Полный текст (2 431 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 912
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 913
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 914
كُلَّ جُمُعَةٍ، وَكَانَ يُكَتِّبُ أَوْلَادَ الخُلَفَاءِ، وَيُقْرِؤُهُمْ الأَدَبَ، وَكَانَ عَلَى مِنْهَاجِ أَبِيْهِ فِي حُسْنِ السَّمْتِ، وَالدِّيَانَةِ والنَّزَاهَةِ، وَالعِفَّةِ، وَقِلَّةِ الكَلَامِ، وَالرِّوَايَةِ. رَوَى لَنَا عَنْهُ ابنُ الأَخْضَرِ، وَأَثنَى عَلَيهِ ثَنَاءً كَثِيْرًا.
١٧٩ - أَحمَدُ بنُ أَبِي الوَفَاءِ (١) عَبْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَن بنِ عَبْدِ الصَّمَدِ بنِ стр. 915
مُحَمَّدِ بنِ الصَّائِغِ البَغْدَادِيُّ، الفَقِيْهُ، الإِمَامُ، أَبُو الفَتْحِ، نَزِيْلُ "حَرَّانَ" وُلِدَ بِـ "بَغْدَادَ" سَنَةَ تِسعِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ. قَالَهُ ابنُ القَطِيْعِيِّ عَنْهُ. وَقَالَ أَبُو المُحَاسِنِ القُرَشِيُّ عَنْهُ: سَنَة سَبْعِيْنَ. وَلَزِمَ أَبَا الخَطَّابِ الكَلْوَذَانِيَّ، وَخَدَمَهُ وَتَفَقَّهَ عَلَيْهِ (١)، وَسَمِعَ مِنْهُ، وَمِنْ أَبِي القَاسِمِ بنِ بَيَانٍ (٢)، وَسَافَرَ إِلَى "حَلَبَ" وَسَكَنَهَا، ثُمَّ اسْتَوْطَنَ "حَرَّانَ" إِلَى حِينِ وَفَاتِهِ، وَكَانَ هُوَ المُفْتِي وَالمُدَرِّسُ بِهَا.
وَقَرَأَ عَلَيْهِ الفِقْهَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ: الشَّيْخُ فَخْرُ الدِّيْنِ بنُ تَيْمِيَّةَ، وَحَدَّثَ بِـ "حَلَبَ" وَبِـ "حَرَّانَ". سَمِعَ مِنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَمِنْ غَيْرِهِمْ، مِنْهُمْ: أَبُو الفَتْحِ بنُ عَبْدُوسٍ، وَالشَّيْخُ العِمَادُ المَقْدِسِيُّ، وَالبَهَاءُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ المَقْدِسِيُّ، وَمَحْمُوْدٌ بنُ الصَّقَّالِ (٣)، وَأَبُو الحَسَنِ بنِ القَطِيْعِيِّ. وَرَوَى عَنْهُ стр. 916
فِي "تَارِيْخِهِ". قَالَ: وَأَنْشَدَنِي أَبُو الخَطَّابِ الكَلْوَاذَنِيُّ لِنَفْسِهِ:
أَنَا شَيْخٌ وَلِلْمَشَايِخِ بِالآ … دَابِ عِلْمٌ يَخْفَى عَلَى الشُّبَّانِ
فَإِذَا مَا ذَكَرْتَنِي فَتَأَدَّبْ … فَهْوَ قَرْضٌ يُرَدُّ بالمِيْزَانِ
وَرَوى عَنْهُ ابنُ صَصْرَى فِي "مُعْجَمِهِ" (١) وَابنُ الأُسْتَاذِ (٢)، وَغَيْرُهُمَا.
تُوُفِّيَ ﵀ بِـ "حَرَّانَ" سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ فِيْمَا ذَكَرَهُ ابنُ القَطِيْعِيِّ، وذَكَرَهُ الذَّهَبِيُّ فِي "تَارِيْخِهِ" أَنَّهُ مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِيْنَ (٣). стр. 917
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنِ إِسْمَاعِيلَ بنِ إِبْرَاهِيْمَ الأَنْصَارِيُّ (أَنَا) أَبُو مُحَمَّدٍ إِسْمَاعِيْلَ بنُ إِسْمَاعِيْلَ البَعْلِيُّ (أَنَا) أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمنَ بن إبْرَاهِيم المَقْدِسِيُّ (أَنَا) أَبُو الفَتْح أَحْمَد بن أَبِي الوَفَاءِ الفَقِيْهُ (ح) قَالَ شَيْخُنَا الأَنْصَارِيُّ وَأَنْبَأَنَاهُ عالِيًا أَبُو العَبَّاسِ أَحْمَدُ بنُ عَبْدِ الدَّائِمِ حُضُورًا (أَنَا) أبُو الفَرَجِ عَبْدُ المنْعِمِ بنِ عَبْدِ الوَهَّابِ الحَرَّانِيُّ قَالَا: (أَنَا) أَبُو القَاسِمِ عَلِيُّ بنُ أَحْمَدَ بنِ بَيَانٍ (أَنَا) أَبُو الحَسَنِ بنُ مَخْلَدٍ (أَنَا) أَبُو عَلِيٍّ الصَّفَّارُ (ثَنَا) الحَسَنُ بنُ عَرفَةَ (١). стр. 918
١٨٠ - عَلِيُّ بنُ مُحمَّدِ (١) بنِ المُبَارَكِ بنِ أَحْمَدَ بنِ بَكْرُوْسٍ، البَغْدَادِيُّ، الفَقِيْهُ، أَبُو الحَسَنِ، أَخُو أَبِي العَبَّاسِ أَحْمَدَ السَّابِقِ ذِكْرُهُ (٢).
وُلِدَ يَوْمَ الاثْنَيْنِ ثَالِثَ رَجَبٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِمَائَةَ وَسَمِعَ الحَدِيْثَ مِنِ стр. 919
ابْنِ الحُصَيْنِ، وَالمزْرَفِيِّ، وَأَبِي القَاسِمِ بنِ السَّمَرْقَنْدِيِّ، وَأَبِي غَالِبِ المَاوَرْدِيِّ، وَأَبِي الحَسَنِ عَلِيِّ بنِ مُحَمَّدٍ الهَرَوِيِّ، وَزَاهِرِ بنِ طَاهِرٍ الشَّحَّامِيِّ، وَغَيْرِهِمْ. وَتَفَقَّهَ فِي المَذْهَبِ، وَبَرَعَ، وَأَفْتَى وَنَاظَرَ، وَدَرَّسَ بِمَدْرَسَةِ أَخِيْهِ آخِرًا، وَصَنَّفَ فِي المَذْهَبِ، وَلَهُ كِتَابُ "رُءُوْسِ المَسَائِلِ" وَكِتَابُ "الأَعْلامِ" وَحَدَّثَ، وَسَمِعَ مِنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ: أَبُو الحَسَنِ بنِ القَطِيْعِيِّ، وَرَوَى عَنْهُ فِي "تَارِيْخِهِ" وَلَزِمَ بَيْتَهُ فِي آخِرِ عُمُرِهِ لِمَرَضٍ حَصَلَ لَهُ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ يَوْمَ الاِثْنَيْنِ ثَالِثِ ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ، ﵁.
١٨١ - عَلِيُّ بْنُ أَبِي المَعَالِي المُبَارَكِ (١) وَقِيلَ: أَحْمَدُ - بْنُ أَبِي الفَضْلِ بنِ أَبِي القَاسِمِ بْنِ الأَحْدَبِ، الوَرَّاقُ، الدَّارْقَزِّيُّ، ثُمَّ المُحَوَّلِيُّ، الفَقِيْهُ، أَبُو الحَسَنِ، стр. 920
المَعْرُوْفُ بِـ "ابْنِ غَرِيْبَةَ" وَقَالَ ابْنُ النَّجَّارِ: رَأَيْتُ نَسَبَهُ بِخَطِّ ابْنِ مَشَّقَ (١): عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحمَدَ بنِ أَبِي القَاسِمِ، أَبُو الحَسَنِ بْنُ أَبِي المَعَالِي بْنِ أَبِي الفَضْلِ.
وُلِدَ فِي مُنْتَصَفِ رَمَضَانَ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِمَائَةَ، وَسَمِعَ الكَثِيرَ مِنْ أَبِي القَاسِمِ بْنِ الحُصَيْنِ، سَمِعَ مِنْهُ "المُسْنَدَ" بِكَمَالِهِ، وَمنْ القَاضِي أَبِي بَكْرٍ الأَنْصَارِيِّ، وَالقَاضِي أَبِي الحُسَيْنِ بْنِ الفَرَّاءِ، وَأَبِي غَالِبِ بْنِ البَنَّاءِ (٢) وَأَبِي القَاسِمِ بْنِ السَّمَرْقَنْدِيِّ، وَسَمِعَ بِـ "مَرْوَ" مِنَ الخَطِيْبِ أَبِي الفَتْحِ الكُشْمِيْهَنِيِّ (٣)، وَغَيْرِهِمْ، وَتَفَقَّهَ فِي المَذْهَبِ عَلَى أَبِي القَاسِمِ بنِ قُشَامِيِّ (٤)، وَأَبِي الفَضْلِ بْنِ شُنَيْفٍ (٥)، стр. 921
وَقَرَأَ الفَرَائِضَ عَلَى القَاضِي أَبِي بَكْرٍ. وَكَانَ ثِقَةً، صَحِيْحَ السَّمَاعِ، ذَا عَقْلٍ وَتَجْرِبَةٍ، وَلَّاهُ الوَزِيْرُ ابْنُ هُبَيْرَةَ المَظَالِمَ، يَرْفَعُهَا إِلَيْهِ، وَانْقَطَعَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ بِـ "المُحَوَّلِ" إِلَى أَنْ مَاتَ، وَأُفْلِجَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِـ "شُهُوْرٍ" (١)، وَحَدَّثَ، وَسَمِعَ مِنْهُ جَمَاعَةٌ.
قَالَ ابْنُ النَّجَّارِ: كَانَ فَقِيهًا، فَاضِلًا، حَسَنَ الكَلَامِ فِي مَسَائِلِ الخِلَافِ، وَكَانَ يَكْتُبُ خَطًّا رَدِيْئًا، وَسَمِعَ مِنْهُ مِنْ أَصْحَابِنَا: أَبُو الفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَنْبَلِيِّ، وَابْنُ القَطِيْعِيِّ، وَابْنُ الغَزَّالِ [وَرَوَى عَنْه] (٢) ابْنُ الجَوْزِيِّ حِكَايَاتٌ عِدَّةٌ.
وَتُوُفِّيَ يَوْمَ الأَحَدِ حَادِي عَشَرَ جُمَادَى الأُوْلَى سَنَةَ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ وَخَمْسِمَائَةَ بِـ "المُحَوَّلِ"، وَحُمِلَ عَلَى أَعْنَاقِ الرِّجَالِ فَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ بِـ "بَابِ حَرْبٍ".
١٨٢ - دُلَفُ بْنُ عَبْدِ اللهِ (٣) بْنِ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بنِ التَّبَّانِ (٤) الأَزَجِيُّ، الفَقِيهُ أَبُو الخَيْرِ. سَمِعَ مِنْ ابْنِ نَاصِرٍ، وَسَعْدِ الخَيْرِ الأَنْصَارِيِّ، وَعَبْدِ الصَّبُوْرِ стр. 922
الهَرَوِيِّ، وَأَبِي حَفْصٍ الحَرْبِيِّ (١) وَغَيْرِهِمْ. وَصَحِبَ الشَّيْخَ عَبْدَ القَادِرِ، وَتَفَقَّهَ عَلَيْهِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ "بَغْدَادَ" وَدَخَلَ "خُرَاسَانَ" وَأَقَامَ بِـ "نِيْسَابُوْرَ"، فَقَرَأَ عَلَى مُحَمَّدِ بنِ يَحْيَى الفَقِيهِ (٢) وَسَمِعَ بِهَا مِنْ أَبِي البَرَكَاتِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الفَزَارِيِّ. وَدَخَلَ "خُوَارَزْمَ" وَمَضَى إِلَى "سَمَرْقَنْدَ" وَسَمِعَ بِهَا مِنْ أَبِي المَعَالِي مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ المَدِيْنيِّ، وَأِبي القَاسِمِ مَحْمُوْدِ بْنِ عَلِيٍّ النَّسَفِيِّ، وَحَدَّثَ هُنَاكَ. وَرَوَى عَنْهُ أَبُو سَعْدِ بْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي "ذَيْلِهِ" حِكَايَاتٍ، وَرَوَى عَنْهُ أَبُو المُظَفَّرِ بْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي "مَشْيخته" وَأَبُو بَكْرٍ الفَرْغَانِيِّ خَطِيْبِ "سَمَرْقَنْدَ"، وَذَكَرَ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْهُ فِي صَفَرٍ سَنَةَ سَبْعٍ وَسَبْعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ. стр. 923
١٨٣ - كَرَمُ بْنُ بُخْتِيَارِ (١) بْنِ عَلِيِّ البَغْدَادِيُّ، الرُّصَافِيُّ، الزَّاهِدُ، أَبُو الخَيْرِ، وَقِيلَ: أَبُو عَلِيٍّ. وُلِدَ فِي حُدُوْدِ سَنَةِ أَرْبَعٍ وتسْعِينَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، وَسَمِعَ مِنْ أَبِي القَاسِمِ بْنِ الحُصَيْنِ، وَحَدَّثَ، وَسَمِعَ مِنْهُ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ: ابنُ القَطِيْعِيِّ (٢).
وَقَال النَّاصِحُ بْنُ الحَنْبَلِيِّ: سَمِعْتُ مِنهُ جْزْءًا بِقِرَاءَةِ الشَّيْخِ طَلْحَةَ العَلْثِيِّ، قَالَ: وَزُرْتُهُ يَوْمًا، وَهُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى جَنْبِهِ، والفَقِيْهُ ابْنُ فَضْلَانَ - يَعْنِي: شَيخَ الشَّافِعِيَّةِ - (٣) عِنْدَهُ يَزُوْرُهُ، فَأَخَذَ بِيَدِ الشَّيْخِ كَرَمٍ يُقَبِّلُهَا تَبَرُّكًا، وَكَانَ زَاهِدًا، مِنْقَطِعًا بِـ "الرُّصَافَةِ".
وَقَالَ القَطِيْعِيُّ: كَانَ زَاهِدًا، وَرِعًا، سَرِيعَ الدَّمْعَةِ، كَثِيرَ العِبَادَةِ، وَفِي بَعْضِ الأَوْقَاتِ تَصْدُرُ مِنْهُ كَلِمَاتٍ عَلَى خَاطِرِ الحَاضِرَ عِنْدَهُ. стр. 924
وَقَالَ الدُّبَيْثِيُّ: كَانَ أَحَدَ الشُّيُوْخِ المَوْصُوْفِينَ بِالصَّلَاحِ. وَتُوفِّيَ يَوْمَ الأَرْبِعَاءِ سَادِسَ ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ تِسْعٍ وَسَبْعِيْنَ وخَمْسِمَائَةَ، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ، فِي دَكَّةِ بِشْرٍ الحَافِي، وَكانَ حَنْبَلِيًّا.
١٨٤ - إِسْمَاعِيْلُ بْنُ نُبَاتَةَ، (١) الفَقِيهُ، المُلَقَّبُ "وَجِيهَ الدِّيْنِ".
قَالَ نَاصِحُ الدِّيْنِ بنُ الحَنْبَلِيِّ: سَمِعَ دَرْسَ عَمِّي الإِمَامِ بَهَاءِ الدِّينِ عَبْدِ المَلِكِ بنِ شَرَفِ الإِسْلامِ (٢) لَمَّا قَدِمَ مِنْ "خُرَاسَانَ" وَعَلَّقَ عَنْهُ مِنْ تَعْلِيْقِ أَبِي الفَضْلِ الكَرْمَانِيِّ، ثُمَّ سَمِعَ دَرْسَ وَالِدِيْ، وَحَفِظَ "الهِدَايَةَ" لأَبِي الخَطَّابِ، حِفْظًا مُتْقَنًا، وَحَفِظَ "أُصُوْلُ الفِقْهِ" لِلْبُسْتِيِّ (٣)، وَحَفِظَ كَثِيْرًا مِنْ مَسَائِلِ التَّعْلِيقِ، وَكَانَ يَدْرُسُ القُرْآنَ كَثِيرًا، وَيَقوْمُ بِهِ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ، وَكَانَ يُصَلِّي الفَجْرِ عَلَى "نَهْرِ بَرَدَى" بِحَضْرَةِ القَلْعَةِ، وَيُصَلِّي стр. 925
العَصْرَ عَلَى عَيْنِ "بَعْلَبَّكَ" وَبِالعَكْسِ، وَرُبَّمَا قَرَأَ فِي طَرِيْقِهِ القُرَآنَ - أَوْ كِتَابَ "الهِدَايَةِ" - الشَكُّ مِنِّي. قَالَ: وَلَمَّا قَدِمْتُ مِنْ "بَغْدَادَ" سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِيْنَ، وَتكَلَّمْتُ فِي المَسْأَلَةِ فَرِحَ بِي. وَمَاتَ قَبْلَ الثَّمَانِينَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَدُفِنَ بِالجَبَلِ، جِوَارَ "دَيْرِ الحَوْرَانِيِّ" ﵀.
١٨٥ - عَبْدُ اللهِ (١) بْنُ عَلِيِّ (٢) بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَفِ بنِ الفَرَّاءِ، القَاضِيْ، أَبُو القَاسِمِ بنُ أَبِي الفَرَجِ بْنِ القَاضِي أَبِي خَازِمِ بنِ القَاضِي أَبِي يَعْلَى.
وُلِدَ لَيْلَةَ الاثْنَيْنِ رَابِعَ عَشَرَ ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَخَمْسِمَائَةَ. وَأَسْمَعَهُ أَبُوْهُ الكَثِيْرَ فِي صِبَاهُ مِنْ أَبِي مَنْصُوْرٍ القَزَّازِ، وَأَبِي مَنْصُوْرِ بْنِ خَيْرُوْنَ، стр. 926
وَعَبْدِ الخَالِقِ بنِ البَدَنِ، وَأَبِي سَعْدٍ الزَّوْزَنِيِّ، وَأَبِي البَدْرِ الكَرْخِيِّ، وَأَبِي الحَسَنِ بنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَأَبِي الفَضْلِ الأُرْمَوِيِّ، وَأَبِي مُحَمَّدٍ سِبْطِ الخَيَّاطِ. وَسَمِعَ هُوَ بِنَفْسِهِ مِنِ ابْنِ نَاصِرٍ الحَافِظِ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ الزَّاغُوْنِيِّ، وَسَعِيدِ بْنِ البَنَّاءِ، وَخَلْقٍ مِنْ أَصْحَابِ القَاضِي، وَابْنِ البَطِرِ، وَطِرَادٍ، وَطَبقَتِهِمْ. وَبَالَغَ فِي السَّمَاعِ وَالإِكْثَارِ، حَتَّى سَمِعَ مِنْ جَمَاعَةٍ مِنَ المُتَأَخِّرِيْنَ. وَكَتَبَ بِخَطِّهِ، وَحَصَّلَ الكُتُبَ وَالأُصُوْلَ الحِسَانَ الكَثِيْرَةَ (١)، وَتَفَقَّهَ، وَكَتَبَ فِي الفَتَاوَى مَعَ أَئِمَّةِ عَصْرِهِ، وَشَهِدَ عنْدَ أَبِي الحَسَنِ بْنِ الدَّامَغَانِيِّ مِنْ سَنَةِ خَمْسٍ وَخَمْسِيْنَ، وَكَانَتْ دَارُهُ مَجْمَعًا لأَهْلِ العِلْمِ، يَحْضُرَهَا المشَايِخُ، وَيَقْرَأُ عَلَيْهِمْ وَتَحْضُرُ النَّاسُ مَنْزِلَهُ لِلسَّمَاعِ، ويُنْفِقُ عَلَيْهِمْ بِسَخَاءِ نَفْسٍ، وَسَعَةِ صَدْرٍ. وَحَدَّثَ بِاليَسِيْرِ. سَمِعَ مِنْهُ ابْنُ عَمِّهِ أبُو العَبَّاسِ أَحْمَدَ (٢)، وَأَبُو الحَسَنِ الزَّيْدِيُّ، وَابْنُ الأَخْضَرِ، وَرَوَى عنْهُ، وَكَانَ يَصِفُهُ كَثيْرًا بِالسَّخَاءِ، وَسَعَةِ النَّفْسِ، وَالبَذْلِ وَالعَطَاءِ، وَحُسْنِ الخُلُقِ، وَلُطْفِ المُعَاشَرَةِ. وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ القَطِيعِيِّ فِي "تَارِيْخِهِ" وَأَجَازَ لِلْخَلِيْفَةِ النَّاصِرِ، وَخَرَّجُوا لَه عُنْهُ فِي كِتَابِ "رُوْحِ العَارِفِينَ" (٣). стр. 927
وَقَرَأْتُ بِخَطِّ الشَّيْخِ نَاصِحِ الدِّينِ بْنِ الحَنْبَلِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلَيْهِ كِتَابَ "صَحِيْحِ التِّرْمِذِيِّ" بِسَمَاعِهِ مِنَ الكَرُّوْخِيَّ، بِقِرَاءَةِ الشَيْخِ طَلْحَةَ العِلْثِيِّ، وَأَجْزَاءَ أُخَرَ. وَكَانَ جَمِيْلًا، جَلِيْلًا، مُحْتَرِمًا، وَفَاضِلًا، وَمِنْ أَعْيَانِ العُدُوْلِ بِـ "بَغْدَادَ".
وَمِنْ تَصَانِيْفِهِ "الرَّوْضُ النَّضِرُ فِي حَيَاةِ أَبِي العَبَّاسِ الخَضِرِ" وَكَانَتْ عِنْدَهُ كُتُبٌ جَلِيْلَةٌ أَصِيْلَةٌ عَلَى مَذْهَبِ الإِمَامِ أَحْمَدَ، وَخَطُّ الإِمَامِ أَحْمَدَ كَانَ أَيْضًا عِنْدَهُ، حَكَاهُ الشَّيْخُ طَلْحَةُ (١) فِي غَالِبِ ظَنِّي، وَكَانَ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ قَدْ عَلَاهُ الشَّيْبُ الكَثِيْرُ. وَكُنْتُ لَا أَشْبَعُ مِنَ النَّظَرِ إِلَى جَمَالِ وَجْهِهِ، وَحُسْنِ أَطْرَافِهِ، وَسَكِيْنَةٌ عَلَيْهِ، وَلَزِمَهُ دَيْنٌ كَثِيرٌ، وَحَمَلَ مِنْهُ الهَمَّ الغَزِيْرَ.
وَقَالَ ابْنُ القَطِيْعِيِّ: جَمَعَ بَيْنَ حُسْنِ الرَّأْيِ وَالسَّمْتِ، وَعَارِفٌ بِأَحْكَامِ الشَّرِيْعَةِ، مِنَ الشَّهَادَةِ وَالقَضَاءِ، مَهِيْبُ المَجْلِسِ، لَمْ يَزَلْ مَنْزِلَهُ مَحَلًّا стр. 928
لِقِرَاءَةِ الحَدِيْثِ وَتَدْرِيْسِ الفِقْهُ بِحَضْرَةِ الشُّيُوْخِ، وَجَمَاعَةِ أَصْحَابِ الحَدِيْثِ، مَعْرُوْفٌ بِالكَرَمِ وَالإِفْضَالِ، وَلَهُ الأُصُوْلُ الحَسَنَةُ، وَالفَوَائِدُ الجَمَّةُ، وَسَمِعَ الحَدِيْثَ عَالِيًا وَنَازِلًا، وَجَمَعَ وَصَنَّفَ أَنوَاعًا مِنَ العُلُومِ، وَحَمَلَهُ بَذْلُ يَدِهِ، وَكَرَمُ طَبْعِهِ عَلَى أَنَّهُ اسْتَدَانَ مَا لا يُمْكِنُهُ الوَفَاءُ، فَغَلَبَهُ الأَمْرُ حَتَّى بَاعَ مُعْظَمَ كُتُبِهِ، وَخَرَجَ عنْ يَدِهِ أَكْثَرُ أَمْلَاكِهِ، وَاخْتَفَى فِي بَيْتِهِ لِمَا فَدَحَهُ مِنَ الدُّيُوْنِ، وَبَلَغ بِهِ الحَالُ إِلَى أَنِ اغْتِيْلَ فِي شَهَادَةٍ عَلَى امْرَأَةٍ بِتَعْرِيفِ بَعْضَ الحَاضِرِينَ، وَأَنْكَرَتْ المَرْأَةُ المَشْهُوْدُ عَلَيْهَا ذلِكَ الإِشْهَادُ وَكَانَ ذلِكَ سَبَبًا لِعَزْلِهِ عَنِ الشَّهَادَةِ، فَهُوَ عَدْلٌ فِي رِوَايَتِهِ، ضَعِيفٌ فِي شَهَادَتِهِ (١).
وتُوُفِّيَ ﵀ يَوْمَ الجُمُعَةِ يَوْمَ عِيْدِ الأَضْحَى سَنَةَ ثَمَانِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ. وَدُفِنَ مِنَ الغَدِ بِمَقْبَرَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ عِندَ آبَائِهِ.
١٨٦ - وأَبُوهُ القَاضِيْ أَبُو الفَرَجِ (٢) عَلِيُّ بْنُ القَاضِيْ أَبِي حازِمٍ. حَدَّثَ بِإِجَازَتِهِ стр. 929
مِنَ العَاصِمِّي، وَأَبِي الفَضْلِ بْنِ خَيْرُونَ، وَابْنِ الطُّيُورِيِّ، وَغَيْرِهِمْ وَسَمِعَ مِنهُ ابْنُهُ هَذَا، وَأَبُو العَبَّاسِ القَطِيْعِيُّ الفَقِيْهُ، وَالحُسَيْنُ بْنُ مَهْجَلٍ (١) وَغيْرُهُمْ، وَتُوُفِّيَ فِي لَيْلَةِ الأَحَدِ ثَانِي عَشَرَ رَمَضَانَ سَنَةَ سِتٍّ وَأَرْبَعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ.
وَوَهِمَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي نِسْبَتِهِ، فَقَالَ: هُوَ عَلِيُّ بْنُ عُبَيدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الحُسَيْنِ، وَذَكَرَهُ فِي مَوْضِعِ آخِرَ عَلَى الصَّوَابِ، وَقَالَ: سَمِعَ الحُسَيْن بْنَ طَلْحَةَ، فَمَنْ دُوْنَهُ. كَتَبْتُ عنْهُ أَحَادِيْثَ.
١٨٧ - وَعَمُّهُ القَاضِي أَبُو مُحَمَّدِ عبْدُ الرَّحِيْمِ (٢)، ابْن القَاضِي أَبِي خَازِمٍ. سَمِعَ مِنَ القَاضِي أَبِيْهِ، وَعَمِّهِ أَبِي الحُسَيْنِ، وَابْنِ (٣) الحُصَيْنِ، وَأَبِي العِزِّ بْنِ كَادِشٍ، وَأَسْعَدَ بْنِ صَاعِدٍ النَّيْسَابُوْرِيِّ، وَغَيْرِهِمْ، وَحَدَّثَ.
كَتَبَ عَنْهُ ابْنُ القَطِيْعِيِّ، وَقَالَ: سَأَلْتُهُ عنْ مَوْلِدِهِ فَقَالَ: سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِمَائَةَ وَتُوُفِّيَ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ عِشْرِينَ ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسَبْعِيْنَ стр. 930
وَخَمْسِمَائَةَ، وَدُفِنَ عنْدَ آبَائِهِ، وَلَهُ عِدَّةُ أَوْلَادٍ سَمِعُوا الحَدِيثَ أَيْضًا (١) стр. 931
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 932
١٨٨ - عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَامِعِ (١) بْنِ غَنَيْمَةَ بْنِ البَنَّاءِ البَغْدَادِيُّ، الأَزَجِيُّ المَيْدَانِيُّ، الفَقِيْهُ، الزَّاهِدُ، أَبُو الغَنَائِمِ، وَيُسَمَّى أَيْضًا غَنِيْمَةُ (٢)، وُلِدَ سَنَةَ خَمْسِمَائَةَ تَقْرِيْبًا. وَسَمِعَ الحَدِيثَ مِنِ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ اليُوْسُفِيُّ، وَابْنِ الحُصَيْنِ، سَمِعَ عَلَيْهِ "المُسْنَدَ" كُلَّهُ، وَالقَاضِيْ أبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ البَاقِي، وَأَبِي السَّعَادَاتِ стр. 933
المُتَوَكِّلِيِّ، وَالحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ الخَلَّالُ وَغَيْرِهِمْ. وَتَفَقَّهَ علَى أبِي بَكْرٍ الدِّيْنَوَرَيِّ، وَقَرَأَ الخِلَافَ عَلَى أَسْعَدَ المَيْهَنِيِّ وغَيْرِهِ، وَأَفْتَى، وَنَاظَرَ، وَدَرَّسَ بِمَسْجِدِهِ، وَكَانَ عَارِفًا بِالمَذْهَبِ، صَالِحًا، تَقِيًّا.
قَالَ ابْنُ الدُّبِيثِيِّ: كَانَ شَيْخًا، صَالِحًا، فَقِيْهًا، مُنَاظِرًا عَلى مَذْهَبِ الإِمَامِ أَحْمَدَ. وقَالَ ابْنُ النَّجَّارِ: كَانَ فَقِيْهًا، فَاضِلًا، وَرِعًا، زَاهِدًا، مَلِيْحَ المُنَاظَرَةِ، حَسَنَ المَعْرِفَةِ بِالمَذْهَبِ وَالخِلَافِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّيْنِ عَنْهُ: كَانَ فَقِيْهًا مِنْ أَصْحَابِنَا، وَتَوَلَّى مَدْرَسَةَ ابْنِ بَكْرُوْسٍ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَمَضَيْنَا إِلَيْهِ مَعَ الشَّيْخِ أَبِي الفَتْحِ - يَعْنِي ابْنِ المَنِّيِّ - عَلَى عَادَةِ فُقَهَاءِ "بَغْدَادَ" وَتَكَلَّمْتُ يَوْمَئِذٍ فِي مَسْأَلَةِ قَتْلِ المُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ، وَكَانَ يَسْكُنُ بِـ "المَيْدَانِ" (١) مِنْ بَابِ "الأَزَجِ" وَلِذلِكَ قِيْلَ فِي نَسَبِهِ: "المَيْدَانِيِّ". سَمِعَ مِنْهُ عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ القُرَشِيُّ، وَابْنُ الدُّبِيْثِيِّ، وابْنُ القَطِيْعِيِّ.
وَحَدَّثَ عَنْهُ الشَّيْخُ مُوفَّقُ الدِّيْنِ، وَالبَهَاءُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ المَقْدِسِيَّانِ، وَالمُوفَّقُ بْنُ صُدَيْقٍ، وَعُمَرُ بنُ شُحَانَةَ (٢) الحَرَّانِيَّانِ، وَابْنُ الأَخْضَرِ، وَأَحْمَدُ بنُ البَنْدَنِيْجِيُّ، وَابْنُ الغَزَّالِ الوَاعِظُ، وَأَجَازَ لِلْخَلِيفَةِ النَّاصِرِ.
وَتُوُفِّيَ لَيْلَةَ الاثْنَيْنِ ثَامِنَ شَوَّالِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَدُفِنَ مِنَ الغَدِ بِمَقْبَرَةِ "بَابِ حَرْبٍ" رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى. стр. 934
١٨٩ - عَلِيُّ بْنُ عُكْبَرَ (١) بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَبُو الحُسَيْنِ، الضَّرِيْرُ، المُقْرِئُ، стр. 935
الأَزَجِيُّ، الفَقِيْهُ، قَرَأَ القُرْآنَ، وَسَمِعَ الحَدِيْثَ الكَثِيْرَ مِنِ ابْنِ نَاصِرٍ، وَابْنِ البَطِّيِّ، وَغَيْرِهِمَا، وَتَفَقَّهَ عَلَى أَبِي حَكِيْمٍ النَّهْرَوَانِيِّ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ القُرْآنَ جَمَاعَةٌ، وَكَانَ يَحْفَظُ طَرَفًا مِنَ المَذْهَبِ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الدِّيْنِ وَالصَّلَاحِ. ذَكَرَهُ ابْنُ النَّجَّارِ عَنْ أَبِي العَبَّاسِ بنِ الفَرَّاءِ، وَأَنَّهُ قَالَ: تُوُفِّيَ لَيْلَةَ الأَرْبِعَاءِ عَاشِرَ شَوَّالٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ. وَدُفِنَ بِـ "بَابِ حَرْبٍ" إِلَى جَانِبِ شَيْخِهِ أَبِي حَكِيْمٍ. رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى.
١٩٠ - عَبْدُ المُغِيْثُ بْنُ زُهَيْرِ [بن زُهيرِ] (١) بْنِ عَلَوِيٍّ الحَرْبِيُّ (٢)، المُحَدِّثُ، стр. 936
الزَّاهِدُ، أَبُو العِزِّ بْنِ أَبِي حَرْبٍ.
وُلِدَ سَنَةَ خَمْسِمَائَةَ تَقْرِيْبًا (١)، وَسَمِعَ مِنْ أَبِي القَاسِمِ بْنِ الحُصَيْنِ، وَأَبِي العِزِّ بْنِ كَادِشٍ، وَأَبِي غَالِبٍ وَأَبِي عَبْدِ اللهِ ابْنَيْ (٢) أَبِي عَلِيِّ بْنِ البَنَّاءِ، وَأَبِي الحُسَيْنِ بْنِ الفَرَّاءِ، وَالمَرْزُوفِيِّ، وَالقَاضِي أَبِي بَكْرٍ الأَنْصَارِيِّ، وَهِبَةِ اللهِ الحَرِيْرِيِّ (٣)، وَأَبِي القَاسِمِ السَّمَرْقَنْدِيِّ، وَأبِي مَنْصُوْرٍ القَزَّازِ، وَعَبْدِ الوَهَّابِ стр. 937
الأَنْمَاطِيِّ، وَزَاهِرٍ الشَّحَّامِيِّ، وَخَلْقٍ كَثِيْرٍ، وَعُنِيَ بِهَذَا الشَّأْنِ وَقَرَأَ بِنَفْسِهِ عَلَى المَشَايِخِ، وَكَتَبَ بِخَطِّهِ، وَحَصَّلَ الأُصُوْلَ، وَلَمْ يَزَلْ يَسْمَعُ حَتَّى سَمِعَ مِنْ أَقْرَانِهِ، وَتَفَقَّهَ عَلَى القَاضِي أَبِي الحُسَيْنِ بْنِ الفَرَّاءِ، وَكَانَ صَالِحًا مُتَدَيِّنًا، صَدُوْقًا أَمِيْنًا، حَسَنَ الطَّرِيْقَةِ، جَمِيْلَ السِّيْرَةِ، حَمِيْدَ الأَخْلاقِ، مُجْتَهِدًا فِي اتِّبَاعِ السُّنَّةِ وَالآثَارِ، مَنْظُوْرًا إِلَيْهِ بِعَيْنِ الدِّيَانِةِ وَالأَمَانَةِ، وَجَمَعَ، وَصَنَّفَ، وَحَدَّثَ، وَلَمْ يَزَلْ يُفِيْدُ النَّاسَ إِلَى حِيْنِ وَفَاتِهِ، وَبُوْرِكَ لَهُ حَتَّى حَدَّثَ بِجَمِيْعِ مَرْوِيَّاتِهِ، وَسَمِعَ مِنْهُ الكِبَارُ.
قَالَ الدُّبَيْثِيُّ: عُنِيَ بِطَلَبِ الحَدِيْثِ وَسَمَاعِهِ، وَجَمَعَهُ مِنْ مَظَانِّهِ. فَسَمِعَ الكَثِيْرَ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ الشُّيُوْخُ، وَكَتَبَ، وَحَصَّلَ الأُصُوْلَ، وَخَرَّجَ، وَصَنَّفَ، وَكَانَ ثِقَةً، صَالِحًا، صَاحِبَ طَرِيْقَةٍ حَمِيْدَةٍ، وَحَدَّثَ بِالكَثِيْرِ، وأَفَادَ الطَّلَبَةَ، سَمِعْنَا مِنْهُ، وَكَتَبْنَا عَنْهُ، وَنِعْمَ الشَّيْخُ كَانَ.
وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي كِتَابِهِ شِعْرًا، وَقَالَ عَنْهُ: رَفِيْقُنَا. وَرَوَى عَنْهُ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّيْنِ، وَالحَافِظُ عَبْدُ الغَنِيِّ، وَالبَهَاءُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ المَقْدِسِيُّوْنَ، وَقَدِمَ دِمَشْقَ، وَحَدَّثَ بِهَا سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِيْنَ.
قَرَأْتُ بِخَطِّ نَاصِحِ الدِّيْنِ بْنِ الحَنْبَلِيِّ: سَمِعْتُ مِنْ عَبْدِ المُغِيْثِ "طَبَقَاتِ أَصْحَابِ الإِمَامِ أَحْمَدَ" لأَبِي الحُسَيْنِ بْنِ القَاضِي، بِسَمَاعِهِ مِنْهُ (١)، بِقِرَاءَةِ طَلْحَةَ العَلْثِيِّ بِـ "بَغْدَادَ" وَكَانَ - يَعْنِي عَبْدَ المُغِيْثِ - حَافِظًا، زَاهِدًا، وَرِعًا، стр. 938
كُنْتُ إِذَا رَأَيْتُهُ خُيِّلَ إِلَيَّ أَنَّهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ قَصِيْرًا.
وَقَالَ الحَافِظُ المُنْذِرِيُّ عَنْهُ: اجْتَهَدَ فِي طَلَبِ الحَدِيْثِ، وَجَمْعِهِ، وَصَنَّفَ وَأَفَادَ، وَحَدَّثَ بِالكَثِيْرِ، (ثَنَا) عَنْهُ الفَقِيْهُ أَبُو عَبْدِ اللهِ حَمْدُ بْنُ صُدَيْقٍ بِـ "حَرَّانَ" (١).
وَقَالَ ابْنُ القَطِيْعِيِّ: كَانَ أَحَدَ المُحَدِّثِيْنَ مَعَ صَلَابَتِهِ فِي الدِّيْنِ، وَاشْتِهَارِهِ بِالسُّنَّةِ، وَقِرَاءَةِ القُرْآنَ. وَجَرَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِ "المُنْتَظَمِ" - يَعنِي: أَبَا الفَرَجِ بْنَ الجَوْزِيِّ - نُفْرَةٌ كَانَ سَبَبُهَا الطَّعْنُ عَلَى يَزِيْدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَكَانَ عَبْدُ المُغِيْثِ يَمْنَعُ مِنْ سَبِّهِ، وَصَنَّفَ فِي ذلِكَ كِتَابًا (٢) وَأَسْمَعَهُ. وَصنَّفَ الآخَرُ كِتَابًا стр. 939
سَمَّاهُ (١): "الرَّدُّ عَلَى المُتَعَصِّبِ العَنِيْدِ المَانِعِ مِنْ ذَمِّ يَزِيْدَ" وَقَرَأْتُهُ عَلَيْهِ، وَمَاتَ عَبْدُ المُغِيْثِ وَهُمَا مُتَهَاجِرَانِ.
قُلْتُ: هَذِهِ المَسْأَلَةُ وَقَعَ بَيْنَ عَبْدِ المُغِيْثِ، وَابْنِ الجَوْزِيِّ بِسَبَبِهَا فِتْنَةٌ، وَيُقَالُ: إِنَّ عَبْدَ المُغِيْثِ تَبِعَ أَبَا الحَسَنِ بْنِ البَنَّاءِ فَقِيْلَ: إِنَّهُ صَنَّفَ فِي مَنْعِ ذَمِّ "يَزِيْدَ" وَلَعْنِهِ، وَابْنُ الجَوْزِيِّ صَنَّفَ فِي جَوَازِ ذلِكَ. وَحَكَى فِيْهِ: стр. 940
أَنَّ القَاضِيْ أَبَا الحُسَيْنِ (١) صَنَّفَ كِتَابًا فِيْمَنْ يَسْتَحِقُّ اللَّعْنَ، وَذَكَرَ مِنْهُمْ "يَزِيْدُ"، وَذَكَرَ كَلَامَ أَحْمَدَ فِي ذلِكَ. وَكَلَامُ أَحْمَدَ إِنَّمَا فِيْهِ لَعْنُ الظَّالِمِيْنَ جُمْلَةَ، لَيْسَ فِيْهِ تَصْرِيْحٌ بِجَوَازِ لَعْنِ "يَزِيْدَ" مُعَيِّنًا. وَقَدْ ذَكَرَ القَاضِيْ فِي "المُعْتَمَدِ" (٢) نُصُوْصَ الإِمَامِ أَحْمَدَ فِي هَذِهِ المسْأَلَةَ، وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ فِيْهَا خِلَافًا عَنْهُ.
وَقَرَأْتُ بِخَطِّ يَحْيَى بْنِ الصَّيْرَفِيِّ، الفَقِيْهِ الحَرَّانِيِّ (٣)، قَالَ: حُكِيَ لِي: أَنَّهُ كَانَ يَوْمًا فِي زِيَارَةِ قَبْرِ الإِمَامِ أَحْمَدَ - يَعْنِي الشَّيْخَ عَبْدَ المُغِيثِ - وَأَنَّ الخَلِيْفَةَ النَّاصِرَ، وَافَاهُ فِي ذلِكَ اليَوْمِ عِنْدَ قَبْرِ الإِمَامِ أَحْمَدَ، فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ عَبْدُ المُغِيْثِ الَّذِي صَنَّفَ مَنَاقِبَ يَزِيْدَ؟ فَقَالَ: مَعَاذَ اللهِ أَنْ أَقُولَ: إِنَّ لَهُ مَنَاقِبَ، وَلكِنْ مِنْ مَذْهَبِي: أَنَّ الَّذِي هُوَ خَلِيْفَةُ المُسْلِمِيْنَ إِذَا طَرَأَ عَلَيْهِ فِسْقٌ لَا يُوْجِبُ خَلْعَهُ. فَقَالَ: أَحْسَنْتَ يَا حَنْبَلِيُّ، وَاسْتَحْسَنَ مِنْهُ هَذَا الكَلَامَ، وَأَعْجَبَهُ غَايَةَ الإِعْجَابِ (٤). стр. 941
قَالَ ابْنُ الصَّيْرَفِيِّ: وَلَقَدْ حَكَى لِي شَيْخُنَا مُحِبُّ الدِّيْنِ أَبُو البَقَاءِ: أَنَّ الشَّيْخَ جَمَالَ الدِّيْنِ بْنِ الجَوْزِيِّ كَانَ يَقُوْلُ: إِنِّي لأَرْجُو مِنَ اللهِ سُبْحَانَهُ أَنْ أَجْتَمِعَ أَنَا وَعَبْدُ المُغِيْثِ فِي الجَنَّةِ، قَالَ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ الشَّيْخَ عَبْدَ المُغِيْثِ مِنْ عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِيْنَ، فَرَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمَا.
قُلْتُ: وَوَقَعَ أَيْضًا تَنَازُعٌ بَيْنَ عَبْدِ المُغِيْثِ، وَابْنِ الجَوْزِيِّ فِي صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ خلْفَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيْقِ ﵁. فَصَنَّفَ عَبْدُ المُغِيْثِ تَصْنِيْفَيْنِ فِي إِثْبَاتِ ذلِكَ، تَبَعًا لأَبِي عَلِيٍّ البَرَدَانِيِّ (١)، وَرَدَّ عَلَيْهِ ابْنِ الجَوْزِيِّ فِي كِتَابٍ سَمَّاهُ (٢): "آفَةُ أَصْحَابِ الحَدِيْثِ وَالرَّدِّ عَلَى عَبْدِ المُغِيْثِ". وَكَانَ عَبْدُ المُغِيْثِ قَدْ حَفَرَ لِنَفْسِهِ قَبْرًا خَلْفَ هَدَفِ الإِمَامِ أَحْمَدَ الَّذِي هُوَ مَدْفُوْنٌ فِيْهِ. فَقَالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: لا يَجُوْزُ ذلِكَ؛ لأَنَّهَا بُقْعَةٌ مُسَبَّلَةٌ، فَلَا يَجُوزُ تَحْجِيْرُهَا، وَلأَنَّ تِلْكَ البُقْعَةِ لَا تَخْلُو مِنْ دَفِيْنِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "كَسْرُ عَظْمِ المَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا" فَقَالَ عَبْدُ المُغِيْثِ: حَفَرْتُ فَلَمْ أَجِدْ عَظْمًا فَقَالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: تِلْكَ بَلِيَتْ، وَبَقِيَ رَضَاضُهَا المُحْتَرَم، وَلَا يَجُوْزُ نَبْشُهَا، قَالَ: وَلأَنَّكَ إِذَا وُضِعْتَ فِي هَذَا القَبْرِ تكُوْنُ رِجلَاكَ عِنْدَ رَأْسِ أَحْمَدَ؛ إِذْ لَيْسَ بَيْنَهُمَا إِلَّا الهَدفَ، وَهَذَا سُوْءُ أَدَبٍ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ المَرُّوْذِيَّ قَالَ: ادْفُنُونِي بَيْنَ يَدَيْهِ، كَمَا كُنْتُ أَجْلِسُ بَيْنَ يَدَيْهِ؟ قَالَ: فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى مَا قُلتُ، وَمَرَّ مَعَ هَوَاهُ.
قُلْتُ: إِذَا بَلِيَ المَيِّتُ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ عَظْمٌ وَلَا أَثَرٌ، فَظَاهِرُ المَذْهَبِ: стр. 942
جَوَازُ نَبْشِ قَبْرِهِ وَالدَّفْنِ فِيْهِ، خِلَافَ مَا قَالَهُ ابْنُ الجَوْزِيِّ.
وَصَنَّفَ عَبْدُ المُغِيْثِ: "الاِنْتِصَارُ لِمُسْنَدِ الإِمَامِ أَحْمَدَ" أَظُنُّهُ ذَكَرَ فِيْهِ: أَنَّ أَحَادِيْثُ "المُسْنَدِ" كُلَّهَا صَحِيْحَةٌ، وَقَدْ صَنَّفَ فِي ذَلِكَ قَبْلَهُ أَبُوْ مُوسَى (١). وَبِذلِكَ أَفْتَى أَبُو العَلَاءِ الهَمَذَانِيُّ، وَخَالَفَهُمْ الشَّيْخُ أَبُو الفَرَجِ بْنُ الجَوْزِيِّ. وَلِلْشَّيْخِ عَبْدِ المُغِيْثِ مُصَنَّفَ فِي حَيَاةِ الخَضِرِ فِي خَمْسَةِ أَجْزَاءٍ، وَلَهُ كِتَابُ "الدَّلِيْلُ الوَاضِحِ فِي النَّهْيِ عَنِ ارْتِكَابِ الهَوَى الفَاضِحِ" يَشْتَمِلُ عَلَى تَحْرِيْمِ الغِنَاءِ وآلَاتِ اللَّهْوِ، وَذَكَرَ فِيْهِ: تَحْرِيْمِ الدُّفِّ بِكُلِّ حَالٍ، فِي العُرْسِ وَغَيْرِهِ. وَأَجَابَ عنْ حَدِيْثِ (٢): "أَعْلِنُوا النِّكَاحَ وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفِّ" بِأَنَّ معْنَاهُ: أَعْلِنُوا إِعْلَانًا يَبْلُغُ مَا يَبْلُغُ صَوْتِ الدُّفِّ لَوْ ضُرِبَ بِهِ؛ لِتَمْحُوَ سُنَّةِ الجَاهِلِيَّةِ مِنْ نِكَاحِ البَغَايَا المُسْتَتَرِ بِهِ، وَأَجَابَ عَنْ حَدِيْثِ الجَارِيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ كَانَتَا تُغَنِّيَانِ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ، بِأَنَّهُمَا لَمْ يَكونَا مُكَلَّفَتَيْنِ لِصِغَرِهِمَا، قَالَ: وَقَدْ أَقَرَّ النَّبِيُّ ﷺ أَبَا بَكْرٍ عَلَى تَسْمِيَتِهِ "مِزْمَارِ (٣) الشَّيْطَانِ" وَرُبَّمَا أَشَارَ إِلَى أَنَّهُ مَنْسُوخٌ، وَهَذَا مَذْهَبٌ ضَعِيْفٌ. وَلِلْشَيْخِ عَبْدِ المُغِيْثِ قَصِيْدَةٌ فِي السُنَّةِ رَوَاهَا عَنْهُ стр. 943
ابْنُ الدُّبَيْثِيِّ، يَقُولُ فِيهَا (١):
أَفِقْ أَخَا اللُّبِّ مِنْ سُكْرِ الحَيَاةِ فَقَدْ … آنَ الرَّحِيْلُ وَدَاعِي المَوْتِ قَدْ حَضَرَا
هَلْ أَنْتَ إِلَّا كآحَادِ كَالَّذِيْنَ مَضَوا … بِحَسْرَةِ الفَوْتِ لَمَّا اسْتَيْقَنَ الخَبَرَا
وَأَنْتَ تَحْرِصُ فِيْمَا أَنْتَ تَارِكُهُ … إِنْ كُنْتَ تَعْقِلُ يَوْمًا حَقِّقِ النَّظَرَا
أَيَّامُ عُمْرِكَ كَنْزٌ لَا شَبِيْهَ لَهُ … وَأَنْتَ تَشْرِي بِه (٢) الحَصْبَاءَ وَالمَدَرَا
تُوُفيَ ﵀ لَيْلَةَ الأَحَدِ ثَالِثَ عَشَرَ مُحَرَّمٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَصَلَّى عَلَيْهِ الخَلْقُ الكَثِيْرُ، منَ الغَدِ بِـ "الحَرْبِيَّةِ" وَدُفِنَ بِـ "دَكَّةِ" قَبْرِ الإِمَامِ أَحْمَدَ مَعَ الشُّيُوْخِ الكِبَارِ، رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى. стр. 944
وَذَكَرَ ابْنُ النَّجَّارِ فِي تَرْجَمَةِ دَاوُدَ بنِ أَحْمَدَ الضَّرِيْرِ الظَّاهِرِيِّ (١): أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ يَعْقُوْبَ بنَ يُوسُفَ الحَرْبِيَّ (٢) يَقُوْلُ: رَأَيْتُ عَبْد المُغِيْثِ بْنَ زُهَيْرٍ الحَرْبِيَّ فِي المَنَامِ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَقُلتُ لَهُ: مَا فَعَلَ اللهُ بِك؟ فَقَالَ:
العِلْمُ يُحْيِي أُناسًا فِي قُبُورِهُمُ … وَالجَهْلُ يُلْحِقُ أَحْيَاءً بِأَمْوَاتِ
١٩١ - نَصْرُ بْنُ فِتْيَانَ (٣) بنِ مَطَرٍ النَّهْرَوَانِيُّ، ثُمَّ البَغْدَادِيُّ، أَبُو الفَتْحِ، стр. 945
الفَقِيْهُ، الزَّاهِدُ، المَعْرُوفُ بِـ "ابنِ المَنِّيِّ"، نَاصِحُ الإِسْلَامِ، وَأَحَدُ الأَعْلَامِ، وَفَقِيْهُ العِرَاقِ عَلَى الإِطْلَاقِ.
قَالَ ابْنُ القَطِيْعِيِّ: وَرَأَيْتُ فِي أَكْثَرِ مَسْمُوْعَاتِهِ: يُكْتَبُ لَهُ أَبُو الفَتْحِ عَبْدُ اللهِ بْنِ هِبَةِ اللهِ، المَعْرُوْفُ بِـ "فِتْيَانَ" بنِ مَطَرٍ. قَالَ: وَسَأَلْتُهُ عَنْ مَوْلِدِهِ؟ فَقَالَ: سَنَةَ إِحدَى وَخَمْسِمَائَةَ (١)، وَهَذَا أَصَحُّ مِمَّا قَالَهُ المُنْذِرِيُّ: أَنَّهُ وُلِدَ - ظَنًّا - قَبْلَ سَنَةِ خَمْسِمَائَةَ. وَسَمِعَ الحَدِيْثَ مِنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ الدَّنِفِ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ، وَمِنَ القَاضِيْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ البَاقِي، وَعَبْدِ الوَهَّابِ الأَنْمَاطِيِّ، وَأِبي الحَسَنِ بْنِ الزَّاغُونِيِّ (٢)، وَأَبِي مَنْصُوْرٍ القَزَّازِ، وَأَبِي القَاسِمِ بْنِ الحُصَيْنِ، وَأَبِي نَصْرٍ اليُونَارْتِيِّ، وَأَبِي غَالِبِ بْنِ البَنَّاءِ، وَأَبِي عَبْدِ اللهِ البَارِعِ، وَالحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ الخَلَّالِ، وَالأَرْمَوِيِّ، وَابْنِ نَاصِرٍ، وَأَبِي الوَقْتِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَتَفَقَّهَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الدِّيْنَوَرِيِّ، وَلَازَمَهُ حَتَّى بَرَعَ فِي الفِقْهِ، وَتَقَدَّمَ стр. 946
عَلَى أَصْحَابِهِ، وَأَعَادَ لَهُ الدَّرْسَ، وصَرَفَ هِمَّتَهُ طُوْلَ عُمُرِهِ إِلَى الفِقْهِ، أُصُوْلًا وَفُرُوْعًا، مَذْهَبًا وَخِلَافًا، وَاشْتِغَالًا وإِشْغَالًا، وَمُنَاظَرَةَ، وَتَصَدَّرَ لِلتَّدْرِيسِ وَالاِشْتِغَالِ وَالإِفَادَةِ، وَطَالَ عُمُرُهُ، وَبَعُدَ صِيْتُهُ، وَقَصَدَهُ الطَّلَبَةُ مِنَ البِلَادِ، وَشُدَّتْ إِلَيْهِ الرِّحَالُ فِي طَلَبِ الفِقْهِ، وَتَخَرَّجَ بِه أَئِمَّةٌ كَثِيْرُوْنَ.
قَرَأْتُ بِخَطِّ الإِمَامِ نَاصِحِ الدِّيْنِ بنِ الحَنْبَلِيِّ وَقَدْ ذَكَرَ شَيْخُهُ بْنَ المَنِّيِّ، فَقَالَ: رَحَلْتُ إِلَيْهِ فَوَجَدْتُ مَسْجِدَهُ بِالفُقَهَاءِ وَالقُرَّاءِ مَعْمُوْرًا، وَكُلُّ فَقِيْهِ عنْدَهُ مِنْ فَضْلِهِ وَإِفْضَالِهِ مَغْمُوْرًا، فَأَنَخْتُ رَاحِلَتِي بِرَبْعِهِ، وَحَطَطْتُ زَامِلَةَ بُغْيَتِي عَلى شَرْعِهِ، فَوَجَدْتُ الفَضْلَ الغَزِيْرَ، وَالدِّيْنَ القَوِيْمَ المُنِيْرَ، وَالفَخْرَ المُسْتَطِيْلَ المُسْتَطِيرَ، وَالعَالِمَ الخَبِيْرَ، فتَلَقَّانِيْ بِصَدْرٍ بِالأَنْوَارِ قَدْ شُرِحْ، وَمَنْطِقٍ بِالأَذْكَارِ قَدْ ذُكِرَ وَمُدِحْ، وَبِبَابٍ إِلَى كُلِّ بَابٍ مِنَ الخَيْراتِ قَدْ شُرِعَ وَفُتِحْ، فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ، حَفِظَ القُرْآنَ العَظِيْمَ وَهُوَ فِي حَدَاثَةٍ مِنْ سِنِّهِ، وَلَاحَتْ عَلَيْهِ أَعْلامُ المَشْيَخَةِ، فَرَجَحَ مَنُهْ، عَلَى كُلِّ فَنٍّ بِفَضْلِ اللهِ وَمَنِّهِ.
قَالَ لِيَ المُهَذَّبُ بْنُ قَيْدَاسٍ (١): كُنَّا نُسَمِّي شَيْخَكَ شَيْخُ صِبَى - يَعْنِي فِي صِبَاهُ - لِعَقْلِهِ وَوَقَارِهِ، وَتَرْكِهِ اللَّعِبَ. ثُمَّ قَالَ: لَمْ يَنْقُلْ عنْهُ أَنَّهُ لَعِبَ وَلَا لَهَا، وَلَا طَرَقَ بَابِ طَرْبِ، وَلَا مَشَى إِلَى لَذَّةٍ وَمُشْتَهَى.
حَدَّثَنِي شَيْخُنَا الإِمَامُ نَاصِحُ الإِسْلَامِ بنُ المَنِّيِّ قَالَ: حَصَلَ لِيْ مِنْ مِيْرَاثِ وَالِدِيْ عِشْرُوْنَ دِيْنَارًا، فَاشْتَرَيْتُ بِهَا شَيْئًا وَبِعْتُهُ فَأَرْبَحْتُ، فَخِفْتُ أَنْ стр. 947
تَحْلُو لِيَ التِّجَارَةُ فأَشْتَغِلَ بِهَا، فَنَوَيْتُ الحَجَّ فَحَجَجْتُ، وَتَجَرَّدْتُ لِلْعِلْمِ، فَسَمِعْتُ دَرْسَ الشَّيْخِ أَبِي بَكْرٍ الدِّيْنَوَرِيِّ صَاحِبِ الشَّيْخِ أَبِي الخَطَّابِ الكَلْوَاذَانِيِّ (١). قَالَ: فتفَقَّهَ بِه، وَمَالَ الفُقَهَاءُ مِنْ أَصْحَابِ شَيْخِهِ إِلى الاِشْتِغَالِ عَلَيْهِ، وَدَرَّسَ بَعْدَ مَوْتِ شَيْخِهِ. قَالَ لِي: تَقَدَّمْتُ فِي زَمَنِ أَقْوَامٍ مَا كُنْتُ أَصْلُحُ أَنْ أُقَدِّمَ مَدَاسَهُمْ، وَقَالَ لِي: ﵀: مَا أَذْكُرُ أَحَدًا قَرَأَ عَلَيَّ القُرْآن إِلَّا حَفِظَهُ، وَلا سَمِعَ دَرْسِيَ الفِقْهَ إِلَّا انْتَفَعَ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَظِّي مِنَ الدُّنْيَا.
قَالَ ابْنُ الحَنْبَلِيِّ: أَفْتَى وَدَرَّسَ نَحْوًا (٢) مِنْ سَبْعِينَ سَنَةً، مَا تزَوَّجَ وَلَا تَسَرَّى، وَلَا رَكِبَ بَغْلَة وَلَا فَرَسًا، وَلَا مَلَكَ مَمْلُوْكًا، وَلَا لَبِسَ الثِّيَابَ الفَاخِرِ إِلَّا لِبَاسَ التَّقْوَى، وَكَانَ أَكْثَرَ طَعَامِهِ يُشَرَّبُ لَهُ فِي قَدَحٍ مَاءَ البَاقِلَّاء، وَكَانَ إِذَا فُتِحَ علَيْهِ بِشَيءٍ فَرَّقَهُ بَيْنَ أَصْحَابِهِ. وَكَانَ لا يَتَكَلَّمُ فِي الأُصُوْلِ، وَيَكْرَهُ مَنْ يُتَكَلَّمَ فِيْهِ، سَلِيْمَ الاعْتِقَادِ، صَحِيْحَ الاِنْتِقَادِ فِي الأَدِلَّةِ الفَرُوْعِيَّةِ، وَكُنَّا نَزُوْرُ مَعَهُ فِي بَعضِ السِّنِيْنَ قَبْرَ الإِمَامِ أَحْمَدَ. وَسَمِعْتُ الشَّيْخَ الإِمَامَ جَمَالَ الدِّيْنِ بْنَ الجَوْزِيِّ وَقَدْ رَآهُ يَقُوْلُ لَهُ: أَنْتَ شَيْخُنَا. وَأَضَرَّ بَعْدَ الأَرْبَعِينَ سَنَة، وَثَقُلَ سَمْعُهُ. وَكَانَتْ (٣) "تَعْلِيْقَةُ الخِلَافِ" عَلَى ذِهْنِهِ، وَفُقهَاءُ الحَنَابِلَةِ اليَوْمَ فِي سَائِرِ البِلَادِ يَرْجِعُوْنَ إِلَيْهِ، وَإِلَى أَصْحَابِهِ.
قُلْتُ: وَإِلَى هَذَا الأَمْرُ عَلَى ذلِكَ، فَإِنَّ أَهْلَ زَمَانِنَا إِنَّمَا يَرْجِعُونَ فِي стр. 948
الفِقْهِ مِنْ جِهَةِ الشُيُوْخِ وَالكُتُبِ إِلَى الشَّيْخَيْنِ: مُوَفَّقِ الدِّيْنِ المَقْدِسِيِّ، وَمَجْدِ الدِّيْنِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ الحَرَّانِيِّ.
فَأَمَّا الشَّيْخُ مُوَفَّق الدِّيْنِ: فَهُوَ تِلْمِيذُ ابْنِ المَنِّيِّ، وَعَنْهُ أَخَذَ الفِقْهَ.
وَأَمَّا ابْنُ تَيْمِيَّةَ: فَهُوَ تِلْمِيذُ تِلْمِيْذِهِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بنِ الحَلَّاوِيِّ. وَقَدْ جَمَعَ بَعْضُ فُضَلَاءِ أَصْحَابِهِ لَهُ "سِيْرَةٌ" طَوِيْلَةٌ، وَهُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عِيْسَى البُزُوْرِيُّ الوَاعِظُ (١) وَقَفْتُ عَلَى بَعْضِهَا مِمَّا ذَكَرَهُ فِيْهَا. قَالَ: وَكَانَ ﵀ كَثِيْرَ الذِّكْرِ وَالتِّلَاوَةِ لِلْقُرْآنِ لَا سِيَّمَا فِي اللَّيْلِ، مُكْرِمًا للصَّالِحِيْنَ، مُحِبًّا لَهُمْ، لَيْسَ فِيْهِ تِيْهُ الفُقَهَاءِ، وَلَا عُجْبُ العُلَمَاءِ. إِنْ مَرِضَ أَحَدٌ مِنْ تَلَامِذَتِهِ، وَمَعَارِفِهِ عَادَهُ، أَوْ كَانَتْ لَهُمْ جَنَازَةٌ شَيَّعَهَا مَاشِيًا غَيْرَ رَاكِبٍ، عَلَى كِبَرِ السِّنِّ، وَضَعْفِ البِنْيَةِ، زَاهِدًا فِي الدُّنْيَا، يَقْنَعُ مِنْهَا بِالبُلغَةِ، وَإِذَا جَاءَهُ فُتُوْحٌ أَوْ جَائِزَةٌ مِنْ بَيْتِ المَالِ وَزَّعَهَا بَيْنَ أَصْحَابِهِ، وَإِنْ نَالَهُ مِنْهَا شَيءٌ أَعَادَهُ عَلَيْهِمْ فِي غُضُوْنِ الأَيَّامِ، قَالَ: وَلَقَدْ (ثَنِي) مَنْ أَثِقُ بِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ جَاءَتْهُ صِلَةٌ مِنْ بَعْضِ الصُّدُوْرِ نَحْوَ أَرْبَعِيْنَ دِيْنَارًا فَفَرَّقَهَا (٢) فِي يَوْمِهِ بَيْنَ أَهْلِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَمَا أَخَذَ مِنْهَا شَيْئًا، فَلَمَّا كَانَ آخِرُ النَّهَارِ قَالَ لِي: يَا فُلَانُ، لَوْ كُنَّا عَزَلْنَا مِنْ ذلِكَ الذَّهَبِ قِيْرَاطَيْنِ لِلْحَمَّامِ؟ وَكَانَ قُوْتُهُ كُلَّ يَوْمٍ قُرْصَيْنِ، وَرُبَّمَا لَمْ يَفُتُّهُمَا (٣)، وَقَالَ لِي بَعْضُ أَصْحَابِهِ: إِنَّهُ يَسْتَفْضِلُ стр. 949
مِنْهُمَا بَعْضَ الأَيَّامِ مَا يَدْفَعُهُ إِلَى السَّقَّا، وَكَانَ مُعْظَمُ إِدَامِهِ أَنْ يُشْتَرَى لَهُ بِرَغِيْفٍ مَاءُ البَاقِلَّا، وَمَا رَأَيْتُهُ جَعَلَ عَلَيْهِ دُهْنًا قَطُّ، رَاضِيًا بِذلِكَ مَعَ قُدْرَتِهِ. وَكَانَ يَخْدِمُ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ، لَا يُثقِلُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَلَا يُكَلِّفُهُمْ شَيْئًا. اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى يَدِ أَحَدِهِمْ فِي الطَّرِيْقِ، وَلَقَدْ كُنَّا عنْدَهُ يَوْمًا جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِهِ، فَأُوْذِنَ بِالصَّلَاةِ، فَنَهَضَ بِنَفْسِهِ فَاسْتَقَى المَاءَ لِلْتَّطْهِيْرِ، وَمَا تَرَكَ أَحَدًا مِنَّا يَنُوْبُهُ فِي ذلِكَ، وَلَقَدْ قَدَّمْتُ لَهُ نَعْلَهُ يَوْمًا فَشَقَّ عَلَيْهِ وَجَعَلَ يَقُوْلُ: أَيْشٍ هَذَا؟ أَيْشٍ هَذَا؟ مِثْلُكَ لَا نُسَامِحُهُ فِي هَذَا.
وَسُئِلَ عنْهُ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّيْنِ المَقْدِسِيُّ فَقَالَ: شَيْخُنَا أَبُو الفَتْحِ كَانَ رَجُلًا صَالِحًا، حَسَنَ النِّيَّةِ وَالتَّعْلِيْمِ، وَكَانَتْ لَهُ بَرَكَةٌ فِي التَّعْلِيْمِ، قَلَّ مَنْ قَرَأَ عَلَيْهِ إِلَّا انْتَفَعَ، وَخَرَجَ مِنْ أَصْحَابِهِ فُقهَاءٌ كَثِيْرُونَ، مِنْهُمْ مَنْ سَادَ، وَكَانَ يَقْنَعُ بِالقَلِيْلِ، وَرُبَّمَا يكْتَفِي بِبَعْضِ قُرْصِهِ، وَلَمْ يتزَوَّجْ، وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ القُرآنَ، وَكَانَ يُحِبُّنَا وَيَجْبُرُ قُلُوْبَنَا، وَيَظْهَرُ مِنهُ البِشْرَ إِذَا سَمِعَ كَلامَنَا فِي المَسَائِلِ، وَلَمَّا انْقَطَعَ الحَافِظُ عَبْدُ الغَنِيِّ عَنِ الدَّرْسِ؛ لاِشْتِغَالِهِ بِالحَدِيْثِ، جَاءَ إِلَيْنَا، وَظَنَّ أَنَّ الحَافِظَ انْقَطَعَ لِضِيْقِ صَدْرِهِ.
وَذَكَرَ ابْنُ الجَوْزِيِّ فِي "المُنْتَظَمِ": أَنَّ المُسْتَضِيءَ فِي أَوَّلِ خِلَافَتِهِ جَعَلَ لِلْشَّيْخِ أَبِي الفَتْحِ حَلْقَةً بِالجَامِعِ، ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ أَمَرَ بِبِنَاءِ دَكَّةٍ لَهُ فِي جَامِعِ القَصْرِ، وَجَلَسَ فِيْهَا لِلْمُنَاظَرَةِ سَنَة أَرْبَع وَسَبْعِيْنَ، وَلَهُ "تَعْلِيْقَةٌ" فِي الخِلَافِ كَبِيْرةٌ مَعْرُوفَةٌ. وَقَرَأَ عَلَيْهِ الفِقْهَ خَلْقٌ كَثِيْرٌ، قَدْ ذَكَرَ أَعْيَانَهُمْ ابْنُ
стр. 950
البُزُوْرِيِّ فِي "سِيْرَتِهِ" عَلَى حُرُوْفِ المُعْجَمِ.
فَمِنْ أَكَابِرِهِمْ وَأَعْلامِهمْ مِنَ الشَّامِيِيْنَ: الشَّيخُ مُوَفَّقُ الدِّيْنِ المَقْدِسِيُّ، وَرَحَل إِلَيْهِ إِلَى "بَغْدَادَ" وَالحَافِظُ عَبْدُ الغَنِيِّ، وَأَخُوْهُ الشَّيْخُ العِمَادُ، وَالبَهَاءُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَالشِّهَابُ بْنُ رَاجِحٍ، وَنَاصِحُ الدِّيْنِ بْنُ الحَنْبَلِيِّ.
وَمِنْ أَكَابِرِ البَغْدَادِيِّيْنَ: أَبُو بَكْرِ بْنُ الحَلَّاوِيِّ، وَالفَخْرُ إِسْمَاعِيْلُ (١)، وَقَاضِيْ القُضَاةِ أَبُو صَالِحٍ نَصْرُ بنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ المُنْعِمِ بْنُ أَبِي نَصْرٍ البَاجِسْرَائِيُّ، وَابْنُ أَخِيْهِ أَبُوَ عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ مُقْبِلِ بْنِ المَنِّيِّ.
وَمِنَ الحَرَّانِيِّيْنَ: الشَّيْخُ فَخْرُ الدِّيْنِ بْنُ تَيْمِيَّةَ، والمُوَفَّقُ بنُ صُدَيْقٍ، وَنَجْمُ الدِّيْنِ بْنُ الصَّيْقَلِ، وَمِمنْ قَرَأَ عَلَيْهِ السَّيْفُ الآمِدِيُّ الأُصُوْلِيُّ، ثُمَّ تَحَوَّلَ شَافِعِيًّا، وَحَدَّثَ، وَسَمِعَ مِنْهُ جَمَاعَةٌ، وَرَوَى عَنْهُ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّيْنِ، وَبَهَاءُ الدِّيْنِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ المَقْدِسِيَّانِ، وَابْنُ القَطِيْعِيِّ فِي "تَارِيخِهِ".
قَالَ جَامِعُ "سِيْرَتِهِ" دَخَلْتُ عَلَيْهِ يَوْمَ الأَحَدِ خَامِسَ رَبِيْعٍ الآخِرِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِيْنَ، فَقَال لِي: رَأَيْتُ فِي المَنَامِ مِنْذُ أَيَّامٍ كَأَنَّ حَلْقَةً كَبِيْرَةً فِي وَسَطِ الرَّحْبَةِ، وَفِيْهَا أَوْلَادُ المُحْتَشِمِيْنَ، وَكَانَ فِي وَسَطِهَا رَجُلٌ يَقُوْلُ:
وَاعْلَمُوا أَنَّ النَّوَى قَدْ كَدَّرَتْ … صَفْوَ اللَّيَالِي فَاحْذَرُوا أَنْ تَنْدَمُوا
قَالَ: فَالْتَفَتُّ إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّيْخِ، وَقُلْتُ لَهُ: هَذَا المَنَامُ كَأَنَّهُ يَنْعَى إِلَى الشَّيخِ نَفْسَهُ، فَعَاشَ الشَّيخُ بَعْدَ ذلِكَ تَمَامَ ثَلَاثَةِ أَوْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ كَمَا هُوَ следующие страницы →