Полный текст (2 431 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
العَطَنِ فِي تَصَانِيْفِهِ لَا يُتِمُّهَا، وَإِنَّ كَلَامَهُ كَانَ أَجْوَدَ مِنْ قَلَمِهِ. وَكَانَ ابنُ الخشَّابِ يَكْتُبُ خَطًّا حَسَنًا، وَيَضْبِطُ ضَبْطًا مُتْقِنًا، فَكَتَبَ كَذلِكَ كَثِيْرًا مِنَ الأَدَبِ وَالحَدِيثِ وَسَائِرِ الفُنُوْنِ، وَحَصَّلَ مِنَ الكُتُبِ وَالأُصُوْلِ وَغَيْرِهَا مَالَا يَدْخُلُ تَحْتَ الحَصْرِ، وَمِنْ خُطُوْطِ الفُضَلَاءِ وَأَجْزَاءِ الحَدِيثِ شَيْئًا كَثِيْرًا. وَذَكَرَ ابنُ النَّجَّارِ: أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ وَأَصْحَابِ الحَدِيْثِ إِلَّا وَكَانَ يَشْتَرِيْ كُتُبَهُ كُلَّهَا، فَحَصَلَتْ أُصُوْلُ المَشَايِخِ عِنْدَهُ. وَذَكَرَ عَنْهُ: أَنَّهُ اشْتَرَى يَوْمًا كُتُبًا بِخَمْسِمَائَةِ دِيْنَارٍ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ، فَاسْتَمْهَلَهُمْ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، ثُمَّ مَضَى وَنَادَى عَلَى دَارِهِ، فَبَلَغَتْ خَمْسِمَائَةِ دِيْنَارٍ، [فَنَقَضَ سَاجَهَا] (١) وَبَاعَهُ بِخَمْسِمَائَةِ دِيْنَارٍ، وَوَفَّى ثَمَنَ الكُتُبِ (٢)، وَبَقِيَتْ لَهُ الدَّارُ، وَلَمَّا مَرِضَ أَشْهَدَ عَلَيْهِ بِوَقْفِ كُتُبَهُ، فَتَفَرَّقَتْ وَبِيْعَ أَكْثَرُهَا، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا عُشْرَهَا، فتُرِكَتْ فِي رِبَاطِ "المَأْمُوْنِيَّةِ" (٣) وَقْفًا.
وَقَرَأَ عَلَيْهِ الخَلْقُ الكَثِيْرُ الحَدِيْثَ وَالأَدَبَ، وَانْتَفَعُوا بِهِ وَتَخَرَّجَ بِهِ جَمَاعَةٌ، وَسَمِعَ مِنْهُ كِبَارُ الأَئِمَّةِ، وَرَوَى عَنْهُ خَلْقٌ مِنَ الحُفَّاظِ وَغَيْرِهِمْ. وَكَانَ الحَافِظُ أَبُو مُحَمَّدِ بنُ الأَخْضَرِ يَقُوْلُ فِي رِوَايَتِهِ عَنْهُ: (ثَنَا) حُجَّةُ الإِسْلَامِ أَبُو مُحَمَّدِ بنُ الخَشَّابِ، وَكَذلِكَ يَقُوْلُ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّيْنَ المَقْدَسِيُّ فِي تَصَانِيْفِهِ стр. 842
حِيْنَ يَرْوِي عَنِ ابْنِ الخَشَّابِ. وَكَانَ ثِقَةً فِي الحَدِيْثِ وَالنَّقْلِ، صَدُوْقًا، حُجَّةً، نَبِيْلًا.
وَذَكَرَ ابنُ الجَوْزِيِّ: أَنَّهُ كَانَ يُذْكَرُ عَنْهُ نَوْعُ تَفْرِيْطٍ فِي الدِّينِ، وَأَنَّهُ كَانَ قَلِيْلَ الفِقْهِ، بِحَيْثُ إِنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَفْعِ اليَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ مَا هُوَ؟ فَقَالَ: هُوَ رُكْنٌ، فَضُحِكَ مِنْهُ (١)، وَكَانَ - سَامَحَهُ الله - قَلِيْلَ المُبَالَاةِ بِحِفْظِ نَامُوْسِ (٢) العِلْم وَالمَشْيَخَةِ بِحَيْثُ إِنَّهُ كَانَ يَلْعَبُ بِالشَّطْرنْجِ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ مَعَ العَوَامِّ، وَيُمَازِحُ السُّفَهَاءِ، وَيَقِفُ فِي الشَّوَارِعِ عَلى حِلَقِ المُشَعْبِذِيْنَ وَأَصْحَابِ اللَّهْوِ، وَاللَّعَّابِيْنِ بِالقُرُوْدِ وَالدِّبَابِ مِنْ غَيْرِ مُبَالَاةٍ. وَإِذَا عُوْتِبَ عَلَى ذلِكَ يَقُوْلُ: إِنَّهُ يَنْدُرُ مِنْهُمْ نَوَادِرَ لَا يَكُوْنُ أَحْسَنَ وَلَا أَلْطَفَ مِنْهَا، وَمَعَ ذلِكَ فَكَانَ لَا يَخْلُو كُمُّهُ مِنْ كُتُبِ العِلْمِ. وَكَانَ رُؤَسَاءُ زَمَانِهِ وَوُزَرَاءُ وَقْتِهِ يَوَدُّوْنَ مُجَالَسَتَهُ، وَيَتَمَنَّوْنَ مُحَاضَرَتَهُ فَلَا يَفْعَلُ. قَالَ مَسْعُوْدُ بنُ البَادِرِ: كُنْتُ يَوْمًا بَيْنَ يَدَي المُسْتَضِيءِ (٣)، فَقَالَ لِي: كُلُّ مَنْ نَعْرِفُهُ قَدْ ذَكَّرَنَا بِنَفْسِهِ، وَوَصَلَ إِلَيْهِ بِرُّنَا، إِلَّا ابنَ الخَشَّابِ، فَأَخْبِرْهُ، فَاعْتَذَرْتُ عَنْهُ بِعُذْرِ اقْتَضَاهُ الحَالُ، ثُمَّ خَرَجْتُ فَعَرَّفْتُ ابنَ الخَشَّابِ ذلِكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ هَذَيْنِ البَيْتَيْنِ:
وَرَدَ الوَرَى سِلْسَالَ جُوْدِكَ فَارْتَوَوا … فَوَقَفْتُ دُوْنَ الوِرْدِ وِقْفَةَ حَائِمِ стр. 843
ظَمْآنَ أَطْلُبُ خِفَّةً مِنْ زَحْمَةٍ … وَالوِرْدُ لا يَزْدَادُ (١) غَيْرَ تَزَاحُمِ
قَالَ ابنُ البَادِرِ: فَأَخَذْتُهَا مِنْهُ فَعَرَضْتُهَا عَلَى المُسْتَضِيء، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بِمَائَتَيْ دِيْنَارٍ وَقَالَ: لَوْ زَادَنَا زِدْنَاهُ. وَكَانَ مُتَبَذِّلًا فِي لِبَاسِهِ وَمَطْعَمِهِ وَمَشْرَبِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ زَوْجَةٌ وَلَا جَارِيَةٌ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ بَخِيْلًا مُقَتِّرًا عَلَى نَفْسِهِ، وَكَانَ يَعْتَمُّ العِمَّةَ، فَتَبْقَى مُعْتَمَةً أَشْهُرًا حَتَّى تَتَّسِخَ أَطْرَافُهَا مِنْ عَرَقِهِ، فَتَسْوَدَّ وَتَتَقَطَّعَ مِنَ الوَسَخِ، وَتَرْمِي عَلَيْهَا العَصَافِيرُ ذرَقَهَا، وَكَانَ إِذَا رَفَعَهَا عَنْ رَأْسِهِ ثُمَّ أَرَادَ لُبْسَهَا تَرَكَهَا عَلَى رَأْسِهِ كَيْفَ اتَّفَقَ، فَتَجِيْءُ عذَبَتُهَا تَارَةً مِنْ تِلْقَاءِ وَجْهِهِ، وَتَارَةً عَنْ يَمِيْنِهِ، وَتَارةً عَنْ شِمَالِهِ، فَلَا يُغَيِّرُهَا، فَإِذَا قِيْلَ لَهُ فِي ذلِكَ يَقُوْلُ: مَا اسْتَوَتِ العِمَّةُ عَلَى رَأْسِ عَاقِلٍ قَطُّ. وَكَانَ ﵀ ظَرِيْفًا مَزَّاحًا، ذَا نَوَادِرَ. فَمِنْ نَوَادِرِهِ: أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِهِ سَأَلَهُ يَوْمًا، فَقَالَ: القَفَا يُمَدُّ أَوْ يُقْصَرُ؟ فَقَالَ: يُمَدُّ ثُمَّ يُقْصَرُ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَمَّا صَنَّفَ الكَمَالُ الأَنْبَارِيُّ (٢) كِتَابَ "المِيْزَانِ" فِي النَّحْوِ стр. 844
عُرِضَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: احْمِلُوا هَذَا المِيْزَانَ إِلَى المُحْتَسِبِ فَفِيْهِ عَيْنٌ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ كَانَ يَوْمًا فِي دَارِهِ فِي وَقْتِ القَيْلُوْلَةِ وَالحَرِّ الشَّدِيْدِ وَقَدْ نَامَ، إِذْ طُرِقَ عَلَيْهِ البَابُ طَرْقًا مُزْعِجًا، فَانْتَبَهَ فَخَرَجَ مُبَادِرًا، وَإِذَا رَجُلَانِ مِنَ العَامَّةِ، قَالَ: مَا خَطْبُكُمَا؟ فَقَالَا: نَحْنُ شَاعِرَانِ، وَقَدْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا قَصِيْدَةً وَزَعَمَ أنَّهَا أَجْوَدُ مِنْ قَصِيْدَةِ صَاحِبِهِ، وَقَدْ رَضِيْنَا بِحُكْمِكَ، فَقَالَ: لِيَبْدَأَ أَحْدُكُمَا. قَالَ: فَأَنْشَدَ أَحَدُهُمَا قَصِيْدَتَهُ وَهُوَ مُصْغٍ إِلَيْهِ، حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا، وَهُمْ الآخَرُ بِالإِنْشَادِ، فَقَالَ لَهُ ابنُ الخشَّابِ: عَلَى رِسْلِكَ، فَشِعْرُكَ أَجْوَدُ، فَقَالَ: كَيْفَ خَبَرْتَ شِعْرِي وَلَمْ تَسْمَعْهُ؟ فَقَالَ: لأَنَّهُ لَا يَكُوْنُ شَيْءٌ أَبْخَسَ مِنْ شِعْرِ هَذَا.
وَمِنْهَا: أَنَّ بَعْضَ المُعَلِّمِيْنَ كَانَ يَقْرأُ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنَ الأَدَبِ، فَجَاءَ فِيْهِ قَوْلُ العَجَّاجِ (١): стр. 845
أَطَرَبًا وَأَنْتَ قِنَّسْرِيُّ
وَإِنَّمَا يَأْتِيْ الصِّبَى الصَّبِيُّ
فَقَرَأَ المُعَلِّمُ: وَإِنَّمَا يَأْتِي الصَّبِيُّ الصَّبِيَّ، فَقَالَ ابنُ الخَشَّابِ: هَذَا عِنْدَكَ فِي الكُتَّابِ - وَفَّقَكَ اللهُ - فَأَمَّا عِنْدَنَا فَلَا، فَاسْتَحْيَى المُعَلِّمُ.
وَمنْهَا: مَا حَكَاهُ ابنُ الأَخْضَرِ (١) قَالَ: كُنْتُ يَوْمًا عِنْدَهُ - وَعِنْدَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الحَنَابِلَةِ - فَسَأَلَهُ مَكِّيُّ الغَرَّادُ (٢): عِنْدَكَ كِتَابُ "الخَيَالِ" فَقَالَ: يَا أَبْلَهُ، مَا تَرَاهُمْ حَوْلِي؟
وَمِنْهَا: أَنَّهُ كَانَ بِـ "بَغْدَادَ" رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: العَتَّابِيُّ نَحْوِيٌّ (٣)، وَكَانَ يَدَّعِي مِنْ عِلْمِ النَّحْوِ فَوْقَ مَا عِنْدَهُ، فَاجْتَمَعَ ابنُ الخَشَّابِ مَرَّةً بَـ "ابنِ العَصَّارِ" (٤) اللُّغَوِيِّ عِنْد قُدُوْمِهِ مِنْ "مِصْرَ"، فَقَالَ ابنُ الخَشَّابِ: مَا رَأَيْتَ مِنْ عَجَائِبِ "مِصْرَ"؟ قَالَ: رَأَيْتُ أَشْيَاءً ذَكَرَهَا، ثُمَّ قَالَ: وَرَأَيْتُ فِيْهَا حِمَارًا عَتَّابِيًّا، فَقَالَ стр. 846
ابنُ الخَشَّابِ: مَاذَا عَجَبٌ؛ فَإِنَّ عِنْدَنَا بِـ "بَغْدَادَ" عَتَّابِيًّا حِمَارًا (١). وَلابْنِ الخَشَّابِ شِعْرٌ كَثِيْرٌ حَسَنٌ، فَمِنْهُ مَا أَلْغَزَهُ فِي الكِتَابِ:
وَذِي أَوْجُهٍ لَكِنَّهُ غَيرُ بَائِحٍ … بسِرٍّ وَذُو الوَجْهَيْنِ لِلسِّرِّ مُظْهِرُ
تُنَاجِيْكَ بِالأَسْرَارِ أَسرَارُ وَجْهِهِ … فَتسْمَعُهَا مَا دُمْتَ بِالعَيْنِ تَنْظُرُ
وَلَهُ لِغْزٌ فِي الشَّمْعَةِ:
صَفْرَاءُ لَا مِنْ سَقَمٍ مَسَّهَا … كَيْفَ وَكَانَتْ أُمُّهَا الشَّافِيَهْ
عَارِيَةٌ بَاطِنُهَا مُكْتَسٍ … فَاعْجَبْ لَهَا عَارِيَةً كَاسِيَهْ
وَمِنْهُ - وَأَنْشَدَهُ ابنُ القَطِيْعِيِّ - فِي المَدِيْحِ:
تَلْقَاهُ إِمَّا عَالِمًا أَوْ مُعْلِمًا (٢) … يَوْمِيْ (٣) حِجَاجٍ أَوْ عَجَاجٍ ألهَبَا
فَمُجَادِلٌ يُهْدِي غَوِيًا مُشْغِبًا … وَمُجَدَّلٌ يُرْدِي كَمِيًّا مُحْرِبَا
وَيُنْسَبُ إِلَيهِ قَصِيْدَةٌ طَوِيْلَةٌ فِي الأَلْغَازِ وَالعَوِيْصِ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ العُلُوْمِ، قِيْلَ: إِنَّهُ كَتَبَهَا إِلَى بَعْضِ فُضَلَاءِ عَصْرِهِ مُمْتَحِنًا لَهُ، وَمُعَجِّزًا، وَأَظُنُّهُ ابنَ الدَّهَّانِ (٤). стр. 847
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 848
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 849
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 850
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 851
وَمِمَّا يُنْسَبُ إِلَيْهِ قَصِيْدَةٌ نُونِيَّةٌ، مِنْهَا:
وَاذكُرْ إِذَا قُمْتَ يَوَمَ العَرْضِ مُنْتَفِضًا … مِنَ التُّرَابِ بِلَا قُطْنٍ وَلَا كَفَنِ
وَجِيءَ بِالنَّارِ قَدْ مُدَّ الصِّرَاطُ عَلَى … حَافَاتِهَا تَتَلَظَّى فِعْلَ مُغْتَبِنِ
وَتَنْشُرُ الصُّحْفُ فِيهَا كُلَّ مُحْتَقِبٍ … مِنَ المَخَازِي وَمَا قَدَّمْتَ مِنْ حَسَنِ
قَدْ كُنْتَ تَنْسَى وَتِلْكَ الصُّحْفُ مُحْصِيَةٌ … مَا كُنْتَ تَأْتِي وَلَمْ تُظْلَمْ وَلَمْ تُخَنِ
هُنَاكَ إِنْ كُنْتَ قَدْ قَدَّمْتَ مُدَّخَرًا … تُسْقَى مِنَ الحَوضِ مَاءٌ غَيْرُ ذِي أَسَنِ
عِنْدَ الجَزَاءِ تَعَضَّ الكَفَّ مِنْ نَدَمٍ … عَلَى تَخَطِّيْكَ فِي سِرٍّ وَفِي عَلَنِ
لَا تَرْكَنَنَّ إِلَى الدُّنْيَا فَفِي جَدَثٍ … يَكُوْنُ دَفْنُكَ بَيْنَ الطِّيْنِ وَاللَّبِنِ
وَاسْتَنَّ بِالسَّلَفِ المَاضِي وَكُنْ رَجُلًا … مبَرَّأً مِنْ دَوَاعِي الغَيِّ وَالفِتَنِ
وَدَعْ مَذَاهِبَ قَوْمٍ أَحْدَثَتْ إِثْمًا … فِيها خِلَافٌ عَلَى الآثَارِ وَالسُّنَنِ
قالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: مَرِضَ ابنُ الخَشَّابِ نَحْوًا مِنْ عِشْريْنَ يَوْمًا، فَدَخَلَتْ عَليْهِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِيَوْمَيْنِ، وَقَدْ يَئِسَ مِنْ نَفْسِهِ، فَقَالَ لِي: عِندَ اللهِ أَحتَسِبُ نَفْسِي.
وَتُوُفِّيَ يَوْمَ الجُمُعَةِ ثَالِثَ رَمَضَانَ سَنَة سَبْعٍ وَسِتِّيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ. وَصُلِّيَ عَلَيْهِ عَلَى بَابِ جَامِعِ السُّلْطَانِ يَومَ السَّبْتِ، وَدُفِنَ بِمَقبَرَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ قَرِيْبًا مِنْ بِشْرٍ الحَافِي ﵄. وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ الجُبَّائِيُّ العَبْدُ الصَّالِحُ قَالَ: رَأَيْتُهُ فِي النَّوْمِ بَعْدَ مَوْتِهِ بِأَيَّامٍ وَوَجْهُهُ يُضِيْءُ، فَقُلْتُ
стр. 852
لَهُ: مَا فَعَلَ اللهُ بِكَ؟ قَالَ: غَفَرَ لِي، قُلْتُ: وَأَدْخَلَكَ الجَنَّةَ؟ قَالَ: وَأَدْخَلَنِي الجَنَّةَ، إِلَّا أَنَّهُ أَعْرَضَ عَنِّي، فَقُلْتُ لَهُ: أَعْرَضَ عَنْكَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ العُلَمَاءِ تَرَكُوا العَمَلَ سَامَحَهُ اللهُ وَغَفَرَ لَهُ.
١٥٦ - مَكِّيُّ بنُ مُحَمَّدِ بنِ هُبَيْرَةَ البَغْدَادِيُّ (١) الأَدِيْبُ أَبُو جَعْفَرٍ. كَانَ فَاضِلًا، стр. 853
عَارِفًا بِالأَدَبِ. نَظَمَ "مُخْتَصَرَ الخِرَقِيَّ" وَقُرِئَ عَلَيْهِ مَرَّاتٌ (١). تُوُفِّيَ بِنَوَاحِي "المَوْصِلِ" سَنَة سَبْعٍ وَسِتِّيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ. ذَكَرَهُ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ. стр. 854
قُلْتُ: وَأَظُنُّهُ (١) أَخَا الوَزِيْرِ أَبِي المُظَفِّرِ، وَكَانَ يُلَقَّبُ "فَخْرَ الدَّوْلَةِ" وَكَأَنَهُ (٢) خَرَجَ مِنْ "بَغْدَاد" بَعْدَ مَوْتِ الوَزِيْرِ. وَكَانَ لِلْوَزِيْرِ وَلَدَانِ؛
١٥٧ - أَحَدُهُمَا: عِزُّ الدِّينِ مُحَمَّدٌ (٣)، وَكَانَ فَاضِلًا، كَبِيْرَ الشَّأْنِ، نَابَ عَنْ وَالِدِهِ стр. 855
فِي الوِزَارَةِ، قُبِضَ عَلَيْهِ، وَقُتِلَ بَعْدَ مَوْتِ وَالِدِهِ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّيْنَ.
١٥٨ - والآخَرُ: شَرَفُ الدِّينِ ظَفَرٌ (١)، نَابَ عَنْ وَالِدِهِ فِي الوَزَارَةِ أَيْضًا، وَكَانَ стр. 856
أَدِيْبًا بَارِعًا، لَهُ نَظْمٌ حَسَنٌ جِدًّا، قُبِضَ عَلَيْهِ، وَقُتِلَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ، وَمِنْ نَظْمِهِ: (١) стр. 857
أَخْلَفَ الغَيْثُ مَوَاعِيْدَ الخُزَامَى … فَقِفِ الأَنْضَاءَ نَسْتَسْقِي (١) الغَمَامَا
وَأَبِحْنِي سَاعَةً مِنْ عُمُرِي … نَمْلأُ (٢) الدَّارَ شِكَاةً وَسَلَامَا
وَخُذِ اليَمْنَةَ مِنْ أَعْلَى الحِمَى … تَلْقَ بِالغَوْرِ (٣) حَمِيْمًا وَحِمَامَا стр. 858
أَصِفِ الأَشْوَاقَ فِي تِلْكَ الرُّبَى … وَأُعَاطِي التُّرْبَ سَقْيًا وَالتِثَامَا
١٥٩ - أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ (١) بنِ شُنَيْفِ بنِ مُحَمَّدٍ البَغْدَادِيُّ، الدَّارْقَزِيُّ، المُقْرِئُ، أَبُو الفَضْلِ. قَرَأَ القُرَآنَ بِالرِّوَايَاتِ عَلَى أَبِي طَاهِرِ بنِ سِوَارٍ، وَثَابِتِ بنِ بُنْدَارٍ، وَأَبِي مَنْصُوْرٍ الخَيَّاطِ، وَغَيْرِهِمْ. وَسَمِعَ الحَدِيْثَ مِنْهُمْ، وَمِنْ أَبِي غَالِبٍ القَزَّازِ، وَعَلِيِّ بنِ نَبْهَانَ، وَيَحْيَى بنِ مَنْدَهْ الحَافِظِ، وَتَفَقَّهَ فِي стр. 859
المَذْهَبِ، وَحَصَّلَ مِنْهُ طَرَفًا صَالِحًا، وَأَقْرَأَ بِالرِّوَايَاتِ جَمَاعَةً، وَحَدَّثَ وَطَالَ عُمُرُهُ، وَأَضَرَّ فِي آخِرِ وَقْتِهِ (١)، وَتَفَرَّدَ بِعُلُوِّ الإِسْنَادِ فِي القِرَاءَاتِ (٢).
قَالَ القَطِيْعِيُّ: كَانَ مِنْ أَهْلِ الدِّيْنِ وَالصَّلَاحِ.
وَقَالَ ابنُ النَّجَّارِ: كَانَ شَيْخًا، فَاضِلًا، مُتَدَيِّنًا، صَدُوْقًا، أَمِيْنًا.
تُوُفِّيَ يَوْمَ الأَرْبِعَاءِ لِسَبْعٍ بَقَيْنَ مِنَ المُحَرَّمِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَلَهُ سِتٌّ وَتِسْعُونَ سَنَةً ﵀ (٣) وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ "بَابِ حَرْبٍ". стр. 860
١٦٠ - الحَسَنُ بنُ أَحْمَدَ (١) بنِ الحَسَنِ بنِ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ سَهْلِ بنِ سَلَمَةَ стр. 861
ابنِ عَثْكَلٍ بنِ حَنْبَلِ بنِ إِسْحَاقَ الهَمَذَانِيُّ، المُقْرِئُ، المُحَدِّثُ، الحَافِظُ، الأَدِيْبُ
стр. 862
اللُّغَوِيُّ، الزَّاهِدُ، أَبُو العَلَاءِ، المَعْرُوْفُ بِـ "العَطَّارِ" شَيْخُ "هَمَذَانَ".
وُلِدَ بَكرَةَ يَوْمِ السَّبْتِ رَابِعَ عَشَرَ ذِي الحِجَّةِ سَنَة ثَمَانٍ وَثَمَانِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، وَقَرأَ القُرآنَ بِالرِّوَايَاتِ عَلَى أَبِي عَلِيٍّ الحَدَّادِ وَغَيْرِهِ بِـ "أَصْبَهَانَ"، وَعَلَى أَبِي العِزِّ القَلَانِسِيِّ، بِـ "وَاسِطَ"، وَبِـ "بَغْدَادَ" عَلَى البَارِعِ الدَّبَّاسِ، وَأَبِي بَكْرٍ المَزْرَفِيِّ وَغَيْرِهِمْ. وَسَمِعَ الحَدِيْثَ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدُّوْنِيِّ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِيْنَ، وَهُوَ أَوَّلُ سَمَاعِهِ، ثُمَّ سَمِعَ بِـ "أَصْبَهَانَ" مِنْ أَبِي عَلِيٍّ الحَدَّادِ، وَأَكْثَرَ عَنْهُ، وَلَازَمَهُ مُدَّةً. وَسَمِعَ بِـ "خُرَاسَانَ" مِنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ الفَرَاوِيِّ وَغَيْرِهِ. وَارْتَحَلَ إِلَى "بَغْدَادَ" فَسَمِعَ مِنْ أَبي القَاسِمِ بنِ بَيَانٍ، وَأَبِي عَلِيِّ بنِ نَبْهَانَ، وَأبِي عَلِيِّ بنِ المَهْدِيِّ، وَأَبِي طَالِبٍ اليُوْسُفِيِّ، وَابنِ الحُصَيْنِ، وَخَلْقٍ كَثِيْرٍ. وَدَخَلَ "بَغْدَادَ" مَرَّةً أُخْرَى فَأَسْمَعَ ابْنَهُ، ثُمَّ مَرَّةً أُخْرَى بَعْدَ الثَّلَاثِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، فَأَكْثَرَ بِهَا، ثُمَّ دَخَلَهَا بَعْدَ الأَرْبَعِيْنَ، وَحَدَّثَ بِهَا، وَأَقْرَأَ بِهَا القُرَآنَ، قَرَأَ عَلَيْهِ ابنُ سُكَيْنَةَ وَغَيْرُهُ، ثُمَّ عَادَ إِلَى "هَمَذَانَ"، وَعَمِلَ دَارًا لِلْكُتُبِ، وَخِزَانَةً وَقَفَ جَمِيعَ كُتُبهِ فِيهَا، وَكَانَ قَدْ حَصَّلَ الأُصُوْلَ الكَثِيْرَةَ، وَالكُتُبَ الكِبَارَ الحِسَانَ بِالخُطُوْطِ المُعْتَبَرَةِ، وَانْقَطَعَ إِلَى إِقْرَاءِ القُرآنِ، وَرِوَايَةِ الحَدِيْثِ إِلَى آخِرِ عُمُرِهِ وَحَدَّثَ بِأَكْثَرَ مَسْمُوْعَاتِهِ، وَسَمِعَ مِنْهُ الكِبَارُ وَالأَئِمَّةُ الحُفَّاظُ، وَرَوَوا عَنْهُ، مِنْهُمْ: ابنُ عَسَاكِرٍ، وَمُحَمَّدُ بنُ مَحْمُوْدٍ الحَمَّامِيُّ الوَاعِظُ، وَأَبُو المَوَاهِبِ بنُ صَصْرَى، وَعَبْدُ القَادِرِ الرُّهَاوِيُّ، وَيُوْسُفُ بنُ أَحْمَدَ الشِّيرَازِيُّ، وَسَمِعَ مِنْهُ خَلْقٌ كَثِيْرٌ، وَآخِرُ مَنْ رَوَى عَنْهُ
стр. 863
ابنُ المُقَيَّرِ (١) وَرَوَى عَنهُ إِجَازَةً.
قَالَ ابنُ السَّمْعَانِيِّ فِي حَقِّهِ: حَافِظٌ مُتْقِنٌ، وَمُقْرِئٌ فَاضِلٌ، حَسَنُ السِّيْرَةِ، مَرْضِيُّ الطَّرِيْقَةِ، عَزِيْزُ النَّفْسِ، سَخِيٌّ بِمَا يَمْلِكُ، مُكْرِمٌ لِلْغُرَبَاءِ، يَعْرِفُ القِرَاءَاتِ وَالحَدِيْثَ، وَالأَدَبَ مَعْرِفَةً حَسَنَةً. سَمِعْتُ مِنْهُ.
وَذَكَرَهُ ابنُ الجَوْزِيِّ فِي "طَبَقَاتِ الأَصْحَابِ" الَّتِي فِي آخِرِ "المَنَاقِبِ"، وَفِي "التَارِيْخِ" وَقَالَ فِيْهِ: كَانَ حَافِظًا، مُتْقِنًا، مَرْضِيَّ الطَّرِيْقَةِ، سَخِيًّا، وَانْتَهَتْ إِلَيْهِ القِرَاءَاتُ وَالتَّحْدِيْثُ، وَذَكَرَ فِي آخرِ كِتَابِهِ "التَّلْقِيْحِ" أَنَّ أَبَا العَلَاءِ كَانَ هُوَ مُحَدِّثَ عَصْرِهِ وَمُقْرِءَهُ.
وَقَالَ الحَافِظُ عَبْدُ القَادِرِ الرُّهَاوِيُّ: شَيْخُنَا الحَافِظُ أَبُو العَلَاءِ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ يُعَرَّفَ، بَلْ تَعَذَّرَ وُجُوْدُ مِثلِهِ فِي أَعْصَارٍ كَثِيْرَةٍ، عَلَى مَا بَلَغَنَا مِنْ سِيْرَةِ العُلَمَاءِ وَالمَشَايِخِ، أَرْبَى عَلَى أَهْلِ زَمَانِهِ فِي كَثْرَةِ السَّمَاعِ (٢)، مَعَ تَحْصِيْلِ أُصُوْلِ مَا سَمِعَ، وَجَوْدَةِ النُّسَخِ، وَإِتْقَانِ مَا كَتَبَ بِخَطِّهِ، فَإِنَّهُ مَا كَانَ يَكْتُبُ شَيْئًا إِلَّا مُتْقَنًا مُعْرَبًا، وَبَرَعَ عَلَى حُفَّاظِ عَصْرِهِ فِي حِفْظِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالحَدِيْثِ مِنَ الأَنْسَابِ وَالتَّوَارِيْخِ وَالأَسْمَاءِ وَالكُنَى، وَالقِصَصِ وَالسِّيَرِ، وَلَقَدْ كُنَّا يَوْمًا فِي مَجْلِسِهِ، وَقَدْ جَاءَتْهُ فَتْوَى فِي أَمْرٍ مِنْ أَمْرِ عُثْمَانَ ﵁، فَأَخَذَ стр. 864
الفَتْوَى وَكَتَبَ فِيْهَا مِنْ حِفْظِهِ - وَنَحْنُ جُلُوْسٌ - دَرْجًا (١) طَوِيْلًا يَذْكُرُ فِيهِ عُثْمَانَ ﵁ وَنَسَبَهُ، وَمَوْلِدَهُ، وَوَفَاتَهُ، وَأَوْلَادَهُ، وَمَا قِيْلَ فِيْهِ مِنْ شِعْرِ، وَغَيْرُ ذلِكَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ.
وَلَهُ التَّصَانِيْفَ الكَثِيْرَةَ فِي أَنْوَاعٍ مِنْ عُلُوْمِ الحَدِيْثِ، وَالزُّهْدِيَّاتِ وَالرَّقائِقِ وَغَيْرِ ذلِكَ. وَمِنْ جُمْلَةِ مَا صَنَّفَ "زَادُ المُسَافِرِ" نَحْوًا (٢) مِنْ خَمْسِيْنَ مُجَلَّدَةٍ. وَكَانَ إِمَامًا فِي القُرآنِ وَعُلوْمِهِ، وَحَصَّلَ مِنَ القِرَاءَاتِ المُسْنَدَةِ مَا إِنَّهُ صَنَّفَ العَشَرَةَ وَالمُفْرَدَاتِ. وَصَنَّفَ "الوَقْفَ وَالإِبْتِدَاءَ"، وَ"التَّجْوِيْدَ" وَ"المَاءَاتِ" (٣)، وَ"العَدَدَ"، وَ"مَعْرِفَةَ القُرَّاءِ"، وَهُوَ نَحْوًا مِنْ عِشْرِيْنَ مُجَلَّدًا، وَاسْتُحْسِنَتْ تَصَانِيْفُهُ، وَكُتِبَتْ وَنُقِلَتْ إِلَى "خُوَارَزْمَ" وَإِلَى "الشَّامِ". وَبَرَعَ عِنْدَهُ جَمَاعَةٌ كَثيْرَةٌ فِي القِرَاءَاتِ، وَكَانَ إِذَا جَرَى ذِكْرُ القُرَّاءِ يَقُوْلُ: فُلَانٌ مَاتَ عَامَ كَذَا، وَفُلَانٌ مَاتَ فِي سَنَةِ كَذَا، وَفُلَانٌ يَعْلُو إِسْنَادُهُ عَلَى فُلَانٍ بِكَذَا. وَكَانَ إِمَامًا فِي النَّحْوِ وَاللُّغَةِ، سَمِعْتُ أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَا حَفِظَ فِي اللُّغَةِ كِتَابَ "الجَمْهَرَةِ" (٤) وَخَرَجَ لَهُ تَلَامِذَةٌ فِي العَرَبِيَّةِ أَئِمَّةٌ يُقْرِؤُوْنَ بِـ "هَمَذَانَ" وَبَعْضَ أَصْحَابِهِ رَأَيْتُهُ. وَكَانَ مِنْ مَحْفُوْظَاتِهِ كِتَابَ "الغَرِيْبَيْنِ" لِلْهَرَوِيِّ إِلَى أَنْ قَالَ: стр. 865
وَكَانَ عَفِيْفًا مِنْ حُبِّ المَالِ، مُهِيْنًا لَهُ، بَاعَ جَمِيْعَ مَا وَرِثَهُ، وَكَانَ مِنْ أَبْنَاءِ التُّجَّارِ فَأَنْفَقَهُ فِي طَلَبِ العِلْمِ حَتَّى سَافَرَ إِلَى "بَغْدَادَ" وَ"أَصْبَهَانَ" مَرَّاتٍ مَاشِيًا يَحْمِلُ كُتُبَهُ علَى ظَهْرِهِ، سَمِعْتُهُ يَقُوْلُ: كُنْتُ أَبِيْتُ بِـ "بَغْدَادَ" فِي المَسَاجِدِ، وَآكُلُ خَبْزَ الدُّخْنِ. وَسَمِعْتُ أَبَا الفَضْلِ بنَ نَبْهَانَ (١) الأَدِيْبَ يَقُوْلُ: رَأَيْتُ الحَافِظَ أَبَا العَلَاءِ فِي مَسْجِدِ مِنْ مَسَاجِدِ "بَغْدَادَ" يَكْتُبُ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى رِجْلَيْهِ؛ لأَنَّ السِّرَاجَ كَانَتْ عَالِيَةً، ثُمَّ نَشَرَ اللهُ تَعَالَى ذِكْرَهُ فِي الآفَاقِ، وَعَظُمَ شَأْنُهُ فِي قُلُوْبِ المُلُوْكِ وَأَرْبَابِ المَنَاصِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالعِلْمِيَّةِ وَالعَوَّامِّ، حَتَّى إِنَّهُ كَانَ يَمُرُّ بِـ "هَمَذَانَ"، فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ رَآهُ إِلَّا قَامَ، وَدَعَا لَهُ حَتَّى الصِّبْيَانَ وَاليَهُوْدِ، وَرُبَّمَا كَانَ يَمْضِي إِلَى بَلَدِهِ "مُشْكَانَ" فَيُصَلِّي بِهَا الجُمُعَةَ، فَيَتَلَقَاهُ أَهْلُهَا خَارِجَ البَلَدِ؛ المُسْلِمُوْنَ عَلَى حِدَةٍ، وَاليَهُوْدُ عَلَى حِدَةٍ وَيَدْعُوْنَ لَهُ إِلَى أَنْ يَدْخُلَ البَلَدَ، وَكَانَ يُفْتَحُ عَلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا جُمَلٌ فَلَمْ يَدَّخِرْهَا، بَلْ يُنْفِقْهَا عَلَى تَلَامِذَتِهِ، وَكَانَ عَلَيْهِ رُسُوْمٌ لِأَقْوَامٍ، وَمَا كَانَ يَبْرَحُ عَلَيْهِ أَلْفُ دِيْنَارٍ هَمَذَانِيَّةٌ أَوْ أَكْثَرُ مِنَ الدَّيْنِ مَعَ كَثْرَةِ مَا كَانَ يُفْتَحُ عَلَيْهِ، وَكَانَ يَطْلُبُ لِأَصْحَابِهِ مِنَ النَّاسِ، وَيُعِزُّ أَصْحَابَهُ وَمَنْ يَلُوْذُ بِهِ، وَلَا يَحْضُرُ دَعْوَةً حَتَّى يَحْضُرَ جَمَاعَةُ أَصْحَابِهِ، وَكَانَ لَا يَأْكُلُ مِنْ أَمْوَالِ الظَّلَمَةِ، وَلَا قَبِلَ مِنْهُمْ مَدَرَةً قَطُّ، وَلَا رِبَاطًا، وَإِنَّمَا كَانَ يُقْرِئُ فِي دَارِهِ وَنَحْنُ فِي مَسْجِدِهِ سُكَّانٌ، وَكَانَ يُقْرِئُ نِصْفَ نَهَارِهِ الحَدِيْثَ، وَنصْفَهُ القُرآنَ وَالعِلْمَ، وَكَانَ لَا يَخْشَى السَّلَاطِيْنَ، وَلَا تَأْخُذُهُ فِي اللهِ لَوْمَةَ لَائِمٌ، وَلَا يُمْكِنُ أَحَدٌ أَنْ стр. 866
يَعْمَلَ فِي مَحِلَّتِهِ (١) مُنْكَرًا وَلَا سَمَاعًا، وَكَانَ يُنْزِلُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَنْزِلَتَهُ، حَتَّى تَآلَفَتِ القُلُوْبُ عَلَى مَحبَّتِهِ، وَحَسُنَ الذِّكْرُ لَهُ فِي الآفَاقِ البَعِيْدَةِ، حَتَّى أَهْلِ "خُوَارَزْمَ" الَّذِيْنَ هُمْ مُعْتَزِلَةٌ مَعَ شِدَّتِهِ فِي الحَنْبَلِيَّةِ (٢)، وَكَانَ حَسَنَ الصَّلَاةِ، لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ مَشَايِخِنَا أَحْسَنَ صَلَاةً مِنْهُ. وَكَانَ مُشَدِّدًا فِي أَمْرِ الطَّهَارَةِ، لَا يَدَعُ أَحَدًا يَمَسُّ مَدَاسَهُ.
قُلْتُ: هَذِهِ زَلَّةٌ مِنْ عَالِمٍ. قَالَ: وَكَانَتْ ثِيَابُهُ قِصَارًا، وَأَكْمَامُهُ قِصَارًا، وَعِمَامَتُهُ نَحْوٌ مِنْ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ، وَكَانَتِ السُّنَّةُ شِعَارَهُ وَدِثَارَهُ، اعْتِقَادًا وَفِعْلًا، بِحَيْثُ إِنَّهُ كَانَ إِذَا دَخَلَ مَجْلِسَهُ رَجُلٌ، فَقَدَّمَ رِجْلُهُ اليُسْرَى، كَلَّفَهُ أَنْ يَرْجِعَ فَيُقَدِّمَ اليُمْنَى، وَلَا يَمَسُّ الأَجْزَاءَ إِلَّا عَلَى وُضُوْءٍ، وَلَا يَدَعُ شَيْئًا قَطُّ إِلَّا مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ تَعْظِيْمًا لَهَا، إِلَى أَنْ قَالَ: سَمِعْتُ مِنْ أَثِقُ بِهِ يَحْكِي. قَالَ: رَأَى السِّلَفِيُّ طَبَقَةً بِخَطِّ الحَافِظِ، فَقَالَ: هَذَا خَطُّ أَهْلِ الإِتْقَانِ، وَسَمِعْتُهُ يَحْكِي عَنْهُ أَنَّهُ ذُكِرَ لَهُ، فَقَالَ: قَدَّمَهُ دِيْنُهُ. قَالَ: وَسَمِعْتُ مَنْ أَثِقُ بِهِ يَحْكِي عَنْ أَبِي الحَسَنِ عَبْدِ الغَافِرِ بنِ إِسْمَاعِيْلَ الفَارِسِيِّ، أَنَّهُ قَالَ لِلحَافِظِ أَبي العَلَاءِ، لَمَّا دَخَلَ "نَيْسَابُوْرَ": مَا دَخَلَ "نَيْسَابُوْرَ" مِثْلَكَ. وَسَمِعْتُ الحَافِظَ أَبَا القَاسِمِ عَلِيُّ بنُ الحَسَنِ بنِ هِبَةِ اللهِ يَقُوْلُ - وَذَكَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ سَافَرَ فِي طَلَبِ الحَدِيْثِ - إِنْ رَجَعَ وَلَمْ يَلْقَ الحَافِظَ أَبَا العَلَاءِ ضَاعَتْ سَفْرَتُهُ. وَقَدْ رَوَى عَنْهُ الحَافِظُ أَبُو القَاسِمِ، وَقَالَ القَاسِمُ بنُ стр. 867
عَسَاكِرِ الحَافِظُ: سَمِعْتُ التَّاجَ المَسْعُوْدِيَّ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبَا العَلَاءِ الهَمَذَانِيَّ يَقُولُ لِرَجُلٍ اسْتَأْذَنَهُ فِي الرِّحْلَةِ: إِنْ عَرَفْتَ أَحَدًا أَعْرَفَ مِنِّي فَحِيْنَئِذٍ آذَنُ لَكَ أَنْ تُسَافِرَ إِلَيْهِ، إِلَّا أَنْ تُسَافِرَ إِلَى ابنِ عَسَاكِرٍ، فَإِنَّهُ حَافِظٌ كَمَا يَجِبُ.
وَقَرَأْتُ بِخَطِّ الشَّيْخِ نَاصِحِ الدِّينِ بنِ الحَنْبَلِيِّ: أَمَّا حُرْمَةُ الحَافِظِ أَبِي العَلَاءِ، وَمَكَانَتَهُ فِي العَامَّةِ وَالخَاصَّةِ فَمَشْهُوْرَةٌ، وَكَرَامَاتِهِ كَذلِكَ.
وَمنْ نَوَادِرِ الحَافِظِ ﵀ أَنَّهُ كَانَ يَمْشِي فِي اليَوْمِ الوَاحِدِ ثَلَاثِيْنَ فَرْسَخًا.
حَدَّثَنِي الإِمَامُ طَلْحَةُ بنُ مُظَفَّرٍ العَلْثِيُّ قَالَ: بِيْعَتْ كُتُبُ ابنِ الجَوَالِيْقِيِّ فِي "بَغْدَادَ" فَحَضَرَهَا الحَافِظُ أَبُو العَلَاءِ الهَمَذَانِيُّ، فَنَادَوا عَلَى قِطْعةٍ مِنْهَا: بِسِتِّينَ دِيْنَارًا، فَاشْتَرَاهَا الحَافِظُ أَبُو العَلَاءِ الهَمَذَانِيُّ، بِسِتِّينَ دِيْنَارًا، وَالانْظَارَ مِن يَوْمِ الخَمِيْسَ، إِلَى يَوْمِ الخَمِيْسِ، فَخَرَجَ الحَافِظُ، وَاسْتَقْبَلَ طَرِيْقَ "هَمَذَانَ"، فَوَصَلَ فَنَادى عَلَى دَارٍ لَهُ، فَبَلَغَتْ بِسِتِّيْنَ دِيْنَارًا، فَقَالَ: بِيْعُوا، قَالُوا تَبْلُغُ أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ، قَالَ: بِيْعُوا، فَبَاعُوا الدَّارَ بِسِتِّيْنَ دِيْنَارًا فَقَبَضَهَا، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى "بَغْدَادَ" فَدَخَلَهَا يَوْمَ الخَمِيْسِ، فَوَفَّى ثَمَنَ الكُتُبِ، وَلَمْ يَشْعُرْ أَحَدٌ بِحَالِهِ إِلَّا بَعْدَ مُدَّةً (١).
تُوُفِّيَ ﵀ لَيْلَةَ الخَمِيْسِ تَاسِعَ عَشَرَ جُمَادَى الأُوْلَى سَنَةَ تِسْعٍ وَسِتِّينَ وَخَمْسِمَائَةَ، ذَكَرَهُ الحَافِظُ ابنُ النَّجَّارِ، عَنِ الحَافِظِ أَبِي جَعْفَرِ стр. 868
ابنِ الحَمَّامِيِّ الوَاعِظِ، وَذَكَرَ مَكِّيُّ بنُ بُنْجِيْرٍ (١)، وَابْنِ الجَوْزِيِّ: أَنَّهُ تُوُفِّيَ لَيْلَةَ الخَمِيسِ لِتِسْعَ عَشْرَةَ بَقِيَتْ مِنْ جُمَادَى الأُولَى. قَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: وَبَلَغَنِي: أَنَّهُ رُئِيَ فِي المَنَامِ فِي مَدِيْنَةٍ جَمِيعُ جُدْرَانِهَا مِنَ الكُتُبِ، وَحَوْلَهُ كُتُبٌ لا تُحَدُّ، وَهُوَ مُشْتَغِلٌ بِمُطَالَعَتِهَا، فَقِيْلَ لَهُ: مَا هَذِهِ الكُتُبُ؟ قَالَ: سَأَلْتُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يَشْغَلَنِي بِمَا كُنْتُ أَشْتَغِلُ بِهِ فِي الدُّنْيَا، فَأَعْطَانِي. وَرَأَى لَهُ شَخْصٌ آخَرُ: أَنَّ يَدَيْنِ خَرَجَتَا مِنْ مِحْرَابِ مَسْجِدِهِ، فَقَالَ: مَا هَذِهِ اليَدَانِ؟ فَقَالَ: هَذِهِ يَدَا آدَمَ بَسَطَهُمَا لِيُعَانِقَ أَبَا العَلَاءِ الحَافِظَ، قَالَ: وَإِذَا بِأَبِي العَلَاءِ قَدْ أَقْبَلَ، قَالَ: فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ، وَقَالَ: يَا فُلَانُ: أَرَأَيْتَ ابْنِي أَحْمَدَ حِيْنَ قَامَ عَلَى قَبْرِي يُلَقِّنُنِي، أَمَا سَمِعْتُهُمْ يَقُوْلُوْنَ حَتَّى صِحْتُ عَلَى المَلَكَيْنِ فَمَا قَدَرَا أَنْ يَقُوْلَا لِي شَيْئًا وَرَجَعَا، ﵁. стр. 869
١٦١ - دَهْبَلُ بنُ علِيِّ (١) بنِ مَنْصُورِ بنِ إِبْرَاهِيْمَ بنِ عَبْدِ اللهِ، المَعْرُوْفُ بِـ "ابنِ كَارِهٍ" البَغْدَادِيُّ، الحَرِيْمِيُّ، الخَبَّازُ، أَبُو الحَسَنِ.
وُلِدَ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، وَسَمِعَ مِنَ الحُسَيْنِ بنِ عَلِيِّ بنِ البُسْرِيِّ، وَأَبِي غَالِبٍ القَزَّازِ، وَأَبِي عَلِيِّ بنِ المَهْدِيِّ، وَابْنِ بَيَانٍ، وَابنِ نَبْهَانَ وَغَيْرِهِمْ، وَذَكَرَهُ ابنُ السَّمْعَانِيِّ فِي كِتَابِهِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّينِ المَقْدِسِيُّ: كَانَ فَقِيْهًا مِنْ فُقَهَاءِ أَصْحَابِنَا، وَكَانَ يَحْضُرُ فِي حَلْقَةِ الفُقَهَاءِ فِي جَامِعِ المَنْصُوْرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَكَانَ شَيْخًا صَالِحًا (أَثَنَا) (٢) بِكِتَابِ "الخَرَاجِ" (٣) لِيَحْيَى بنِ آدَمَ. стр. 870
وَقَالَ أبُو المَحَاسِنِ القُرَشِيُّ: كَانَ فَقِيْهًا، حَسَنًا، فَاضِلًا، زَاهِدًا، صَادِقًا، ثِقَةً. وَذَكَرَ غَيْرُهُ: أَنَّهُ أَضَرَّ بِأَخَرَةٍ. وَقَالَ ابنُ نُقْطَةَ (١): هُوَ ثِقَةٌ، صَالِحٌ.
قَالَ ابنُ القَطِيْعِيِّ: كَانَ فَقِيْهًا، حَنْبَلِيًّا، ثِقَةً، حَدَّثَ، وَسَمِعَ مِنْهُ جَمَاعَةٌ.
وَقَالَ المُنْذِرِيُّ: تَفَقَّهَ عَلى مَذْهَبِ الإِمَامِ أَحْمَدَ، وَسَمِعَ مِنْ غَيْرِ وَاحِدٍ، وَحَدَّثَ.
قُلْتُ: رَوَى عَنْهُ ابنُ الأَخْضَرِ، وَجَمَاعَةٌ، تَوُفِّيَ فِي يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ مُحَرَّمٍ سَنَةَ تِسْعٍ وَسِتِّينَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَدُفِنَ بِـ "مَقْبَرَةِ بابِ حَربٍ".
وَ"دَهْبَلُ" بِفَتْحِ الدَّال المُهْمَلَةِ، وَالبَاءِ المُوَحَّدَةِ، بَيْنَهُمَا هَاءٌ سَاكِنَةٌ (٢).
١٦٢ - عَبْدُ الصَّمَدِ بنُ بَدِيْلِ (٣) بنِ الخَلِيْلِ الجِيْلِيُّ، المُقْرِئُ، أَبُو مُحَمَّدٍ. ذَكَرَهُ стр. 871
ابنُ القَطِيْعِيِّ، فَقَالَ: قَدِمَ "بَغْدَادَ" وَنَزَلَ "بَابَ الأَزَجِ"، وَقُرِئَ عَلَيْهِ القُرآنَ بِالرِّوَايَاتِ الكَثِيْرَةِ، وَرَوَاهَا عَنْ أَبِي العَلَاءِ الحَسَنِ بنِ أَحْمَدَ الهَمَذَانِيِّ.
قُلْتُ: وَقَدْ سَمِعَ مِنْ أَبِي العَلَاءِ الحَدِيْثَ، قَالَ: وَكَانَ عَالِمًا، ثِقَةً، ثَبْتًا، فَقِيْهًا، مُفْتِيًا، وَكَانَ اشْتِغَالُهُ بِالفِقْهِ عَلى وَالِدِيْ ﵀ وَنَاظَرَ، وَدَرَّسَ، وَأَفْتَى، وَكَتَبَ إِلَيَّ - وَأَنَا مُسَافِرٌ - كِتَابًا ذَكَرَ فِيْهِ مَا أَحْبَبْتُ ذِكْرَهُ لِبَرَكَتِهِ: اللهَ اللهَ، كُنْ مُقْبِلًا، مُدِيْمًا علَى شَئُوْنِكَ، مُشْتَغِلًا بِمَا أَنْتَ بِصَدَدِهِ، وَلَا تَكُنْ مُضَيِّعًا أَنْفَاسًا مَعْدُوْدَةً، وَأَعْمَارًا مَحْسُوْبَةً، وَاجْعَلْ مَا لَا يَعْنِيْكَ دُبُرَ أُذُنِكَ، وَاغْمِضْ عَيْنَيْكَ عَمَّا لَيْسَ مِنْ حَظِّهَا، وَاطْلُبْ مِنْ رَيْحَانَةِ مَا حَلَّ لَكَ، وَدَعْ مَا حَرُمَ عَلَيْكَ، وَبِذلِكَ تَغْلِبُ شَيْطَانَكَ، وَتَحُوْزُ مَطَالِبَكَ، وَالسَّلَامُ، تُوُفِّيَ ﵀ سَنَةَ تِسْعٍ وَسِتِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ بِالقُرْبِ مِنْ قَبْرِ بِشْرٍ الحَافِي. قَالَ: وَ"بَدِيْلُ" بِفَتْحِ البَاءِ، وَذَكَرَهُ ابنُ النَّجَّارِ فَقَالَ: صَحِبَ القَاضِي أَبَا يَعْلَى بنَ أَبِي خَازِمٍ، وَتَفَقَّهَ عَلَيْهِ، وَكَانَ خِصِّيْصًا بِهِ قَرَأَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ القُرْآنَ، وَكَانَ مُقْرِئًا مُجَوِّدًا، فقِيْهًا فَاضِلًا، صَالِحًا، مُتَدَيِّنًا، وَأَنَّهُ تُوُفِّيَ يَوْمَ السَّبْتِ سَلْخَ رَبِيْعٍ الأَوَّلَ سَنَةَ إِحْدَى وَسَبْعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، كَذَا نَقَلَهُ عَنْ تَمِيْمٍ بنِ البَنْدَنِيْجِيِّ (١).
١٦٣ - عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ النَّفِيْسِ (٢) بنِ الأَسْعَدِ الغِيَاثِيُّ، الفَقِيْهُ المُقْرِئُ стр. 872
أَبُو بَكْرٍ، وَيُعْرَفُ بِـ "الأَعَزِّ" البَغْدَادِيُّ. كَانَ فِي ابْتِداءِ أَمْرِهِ يُغَنِّي، وَلَهُ صَوْتٌ حَسَنٌ، ثُمَّ تَابَ وَحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ، وَقرَأَ القُرْآنَ فِي زَمَنٍ يَسِيْرٍ، وَتَعَلَّمَ الخَطَّ فِي أَيَامٍ قَلَائِلَ، وَحَفِظَ كِتَابَ "الخِرَقِيِّ" وَأَتْقَنَهُ، وَقَرَأَ مَسَائِلَ الخِلَافِ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الفُقَهَاءِ، وَكَانَ ذَكِيًّا جِدًّا، يَحْفَظُ فِي يَوْمِ وَاحِدٍ مَا لَا يَحْفَظُهُ غَيْرُهُ فِي شَهْرٍ، وَسَمِعَ مِنْ عَبْدِ الوَهَّابِ الأَنْمَاطِيِّ، وسَعْدِ الخَيْرِ الأَنْصَارِيِّ، وَعَسْكَرِ بنِ أُسَامَةَ النَّصِيْبِيِّ، وَتَكَلَّمَ فِي مَسَائِلِ الخِلَافِ، وَسَافَرَ إِلَى "الشَّامِ" وَسَكَنَ "دِمَشْقَ" مُدَّةً، وَأَمَّ بِالحَنَابِلَةِ فِي جَامِعِهَا، ثُمَّ تَوَجَّهَ إِلَى دِيَارِ "مِصْرَ" فَاسْتَوْطَنَهَا إِلَى حِيْنِ وَفَاتِهِ، وَحَدَّثَ، وَكَانَ فَقِيْهًا فَاضِلًا، قَارِئًا مُجَوَّدًا، مَلِيْحَ التِّلَاوَةِ، طَيِّبَ النَّغْمَةِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدِ بنِ عَلِيِّ بنِ زَيْدٍ بنِ اللَّتِّي (١) عَنْهُ: كَانَ قَوِّيًّا فِي دِيْنِ اللهِ مُتَمَسِّكًا بِالآثَارِ، لَا يَرَى مُنْكَرًا وَلَا يَسْمَعُ بِهِ إِلَّا غَيَّرَهُ، стр. 873
لَا يُحَابِي فِي قَوْلِ الحَقِّ أَحَدًا، قَالَ: وصَحِبْتُهُ، وَسَمِعْتُ عَلَيْهِ مُعْتَقَدًا فِي السُّنَّةِ، وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ أَبْوَابًا مِنَ "الخِرَقِيِّ" قَالَ: وَخَرَجَ مِنْ "بَغْدَادَ" سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ وَقِيْلَ: إِنَّهُ تُوُفِّيَ بِـ "مِصْرَ" بَعْدَ سَنَةِ سِتِّينَ وَخَمْسِمَائَةَ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - رَوَى عَنْهُ أَبُو الجُوْدِ حَاتِمُ بنُ سِنَانِ بنِ إِبْرَاهِيْمَ الحَبْليُّ (١) أَناشِيْدَ.
١٦٤ - يَحْيَى بنُ نَجاحِ بنِ سُعُوْدِ (٢) بنِ عَبْدِ اللهِ اليُوسُفِيُّ (٣)، المُؤدِّبُ، الأَدِيْبُ، стр. 874
الشَّاعِرُ، أَبُو البَرَكَاتِ. سَمِعَ مِنْ أَبِي العِزِّ بنِ كَادِشٍ وَغَيْرِهِ، قَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: سَمِعَ الحَدِيْثَ الكَثِيْرَ، ثُمَّ قَرَأَ النَّحْوَ وَاللُّغَةَ، وَكَانَ غَزِيْرَ الفَضْلِ، يَقُوْلُ الشِّعْرَ الحَسَنَ، وَقَالَ ابنُ القَطِيْعِيِّ: كَانَ مِنْ أَهْلِ الأَدَبِ وَالعِلْمِ، وفِيْهِ فَضْلٌ، وَلَهُ خَطٌّ حَسَنٌ، وَشِعْرٌ رَقِيْقٌ، سَمِعَ مِنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الطَّلَبَةِ، وَكَانَ حَنْبَلِيَّ المَذْهَبِ، حَسَنَ الاعْتِقَادِ (١).
قَالَ: وَأَنْشَدَنَا أَبُو البَقَاءِ الفَقِيهِ (٢) قَالَ: أَنْشَدَنَا أَبُو البَرَكَاتِ يَحْيَى بنُ نَجَاحٍ اليُوْسُفِيُّ لِنَفْسِهِ:
أَقِلًا مِنْكَ ذَا الجَفَا أَمْ دَلَالُ … كُلُّ يَوْمٍ يَرُوْعُنِي مِنْكَ حَالُ
أَعَذُوْلٌ يُغْرِيْكَ أَمْ غِرَّة (٣) المَعْـ … ــشُوْقِ أَمْ هكَذَا يَتِيْهُ الجَمَالُ
نَظْرَةً كُنْتَ يَوْمَ ذَاكَ فَإِنِّي … صِرْتُ فِي القَلْبِ عَثْرَةً لَا تُقَالُ
أَنَا عَرَّضْتُ مُهْجَتِي يَوْمَ سَلْعٍ … لِلْهَوَى فَالغَرَامِ دَاءٌ عُضَالُ
عَبَثًا تَقْتُلُ النُّفُوْسَ وَلَا تَحْـ … ـــسَبُ، إِلَّا أَنَّ الدِّمَاءَ حَلَالُ стр. 875
مِنْ عَجِيْبٍ أَنْ لَا يَطِيْشُ لَهَا سَهْـ … ـــمٌ وَلَمْ تَدْرَ قَطُّ كَيْفَ النِّضَالُ
لِيَ قَلْبٌ قَدِ اسْتَرَاحَ مِنَ العَذْ … لِ وَسَمْعٌ تَكُدُّهُ العُذَّالُ
وَهِيَ قَصِيْدَةٌ طَوِيْلَةٌ.
تُوُفِّيَ ﵀ يَوْمَ السَّبْتِ لإِحْدَى عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ شَوَالٍ سَنَةَ تِسْعٍ وَسِتِّيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَدُفِنَ مِنَ الغَدِ بِمَقْبَرَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ، كَذَا ذَكَرَهُ القَطِيْعِيُّ، وَقَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ (١): تُوُفِّيَ فِي أَوَاخِرِ شَوَّالٍ.
وَ"اليُوْسُفِيُّ" نِسْبَةً إِلَى وَلَاءِ بَيْتِ ابنِ يُوسُفَ، وَكَانَ جَدُّهُ سُعُوْدٌ (٢) مَوْلَى الشَّيْخِ الأَجَلِّ، أَبِي مَنْصُورٍ مُحَمَّدٍ بنِ عَبْدِ المَلِكِ بنِ يُوسُفَ (٣)، ﵀ (٤).
١٦٥ - حَامِدُ بنُ مَحْمُود (٥) بنِ حَامِدِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ أَبِي عَمْرٍو الحَرَّانِيُّ، الخَطِيْبُ، الفَقِيْهُ، الزَّاهِدُ، أَبُو الفَضْلِ، المَعْرُوفُ بِـ "ابنِ أَبِي الحَجَرِ" وَيُلَقَّبُ تَقِيَّ الدِّينِ، شَيْخُ "حَرَّانَ" وَخَطِيْبُهَا، وَمُفْتِيْهَا وَمُدَرِّسُهَا. стр. 876
وُلِدَ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمَائَةَ بـ "حَرَّانَ"، فِيْمَا قَرَأْتُهُ بِخَطِّ الإِمَامِ أَبِي العَبَّاسِ بنِ تَيْمِيَّةَ، وَذَكَرَ أَنَّهُ نَقَلَهُ مِنْ خَطِّ أَحْمَدَ بنِ سَلَامَةَ بنِ النَّجَّارِ الحَرَّانِيِّ الزَّاهِدِ (١). وَرَحَلَ إِلَى "بَغْدَادَ" وَسَمِعَ بِهَا مِنْ عَبْدِ الوَهَّابِ الأَنْمَاطِيِّ الحَافِظِ، وَيَحْيَى بنُ حُبَيْشٍ الفَارِقِيِّ، وَعُمَرَ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ عَلِيٍّ الحَرْبِيِّ وَغَيْرِهِم، وَتَفَقَّهَ بِهَا، وَبَرَعَ وَنَاظَرَ، وَلَقِيَ بِهَا الشَّيْخَ عَبْدَ القَادِرِ، وَلَازَمَهُ، فَرَآهُ الشَّيْخُ يَوْمًا يَمْشِي عَلَى سَجَّادَتِهِ، عَلَى بِسَاطٍ لِلْشَّيْخِ، فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ القَادِرِ: كَأَنِّي بِكَ، وَقَدْ دُسْتَ عَلَى بِسَاطِ السُّلْطانِ. كَذَا ذَكَرَهُ أَبُو عَبْدِ اللهِ بنُ حَمْدَانَ الفَقِيْهِ (٢).
وَقَالَ نَاصِحُ الدِّيْنِ بنُ الحَنْبَلِيِّ ﵁: حَدَّثَنِي وَلَدُهُ إِلْيَاسُ - يَعْنِي: وَلَدَ أَبِي الفَضْلِ حَامِدٍ - قَالَ: وَخَرَجَ وَالِدِي مَعَ الشَّيْخِ عَبْدِ القَادِرِ فِي زِيَارَةٍ، وَكَانَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ، وَانْفَرَدَ وَالِدِي عَنْهُ، وَرَفعَ ثَوْبَهُ عَلَى قَصَبَةٍ، فَقَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ القَادِرِ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: الفَقِيْهُ حَامِدٌ الحَرَّانِيُّ، فَقَالَ: هَذَا يَكُوْنُ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالمُلُوْكِ، وَكَانَ كَمَا قَالَ.
وَذَكَرَهُ ابنُ الجَوْزِيِّ فِي "تَارِيخِهِ" فَقَالَ: صَدِيْقُنَا، قَدِمَ "بَغْدَادَ" وَتَفَقَّهَ وَنَاظَرَ، وَعَادَ إِلَى "حَرَّانَ" وَأَفْتَى، وَدَرَّسَ، وَكَانَ وَرِعًا، بِهِ وسْوَسَةٌ فِي الطَّهَارَةِ.
وَذَكَرَ ابنُ القَطِيْعِيِّ فِي "تَارِيْخِهِ" نَحْوًا مِنْ ذلِكَ، وَقَالَ: كَانَ تَالِيًا لِلْقُرآنِ، كَتَبْتُ عنْهُ، وَكَانَ ثِقَةً. стр. 877
وَقَالَ الشَّيْخُ فَخْرُ الدِّيْنِ بنُ تَيْمِيَّةَ فِي أَوَّلِ "تَفْسِيْرِهِ" وَبَعْدَ رُجُوْعِي إِلَى "حَرَّانَ" كُنْتُ كَثِيْرَ المُبَاحَثَةِ لِشَيْخِنَا الإِمَامِ، البَارِعِ، أَبِي الفَضْلِ، حَامِدِ بنِ مَحْمُوْدِ بنِ أَبِي الحَجَرِ ﵀ فِي مُشْكِلِ الآيَاتِ، وَحَلِّ مَا فِيْهَا مِنَ الإِشْكَالَاتِ، وَكَانَ ﵀ إِذَا شَرَعَ فِي التَّفْسِيْرِ وَالتَّذْكِيرِ شَبِيْهًا بِالجَوَادِ المُفْرِطِ، وَالجَوَادِ القَطْقَطِ (١)، يُوْسِعُ المَسَامِعِ هَدِيْرُ شَقَاشِقِهِ (٢)، وَيُزَعْزِعُ المَسَامِعُ زَجْرُ رَوَاشِقِهِ (٣)، هَذَا مَعَ مَا كَانَ قَدْ مَنَحَهُ اللهُ مِنَ الرَّشَاقَةِ وَعُسُوْلَةِ المَنْطِقِ وَاللَّبَاقَةِ. وَقَال الشَّيْخُ نَاصِحُ الدِّينِ بنُ الحَنْبَلِيِّ: كَانَ شَيْخَ "حَرَّانَ" فِي وَقْتِهِ، بَنَى نُوْرُ الدِّينِ مَحْمُوْدٌ المَدْرَسَةَ فِي "حَرَّانَ" لأَجْلِهِ، وَدَفَعَهَا إِلَيْهِ، وَدَرَّسَ بِهَا، وَتَولَّى عِمَارَةَ جَامِعِ "حَرَّانَ" فَمَا قَصَّرَ فِيْهِ، قِيْلَ: إِنَّهُ رَاحَ إِلَى الرُّوْمِ، وَتَوَلَّى نَشْرَ (٤) الخَشَبِ بِنَفْسِهِ، وَكَانَ نُوْرُ الدِّينِ стр. 878
مَحْمُودٌ يُقْبِلُ عَلَيْهِ، وَلَهُ فِيْهِ حُسْنُ ظَنٍّ (١)، وَكَانَ عِنْدَهُ وِسْوَاسٌ فِي الطَّهَارَةِ، وَرَحَلَ إِلَى "بَغْدَادَ" وَنَزَلَ بِمَدْرَسَةِ الشَّيْخِ عَبْدِ القَادِرِ، وَسَمِعَ دَرْسَهُ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَجَاءَ إِلَى "دِمَشْقَ" فِي حَوَائِجَ إِلَى نُوْرِ الدِّينِ، وَنَزَلَ عِنْدَنَا فِي المَدْرَسَةِ، وَأَضَافَهُ وَالِدِي.
وَقَالَ ابنُ حَمْدَانَ: كَانَ شَيْخَ "حَرَّانَ"، وَخَطِيْبَهَا وَمُدَرِّسَهَا، وَلأَجْلِهِ بُنِيَتْ المَدْرَسَةُ النُّوْرِيَّةِ بِـ "حَرَّانَ"، وَلَهُ "دِيْوَانُ خَطَبٍ". وَقِيْلَ: إِنَّ أَكْثَرَهَا كَانَ يَرْتَجِلُهَا إِذَا صَعِدَ إِلَى المِنْبَرِ، فَلَمَّا وَلَّاهُ السُّلْطَانُ نُوْرُ الدِّيْنِ الشَّهِيْدُ قَالَ: بِشَرْطِ أَنْ تَتْرُكَ المَظَالِمَ وَالضَّمَانَاتِ، وَتُوَرِّثَ ذَوِي الأَرْحَامِ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذلِكَ. وَكَانَ وَلَدُهُ الفَقِيْهُ إِلْيَاسَ إِذَا غَابَ عَنِ المَدْرَسَةِ يَوْمًا، لَا يُعْطِيْهِ خُبْزَهُ، وَيَقُوْلُ: هُوَ كَالمُسْتَأْجِرِ قَالَ: وَلَمْ يَأْخُذْ عَلَى نَظَرِهِ فِي الجَامِعِ وَأَوْقَافِهِ شَيْئًا، حَتَّى إِنَّ غُلَامَهُ اشْتَرَى نِجَارَةً (٢) كَمَا اشْتَرَاهُ العَوَامُّ مِنْ نِجَارَةِ الجَامِعِ стр. 879
فَلَمْ يَأْكُلْ مَا خُبِزَ فِي بَيْتِهِ، وَسِيْرَتُهُ فِي الوَرَعِ وَالزُّهْدِ مَشْهُوْرَةٌ بِـ "حَرَّانَ" مِنْ بَيْنِ أَهْلِهَا. قُلْتُ: أَخَذَ عَنْهُ العِلْمَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ "حَرَّانَ" مِنْهُمُ الخَطِيْبُ فَخْرُ الدِّيْنِ بنُ تَيْميَّةَ، وَأَبُو الفَتْحِ نَصْرُ اللهِ بنُ عَبْدُوْسٍ وَغَيْرُهُمَا، وَسَمِعَ مِنْهُ الحَدِيْثَ جَمَاعَةٌ مِنَ الطَّلَبَةِ وَالرَّحَّالِيْنَ، مِنْهُمْ: أَبُو الحَسَنِ عُمَرُ بنُ عَلِيٍّ القُرَشِيُّ الدِّمَشْقِيُّ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِيْنَ، وَأَبُو الحَسَنِ بنُ القَطِيْعِيِّ سَنَةَ سِتٍّ
стр. 880
وَسِتِّينَ. وَرَوى عَنْهُ فِي "تَارِيْخِهِ" وَقَالَ: تُوُفِّيَ لِسَبْعٍ خَلَوْنَ مِنْ شَوَالٍ سَنَةَ سَبْعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ بِـ "حَرَّانَ" وَكَذَا ذَكَرَ ابنُ الجَوْزِيِّ: أَنَّهُ تُوُفِّيَ بِـ "حَرَّانَ" سَنَةَ سَبْعِيْنَ. وَقَرأْتُ بِخَطِّ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّيْنِ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - قَالَ: نَقَلْتُ مِنْ خَطِّ الزَّاهِدِ أَحْمَدَ بنِ سَلَامَةَ بنِ النَّجَّارِ: تُوُفِّيَ الفَقِيْهُ حَامِدُ بنُ مَحْمُودِ بنِ أَبِي الحَجَرِ - وَكَانَ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ وَالبَرَاعَةِ وَالفَصَاحَةِ - سَنَةَ تِسْعٍ وَسِتِّينَ وَخَمْسِمَائَةَ، ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: عِنْدِيْ فِي هَذَا نَظَرٌ؛ لأَنَّ الشَّيْخَ الفَخْرَ ذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ يُذَاكِرُهُ بَعْدَ رُجُوعِهِ إِلَى "حَرَّانَ". وَذَكَرَ الشَّيْخُ فَخْرُ الدِّينِ ابنُ تَيْمِيَّةَ فِي كِتَابِهِ "تَرْغِيْبُ المَقَاصِدِ" (١) أَنَّ شَيْخَهُ حَامِدَ بنَ أَبِي الحَجَرِ اخْتَارَ: أَنَّ الفَاسِقَ تَثْبُتُ لَهُ وِلَايَةُ النِّكَاحِ.
١٦٦ - المُبَارَكُ بنُ الحَسَنِ (٢) بنِ طِرَادٍ البَامَاوَرْدِيُّ الفَرَضِيُّ، أَبُو النَّجْمِ بنِ следующие страницы →