Полный текст (2 431 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
وُلِدَ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمَائَةَ بـ "حَرَّانَ"، فِيْمَا قَرَأْتُهُ بِخَطِّ الإِمَامِ أَبِي العَبَّاسِ بنِ تَيْمِيَّةَ، وَذَكَرَ أَنَّهُ نَقَلَهُ مِنْ خَطِّ أَحْمَدَ بنِ سَلَامَةَ بنِ النَّجَّارِ الحَرَّانِيِّ الزَّاهِدِ (١). وَرَحَلَ إِلَى "بَغْدَادَ" وَسَمِعَ بِهَا مِنْ عَبْدِ الوَهَّابِ الأَنْمَاطِيِّ الحَافِظِ، وَيَحْيَى بنُ حُبَيْشٍ الفَارِقِيِّ، وَعُمَرَ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ عَلِيٍّ الحَرْبِيِّ وَغَيْرِهِم، وَتَفَقَّهَ بِهَا، وَبَرَعَ وَنَاظَرَ، وَلَقِيَ بِهَا الشَّيْخَ عَبْدَ القَادِرِ، وَلَازَمَهُ، فَرَآهُ الشَّيْخُ يَوْمًا يَمْشِي عَلَى سَجَّادَتِهِ، عَلَى بِسَاطٍ لِلْشَّيْخِ، فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ القَادِرِ: كَأَنِّي بِكَ، وَقَدْ دُسْتَ عَلَى بِسَاطِ السُّلْطانِ. كَذَا ذَكَرَهُ أَبُو عَبْدِ اللهِ بنُ حَمْدَانَ الفَقِيْهِ (٢).
وَقَالَ نَاصِحُ الدِّيْنِ بنُ الحَنْبَلِيِّ ﵁: حَدَّثَنِي وَلَدُهُ إِلْيَاسُ - يَعْنِي: وَلَدَ أَبِي الفَضْلِ حَامِدٍ - قَالَ: وَخَرَجَ وَالِدِي مَعَ الشَّيْخِ عَبْدِ القَادِرِ فِي زِيَارَةٍ، وَكَانَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ، وَانْفَرَدَ وَالِدِي عَنْهُ، وَرَفعَ ثَوْبَهُ عَلَى قَصَبَةٍ، فَقَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ القَادِرِ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: الفَقِيْهُ حَامِدٌ الحَرَّانِيُّ، فَقَالَ: هَذَا يَكُوْنُ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالمُلُوْكِ، وَكَانَ كَمَا قَالَ.
وَذَكَرَهُ ابنُ الجَوْزِيِّ فِي "تَارِيخِهِ" فَقَالَ: صَدِيْقُنَا، قَدِمَ "بَغْدَادَ" وَتَفَقَّهَ وَنَاظَرَ، وَعَادَ إِلَى "حَرَّانَ" وَأَفْتَى، وَدَرَّسَ، وَكَانَ وَرِعًا، بِهِ وسْوَسَةٌ فِي الطَّهَارَةِ.
وَذَكَرَ ابنُ القَطِيْعِيِّ فِي "تَارِيْخِهِ" نَحْوًا مِنْ ذلِكَ، وَقَالَ: كَانَ تَالِيًا لِلْقُرآنِ، كَتَبْتُ عنْهُ، وَكَانَ ثِقَةً. стр. 877
وَقَالَ الشَّيْخُ فَخْرُ الدِّيْنِ بنُ تَيْمِيَّةَ فِي أَوَّلِ "تَفْسِيْرِهِ" وَبَعْدَ رُجُوْعِي إِلَى "حَرَّانَ" كُنْتُ كَثِيْرَ المُبَاحَثَةِ لِشَيْخِنَا الإِمَامِ، البَارِعِ، أَبِي الفَضْلِ، حَامِدِ بنِ مَحْمُوْدِ بنِ أَبِي الحَجَرِ ﵀ فِي مُشْكِلِ الآيَاتِ، وَحَلِّ مَا فِيْهَا مِنَ الإِشْكَالَاتِ، وَكَانَ ﵀ إِذَا شَرَعَ فِي التَّفْسِيْرِ وَالتَّذْكِيرِ شَبِيْهًا بِالجَوَادِ المُفْرِطِ، وَالجَوَادِ القَطْقَطِ (١)، يُوْسِعُ المَسَامِعِ هَدِيْرُ شَقَاشِقِهِ (٢)، وَيُزَعْزِعُ المَسَامِعُ زَجْرُ رَوَاشِقِهِ (٣)، هَذَا مَعَ مَا كَانَ قَدْ مَنَحَهُ اللهُ مِنَ الرَّشَاقَةِ وَعُسُوْلَةِ المَنْطِقِ وَاللَّبَاقَةِ. وَقَال الشَّيْخُ نَاصِحُ الدِّينِ بنُ الحَنْبَلِيِّ: كَانَ شَيْخَ "حَرَّانَ" فِي وَقْتِهِ، بَنَى نُوْرُ الدِّينِ مَحْمُوْدٌ المَدْرَسَةَ فِي "حَرَّانَ" لأَجْلِهِ، وَدَفَعَهَا إِلَيْهِ، وَدَرَّسَ بِهَا، وَتَولَّى عِمَارَةَ جَامِعِ "حَرَّانَ" فَمَا قَصَّرَ فِيْهِ، قِيْلَ: إِنَّهُ رَاحَ إِلَى الرُّوْمِ، وَتَوَلَّى نَشْرَ (٤) الخَشَبِ بِنَفْسِهِ، وَكَانَ نُوْرُ الدِّينِ стр. 878
مَحْمُودٌ يُقْبِلُ عَلَيْهِ، وَلَهُ فِيْهِ حُسْنُ ظَنٍّ (١)، وَكَانَ عِنْدَهُ وِسْوَاسٌ فِي الطَّهَارَةِ، وَرَحَلَ إِلَى "بَغْدَادَ" وَنَزَلَ بِمَدْرَسَةِ الشَّيْخِ عَبْدِ القَادِرِ، وَسَمِعَ دَرْسَهُ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَجَاءَ إِلَى "دِمَشْقَ" فِي حَوَائِجَ إِلَى نُوْرِ الدِّينِ، وَنَزَلَ عِنْدَنَا فِي المَدْرَسَةِ، وَأَضَافَهُ وَالِدِي.
وَقَالَ ابنُ حَمْدَانَ: كَانَ شَيْخَ "حَرَّانَ"، وَخَطِيْبَهَا وَمُدَرِّسَهَا، وَلأَجْلِهِ بُنِيَتْ المَدْرَسَةُ النُّوْرِيَّةِ بِـ "حَرَّانَ"، وَلَهُ "دِيْوَانُ خَطَبٍ". وَقِيْلَ: إِنَّ أَكْثَرَهَا كَانَ يَرْتَجِلُهَا إِذَا صَعِدَ إِلَى المِنْبَرِ، فَلَمَّا وَلَّاهُ السُّلْطَانُ نُوْرُ الدِّيْنِ الشَّهِيْدُ قَالَ: بِشَرْطِ أَنْ تَتْرُكَ المَظَالِمَ وَالضَّمَانَاتِ، وَتُوَرِّثَ ذَوِي الأَرْحَامِ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذلِكَ. وَكَانَ وَلَدُهُ الفَقِيْهُ إِلْيَاسَ إِذَا غَابَ عَنِ المَدْرَسَةِ يَوْمًا، لَا يُعْطِيْهِ خُبْزَهُ، وَيَقُوْلُ: هُوَ كَالمُسْتَأْجِرِ قَالَ: وَلَمْ يَأْخُذْ عَلَى نَظَرِهِ فِي الجَامِعِ وَأَوْقَافِهِ شَيْئًا، حَتَّى إِنَّ غُلَامَهُ اشْتَرَى نِجَارَةً (٢) كَمَا اشْتَرَاهُ العَوَامُّ مِنْ نِجَارَةِ الجَامِعِ стр. 879
فَلَمْ يَأْكُلْ مَا خُبِزَ فِي بَيْتِهِ، وَسِيْرَتُهُ فِي الوَرَعِ وَالزُّهْدِ مَشْهُوْرَةٌ بِـ "حَرَّانَ" مِنْ بَيْنِ أَهْلِهَا. قُلْتُ: أَخَذَ عَنْهُ العِلْمَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ "حَرَّانَ" مِنْهُمُ الخَطِيْبُ فَخْرُ الدِّيْنِ بنُ تَيْميَّةَ، وَأَبُو الفَتْحِ نَصْرُ اللهِ بنُ عَبْدُوْسٍ وَغَيْرُهُمَا، وَسَمِعَ مِنْهُ الحَدِيْثَ جَمَاعَةٌ مِنَ الطَّلَبَةِ وَالرَّحَّالِيْنَ، مِنْهُمْ: أَبُو الحَسَنِ عُمَرُ بنُ عَلِيٍّ القُرَشِيُّ الدِّمَشْقِيُّ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِيْنَ، وَأَبُو الحَسَنِ بنُ القَطِيْعِيِّ سَنَةَ سِتٍّ
стр. 880
وَسِتِّينَ. وَرَوى عَنْهُ فِي "تَارِيْخِهِ" وَقَالَ: تُوُفِّيَ لِسَبْعٍ خَلَوْنَ مِنْ شَوَالٍ سَنَةَ سَبْعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ بِـ "حَرَّانَ" وَكَذَا ذَكَرَ ابنُ الجَوْزِيِّ: أَنَّهُ تُوُفِّيَ بِـ "حَرَّانَ" سَنَةَ سَبْعِيْنَ. وَقَرأْتُ بِخَطِّ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّيْنِ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - قَالَ: نَقَلْتُ مِنْ خَطِّ الزَّاهِدِ أَحْمَدَ بنِ سَلَامَةَ بنِ النَّجَّارِ: تُوُفِّيَ الفَقِيْهُ حَامِدُ بنُ مَحْمُودِ بنِ أَبِي الحَجَرِ - وَكَانَ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ وَالبَرَاعَةِ وَالفَصَاحَةِ - سَنَةَ تِسْعٍ وَسِتِّينَ وَخَمْسِمَائَةَ، ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: عِنْدِيْ فِي هَذَا نَظَرٌ؛ لأَنَّ الشَّيْخَ الفَخْرَ ذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ يُذَاكِرُهُ بَعْدَ رُجُوعِهِ إِلَى "حَرَّانَ". وَذَكَرَ الشَّيْخُ فَخْرُ الدِّينِ ابنُ تَيْمِيَّةَ فِي كِتَابِهِ "تَرْغِيْبُ المَقَاصِدِ" (١) أَنَّ شَيْخَهُ حَامِدَ بنَ أَبِي الحَجَرِ اخْتَارَ: أَنَّ الفَاسِقَ تَثْبُتُ لَهُ وِلَايَةُ النِّكَاحِ.
١٦٦ - المُبَارَكُ بنُ الحَسَنِ (٢) بنِ طِرَادٍ البَامَاوَرْدِيُّ الفَرَضِيُّ، أَبُو النَّجْمِ بنِ стр. 881
أَبِي السَّعَادَاتِ، المَعْرُوفِ بِـ "ابْنِ القَابِلَةِ" (١). وُلِدَ سَنَة خَمْسٍ وَخَمْسِمَائَةَ تَقْرِيْبًا. وَسَمِعَ مِنْ طَلْحَةَ العَاقُوليِّ سَنَةَ عَشْرٍ، وَهُوَ أَقْدَمُ سَمَاعٍ وُجِدَ لَهُ، وَمِنَ القَاضِي أَبِي الحُسَيْنِ بنِ الفَرَّاءِ، وَأَبِي مَنْصُوْرٍ القَزَّازِ، وَالقَاضِيْ أَبِي بَكْرٍ، وَابنِ الحُصَيْنِ، وَأَبِي الفَضْلِ عَبْدِ المَلِكِ بنِ يُوسُفَ، وأَبِي غَالِبٍ المَاوَرْدِيِّ وَغَيْرِهِمْ. قَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: كَانَ عَارِفًا بِعِلْمِ الفَرَائِضِ وَالمَوَاقِيْتِ.
وَذَكَرَهُ ابنُ القَطِيْعِيِّ، وَقَالَ: كَتَبْتُ عَنْهُ، وَكَانَ ثِقَةً. قَالَ: وَكَانَ أَعْلَمَ أَهْلِ زَمَانِهِ بِالفَرَائِضِ، وَالحِسَابِ وَالدَّوْرِ، حَسَنَ العِلْمِ بِالجَبْرِ وَالمُقَابَلَةِ، وَغَامِضِ الوَصَايَا وَالمُنَاسَخَاتِ، حَنْبَلِيُّ المَذْهَبِ، أَمَّارًا بِالمَعْرُوْفِ، شَدِيْدًا عَلَى أَهْلِ البِدَعِ، عَارِفًا بِمَوَاقِيْتِ الشَّمْسِ وَالقَمَرِ.
وَتُوُفِّيَ لَيْلَةَ السَّبْتِ لِعَشْرٍ بَقَيْنَ مِنْ جُمَادَى الأُوْلَى سَنَةَ إِحْدَى وَسَبْعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَدُفِنَ بِـ "مَقْبَرَةِ الطَّبَرِيِّ"، بِقَرْيَةِ "الرَّادِيَانِ" (٢) ظَاهِرَ "بَغْدَاد"، رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى. стр. 882
١٦٧ - مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ البَاقِي (١) بنِ هِبَةِ اللهِ بنِ حُسَيْنِ بنِ شَرِيْفٍ المُجَمِّعِيُّ المَوْصِلِيُّ، أَبُو المَحَاسِنِ.
ذَكَرَهُ ابنُ القَطِيْعِيِّ فَقَالَ: أَحَدُ فُقَهَاءِ الحَنَابِلَةِ المَوَاصِلَةِ، وَرَدَ "بَغْدَاد" وَتَفَقَّهَ عَلَى القَاضِي أَبِي يَعْلَى مُحَمَّدِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ الفَرَّاءِ، وَسَمِعَ بِهَا الحَدِيْثَ وَالأَدَبَ، وَكَانَ تَالِيًا لِكِتَابِ اللهِ، وَجَمَعَ كِتَابًا اشْتَمَلَ عَلى "طَبَقَاتِ الفُقَهَاءِ مِنْ أَصحَابِ أَحْمَدَ".
قُلْتُ: وَلَهُ مُصَنَّفٌ فِي "شَرْحِ غَرِيْبِ أَلْفَاظِ الخِرِقِيِّ" قَالَ: وَكَانَ بِالمَوْصِلِ عُمَرُ المُلَّا (٢) مُقَدَّمًا فِي بَلَدِهِ، فَاتَّهَمَهُ بِشَيءٍ مِنْ مَالِهِ، وَكَانَ خِصِّيْصًا بِهِ، وَضَرَبَهُ إِلَى أَنْ أَشْفَى (٣)، ثُمَّ أَخْرَجَهُ إِلَى بَيْتِهِ وَبَقِيَ أَيَّامًا يَسِيْرَةً، وَتُوُفِّيَ فِي стр. 883
رَجَبٍ أَوْ شَعْبَانَ سَنَةَ إِحْدَى وَسَبْعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ بِـ "المَوْصِلِ" ﵀.
وَهَذَا عُمَرُ (١) كَانَ يُظْهِرُ الزُهْدِ وَالدِّيَانَةِ، وَأَظُنُّهُ كَانَ يَمِيْلُ إِلَى المُبْتَدِعَةِ، وَقَدْ تَبَيَّنَ بِهَذِهِ الحِكَايَةِ أَيْضًا: ظُلْمُهُ وَتَعَدِّيْهِ.
١٦٨ - عَلِيُّ بنُ عَسَاكِرِ (٢) بنِ المُرَحِّبِ بنِ العَوَّامِ، البَطَائِحِيُّ، المُقْرِئُ النَّحْوِيُّ، стр. 884
أَبُو الحَسَنِ، الضَّرِيْرُ. وُلِدَ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَمَانِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ - أَوْ سَنَةَ تِسْعِيْنَ - عَلَى الشَكِّ مِنْهُ. وَقَرَأَ بِالرِّوَايَاتِ عَلَى أَبِي العِزِّ القَلَانِسِيِّ، وَأَبِي عَبْدِ اللهِ الدَّبَّاسِ البَارِعِ، وَسِبْطِ الخَيَّاطِ، وَأَبي بَكْرٍ المَزْرَفِيِّ، وَأَبي سَعْدٍ الطُّيُوْرِيِّ، وَأَبِي طَالِبِ بنِ يُوسُفَ، وَأَبي الحُسَيْنِ بِنِ الفَرَّاءِ. وَقَرَأَ الأَدَبَ عَلَى أَبِي البَرَكَاتِ عُمَرَ بنِ إِبْرَاهِيْمَ الزَّيْدِيِّ (١) بِـ "الكُوفَةِ"، وَسَمِعَ الحَدِيْثَ مِنْ ابْنِ الحُصَيْنِ، وأَبِي الحُسَيْنِ بنِ الزَّاغُونِيِّ، وَأَبِي بَكْرِ بنِ عَبْدِ البَاقِي، وَأَبِي مَنْصُوْرٍ القَزَّازِ، وَالمَزْرَفِيِّ، وَأَبِي القَاسِمِ السَّمَرْقَنْدِيِّ، وَغَيْرهمْ. وَكَانَ стр. 885
مِنْ أَئِمَّةِ القُرَّاءِ (١) وَصَنَّفَ فِي القِرَاءَاتِ عِدَّةَ مُفْرَدَاتٍ (٢)، وَكَانَ (٣) بَارِعًا فِي العَرَبيَّةِ، ثِقَةً، جَلِيْلًا، صَالِحًا.
قَالَ ابنُ النَّجَّارِ: كَانَ إِمَامًا كَبِيْرًا فِي مَعْرِفَةِ القِرَاءَاتِ وَوُجُوْهِهَا وَعِلَلِهَا وَطُرُقِهَا وَضَبْطِهَا وَتَجْوِيْدِهَا، وَحُسْنِ الأَدَاءِ وَالإِتْقَانِ، وَالصِّدْقِ وَالثِّقَةِ، وَكَانَتْ لَهُ مَعْرِفَةٌ تَامَّةٌ بِالنَّحْوِ. وَكَانَ مُتَدَيِّنًا، جَمِيلَ السِّيْرَةِ، مَرْضِيَّ الطَّرِيْقَةِ. انْتَهَى. стр. 886
وَقَالَ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّيْنِ المَقْدَسِيُّ عَنْهُ (١): كَانَ مُقْرِئَ "بَغْدَادَ" فِي وَقْتِهِ، وَكَانَ عَالِمًا بِالعَرَبيَّةِ، إِمَامًا فِي السُّنَّةِ. قَرَأَ عَلَيْهِ القُرْآنَ جَمَاعَةٌ مِنَ الكِبَارِ مِنْهُمْ: عَبْدُ العَزِيْزِ بنُ دُلَفٍ، وَأَبُو الحَسَنِ بنُ الجُمَّيْزِيُّ (٢). وَحَدَّثَ عَنهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ: الحَافِظُ ابنُ الأَخْضَرِ، وَعَبْدُ الغَنِيِّ المَقْدِسِيُّ، وَعَبْدُ القَادِرِ الرُّهَاوِيُّ، وَأَحْمَدُ بنُ البَنْدَنِيْجِيُّ، وَالشَّيْخُ مُوفَّقُ الدِّيْنِ، وَالشِّهَابُ بنُ رَاجِحٍ، وَغَيْرُهُمْ. وَرَوَى عَنْهُ بِالإِجَازَةِ: الخَلِيْفَةُ النَّاصِرُ العَبَّاسِيُّ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ القُرْآنَ أَيْضًا: الوَزِيْرُ بنُ هُبَيْرَةَ، وَأَكْرَمَهُ وَنَوَّهَ بِاسْمِهِ، وَكَانَ الوَزِيْرُ قَدْ стр. 887
قَرأَ بِالرِّوَايَاتِ عَلَى رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: مَسْعُوْدُ بنُ الحُسَيْنِ الحِلِّيُّ (١)، وَادَّعَى أَنَّهُ قَرَأَ علَى ابنِ سِوَارٍ، وَأَسْنَدَ الوَزِيْرُ القِرَاءَاتِ عَنهُ عَنِ ابنِ سِوَارٍ فِي كِتَابِ "الإِفْصَاحِ" فَحَضَرَ البَطَائِحِيُّ دَارَ الوَزِيْرِ وَابْنُ شَافِعٍ يَقْرَأُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ: "وَأَمَّا رِوَايَةُ عَاصِمٍ فَإِنَّكَ قَرَأْتَ بِهَا عَلَى مَسْعُوْدِ بنِ الحُسَيْنِ، قَالَ: قَرَأْتُ بِهَا عَلَى ابنِ سِوَارٍ" وَكَانَ البَطَائِحِيُّ قَاعِدًا فِي غِمَارِ النَّاسِ، لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ حِيْنَئِذٍ مَعْرُوْفًا، وَلَا لَهُ مَا يَتَجَمَّلُ بِهِ، فَقَامَ وَقَالَ: هَذَا كَذِبٌ، وَرَفَعَ صَوْتَهُ، ثُمَّ خَرَجَ، وَبَلَغَ الوَزِيْرُ الخَبَرَ، فَطَلَبَهُ وَطَلَبَ مَسْعُوْدًا وَحَاقَقُوْهُ، فَتَبَيَّنَ كَذِبُهُ، وَأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلُ "بَغْدَادَ" إِلَّا بَعْدَ مَوْتِ ابنِ سِوَارٍ بكَثِيْرٍ، وَأَحْضَرَ البَطَائحِيُّ نُسْخَةً مِنَ "المُسْتَنِيْرِ" بِخَطِّ ابنِ سِوَارٍ، فَقُوْبِلَ بِخَطِّهَا الخَطِّ الَّذِي مَعَ مَسْعُوْدِ، وَيَدَّعِي أَنَّهُ خَطُّ ابنِ سِوَارٍ، فَبَانَ الفَرْقُ بَيْنَهُمَا. وَقَالَ البَطَائِحِيُّ: هُوَ خَطُّ مُزَوَّرٌ بِخَطِّ ابن (٢) رُوَيْجٍ الكَاتِبِ. وَكَانَ خَطُّهُ شَبِيْهًا بِخَطِّ ابنِ стр. 888
سِوَارٍ، فَأَهَانَ الوَزِيْرُ [ابنُ هُبَيْرَةَ] (١) مَسْعُوْدًا، وَمَنَعَهُ مِنَ الصَّلَاةِ بِالنَّاسِ، وَقَالَ لَهُ: لَوْلَا أَنَّكَ شَيْخٌ لَنَكَّلْتُ بِكَ، ثُمَّ قَرَأَ الوَزِيْرُ عَلَى البَطَائِحِيِّ، وَأَسْنَدَ عَنْهُ القِرَاءَاتِ، وَعَلَا قَدْرَهُ. وَذَكَرَ مَضْمُوْنَ هَذِهِ الحِكَايَةِ ابنُ النَّجَّارِ، عَنْ أَحْمَدَ بنِ البَنْدَنِيْجِيِّ (٢)، وَكَانَ شَاهِدًا (٣) لِلْقِصَّةِ، وَصَارَ لِلْبَطَائِحِيِّ بَعْدَ ذلِكَ اتِّصَالًا بِالدَّوْلَةِ، وَيَدْخُلُ بَوَاطِنَ دَارِ الخِلَافَةِ، وَكَانَ ضَرِيْرًا يُحْفِي شَارِبَهُ (٤) وَوَقَفَ كُتُبَهُ بِمَدْرَسَةِ الحَنَابِلَةِ بِـ "بَابِ الأَزَجِ".
وَتُوُفِّيَ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ ثَامِنَ عَشَرَ شَعْبَانَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَصَلَّى عَلَيْهِ مِنَ الغَدِ إِسْمَاعِيْلُ بنُ الجَوَالِيْقِيِّ (٥) بِجَامِعَ القَصْرِ، وَدُفِنَ стр. 889
بِمَقْبَرَةِ "بَابِ حَرْبٍ" رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.
١٦٩ - مُسْلِمُ بنُ ثَابِتِ (١) بنِ القَاسِمِ بنِ أَحْمَدَ بنِ النَّخَّاسُ البَزَّازُ البَغْدَادِيُّ стр. 890
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 891
المَأْمُوْنِيُّ، الفَقِيْهُ، أَبُو عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِي البَرَكَاتِ، وَيُعْرَفُ بِـ "ابنِ جُوَالِقَ" بِضَمِّ الجِيْمِ، وُلِدَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وتِسْعِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، وَسَمِعَ مِنْ أَبِي عَلِيِّ بنِ نَبْهَانَ، وَتَفَقَّهَ علَى أَبِي الخَطَّابِ الكَلْوَذَانِيِّ، وَنَاظَرَ، وَتَطَلَّسَ (١)، ذَكَرَهُ ابنُ القَطِيْعِيِّ، وَقَالَ: سَمِعَ مِنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الطَّلَبَةِ، وَكَتَبْتُ عَنْهُ، وَكَانَ صَحِيْحَ السَّمَاعِ. قُلْتُ: رَوى عَنْهُ ابنُ الأَخْضَرِ. تُوُفِّيَ يَوْمَ الأَحدِ عِشْرِيْنَ ذِيْ الحِجَّةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسْبَعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ "بَابِ حَرْبٍ".
١٧٠ - أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ (٢) بنِ المُبَارَكِ بنِ أَحْمَدَ بنِ بَكْرُوْسِ بنِ سَيْفٍ стр. 892
الدِّيْنَوَرِيُّ، ثُمَّ البَغْدَادِيُّ، أَبُو العَبَّاسِ بنِ أَبِي بَكْرِ بنِ أَبِي العِزِّ. وَيُعْرَفُ أَيْضًا بِـ "ابنِ الحَمَّامِيِّ". الفَقِيْهُ، الزَّاهِدُ، العَابِدُ. قَرَأَ بِالرِّوَايَاتِ عَلَى جَمَاعَةٍ. سَمِعَ مِنِ ابْنِ كَادِشٍ، وَأَبِي بَكْرٍ المزْرَفِيِّ. وَتَفَقَّهَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الدِّيْنَوَرِيِّ. وَكَانَ رَفِيْقَ نَاصِحِ الإِسْلَامِ أَبِي الفَتْحِ بنِ المَنِّيِّ فِي سَمَاعِ الدَّرْسِ عَلَى الدَّيْنَوَرِيِّ، وَلَهُ مَدْرَسَةٌ بِـ "دَرْبِ القَيَّارِ" (١) بـ "بَغْدَادَ" بِنَاهَا، وَكَانَ يُدَرِّسُ بِهَا. تَفَقَّهَ علَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُم: الشَّيْخُ فَخْرُ الدِّيْنِ بنُ تَيْمِيَّةَ. وَحَدَّثَ، رَوَى عَنْهُ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّيْنِ.
وَقَرَأَتُ بِخَطِّ نَاصِحِ الدِّيْنِ بنِ الحَنْبَلِيِّ: كَانَ فَقِيْهًا، زَاهدًا، عَابِدًا مُفْتِيًا، وَسَمِعْتُهُ يتَكَلَّمُ فِي حَلَقَةِ شَيْخِنَا ابنِ المَنِّيِّ، وَعَلَيْهِ مِنْ نُوْرِ العِبَادَةِ وَهَدْيِ الصَّالِحِيْنَ مَا يَشْهَدُ لَهُ. وَسُئِلَ عَنْهُ الشَّيْخُ مُوفَّقُ الدِّيْنِ فَقَالَ: كَانَ فَقِيْهًا، صَاحِبَ مَسْجِدٍ وَمَدْرَسَةٍ يَتَكَلَّمُ فِيْهَا فِي مَسَائِلِ الخِلَافِ وَيُدَرِّسُ، стр. 893
وَكَانَ يَتَزَهَّدُ، وَكَانَ مُتَزَوِّجًا بِابْنَةِ ابنِ الجَوْزِيِّ (١) وَمَا عَلِمْنَا مِنْهُ إِلَّا الخَيْرَ.
تُوُفِّيَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ خَامِسَ صَفَر سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ. وَكَانَ يَوْمُهُ مَشْهُودًا، وَرَأَى رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ فِي المَنَامِ بَعْدَ مَوْتِ أَحْمَدَ بنِ بَكْرُوْسٍ وَهُوَ يَقُولُ: مَاتَ عَابِدُ النَّاسِ، وَشَاعَ هَذَا المَنَامُ فِي النَّاسِ، قَرأْتُهُ بِخَطِّ ابنِ الحَنْبَلِيِّ.
١٧١ - وَكَانَ أَبُوْهُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدٌ (٢) رَجُلًا صَالِحًا كَثِيْرَ الحَجِّ، سَمِعَ الحَدِيْثَ فِي كِبَرِهِ عَلَى جَمَاعَةٍ.
١٧٢ - وَلأَبِي العَبَّاسِ وَلَدٌ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ (٣) يُكَنَى أَبَا بَكْرٍ، سَمِعَ مِنْ أَبِيْهِ وَعَمِّهِ عَلِيٍّ (٤) زَمَنَ ابنِ البَطَّيِّ، وَيَحْيَى بنِ بُنْدَارٍ، وَطَبَقَتِهِمْ، وَكَانَ فَقِيْهًا، стр. 894
صَالِحًا. وَتُوُفِّيَ شَابًّا سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمَائَةَ.
١٧٣ - صَدَقَةُ بنُ الحُسَينِ (١) بنِ الحَسَنِ بنِ بُخْتِيَارِ بنِ الحَدَّادِ البَغْدَادِيُّ، الفَقِيْهُ، الأَدِيْبُ، الشَّاعِرُ، المُتَكَلِّمُ، الكَاتِبُ، المُؤَرِّخُ، أَبُو الفَرَجِ. وُلِدَ سَنَةَ سَبْعٍ وَسَبْعِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ. وَقَرَأَ بِالرِّوَايَاتِ، وَسَمِعَ الحَدِيْثَ مِنْ أَبِي السَّعَادَاتِ المُتَوَكِّلِيِّ، وَأَبِي الوَفَاءِ بنِ عَقِيْلٍ الإِمَامِ، وَأَبِي الحَسَنِ الزَّاغُوْنِيِّ، وَأَبِي عَلِيٍّ المُبَارَكِيُّ (٢)، وَغَيْرِهِمْ، وَتَفَقَّهَ عَلَى ابنِ عقِيْلٍ، ثُمَّ مِنْ بَعْدَهُ عَلَى ابنِ الزَّاغُوْنِيِّ، وَبَرعَ فِي الفِقْه، فُرُوْعِهِ وَأُصُوْلِهِ، وَقَرَأَ عِلْمَ الجَدَلِ وَالكَلَامِ، стр. 895
وَالمَنْطِقِ وَالفَلْسَفَةِ، وَالحِسَابِ، وَمُتَعَلَّقَاتِهِ مِنَ الفَرَائِضِ وَغَيرِهَا. وَكَتَبَ خَطًّا حَسَنًا صَحِيْحًا، وَقَالَ الشِّعْرَ المَلِيْحَ (١)، وَأَفْتَى وَنَاظَرَ وَانْقَطَعَ بِمَسْجِدِهِ بِـ "البَدْرِيَّةِ" (٢) شرْقَيِّ "بَغْدَادَ" يَؤُمُّ النَّاسَ فِيهِ، وَيَنْسَخُ وَيُفْتِي، وَيَتَرَدَّدُ إِلَيْهِ الطَّلَبَةُ يَقْرَأُوْنَ عَلَيْهِ فُنُوْنَ العِلْمِ، وَبَقِيَ علَى ذلِكَ نَحْوًا مِنْ سَبْعِيْنَ سَنَةً، حَتَّى تُوُفِّيَ. وَمِمَّنْ قَرَأَ عَلَيْهِ مِنْ أَصْحَابِنَا: الوَزِيْرُ أَبُو المُظَفَّرِ بنُ يُونُسَ (٣). وَحَدَّثَ، وَسَمِعَ مِنْهُ جَمَاعَةٌ، وَرَوَى عَنْهُ أَبُو المَعَالِي بنُ شَافِعٍ، وَالفَقِيْهُ يَعِيْشُ بنُ مَالِكِ بنِ رَيْحَانَ، وَلَهُ مَسَائِلُ مُفْرَدَةٌ مِنْ أُصُوْلِ الدِّينِ، وَجُزْءٌ سَمَّاهُ "ضَوْءَ السَّارِي إِلَى معَرِفَةِ البَارِي".
قَالَ ابنُ النَّجَّارِ: وَلَهُ مُصَنَّفَاتٌ حَسَنَةٌ فِي أُصُوْلِ الدِّيْنِ، وَقَدْ جَمَعَ "تَارِيْخًا" عَلَى السِّنِيْنَ، بَدَأَ فِيْهِ مِنْ وَقْتِ وَفَاةِ شَيْخِهِ ابنِ الزَّاغُوْنِيِّ (٤) سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ مُذَيِّلًا بِهِ عَلَى تَارِيْخِ شَيْخِهِ، وَلَمْ يَزَلْ يَكْتُبُ فِيْهِ إِلَى قَرِيْبٍ مِنْ وَقْتِ وَفَاتِهِ، يَذْكُرُ فِيهِ الحَوَادِثَ، وَالوَفَيَاتِ، وَقَدْ نَسَخَ بِخَطِّهِ كَثِيْرًا لِلنَّاسِ مِنْ سَائِرِ الفُنُوْنِ، وَكَانَ قُوْتُهُ مِنْ أُجْرَةِ نَسْخِهِ، وَلَمْ يَطْلُبْ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا، وَلَا سَكَنَ مَدْرَسَةً، وَلَمْ يَزَلْ قَلِيْلَ الحَظِّ، مُنْكَسِرَ الأَغْرَاضِ، стр. 896
مُتَنَغِّصُ العَيْشِ، مُقَتَّرًا عَلَيْهِ أَكْثَرَ عُمُرِهِ. وَكَانَ الوَزِيْرُ ابنُ رَئِيْسِ الرُّؤسَاءِ سَأَلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فِي الحِكْمَةِ فَقِيْلَ لَهُ: إِنَّ صَدَقَةَ النَّاسِخُ لَهُ يَدٌ قَوِيَّةٌ فِي ذلِكَ، فَأَنْفَذَهَا إِلَيْهِ، فَكَتَبَ فِيْهَا جَوَابًا حَسَنًا شَافِيًا، اسْتَحْسَنَهُ الوَزِيْرُ، وَسَأَلَ عَنْ حَالِهِ، فَأُخْبِرَ بِفَقْرِهِ، فَأَجْرَى لَهُ مَا يَقُوْتُهُ، وَعَلِمَتِ الجِهَةُ "بَنَفْشَا" (١) بِحَالِهِ - يَعْنِي جِهَةِ الخَلِيْفَةِ - فَصَارَتْ تَفْتَقِدُهُ فِي بَعْضِ الأَوْقَاتِ، بِمَا يَكُوْنُ بَيْنَ يَدَيْهَا مِنَ الأَطْعِمَةِ الفَاخِرَةِ وَالحَلْوَى، فَيَعْجَزُ عَنْ أَكْلِهِ، فَيُعْطِيْهِ لِمَنْ يَبِيْعَهُ لَهُ، فَكَانَ رُبَّمَا شَكَى حَالَهُ لِمَنْ يَأْنَسُ بِهِ، فَيُشَنِّعُ عَلَيْهِ مَنْ لَهُ فِيْهِ غَرَضٌ، وَيَقُوْلُ: هُوَ يَعْتَرِضُ عَلَى الأَقْدَارِ، وَيَنْسِبُهُ إِلَى أَشْيَاءَ، اللهُ أَعْلَمُ بِحَقِيْقَتِهَا.
قَالَ: وَحَكَى لِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا قَالَ: دَخَلَ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى صَدَقَةَ، وَإِلَى جَانِبِهِ مِرْكَنٌ (٢)، وَعَلَيْهِ خِرْقَةٌ مَبْلُوْلَةٌ، قَدِ اجْتَمَعَ عَلَيْهَا الذُّبَابُ، فَقَالَ لَهُ: مَا هَذا المِرْكَنُ؟ قَالَ: فِيْهِ حَلْوَى السُّكَّرِ يَابِسَةٌ، قَدْ نَقَّعْتُهَا فِي المَاءِ لِتَلِيْنَ وَأَقْدِرُ علَى أَكْلِهَا؛ لِذَهَابِ أَسْنَانِي، وَأَعْجَبَكَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ لِي أَسْنَانٌ صِحَاحٌ قَوِيَّةٌ لَمْ يُقَدِّرْنِي القَدْرُ علَى التَّمْرِ، فَلَمَّا كَبُرْتُ وَذَهَبَتْ أَسْنَاني رُزِقْتُ هَذِهِ الحَلْوَى اليَابِسَةَ، لأَزْدَادَ بِنَظَرِي إِلَيْهَا وَعَجْزِي عَنْ أَكْلِهَا стр. 897
حَسْرَةً، فَكَانَ النَّاسُ يَنْسِبُوْنَهُ بِهَذَا الكَلَامِ وَبِمَا كَانَ يَعْلَمُ مِنَ العُلُومِ القَدِيْمَةِ إِلَى أَشْيَاءَ، لَعَلَّهُ بَرِيءٌ مِنْهَا.
قُلْتُ: يُشِيْرُ بِذلِكَ ابنُ النَّجَّارِ إِلَى الشَّيْخِ أَبي الفَرَجِ بنِ الجَوْزِيِّ، فَإِنَّهُ حَطَّ عَلَيْهِ فِي "تَارِيْخِهِ" حَطًّا بَلِيْغًا، وَذَكَرَ لَهُ أَشْعَارًا رَدِيْئَةً، تَتَضَمَّنُ الحَيْرَةَ وَالشَّكَّ، وَكَلِمَاتٍ تتَضَمَّنُ الاعْتِرَاضَ عَلَى الأَقْدَارِ، وَقَالَ: هَذَا مِنْ جِنْسِ اعْتِرَاضاتِ ابنِ الرَّوَانْدِيِّ، وَنَسَبَهُ أَيْضًا إِلَى تَعَاطِي فَوَاحِشَ، وَإِلَى المَسْأَلَةِ مِنْ غَيْرِ حَاجَّةٍ، وَأَنَّهُ خَلَّفَ ثَلَاثَمِائَةَ دِيْنَارٍ. وَقَالَ: لَمَّا كَثُرَ عُثُوْرِيْ عَلَى هَذَا مِنْهُ، وَعَجَزَ تأْوِيْلِي لَهُ، هَجَرْتُهُ سِنِيْنَ، وَلَم أُصَلِّ عَلَيهِ حِيْنَ مَاتَ. وَالشَّيْخُ أَبُو الفَرَجِ ﵀ ثِقَةٌ فِيْمَا يَنْقُلُ، وإذَا ثَبَتَ أَوِ اشْتُهِرَ عَنْ أَحَدٍ مِثْلَ هَذِهِ الأُمُوْرِ فَهَاجِرُهُ وَذَامُّهُ مُصِيْبٌ (١) فِيْمَا يَفْعَلُ.
وَقَالَ ابنُ القَطِيْعِيُّ: كَانَ بَيْنَهُ وَبيْنَ ابنِ الجَوْزِيِّ مُبَايَنَةٌ شَدِيْدَةٌ، وَكُلُّ وَاحِدٍ يَقُوْلُ فِي صاحِبِهِ مَقَالَةً، اللهُ أَعلَمُ بِهَا (٢). قَالَ: وَسَمِعْتُ الوَزِيْرَ ابنَ يُوْنُسَ - وَمَجْلِسُهُ حَفِلٌ بِالعُلَمَاءِ - يُثْنِي عَلَى صَدَقَةَ، وَيُنْكِرُ علَى ابنِ الجَوْزِيِّ قَدْحَهُ فِيهِ بِقَوْلِهِ: صَلَّيْتُ إِلَى جَانِبِ صَدَقَةَ، فَمَا سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ، وَقَالَ: الوَاجِبُ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ، لَا مِنْ إِلَى جَانِبِهِ، وَأَيْنَ حُضُوْرُ قَلْبِ ابنِ الجَوْزِيِّ مِنْ سَمَاعِ قِرَاءَةِ غَيْرِهِ؟! ثُمَّ مَنْ جَعَلَ هِمَّتَهُ إِلَى تتَبُّعِ شَخْصٍ إِلَى стр. 898
هَذَا الحَدِّ فِي الصَّلَاةِ، دَلَّ بِفِعْلهِ عَلَى عَدَاوَتِهِ، وَاللهُ يَغْفِرُ لَهُمَا.
قُلْتُ: هَذَا مِنْ أَسْهَلِ مَا أَنْكَرَهُ ابنُ الجَوْزِيِّ عَلَيْهِ، ثُمَّ إِنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أَتَأَمَّلُهُ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَأَكُوْنُ فِي أَوْقَاتٍ إِلَى جَانِبِهِ، فَلَا أَرَى شَفَتَهُ (١) تَتَحَرَّكُ أَصْلًا، لَمْ يَقُلْ: لَمْ أَسْمَعَهُ يَقْرَأُ.
وَأَمَّا الفُتْيَا الَّتِي عَرَفَهُ الوَزِيْرُ بِسَبَبِهَا، فَقَدْ ذَكَرَهَا يَاقُوْتٌ الحَمَوِيُّ فِي كِتَابِهِ قَالَ: جَرَى بَيْنَ (٢) الوَزِيْرِ أَبِي الفَرَجِ ابنِ رَئِيْسِ الرُّؤسَاءِ وَزِيْرُ المُسْتَضِيءُ مَسْأَلَةً فِي العِلْمِ: هَلْ هُوَ وَاحِدٌ، أَمْ أَكْثَرُ، وَكَانَ عِنْدَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ، كَابْنِ الجَوْزِيِّ وَغَيْرِهِ، فَسَأَلَهُمْ عَنْ ذلِكَ؟ فَكُلٌّ كَتَبَ بِخَطِّهِ: إِنَّ العِلْمَ وَاحِدٌ، فَلَمَّا فَرَغُوا، قَالَ: تُرَى هَهُنَا مَنْ هُوَ قَيِّمٌ بِهَذَا العِلْمِ غَيْرُ هَؤلَاءِ؟ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الحَاضِرِيْنَ: هَهُنَا رَجُلٌ يُعْرَفُ بِصَدَقَةَ النَّاسِخِ، يَعْرِفُ هَذا الفَنَّ مَعْرِفَةً لَا مَزِيدَ عَلَيْهَا، فَنَفَذَ بِالفَتْوَى، وَفِيْهَا خُطُوْطُ الفُقَهَاءِ، وَقَالَ: انْظُرْ فِي هَذِهِ، وَقُلْ مَا عِنْدَكَ، فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهَا فَكَّرَ طَوِيْلًا، مُتَعَجِّبًا مِنِ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى مَا لَا أَصْلَ لَهُ، ثُمَّ أَخَذَ القَلَمَ، وَكَتَبَ: العِلْمُ عِلْمَانِ: عِلْمٌ غَرِيْزِيُّ، وَعِلْمٌ مُكْتسَبٌ.
فَأَمَّا الغَرِيْزِيُّ: فَهُوَ الَّذِي يُدْرَكُ عَلَى الفَوْرِ مِنْ غَيْرِ فِكْرَةٍ كَقَوْلِنَا: وَاحِدٌ وَوَاحِدٌ، فَهَذَا يُعْلَمُ ضَرُوْرَةً أَنَّهُ اثْنَانِ. стр. 899
وَعِلْمٌ مُكْتَسِبٌ: وَهُوَ مَا يُدْرَكُ بِالطَّلَبِ، وَالفِكْرَةِ وَالبَحْثِ، أَوْ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ، وَأَنْفَذَ الخَطَّ إِلَى الوَزِيرِ. فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهِ أُعْجِبَ بِهِ، وَقَالَ: أَيْنَ يَكُوْنُ هَذَا الرَّجُلُ؟ فَعُرِّفَ حَالُهُ وَفَقْرُهُ، فَاسْتَدْعَاهُ إِلَيْهِ، وَتَلَقَّاهُ بِالبِشْرِ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ خُلْعَةً حَسَنَةً، وَأَعْطَاهُ أَرْبَعِيْنَ دِيْنَارًا، فَفَرِحَ فَرَحًا عَظِيْمًا، وَقَالَ: يَا مَوْلَايَ، قَدْ حَضَرَ لِي بَيْتَانِ، قَالَ أَنْشِدْهُمَا فَقَالَ:
وَمِنَ العَجَائِبِ وَالعَجَائِبُ جَمَّةٌ … شُكْرٌ بَطِيءٌ عَنْ نَدَى مُتَسَرِّعِ
وَلَقَدْ دَعَوْتُ نَدَى سِوَاكَ فَلَمْ يُجِبْ … فَلأَشْكُرَنَّ نَدَىً أَجَابَ وَمَا دُعِيْ
فَاستَحْسَنَ ذلِكَ، وَمَا زَالَ يَبَرُّهُ إِلَى أَنْ مَاتَ، سَامَحَهُ اللهُ.
تُوُفِّيَ صَدَقَةُ يَوْمَ السَّبْتِ ثَالِثَ عَشَرَ رَبِيْعٍ الآخِرِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ مِنَ الغَدِ بِرَحْبَةِ الجَامِعِ، وَدُفِنَ بِـ "بَابِ حَرْبٍ". وَقِيْلَ: إِنَّهُ تُوُفِّيَ يَوْمَ الأَحَدِ، رَابِعَ عَشَرَ. وَذَكَرَ ابنُ الجَوْزِيِّ عَمَّنْ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ رُئِيَ لَهُ مَنَامَاتٌ غَيْرُ صَالِحَةً، وَأَنَّهُ عُرْيَانٌ، وَأَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ مَسْجُوْنٌ مُضَيِّقٌ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ، فَاللهُ تَعَالَى يُسَامِحُهُ وَيَتَجَاوَزُ عَنْهُ. وَذَكَرَ ابنُ النَّجَّارِ عَنْ عَلِيٍّ الفَاخِرَانِيِّ الضَّرِيْرِ (١)، قَالَ: رَأَيْتُ صَدَقَةَ النَّاسِخَ فِي стр. 900
المَنَامِ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا فَعَلَ اللهُ بِكَ؟ قَالَ: غَفَرَ لِي بَعْدَ شِدَّةٍ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ عِلْمِ الأُصُولِ؟ فَقَالَ: لَا تَشْتَغِلُ بِهِ، فَمَا كَانَ شَيءٌ أَضَرَّ عَليَّ مِنْهُ، وَمَا نَفَعَنِي إلَّا خَمْسُ قُصَيْبَاتٍ (١) - أَوْ قَالَ: تُمَيْرَاتٍ - تَصَدَّقْتُ بِهَا عَلَى أَرْمَلَةٍ.
قُلْتُ: هَذَا المَنَامُ حَقٌّ، وَمَا كَانَتْ مُصِيْبَتُهُ إِلَّا مِنْ عِلْمِ الكَلَامِ، وَلَقَدْ صَدَقَ القَائِلُ: مَا ارْتَدَى أَحَدٌ بِالكَلَامِ فَأَفْلَحَ، وَبِسَبَبِ شُبَهِ المُتَكَلِّمِيْنَ وَالمُتَفَلْسِفَةِ، كَانَ يَقَعُ لَهُ أَحْيَانًا حِيْرَةٌ وَشَكٌ، يَذْكُرُهَا فِي أَشْعَارِهِ، وَيَقَعُ لَهُ مِنَ الكَلَامِ وَالاعْتِرَاضِ مَا يَقَعُ. وَقَدْ رَأَيْتُ لَهُ مَسْأَلَةً فِي القُرآنِ، قَرَّرَ فِيْهَا: أَنَّ مَا فِي المُصْحَفِ لَيْسَ بِكَلَامِ اللهِ، حَقِيْقَةً، وَإِنَّمَا هُوَ عِبَارَةٌ عَنْهُ، وَدِلَالَةٌ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يُسَمَّى كَلَامَ اللهِ مَجَازًا. قَالَ: وَلَا خِلَافَ بَيْنَنَا، وَبَيْنَ المُخَالِفِيْنَ فِي ذلِكَ، إِلَّا أَنَّ عِنْدَنَا أَنَّ مَدْلُوْلَهُ هُوَ كَلَامُ اللهِ الَّذِي هُوَ الحُرُوْفُ وَالأَصْوَاتُ، وَعِنْدَهُمْ مَدْلُوْلُ الكَلَامِ الَّذِي هُوَ المَعْنَى القَائِمُ بِالذَّاتِ.
١٧٤ - أَحْمَدُ بنُ أَبِي غَالِبِ (٢) بنِ أَبِي عِيْسَى بنِ شَيْخُونَ الأُبْرُوْدِيُّ الحَبَابِيْنِيُّ، стр. 901
أَبُو العَبَّاسِ، الفَقِيْهُ، الضَّرِيْرُ، كَذَا نَسَبَهُ ابنُ النَّجَّارِ.
وَقَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: أَحْمَدُ بنُ عِيْسَى بنِ أَبِي غَالِبٍ، مِنْ قَرْيَةٍ بِـ "دُجَيْلٍ"، يُقَالُ لَهَا: "الجَبَابِيْنُ" (١). دَخَلَ "بَغْدَادَ" فِي صِبَاهُ، وَحَفِظَ القُرآنَ، وَقرَأَهُ بِالرِّوَايَاتِ عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ سِبْطِ الخَيَّاطِ، وَسَمِعَ مِنْهُ الحَدِيْثَ، وَمِنْ سَعْدِ الخَيْرِ الأَنْصَارِيِّ، وَمِنْ جَمَاعَةٍ دُوْنَهُمَا. وَقَرَأَ الفِقْهَ عَلَى أَبِي العَبَّاسِ أَحْمَدَ بنِ بَكْرُوْسٍ، وَحَصَّلَ مِنْهُ طَرَفًا صَالِحًا، وَلَمَّا مَاتَ ابنُ بَكْرُوْسٍ، خَلَفَهُ فِي مَسْجِدِهِ وَمَدْرَسَتِهِ، وَكَانَ صَالِحًا، مُتَدَيِّنًا، وَمَاتَ شَابًّا، لَمْ يَرْوِ شَيْئًا. ذَكَرَ ذلِكَ ابنُ النَّجَّارِ. وَقَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: قَرَأَ القُرآنَ وَسَمِعَ الحَدِيْثَ، وَتَفَقَّهَ، وَنَاظَرَ، وَكَانَ فِيْهِ دِيْنٌ.
قَالَ ابنُ النَّجَّارِ: قَرَأْتُ فِي كِتَابِ أَبي بَكْرٍ عُبَيْدِ اللهِ بنِ عَلِيِّ المَارِسْتَانِيِّ стр. 902
بِخَطِّهِ قَالَ: دَخَلْتُ علَى أَحْمَدَ الجَبَابِيْنِيِّ عَائِدًا، فَأَنْشَدَنِيِّ مُتَمَثِّلًا (١):
سَيبكي عَلَى بَاكِي الغِنَى بَعْدَ مَوْتِهِ … وَيَبْكِيْ عَلَى بَاكِي البَكِيِّ إِلَى الحَشْرِ
فَنَفْسِي أَعِدِّي فَضْلَ زَادٍ مِنَ التُّقَى … فَإِنَّكِ فِي الدُّنْيَا وَرِجَلَاكِ فِي القَبْرِ
تُوُفِّيَ يَوْمَ الجُمُعَةِ عَاشِرَ رَجَبٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِيْنَ وَخْمْسِمَائَةَ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ يَوْمَئِذٍ بِجَامِعِ القَصْرِ، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ، عَنْ نَيِّفٍ وَأَرْبَعِيْنَ سَنَةً، رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى. стр. 903
١٧٥ - المُظَفَّرُ بنُ مُحَمَّدِ (١) بنِ مُحَمَّدِ بنِ الحُسَيْنِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ خَلَفِ بنِ الفَرَّاءِ أَبُو مَنْصُورِ بنِ القَاضِي أَبِي يَعْلَى بنِ القَاضِي أَبِي خَازِمٍ بنِ القَاضِي الكَبِيْرِ أَبِي يَعْلَى، وُلِدَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ. وَسَمِعَ الحَدِيْثَ، وَاشتَغَلَ بالفِقْهِ أُصُوْلًا وَفُرُوعًا، وَبَرَعَ وَنَاظَرَ، وَتأَدَّبَ، وَقَالَ الشِّعْرَ الجَيِّدَ، وَمِنْ شِعْرِهِ (٢):
لَسْتُ أَنْسَى مِنْ سُلَيْمَى قَوْلَهَا … يَوْمَ جَدَّ البَيْنُ مِنِّي وَبَكَتْ
قَطَعَ اللهُ يَدَ الدَّهْرِ لَقَدْ … قَرْطَسَتْ إِذْ بِالنَّوَى شَمْلِي رَمَتْ
فَجَرَى دَمْعِيَ لَمَّا سَمِعَتْ … وَوَعَتْ أُذُنَايَ مِنهَا مَا وَعَتْ
يَا لَهَا مِنْ قَوْلَةٍ عَنْ نَاظِرِيْ … نَوْمَةً طُوْلَ حَيَاتِي قَدْ نَفَتْ
وَمِنْ شِعْرِهِ أَيْضًا:
يَا رَبَّةَ الطَّرْفِ الكَحِيْلِ الَّذِي … يَرْمِي مِنِّي الأَكْبَادَ بِالنَّبْلِ стр. 904
وَرَبَّةَ الخَدِّ الأَسِيْلِ الَّذِي … يَفْعَلُ فِعْلَ الصَّارِمِ المَجْلِي
هُوَيْتُكُمْ وَالقَلْبُ ذُوْ صِحَّةٍ … وَاليَوْمَ قَدْ أَصْبَحَ ذَا خَبْلِ
كَانَ خَلِيًّا فَارِغًا فَانْثَنَى … بِكُمْ عَنْ العَالِمِ فِي شُغْلِ
عُوْفِيْتُمُ مِنْ سُقُمٍ حَلَّ بِي … وَلَا رَأَتْكُمْ مُقْلَتِيْ مِثْلِي
لَا تَقْتُلُوا عَبْدًا أَسِيْرًا غَدَا … وَهُوَ لَكُمْ أَطْوَعُ مِنْ نَعْلِ
وَاللهِ لَوْ جِئْتُ وَمَنْ دُوْنَكُمْ … نَارٌ ثَوَتْ تُعْمَلُ فِي الجَزْلِ
وَقُلْتُمُ طَأْهَا وَوَطِّيءْ لَهَا … يُرْضِيْكُمْ أَقْحَمْتُهَا رِجْلِي
تُوُفِّيَ ﵀ فِي عُنْفُوَانِ شَبَابِهِ، يَوْمَ الجُمُعَةِ لِخَمْسَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ شَوَّالٍ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَدُفِنَ بمَقْبَرَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ بِـ " بَابِ حَرْبٍ".
١٧٦ - مُحَمَّدُ بنُ أبِي غَالِبِ بنِ أَحمَد (١) بنِ مَرْزُوْقِ بنِ أَحْمَدَ البَاقَدَارِيُّ، стр. 905
البَغْدَادِيُّ، الضَّرِيْرُ، المُحَدِّثُ، الحَافِظُ، أَبُو بَكْرٍ. وُلِدَ بِـ "بَاقِدَارَ" (١) قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى "بَغْدَادَ" وَقَدِمَ "بَغْدَادَ" فِي صِبَاهُ، فَتَلَا عَلَى جَمَاعَةٍ، وَسَمِعَ الحَدِيثَ مِنْ أَبِي مُحَمَّدٍ سِبْطِ الخَيَّاطِ، وَأَبِي بَكْرِ بنِ الزَّاغُوْنِيِّ، وَابنِ الطَّلَّايَةِ وَأَبِي الوَقْتِ، وَابْنِ نَاصِرٍ الحَافِظِ، وَطَبَقَتِهِمْ، وَأَكْثَرَ السَّمَاعَ عَلَيْهِمْ، وَعَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ وَحَدَّثَ، وَسَمِعَ مِنْهُ أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ عُمَرَ الزَّيْدِيُّ الحَافِظُ، وَغَيْرُهُ.
وَذَكَرَهُ ابنُ الدُّبَيْثِيِّ (٢) الحَافِظُ، فَقَالَ: انْتَهَى إِلَيْهِ مَعْرِفَةُ رِجَالِ الحَدِيْثِ وَحِفْظُهُ، وَعلَيْهِ كَانَ المُعْتَمَدُ فِيْهِ.
وَقَالَ أَبُو الفُتُوْحِ نَصْرُ بنُ الحُصْرِيِّ الحَافِظُ (٣): كَانَ آخِرَ مَنْ بَقِيَ مِنْ حُفَّاظِ الحَدِيْثِ الأَئِمَّةِ.
قَالَ الدُّبَيْثِيُّ (٤): سَمِعْتُ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ شُيُوْخِنَا يَذْكُرُوْنَ أَبَا بَكْرٍ البَاقِدَارِيَّ، وَيَصِفُوْنَهُ بِالحِفْظِ وَمَعْرِفَةِ الرِّجَالِ وَالمُتُوْنِ، معَ كَوْنِهِ ضَرِيْرًا مَقْصُوْرًا، إلَّا أَنَّهُ كَانَ حُفَظَةً، حَسَنَ الفَهْمِ، بَلَغَنِي أَنَّ ابنَ نَاصِرِ كَانَ يُرَاجِعُهُ فِي أَشْيَاءَ، وَيَصِيْرُ إِلَى قَوْلِهِ، وَقَالَ الحَافِظُ عَبْدُ العَظِيْمِ المُنْذِرِيُّ: كَانَ أَحَدَ حُفَّاظِ стр. 906
"بَغْدَادَ" المَشْهُوْرِيْنَ بِمَعْرِفَةِ الرِّجَالِ، وَالتَّقَدُّمِ (١) مَعَ ضَرَرِهِ، حَدَّثَ وَخَرَّجَ.
قَالَ الحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ البَاقِدَارِيُّ: رَوَى أَبُو بَكْرٍ بنِ أَبِي دَاوُدَ عِدَّةَ أَحَادِيْثَ، يَقُوْلُ فِيْهَا: حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ، حَدَّثَنَا سَعْدٌ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، بِأَسَانِيْدَ مُتَّصِلَةٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَكُنْتُ لا أَدْرِي مَنْ إِسْحَقُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ، وَلَا سَعْدٌ؟ فَأَمْعَنْتَ النَّظَرَ، وَأَجَدْتُ التَّفْتِيْشَ، فَلَمْ أَجِدْهُ إِلَّا فِيْمَا قُرِئَ عَلى المُبَارَكِ بنِ أَبِي نَصْرٍ البَزَّازُ - وَأَنَا أَسْمَعُ - قِيْلَ لَهُ: حَدَّثَكُمْ عَبْدُ اللهِ بنُ أَحْمَدَ، (ثَنَا) أَحْمَدُ بنُ عَلِيٍّ الحَافِظُ، قَالَ (٢) فِي ذِكْرِ إِسْحَقَ بنِ إِبْرَاهِيْمَ الشِّيْرَازِيِّ: (أَنَا) أَحْمَدُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ الحُسَيْنِ المَحَامِلِيُّ إِمْلاءً (ثَنَا) مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ الحَسَنِ الصَّوَّافُ. (ثَنَا) أَحْمَدُ بنُ إِبْرَاهِيمَ البَرْدَعِيُّ (ثَنَا) إِسْحَقُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ الشِّيْرَازِيُّ (ثَنَا) جَدِّي سَعْدُ بنُ الصَّلْتِ (ثَنَا) الأَعْمَشُ، عَنْ عَمْرِو بنِ مُرَّةَ، عَنْ سَعِيْدِ بنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ (٣): "جَمَعَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ стр. 907
وَلَا مَطَرٍ، فَقِيْلَ لابنِ عَبَّاسٍ: لِمَ فَعَلَ ذلِكَ؟ قَالَ: كَيْ لا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ"، وَجَمَعَ أَبُو بَكْرٍ فِي هَذَا "جُزْءًا".
قُلْتُ: إِسْحَقُ هَذَا يُعْرَفُ بِـ "شَاذَانَ" وَهُوَ إِسْحَقُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ بنِ عَبْدِ اللهِ النَّهْشَلِيُّ الفَارِسِيُّ (١)، وَهُوَ ابنُ بِنْتِ سعْدِ بنِ الصَّلْتِ قَاضِي فَارِسَ، رَوَى عَنْ جَدِّهِ أَبي أُمِّهِ سَعْدِ بنِ الصَّلْتِ، وَأَبي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، وَالأَسْوَدُ بنُ عَامِرٍ. قَالَ ابنُ أَبِي حَاتِمٍ: كَتَبَ إِلَى أَبِي، وَإِلَيَّ، وَهُوَ صَدُوْقٌ.
تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ البَاقِدَارِيُّ لِخَمْسٍ بَقِيْنَ مِنْ ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَهُوَ فِي سِنِّ الكُهُوْلَةِ. وَدُفِنَ بِـ "الشَّوْنِيْزِيَّةِ"، بِتُرْبَةِ مَقْبَرَةِ أَبِي القَاسِمِ الجُنَيْدِ، وَهُوَ وَالِدُ عَجيْبَةَ مُسْنِدَةِ "العِرَاقِ".
١٧٧ - المُبارَكُ بنُ عَلِيِّ (٢) بنِ الحُسَيْنِ بنِ عَبْدُ اللهِ بنِ مُحَمَّدٍ الطَّبَّاخُ البَغْدَادِيُّ، نَزِيْلُ "مَكَّةَ المُكَرَّمَةَ"، وَإِمَامُ الحَنَابِلَةِ بِالحَرَمِ، المُحَدِّثُ، الحَافِظُ، أَبُو مُحَمَّدٍ. стр. 908
سَمِعَ الكَثِيْرُ بِـ "بَغْدَادَ" مِنْ أَبِي سَعْدِ بنِ الطُّيُوْرِيِّ، وَأَبِي العِزِّ بنِ كَادِشٍ، وَابنِ (١) الحُصَيْنِ، وَأَبِي بَكْرٍ المَزْرَفِيِّ، وَأَبِي (٢) غَالِبِ بنِ البَنَّاءِ، وَالقَاضِيْ أَبِي الحُسَيْنِ بنِ الفَرَّاءِ، وَأَبِي مَنْصُوْرٍ القَزَّازِ، وَأَبِي القَاسِمِ بنِ السَّمَرْقَنْدِيِّ، وَأَبِي الحُسَيْنِ بنِ الزَّاغُوْنِيِّ، وَبُهْرَامِ بنِ بُهْرَامِ بنِ فَارِسٍ البَيِّعُ، وَأَبِي بَكْرٍ اللَّفْتُوَانِيِّ الأَصْبَهَانِيِّ، وَغَيْرِهِمْ، وَعُنِيَ بِالطَّلَبِ، وَسَمِعَ الكَثِيْرَ، وَقَرَأَ بِنَفْسِهِ، وَكَتَبَ بِخَطِّهِ، وَكَانَ صَالِحًا، دِيِّنًا، ثِقَةً، وَهُوَ كَانَ حَافِظَ الحَدِيْثِ بِمَكَّةَ فِي زَمَانِهِ، وَالمُشَارَ إِلَيْهِ بِالعِلْمِ بِهَا. وَحَدَّثَ، وَسَمِعَ مِنْهُ خَلْقٌ مِنَ القُدَمَاءِ، مِنْهُمْ: ابنُ السَّمْعَانِيِّ، وسَمِعَ مِنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، مِنهُمْ: أَبُو القَاسِمُ عُبَيْدُ اللهِ بنُ الفَرَّاءِ، [وَأَبُو العَبَّاسِ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ الفَرَّاءِ] (٣)، وَأَبُو الفَتْحِ بنُ عَبْدُوْسٍ الحَرَّانِيُّ، وَالوَزِيْرُ ابنُ يُونُسَ، وَأَبُو عَبْدِ اللهِ الأَرْتَاحِيُّ، وَغَيْرُهُمْ.
وَتُوُفِّيَ فِي ثَامِنِ شَوَّالٍ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ بِمَكَّةَ. وَكَانَ يَوْمُ جِنَازَتِهِ مَشْهُوْدًا، ﵀.
١٧٨ - إِسْمَاعِيلُ بنُ مَوْهُوبِ (٤) بنِ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ الخَضِرِ بنِ الحَسَنِ بنِ стр. 909
مُحَمَّدِ بنِ الجَوَالِيْقِيِّ، الأَدِيْبُ ابنُ الأَدِيْبِ، أَبُو مُحَمَّدِ بنِ أَبِي مَنْصُوْرٍ. وُلِدَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَخَمْسِمَائَةَ. وَسَمِعَ مِنْ أَبِي القَاسِمِ بنِ الحُصَيْنِ، وَأَبِي بَكْرٍ الأَنْصَارِيِّ، وَأَبِي الحُسَيْنِ بنِ الفَرَّاءِ، وَأَبِي العِزِّ بنِ كَادِشٍ، وَأَبِي غَالِبِ بنِ البَنَّاءِ، وَأَبِي القَاسِمِ بنِ السَّمَرْقَنْدِيِّ وَغَيْرِهمْ. وَقَرَأَ القُرآنَ وَالأَدَبَ عَلَى أَبِيْهِ، وَكَانَ عَالِمًا بِاللُّغَةِ، وَالعَرَبِيَّةِ، وَالأَدَبِ، وَلَهُ سَمْتٌ حَسَنٌ، وَقَامَ مَقَامَ أَبِيْهِ فِي دَارِ الخِلَافَةِ.
قَالَ ابنُ القَطِيْعِيِّ: سَمِعْتُ ابنَ الجَوْزِيَّ يَقُوْلُ: مَا رَأَيْنَا وَلَدًا أَشْبَهَ أَبَاهُ مِثْلَهُ حَتَّى فِي مَشْيِهِ وَأَفْعَالِهِ.
وَتُوُفِّيَ يَوْمَ الجُمُعَةِ مُنْتَصِفَ شَعْبَانَ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ مِنَ الغَدِ بِجَامِعِ القَصْرِ، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁.
وَقَالَ المُنْذِرِيُّ: هُوَ أَحَدُ الفُضَلَاءِ النُّسَّاكِ، سَمِعَ مِنْ غَيْرِ وَاحِدٍ، وَحَدَّثَ.
وَقَالَ الدُّبَيْثِيُّ: شَيْخٌ، فَاضِلٌ، لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالأَدَبِ، وَقُوْرٌ، حَسَنُ
стр. 910
الطَّرِيْقَةِ، وَاخْتُصَّ بِخِدْمَةِ الخُلَفَاءِ فِي أَيَّامِ المُسْتَضِيْءِ.
سَمِعَ مِنْهُ عُمَرُ القُرَشِيُّ، وَالمُبَارَكُ بنُ أَبِي شَتْكِيْنَ، وَخَلْقٌ كَثِيْرٌ.
وَقَالَ ابنُ النَّجَّارِ: كَانَ مِنْ أَعْيَانِ العُلَمَاءِ بِالأَدَبِ، صَحِيْحَ النَّقْلِ (١)، كَثِيْرَ المَحْفُوْظِ، حُجَّةً، ثِقَةً، نَبِيْلًا، مَلِيْحَ الخَطِّ، قَرَأَ الأَدَبَ عَلَى أَبِيْهِ حَتى بَرَعَ فِيْهِ (٢)، وَكَانَتْ لَهُ حَلْقَةٌ بِجَامِعِ القَصْرِ الشَّرِيْفِ، يُقْرِئُ فِيْهَا الأَدَبَ стр. 911
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 912
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 913
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 914
كُلَّ جُمُعَةٍ، وَكَانَ يُكَتِّبُ أَوْلَادَ الخُلَفَاءِ، وَيُقْرِؤُهُمْ الأَدَبَ، وَكَانَ عَلَى مِنْهَاجِ أَبِيْهِ فِي حُسْنِ السَّمْتِ، وَالدِّيَانَةِ والنَّزَاهَةِ، وَالعِفَّةِ، وَقِلَّةِ الكَلَامِ، وَالرِّوَايَةِ. رَوَى لَنَا عَنْهُ ابنُ الأَخْضَرِ، وَأَثنَى عَلَيهِ ثَنَاءً كَثِيْرًا.
١٧٩ - أَحمَدُ بنُ أَبِي الوَفَاءِ (١) عَبْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَن بنِ عَبْدِ الصَّمَدِ بنِ стр. 915
مُحَمَّدِ بنِ الصَّائِغِ البَغْدَادِيُّ، الفَقِيْهُ، الإِمَامُ، أَبُو الفَتْحِ، نَزِيْلُ "حَرَّانَ" وُلِدَ بِـ "بَغْدَادَ" سَنَةَ تِسعِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ. قَالَهُ ابنُ القَطِيْعِيِّ عَنْهُ. وَقَالَ أَبُو المُحَاسِنِ القُرَشِيُّ عَنْهُ: سَنَة سَبْعِيْنَ. وَلَزِمَ أَبَا الخَطَّابِ الكَلْوَذَانِيَّ، وَخَدَمَهُ وَتَفَقَّهَ عَلَيْهِ (١)، وَسَمِعَ مِنْهُ، وَمِنْ أَبِي القَاسِمِ بنِ بَيَانٍ (٢)، وَسَافَرَ إِلَى "حَلَبَ" وَسَكَنَهَا، ثُمَّ اسْتَوْطَنَ "حَرَّانَ" إِلَى حِينِ وَفَاتِهِ، وَكَانَ هُوَ المُفْتِي وَالمُدَرِّسُ بِهَا.
وَقَرَأَ عَلَيْهِ الفِقْهَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ: الشَّيْخُ فَخْرُ الدِّيْنِ بنُ تَيْمِيَّةَ، وَحَدَّثَ بِـ "حَلَبَ" وَبِـ "حَرَّانَ". سَمِعَ مِنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَمِنْ غَيْرِهِمْ، مِنْهُمْ: أَبُو الفَتْحِ بنُ عَبْدُوسٍ، وَالشَّيْخُ العِمَادُ المَقْدِسِيُّ، وَالبَهَاءُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ المَقْدِسِيُّ، وَمَحْمُوْدٌ بنُ الصَّقَّالِ (٣)، وَأَبُو الحَسَنِ بنِ القَطِيْعِيِّ. وَرَوَى عَنْهُ следующие страницы →