Полный текст (2 431 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
وَخَمْسِمَائَةَ، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ أَحْمَدَ، قَرِيْبًا مِنْ بِشْرٍ الحَافِي، وَذَكَرَهُ ابنُ الجَوْزِيِّ، وَابْنِ القَطِيْعِيِّ.
١٤٧ - سَعْدُ اللهِ بنُ نَصْرِ بْنِ سَعِيْدٍ (١)، المَعْرُوْفُ بِـ "ابْنِ الدَّجَاجِيِّ" وَ"ابْنِ الحَيَوَانِيِّ"، الفَقِيْهُ، الوَاعِظُ، المُقْرِئُ، الصُّوْفِيُّ، الأَدِيْبُ، أَبُو الحَسَنِ، وَيُلَقَّبُ بِـ "مُهَذَّبِ الدِّينِ".
وُلِدَ فِي أَوَّلِ رَجَبٍ، سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانينَ وَأَرْبَعِمَائَةَ. وَقَرَأَ بِالرِّوَايَاتِ عَلَى أَبِي الخَطَّابِ بنِ الجَرَّاحِ، وَأَبِي مَنْصُوْرٍ الخَيَّاطُ، وَسَمِعَ مِنْهُمَا، وَمِن أَبِي الخَطَّابِ الكَلْوَذَانِيِّ، وَأَبِي الحَسَنِ بنِ العَلَّافِ، وَأَبِي القَاسِمِ بْنِ بَيَانٍ، وَابْنِ الطُّيُوْرِيِّ، وَأَبِي الغَنَائِمِ النَّرْسِيِّ، وَغَيْرِهِمْ. وَتَفَقَّهَ عَلَى أَبِي الخَطَّابِ حَتَّى بَرَعَ، وَقَدْ стр. 807
رَوَى عَنْهُ كِتَابَهُ "الهِدَايَةَ" تَصْنِيْفَهُ، وَ"قَصِيْدَتَهُ" فِي السُّنَّةِ وَغَيْرَهَا (١)، وَرَوَى عَنِ ابنِ عَقِيْلٍ كِتَابَ "الاِنْتِصَارِ لِأَهْلِ السُّنَّةِ وَالحَدِيثِ".
قَالَ ابنُ الخَشَّابِ: هُوَ فَقِيْهٌ، وَاعِظٌ، حَسَنُ الطَّرِيْقَةِ، سَمِعْتُ مِنْهُ.
قَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: تَفَقَّهَ، وَنَاظَرَ، وَدَرَّسَ، وَوَعَظَ، وَكَانَ لَطِيْفَ الكَلَامِ، حُلْوَ الإِيْرَادِ، مُلَازِمًا لِمُطَالَعَةِ العِلْمِ إِلَى أَنْ مَاتَ.
وَقَالَ ابنُ نُقْطَةَ: شَيْخٌ، فَاضِلٌ، صَحِيْحُ السَّمَاعِ، (ثَنَا) عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْ شُيُوْخِنَا، وَكَانَ ثِقَةً.
وَقَالَ صَدَقَةُ بنُ الحُسَيْنِ فِي "تَارِيْخِهِ": كَانَ شَيْخًا، حَسَنًا، تَفَقَّهَ عَلَى أَبِي الخَطَّابِ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي بَكْرٍ الدِّيْنَوَرِيِّ، وَكَانَ يَعِظُ، وَيُقْرِئُ القُرْآنَ، وَيُسْمِعُ الحَدِيْثَ.
قَالَ ابنُ النَّجَّارِ: كَانَ مِنْ أَعْيَانِ الفُقَهَاءِ الفُضَلَاءِ، وَشُيُوْخِ الوُعَّاظِ النُّبَلَاءِ، مَلِيْحَ الوَعْظِ، حَسَنَ الإِيْرَادِ، حَلْوَ العِبَارَةِ، حَسَنَ النَّثْرِ وَالنَّظْمِ (٢). وَكَانَ يُخَالِطُ الصُّوفِيَّةٍ، وَيَحْضُرُ مَعَهُمْ سَمَاعَ الغِنَاءِ، وَكَانَ مِنْ ظِرَافِ المَشَايِخِ. وَسُئِلَ عَنْهُ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّيْنِ المَقْدَسِيُّ فَقَالَ: كَانَ شَيْخًا حَسَنًا، مِنْ فُقَهَاءِ أَصْحَابِنَا وَوُعَّاظِهِمْ، صَحِبَ أَبَا الخَطَّابِ، وَابْنَ عَقِيْلٍ، وَرَوى عَنْهُمَا، سمِعْنَا عَلَيْهِ.
قَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: أَنْبَأَنَا سَعْدُ اللهِ بنُ نَصْرٍ قَالَ: كُنْتُ خَائِفًا مِنَ الخَلِيْفَةِ لِحَادِثٍ نَزَلَ، فَأَغْفَيْتُ، فَرَأَيْتُ فِي المَنَامِ كَأَنِّي فِي غُرْفَةٍ أَكْتُبُ شَيْئًا، فَجَاءَ стр. 808
رَجُلٌ فَوَقَفَ بِإِزَائِي، وَقَالَ: اكْتُبْ مَا أُمْلِي عَلَيْكَ، وَأَنْشَدَ:
إِدْفَعْ بِصَبْرِكَ حَادِثَ الأَيَّامِ … وَتَرَجَّ لُطْفَ الوَاحِدِ العَلَّامِ
لَا تَيْأَسَنَّ وَإِنْ تَضَايَقَ كَرْبُهَا … وَرَمَاكَ رَيْبُ صُرُوْفِهَا بِسِهَامِ
وَلَهُ (١) تَعَالَى بَيْنَ ذلِكَ فَرْجَةٌ … تَخْفَى عَنِ (٢) الأَبْصَارِ والأَوْهَامِ
كَمْ مَنْ نَجَا مِنْ بَيْنِ أَطْرَافِ القَنَا … وَفَرِيْسَةٌ سَلِمَتْ مِنَ الضِّرْغَامِ
قَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: وَسُئِلَ فِي مَجْلِسِ وَعْظِهِ - وَأَنَا أَسْمَعُ - عَن أَخْبَارِ الصِّفَاتِ، فَنَهَى عَنِ التَّعَرُّضِ لَهَا، وَأَمَرَنَا بِالتَّسْلِيمِ، وَأَنْشَدَ:
أَبَى العَاتِبُ (٣) الغَضْبَانُ يَا نَفْسُ أَنْ يَرْضَى … وَأَنْتِ الَّتِي صَيَّرْتِ طَاعَتَهُ فَرْضَا
فَلَا تَهْجِرِي مَنْ لَا تَطِيْقِيْنَ هَجْرَهُ … وَإِنْ هَمَّ بِالهِجْرَانِ خَدَّيْكِ وَالأَرْضَا
قَالَ ابنُ القَطِيْعِيُّ: وَأَنْشَدَنِي أَحْمَدُ بنُ أَبِي السَّرَايَا، قَالَ: أَنْشَدَنِي سَعْدُ اللهِ بنُ الدَّجَاجِيِّ لِنَفْسِهِ:
مَلَكْتُمْ مُهْجَتِي بَيْعًا وَمَقْدِرَةً (٤) … فَأَنتُمْ اليَوْمَ أَغْلَى لِي وَأَغْلَالِي
عَلَوْتُ فَخْرًا وَلكِنِّي ضَنِيْتُ هَوًى … فَأَنْتُمْ اليَوْمَ أَعْلَى لِي وَأَعْلَالِي
وَزَادَ غَيْرُ ابنِ القَطِيْعِيِّ فِي رِوَايَتِهِ بَيْتًا ثَالِثًا: стр. 809
أَوْصَى لِيَ البَيْنُ أَنْ أَشْقَى بِحُبِّكُمُ … فَقَطَّعَ البَيْنُ أَوْصَى لِي وَأَوْصَالِي
وَمِنْ شِعْرِهِ أَيْضًا: (١)
لِي لَذَّةٌ فِي ذِلَّتِي وَخُضُوْعِي … وَأُحِبُّ بَيْنَ يَدَيْكَ سَفْكَ دُمُوْعِي
وَتَضَرُّعِي فِي رَأْيِ عَيْنِكَ رَاحَةٌ … لِي مِنْ جَوًى قَدْ كُنَّ بَيْنَ ضُلُوْعِي
مَا الذُّلُّ لِلْمَحْبُوْبِ فِي حُكْمِ الهَوَى … عَارٌ وَلَا جَوْرُ الهَوَى بِبَدِيْعِ
هَبْنِي أَسَأْتُ فَأَيْنَ عَفْوُكَ سَيِّدِي … عَمَّنْ رَجَاكِ لِقَلْبِهِ المَوْجُوْعِ
جُدْ بِالرِّضَى مِنْ عَطْفِ لُطْفِكَ وَاغْنِهِ … بِجَمَالِ وَجْهِكَ عَنْ سُؤَالِ شَفِيْعِ
قَالَ ابنُ القَطِيْعِيِّ: كَانَ ابنُ (٢) الدَّجَاجِيِّ، قَدْ نَاظَرَ، وَوَعظَ، وَأَفْتَى، وَصَنَّفَ، لَهُ فَضْلٌ وَدِيْنٌ، وَخَاطِرٌ بَغْدَادِيٌّ، بَلَغَنِي أَنَّهُ حَضَرَ بِالدِّيوَانِ العَزِيْزِ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الفُقَهَاءِ، فَاسْتَدَلَّ شَخْصٌ بِحَدِيْثٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ ابنُ البَغْدَادِيِّ الحَنَفِيُّ: هَذا الحَدِيْثُ لَا يَصِحُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ الخَصْمُ: قَدْ أَخْرَجَهُ البُخَارِي وَمُسْلِمٌ، فَقَالَ ابنُ البَغْدَادِيُّ: قَدْ طَعَنَ فِيْهِمَا أَبُو حَنِيْفَةَ، فَقَالَ ابنُ الدَّجَاجِيُّ: هَلْ كَانَ مَعَ أَبي حَنِيْفَةَ مَلْحَمَةٌ؟ وَقَدْ قَرَأَ بِالرِّوَايَاتِ، وَحَدَّثَ، وَسَمِعَ مِنْهُ خَلْقٌ كَثِيْرٌ.
وَرَوَى عَنْهُ ابْنُهُ أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدٌ، وَابْنُ الأَخْضَرِ، وَابنُ سُكَيْنَةَ، وَالشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّيْنِ، وَابْنُ عَمَادٍ الحَرَّانِيُّ، وَالأَنْجَبُ الحَمَّامِيُّ، وَغَيْرُهُمْ.
تُوُفِّيَ آخِرَ نَهَارَ يَوْمِ الاثْنَيْنِ لاثْنَتَيْ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ شَعْبَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ стр. 810
وَسِتِّينَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَدُفِنَ مِنَ الغَدِ إِلَى جَانِبِ رِبَاطِ الزَّوْزَنِيِّ بِمَقْبَرَةِ الرِّبَاطِ. قَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: دُفِنَ هُنَاكَ إِرْضَاءً لِلْصُّوفِيَّةِ؛ لأَنَّهُ أَقَامَ عِنْدَهُمْ مُدَّةً فِي حَيَاتِهِ، فَبَقِيَ عَلَى ذلِكَ خَمْسَةَ أَيَّامٍ، وَمَا زَالَ الحَنَابِلَةُ يَلُوْمُوْنَ وَلَدَهُ عَلَى هَذَا، يَقُوْلُوْنَ: مِثْلُ هَذَا الرَّجُلُ الحَنْبَلِيُّ أَيَّ شَيءٍ يَصْنَعُ عِنْدَ الصُّوْفِيَّةِ؟ فَنَبَشَهُ بَعْدَ خَمْسَةِ أَيَّامٍ بِاللَّيْلِ. قَالَ: وَكَانَ أَوْصَى أَنْ يُدْفَنَ عِنْدَ وَالِدَيْهِ، وَدُفِنَ عَلَيْهِمَا بِمَقْبَرَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁.
١٤٨ - مُحَمَّدُ بنُ المُبَارَكِ (١) بنِ الحُسَيْنِ بنِ إِسْمَاعِيلَ البَغْدَادِيُّ، الفَقِيْهُ، القَاضِي أَبُو بَكْرٍ بنُ أَبِي البَرَكَاتِ، المَعْرُوفِ بـ "ابْنِ الحُصْرِيِّ" (٢) ذَكَرَهُ ابنُ الجَوْزِيِّ، وقَالَ: صَدِيْقُنَا.
وُلِدَ سَنَةَ عَشْرٍ وَخَمْسِمَائَةَ. وَقَرَأَ القُرْآنَ، وَسَمِعَ الحَدِيْثَ مِنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ стр. 811
يَحْيَى بنِ البَنَّا، وَأَبي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ البَاقِي، وَغَيْرِهِمْ. وَتَفَقَّهَ عَلَى القَاضِي أَبِي يَعْلَى (١)، وَنَاظَرَ، وَوَلِيَ القَضَاءَ بِقَرْيَةِ "عَبْدِ اللهِ" مِنْ "وَاسِطَ" (٢).
وَذَكَرَ القَطِيْعِيُّ: أَنَّهُ رَوَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ المَزْرَفِيِّ، وَأَبِي الحَسَنِ عَلِيِّ بنِ مُحَمَّدٍ الهَرَوِيِّ، وَأَبِي جَعْفَرٍ السَّمْنَانِيِّ، وَأَبِي مَنْصُوْرِ بنِ خَيْرُونَ، وَغَيْرِهِمْ. وَسَمِعَ مِنْهُ بَعْضُ الطَّلَبَةِ، وَنَاظَرَ، وَدَرَّسَ، وَأَفْتَى. قَالَ: وَجَرَى ذِكْرُهُ يَوْمًا عِنْدَ الوَزِيْرِ أَبِي المُظَفَّرِ بنِ يُونُسَ (٣) - وَعِنْدَهُ الفُقَهَاءُ وَالعُلَمَاءُ عَلَى اخْتِلَافِ стр. 812
مَذَاهِبِهِمْ - فَأَثْنَى عَلَيْهِ خَيْرًا. فَاسْتَكْثَرَ بَعْضُ الحَاضِرِيْنَ ذلِكَ الثَّنَاءَ، فَقَالَ الوَزِيْرُ: وَاللهِ لَقَدْ كَانَ أَدْيَنَ مِنِّي؛ فَإِنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِمَسْجِدِهِ، ثُمَّ يقْرَأُ عَلَيْهِ القُرَآنَ وَالفِقْهَ مِنْ بُكْرَةٍ إِلى وَقْتِ الضُّحَى، ثُمَّ يَدْخُلُ إِلَى مَنْزِلِهِ فَيَتَشَاغَلُ بِالعِلْمِ إِلى أَن يَعُوْدَ إِلَى مَسْجِدِهِ، دَائِمًا لَا يَقْطَعُ زَمَانُهُ إِلَّا بِطَاعَةٍ.
تُوُفِّيَ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - فَجَاءَةً (١) فِي شَهْرِ رَجَبٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَخَمْسِمَائَةَ. وَدُفِنَ بِـ "مقبرَةِ الزَّرَّادِيْنَ" مِنْ "بَابِ الأَزَجِ". وَقَدْ رَوَى عَنْهُ ابنُ الجَوْزِيِّ مَنَامًا رَآهُ لِشَيْخِهِ ابنِ نَاصِرٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي تَرْجَمَتِهِ.
١٤٩ - عُثْمَانُ بنُ مَرْزُوقِ (٢) بنِ حُمَيْدِ بنِ سَلَامَةَ (٣) القُرَشِيُّ، الفَقِيْهُ، العَارِفُ الزَّاهِدُ، أَبُو عَمْرٍو، نَزِيلُ الدِّيَّارِ المِصْرِيَّةِ. صَحِبَ شَرَفَ الإِسْلَامِ عَبْدَ الوَهَّابِ بنَ الحَنْبَلِيِّ (٤) بِـ "دِمَشْقَ" وَتَفَقَّهَ، وَاسْتَوْطَنَ "مِصْرَ" وَأَقَامَ بِهَا إِلَى أَنْ مَاتَ، وَأَفْتَى بِهَا، وَدَرَّسَ، وَنَاظَرَ، وَتَكَلَّمَ عَلَى المَعَارِفِ وَالحَقَائِقِ، وَانْتَهَتْ إِلَيْهِ تَرْبِيَةُ المُرِيْدِيْنَ بِـ "مِصْرَ" وَانْتَمَى إِلَيْهِ خَلْقٌ كَثيْرٌ مِنَ الصُّلَحَاءِ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ стр. 813
المَشَايِخُ، وَحَصَلَ لَهُ قَبُولٌ تَامٌّ، مِنَ الخَاصِّ وَالعَامِّ، وَانْتَفَعَ بِصُحْبَتِهِ خَلْقٌ كَثِيْرٌ. وَكَانَ يُعَظِّمُ الشَّيْخَ عَبْدَ القَادِرِ، وَيُقَالُ: إنَّهُ اجْتَمَعَ بِهِ هُوَ وَأَبُو مَدْيَنَ بِـ "عَرَفَاتٍ" وَلَبِسَا مِنْهُ الخِرْقَةَ، وَسَمِعَا مِنْهُ "جُزْءًا" مِنْ مَرْوِيَّاتِهِ، وَسَمِعَ الحَدِيْثَ وَرَوَاهُ. حَدَّثَ عَنْهُ أَبُو الثَّنَاءِ مَحْمُوْدُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ مَطْرُوْحٍ المِصْرِيُّ (١) الحَنْبَلِيُّ (٢)، وَأَبُو الثَّنَاءِ حَمْدُ (٣) بنُ مَيْسَرَةَ بنِ أَحْمَدَ بنِ مُوسَى بنِ غَنَائِمٍ (٤) الغُدْرَانِيُّ (٥) الحَنْبَلِيُّ، المِصْرِيُّ، الكَامِخِيُّ، وَكَانَا صَالِحِينَ، وَكَانَ الأَوَّلُ مُقْرِئًا، حَسَنَ التَّلَفُّظِ بِالقُرآنِ، وَكَانَ الثَّانِي كَثِيرَ الذِّكْرِ وَالتَّسْبِيْحِ، حَدَّثَ عَنْهُ المُنْذِرِيُّ. قَرَأَ عَلَى الأَوَّلِ القُرآنَ. وَكَانَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرٍو لَهُ كَرَامَاتٌ، وَأَحْوَالٌ وَمَقَامَاتٌ، وَكَلَامٌ حَسَنٌ عَلَى لِسَانِ أَهْلِ الطَّرِيْقَةِ. فَمِنْ ذلِكَ قَوْلُهُ: الطَّرِيْقُ إِلَى مَعْرِفَةِ اللهِ وَصِفَاتِهِ: الفِكْرُ، وَالاعْتِبَارُ بِحُكْمِهِ وَآيَاتِهِ، وَلَا سَبِيْلَ لِلأَلْبَابِ إِلَى مَعْرِفَةِ كُنْهِ ذَاتِهِ، وَلَوْ تَنَاهَتْ الحِكَمُ الإِلَهِيَّةِ فِي حَدِّ العُقُوْلِ، стр. 814
وَانْحَصَرَتْ القُدَرُ الرَّبَّانِيَّةِ فِي دَرَكِ العُلُوْمِ، لَكَانَ ذلِكَ تَقْصِيْرًا فِي الحِكْمَةِ، وَنَقْصًا فِي القُدْرَةِ، لَكِنْ احْتَجَبَتْ أَسَرَارُ الأَزَلِ عَنِ العُقُوْلِ، كَمَا احْتَجَبَتْ سُبُحَاتِ الجَلَالِ عَنِ الأَبْصَارِ، فَقَد رَجَعَ مَعْنَى الوَصْفِ فِي الوَصْفِ، وَعَمِيَ الفَهْمُ عَنِ الدَّرَكِ، وَدَارَ المَلِكِ فِي المُلْكِ، وَانْتَهَى المَخْلُوْقُ إِلَى مِثْلِهِ، وَاشْتَدَّ الطَّلَبُ إِلَى شَكْلِهِ ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ (١). فجَمِيْعُ المَخْلُوْقَاتِ مِنَ الذُّرَّةِ إِلَى العَرْشِ سُبُلٌ مُتَّصِلَةٌ إِلَى مَعْرِفَتِهِ، وَحِجَجٌ بَالِغَةٌ عَلَى أَزَليَّتِهِ، وَالكَوْنُ جَمِيْعُهُ أَلْسُنٌ نَاطِقَةٌ بِوَحْدَانِيَّتِهِ، وَالعَالِمُ كُلُّهُ كِتَابُ يُقْرَأُ، حُرُوْفٌ أَشْخَاصُهُ المُتَبَصِّرُوْنَ عَلَى قَدْرِ بَصَائِرِهِمْ.
وَمِنْ كَلَامِهِ أيْضًا: مَنْ لَمْ يَجِدْ فِي قَلْبِهِ زَاجِرًا فَهُوَ خَرَابٌ. وَمَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ لَمْ يَغْتَرَّ بِثَنَاءِ النَّاسِ عَلَيْهِ، وَمَنْ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى صُحْبَةِ مَوْلَاهُ ابْتَلَاهُ بِصُحْبَةِ العَبِيْدِ، ومَنْ انْقَطَعَتْ آمَالُهُ إِلَّا مِنْ مَوْلَاهُ فَهُوَ عَبْدٌ حَقِيْقَةً، وَالدَّعْوَى مِنْ رُعُوْنَةِ النَّفْسِ، وَاسْتِلْذَاذُ البَلَاءِ تَحَقُّقٌ بِالرِّضَا، وَحِلْيَةُ العَارِفِ الخَشْيَةُ وَالهَيْبَةُ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحَاكَاةَ أَصْحَابِ الأَحْوَالِ قَبْلَ إِحْكَامِ الطَّرِيْقِ، وَتَمَكَّنِ الأَقْدَامِ؛ فَإِنَّهَا تَقْطَعُ بِكُمْ، وَدَلِيْلُ تَخْلِيْطِكَ صُحْبَتُكَ لِلْمُخَلِّطِيْنَ، وَدَلِيْلُ وَحْشَتِكَ أُنْسُكَ بِالمُسْتَوْحِشِيْنَ. وَكَانَ يَتَمَثَّل بِهَذهِ الأَبْيَاتِ:
يَا غَارِسَ الحُبِّ بَيْنَ القَلْبِ وَالكَبِدِ … هَتَكْتَ بِالصَّدِّ سِتْرَ الصَّبْرِ وَالجَلَدِ
يَا مَنْ تَقُوْمُ مَقَامَ المَوْتِ فِرْقَتُهُ … وَمَنْ يَحِلُّ مَحَلَّ الرُّوْحِ فِي الجَسَدِ
قَدْ جَاوَزَ الحُبُّ فِي أَعْلَا مَرَاتِبِهِ … فَلَوْ طَلَبْتُ مَزِيْدًا مِنْهُ لَمْ أَجِدِ стр. 815
إذَا دَعَى النَّاسُ قَلْبِي عَنْكَ مَالَ بِهِ … حُسْنُ الرَّجَاءِ فَلَمْ يَصْدُرْ وَلَمْ يَرِدِ
إِنْ تَرْضَنِي لَمْ أُرِدْ مَا دُمْتَ لِي بَدَلًا … وَإِنْ تَغَيَّرْتَ لَمْ أَسْكُنْ إِلَى أَحَدِ
وَحُكِيَ عَنِ الشَّيْخِ أَبِي إسْحَقَ إِبْرَاهِيْمَ بنِ مُزَيْبِلٍ (١) الضَّرِيْرِ، الفَقِيهِ الشَّافِعِيِّ الزَّاهِدِ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالى - قَالَ: كَانَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرٍو بنُ مَرْزُوقِ، مِنْ أَوْتَادِ "مِصْرَ" كَانَ شَائِعَ الذِّكْرِ، ظَاهِرَ الكَرَامَاتِ، زَادَ النَّيْلُ سَنَةً زِيَادَةً عَظِيْمَةً، كَادَتْ "مِصْرَ" تَغْرَقُ، وَأَقَامَ عَلَى الأَرْضِ، حَتَّى كَادَ وَقْتُ الزَّرْعِ يَفُوْتُ، فَضَجَّ النَّاسُ بِالشَّيْخِ أَبِي عَمْرٍو بنِ مَرْزُوقٍ بِسَبَبِ ذلِكَ، فَأَتَى إِلَى شَاطِيءِ النِّيْلِ، وَتَوَضَّأَ مِنْهُ، فَنَقَصَ فِي الحَالِ نَحْوَ ذِرَاعَيْنِ، وَنَزَلَ عَنِ الأَرْضِ حَتَّى انْكَشَفَتْ، وَزَرَعَ (٢) النَّاسُ فِي اليَوْمِ الثَّانِي (٣). قَالَ: وَفِي بَعْضِ السِّنِيْنَ لَمْ يَطْلَعِ النِّيلُ أَلْبَتَّةَ، وَفَاتَ أَكْثَرُ وَقْتِ زِرَاعَتِهِ، وَغَلَتِ الأَسْعَارُ، وَظُنَّ الهَلَاكُ، وَضَجُّوا بِالشَّيْخِ أَبي عَمْرِو بنِ مَرْزُوقٍ، فَجَاءَ إِلَى شَاطِيءِ النِّيْلِ، وَتَوَضَّأَ فِيْهِ بِإبْرِيْقٍ كَانَ مَعَ خَادِمِهِ، فَزَادَ النِّيْلُ فِي ذلِكَ اليَوْمِ، وَتَعَاقَبَتْ زِيَادَتُهُ إِلَى أَنْ انْتَهَتْ إِلَى حَدِّهِ، وَبَلَغَ اللهُ بِهِ المَنَافِعُ، وَبَارَكَ فِي زَرْعِ النَّاسِ تِلْكَ السَّنَةِ.
قَرَأْتُ بِخَطِّ نَاصِحِ الدِّينِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ نَجْمِ بنِ الحَنْبَلِيِّ قَالَ: حَكَى стр. 816
لِي الشَّيْخُ زَيْنُ الدِّينِ عَلِيُّ بنُ نَجَا قَالَ: زُرْتُ الشَّيْخَ عُثْمَانَ بنَ مَرْزُوقٍ بِـ "مِصْرَ" فَقَالَ: يَجِيءُ أَسَدُ الدِّينِ شِيْركُوْهُ إِلَى هَذِهِ البِلَادِ وَيَرُوْحُ، وَلَا يَحْصُلُ لَهُ شَيءٌ، ثُمَّ يَعُوْدُ يَجِيْءُ وَيَرُوْحُ، وَلَا يَأْخُذُ البَلَدَ، ثُمَّ يَجِيْءُ فَيَأْخُذُ - مَا أَدْرِي قَالَ فِي الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ - فَيَمْلِكُ "مِصْرَ" فَجَرَى الأَمْرُ كَمَا ذَكَرَ.
فَقُلْتُ لَهُ: يَا سَيِّدِي، مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا؟ فَقَالَ: وَاللهِ يَا وَلَدِي مَا أَعْلَمُ الغَيْبَ، وإِنَّمَا لِي عَادَةٌ: أَنْ أَرَى رَسُوْلَ اللهِ ﷺ ، أَرَاهُ فِي بَعْضِ الجَمْعِ، فَيُخْبِرُنِي. قُلْتُ: لَعَلَّهُ أَرَادَ فِي المَنَامِ (١).
قَالَ النَّاصِحُ: وَسَمِعْتُ خَادِمَ الشَّيْخِ عُثْمَانَ بنِ مَرْزُوقٍ، وَكَانَ يُعْرَفُ بِـ "سَيْفِ السُّنَّةِ" وَعَلَيْهِ آثَارُ الصَّلَاحِ، وَقَالَ لَهُ زَيْنُ الدِّينِ بنُ نَجَا: أَتَعْرِفُ الأَبْيَاتَ الَّتِي أُنْشِدَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ بِحَضَرَةِ الشَّيْخِ عُثْمَانَ بنِ مَرْزُوقٍ، فَسَمِعَ وَبَكَى؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: قُلْهَا، فَقَالَ (٢):
فَدَيْتُ مَنْ وَاصَلَنِي … مُحْتَفِيًا فِي وَصْلِهِ
كُنَّا عَلَى وَعْدٍ فَمَا … كَدَّرَهُ لِمَطْلِهِ
وعَادَ عِنْدِي كُلُّهُ … مُشْتَغِلًا بِكُلِّهِ
مَا خِلْتُ أَنْ يُصْلُحَ مِثْـ … ــلِي فِي الهَوَى لِمِثْلِهِ
وَإنَّمَا جَادَ عَلَـ … ـيَّ مِنْعِمًا بِفَضْلِهِ
وَلَمْ أَكُنْ أَهْلًا لَهُ … لكنَّهُ مِنْ أَهْلِهِ стр. 817
وَذكَر النَّاصِحُ فِي تَرْجَمَةِ وَلَدِ الشَّيْخِ أَبِي عَمْرِو بنِ مَرْزُوقٍ سَعْدٍ - وَسَنَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شاءَ اللهُ تَعَالَى (١) - أَنَّ وَالِدَهُ - يَعْنِي الشَّيْخَ أَبَا عَمْرٍو - كَانَ يَذْكُرُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُوْلُ فِي أَفْعَالِ العِبَادِ: إِنَّهَا غَيْرُ مَخْلُوْقَةٍ. وَكَذَا حَكَى ابنُ القَطِيْعِيِّ فِي "تَارِيْخِهِ" قَالَ: حَكَى لِي أَبُو مُحَمَّدِ بنُ سَعِيْدٍ البَزَّارُ التَّاجِرُ، قَالَ: كُنْتُ بِـ "مِصْرَ" وَوَقَعَ بِهَا فِتْنَةٌ بَيْنَ وَالِدِ الشَّيْخِ سَعْدٍ - يَعْنِي عُثْمَانَ بنَ مَرْزُوقٍ - وَبَيْنَ ابنِ (٢) الكِيْزَانِيِّ، وَتلْكَ الفِتْنَةَ كَانَتْ سَبَبَ قُدُوْمِ سَعْدٍ إِلَى "بَغْدَادَ" فَقُلْتُ لَهُ: مَا كَانَتْ؟ فَقَالَ: كَانَ عُثْمَانُ بُن مَرْزُوقٍ يَقُوْلُ: أَفْعَالُ العِبَادِ قَدِيْمَةٌ، وَكَانَ لَهُ بِـ "مِصْرَ" قَبُوْلٌ، وَبِـ "مِصْرَ" يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ آخَرُ لَهُ قَبُولٌ، يُعْرَفُ بِـ "ابْنِ الكِيْزَانِيِّ أَبُو عَبْدِ اللهِ" يَقُوْلُ: لَيْسَتْ قَدِيْمَةً، فَثَارَتْ الفِتَنُ، فَقَالُوا: طَرِيْقُ الحَقِّ أَنْ يُكْتَبَ إِلَى "بَغْدَادَ" فِي ذلِكَ، فَكَتَبُوا إِلَى عُلَمَاءِ "بَغْدَادَ" فَأَفْتَوْهُمْ عَلَى اخْتِلَافِ مَذَاهِبِهِمْ بِحِدَثِهَا، فَقَالَ سَعْدٌ - يَعْنِي: ابْنَ الشَّيْخِ عُثْمَانَ بنِ مَرْزُوْقٍ (٣) -: الآنَ قَدْ شَكَكْتُ فِي هَذَا الأَمْرِ، وَالمَكْتُوْبُ لَا يُقَلَّدُ، وَلَا بُدَّ مِنَ المُضِيِّ إِلَى "بَغْدَادَ" وَأَسْمَعُ مَقَالَةَ العُلَمَاءِ، وَأَعُوْدُ أُخْبِرُ أَبي بِذلِكَ، فَدَخَلَ "بَغْدَادَ" وَسَمِعَ مَقَالَةَ العُلَمَاءِ، فَمَاتَ أَبُوهُ بـ "مِصْرَ" وبَلَغَهُ وَفَاتَهُ، فَأَقَامَ بِـ "بَغْدَادَ".
قُلْتُ: وَذَكَرَ أَبُو المُظَفَّرِ سِبْطِ ابنِ الجَوْزِيِّ فِي "مِرْآةِ الزَّمَانِ" أَنَّ أَبَا стр. 818
عَبْدِ اللهِ بنَ الكِيْزَانِيِّ كَانَ يَقُوْلُ: إِنَّ أَفْعَالَ العِبَادِ قَدِيْمَةٌ، فَحِيْنَئِذٍ فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي نِسْبَةِ هَذا القَوْلِ: هَلْ هُوَ إِلَى ابنِ الكِيْزَانِيِّ، أَوْ إِلَى ابْنِ مَرْزُوْقٍ، وَلَمْ يَثْبُتْ لَنَا مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ مَرْزُوْقٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُوْلُ ذلِكَ، وَلَعَلَّ ذلِكَ أَلْزَمُوْهُ بِهِ؛ لِقَوْلِهِ: إِنَّ اللَّفْظَ بِالقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَإِنَّ هَذَا القَوْلَ يَقُوْلُهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَرُبَّمَا نَسَبُوْهُ إِلَى الإِمَامِ أَحْمَدَ، وَالصَّحِيْحُ الصَّرِيْحُ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ كَانَ يُبَدِّعُ قَائِلَ ذلِكَ، وَلَعَلَّهُ لَمَّا الْتَزَمَ هَذَا القَوْلُ الضَّعِيْفُ طَرَدَهُ فِي سَائِرِ الأَفْعَالِ، وَاللهُ أَعْلَمُ بِحَقِيْقَةِ الحَالِ. ثُمَّ وَجَدْتُ لأَبِي عَمْرِو بنِ مَرْزُوقٍ مُصَنَّفَاتٍ فِي أُصُوْلِ الدِّيْنِ، وَرَأَيْتُهُ يَقُوْلُ: إِنَّ الإِيمَانَ غَيْرُ مَخْلُوْقٍ، أقْوَالُهُ وَأَفْعَالُهُ، وَإِنَّ حَرَكَاتِ العِبَادِ مَخْلُوْقَةٌ، لَكِنَّ القَدِيْمَ يَظْهَرُ فِيْهَا كَظُهُوْرِ الكَلَامِ فِي أَلْفَاظِ العِبَادِ. وقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ابنِ تَيْمِيةَ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -: وَثَمَّ جَمَاعَاتٌ مُنْتَسِبُونَ إِلَى الشَّيْخِ أَبِي عَمْرِو بنِ مَرْزُوْقٍ، ويَقُولُوْنَ أَشْيَاءَ مُخَالِفَةً لِمَا كَانَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرٍو عَلَيْهِ، وَهَذَا الشَّيْخُ كَانَ يَنْتَسِبُ إِلَى مَذْهَبِ الإِمَامِ أَحْمَدَ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّيْخِ عَبْدِ الوَهَّابِ بنِ الشَّيْخِ أَبِي الفَرَجِ، وَهَؤلَاءِ يَنْتَسِبُونَ إِلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَيَقُوْلُوْنَ أَقْوَالًا مُخَالِفَةً لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، بَلْ وَلِسَائِرِ أَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ، وَلِشَيْخِهِمُ الشَّيْخِ أَبِي (١) عَمْرٍو، وَهَذَا الشَّيْخُ أَبُو (٢) عَمْرٍو شَيْخٌ مِنْ شُيُوْخِ أَهْلِ العِلْمِ وَالدَّيْنِ، وَلَهُ أُسْوَةٌ أَمْثَالُهُ، وَإِذَا قَالَ قَوْلًا قَدْ عَلِمَ أَنَّ قَوْلَ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ بِخِلَافِهِ وَجَبَ стр. 819
تَقْدِيْمُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ عَلَى قَوْلِهِ، مَعَ دِلَالَةِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى قَوْلِ الأَئِمَّةِ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ القَوْلُ مُخَالِفًا لِقَوْلِهِ، وَلِقَوْلِ الأَئِمَّةِ، وَلِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؟! وَذلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِمْ: لَا نَقْطَعُ، وَلَا نَقُولُ قَطْعًا، وَيَقُوْلُونَ: نَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُوْلُ اللهِ، وَلَا نَقْطَعُ، وَنَقُوْلُ: السَّمَاءُ فَوْقَنَا، وَالأَرْضُ تَحْتَنَا، وَلَا نَقْطَعُ بِذلِكَ، وَيَرْوُوْنَ فِي ذلِكَ أَثَرًا عَنْ عَلِيٍّ، أَوْ حَدِيْثًا مَرْفُوعًا، وَهُوَ مِنَ الكَذِبِ المُفْتَرَى. قَالَ: وَأَصْلُ شُبَهِهِمْ أَنَّ السَّلَفَ كَانُوا يَسْتَثْنُوْنَ فِي الإِيْمَانِ، فَيَقُوْلُ أَحَدُهُمْ: أَنَا مُؤْمِنٌ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، وَعَلَى ذلِكَ كَانَ أَهْلُ الثَّغْرِ - "عَسْقَلَانَ"، وَمَا يَقْرُبُ مِنْهَا - فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ سَكَنَهَا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ الفِرْيَابِيُّ (١) وَكَانَ يَأْمُرُ بِذلِكَ، وَكَانَ شَدِيْدًا عَلَى المُرْجِئَةِ، وَعَامَّةُ هَؤُلَاءِ القَوْمِ جِيْرَانُ "عَسْقَلَانَ" ثُمَّ صَارَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ يَسْتَثْنِي فِي الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، فَيَقُوْلُ: صَلَّيْتُ إِنْ شَاءَ اللهُ، وَهُوَ يَخَافُ أَنْ لَا يَكُوْنَ أَتَى بِالصَّلَاةِ كَمَا أُمِرَ، وَلَا تُقُبِّلَتْ مِنْهُ، فَيَسْتَثْنِيْ خَوْفًا مِنْ ذلِكَ. وصَنَّفَ فِي ذلِكَ بَعْضُ أَهْلِ الثَّغْرِ مُصَنَّفًا، وَشَيْخُهُمْ أَبُو عَمْرِو بنُ مَرْزُوْقٍ، غَايَتُهُ أَنْ يَتْبَعَ هَؤُلَاءِ، وَلَمْ يَكُنِ الرَّجُلُ وَلَا أَحَدٌ قَبْلَهُ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ يَمْتَنِعُوْنَ أَنْ يَقُوْلُوا: لِمَا يُعْلَمُ أَنَّهُ مَوْجُوْدٌ هَذَا مَوْجُوْدٌ قَطْعًا، لكِنْ لَمَّا مَاتَ أَحْدَثَ بَعْضُ أَتْبَاعِهِ الاِسْتِثنَاءَ فِي كُلِّ شَيءٍ حَتَّى فِي الإِخْبَارِ عَنِ المَاضِي وَالحَاضِرِ، وَقَدْ نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الشُّيُوْخِ: أَنَّهُ كَانَ يَسْتَثْنِي فِي стр. 820
كُلِّ شَيءٍ كَأَنَّهُ - وَاللهُ أَعْلَمُ - فِي الخَبَرِ عَنِ الأُمُوْرِ المُسْتَقْبَلَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى (١): ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ (٢): "وَإنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحقُونَ" وَصَارُوا يَمْتَنِعُوْنَ عَنِ التَّلَفُّظِ بِالقَطْعِ، مَعَ أَنَّهُمْ مُحِقُّوْنَ بِقُلُوْبِهِمْ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُوْلُ اللهِ، وَلَا يَشُكُّوْنَ فِي نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ (٣)، وَلكِنْ يَكْرَهُوْنَ لَفْظَ القَطْعِ، وَهَذا جَهْلٌ مِنْهُمْ. وَالوَاجِبُ عَلَيْهِمْ مُوَافَقَةُ جَمَاعَةِ المُسْلِمِيْنَ فَإِنَّ قَوْلَ القَائِلِ: أَقْطَعُ بِذلِكَ، مِثْلَ قَوْلِهِ: أَشْهَدُ بِذلِكَ، وَأَجْزِمُ، وَأَعْلَمُ بِذلِكَ، وَأَطَالَ الشَّيْخُ الكَلَامَ فِي ذلِكَ.
تُوُفِّيَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بنُ مَرْزُوقٍ بِـ "مِصْرَ" سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، стр. 821
وَقَدْ جَاوَزَ السَّبْعِيْنَ، وَدُفِنَ بِـ "القَرَافَةِ" شَرْقِيِّ قَبْرِ الشَّافِعِيِّ ﵁، وَقَبْرُهُ ظَاهِرٌ يُزَارُ، ﵀.
١٥٠ - أَحمَدُ بنُ صَالِحِ (١) بنِ شَافِعِ بنِ صَالِحِ بنِ حَاتِمِ بنِ أَبِي عَبْدِ اللهِ الجِيْلِيُّ، الحَافِظُ، أَبُو الفَضْلِ، بنُ أَبِي المَعَالِي بنِ أَبِي مُحَمَّدٍ، مُفِيْدُ العِرَاقِ، وَقَدْ стр. 822
تَقَدَّمَ (١) ذِكْرُ أَبِيهِ وَجَدِّهِ.
وُلِدَ فِي ثَامِنَ عَشَرَ ذِي القَعْدَةِ، سَنَةَ عِشْرِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ. وَقَرَأَ القُرْآنَ بِالرِّوَايَاتِ عَلى أَبِي مُحَمَّدٍ سِبْطِ الخَيَّاطِ وَغَيْرِهِ، وَبَكَّرَ بِهِ أَبُوْهُ فِي سَمَاعِ الحَدِيْثِ، فَأَسْمَعَهُ مِنْ أَبِي غَالِبِ بنِ البَنَّاءِ، وَأَبِي الحُسَينِ بنِ الفَرَّاءِ، وَالقَاضِي أَبِي بَكْرٍ الأَنْصَارِيِّ، وَأَبِي القَاسِمِ الحَرِيْرِيِّ، وَأَبِي البَدْرِ الكَرْخِيِّ، وَأَبِي الحَسَنِ بنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَوَالِدِهِ صَالِحِ بنِ شَافِعٍ، وَخَلْقٍ كَثِيْرٍ. وَطَلَبَ هُوَ بِنَفْسِهِ، وَلَازَمَ أَبَا الفَضْلِ بنَ نَاصِرٍ الحَافِظَ، حَتَّى قَرَأَ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مَا كَانَ عِنْدَهُ، وَاخْتُصَّ بِصُحْبَتِهِ، وَكَانَ يَقْتَفِي أَثَرَهُ، وَيَسْلُكُ مَسْلَكَهُ، ثُمَّ أَكْثَرَ الأَخْذَ عَنْ أَصْحَابِ ابنِ البَطِرِ، وَطِرَادٍ (٢) وَطَبَقَتِهِمَا. وَبَالَغَ فِي الطَّلَبِ حَتَّى سَمِعَ مِنْ أَصْحَابِ ابنِ بَيَانٍ، وَابْنِ نَبْهَانَ، ثُمَّ مِنْ أَصْحَابِ ابنِ الحُصَيْنِ، وَابْنِ كَادِشٍ، وَطَبَقَتِهِمَا، وَلَمْ يَزَلْ مُشْتَغِلًا بِالطَّلَبِ وَالسَّمَاعِ، إِلَى أَنْ مَاتَ، وَكَتَبَ بِخَطِّهِ الكَثِيْرَ، وَحَصَّلَ الأُصُوْلَ الحِسَانَ، وَلَمْ يُحَدِّثْ إِلَّا بِاليَسِيْرِ؛ لأَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ أَوَانِ الرِّوَايَةِ.
قَالَ ابْنُ النَّجَّارِ: كَانَ حَافِظًا، مُتْقِنًا، ضَابِطًا، مُحَقِّقًا، حَسَنَ القِرَاءَةِ، صَحِيْحَ النَّقْلِ، ثَبْتًا، حُجَّةً، نَبِيْلًا، وَرِعًا، مُتَدَيِّنًا، تَقِيًّا، مُتَمَسِّكًا بِالسُّنَّةِ، عَلَى طَرِيْقَةِ السَّلَفِ، وَصَنَّفَ "تَارِيْخًا" عَلَى السِّنِيْنَ، بَدَأَ فِيْهِ بِالسَّنَةِ الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا أَبُو بَكْرٍ الخَطِيْبُ، وَهِيَ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَسِتِّيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، إِلَى بَعْدَ السِّتَيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، يَذْكُرُ السَّنَةَ وَحَوَادِثَهَا، وَمَنْ تُوُفِّيَ فِيْهَا، وَيَشْرَحُ أَحْوَالَهُمْ، وَمَاتَ وَلَمْ يُبَيِّضْهُ. стр. 823
وَقَدْ نَقَلْتُ عَنْهُ مِنْ هَذَا الكِتَابِ كَثِيْرًا، يَعْنِي ابنُ النَّجَّارِ بِهَذَا الكِتَابِ "تَارِيْخَهُ" المُذَيَّلَ عَلَى "تَارِيْخِ بَغْدَادَ".
(قُلْتُ): وَأَنَا فَقَدْ نَقَلْتُ مِنْ "تَارِيْخِ ابْنِ شَافِعٍ" فِي هَذَا الكِتَابِ فَوَائِدَ مِمَّا وَقَعَ لِيْ مِنهُ، فَإِنَّهُ وَقَعَ لِي مِنْهُ عِدَّةُ أَجْزَاءِ مِنْ مُنْتَخَبِهِ لابْنِ نُقْطَةَ. وَقَدْ ذَكَرَهُ ابنُ نُقْطَةَ فِي كِتَابِهِ "الاسْتِدْرَاكِ" (١) وَنَعَتَهُ بِـ "الحَافِظِ"، وقَالَ: كَانَ مَوْصُوْفًا بِحُسْنِ القِرَاءَةِ لِلْحَدِيْثِ (٢)، وكَانَ صَالِحًا، ثِقَةً، مَأْمُونًا، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ منْهُ: هُوَ مُتْقِنٌ.
وَسُئِلَ عَنْهُ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّيْنِ المَقْدِسِيُّ فَقَالَ: كَانَ حَافِظًا، ثِقَةً، يَقْرَأُ الحَدِيْثَ قِرَاءَةً حَسَنةً، مُبَيَّنَةً، صَحِيْحَةً، بِصَوْتٍ رَفِيعٍ، إِمَامٌ فِي السُّنَّةِ، وَكَانَ شَاهِدًا، مُعَدَّلًا، بَلَغَنِي أَنَّهُ دُعِيَ إِلَى الشَّهَادَةِ لِلْخَلِيْفَةِ بِمَا لَا يَجُوْزُ، فَامْتَنَعَ مِنَ الشَّهَادَةِ، وطَرَحَ الطَّيْلَسَانُ، وَقَالَ: مَا لَكُمْ عِنْدَنَا إِلَّا هَذَا.
قَالَ ابنُ النَّجَّارِ: أَنْشَدَنِي عَبْدُ الوَهَّابِ بنُ عَلِيٍّ الأَمِيْنُ أَنْشَدَنِي أَبُو الفَضْلِ بنُ شَافِعٍ:
فِي زُخْرُفِ القَوْلِ تَزْيِيْنٌ لِبَاطِلِهِ … وَالقَوْلَ قَدْ يَعْتَرِيْهِ سُوْءُ تَعْبِيْرِ
تَقُوْلُ هَذا مُجَاجُ (٣) النَّحْلِ تَمْدَحُهُ … وإِنْ تَعِبْ قُلْتَ هَذَا قَيْءُ زُنْبُوْرِ
مَدْحًا وَذَمًا وَمَا جَاوَزْتَ وَصْفَهُمَا … حُسْنُ البَيَانِ يُرِي الظَّلْمَاءَ كَالنُّوْرِ
تُوُفِّيَ يَوْمَ الأَرْبِعَاءِ بَعْدَ الظُّهْرِ ثَالِثَ شَعْبَانَ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ. стр. 824
وَكَانَ مَرَضُهُ البِرْسَامَ وَالسِّرْسَامَ (١) سِتَّةَ أَيَّامٍ، وَأُسْكِتَ مِنْهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَشُدَّ تَابُوْتُهُ بِالحِبَالِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ خَلْقٌ كَثِيْرٌ، وَدُفِنَ عَلَى أَبِيْهِ فِي دَكَّةِ قَبْرِ الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁.
١٥١ - عَلِيُّ بنُ ثَرْوَانَ (٢) بن زَيْدِ بن الحَسن (٣) بن سَعيْدِ (٤) بنِ عِصْمَةَ بنِ حِمْيَرَ الكِنْدِيُّ البَغْدَادِيُّ، النَّحْوِيُّ، الأَدِيْبُ، شَمْسُ الدِّيْنِ، أَبُو الحَسَنِ، ابنُ عَمِّ стр. 825
الشَّيْخِ تَاجِ الدِّيْنِ أَبِي اليُمَنِ زَيْدٍ (١) سَمِعَ بِـ "بَغْدَاد" (٢)، وقَرَأَ، وَكَتَبَ الطِّبَاقَ بِخَطِّهِ عَلَى يَحْيَى بنِ البَنَّاءِ (٣) وَغَيْرِهِ، وَيَغْلِبُ عَلَى ظَنِّي أَنِّي وَقَفْتُ عَلَى قِرَاءَتِهِ لِـ "الهِدَايَةِ" عَلَى الشَّيْخِ عَبْدِ القَادِرِ، وَقَرَأَ النَّحْوَ وَاللُّغَةَ عَلَى ابنِ الجَوَالِيْقِيِّ، ثُمَّ قَدِمَ "دِمَشْقَ"، وَأَدْرَكَ شَرَفَ الإِسْلَامِ ابنَ الحَنْبَلِيِّ وَصَحِبَهُ، وَكَانَ فَاضِلًا، أَدِيْبًا، حَسَنَ الخَطِّ، كَتَبَ بِخَطِّهِ كَثِيْرًا مِنْ الأَدَبِ، وَمِنْ دَوَاوِيْنَ العَرَبِ، وَحَظِيَ عِنْدَ السُّلْطَانِ نُوْرِ الدِّيْنِ.
قَرَأْتُ بِخَطِّ أَبِي الفَرَجِ بنِ الحَنْبَلِيِّ: كَانَ عَارِفًا بِالنَّحْوِ وَاللُّغَةِ، قِيْلَ: كَانَ أَعْلَمَ بِهَا مِنْ ابنِ عَمِّهِ أَبِي اليُمَنِ، وَيَقُوْلُ الشِّعْرَ، وَهُوَ حَنْبَلِيُّ، مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَكَتَبَ مِنَ الرَّقَائِقِ (٤) وَالكَلَامِ الوَعْظِيِّ الكَثِيْرَ، وَطَلَبَ مِنْ شَرَفِ الإِسْلَامِ أَنْ يَجْلِسَ بِمَدْرَسَتِهِ لِلْوَعْظِ، فَأَذِنَ لهُ فِي ذلِكَ، فَغَلَبَهُ الحَيَاءُ، فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الإِيْرَادِ، ثُمَّ نَزَلَ وَتَرَكَ الوَعْظَ.
قُلْتُ: تُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ بِـ "دِمَشْقَ". وَمِنْ شِعْرِهِ:
هَتَكَ الدَّمْعُ بِصَوْتِ هَتِفٍ … كُلَّمَا أَضْمَرْتَ مِنْ سِرٍّ خَفِي стр. 826
يَا أَخِلَّائِي عَلَى الخَيْفِ أَمَا … تَتَّقُوْنَ اللهَ فِي حَثِّ المُطِي
وَلَهُ أَيْضًا:
دَرَّتْ عَلَيْكِ غَوَادِي المُزْنِ يَا دَارُ … وَلَا عَفَتْ مِنْكِ آيَاتٌ وَآثَارُ
دَعَاءُ مِن لَعِبَتْ أَيْدِي الغَرَامِ بِهِ … وَسَاعَدَتْهَا صَبَابَاتٌ وَتِذْكَارُ
وَقَصَدَ بَعْضَ الأَكَابِرِ مَرَّةً فَلَمْ يُصَادِفْهُ، فَكَتَبَ عَلَى بَابِ دَارِهِ حَفْرًا بِسِكِّيْنٍ: (١) стр. 827
حَضَرَ الكِنْدِيُّ مَغْنَاكُمْ فَلَمْ … يَرَكُمْ مِنْ بَعْدِ كَدٍّ وَتَعَبْ
لَوْ رَآكُمْ لَتَجَلَّى هَمُّهُ … وَانْثَنَى عَنْكُمْ بِحُسْنِ المُنْقَلَبْ
١٥٢ - مُحَمَّدُ بنُ حَامِدِ (١) بن حَمْدِ (٢) بنِ عَبْدِ الوَاحِدِ بنِ عَلِيِّ بنِ أَبِي مُسْلِمٍ الأَصْبَهَانِيُّ، الوَاعِظُ، الحَنْبَلِيُّ، أَبُو سَعِيْدٍ. وَيُعْرفُ بـ "سُرْمُسُ".
سَمِعَ أَبَا مَسْعُوْدٍ مُحَمَّدَ بنَ عَبْدِ اللهِ السُّوْذَرْجَانِيَّ (٣)، وَأَبَا مُطِيْعٍ المِصْرِيَّ (٤) стр. 828
والدُّوْنِيُّ (١)، وَيَحْيَى بنَ مَنْدَه، وَجَمَاعَةً، وَبِـ "بَغْدَادَ" (٢) أَبَا القَاسِمِ بنَ السَّمَرْقَنْدِيِّ. وَكَتَبَ بِخَطِّهِ، وَحَدَّثَ بِـ "بَغْدَادَ" وَغَيْرِهَا. وَكَانَ مِنْ أَعْيَانِ الوُعَّاظِ، وَلَهُ القَبُوْلُ التَّامُّ عِنْدَ العَوَامِّ.
تُوُفِّيَ فِي سَلْخِ شَعْبَانَ سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ بُرْدَيَانَ (٣) فِي جِوَارِ قَبْرِ الإِمَامِ أَبِي مَسْعُوْدٍ الرَّازِيِّ (٤). стр. 829
١٥٣ - النَّفِيْسُ بنُ مَسْعُودِ (١) بنِ أَبِي سَعْدِ بنِ عَلِيٍّ، المَعْرُوفُ بِـ "ابْنِ صَعَوَةَ" السَّلَامِيُّ، الفَقِيْهُ أَبُو مُحَمَّدٍ قرَأَ القُرْآنَ، وَتَفَقَّهَ عَلَى أَبِي الفَتْحِ بنِ المَنِّيِّ، وَوَعَظَ. وَاحْتُضِرَ فِي شَبَابِهِ، فَتُوُفِّيَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ تَاسِعِ شَوَّالٍ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِمَائَةَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ عِنْدَ جَامِعِ السُّلْطَانِ بِالجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁، وَذَكَرَهُ ابنُ الجَوْزِيِّ، وَقَالَ المُنْذِرِيُّ: تَفَقَّهَ علَى ابنِ المَنِّيِّ، وَتَكَلَّمَ فِي مَسَائِلِ الخِلَافِ، وَسَمِعَ مِنْ غَيْرِ وَاحِدٍ. стр. 830
قَالَ: "وَصَعَوَةُ" بِفَتْحِ الصَّادِ وَالعَيْنِ المُهْمَلَتَيْنِ (١)، وَبَعْدَهَا تَاءُ تَأْنِيثٍ - لَقَبٌ لِجَدِّهِ (٢) مَسْعُودٍ.
١٥٤ - فِتْيَانُ بنُ مَيَّاحِ (٣) بنِ حَمْدِ بنِ سُلَيْمَانَ بنِ المُبَارَكِ بنِ الحُسَيْنِ السُّلَمِيُّ الحَرَّانِيُّ، الضَّرِيْرُ، المُقْرِئُ، الفَقِيْهُ، أَبُو الكَرَمِ. قَالَ ابنُ القَطِيْعِيُّ فِي "تَارِيْخِهِ": وُلِدَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشرِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ عَلَى مَا بَلَغَنِي.
قُلْتُ: وَهَذَا بَعِيْدٌ. وَلَعَلَّهُ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ. قَالَ: وَقَدِمَ "بَغْدَاد" وَسمِعَ الحَدِيْثَ مِنْ أَبِي البَرَكَاتِ عَبْدِ الوَهَّابِ الأَنْمَاطِيِّ، وَصَالِحِ بنِ شَافِعٍ، وَأَبِي زَيْدٍ الحَمَوِيِّ (٤)، وَغَيْرِهِمْ، وَتَفَقَّهَ بِمَذْهَبِ الإِمَامِ أَحْمَدَ، وَعَادَ إِلَى بَلَدِهِ، فَأَفْتَى وَدَرَّسَ بِه إِلَى أَنْ مَاتَ. سَمِعَ مِنْهُ أَبُو المَحَاسِنِ القَاضِي القُرَشِيُّ.
قُلتُ: كَانَ بَارِعًا فِي عِلْمِ القِرَاءَاتِ، وَلَهُ مُصَنِّفٌ فِي عِلْمِ التَّجْوِيْدِ (٥) стр. 831
وَقَالَ الشَّيْخُ فَخْرُ الدِّيْنِ ابنِ تَيْمِيَّةِ فِي أَوَّلِ "تَفْسِيْرِهِ"، وَقَدْ ذَكَرَ شُيُوْخَهُ فِي العِلْمِ - فَأَوَّلُ مَا قَالَ: كُنْتُ بُرْهَةً مَعَ شَيْخِنَا الإِمَامِ، الوَرِعِ أَبِي الكَرَمِ فِتْيَانَ بنِ مَيَّاحٍ، وَكَانَ طَويْلَ البَاعِ فِي عِلْمِ اللُّغَةِ وَالإِعْرَابِ، مَبْسُوْطًا فِي الإِغْرَاقِ فِيْهِمَا وَالإِغْرَابِ (١)، يَشُقُّ الغُبَارَ فِي عِلْمِ القُرآنِ، وَمُعَانَاةِ المَعَانِي فَهْمًا، وَاللُّغَاتِ، وَإِحْكَامِ (٢) فَهْمِ الأَحْكَامِ، وَالوُقُوفِ عَلَى مَوَارِدِ الحَلَالِ وَالحَرَامِ. стр. 832
وَعَدَّهُ أَبُو الفَتْحِ بنُ عَبْدُوْسٍ مِنْ شُيُوْخِهِ وَشُيُوْخِ حَرَّانَ وَفُقَهَائِهَا وَعُلَمَائِهَا.
قَالَ ابنُ القَطِيْعِيِّ: حَدَّثَ فِتْيَانُ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِيْنَ وَخمْسِمَائَةَ، وَدَخَلْتُ "حَرَّانَ" سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّينَ وَخَمْسِمَائَةَ، فَسَأَلْتُ عَنْهُ فَقَالُوا: تُوُفِّيَ عَنْ قَرِيْبٍ ﵀.
قُلْتُ: وَفِيْهِ أَيْضًا نَظَرٌ؛ فَإِنَّ الشَّيْخَ فَخْرَ الدِّينِ بنِ تَيْمِيَّةَ ذَكَرَ أَنَّهُ لَازَمَ أَبَا الحَسَنِ بنَ عَبْدُوْسٍ بَعْدَ مَوْتِ فُتْيَانَ هَذَا، وَهَذَا يُشْعِرُ بِتَقَدُّمِ وَفَاتِهِ عَلَى وَفَاةِ ابنِ عَبْدُوْسٍ، وَيُمْكِنُ أَنَّهُ أَرَادَ مُلَازَمَتَهُ لابنِ عَبْدُوْسٍ كَانَتْ بَعْدَ مُلَازَمَتِهِ لِفِتْيَانَ، لَا بَعْدَ مَوْتِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
١٥٥ - عَبْدُ اللهِ بنُ أَحْمَدَ (١) بنِ أَحمَدَ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ نَصْرِ بنِ الخَشَّابِ البَغْدَادِيُّ، стр. 833
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 834
اللُّغَوِيُّ، النَّحْوِيُّ، المُحَدِّثُ، الإِمَامِ أَبُو مُحَمَّدِ بنِ أَبِي الكَرَمِ.
وُلِدَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ ظَنًّا. وَقَرَأَ القُرْآنَ بِالرِّوَايَاتِ، وَسَمِعَ الحَدِيْثَ مِنْ أَبِي القَاسِمِ الرَّبَعِيِّ، وَأَبِي الغَنَائِمِ النَّرْسِيِّ، وَيَحْيَى بنِ مَنْدَه، وَطَلَبَ بِنَفْسِهِ، وَقَرَأَ الكَثِيْرَ عَلَى ابنِ الحُصَيْنِ، وَأَبِي العِزِّ بنِ كَادِشٍ، وَأَبِي غَالِبِ بنِ البَنَّاءِ، وَأَبِي القَاسِمِ الحَرِيْرِيِّ، وَأَبِي بَكْرِ بنِ عَبْدِ البَاقِي، وَأَبِي القَاسِمِ بنِ السَّمَرْقَنْدِيِّ، وَالمَزْرَفِيِّ، وَأَبِي الحَسَنِ بنِ الزَّاغُونِيِّ، وَأَبِي الحُسَيْنِ بنِ الفَرَّاءِ، وَخَلْقٍ مِنَ الطَّبَقَةِ، وَلَمْ يَزَلْ يَقْرَأُ حَتَّى قَرَأَ عَلَى أَقْرَانِهِ.
وَقَدْ عَدَّهُ ابنُ نُقْطَةَ فِي أَوَّلِ "اسْتِدْرَاكِهِ" (١) مِنَ الحُفَّاظِ الَّذِينَ يُعْتَمَدُ عَلَى ضَبْطِهِمْ، وَقَرَنَهُ مَعَ السِّلَفِيِّ، وَأَبِي العَلَاءِ، وَابْنِ عَسَاكِرِ. وَأَخَذَ اللُّغَةَ وَالعَرَبِيَّةَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بنِ جُوَامَرْدَ (٢) القَطَّانِ، وَأَبِي الحَسَنِ الفَصيْحِيِّ، وَأَبِي الحَسَنِ المُحَوَّلِيِّ، стр. 835
وَأَبِي مَنْصُورٍ الجَوَالِيْقِيِّ، وَأَبِي السَّعَادَاتِ بنِ الشَّجَرِيِّ، وَقَرَأَ الحِسَابَ وَالهَنْدَسَةَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ البَاقِي، وَالفَرَائِضَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ المَزْرَفِيِّ. وَشَارَكَ فِي أَنْوَاعِ العُلُوْمِ، وَبَرَعَ فِي كَثِيْرٍ مِنْهَا.
قَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: انْتَهَى إِلَيْهِ مَعْرِفَةُ النَّحْوِ وَاللُّغَةِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ فَخْرُ الدِّيْنِ بنُ تَيْمِيَّةَ: أَكْثَرْتُ (١) التَّرَدُّدَ إِلَى مَجْلِسِ شَيْخِنَا العَلَّامَةِ، حُجَّةِ الإِسْلَامِ، أَبِي مُحَمَّد بنِ الخَشَّابِ لِتَحْصِيْلِ فَنَّيْ النَّحْوِ وَاللُّغَةِ، وَمَا بَلَغَ أَحَدٌ مِنْ أَبْنَاءِ عَصْرِهِ فِيْهِمَا مَا بَلَغَهُ.
وَسُئِلَ عَنْهُ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّيْنِ المَقْدِسِيُّ فَقَالَ: كَانَ إِمَامًا فِي عَصْرِهِ فِي عِلْمِ العَرَبِيَّةِ، وَالنَّحْوِ (٢) وَاللُّغَةِ، وَكَانَ عُلَمَاءُ أَهْلِ عَصْرِهِ يَسْتَفْتُونَهُ فِيْهِمَا، وَيَسْأَلُوْنَهُ عَنْ مُشْكِلَاتِهَا، وَحَضَرْتُ كَثِيْرًا مِنْ مَجَالِسِهِ لِلْقِرَاءَةِ عَلَيْهِ وَلكِنْ لَمْ أَتَمَكَّنْ مِنَ الإِكْثَارِ عَلَيْهِ؛ لِكَثْرَةِ الزِّحَامِ عَلَيْهِ، وَكَانَ حَسَنَ الكَلَامِ فِي السُنَّةِ وَشَرْحِهَا.
وَقَالَ ابنُ النَّجَّارِ: كَانَ أَعْلَمَ أَهْلِ زَمَانِهِ بِالنَّحْوِ، حَتَّى يُقَالُ: إِنَّه كَانَ فِي دَرَجَةِ أَبِي عَلِيٍّ الفَارِسِيِّ، قَالَ: وَكَانَتْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالحَدِيْثِ وَاللُّغَةِ، وَالمَنْطِقِ، وَالفَلْسَفَةِ، وَالحِسَابِ، وَالهَنْدَسَةِ، وَمَا مِنْ عِلْمٍ مِنَ العُلُوْمِ إِلَّا كَانَتْ لَهُ فِيْهِ يَدٌ حَسَنَةٌ.
وَقَالَ يَاقُوْتٌ الحَمَوِيُّ: رَأَيْتُ قَوْمًا مِنْ نُحَاةِ "بَغْدَادَ" يُفَضِّلُوْنَهُ عَلَى أَبِي عَلِيٍّ الفَارِسِيِّ قَالَ: وَسَمِعَ الحَدِيْثَ الكَثِيرَ، وَتَفَقَّهَ فِيْهِ، وَعَرَفَ صَحِيْحَهُ стр. 836
مِنْ سَقِيْمِهِ، وَبَحَثَ عَنْ أَحْكَامِهِ، وَتَبَحَّرَ فِي عُلُوْمِهِ.
وَذَكَرَهُ ابنُ السَّمْعَانِيِّ فِي كِتَابِهِ، فَقَالَ: لَهُ مَعْرِفَةٌ تَامَّةٌ بِالحَدِيْثِ، وَيَقْرَأُ الحَدِيْثَ قِرَاءَةً سَرِيْعَةَ، حَسَنَةً، صَحِيْحَةً، مَفْهُوْمَةً، وَيُدِيْمُ القِرَاءَةِ مِنْ غَيْرِ فُتُوْرٍ، سَمِعَ الكَثِيْرَ بِنَفْسِهِ، وَجَمَعَ الأُصُوْلَ الحِسَانَ مِنْ أَيِّ وَجْهِ اتَّفَقَ لَهُ، وَكَانَ يَضِنُّ بِهَا. قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا شُجَاعٍ البِسْطَامِيَّ (١) يَقُوْلُ: قَرَأَ عَلَيَّ ابنُ الخَشَّابِ "غَرِيْبَ الحَدِيْثِ" لِلْقُتَبِيِّ (٢) قِرَاءَةً مَا سَمِعْتُ قَبْلَهَا بِمِثْلِهَا فِي الصِحَّةِ وَالسُّرْعَةِ، وَحَضَرَ جَمَاعَةٌ مِنَ الفُضَلَاءِ لِسَمَاعِهَا، وَكَانُوا يُرِيْدُوْنَ أَنْ يَأْخُذُوا عَلَيْهِ فَلْتَةَ لِسَانٍ، فَمَا قَدَرُوا عَلَى ذلِكَ.
قَالَ السَّمْعَانِيِّ (٣): وَكَتَبْتُ عَنْهُ "جُزْءًا" مِنْ حَدِيْثِ أَبِي الحَسَنِ بنِ стр. 837
مَخْلَدٍ (١)، كَانَ يَرْوِيْهِ عَنِ الرَّبِعِيِّ، حَدَّثَنَا بِلَفْظِهِ، وَهَذَا كُلُّهُ وَابنُ السَّمْعَانِيِّ إِنَّمَا رَآهُ وَلَهُ نَحْوَ الأَرْبَعِيْنَ سَنَةً.
قَالَ ابنُ القَطِيْعِيِّ فِي "تَارِيْخِهِ": سَمِعْتُ ابنَ الأَخْضَرِ الحَافِظِ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ بنَ الخَشَّابِ يَقُوْلُ: إِنِّي مُتْقِنٌ فِي ثَمَانِيَةِ عُلُوْمٍ، مَا يَسْأَلُنِي أَحَدٌ عَنْ عِلْمٍ مِنْهَا وَلَا أَجِدُ لَهَا أَهْلًا. وَذَكَرَ غَيْرُهُ - عَنِ ابنِ الأَخْضَرِ - قَالَ: دَخَلْتُ عَلَيْهِ يَوْمًا وَهُوَ مَرِيْضٌ، وَعَلَى صَدْرِهِ كِتَابٌ يَنْظُرُ فِيْهِ، قُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَ: ذَكَرَ ابنُ جِنِّي (٢) مَسْأَلَةً فِي النَّحْوِ، وَاجْتَهَدَ أَنْ يَسْتَشْهِدَ عَلَيْهَا стр. 838
بِبَيْتٍ مِنَ الشِّعْرِ فَلَمْ يَحْضُرُهُ، وَإِنِّي لأَعْرِفُ عَلَى هَذِهِ المَسْأَلَةِ سَبْعِيْنَ بَيْتًا مِنَ الشِّعْرِ، كُلُّ بَيْتٍ مِن قَصِيْدَةٍ تَصْلُحُ أَنْ يُسْتَشْهَدَ (١) بِهِ عَلَيْهَا. وَوَصَفَهُ جَمَاعَةٌ بِأَنَّهُ كَانَ عَالِمًا بِالتَّفْسِيرِ وَالحَدِيْثِ، وَالفَرَائِضِ وَالحِسَابِ وَالقِرَاءَاتِ.
قَالَ ابنُ القَطِيعِيِّ: كَانَ الغَالِبُ عَلَى عُلُوْمِهِ عِلْمَ النَّحْوِ وَضُرُوْبِهِ وَأَنْوَاعِهِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَانْتَهَى إِلَيْهِ مَعْرِفَةُ عُلُوْمٍ جَمَّةٍ، أَنْهَاهَا، وَشَرَحَ الكَثِيْرَ مِنْ عُلُوْمِهِ، وَكَانَ ضِنِّيْنًا بِهَا، مَعَ لُطْفِ مُخَالَطَةٍ، وَعَدَمِ تَكَبُّرٍ، وإِطْرَاحِ تَكَلُّفٍ، مَعَ تَشَدُّدٍ فِي السُّنَّةِ، وَتَظَاهُرٍ بِهَا فِي مَحَافِلَ عُلُوْمِهِ، وَمَجَالِسَ تَلَامِيْذِهِ وَأَصْحَابِهِ، يَنْتَحِلُ مَذْهَبِ الإِمامِ أَحْمَدَ، وَيَنْتَصِرُ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ المَذَاهِبِ، وَيُصَرِّحُ بِبَرَاهِيْنِهِ وَحُجَجِهِ عَلى ذلِكَ.
وَذَكَرَ يَاقُوْتٌ الحَمَوِيُّ قَالَ: كَانَ الحَافِظُ ابنُ نَاصِرٍ ابنَ عَمَّةِ أُمَّ ابنِ الخَشَّابِ، قَالَ ابنُ الخَشَّابِ: قَالَتْ لِي أُمِّي: يَا بُنَيَّ، مَا أَرَاكَ تُصَلِّي صَلَاةَ الرَّغَائِبِ عَلَى عَادَةِ النَّاسِ، فَقُلْتُ: يَا أُمِّي، أَنَا أُوْثِرُ مِنَ الصَّلَوَاتِ مَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، وَهَذِهِ الصَّلَاةُ لَمْ تَرِدْ عَنْ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ ، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَتْ: لَا أَسْمَعُ ذلِكَ مِنْكَ، فَاسْأَلْ لِي ابنَ عَمَّتِي: فَاتَّفَقَ أَنِّي لَقِيْتُهُ، فَقُلْتُ: الوَالِدَةُ تُسَلِّمُ عَلَيْكَ، وَتسْأَلُكَ عَنْ صَلَاةِ الرَّغَائِبِ: هَلْ وَرَدَتْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، أَوْ عَنْ أَصْحَابِهِ؟ فَقَالَ لِي: فَهَلَّا أَخْبَرْتَهَا بِحَقِيْقَةِ ذلِكَ؟ فَقُلْتُ: قَدْ أَبَتْ إِلَّا أَنْ أُخْبِرَهَا عَنْكَ، فَقَالَ: سَلِّمْ عَلَيْهَا، وَقُلْ لَهَا: أَنَا أَسَنُّ مِنْهَا، فَإِنَّهَا أُحْدِثَتْ فِي زَمَنِي وَعَصْرِيْ، وَقَدْ مَضَتْ بُرْهَةٌ وَلَا أَرَى стр. 839
أَحَدًا يُصَلِّيْهَا، وَإِنَّمَا وَرَدَتْ مِنَ "الشَّامِ"، وَتَدَاوَلَهَا النَّاسُ حَتَّى أَجْرَوْهَا مُجْرَى مَا وَرَدَ مِنَ الصَّلَوَاتِ المَأْثُوْرَةِ.
وَلاِبْنِ الخَشَّابِ تَصَانِيْفُ مِنْهَا كِتَابُ "المُرْتَجَلِ فِي شَرْحِ الجُمَلِ" للزَّجَّاجِيِّ (١)؟ وَقَدْ تَرَكَ فِيْهِ أَبْوَابًا مِنْ وَسَطِ الكِتَابِ لَمْ يَشْرَحْهَا، وَكِتَابُ "الرَّدِّ عَلَى ابنِ بَابْشَاذ стр. 840
فِي شَرْحِ الجَمَلِ" (١) وَكِتَابُ "الرَّدِّ عَلى أَبِي زكَرِيَّا التِّبْرِيْزِيِّ فِي تَهْذِيْبِ إِصْلَاحِ المَنْطِقِ لابنِ السِّكِّيْتِ" وَكِتَابُ "أَغْلَاطِ الحَرِيْرِيِّ فِي مَقَامَاتِهِ" (٢) وَشَرَحَ "اللُّمَعَ" لابْنِ جِنِّيِ إِلَى بَابِ النِّدَاءِ فِي ثَلَاثِ مُجَلَّدَاتٍ (٣)، وَشَرَحَ "مُقَدِّمَةِ الوَزِيْرِ ابنِ هُبَيْرَةَ" فِي أَرْبعِ مُجَلَّدَاتٍ (٤). وَيُقَالُ: إِنَّهُ وَصَلَهُ عَلَيْهَا بِأَلْفِ دِيْنَارٍ، وَلَهُ "جَوَابُ المَسَائِلِ الإِسْكَنْدَرَانِيَّةِ" فِي الاِشْتِقَاقِ (٥). وَيُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ ضَيِّقَ стр. 841
العَطَنِ فِي تَصَانِيْفِهِ لَا يُتِمُّهَا، وَإِنَّ كَلَامَهُ كَانَ أَجْوَدَ مِنْ قَلَمِهِ. وَكَانَ ابنُ الخشَّابِ يَكْتُبُ خَطًّا حَسَنًا، وَيَضْبِطُ ضَبْطًا مُتْقِنًا، فَكَتَبَ كَذلِكَ كَثِيْرًا مِنَ الأَدَبِ وَالحَدِيثِ وَسَائِرِ الفُنُوْنِ، وَحَصَّلَ مِنَ الكُتُبِ وَالأُصُوْلِ وَغَيْرِهَا مَالَا يَدْخُلُ تَحْتَ الحَصْرِ، وَمِنْ خُطُوْطِ الفُضَلَاءِ وَأَجْزَاءِ الحَدِيثِ شَيْئًا كَثِيْرًا. وَذَكَرَ ابنُ النَّجَّارِ: أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ وَأَصْحَابِ الحَدِيْثِ إِلَّا وَكَانَ يَشْتَرِيْ كُتُبَهُ كُلَّهَا، فَحَصَلَتْ أُصُوْلُ المَشَايِخِ عِنْدَهُ. وَذَكَرَ عَنْهُ: أَنَّهُ اشْتَرَى يَوْمًا كُتُبًا بِخَمْسِمَائَةِ دِيْنَارٍ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ، فَاسْتَمْهَلَهُمْ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، ثُمَّ مَضَى وَنَادَى عَلَى دَارِهِ، فَبَلَغَتْ خَمْسِمَائَةِ دِيْنَارٍ، [فَنَقَضَ سَاجَهَا] (١) وَبَاعَهُ بِخَمْسِمَائَةِ دِيْنَارٍ، وَوَفَّى ثَمَنَ الكُتُبِ (٢)، وَبَقِيَتْ لَهُ الدَّارُ، وَلَمَّا مَرِضَ أَشْهَدَ عَلَيْهِ بِوَقْفِ كُتُبَهُ، فَتَفَرَّقَتْ وَبِيْعَ أَكْثَرُهَا، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا عُشْرَهَا، فتُرِكَتْ فِي رِبَاطِ "المَأْمُوْنِيَّةِ" (٣) وَقْفًا.
وَقَرَأَ عَلَيْهِ الخَلْقُ الكَثِيْرُ الحَدِيْثَ وَالأَدَبَ، وَانْتَفَعُوا بِهِ وَتَخَرَّجَ بِهِ جَمَاعَةٌ، وَسَمِعَ مِنْهُ كِبَارُ الأَئِمَّةِ، وَرَوَى عَنْهُ خَلْقٌ مِنَ الحُفَّاظِ وَغَيْرِهِمْ. وَكَانَ الحَافِظُ أَبُو مُحَمَّدِ بنُ الأَخْضَرِ يَقُوْلُ فِي رِوَايَتِهِ عَنْهُ: (ثَنَا) حُجَّةُ الإِسْلَامِ أَبُو مُحَمَّدِ بنُ الخَشَّابِ، وَكَذلِكَ يَقُوْلُ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّيْنَ المَقْدَسِيُّ فِي تَصَانِيْفِهِ стр. 842
حِيْنَ يَرْوِي عَنِ ابْنِ الخَشَّابِ. وَكَانَ ثِقَةً فِي الحَدِيْثِ وَالنَّقْلِ، صَدُوْقًا، حُجَّةً، نَبِيْلًا.
وَذَكَرَ ابنُ الجَوْزِيِّ: أَنَّهُ كَانَ يُذْكَرُ عَنْهُ نَوْعُ تَفْرِيْطٍ فِي الدِّينِ، وَأَنَّهُ كَانَ قَلِيْلَ الفِقْهِ، بِحَيْثُ إِنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَفْعِ اليَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ مَا هُوَ؟ فَقَالَ: هُوَ رُكْنٌ، فَضُحِكَ مِنْهُ (١)، وَكَانَ - سَامَحَهُ الله - قَلِيْلَ المُبَالَاةِ بِحِفْظِ نَامُوْسِ (٢) العِلْم وَالمَشْيَخَةِ بِحَيْثُ إِنَّهُ كَانَ يَلْعَبُ بِالشَّطْرنْجِ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ مَعَ العَوَامِّ، وَيُمَازِحُ السُّفَهَاءِ، وَيَقِفُ فِي الشَّوَارِعِ عَلى حِلَقِ المُشَعْبِذِيْنَ وَأَصْحَابِ اللَّهْوِ، وَاللَّعَّابِيْنِ بِالقُرُوْدِ وَالدِّبَابِ مِنْ غَيْرِ مُبَالَاةٍ. وَإِذَا عُوْتِبَ عَلَى ذلِكَ يَقُوْلُ: إِنَّهُ يَنْدُرُ مِنْهُمْ نَوَادِرَ لَا يَكُوْنُ أَحْسَنَ وَلَا أَلْطَفَ مِنْهَا، وَمَعَ ذلِكَ فَكَانَ لَا يَخْلُو كُمُّهُ مِنْ كُتُبِ العِلْمِ. وَكَانَ رُؤَسَاءُ زَمَانِهِ وَوُزَرَاءُ وَقْتِهِ يَوَدُّوْنَ مُجَالَسَتَهُ، وَيَتَمَنَّوْنَ مُحَاضَرَتَهُ فَلَا يَفْعَلُ. قَالَ مَسْعُوْدُ بنُ البَادِرِ: كُنْتُ يَوْمًا بَيْنَ يَدَي المُسْتَضِيءِ (٣)، فَقَالَ لِي: كُلُّ مَنْ نَعْرِفُهُ قَدْ ذَكَّرَنَا بِنَفْسِهِ، وَوَصَلَ إِلَيْهِ بِرُّنَا، إِلَّا ابنَ الخَشَّابِ، فَأَخْبِرْهُ، فَاعْتَذَرْتُ عَنْهُ بِعُذْرِ اقْتَضَاهُ الحَالُ، ثُمَّ خَرَجْتُ فَعَرَّفْتُ ابنَ الخَشَّابِ ذلِكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ هَذَيْنِ البَيْتَيْنِ:
وَرَدَ الوَرَى سِلْسَالَ جُوْدِكَ فَارْتَوَوا … فَوَقَفْتُ دُوْنَ الوِرْدِ وِقْفَةَ حَائِمِ стр. 843
ظَمْآنَ أَطْلُبُ خِفَّةً مِنْ زَحْمَةٍ … وَالوِرْدُ لا يَزْدَادُ (١) غَيْرَ تَزَاحُمِ
قَالَ ابنُ البَادِرِ: فَأَخَذْتُهَا مِنْهُ فَعَرَضْتُهَا عَلَى المُسْتَضِيء، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بِمَائَتَيْ دِيْنَارٍ وَقَالَ: لَوْ زَادَنَا زِدْنَاهُ. وَكَانَ مُتَبَذِّلًا فِي لِبَاسِهِ وَمَطْعَمِهِ وَمَشْرَبِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ زَوْجَةٌ وَلَا جَارِيَةٌ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ بَخِيْلًا مُقَتِّرًا عَلَى نَفْسِهِ، وَكَانَ يَعْتَمُّ العِمَّةَ، فَتَبْقَى مُعْتَمَةً أَشْهُرًا حَتَّى تَتَّسِخَ أَطْرَافُهَا مِنْ عَرَقِهِ، فَتَسْوَدَّ وَتَتَقَطَّعَ مِنَ الوَسَخِ، وَتَرْمِي عَلَيْهَا العَصَافِيرُ ذرَقَهَا، وَكَانَ إِذَا رَفَعَهَا عَنْ رَأْسِهِ ثُمَّ أَرَادَ لُبْسَهَا تَرَكَهَا عَلَى رَأْسِهِ كَيْفَ اتَّفَقَ، فَتَجِيْءُ عذَبَتُهَا تَارَةً مِنْ تِلْقَاءِ وَجْهِهِ، وَتَارَةً عَنْ يَمِيْنِهِ، وَتَارةً عَنْ شِمَالِهِ، فَلَا يُغَيِّرُهَا، فَإِذَا قِيْلَ لَهُ فِي ذلِكَ يَقُوْلُ: مَا اسْتَوَتِ العِمَّةُ عَلَى رَأْسِ عَاقِلٍ قَطُّ. وَكَانَ ﵀ ظَرِيْفًا مَزَّاحًا، ذَا نَوَادِرَ. فَمِنْ نَوَادِرِهِ: أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِهِ سَأَلَهُ يَوْمًا، فَقَالَ: القَفَا يُمَدُّ أَوْ يُقْصَرُ؟ فَقَالَ: يُمَدُّ ثُمَّ يُقْصَرُ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَمَّا صَنَّفَ الكَمَالُ الأَنْبَارِيُّ (٢) كِتَابَ "المِيْزَانِ" فِي النَّحْوِ стр. 844
عُرِضَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: احْمِلُوا هَذَا المِيْزَانَ إِلَى المُحْتَسِبِ فَفِيْهِ عَيْنٌ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ كَانَ يَوْمًا فِي دَارِهِ فِي وَقْتِ القَيْلُوْلَةِ وَالحَرِّ الشَّدِيْدِ وَقَدْ نَامَ، إِذْ طُرِقَ عَلَيْهِ البَابُ طَرْقًا مُزْعِجًا، فَانْتَبَهَ فَخَرَجَ مُبَادِرًا، وَإِذَا رَجُلَانِ مِنَ العَامَّةِ، قَالَ: مَا خَطْبُكُمَا؟ فَقَالَا: نَحْنُ شَاعِرَانِ، وَقَدْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا قَصِيْدَةً وَزَعَمَ أنَّهَا أَجْوَدُ مِنْ قَصِيْدَةِ صَاحِبِهِ، وَقَدْ رَضِيْنَا بِحُكْمِكَ، فَقَالَ: لِيَبْدَأَ أَحْدُكُمَا. قَالَ: فَأَنْشَدَ أَحَدُهُمَا قَصِيْدَتَهُ وَهُوَ مُصْغٍ إِلَيْهِ، حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا، وَهُمْ الآخَرُ بِالإِنْشَادِ، فَقَالَ لَهُ ابنُ الخشَّابِ: عَلَى رِسْلِكَ، فَشِعْرُكَ أَجْوَدُ، فَقَالَ: كَيْفَ خَبَرْتَ شِعْرِي وَلَمْ تَسْمَعْهُ؟ فَقَالَ: لأَنَّهُ لَا يَكُوْنُ شَيْءٌ أَبْخَسَ مِنْ شِعْرِ هَذَا.
وَمِنْهَا: أَنَّ بَعْضَ المُعَلِّمِيْنَ كَانَ يَقْرأُ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنَ الأَدَبِ، فَجَاءَ فِيْهِ قَوْلُ العَجَّاجِ (١): стр. 845
أَطَرَبًا وَأَنْتَ قِنَّسْرِيُّ
وَإِنَّمَا يَأْتِيْ الصِّبَى الصَّبِيُّ
فَقَرَأَ المُعَلِّمُ: وَإِنَّمَا يَأْتِي الصَّبِيُّ الصَّبِيَّ، فَقَالَ ابنُ الخَشَّابِ: هَذَا عِنْدَكَ فِي الكُتَّابِ - وَفَّقَكَ اللهُ - فَأَمَّا عِنْدَنَا فَلَا، فَاسْتَحْيَى المُعَلِّمُ.
وَمنْهَا: مَا حَكَاهُ ابنُ الأَخْضَرِ (١) قَالَ: كُنْتُ يَوْمًا عِنْدَهُ - وَعِنْدَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الحَنَابِلَةِ - فَسَأَلَهُ مَكِّيُّ الغَرَّادُ (٢): عِنْدَكَ كِتَابُ "الخَيَالِ" فَقَالَ: يَا أَبْلَهُ، مَا تَرَاهُمْ حَوْلِي؟
وَمِنْهَا: أَنَّهُ كَانَ بِـ "بَغْدَادَ" رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: العَتَّابِيُّ نَحْوِيٌّ (٣)، وَكَانَ يَدَّعِي مِنْ عِلْمِ النَّحْوِ فَوْقَ مَا عِنْدَهُ، فَاجْتَمَعَ ابنُ الخَشَّابِ مَرَّةً بَـ "ابنِ العَصَّارِ" (٤) اللُّغَوِيِّ عِنْد قُدُوْمِهِ مِنْ "مِصْرَ"، فَقَالَ ابنُ الخَشَّابِ: مَا رَأَيْتَ مِنْ عَجَائِبِ "مِصْرَ"؟ قَالَ: رَأَيْتُ أَشْيَاءً ذَكَرَهَا، ثُمَّ قَالَ: وَرَأَيْتُ فِيْهَا حِمَارًا عَتَّابِيًّا، فَقَالَ следующие страницы →