوَجَدْنَا مُضَاعَفًا مَا كَسِبْنَا … ووَجَدْنَا مُمَحَّصًا مَا اكْتَسَبْنَا وَهَذِهِ الأَبْيَاتُ رَوَاهَا ابْنُ النَّجَّارِ، عَنِ ابْنِ الدُّبَيْثِيِّ، عَنْ أبِي شُجَاعٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ المُؤَدِّبِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا القَاسِمِ السِّلَاحِيَّ قَالَ: رَأَيْتُ الوَزِيْرَ فِي النَّوْمِ فَذَكَرَهَا. قَالَ صَاحِبُ سِيْرَتِهِ: وَلَوْ اسْتَقْصَيْتُ مَا ذُكِرَ لَهُ مِنَ المَنَامَاتِ الصَّالِحَةِ لَجاءَتْ بِمُفْرَدِهَا كِتَابًا ضَخْمًا. أَخْبَرَنا أَبُو المَعَالِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بْنِ أَحْمَدَ الشَّيْبَانِيُّ الزَّاهِدُ (١) - بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ بِـ "بَغْدَادَ" سَنَةَ تِسْعَ وَأَرْبَعِيْنَ وَسَبْعِمَائَةَ - أَخْبَرَنَا الحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللهِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الأَنْجَبَ بنِ الكَسَّارِ - سَمَاعًا - أَخْبَرَنَا العَلَّامَةُ أُسْتَاذُ دَارِ الخِلَافَةِ أَبُو مُحَمَّدٍ يُوسُفُ بْنُ الحَافِظِ أَبِي الفَرَجِ بْنِ الجَوْزِيِّ، أَخْبَرَنَا أَمِيْرُ المُؤْمِنِينَ المُسْتَعْصِمُ بِاللهِ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ بْنِ المُسْتَنْصِرِ بِاللهِ أَبِي جَعْفَرٍ مَنْصُوْرُ بْنِ الظَّاهِرِ بِنِ النَّاصِرِ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الحَسَنُ بْنُ المُبَارَكِ الزَّبِيْدِيُّ. (ح) وَأَخْبَرَنَاهُ - عَالِيًا - أَبُو الفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيْمَ المِصْرِيُّ (٢) بِهَا، أَخْبَرَنَا سَفِيْرُ الخِلَافَةِ أَبُو الفَرَجِ عَبْدِ اللَّطِيْفِ بنُ عَبْدِ المُنْعِمِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَلِيٍّ الحَافِظُ قَالَا: أَخْبَرَنَا الوَزِيْرُ أَبُو المُظَفَّر يَحْيَى بنُ مُحَمَّد بنِ هُبَيْرَة قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى الإمَام المُقْتَفِي لأَمْرِ اللهِ أَمِيْرِ المُؤْمِنِينَ

стр. 774

أَبِي عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدِ بنِ المُسْتَظهِرُ بِاللهِ بنِ المُقْتَدِي، قُلْتُ لَهُ: حَدَّثَكُمْ أَبُو البَرَكَاتِ أَحْمَدُ بنُ عَبْدِ اللهِ السِّيْبِيُّ (١)، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدٍ الصَّيْرَفِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ المُخَلِّصُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيْلُ بنُ العَبَّاسِ الوَرَّاقُ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بنُ عَمْرٍو الرِّبَالِيُّ، أَخْبَرَنَا المُبَارَكُ بنُ سُحَيْمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيْزِ بنُ صُهَيْبٍ، عَنْ أنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ (٢): "لَا يَزْدَادَ الأَمْرُ إلَّا شِدَّةٌ، وَلَا يَزْدَادُ النَّاسُ إِلَّا شُحًّا، وَلَا تَقُوْمُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ النَّاسِ" وَفي هَذَا الإِسْنَادِ سِلْسِلَةٌ عَجِيْبَةٌ بِالخُلَفَاءِ وَالمُلُوْكِ. ١٤٢ - عبْدُ اللهِ بْنُ سَعْدِ (٣) بنِ الحُسَيْنِ بنِ الهَاطِرِ (٤) الوَزَّانُ العَطَارُ، الأَزَجِيُّ،

стр. 775

أَبُو المُعَمَّرِ. كَانَ اسْمُهُ خُزَيْفَةَ (١)، فَغَيَّرَ وَصَارَ (٢) يُكْتَبُ عَبْدَ اللهِ (٣). قَرَأَ القُرْآنَ بِالرِّوَايَاتِ عَلَى أَبِي الخَطَّابِ بنِ الجَرَاحِ، وَغَيْرِهِ، وَسَمِعَ الحَدِيْثَ مِنْ أَبِي الفَضْلِ بْنِ خَيْرُوْنَ، وَأَبِي القَاسِمِ الرَّبَعِيِّ، وَغَيْرِهِمْ (٤). وَتَفَقَّهُ عَلَى أَبِي الخَطَّابِ الكَلْوَذَانِيِّ، وَحَدَّثَ. رَوَى عَنْهُ أَبُو حَفْصٍ السَّهْرَوَرْدِيُّ (٥) فِي "مَشْيَخَتِهِ"، وَغَيْرِهِ. قَالَ الشَّرِيْفُ أَبُو الحَسَنِ الزَّيْدِيُّ (٦) الحَافِظُ: كَانَ مُحِبًّا لِلْرِوَايَةِ صَحِيْحَ السَّمَاعِ. قَالَ: وَتُوُفِّيَ يَوْمَ الاِثْنَيْنِ ثَامِنَ عَشَرَ رَجَبٍ سَنَةَ سِتِّيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَصَلَّى عَلَيْهِ الشَّيْخُ عَبْدُ القَادِرِ مِنَ الغَدِ بِمَدْرَسَتِهِ، وَدُفِنَ بِـ "بَابِ حَرْبٍ". وَكَذَا أَرَّخَهُ القَطِيْعِيُّ فِي "تَارِيْخِهِ". وَوَقَعَ فِي "مَشْيَخَةِ السَّهْرَوَرْدِيِّ": أَنَّه تُوفِّيَ يَوْمَ الأَرْبِعَاءِ تَاسِعَ عَشَرَ رَجَبٍ.

стр. 776

١٤٣ - إِسْمَاعِيلُ بنُ أَبِي طَاهِرِ (١) بْنِ الزُّبَيْرِ الجِيْلِيُّ، الفَقِيْهُ، أَبُو المَحَاسِنِ. حَدَّثَ بِيَسِيْرٍ عَنْ أَبِي الحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ سَعْدٍ الخَبَّازِ، وَهُوَ حَيٌّ. سَمِعَ مِنْهُ بَعْضُ الطَّلَبَةِ فِي جُمَادَى الآخِرَةِ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِيْنَ وَخَمسِمَائَةَ.

стр. 777

١٤٤ - عَبْدُ القَادِرِ بْنِ أَبِي صَالِحِ (١) بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَنْكِي دَوْست بنِ أَبِي

стр. 778

عَبْدِ اللهِ بْن عَبْدِ اللهِ الجِيْليُّ، ثُمَّ البَغْدَادِيُّ، الزَّاهِدُ، شَيْخُ العَصْرِ، وَقُدْوَةُ العَارِفِيْنَ، وَسُلْطَانُ المَشَايِخِ، وَسَيِّدُ أَهْلِ الطَّرِيْقَةِ فِي وَقْتِهِ، مُحْيِي الدِّينِ أَبُو مُحَمَّدٍ، صَاحِبُ

стр. 779

المَقَامَاتِ وَالكَرَامَاتِ، وَالعُلُوْمِ وَالمَعَارِفِ، وَالأَحْوَالِ المَشْهُورَةِ. وَبَعْضُ النَّاسِ يَذْكُرُ نَسَبَهُ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، فَيَزِيْدُ بَعْدَ أَبِي عَبْدِ اللهِ: ابْنِ يَحْيَى الزَّاهِدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُدَ بْنِ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُوسَى الجَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الحَسَنِ المُثَنى بْنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (١). وُلِدَ سَنَةَ سَبْعِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ - أَوْ سَنَةَ إِحْدَى وَسَبْعِيْنَ - (٢) بِـ "كِيْلَانَ" وَقَدِمَ (٣) "بَغْدَادَ" شَابًّا، فَسَمِعَ بِهَا الحَدِيْثَ مِنْ أَبِي غَالِبِ بْنِ البَاقِلَّانِيِّ، وَجَعْفَرٍ السَّرَّاجِ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ سَوْسَنٍ، وَابْنِ بَيَانٍ، وَأَبِي طَالِبٍ بْنِ يُوسُفَ، وَابْنِ خُشَيْشٍ

стр. 780

وَأُبَيٍّ النَّرْسِيِّ (١)، وَتَفَقَّهَ عَلَى القَاضِي أَبِي سَعْدٍ المَخَرِّمِيِّ (٢)، وَأَبِي الخَطَّابِ الكَلْوَذَانِيِّ. وَقِيْلَ: إِنَّهُ قَرَأَ أَيْضًا عَلَى ابْنِ عَقِيْلٍ، وَالقَاضِيْ أَبِي الحُسَيْنِ، وَبَرَعَ فِي المَذْهَبِ وَالخِلَافِ وَالأُصُوْلِ، وَغَيْرِ ذلِكَ. وَقَرَأَ الأَدَبَ عَلَى أَبِي (٣) زَكَرِيَّا التِّبْرِيْزِيِّ. وَصَحِبَ الشَّيْخَ حَمَّادًا الدَّبَّاسَ الزَّاهِدَ (٤)، وَدَرَّسَ بِمَدْرَسَةِ شَيْخِهِ المَخَرِّمِيِّ، وَأَقَامَ بِهَا إِلَى أَنْ مَاتَ، وَدُفِنَ بِهَا. قَالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: كَانَتْ هَذِهِ المَدْرَسَةُ لَطِيْفَةً، فَفُوِّضَتْ إِلَى عَبْدِ القَادِرِ، فَتَكَلَّمَ عَلَى النَّاسِ بِلِسَانِ الوَعْظِ، وَظَهَرَ لَهُ صِيْتٌ بِالزُّهْدِ. وَكَانَ لَهُ سَمْتٌ وَصَمْتٌ، وَضَاقَتِ المَدْرَسَةُ بِالنَّاسِ، وَكَانَ يَجْلِسُ عِنْدَ سُوْرِ "بَغْدَادَ" مُسْتَنِدًا إِلَى الرِّبَاطِ، وَيَتُوْبُ عِنْدَهُ فِي المَجْلِسِ خَلْقٌ كَثِيْرٌ، فَعُمِرَتِ المَدْرَسَةُ وَوُسِّعَتْ، وَتَعَصَّبَتْ فِي ذلِكَ العَوَامُّ. وَأَقَامَ فِي مَدْرَسَتِهِ يُدَرِّسُ وَيَعِظُ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ. وَذَكَرَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فَقَالَ: إِمَامُ الحَنَابِلَةِ وَشَيْخُهُمْ فِي عَصْرِهِ، فَقِيهٌ صَالِحٌ، دَيِّنٌ، خَيِّرٌ، كَثِيْرُ الذِّكْرِ، دَائِمُ الفِكْرِ، سَرِيْعُ الدَّمْعَةِ، كَتَبْتُ عَنْهُ. وَكَانَ يَسْكُنُ بِـ "بَابِ الأَزَجِ" فِي المَدْرَسَةِ الَّتِي بَنَوا لَهُ. وَسَمِعْتُ أَبَا

стр. 781

الخَيْرِ (١) ابنَ التَّبَّانِ الفَقِيْهَ البَغْدَادِيَّ يَقُوْلُ: إِنَّ مَدْرَسَةَ عَبدِ القَادِرِ كَانَتْ لِلْقَاضِي المَخَرِّمِيِّ، فَلَمَّا فُوِّضَتْ إِلَى عَبْدِ القَادِرِ أَرَادَ أَنْ يُوَسِّعَهَا وَيَعْمُرَهَا. فَكَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَأْتُوْنَهُ بِشَيءٍ فَشَيءٍ إِلَى أَنْ عَمَرَهَا، فَاتَّفَقَ أَنَّ امْرَأَةً مِسْكِيْنَةً جَاءَتْ بِزَوْجِهَا، وَكَانَ زَوْجُهَا مِنَ الفَعَلَةِ الرَّوْزَجَارِيَّةِ، وَقَالَتْ لِعَبْدِ القَادِرِ: هَذَا زَوْجِي، وَلِيْ عَلَيْهِ مِنَ المَهْرِ قَدْرَ عِشْرِيْنَ دِينَارًا، وَوَهَبْتُ لَهُ النِّصْفَ بِشَرْطِ أَنْ يَعْمَلَ فِي مَدْرَسَتِكَ بِالنِّصْفِ البَاقِي، وَقدْ تَرَاضَيْنَا عَلَى هَذَا، فَقَبِلَ الزَّوْجُ ذلِكَ وَأَحْضَرَتِ المَرْأَةُ الخَطَّ وَسَلَّمْتُهُ إِلَى عَبْدِ القَادِرِ، فَكَانَ يَسْتَعْمِلُ الزَّوْجَ فِي المَدْرَسَةِ، وَكَانَ يُعْطِيْهِ يَوْمًا الأُجْرَةَ، وَيَوْمًا لَا يُعْطِيْه؛ لِعِلْمِهِ بِأَنَّ الرَّجُلَ مُحْتَاجٌ فَقِيْرٌ، وَلَا يَمْلِكُ شَيْئًا، إِلَى أَنْ عَلِمَ أَنَّ الزَّوْجَ عَمِلَ بِخَمْسَةِ دَنَانِيْرَ، فَأَخْرَجَ عَبْدُ القَادِرِ الخَطَّ، وَدَفَعَهُ إِلَى الزَّوْجِ، وَقَالَ: أَنْتَ فِي حِلٍّ مِنَ البَاقِي. قُلْتُ: ظَهَرَ الشَّيْخُ عَبْدُ القَادِرِ لِلنَّاسِ، وَجَلَسَ لِلْوَعْظِ بَعْدَ العِشْرِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَحَصَلَ لَهُ القَبُوْلُ التَّامُّ مِنَ النَّاسِ، وَاعْتَقَدُوا دِيَانَتَهُ وَصَلَاحَهُ، وَانْتَفَعُوا بِهِ وَبِكَلَامِهِ وَوَعْظِهِ، وَانْتَصَرَ أَهْلُ السُّنَّةِ بِظُهُوْرِهِ، وَاشْتُهِرَتْ أَحْوَالُهُ، وَأَقْوَالُهُ، وَكَرَامَاتُهُ، وَمُكَاشَفَاتُهُ، وَهَابَهُ المُلُوْكُ فَمَنْ دُونَهُمْ.

стр. 782

قَالَ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّيْنِ صَاحِبُ "المُغْنِي": لَمْ أَسْمَعْ عَنْ أَحَدٍ يُحْكَى عَنْهُ مِنَ الكَرَامَاتِ أَكْثَرَ مِمَّا يُحْكَى عَنِ الشَّيْخِ عَبدِ القَادِرِ (١)، وَلَا رَأَيْتُ أَحَدًا يُعَظَّمُ مِنْ أَجْلِ الدِّيْنِ أَكْثَرَ مِنْهُ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ شَيْخُ الشَّافِعِيَّةِ: (٢) أَنَّهُ لَمْ تَتَوَاتَرْ كَرَامَاتُ أَحَدٍ مِنَ المَشَايِخِ إِلَّا الشَّيْخَ عَبْدَ القَادِرِ، فَإِنَّ كَرَامَاتِهِ نُقِلَتْ بِالتَّوَاتُرِ. قَرَأْتُ بِخَطِّ الإِمَامِ نَاصِحِ الدِّيْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ نَجْمِ بنِ الحَنْبَلِيِّ الدِّمَشْقِيِّ (٣) قَالَ: حَكَى شَيْخُنَا أَبُو الحَسَنِ بْنُ غَرِيْبَةَ الفَقِيْهِ: (٤) أَنَّ الوَزِيْرَ ابنَ هُبَيْرَةَ ﵀ قَالَ لَهُ الخَلِيْفَةُ - يُرِيْدُ: المُقْتَفِي لأَمْرِ اللهِ - قَدْ شَكَى مِنَ الشَّيْخِ عَبْدِ القَادِرِ، وَقَالَ: إِنَّهُ يَسْتَخِفُّ بِي، وَيَذكُرُنِي، وَلَهُ نَخْلَةٌ فِي رِبَاطِهِ، يَتَكَلَّمُ وَيَقُوْلُ: يَا نُخَيْلَةُ لَا تتَعَدَّى أَقْطَعْ رَأْسَكِ، وَإِنَّمَا يُشِيْرُ إِلَيَّ، تَمْضِي إِلَيْهِ وَتَقُوْلُ لَهُ فِي خَلْوَةٍ مَا يَحْسُنُ بِكَ أَنْ تتَعَرَّضَ بِالإِمَامِ أَصْلًا،

стр. 783

وَأَنْتَ تَعْرِفُ حُرْمَةَ الخِلَافَةِ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الحَسَنِ فَذَهَبْتُ إِلَيْهِ، فَوَجَدْتُ عِنْدَهُ جَمَاعَةً، فَجَلَسْتُ أَنْتَظِرُ مِنْهُ خَلْوَةً، فَسَمِعْتُهُ يَتَحَدَّثُ، وَيَقُوْلُ فِي أَثْنَاءِ كَلَامِهِ: نَعَمْ أَقْطَعُ رَأْسَهَا، فَعَلِمْتُ أَنَّ الإِشَارَةَ إِلَيَّ، فَقُمْتُ وَذَهَبْتُ، فَقَالَ لِي الوَزِيْرُ: بَلَّغْتَ؟ فَأَعَدْتُ عَلَيْهِ مَا جَرَى، فَبَكَى الوَزِيْرُ، وَقَالَ: لَا شَكَّ فِي صَلَاحِ الشَّيْخِ عَبْدِ القَادِرِ. وَقَرَأْتُ بِخَطِّ ابْنِ الحَنْبَلِيِّ أَيْضًا: أَنَّ خَالَهُ أَبَا الحَسَنِ بنَ نَجَا الوَاعِظُ (١) اجْتَمَعَ بِالشَّيْخِ عَبْدِ القَادِرِ، وَكَانَ يَحْكِي عَنْهُ، قَالَ: سَبَقْتُ يَوْمَ العِيْدِ إِلَى المُصَلَّى إِلَى المَكَانِ الَّذِي يُصَلِّي فِيْهِ الشَّيْخُ عَبْدُ القَادِرِ، قَالَ: فَجَاءَ الشَّيْخُ عَبْدُ القَادِرِ وَمَعَهُ خَلْقٌ كَثيْرٌ، وَالنَّاسُ يُقَبِّلُوْنَ يَدَهُ فَصَّلَّى رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ؟ فَمِنَ السُّنَّةَ أَنْ لَا يُنْتَفَلَ قَبْلَهَا، قَالَ: فَلَمَّا سَلَّمَ الْتَفَتَ إِلَيَّ وَقَالَ: لَهَا سَبَبٌ. وَنَقَلْتُ مِنْ خَطِّ الإِمَامِ صَفِيِّ الدِّيْنِ عَبْدِ المُؤْمِنِ بْنِ عَبْدِ الحَقِّ البَغْدَادِيِّ (٢). قَالَ: قَرَأْتُ بِخَطِّ الإِمَامِ أَبِي أَحْمَدَ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الجَيشِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُطِيْعٍ البَاجِسْرَائِيُّ قَالَ: كُنْتُ أَجِيءُ مِنْ مَدْرَسَةِ الوَزِيْرِ ابْنِ هُبَيْرَةَ مِنْ "بَابِ البَصْرَةِ" إِلَى الشَّيْخِ عَبْدِ القَادِرِ، فَجِئْتُ فِي بَعْضِ الأَيَّامِ، وَهُوَ كَأَنَّهُ ضَجْرَانُ، فَانْتَهَرَنِي وَقَالَ: قُمْ، فَمَضَيْتُ، فَبَيْنَا أَنَا فِي بَعْضِ الطَّرِيْقِ

стр. 784

أَنْفَذَ خَلْفِي، فَجِئْتُ فَقَالَ: لَمَّا حَرَّدْتُ (١) عَلَيْكَ، وَمَشَيْتُ نِمْتُ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: أَنْتَ مُعَلِّمُ الخَيْرِ، لَا تَضْجَرْ، أَنْتَ مُعَلِّمُ الخَيْرِ، لَا تَضَجَرْ، أَنْتَ مُعَلِّمُ الخَيْرِ، لَا تَضْجَرْ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَالَ: ثُمَّ أَخَذَ عَلَيَّ، وَأَقْرَأَنِي. وَكَانَ الشَّيخُ عَبْدُ القَادِرِ ﵀ فِي عَصْرِهِ مُعَظَّمًا، يُعَظِّمُهُ أَكْثَرُ مَشَايِخِ الوَقْتِ مِنَ العُلَمَاءِ وَالزُّهَّادِ، وَلَهُ مَنَاقِبُ وَكَرَامَاتٌ كَثِيْرَةٌ. وَلكِنْ قَدْ جَمَعَ المُقْرِئُ أَبُو الحَسَنِ الشَّطَّنُوْفِيُّ المِصْرِيُّ (٢) فِي أَخْبَارِ الشَّيْخِ عَبْدِ القَادِرِ وَمَنَاقِبِهِ ثَلَاثُ مُجَلَّدَاتٍ، وَكَتَبَ فِيهَا الطَّمَّ وَالرَّمَّ، وَ"كَفَى بِالمَرْءِ كَذِبًا أَن يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ". وَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ هَذَا الكِتَابِ، وَلَا يَطِيْبُ عَلَى قَلْبِي أَنْ أَعْتَمِدَ عَلَى شَيءٍ مِمَّا فِيهِ فَأَنْقُلَ مِنْهُ إِلَّا مَا كَانَ مَشْهُوْرًا مَعْرُوْفًا مِنْ غَيْرِ هَذَا الكِتَابِ؛ وَذلِكَ لِكَثْرةِ مَا فِيهِ مِنَ الرِّوَايَةِ عَنِ المَجْهُوْلِيْنَ، وَفِيهِ مِنَ الشَّطْحِ وَالطَّامَاتِ وَالدَّعَاوَى وَالكَلَامِ البَاطِلِ مَا لَا يُحْصَى، وَلَا يَلِيْقُ نِسْبَةُ مِثْلِ ذلِكَ إِلَى

стр. 785

الشَّيْخِ عَبْدِ القَادِرِ ﵀ ثُمَّ وَجَدْتُ الكَمَالَ جَعْفَرَ الأُدْفَوِيَّ (١) قَدْ ذَكَرَ أَنَّ الشَّطَّنُوْفِيَّ نَفْسَهُ كَانَ مُتَّهَمًا فِيْمَا يَحْكِيْهِ فِي هَذَا الكِتَابِ بِعَيْنِهِ. وَمِنْ أَحْسَنِ مَا فِي هَذَا الكِتَابِ: مَا ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ عَنْ قَاضِي القُضَاةِ أَبِي عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدِ بْنِ الشَّيْخِ العِمَادِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الوَاحِدِ المَقْدِسِيِّ (٢)، قَالَ: سَمِعْتُ شَيْخَنَا الشَّيْخَ مُوَفَّقَ الدِّيْنِ بْنَ قُدَامَةَ يَقُوْلُ: دَخَلْنَا "بَغْدَادَ" سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، فَإِذَا الشَّيْخُ عَبْدُ القَادِرِ مِمَّنْ انْتَهَتْ إِلَيْهِ الرِّئَاسَةُ بِهَا عِلْمًا، وَعَمَلًا، وَمَالًا، وَاسْتِفْتَاءً، وَكَانَ يَكْفِي طَالِبَ العِلْمَ عَنْ قَصْدِ غَيْرَهُ؛ مِنْ كَثْرَةِ مَا اجْتَمَعَ فِيْهِ مِنَ العُلُوْمِ، وَالصَّبْرِ عَلَى المُشْتَغِلِيْنَ، وَسَعَةِ

стр. 786

الصَّدْرِ، وَكَانَ مِلْءَ العَيْنِ، وَجَمَعَ اللهُ فِيْهِ أَوْصَافًا جَمِيْلَةً، وَأَحْوَالًا عَزِيْزَةً، وَمَا رَأَيْتُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ. وَذَكَرَ فِيْهِ أَيْضًا بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُوَسَى بنِ الشَّيْخِ عَبْدِ القَادِرِ، وَقَالَ: سَمِعْتُ: وَالِدِي يَقُوْلُ: خَرَجْتُ فِي بَعْضِ سِيَاحَاتِي إِلَى البَرِّيَّةِ، وَمَكَثْتُ أَيَّامًا لَا أَجِدُ مَاءً، فَاشْتَدَّ بِي العَطَشُ، فَأَظَلَّتْنِي سَحَابَةٌ، وَنَزَلَ عَلَيَّ مِنْهَا شَيْءٌ يُشْبِهُ النَّدَى، فَتَرَوَّيْتُ بِهِ، ثُمَّ رَأَيْتُ نُوْرًا أَضَاءَ بِهِ الأُفُقَ، وَبَدَتْ لِي صُوْرَةٌ، وَنُوْدِيْتُ مِنْهَا: يَا عَبْدَ القَادِرِ أَنَا رَبُّكَ، وَقَدْ أَحْلَلْتُ لَكَ المُحَرَّمَاتُ - أَوْ قَالَ: مَا حَرَّمْتُ عَلَى غَيْرِكَ - فَقُلْتُ: أَعُوْذُ بِاللهِ مِن الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ، اخْسَأْ يَا لَعِيْنُ، فَإِذَا ذلِكَ النُّوْرُ ظَلَامٌ، وَتِلْكَ الصُّوْرَةُ دُخَانٌ، ثُمَّ خَاطَبَنِي وَقَال: يَا عَبْدَ القَادِرِ، نَجَوْتَ مِنِّي بِعِلْمِكَ بِحُكْمِ رَبِّكَ، وَفِقْهِكَ فِي أَحْوَالِ مُنَازَلَاتِكَ، وَلَقَدْ أَضْلَلْتُ بِمِثْلِ هَذِهِ الوَاقِعَةِ سَبْعِيْنَ مِنْ أَهْلِ الطَّرِيْقِ، فَقُلْتُ: لِرَبِّي الفَضْلُ وَالمِنَّةُ، قَالَ: فَقِيْلَ لَهُ: كَيْفَ عَلِمْتَ أَنَّهُ شَيْطَانٌ؟ قَالَ: بِقَوْلِهِ: "وَقَدْ أَحْلَلْتُ لَكَ المُحَرَّمَاتِ"، وَهَذِهِ الحِكَايَةُ مَشْهُوْرَةٌ عَنِ الشَّيْخِ عَبْدِ القَادِرِ، فَلَيْسَ الاعْتِمَادُ فِيْهَا عَلى نَقْلِ مُصَنِّفِ هَذَا الكِتَابِ. وَذَكَرَ فِي هَذَا الكِتَابِ أَيْضًا مِنْ طَرِيْقِ نَصْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بْنِ عَبْدِ القَادِرِ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: جَاءَتْ فُتْيَا مِنَ العَجَمِ إِلَى "بَغْدَادَ" بَعْدَ أَنْ عُرِضَتْ عَلَى عُلَمَاءِ العِرَاقَيْنِ (١)، فَلَمْ يَتَّضِحْ لأَحَدٍ فِيْهَا جَوَابٌ شَافٍ، وَصُوْرَتُهَا: مَا يَقُوْلُ السَّادَةُ العُلَمَاءُ فِي رَجُلٍ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَعْبُدَ اللهَ عِبَادَةً

стр. 787

يَنْفَرِدُ بِهَا دُوْنَ جَمِيْعِ النَّاسِ فِي وَقْتِ تَلَبُّسِهِ بِهَا، فَمَا يَفْعَلُ مِنَ العِبَادَاتِ؟ قَالَ: فَأُتِيَ بِهَا إِلَى وَالِدِي، فَكَتَبَ عَلَيْهَا عَلَى الفَوْرِ: يَأْتِي "مَكَّةَ" وَيُخْلَى لَهُ، المَطَافُ، وَيَطُوْفُ أُسْبُوْعًا وَحْدَهُ، وَتَنْحَلُّ يَمِيْنُهُ، فَمَا بَاتَ المُسْتَفْتِي بِـ "بَغْدَادَ". فَأَمَّا الحِكَايَةُ المَعْرُوْفَةُ عَنِ الشَّيْخِ عَبْدِ القَادِرِ أَنَّهُ قَالَ: قَدَمِي هَذِهِ عَلَى رَقَبَةِ كُلِّ وَلِيٍّ للهِ، فَقَدْ سَاقَهَا هَذَا المُصَنِّفُ عَنْهُ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ. وَأَحَسَنَ مَا قِيْلَ فِيَ هَذَا الكَلَامِ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَفْصٍ السَّهْرَوَرْدِيُّ (١) فِي "عَوَارِفِهِ" أَنَّهُ مِنْ شَطَحَاتِ الشُّيُوْخِ الَّتِي لَا يُقْتَدَى بِهِمْ فِيْهَا، وَلَا تَقْدَحُ فِي مَقَامَاتِهِمْ وَمَنَازِلِهِمْ، فَكُلُّ أَحَدٍ يُؤْخَذُ عَلَيْهِ مِنْ كَلَامِهِ وَيُتْرَكُ إِلَّا المَعْصُومَ ﷺ وَمَنْ سَاقَ الشُّيُوْخَ المُتَأَخِّرِيْنَ مَسَاقَ الصَّدْرِ الأَوَّلِ، وَطَالَبَهُمْ بِطَرَائِقِهِمْ، وَأَرَادَ مِنْهُمْ مَا كَانَ عَلَيْهِ الحَسَنُ البَصْرِيُّ وَأَصْحَابُهُ مَثَلًا مِنَ العِلْمِ العَظِيْمِ،

стр. 788

وَالعَمَلِ العَظِيْمِ، وَالوَرَعِ العَظِيْمِ، وَالزُّهْدِ العَظِيْمِ، مَعَ كَمَالِ الخَوْفِ وَالخَشْيَةِ، وَإِظْهَارِ الذُّلِّ، وَالحُزْنِ، وَالاِنْكِسَارِ وَالإِزْدِرَاءِ عَلَى النَّفْسِ، وَكِتْمَانِ الأَحْوَالِ وَالمَعَارِفِ، وَالمَحَبَّةِ وَالشَّوْقِ وَنَحْوِ ذلِكَ - فَلَا رَيْبَ أَنَّهُ يَزْدَرِي المُتَأَخِّرِيْنَ، وَيَمْقَتُهُمْ، وَيَهْضِمُ حُقُوْقَهُمْ، فَالأَوْلَى تَنْزِيلُ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ، وَتَوْفِيَتُهُمْ حُقُوْقَهُمْ، وَمَعْرِفَةُ مَقَادِيْرِهِمْ، وَإِقَامَةُ مَعَاذِيْرِهِمْ، وَقَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيءٍ قَدْرًا. وَلَمَّا كَانَ الشَّيْخُ أَبُو الفَرَجِ بْنُ الجَوْزِيِّ، عَظِيْمُ الخِبْرَةِ بِأَحْوَالِ السَّلَفِ، وَالصَّدْرِ الأَوَّلِ قَلَّ مَنْ كَانَ فِي زَمَانِهِ يُسَاوِيْهِ فِي مَعْرِفَةِ ذلِكَ، وَكَانَ لَهُ أَيْضًا حَظٌّ مِنْ ذَوْقِ أَحْوَالِهِمْ، وَقِسْطٌ مِنْ مُشَارَكَتِهِمْ فِي مَعَارِفِهِمْ، كَانَ لَا يَعْذُرُ المَشَايِخَ المُتَأَخِّرِيْنَ فِي طَرَائِقِهِمْ المُخَالَفَةِ لِطَرَائِقِ المُتَقَدِّمِيْنَ، وَيَشْتَدُّ إِنْكَارُهُ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ قِيْلَ: إِنَّهُ صَنَّفَ كِتَابًا يَنْقِمُ فِيْهِ عَلَى الشَّيْخِ عَبْدِ القَادِرِ أَشْيَاءَ كَثِيْرَةً (١). وَلكِنْ قَدْ قَلَّ فِي هَذَا الزَّمَانِ مَنْ لَهُ الخَبْرَةُ التَّامَّةُ بِأَحْوَالِ الصَّدْرِ الأَوَّلِ، وَالتَّمْيِيْزُ بَيْنَ صَحِيحِ مَا يُذْكَرُ عَنْهُمْ مِنْ سَقِيْمِهِ. فَأَمَّا مَنْ لَهُ مُشَارَكَةٌ لَهُمْ فِي أَذْوَاقِهِمْ، فَهُوَ نَادِرٌ النَّادِرِ، وَإِنَّمَا يَلْهَجُ أَهْلُ هَذَا الزَّمَان بِأَحْوَالِ المُتَأَخِّرِيْنَ، وَلَا يُمَيِّزُوْنَ بَيْنَ مَا يَصِحُّ عَنْهُم مِنْ ذلِكَ مِنْ غَيْرِهِ، فَصَارُوا يَخْبُطُوْنَ خَبْطَ عَشْوَاءَ فِي ظَلْمَاءَ، وَاللهُ المُسْتَعَانُ. وَلِلْشَّيْخِ عَبْدِ القَادِرِ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - كَلَامٌ حَسَنٌ فِي التَّوْحِيْدِ، وَالصِّفَاتِ، وَالقَدَرِ، وَفِي عُلُوْمِ المَعْرِفَةِ مُوَافِقٌ لِلْسُّنَّةِ، وَلَهُ كِتَابُ "الغُنْيَةِ

стр. 789

لِطَالِبِي طَرِيْقِ الحَقِّ" وَهُوَ مَعْرُوفٌ (١)، وَلَهُ كِتَابٌ "فُتُوْحِ الغَيْبِ" (٢) وَجَمَعَ أَصْحَابَهُ مِنْ مَجَالِسِهِ فِي الوَعْظِ كَثيْرًا، وَكَانَ مُتَمَسِّكًا فِي مَسَائِلِ الصِّفَاتِ، وَالقَدَرِ، وَنَحْوِهِمَا بِالسُّنَّةِ مُبَالِغًا (٣) فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ خَالَفَهَا، قَالَ فِي كِتَابِهِ "الغُنْيَةِ" المَشْهُورِ: وَهُوَ بِجِهَةِ العُلُوِّ، مُسْتَوٍّ عَلَى العَرْشِ، مُحْتَوٍ علَى المُلْكِ، مُحِيْطٌ عِلْمُهُ بِالأَشْيَاءِ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (٤) ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥)﴾ (٥) وَلَا يَجُوزُ وَصْفُهُ بِأَنَّهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، بَلْ يُقَالُ: إِنَّهُ فِي السَّمَاءِ عَلَى العَرْشِ، كَمَا قَالَ: (٦) ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ وَذَكَرَ آيَاتٍ وَأَحَادِيْثَ، إِلَى أَنْ قَالَ: وَيَنْبَغِي إِطْلَاقُ صِفَةِ الاِسْتِوَاءِ مِنْ غَيْرِ تَأْوِيْلٍ، وَأَنهُ اسْتِوَاءُ الذَّاتِ عَلَى العَرْشِ. قَالَ: وَكَوْنُهُ عَلَى

стр. 790

العَرْشِ مَذْكُوْرٌ فِي كُلِّ كِتَابٍ أُنْزِلَ عَلَى كُلِّ نَبِيٍّ أُرْسِلَ، بِلَا كَيْفٍ، وَذَكَرَ كَلَامًا طَوِيْلًا، وَذَكَرَ نَحْوَ هَذَا فِي سَائِرِ الصِّفَاتِ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ الصَّرْصَرِيُّ، الشَّاعِرُ المَشْهُوْرُ (١)، عَنْ شَيْخِهِ العَارِفِ عَلِيِّ بْنِ إِدْرِيسَ (٢) أَنَّهُ سَأَلَ الشَّيْخُ عَبْدِ القَادِرِ فَقَال: يَا سَيِّدِي هَلْ كَانَ للهِ وَلِيٌّ عَلَى غيْرِ اعْتِقَادِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ؟ فَقَالَ: مَا كَانَ، وَلَا يَكُوْنُ. وَقدْ نَظَمَ ذلِكَ الشَّيْخُ يَحْيَى فِي "قَصِيْدَتِهِ" (٣)، قَالَ: الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّيْنِ

стр. 791

أَبُو العَبَّاسِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ ﵀ حَدَّثَنِي الشَّيْخُ عِزُّ الدِّيْنِ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيْمَ الفَارُوْثِيِّ (١)، أَنَّهُ سَمِعَ الشَّيْخَ شِهَابَ الدِّيْنِ عُمَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ السَّهْرَوَرْدِيَّ، صَاحِبَ "العَوَارِفِ" قَالَ: كُنْتُ قَدْ عَزَمْتُ عَلَى أَنْ أَقْرَأَ شَيْئًا مِنْ عِلْمِ الكَلَامِ، وَأَنَا مُتَرَدِّدٌ هَلْ أَقْرَأُ "الإِرْشَادَ" لإِمَامِ الحَرَمَيْنِ، أَوْ "نِهَايَةِ الإِقْدَامِ" لِلْشِّهْرِسْتَانِيِّ، أَوْ كِتَابًا آخَرَ ذَكَرَهُ؟ فَذهَبْتُ مَعَ خَالِي أَبِي النَّجِيْبِ، وَكَانَ يُصَلِّي بِجَنْبِ الشَّيْخِ عَبْدِ القَادِرِ، قَالَ: فَالتَفَتَ الشَّيْخُ عَبْدُ القَادِرِ، وَقَالَ لِي: يَا عُمَرُ، مَا هُوَ مِنْ زَادَ القَبْرِ، مَا هُوَ مِنْ زَادِ القَبْرِ، فرَجَعْتُ عَنْ ذلِكَ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّيْنِ: وَرَأَيْتُ هَذِهِ الحِكَايَةَ مُعَلَّقَةً بِخَطِّ الشَّيْخِ مُوَفَّقِ الدِّيْنِ ابْنِ قُدَامَةَ المَقْدِسِيِّ ﵀ انْتَهَى.

стр. 792

وَقَالَ ابْنُ النَّجَّارِ فِي "تَارِيخهِ" سَمِعتُ عُمَرَ بنَ مُحَمَّدٍ السَّهْرَوَرْدِيَّ، شَيْخَ الصُّوْفِيَّةِ يَقُوْلُ: كُنْتُ أَتَفَقَّهُ فِي شَبَابِي بالمَدْرَسَةِ النِّظَامِيَّةِ، فَخَطَرَ لِي أَنْ أَقْرَأَ شَيْئًا مِنْ عِلْمِ الكَلَامِ، وَعَزَمْتُ عَلَى ذَلِكَ فِي نَفْسِي مِنْ غَيْرِ أَنْ أَتَكَلَّمَ بِهِ، وَاتَّفَقَ أنِّي صَلَّيْتُ يَوْمَ الجُمُعَةِ مَعَ عَمِّي أَبِي النَّجِيْبِ فِي الجَامِعِ، فَحَضَرَ عِنْدَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ القَادِرُ مُسَلِّمًا، فَسَأَلَهُ عَمِّي الدُّعَاءَ لِيْ، وَذَكَرَ لَهُ أَنِّي مُشْتَغِلٌ بِالفِقْهِ، قَالَ: وَقُمْتُ وَقَبَّلْتُ يَدَهُ فَأَخَذَ بِيَدِي وَقَالَ: تُبْ مِمَّا عَزَمْتَ عَلَى الاِشْتِغَالِ بِهِ، فَإِنَّكَ تُفْلِحُ، ثُمَّ سَكَتَ وَتَرَكَ يَدِيْ، قَالَ: وَلَمْ يَتَغَيَّرْ عَزْمِي عَنِ الاِشْتِغَالِ، حَتَّى تَشَوَّشَتْ عَلَيَّ جَمِيْعُ أَحْوَالِي، وَتَكَدَّرَ وَقْتِي عَلَيَّ، فَعَلِمْتُ أَنَّ ذلِكَ لِمُخَالَفَةِ الشَّيْخِ، قَالَ: فَتُبْتُ إِلَى اللهِ مِنْ ذلِكَ اليَوْمِ، وَرَجَعْتُ عَنْهُ، فَصَلَحَتْ حَالِي، وَطَابَ قَلْبِي. وَنَقَلْتُ مِنْ خَطِّ السَّيْفِ بْنِ المَجْدِ الحَافِظِ (١): سَمِعْتُ الشَّيْخَ الزَّاهِدَ عَلِيَّ بْنَ سَلْمَانَ البَغْدَادِيَّ، المَعْرُوْفَ بِـ "الخَبَّازِ" (٢) بِرِبَاطِهِ بِالجَانِبِ الغَرْبِيِّ مِنْ "بَغْدَادَ" يَحْكِي عَنِ الشَّيْخِ عَبْدِ القَادِرِ الجيْلِيِّ، وَنَاهِيْكَ بِهِ، فَإِنَّهُ صَاحِبُ المُكَاشَفَاتِ، وَالكَرَامَاتِ الَّتِي لَمْ تُنْتَقَلْ لأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ عَصْرِهِ، أَنَّهُ قَالَ: لَا يَكُوْنُ وَلِيٌّ للهِ تَعَالَى إِلَّا عَلَى اعتِقَادِ أَحْمَدَ، ﵁.

стр. 793

قَالَ الحَافِظُ ابْنُ النَّجَّارِ: كَتَبَ إِلَيَّ عَبْدُ الله بْنُ أَبِي الحَسَنِ الجُبَّائِيُّ (١)، وَنَقَلتُهُ مِن خَطِّهِ قَالَ: كَانَ شَيْخُنَا عَبْدُ القَادِرِ الجِيْلِيُّ يَقُوْلُ: الخَلْقُ حِجَابُكَ عَنْ نَفْسِكَ، وَنَفْسِكَ حِجَابُكَ عَنْ رِبِّكَ، مَا دُمْتَ تَرَى الخَلْقَ لَا تَرَى نَفْسَكَ، وَمَا دُمْتَ تَرَى نَفْسَكَ لَا تَرَى رَبَّكَ، وَقَالَ: مَا ثَمَّ إِلَّا خَلْقٌ وَخَالِقٌ، فَإِنِ اخْتَرْتَ الخَالِقَ فَقُلْ كَمَا قَالَ (٢): ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧)﴾ ثُمَّ قَالَ: مَنْ ذَاقَهُ فَقَدْ عَرَفَهُ، فَاعْتَرَضَهُ سَائِلٌ، فَقَالَ: يَا سَيِّدِي، مَنْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ مَرَارَةُ الصَّفْرَاءِ كَيْفَ يَجِدُ حَلَاوَةَ الذَّوْقِ؟ قَالَ: يَتَعَمَّدُ قَيْئَ الشَّهَوَاتِ مِنْ قَلْبِهِ، وَقَالَ: طَالَبَتْنِي نَفْسِي يَوْمًا بِشَهْوَةٍ مِنَ السُّوْقِ، فَكُنْتُ أُدَافِعُهَا، وَأَخْرُجُ مِنْ دَرْبٍ إِلَى دَرْبٍ، وَأَطْلُبُ الصَّحَارَى. فَبَينَا أَنَا أَمْشِي إِذْ رَأَيْتُ وَرَقَةً فَأَخَذْتُهَا، فَإِذَا فِيْهَا مَكْتُوبٌ مَا لِلأَقْوِيَاءِ وَالشَّهَوَاتِ؟ إِنَّمَا هِيَ لِلْضُّعَفَاءِ منْ عِبَادِي، لِيَتَقَوَّوا بِهَا عَلَى طَاعَتِي، فَخَرَجَتْ تِلْكَ الشَّهْوَةِ مِنْ قَلْبِي، قَالَ: وَكُنْتُ أَقْتَاتُ بِخَرْنُوْبِ الشَّوْكِ، وَقُمَامَةِ البَقْلِ، وَوَرَقِ الخَسِّ مِنْ جَانِبِ النَّهْرِ وَالشَّطِّ، وَبَلَغَتِ الضَّائِقَةَ فِي غَلَاءٍ نَزَلَ بِـ "بَغْدَادَ" إِلَى أَنْ بَقِيْتُ أَيَّامًا لَمْ آكُلْ فِيْهَا طَعَامًا، بَلْ كُنْتُ أَتَتَبَّعُ المَنْبُوذَاتِ أَطْعَمُهَا، فَخَرَجْتُ يَوْمًا مِنْ شِدَّةِ الجُوْعِ إِلَى الشَّطِّ لَعَلِّي أَجِدُ وَرَقَ الخَسِّ أَوِ البَقْلِ، أَوْ غَيْرَ ذلِكَ فَأَتَقَوَّتُ بِهِ، فَمَا ذَهَبْتُ إِلَى مَوْضِعِ إِلَّا وَغَيْرِي قَدْ سَبَقَنِي إِلَيْهِ، وَإِنْ وَجَدْتُ أَجِدُ الفُقَرَاءَ

стр. 794

يَتَزَاحَمُونَ عَلَيْهِ فَأتْرُكَهُ حَياءً (١)، فَرَجَعْتُ أَمْشِي وَسْطَ البَلَدِ، فَلَا أُدْرِكُ مَنْبُوْذًا إِلَّا وَقَدْ سُبِقْتُ إِلَيْهِ، حَتَّى وَصَلْتُ إِلَى مَسْجِدِ يَانِس (٢) بِسُوْقِ الرَّيَاحِيْنَ (٣) بِـ "بَغْدَادَ" وَقَدْ أَجْهَدَنِي الضَّعْفُ، وَعَجَزْتُ عَنِ التَّمَاسُكِ، فَدَخَلتُ إِلَيْهِ وَقَعَدْتُ فِي جَانِبٍ مِنْهُ، وَقَدْ كِدْتُ أُصَافِحُ المَوْتَ، إِذْ دَخَلَ شَابٌّ أَعْجَمِيٌّ وَمَعَهُ خُبْزٌ صَافِي (٤) وَشِوَاءٌ، وَجَلَسَ يَأْكُلُ، فَكُنْتُ أَكَادُ كُلَّمَا رَفَعَ يَدَهُ بِاللُّقْمَةِ أَنْ أَفْتَحَ (٥) فَمِي مِنْ شِدَّةِ الجُوعِ، حَتَّى أَنكَرْتُ ذلِكَ عَلَى نَفْسِي، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ وَقُلْتُ: مَا هَهُنَا إِلَّا اللهُ، أَوْ مَا قَضَاهُ مِنَ المَوْتِ، إِذْ التَفَتَ إِليَّ العَجَمِيُّ فَرَآنِي، فَقَالَ: بِسْمِ اللهِ يَا أَخِي، فَأَبَيْتُ فَأَقْسَمَ عَلَيَّ فَبَادَرَتْ نَفْسِي فَخَالفْتُهَا، فَأَقْسَمَ أَيْضًا، فَأَجَبْتُهُ، فَأَكَلْتُ مُتَقَاصِرًا، فَأَخَذَ يَسْأَلُنِي: مَا شُغْلُكَ؟ وَمِنْ أَيْنَ أَنْتَ؟ وَبِمَنْ تَعْرِفُ؟ فَقُلْتُ: أَنَا مُتَفَقِّهٌ مِنْ "جِيْلَانَ" فَقَالَ: وَأَنَا مِنْ "جِيْلَانَ" فَهَلْ تَعْرِفُ شَابًّا جِيلَانِيًّا يُسَمَّى عَبْدَ القَادِرِ، يُعْرَفُ بِسَبْطِ أَبِي عَبْدِ اللهِ الصَّوْمَعِيِّ الزَّاهِدِ؟ فَقُلْتُ: أَنَا هُوَ، فَاضْطَرَبَ وَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ، وَقَالَ: وَاللهِ لَقَدْ وَصَلْتُ إِلَى "بَغْدَادَ" وَمَعِي بَقِيَّةُ نَفَقَةٍ لِيْ، فَسَأَلْتُ عَنْكَ فَلَمْ يُرْشِدْنِي أَحَدٌ، وَنَفِذَتْ

стр. 795

نَفَقَتِي، وَلِيْ ثَلَاثَةُ أَيَّامِ لَا أَجِدُ ثَمَنَ قُوْتِي، إِلَّا مِمَّا كَانَ لَكَ مَعِي، وَقَدْ حَلَّتْ لِي المَيْتَةُ، وَأَخَذْتُ مِنْ وَدِيْعَتِكَ هَذَا الخُبْزَ وَالشِّوَاءَ، فَكُلْ طَيِّبًا، فَإِنَّمَا هُوَ لَكَ، وَأَنَا ضَيْفُكَ الآنَ، بَعْدَ أَنْ كُنْتَ ضَيْفِي، فَقُلْتُ لَهُ: وَمَا ذَاكَ؟ فَقَالَ: أُمُّكَ وَجَّهَتْ لَكَ مَعِي ثَمَانِيَةُ دَنَانِيْرَ، فَاشْتَرَيتُ مِنْهَا هَذَا لِلْاضْطِرَارِ، فَأَنَا مُعْتَذِرٌ إِلَيْكَ، فَسَكَّتُهُ، وَطَيَّبْتُ نَفْسَهُ، وَدَفَعْتُ إِلَيْهِ بَاقِي الطَّعَامِ، وَشَيْئًا مِنَ الذَّهَبِ بِرَسْمِ النَّفَقَةِ، فَقَبِلَهُ وانْصَرَفَ. قَالَ وَكُنْتُ أُعَامِلُ بَقْلِيًّا كُلُّ يَوْمٍ بِرَغِيْفٍ وَبَقْلٍ، فَبَقِيَ لَهُ عَلَيَّ، فَضِقْتُ وَمَا أُقْدِرُ عَلَى مَا أُوَفِّيْهِ، فَقِيْلَ لِي: امْضِ إِلَى المَكَانِ الفُلَانِيِّ، فَمَضَيتُ فَوَجَدْتُ قِطْعَةُ ذَهَبٍ، فَوَفَيْتُ بِهَا البِقْلِيُّ، فَكُنْتُ أَشْتَغِلُ بِالعِلْمِ، فَيَطْرُقُنِي الحَالُ، فَأَخْرَجَ إِلَى الصَّحَارَى، لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَأَصْرَخُ وَأَهُجُّ (١) عَلَى وَجْهِي، فَصَرَختُ لَيْلَةً، فَسَمِعَنِي العَبَّارُوْنَ، فَفَزِعُوا، وَجَاءُوا فَعَرَفُوْنِي، فَقَالُوا: عَبْدُ القَادِرِ المَجْنُوْنُ، أَفْزَعْتَنَا، وَكَانَ رُبَّمَا أُغْشِيَ عَلَيَّ، فَيَغْسِلُوْنِي وَيَحْسَبُوْنَ أَنِّي مِتُّ، مِنَ الحَالِ الَّتِي تَطْرُقُنِي، وَرُبَّمَا أَرَدْتُ الخُرُوْجَ مِنْ "بَغْدَادَ" فَيُقَالُ لِيْ: ارْجِعْ، فَإِنَّ لِلْنَّاسِ فِيْكَ مَنْفَعَةٌ. وَذُكِرَ عَنِ ابْنِ الخَشَّابِ قَالَ: كُنْتُ أَشْتَغِلُ بِالعَرَبِيَّةِ، وَأَسْمَعُ بِمَجْلِسِ عَبْدِ القَادِرِ فَلَا أَتَفَرَّغُ لَهُ، فَجِئْتُ يَوْمًا فَسَمِعْتُهُ ثُمَّ قُلْتُ: ضَاعَ اليَوْمُ مِنِّي، فَقَالَ عَلَى المِنْبَرِ: وَيْلَكَ، تُفَضِّلُ الاِشْتِغَالِ بِالنَّحْوِ عَلَى مَجَالِسِ الذِّكْرِ، وَتَخْتَارُ ذلِكَ؟ إِصْحَبْنَا، نُصَيِّرَكَ سِيْبَوَيْهِ، فَقُلْتُ: إِنَّهُ

стр. 796

يُعْنِيْنِي بِكَلَامِهِ، أَوْ كَمَا قَالَ. قَالَ ابنُ النَّجَّارِ: وَسَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ الأَخْفَشَ (١) يَقُولُ: كُنْتُ أَدْخُلُ عَلَى الشَّيْخِ عَبْدِ القَادِرِ فِي وَسَطِ الشِّتَاءِ وَقُوَّةِ بَرْدِهِ، وَعَلَيْهِ قَمِيْصٌ وَاحِدٌ، وَعَلَى رَأْسِهِ طَاقِيَةٌ، وَالعَرَقُ يَخْرُجُ مِنْ جَسَدِهِ، وَحَوْلَهُ مَنْ يُرَوِّحُهُ، بِالمَرْوَحَةِ كَمَا يَكُوْنُ فِي شدَّةِ الحَرِّ (٢). وَأَخْبَارُ الشَّيْخِ عَبْدِ القَادِرِ كَثِيْرَةٌ، اقتَصَرْنَا مِنْهَا عَلَى هَذَا. قَالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: تُوُفِّيَ الشَّيْخُ عَبْدُ القَادِرِ، لَيْلَةَ السَّبْتِ ثَامِنَ - وَقَالَ غَيْرُهُ: تَاسِعَ - رَبِيْعٍ الآخِرِ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، بَعْدَ المَغْرِبِ، وَدُفِنَ منْ وَقْتِهِ بِمَدْرَسَتِهِ، وَبَلَغَ تِسْعِيْنَ سَنَةً. وَسَمِعْتُ أَنَّهُ كَانَ يَقُوْلُ عِنْدَ مَوْتِهِ: رِفْقًا رِفْقًا، ثُمَّ يَقُوْلُ: وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ، وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ، أَجِيءُ إِلَيْكُمْ، أَجِيءُ إِلَيْكُمْ. وَسَمِعتُ مَنْ يَحْكِي أَنَّهُ قَالَ عِنْدَ مَوْتِهِ: أَنَا شَيْخٌ كَبِيْرٌ، مَا وَعَدَنَا بِهَذَا. قَالَ غَيْرُهُ: صَلَّى عَلَيْهِ وَلَدُهُ عَبْدُ الوَهَّابِ (٣)، وَقَبْرُهُ ظَاهِرٌ يُزَارُ بِمَدْرَسَتِهِ بِـ "بَغْدَادَ" - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -. وَرَثَاهُ نَصْرٌ النُّمَيْرِيُّ - غَدَاةَ دَفْنِهِ - بِقَصِيْدَةٍ أَوَّلُهَا (٤).

стр. 797

مُشْكِلُ الأَمْرِ ذَا الصَّبَاحُ الجَدِيْدُ … مَا لَهُ ذَاكَ السَّنَا المَعْهُوْدُ وَمَرَامِي الأَبْصَارِ مِنْ كُلِّ قُطْرٍ … مُظْلِمَاتٌ عَلَى النَّوَاظِرِ سُوْدُ مَطْلَعُ الشَّمْسِ فِيْهِ دَاجٍ كَأَنْ قَدْ … كُوِّرَتْ أَوْ أَتَى عَلَيْهَا خُمُوْدُ أَتُرَى حَلَّتِ المُنُوْنَ بِمُحْيِيْ الدِّيْـ … ــنِ حَقًّا فَمَا لِنُوْرِهِ [مِنْ] (١) خُمُوْدِ مَا أَرَى الأَمْرَ غَيْرَ ذَاكَ وَلنْ يُوْ … جَدُ حَبْرٌ (٢) وَمِثْلُهُ مفْقُوْدُ ذُو المَقَامِ العَلِيِّ فِي الزُّهْدِ وَلَا … يُنْكِرُ قَوْلَ المُحِبِّ فِيهِ الحَسُوْدُ وَالفَقِيْهُ الَّذِي تَعَذَّرَ أَنْ يُـ … ــلْفَى (٣) لَهُ فِي الوَرَى جَمِيْعًا نَدِيْدُ تَتَرَامَى إِلَيْهِ فِي العِلْمِ بِاللـ … ــهِ وَبِالحُكْمِ فِي الفَتَاوَى الوُفُوْدُ مُعْرِضُ الطَّرْفِ وَالضَّمِيْرِ عَنِ الدُّنْـ … ــيَا تَصَدَّى لِوَصْلِهِ وَتَحِيْدُ مُخْلِصٌ فِي جَمِيعِ أَعْمَالِهِ للّـ … ــهِ مَا إِنْ عَلَيْهِ فِيْهَا مَزِيْدُ لَمْ يَزُغْ عَنْ طَرِيْقَةِ السَّلَفِ الصَّا … لِحِ وَالمُقْتَفِي بِهِمْ مَسْعُوْدُ وَرَعٌ كَامِلٌ وَزُهْدٌ صَحِيْحٌ … وَتُقًى وَافِرٌ وَعَهْدٌ وَكِيْدُ

стр. 798

وَكَلَامٌ يَرُوْقُ كَالدَّرِّ نَاطِفُهُ (١) … بَأَعْنَاقِهَا الحِسَانُ الغِيْدُ أَوْ كَنُوْرِ الرَّبِيْعِ أَبْدَاهُ لِلأَبْـ … ــصَارِ بِالأَبْرَقِيْنَ رَوْضٌ مَجُوْدُ يَخْشَعُ القَلْبُ عِنْدَهُ وَيَظَلُّ الـ … ــدَّمْعُ يَجْرِي وَتَقْشَعِرُّ الجُلُوْدُ وَاعْتِقَادٌ مَعْ غَيْرِهِ لَيْسَ يَرْضَى … عَمَلًا مِنْ عِبَادَةِ المَعْبُوْدُ يَلْتَقِي النُّجْحَ مُلْتَقِيْهِ وَيُعْطَى … عِنْدَهُ غَايَةَ المُرَادِ المُرِيْدُ حَالَ مِنْ دُوْنِهِ الحِمَامُ فَلِدِّيْـ … ــنِ خُمُوْلٌ وَلِلْعُلَى تَبْدِيْدُ وَلَعَمْرِيْ لَقَدْ مَضَى وَهُوَ عِنْدَ الـ … ــلَّهِ وَالنَّاسِ (٢) كُلِّهِمْ مَحْمُوْدُ طَيِّبَ الذِّكْرِ وَالأَحَادِيْثِ لَمْ يُدَ … نَّسِ بِلُؤْمٍ رِدَاؤهُ وَالبُرُوْدُ شَكَتِ المَكْرُمَاتُ لَمَّا تَشَكَّى … وَمَضَى إِذْ مَضَى التُّقَى وَالجُوْدُ هَذِهِ نَكْبَةٌ تَسَاوَى قَرِيْبُ النَّا … سِ فِي شُرْبِ كَأْسِهَا وَالبَعِيْدُ بَكَتِ الأَرْضُ وَالسَّمَاوَاتُ فِيْهَا … أَسَفًا وَاعْتَرَى النَّسِيْمَ رُكُوْدُ وَقَلِيْلٌ إِنْ أَضْحَتْ عِنْدَهَا الأَرْ … ضُ بِمَا فَوْقَ مَنْكِبَيْهَا تَمِيْدُ مَاتَ مَنْ كَانَتِ الأَقَالِيْمُ تُسْـ … ــقَى الغَيْثَ أَغْوَارُهَا بِهِ وَالنُّجُوْدُ وَلَو أنَّ النُّفُوسَ تُفْدَى لَمَا مَا … تَ وَمِنَّا عَلَى الثَرَى مَوْجُوْدُ سَيِّدُ الأَوْلِيَاءِ فِي الشَّرْقِ وَالغَرْ … بِ وَبَحْرُ الفَضَائِلِ المَوْرُوْدُ وَذَكَرَ بَاقِي القَصِيْدَةِ، وَلَهُ فِيْهِ مَرْثِيَةٌ أُخْرَى. قَرَأْتُ عَلَى أَبِي العَبَّاسِ أَحْمَدَ

стр. 799

ابنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَلْمَانَ الحَنْبَلِيُّ (١) بِـ "بَغْدَادَ" أَخْبَرَكُمْ أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ ثَامِرِ بْنِ حُصَيْنِ (أَنَا) أَبُو طَالِبٍ عبْدُ اللَّطِيْفِ بْنُ مُحَمَّدٍ القَطِيْعِيُّ. (ح) وَقَرَأْتُ عَلَى أَبِي الفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بنِ الحَمَوِيِّ (٢)

стр. 800

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 801

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 802

بِـ "دِمَشْقَ" أَخْبَرَكُمْ أَبُو إِسْحَقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ الوَاسِطِيُّ (أَنَا) أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قُدَامَةَ الفَقِيْهُ، وَأَبُو طَالِبِ بْنُ القَطِيْعِيِّ، قَالَا: (أَنَا) أَبُو مُحَمَّدٍ عبْدُ القَادِرِ بْنُ أَبِي صَالِحٍ الجِيْلِيُّ، (أَنَا) أَبُو غَالِبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ البَاقِلَّانِيُّ (أَنَا) أَبُو عَلِيٍّ الحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَاذَانَ (أَنَا) أَحْمَدُ يَعْنِي: ابْنَ سَلْمَانَ النَّجَادَ، (ثَنَا) الحَسَنُ، يَعْنِي ابْنَ مُكْرَمٍ (ثَنَا) عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ (ثَنَا) يُوْنُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيْهِ ﵁ قَالَ "قَلَّمَا كَانَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ يخْرُجُ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا إِلَّا يَوْمَ الخَمِيْسِ".

стр. 803

١٤٥ - أَحْمدُ بْنُ عُمَرَ (١) بْنِ الحُسَيْنِ بْنِ خَلَفٍ القَطِيْعِيُّ، الفَقِيْهُ، الوَاعِظُ، أَبُو العَبَّاسِ. وُلِدَ سَنَةَ اثْنَيْ عَشَرَةَ وَخَمْسِمَائَةَ تَقْرِيْبًا. سَمِعَ الحَدِيْثَ بِنَفْسِهِ - بَعْدَ مَا كَبُرَ - مِنْ عَبْدِ الخَالِقِ بْنِ يُوْسُفَ، وَالفَضْلِ بْنِ سَهْلٍ الإِسْفِرَائِيْنِيِّ، وَأَبِي مَنْصُوْرٍ القَزَّازِ، وَابنِ نَاصِرٍ الحَافِظِ، وَغَيْرِهِمْ، وَتَفَقَّهَ عَلَى القَاضِي أَبِي يَعْلَى بنِ القَاضِي أَبِي خَازِمٍ، وَلَازَمَهُ حَتَّى بَرَعَ فِي الفِقْهِ، وَأَفْتَى وَنَاظَرَ، وَوَعَظَ، وَدَرَّسَ بِمَدْرَسَةِ ابنِ البَلِّ بِـ "الرَّيَّانِ" (٢)، وَوَعَظَ بِهَا أَيْضًا، وَأَشْغَلَ الطَّلَبَةَ، وَأَفَادَ.

стр. 804

قَالَ أَبُو الفَضْلِ بنُ شَافِعٍ: كَانَ فَقِيْهًا، مُفْتِيًا، ذَكِيًّا، فِطْرِيًّا، قَدْ تَأَدَّبَ، وَقَرَأَ التَّفْسِيْرَ، وَوَعَظَ، وَكَانَ اعْتِقَادُهُ جَيِّدًا. وَقَالَ ابنُ النَّجَّارِ: بَرَعَ فِي الفِقْهِ، وَتَكَلَّمَ فِي مَسَائِلَ الخِلَافِ، وَكَانَ حَسَنَ المُنَاظَرَةِ، جَرِيْئًا فِي الجِدَالِ، وَيَعِظُ النَّاسَ عَلَى المِنْبَرِ. تُوُفِّيَ يَوْمَ الأَرْبِعَاءِ ثَامِنَ عَشَرَ رَمَضَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَدُفِنَ بِـ "الحَلْبَةِ" (١) شَرْقِيِّ "بَغْدَادَ" وَهُوَ وَالِدُ أَبي الحَسَنِ القَطِيْعِيِّ، صَاحِبُ "التَّارِيْخِ" وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْ وَالِدِهِ هَذَا إِلَّا حَدِيْثًا وَاحِدًا، وَذَكَرَ أَنَّ لَهُ مُصَنَّفَاتٍ كَثِيْرَةً. قُلْتُ: مِنْهَا: كِتَابُ "المَنْخُوْلِ (٢) فِي أَسْبَابِ النُّزُولِ". ١٤٦ - هِبَّةُ اللهِ بنُ أَبِي عَبْدِ اللهِ (٣) بنِ كَامِلِ بنِ حُبَيْشٍ البَغْدادِيُّ، الصُّوْفِيُّ، الفَقِيْهُ، أَبُو عَلِيٍّ. سَمِعَ الحَدِيْثَ مِنَ القَاضِي أَبي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ البَاقِي، وَغَيْرِهِ. وَتَفَقَّهَ علَى أَبِي يَعْلَى بنِ القَاضِي، وَتَقَدَّمَ فِي رِبَاطٍ بِـ "دَرْبِ رَيْحَانَ" (٤) عَلَى

стр. 805

جَمَاعَةِ المُتَصَوِّفَةِ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ وَتُوُفِّيَ فِي المُحَرَّمِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ

стр. 806

وَخَمْسِمَائَةَ، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ أَحْمَدَ، قَرِيْبًا مِنْ بِشْرٍ الحَافِي، وَذَكَرَهُ ابنُ الجَوْزِيِّ، وَابْنِ القَطِيْعِيِّ. ١٤٧ - سَعْدُ اللهِ بنُ نَصْرِ بْنِ سَعِيْدٍ (١)، المَعْرُوْفُ بِـ "ابْنِ الدَّجَاجِيِّ" وَ"ابْنِ الحَيَوَانِيِّ"، الفَقِيْهُ، الوَاعِظُ، المُقْرِئُ، الصُّوْفِيُّ، الأَدِيْبُ، أَبُو الحَسَنِ، وَيُلَقَّبُ بِـ "مُهَذَّبِ الدِّينِ". وُلِدَ فِي أَوَّلِ رَجَبٍ، سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانينَ وَأَرْبَعِمَائَةَ. وَقَرَأَ بِالرِّوَايَاتِ عَلَى أَبِي الخَطَّابِ بنِ الجَرَّاحِ، وَأَبِي مَنْصُوْرٍ الخَيَّاطُ، وَسَمِعَ مِنْهُمَا، وَمِن أَبِي الخَطَّابِ الكَلْوَذَانِيِّ، وَأَبِي الحَسَنِ بنِ العَلَّافِ، وَأَبِي القَاسِمِ بْنِ بَيَانٍ، وَابْنِ الطُّيُوْرِيِّ، وَأَبِي الغَنَائِمِ النَّرْسِيِّ، وَغَيْرِهِمْ. وَتَفَقَّهَ عَلَى أَبِي الخَطَّابِ حَتَّى بَرَعَ، وَقَدْ

стр. 807

رَوَى عَنْهُ كِتَابَهُ "الهِدَايَةَ" تَصْنِيْفَهُ، وَ"قَصِيْدَتَهُ" فِي السُّنَّةِ وَغَيْرَهَا (١)، وَرَوَى عَنِ ابنِ عَقِيْلٍ كِتَابَ "الاِنْتِصَارِ لِأَهْلِ السُّنَّةِ وَالحَدِيثِ". قَالَ ابنُ الخَشَّابِ: هُوَ فَقِيْهٌ، وَاعِظٌ، حَسَنُ الطَّرِيْقَةِ، سَمِعْتُ مِنْهُ. قَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: تَفَقَّهَ، وَنَاظَرَ، وَدَرَّسَ، وَوَعَظَ، وَكَانَ لَطِيْفَ الكَلَامِ، حُلْوَ الإِيْرَادِ، مُلَازِمًا لِمُطَالَعَةِ العِلْمِ إِلَى أَنْ مَاتَ. وَقَالَ ابنُ نُقْطَةَ: شَيْخٌ، فَاضِلٌ، صَحِيْحُ السَّمَاعِ، (ثَنَا) عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْ شُيُوْخِنَا، وَكَانَ ثِقَةً. وَقَالَ صَدَقَةُ بنُ الحُسَيْنِ فِي "تَارِيْخِهِ": كَانَ شَيْخًا، حَسَنًا، تَفَقَّهَ عَلَى أَبِي الخَطَّابِ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي بَكْرٍ الدِّيْنَوَرِيِّ، وَكَانَ يَعِظُ، وَيُقْرِئُ القُرْآنَ، وَيُسْمِعُ الحَدِيْثَ. قَالَ ابنُ النَّجَّارِ: كَانَ مِنْ أَعْيَانِ الفُقَهَاءِ الفُضَلَاءِ، وَشُيُوْخِ الوُعَّاظِ النُّبَلَاءِ، مَلِيْحَ الوَعْظِ، حَسَنَ الإِيْرَادِ، حَلْوَ العِبَارَةِ، حَسَنَ النَّثْرِ وَالنَّظْمِ (٢). وَكَانَ يُخَالِطُ الصُّوفِيَّةٍ، وَيَحْضُرُ مَعَهُمْ سَمَاعَ الغِنَاءِ، وَكَانَ مِنْ ظِرَافِ المَشَايِخِ. وَسُئِلَ عَنْهُ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّيْنِ المَقْدَسِيُّ فَقَالَ: كَانَ شَيْخًا حَسَنًا، مِنْ فُقَهَاءِ أَصْحَابِنَا وَوُعَّاظِهِمْ، صَحِبَ أَبَا الخَطَّابِ، وَابْنَ عَقِيْلٍ، وَرَوى عَنْهُمَا، سمِعْنَا عَلَيْهِ. قَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: أَنْبَأَنَا سَعْدُ اللهِ بنُ نَصْرٍ قَالَ: كُنْتُ خَائِفًا مِنَ الخَلِيْفَةِ لِحَادِثٍ نَزَلَ، فَأَغْفَيْتُ، فَرَأَيْتُ فِي المَنَامِ كَأَنِّي فِي غُرْفَةٍ أَكْتُبُ شَيْئًا، فَجَاءَ

стр. 808

رَجُلٌ فَوَقَفَ بِإِزَائِي، وَقَالَ: اكْتُبْ مَا أُمْلِي عَلَيْكَ، وَأَنْشَدَ: إِدْفَعْ بِصَبْرِكَ حَادِثَ الأَيَّامِ … وَتَرَجَّ لُطْفَ الوَاحِدِ العَلَّامِ لَا تَيْأَسَنَّ وَإِنْ تَضَايَقَ كَرْبُهَا … وَرَمَاكَ رَيْبُ صُرُوْفِهَا بِسِهَامِ وَلَهُ (١) تَعَالَى بَيْنَ ذلِكَ فَرْجَةٌ … تَخْفَى عَنِ (٢) الأَبْصَارِ والأَوْهَامِ كَمْ مَنْ نَجَا مِنْ بَيْنِ أَطْرَافِ القَنَا … وَفَرِيْسَةٌ سَلِمَتْ مِنَ الضِّرْغَامِ قَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: وَسُئِلَ فِي مَجْلِسِ وَعْظِهِ - وَأَنَا أَسْمَعُ - عَن أَخْبَارِ الصِّفَاتِ، فَنَهَى عَنِ التَّعَرُّضِ لَهَا، وَأَمَرَنَا بِالتَّسْلِيمِ، وَأَنْشَدَ: أَبَى العَاتِبُ (٣) الغَضْبَانُ يَا نَفْسُ أَنْ يَرْضَى … وَأَنْتِ الَّتِي صَيَّرْتِ طَاعَتَهُ فَرْضَا فَلَا تَهْجِرِي مَنْ لَا تَطِيْقِيْنَ هَجْرَهُ … وَإِنْ هَمَّ بِالهِجْرَانِ خَدَّيْكِ وَالأَرْضَا قَالَ ابنُ القَطِيْعِيُّ: وَأَنْشَدَنِي أَحْمَدُ بنُ أَبِي السَّرَايَا، قَالَ: أَنْشَدَنِي سَعْدُ اللهِ بنُ الدَّجَاجِيِّ لِنَفْسِهِ: مَلَكْتُمْ مُهْجَتِي بَيْعًا وَمَقْدِرَةً (٤) … فَأَنتُمْ اليَوْمَ أَغْلَى لِي وَأَغْلَالِي عَلَوْتُ فَخْرًا وَلكِنِّي ضَنِيْتُ هَوًى … فَأَنْتُمْ اليَوْمَ أَعْلَى لِي وَأَعْلَالِي وَزَادَ غَيْرُ ابنِ القَطِيْعِيِّ فِي رِوَايَتِهِ بَيْتًا ثَالِثًا:

стр. 809

أَوْصَى لِيَ البَيْنُ أَنْ أَشْقَى بِحُبِّكُمُ … فَقَطَّعَ البَيْنُ أَوْصَى لِي وَأَوْصَالِي وَمِنْ شِعْرِهِ أَيْضًا: (١) لِي لَذَّةٌ فِي ذِلَّتِي وَخُضُوْعِي … وَأُحِبُّ بَيْنَ يَدَيْكَ سَفْكَ دُمُوْعِي وَتَضَرُّعِي فِي رَأْيِ عَيْنِكَ رَاحَةٌ … لِي مِنْ جَوًى قَدْ كُنَّ بَيْنَ ضُلُوْعِي مَا الذُّلُّ لِلْمَحْبُوْبِ فِي حُكْمِ الهَوَى … عَارٌ وَلَا جَوْرُ الهَوَى بِبَدِيْعِ هَبْنِي أَسَأْتُ فَأَيْنَ عَفْوُكَ سَيِّدِي … عَمَّنْ رَجَاكِ لِقَلْبِهِ المَوْجُوْعِ جُدْ بِالرِّضَى مِنْ عَطْفِ لُطْفِكَ وَاغْنِهِ … بِجَمَالِ وَجْهِكَ عَنْ سُؤَالِ شَفِيْعِ قَالَ ابنُ القَطِيْعِيِّ: كَانَ ابنُ (٢) الدَّجَاجِيِّ، قَدْ نَاظَرَ، وَوَعظَ، وَأَفْتَى، وَصَنَّفَ، لَهُ فَضْلٌ وَدِيْنٌ، وَخَاطِرٌ بَغْدَادِيٌّ، بَلَغَنِي أَنَّهُ حَضَرَ بِالدِّيوَانِ العَزِيْزِ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الفُقَهَاءِ، فَاسْتَدَلَّ شَخْصٌ بِحَدِيْثٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ ابنُ البَغْدَادِيِّ الحَنَفِيُّ: هَذا الحَدِيْثُ لَا يَصِحُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ الخَصْمُ: قَدْ أَخْرَجَهُ البُخَارِي وَمُسْلِمٌ، فَقَالَ ابنُ البَغْدَادِيُّ: قَدْ طَعَنَ فِيْهِمَا أَبُو حَنِيْفَةَ، فَقَالَ ابنُ الدَّجَاجِيُّ: هَلْ كَانَ مَعَ أَبي حَنِيْفَةَ مَلْحَمَةٌ؟ وَقَدْ قَرَأَ بِالرِّوَايَاتِ، وَحَدَّثَ، وَسَمِعَ مِنْهُ خَلْقٌ كَثِيْرٌ. وَرَوَى عَنْهُ ابْنُهُ أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدٌ، وَابْنُ الأَخْضَرِ، وَابنُ سُكَيْنَةَ، وَالشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّيْنِ، وَابْنُ عَمَادٍ الحَرَّانِيُّ، وَالأَنْجَبُ الحَمَّامِيُّ، وَغَيْرُهُمْ. تُوُفِّيَ آخِرَ نَهَارَ يَوْمِ الاثْنَيْنِ لاثْنَتَيْ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ شَعْبَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ

стр. 810

وَسِتِّينَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَدُفِنَ مِنَ الغَدِ إِلَى جَانِبِ رِبَاطِ الزَّوْزَنِيِّ بِمَقْبَرَةِ الرِّبَاطِ. قَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: دُفِنَ هُنَاكَ إِرْضَاءً لِلْصُّوفِيَّةِ؛ لأَنَّهُ أَقَامَ عِنْدَهُمْ مُدَّةً فِي حَيَاتِهِ، فَبَقِيَ عَلَى ذلِكَ خَمْسَةَ أَيَّامٍ، وَمَا زَالَ الحَنَابِلَةُ يَلُوْمُوْنَ وَلَدَهُ عَلَى هَذَا، يَقُوْلُوْنَ: مِثْلُ هَذَا الرَّجُلُ الحَنْبَلِيُّ أَيَّ شَيءٍ يَصْنَعُ عِنْدَ الصُّوْفِيَّةِ؟ فَنَبَشَهُ بَعْدَ خَمْسَةِ أَيَّامٍ بِاللَّيْلِ. قَالَ: وَكَانَ أَوْصَى أَنْ يُدْفَنَ عِنْدَ وَالِدَيْهِ، وَدُفِنَ عَلَيْهِمَا بِمَقْبَرَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁. ١٤٨ - مُحَمَّدُ بنُ المُبَارَكِ (١) بنِ الحُسَيْنِ بنِ إِسْمَاعِيلَ البَغْدَادِيُّ، الفَقِيْهُ، القَاضِي أَبُو بَكْرٍ بنُ أَبِي البَرَكَاتِ، المَعْرُوفِ بـ "ابْنِ الحُصْرِيِّ" (٢) ذَكَرَهُ ابنُ الجَوْزِيِّ، وقَالَ: صَدِيْقُنَا. وُلِدَ سَنَةَ عَشْرٍ وَخَمْسِمَائَةَ. وَقَرَأَ القُرْآنَ، وَسَمِعَ الحَدِيْثَ مِنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ
следующие страницы →