Полный текст (2 431 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
عَلَى أَصْحَابِهِ، وَأَعَادَ لَهُ الدَّرْسَ، وصَرَفَ هِمَّتَهُ طُوْلَ عُمُرِهِ إِلَى الفِقْهِ، أُصُوْلًا وَفُرُوْعًا، مَذْهَبًا وَخِلَافًا، وَاشْتِغَالًا وإِشْغَالًا، وَمُنَاظَرَةَ، وَتَصَدَّرَ لِلتَّدْرِيسِ وَالاِشْتِغَالِ وَالإِفَادَةِ، وَطَالَ عُمُرُهُ، وَبَعُدَ صِيْتُهُ، وَقَصَدَهُ الطَّلَبَةُ مِنَ البِلَادِ، وَشُدَّتْ إِلَيْهِ الرِّحَالُ فِي طَلَبِ الفِقْهِ، وَتَخَرَّجَ بِه أَئِمَّةٌ كَثِيْرُوْنَ.
قَرَأْتُ بِخَطِّ الإِمَامِ نَاصِحِ الدِّيْنِ بنِ الحَنْبَلِيِّ وَقَدْ ذَكَرَ شَيْخُهُ بْنَ المَنِّيِّ، فَقَالَ: رَحَلْتُ إِلَيْهِ فَوَجَدْتُ مَسْجِدَهُ بِالفُقَهَاءِ وَالقُرَّاءِ مَعْمُوْرًا، وَكُلُّ فَقِيْهِ عنْدَهُ مِنْ فَضْلِهِ وَإِفْضَالِهِ مَغْمُوْرًا، فَأَنَخْتُ رَاحِلَتِي بِرَبْعِهِ، وَحَطَطْتُ زَامِلَةَ بُغْيَتِي عَلى شَرْعِهِ، فَوَجَدْتُ الفَضْلَ الغَزِيْرَ، وَالدِّيْنَ القَوِيْمَ المُنِيْرَ، وَالفَخْرَ المُسْتَطِيْلَ المُسْتَطِيرَ، وَالعَالِمَ الخَبِيْرَ، فتَلَقَّانِيْ بِصَدْرٍ بِالأَنْوَارِ قَدْ شُرِحْ، وَمَنْطِقٍ بِالأَذْكَارِ قَدْ ذُكِرَ وَمُدِحْ، وَبِبَابٍ إِلَى كُلِّ بَابٍ مِنَ الخَيْراتِ قَدْ شُرِعَ وَفُتِحْ، فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ، حَفِظَ القُرْآنَ العَظِيْمَ وَهُوَ فِي حَدَاثَةٍ مِنْ سِنِّهِ، وَلَاحَتْ عَلَيْهِ أَعْلامُ المَشْيَخَةِ، فَرَجَحَ مَنُهْ، عَلَى كُلِّ فَنٍّ بِفَضْلِ اللهِ وَمَنِّهِ.
قَالَ لِيَ المُهَذَّبُ بْنُ قَيْدَاسٍ (١): كُنَّا نُسَمِّي شَيْخَكَ شَيْخُ صِبَى - يَعْنِي فِي صِبَاهُ - لِعَقْلِهِ وَوَقَارِهِ، وَتَرْكِهِ اللَّعِبَ. ثُمَّ قَالَ: لَمْ يَنْقُلْ عنْهُ أَنَّهُ لَعِبَ وَلَا لَهَا، وَلَا طَرَقَ بَابِ طَرْبِ، وَلَا مَشَى إِلَى لَذَّةٍ وَمُشْتَهَى.
حَدَّثَنِي شَيْخُنَا الإِمَامُ نَاصِحُ الإِسْلَامِ بنُ المَنِّيِّ قَالَ: حَصَلَ لِيْ مِنْ مِيْرَاثِ وَالِدِيْ عِشْرُوْنَ دِيْنَارًا، فَاشْتَرَيْتُ بِهَا شَيْئًا وَبِعْتُهُ فَأَرْبَحْتُ، فَخِفْتُ أَنْ стр. 947
تَحْلُو لِيَ التِّجَارَةُ فأَشْتَغِلَ بِهَا، فَنَوَيْتُ الحَجَّ فَحَجَجْتُ، وَتَجَرَّدْتُ لِلْعِلْمِ، فَسَمِعْتُ دَرْسَ الشَّيْخِ أَبِي بَكْرٍ الدِّيْنَوَرِيِّ صَاحِبِ الشَّيْخِ أَبِي الخَطَّابِ الكَلْوَاذَانِيِّ (١). قَالَ: فتفَقَّهَ بِه، وَمَالَ الفُقَهَاءُ مِنْ أَصْحَابِ شَيْخِهِ إِلى الاِشْتِغَالِ عَلَيْهِ، وَدَرَّسَ بَعْدَ مَوْتِ شَيْخِهِ. قَالَ لِي: تَقَدَّمْتُ فِي زَمَنِ أَقْوَامٍ مَا كُنْتُ أَصْلُحُ أَنْ أُقَدِّمَ مَدَاسَهُمْ، وَقَالَ لِي: ﵀: مَا أَذْكُرُ أَحَدًا قَرَأَ عَلَيَّ القُرْآن إِلَّا حَفِظَهُ، وَلا سَمِعَ دَرْسِيَ الفِقْهَ إِلَّا انْتَفَعَ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَظِّي مِنَ الدُّنْيَا.
قَالَ ابْنُ الحَنْبَلِيِّ: أَفْتَى وَدَرَّسَ نَحْوًا (٢) مِنْ سَبْعِينَ سَنَةً، مَا تزَوَّجَ وَلَا تَسَرَّى، وَلَا رَكِبَ بَغْلَة وَلَا فَرَسًا، وَلَا مَلَكَ مَمْلُوْكًا، وَلَا لَبِسَ الثِّيَابَ الفَاخِرِ إِلَّا لِبَاسَ التَّقْوَى، وَكَانَ أَكْثَرَ طَعَامِهِ يُشَرَّبُ لَهُ فِي قَدَحٍ مَاءَ البَاقِلَّاء، وَكَانَ إِذَا فُتِحَ علَيْهِ بِشَيءٍ فَرَّقَهُ بَيْنَ أَصْحَابِهِ. وَكَانَ لا يَتَكَلَّمُ فِي الأُصُوْلِ، وَيَكْرَهُ مَنْ يُتَكَلَّمَ فِيْهِ، سَلِيْمَ الاعْتِقَادِ، صَحِيْحَ الاِنْتِقَادِ فِي الأَدِلَّةِ الفَرُوْعِيَّةِ، وَكُنَّا نَزُوْرُ مَعَهُ فِي بَعضِ السِّنِيْنَ قَبْرَ الإِمَامِ أَحْمَدَ. وَسَمِعْتُ الشَّيْخَ الإِمَامَ جَمَالَ الدِّيْنِ بْنَ الجَوْزِيِّ وَقَدْ رَآهُ يَقُوْلُ لَهُ: أَنْتَ شَيْخُنَا. وَأَضَرَّ بَعْدَ الأَرْبَعِينَ سَنَة، وَثَقُلَ سَمْعُهُ. وَكَانَتْ (٣) "تَعْلِيْقَةُ الخِلَافِ" عَلَى ذِهْنِهِ، وَفُقهَاءُ الحَنَابِلَةِ اليَوْمَ فِي سَائِرِ البِلَادِ يَرْجِعُوْنَ إِلَيْهِ، وَإِلَى أَصْحَابِهِ.
قُلْتُ: وَإِلَى هَذَا الأَمْرُ عَلَى ذلِكَ، فَإِنَّ أَهْلَ زَمَانِنَا إِنَّمَا يَرْجِعُونَ فِي стр. 948
الفِقْهِ مِنْ جِهَةِ الشُيُوْخِ وَالكُتُبِ إِلَى الشَّيْخَيْنِ: مُوَفَّقِ الدِّيْنِ المَقْدِسِيِّ، وَمَجْدِ الدِّيْنِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ الحَرَّانِيِّ.
فَأَمَّا الشَّيْخُ مُوَفَّق الدِّيْنِ: فَهُوَ تِلْمِيذُ ابْنِ المَنِّيِّ، وَعَنْهُ أَخَذَ الفِقْهَ.
وَأَمَّا ابْنُ تَيْمِيَّةَ: فَهُوَ تِلْمِيذُ تِلْمِيْذِهِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بنِ الحَلَّاوِيِّ. وَقَدْ جَمَعَ بَعْضُ فُضَلَاءِ أَصْحَابِهِ لَهُ "سِيْرَةٌ" طَوِيْلَةٌ، وَهُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عِيْسَى البُزُوْرِيُّ الوَاعِظُ (١) وَقَفْتُ عَلَى بَعْضِهَا مِمَّا ذَكَرَهُ فِيْهَا. قَالَ: وَكَانَ ﵀ كَثِيْرَ الذِّكْرِ وَالتِّلَاوَةِ لِلْقُرْآنِ لَا سِيَّمَا فِي اللَّيْلِ، مُكْرِمًا للصَّالِحِيْنَ، مُحِبًّا لَهُمْ، لَيْسَ فِيْهِ تِيْهُ الفُقَهَاءِ، وَلَا عُجْبُ العُلَمَاءِ. إِنْ مَرِضَ أَحَدٌ مِنْ تَلَامِذَتِهِ، وَمَعَارِفِهِ عَادَهُ، أَوْ كَانَتْ لَهُمْ جَنَازَةٌ شَيَّعَهَا مَاشِيًا غَيْرَ رَاكِبٍ، عَلَى كِبَرِ السِّنِّ، وَضَعْفِ البِنْيَةِ، زَاهِدًا فِي الدُّنْيَا، يَقْنَعُ مِنْهَا بِالبُلغَةِ، وَإِذَا جَاءَهُ فُتُوْحٌ أَوْ جَائِزَةٌ مِنْ بَيْتِ المَالِ وَزَّعَهَا بَيْنَ أَصْحَابِهِ، وَإِنْ نَالَهُ مِنْهَا شَيءٌ أَعَادَهُ عَلَيْهِمْ فِي غُضُوْنِ الأَيَّامِ، قَالَ: وَلَقَدْ (ثَنِي) مَنْ أَثِقُ بِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ جَاءَتْهُ صِلَةٌ مِنْ بَعْضِ الصُّدُوْرِ نَحْوَ أَرْبَعِيْنَ دِيْنَارًا فَفَرَّقَهَا (٢) فِي يَوْمِهِ بَيْنَ أَهْلِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَمَا أَخَذَ مِنْهَا شَيْئًا، فَلَمَّا كَانَ آخِرُ النَّهَارِ قَالَ لِي: يَا فُلَانُ، لَوْ كُنَّا عَزَلْنَا مِنْ ذلِكَ الذَّهَبِ قِيْرَاطَيْنِ لِلْحَمَّامِ؟ وَكَانَ قُوْتُهُ كُلَّ يَوْمٍ قُرْصَيْنِ، وَرُبَّمَا لَمْ يَفُتُّهُمَا (٣)، وَقَالَ لِي بَعْضُ أَصْحَابِهِ: إِنَّهُ يَسْتَفْضِلُ стр. 949
مِنْهُمَا بَعْضَ الأَيَّامِ مَا يَدْفَعُهُ إِلَى السَّقَّا، وَكَانَ مُعْظَمُ إِدَامِهِ أَنْ يُشْتَرَى لَهُ بِرَغِيْفٍ مَاءُ البَاقِلَّا، وَمَا رَأَيْتُهُ جَعَلَ عَلَيْهِ دُهْنًا قَطُّ، رَاضِيًا بِذلِكَ مَعَ قُدْرَتِهِ. وَكَانَ يَخْدِمُ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ، لَا يُثقِلُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَلَا يُكَلِّفُهُمْ شَيْئًا. اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى يَدِ أَحَدِهِمْ فِي الطَّرِيْقِ، وَلَقَدْ كُنَّا عنْدَهُ يَوْمًا جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِهِ، فَأُوْذِنَ بِالصَّلَاةِ، فَنَهَضَ بِنَفْسِهِ فَاسْتَقَى المَاءَ لِلْتَّطْهِيْرِ، وَمَا تَرَكَ أَحَدًا مِنَّا يَنُوْبُهُ فِي ذلِكَ، وَلَقَدْ قَدَّمْتُ لَهُ نَعْلَهُ يَوْمًا فَشَقَّ عَلَيْهِ وَجَعَلَ يَقُوْلُ: أَيْشٍ هَذَا؟ أَيْشٍ هَذَا؟ مِثْلُكَ لَا نُسَامِحُهُ فِي هَذَا.
وَسُئِلَ عنْهُ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّيْنِ المَقْدِسِيُّ فَقَالَ: شَيْخُنَا أَبُو الفَتْحِ كَانَ رَجُلًا صَالِحًا، حَسَنَ النِّيَّةِ وَالتَّعْلِيْمِ، وَكَانَتْ لَهُ بَرَكَةٌ فِي التَّعْلِيْمِ، قَلَّ مَنْ قَرَأَ عَلَيْهِ إِلَّا انْتَفَعَ، وَخَرَجَ مِنْ أَصْحَابِهِ فُقهَاءٌ كَثِيْرُونَ، مِنْهُمْ مَنْ سَادَ، وَكَانَ يَقْنَعُ بِالقَلِيْلِ، وَرُبَّمَا يكْتَفِي بِبَعْضِ قُرْصِهِ، وَلَمْ يتزَوَّجْ، وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ القُرآنَ، وَكَانَ يُحِبُّنَا وَيَجْبُرُ قُلُوْبَنَا، وَيَظْهَرُ مِنهُ البِشْرَ إِذَا سَمِعَ كَلامَنَا فِي المَسَائِلِ، وَلَمَّا انْقَطَعَ الحَافِظُ عَبْدُ الغَنِيِّ عَنِ الدَّرْسِ؛ لاِشْتِغَالِهِ بِالحَدِيْثِ، جَاءَ إِلَيْنَا، وَظَنَّ أَنَّ الحَافِظَ انْقَطَعَ لِضِيْقِ صَدْرِهِ.
وَذَكَرَ ابْنُ الجَوْزِيِّ فِي "المُنْتَظَمِ": أَنَّ المُسْتَضِيءَ فِي أَوَّلِ خِلَافَتِهِ جَعَلَ لِلْشَّيْخِ أَبِي الفَتْحِ حَلْقَةً بِالجَامِعِ، ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ أَمَرَ بِبِنَاءِ دَكَّةٍ لَهُ فِي جَامِعِ القَصْرِ، وَجَلَسَ فِيْهَا لِلْمُنَاظَرَةِ سَنَة أَرْبَع وَسَبْعِيْنَ، وَلَهُ "تَعْلِيْقَةٌ" فِي الخِلَافِ كَبِيْرةٌ مَعْرُوفَةٌ. وَقَرَأَ عَلَيْهِ الفِقْهَ خَلْقٌ كَثِيْرٌ، قَدْ ذَكَرَ أَعْيَانَهُمْ ابْنُ
стр. 950
البُزُوْرِيِّ فِي "سِيْرَتِهِ" عَلَى حُرُوْفِ المُعْجَمِ.
فَمِنْ أَكَابِرِهِمْ وَأَعْلامِهمْ مِنَ الشَّامِيِيْنَ: الشَّيخُ مُوَفَّقُ الدِّيْنِ المَقْدِسِيُّ، وَرَحَل إِلَيْهِ إِلَى "بَغْدَادَ" وَالحَافِظُ عَبْدُ الغَنِيِّ، وَأَخُوْهُ الشَّيْخُ العِمَادُ، وَالبَهَاءُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَالشِّهَابُ بْنُ رَاجِحٍ، وَنَاصِحُ الدِّيْنِ بْنُ الحَنْبَلِيِّ.
وَمِنْ أَكَابِرِ البَغْدَادِيِّيْنَ: أَبُو بَكْرِ بْنُ الحَلَّاوِيِّ، وَالفَخْرُ إِسْمَاعِيْلُ (١)، وَقَاضِيْ القُضَاةِ أَبُو صَالِحٍ نَصْرُ بنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ المُنْعِمِ بْنُ أَبِي نَصْرٍ البَاجِسْرَائِيُّ، وَابْنُ أَخِيْهِ أَبُوَ عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ مُقْبِلِ بْنِ المَنِّيِّ.
وَمِنَ الحَرَّانِيِّيْنَ: الشَّيْخُ فَخْرُ الدِّيْنِ بْنُ تَيْمِيَّةَ، والمُوَفَّقُ بنُ صُدَيْقٍ، وَنَجْمُ الدِّيْنِ بْنُ الصَّيْقَلِ، وَمِمنْ قَرَأَ عَلَيْهِ السَّيْفُ الآمِدِيُّ الأُصُوْلِيُّ، ثُمَّ تَحَوَّلَ شَافِعِيًّا، وَحَدَّثَ، وَسَمِعَ مِنْهُ جَمَاعَةٌ، وَرَوَى عَنْهُ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّيْنِ، وَبَهَاءُ الدِّيْنِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ المَقْدِسِيَّانِ، وَابْنُ القَطِيْعِيِّ فِي "تَارِيخِهِ".
قَالَ جَامِعُ "سِيْرَتِهِ" دَخَلْتُ عَلَيْهِ يَوْمَ الأَحَدِ خَامِسَ رَبِيْعٍ الآخِرِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِيْنَ، فَقَال لِي: رَأَيْتُ فِي المَنَامِ مِنْذُ أَيَّامٍ كَأَنَّ حَلْقَةً كَبِيْرَةً فِي وَسَطِ الرَّحْبَةِ، وَفِيْهَا أَوْلَادُ المُحْتَشِمِيْنَ، وَكَانَ فِي وَسَطِهَا رَجُلٌ يَقُوْلُ:
وَاعْلَمُوا أَنَّ النَّوَى قَدْ كَدَّرَتْ … صَفْوَ اللَّيَالِي فَاحْذَرُوا أَنْ تَنْدَمُوا
قَالَ: فَالْتَفَتُّ إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّيْخِ، وَقُلْتُ لَهُ: هَذَا المَنَامُ كَأَنَّهُ يَنْعَى إِلَى الشَّيخِ نَفْسَهُ، فَعَاشَ الشَّيخُ بَعْدَ ذلِكَ تَمَامَ ثَلَاثَةِ أَوْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ كَمَا هُوَ стр. 951
ظَاهِرٌ. قَالَ: وَابْتَدَأَ بِهِ المَرَضُ بَعْدَ نِصْفِ شَعْبَانَ، وَكَانَ مَرَضَهُ الإسْهَالُ، وَذلِكَ مِنْ تَمَامِ السَّعَادَةِ؛ لأنَّ مَرَضَ البَطْنِ شَهَادَةٌ، وَلَمَّا ازْدَادَ مَرَضُهُ أَقْبَلَ النَّاسُ إِلَى عِيَادَتِهِ مِنَ الأَكَابِرِ وَالعُلَمَاءِ، وَالتَّلَامِذَةِ وَالأَصْحَابِ. فَحَدَّثَنِي صَاحِبُهُ أَبُو مُحَمَّدٍ إِسْمَاعِيْلُ بنُ عَلِيٍّ الفَقِيْهُ (١)، وَهُوَ الَّذِي تَوَلَّى تَمْرِيْضَهُ، قَالَ لِي الشَّيْخُ يَوْمَ الخَمِيْسِ ثَانِي رَمَضَانَ: أَيْ فَخْرُ، آخِرُ تَعَبِكَ مَعِي يَوْمَ الأَحَدِ؟ قَالَ: وَهكَذَا كَانَ، فَإِنَّهُ تُوُفِّيَ يَوْمَ السَّبْتِ رَابِعَ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَدَفَنَّاهُ يَوْمَ الأَحَدِ، يَعْنِي خَامِسَ رَمَضَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ. قَالَ: وَنُوْدِيَ فِي النَّاسِ بِمَوْتِهِ، فَانْثَالَ مِنَ الخَلَائِقِ وَالأُمَمِ عَدَدٌ يَفُوْتُ الإِحْصَاءَ، فَازْدَحَمَ النَّاسُ، وَخِيْفَ مِنَ الفِتَنِ، فَنَفَذَ الوُلَاةُ الأَجْنَادَ وَالأَتْرَاكَ بِالسِّلَاحِ، وَفُتِحَ لَهُ جَامِعُ القَصْرِ، وَازْدَحَمَ النَّاسُ ازْدِحَامًا هَائِلًا، وَحَمَلَهُ أَصْحَابُهُ وَغِلْمَانُهُ (٢). وَحَكَى لِي بَعْضُهُمْ أَنَّهُمْ فِي حَالِ حَمْلِ سَرِيْرِهِ لَمْ يَبْقَ فِي رِجْلِ أَحَدٍ مِنهُمْ مَدَاسٌ إِلَّا وَشَذَّ؛ لِفُرْطِ الزِّحَامِ، فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ دَفْنِهِ أُعِيْدَتْ إِلَيْهِمْ لَمْ يَفْقِدُوا مِنْهَا شَيْئًا، وَقُدِّمَ الشَّيْخُ الصَّالِحُ سَعْدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ مَرْزُوقٍ المِصْرِيُّ (٣) إِمَامًا فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، بَعْدَمَا اجْتَهَدَ المَمَالِيْكُ وَالأَتْرَاكُ وَالأَجْنَادُ فِي إِيْصَالِهِ إِلَى عِنْدَ (٤) نَعْشِهِ، وَكَانَ النَّاسُ قَدِ ازْدَحَمُوا عَلَى الشَّيْخِ سَعْدٍ стр. 952
أَيْضًا يَتَبَرَّكُوْنَ بِهِ، حَتَّى خِيْفَ عَلَيْهِ الهَلَاكُ، وَكَانَتْ جِنَازَتُهُ قَدْ قُدِّمَتْ إِلَى عنْدِ المِنْبَرِ وَالشُّبَّاكِ. وَحَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ طُنْطَاشٍ (١) البَزَّارُ قَالَ: لَمَّا وَصَلَ الشَّيْخُ سَعْدٌ إِلَى جِنَازَةِ الشَّيْخِ أَمْسَكَ عَنِ التَّكْبِيْرِ، وَأَطَالَ الوُقُوْفَ حَتَّى سَكَنَ النَّاسُ وَسَكَتُوا، وَهَدَأَتِ الأَصْوَاتُ بِحَيْثُ لَمْ يُسْمَعْ سِوَى التَّكْبِيْرِ، ثُمَّ كَبَّرَ فَأَعْجَبَ النَّاسُ مَا فَعَلَ، فَلَمَّا صُلِّيَ عَلَيْهِ عَادَ الزِّحَامُ وَالخِصَامُ وَالاحْتِشَادُ فِي أَبْوَابِ الجَامِعِ عَلَى وَجْهٍ مَا شُوْهِدَ مِثْلُهُ إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ، وَذَكَرُوا أَنَّهُ كَانَ أَوْصَى أَنْ يُدْفنَ فِي دَارِ بَعْضِ أَهْلِهِ جَنْبَ مَسْجِدِهِ، فَحُمِلَ إِلَى المَوْضِعِ، وَدُفِنَ فِيْهِ، وَفُتِحَ مَوْضِعٌ فِي المَسْجِدِ إِلَى قَبْرِهِ لِزِيَارَةِ النَّاسِ.
وَقَالَ ابنُ القَطِيْعِيِّ: حَضَرَ جِنَازَتَهُ قَاضِي القُضَاةِ أَبُو الحَسَنِ بْنُ الدَّامَغَانِيِّ (٢)، وَدُفِنَ بِدَارِهِ المُلَاصِقَةِ لِمَسْجِدِهِ، ثُمَّ قُطِعَ مَوْضِعُ قَبْرِهِ مِنَ الدَّارِ وَأُدْخِلَ إِلَى مَسْجِدِهِ بِـ "المَأْمُونِيَّةِ" رَأْسِ "دَرْبِ السَّيِّدَةِ" رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.
وَذكَرَ جَامِعُ سِيْرَتِهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي الحَافِظُ أَبُوْ بَكْرٍ مُحَمَّدُ [بنُ مُوْسَى] بْنِ عُثْمَانَ الحَازِمِيُّ (٣)، وَكَتَبَهُ لِي بِخَطِّهِ، قَالَ: رَأَيْتُ الشَّيْخَ الإِمَامَ، الفَقِيْهَ، أَبَا الفَتْحِ بْنِ المَنِّيِّ فِي المَنَامِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَكَأَنَّهُ فِي مَوْضِعٍ كَبِيْرٍ وَاسِعٍ، وَهُوَ стр. 953
فَرْحَانٌ مَسْرُوْرٌ، وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ شَدِيْدَةُ البَيَاضِ، وَعلَى رَأْسِهِ طُرْحَةٌ، فَجَعَلْتُ أُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَأُكَلِّمُهُ، وَكَانَ بَيْنَنَا ثَمَّ سِتْرٌ كَبِيْرٌ. وَكَلَامٌ هَذَا مَعْنَاهُ لَمْ أَحْفَظْهُ.
قَالَ صَاحِبُ "سِيْرَتِهِ" (١): وَرَأَيْتُهُ أَنَا فِي المَنَامِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَالْتَفَتَ إِلَيَّ كَالمُعْتِبِ، وَكَأَنَّهُ يَقُوْلُ لِيْ: اسْتَبْشِرْ بِقُدُوْمِي، وَمَا زَالُوا مِنْ صَلَاةِ المَغْرِبِ يَضْرِبُوْنَ بِالصَّوَالِي، وَلَوْ رَأَيْتَ الجَمْعَ الَّذِي كَانَ، وَكَلامًا آخَرَ لَمْ أَفْهَمْهُ. ﵁. قَال: وَرَثَاهُ رَفِيْقُنَا النَّجْمُ عَبْدُ المُنْعِمِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الصَّقَّالِ الحَرَّانِيُّ (٢) أَحَدُ أَصْحَابِهِ، وَأَمْلَاهُ عَليَّ مِنْ لَفْظِهِ:
إِلَامَ يُشْجِيْكَ ذِكْرُ الرَّبْعِ وَالطَّلَلِ … وَيَسْتَخِفُّ نُهَاكَ الغِنْجُ (٣) فِي المُقَلِ
فَإِنْ دَعَاكَ دَدٌ (٤) لَبَّيْتَ دَعْوَتَهُ … مُدَلَّهًا غَيْرَ مِنْقَادٍ إِلَى العَذَلِ
ذَرِ الهَوَى فَعَطَايَاهُ مُعَاطِبَةٌ … وَجُوْدُهُ بِالمُنَى شَرٌّ مِنَ البَخَلِ
وَلَا تُصِخْ لِقَرِيْضٍ بَعْدَهَا أَبَدًا … وَإِنْ تَوَحَّدَ فِي مَدْحٍ وَفِي غَزَلِ
مَا لَمْ تَرِثِ قَوَافِيْهِ الَّتِي جَمَعَتْ (٥) … صِفَاتَهُ الغُرَّ بَيْنَ العِلْمِ وَالعَمَلِ
وَمَنْ غَدَا نَاصِرَ الإِسْلَامِ يَحْرُسُهُ … بِهِمَّةٍ لَمْ تُقَصِّرْ عَنْ سَمَا زُحَلِ
وَطَالَمَا خَدَمَ الرَّحْمَنَ مُعْتَكِفًا (٦) … عَلَى العِبَادَةِ لا يَنْصَاعُ لِلْكَسَلِ стр. 954
إِنْ رَوَّق (١) اللَّيْلُ جَافَى الحَبْرُ مَضْجَعَهُ … يَتْلُو بِدَمْعٍ غَزِيْرِ وَاكِفٍ هَطِلِ
أَوْ أَتْحَفَ الجَوَّ أَنْوَارَ الضِّيَا ابْنُ ذُكَا (٢) … غَدَا لِتَدْرِيْسِ عِلْمٍ وَاسِعٍ جَلَلِ
وَإنْ بَدَا مُشْكِلٌ فِي الشَّرْعِ مُنْغَلِقٌ (٣) … أَتَى بِهِ ظَاهِرًا حَقًّا عَلى عَجَلِ
وَاهًا (٤) لِمَا حَازَ مِنْ عِلْمِ وَكَمْ قَدِمَتْ … إِلَى خَصَائِصِهِ يَهْمَاءُ (٥) مِنْ رَجُلِ стр. 955
فَيَشْهَدُ الفَضْلُ مَبْذُوْلًا لِطَالِبِه … وَيُدْرِكُ الفَضْلَ فِي أَحْلَى مِنَ العَسَلِ
فَمَا انْثَنَى عُمُرُهُ المَحْرُوسُ (١) عَن زَلَلٍ … وَاعْتَاقَهُ (٢) الحَيْنُ عنْ قَوْلٍ وَعنْ عَمَلٍ
حَتَّى أَفَادَ صِحَابًا كُلُّهُمْ بَطَلٌ … يَوْمَ الجِدَالِ عَرِيْقُ الأَصْلِ فِي الجَدَلِ
إِنْ تَأْتِهِ تَلْقَ لَيْثًا فِي عَرِيْنَتِهِ … ذَا هِمَّةٍ غَيْرَ نَزَّاعٍ إِلَى الفَشَلِ
يُرِيْكَ قِسَّ إِيَادٍ مِنْ فَصَاحَتِهِ … وَيُحْسِنُ القَوْلَ فِي الأَحْكَامِ وَالعِلَلِ
يُفَرِّقُونَ جُمُوْعَ الخَصْمِ فِي دَعَةٍ … تَفْرِيْقَ شَمْلِ جُمُوْعِ الكُفْرِ سَيْفَ عَلِي
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بنُ عَبْدِ الكَرِيْمِ البَعْلِيُّ (٣) (ثَنَا) عَبْدُ الخَالِقِ بنُ عَلْوَانَ стр. 956
(ثَنَا) أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ قُدَامَةَ قَالَ: قرَأْتُ عَلَى شَيْخِنَا أَبي الفَتْحِ نَصْرِ بنِ فِتْيَانَ، أَخْبَرَكُمْ الإِمَامُ أَبُو الحَسَنِ بْنُ الزَّاغُوْنِيِّ (أَنَا) أَبو القَاسِمِ بْنُ البُسْرِيِّ، أَنْبَأَنَا الإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللهِ بْنُ بَطَّةَ (ثَنَا) عَبْدُ اللهِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الأَشْعَثِ [(ثَنَا) مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ العَلَاءِ (ثَنَا) عَطَاءُ بْنُ مُسْلِمٍ، عنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِسْحَقَ، عَنْ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: "رَأَيْتُ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، بُرْدًا خَلِقًا، فَقُلْتُ: يَا أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ، إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةٌ، قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قُلْتُ: تَطْرَحُ هَذَا البُرْدَ وَتَلْبَسُ غَيْرَهُ، فَقَعَدَ وَطَرَحَ البُرْدَ عَلَى وَجْهِهِ، وَجَعَلَ يَبْكِي، فَقُلْتُ: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ قَوْلِي يَبْلُغُ هَذَا مِنْكَ مَا قُلْتُهُ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا البُرْدَكَسَانِيْةِ خَلِيْلِي، قُلْتُ: وَمَنْ خَلِيْلُكَ؟ قَالَ: عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، إِنَّ عُمَرَ نَاصَحَ اللهَ تَعَالَى فَنَصَحَهُ". اجْتَمَعَ فِي هَذَا الإِسْنَادِ خَمْسَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ الحَنَابِلَةِ: أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ] (١)، وَابْنُ بَطَّةَ، وَابْنُ الزَّاغُوْنِيِّ، وَابْنُ المَنِّيِّ، وَالشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّيْنِ، ﵃ أَجْمَعِيْنَ.
١٩٢ - عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ (٢) بنِ عَلِيِّ بْنِ الزَّيْتُوْنِيِّ، الفَقِيْهُ، أَبُو الحَسَنِ البَغْدَادِيُّ، стр. 957
المَعْرُوْفُ بِـ "البَرَنْدَاسِيُّ". وَ"بَرَنْدَاسُ" قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى "بَغْدَادَ" (١).
قَالَ ابْنُ القَطِيْعِيِّ: سَأَلْتُهُ عَنْ مَوْلِدِهِ؟ فَقَالَ: مَا أَعْلَمُ، وَلكِنَّنِي خَتَمْتُ القُرْآنَ سنَةَ ثَمَانِ وَخَمْسِمَائَةَ، قَالَ: وَسَمِعَ مِنِ ابْنِ الحُصَيْنِ، وَذَكَرَ عَبْدُ المُغِيْثِ: أَنَّهُ سَمِعَ جَمِيْعَ "مُسْنَدِ الإِمَامِ أَحْمَدَ" مِنْهُ، وَسَمِعَ مِنَ القَاضِي أَبِي الحُسَيْنِ بْنِ الفَرَّاءِ وَغيْرِهِمَا. وَتَفَقَّهَ، وَنَاظَرَ، وَأَفْتَى، وَدَرَّسَ.
قُلْتُ: وَلَمَّا بَنَى الوَزِيْرُ ابْنُ هُبَيْرَةَ مَدْرَسَتَهُ بِـ "بَابِ البَصْرَةِ" وَلَّاهُ تَدْرِيْسَهَا، فَكَانَ يُدَرِّسُ بِهَا (٢) وَحَدَّثَ، وَسَمِعَ مِنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، قَالَ ابْنُ القَطِيْعِيِّ: كتَبْتُ عَنْهُ. وَكَانَ قَلِيْلَ الرِّوَايَةِ، ثِقَةً، صَالِحًا، قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ: اسْتَيْقَظْتُ مِنْ مَنَامِي وَأَنَا أُنْشِدُ هَذَيْنِ البَيْتَيْنِ، وَلَا أَعْلَمُ قَدْ قِيْلَا قَبْلِي، أَوْ أَنَشْدْتُهُمَا لِنَفْسِي، إِلَّا أَنِّي لَمْ أَسْمَعُهَا مِنْ أَحَدٍ، وَهُمَا هَذَانِ: (٣) стр. 958
لَيْتَ السِّبَاعَ لَنَا كَانَتْ مُجَاوِرَةً … وَلَيْتَنَا لَا نَرَى مِمَّنْ نَرَى أَحَدًا
إِنَّ السِّبَاعَ لَتَهْدَى فِي مَوَاطِنِهَا … وَالنَّاسُ لَيْسَ بِهَادٍ شَرُّهُمْ أَبَدًا
قَالَ ابنُ القَطِيْعِيِّ: وَهَذَانِ البَيْتَانِ فِي "العُزْلَةِ" لِلْخَطَّابِيِّ، بِإِسْنَادِهِ، عَنِ الرَّبِيْعِ، عَن الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ أَنْشَدَهُمَا، وَلَفْظُهُ "لَيْتَ الكِلَابَ".
وَأَنْشَدَهُمَا أَبُو بَكْرٍ بْنِ المَرْزُبَانِ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ العَنْبَرِيِّ (١) "إِنَّ السِّبَاع" و"إِنَّنَا لَا نَرَى" وَزَادَهُمَا ثَالِثًا:
فَاهْرُبْ بِنَفْسِكَ وَاسْتَأْنِسْ بِوَحْدَتِهَا … تَلْقَى السُّعُوْدَ إِذَا مَا كُنْتَ مُنْفَرِدًا
قُلْتُ: وَهذِهِ فِي "العُزْلَةِ" لابْنِ أَبِي الدُّنْيَا (٢).
قَالَ ابْنُ القَطِيْعِيِّ. وَفِي سَنَةَ اثْنَيْنِ وَسَبْعِيْنَ عُمِلَتْ دَعْوَةٌ لِلْصُّوْفِيَّةِ وَالعُلَمَاءِ عَلَى اخْتِلَافِ مَذَاهِبِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَكَلَ وَانْصَرَفَ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَضَرَ стр. 959
السَّمَاعَ، وَكَانَ البَرَنْدَاسِيُّ مِمَّنْ عَجَزَ عنِ الخُرُوْجِ مَعَ مَنْ أَكَلَ وَانْصَرَفَ، فَأَقَامَ وَأُغْلِقَ البَابَ دُوْنَهُ، وَحَضَرَ السَّمَاعَ، فَحَيْثُ عَلِمَ أَهْلُ "بَابِ البَصْرَةِ" تَخَلُّفَهُ دُوْنَ جَمِيع أَصْحَابِهِ كَابْنِ الجَوْزِيِّ، وَابْنِ عَبْدِ القَادِرِ، قَالُوا: فِيْهِ الشِّعْرَ، وَهَجَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ عَوَامِّهِمْ. فَأَنْشَدَنِي الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللهِ الخِيَارِيِّ لِنَفْسِهِ فِيهِ:
أَيُّهَا الشَّيْخُ مَنْ يُنَافِقُ خَلْوَهْ … يُظْهِرِ اللهُ ذلِكَ الفِعْلَ جَلْوَهْ
كُنْتَ تُفْتي أَنَّ السَّمَاعَ حَرَامٌ … كَيْفَ حَلَّ السَّمَاعَ يَوْمَ الدَّعْوَهْ
عِشْتَ مَا عِشْتَ بَيْنَ زُهْدٍ وَنُسكٍ … وَتَسَمَّيْتُ فِي الشَّرِيْعَةِ (١) قُدْوَهْ стр. 960
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 961
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 962
ثُمَّ خَلَعَتْ العِذَارَ فِي اللَّهْوِ وَالرَّقْـ … ــصِ وَبَيْنَ البِلَى وَبَيْنَكَ خُطْوَهْ
كُنْتَ حَقًّا لَوْ رَقَصَ الطِّفْلُ حَوْ … قَلْتَ وَأَنْكَرْتَ بِارْتِعَادٍ وَسَطْوَهْ
كَيْفَ جَازَ الجُلُوْسُ بَيْنَ حُدَاةٍ … لَمْ يَفُتْ فِي سَمَاعِهِمْ غَيْرُ قَهْوَهْ
لَا تُبَهْرِجْ فَلَيْسَ عِنْدَكَ عُذْرٌ … يَلْزَمُ القَوْمُ مَا أَتَوا بِكَ عُنْوَهْ
إِنَّمَا أَنْتَ حِيْنَ خَبَّرْتَ أَنَّ الرَّقـ … ــصَ مِنْ بَعْدِهِ صَحَاحُ (١) وَكِسْوَهْ
وَدَجَاجٌ وَحَلْوَةٌ (٢) حَثَّكَ البُخْـ … ــلُ فَلَا تَعْتَذِرْ بِقَوْلِكَ شَقْوَهْ
وَدَعِ الآنَ شُغْلَكَ بِالفِقْـ … ــهِ وَخُذْ فِي لِبَاسِ دَلْقٍ وَرُكْوَهْ
قَالَ: وَسَمِعْتُ ابْنَ الجَوْزِيِّ يَقُوْلُ: دَخَلَ البَرَنْدَاسِيُّ الدَّعْوَةَ وَأَكَلَ، وَأَرَادَ الاِنْصِرَافَ مَعَنَا، فَأُغْلِقَ البَابُ دُوْنَهُ، وَمَا عَلِمَ حَقِيْقَةَ مَا يَجْرِي وَحَصَلَ هُنَاكَ، لَا أَنَّهُ اخْتَارَ هَذَا.
وَتُوُفِّيَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ لِسِتِّ عَشَرَةَ خَلَتْ مِنْ رَبِيْعِ الأَوَّلِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ بِـ "بَابِ حَرْبٍ" رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى. وَقَدْ ذكَرَهُ المُنْذِرِيُّ الحَافِظُ فِي "وَفَيَاتِهِ" فِيْمَنْ تُوُفِّيَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِيْنَ فَقَالَ: стр. 963
وَفِي السَّادِسِ عَشَرَ مِنْ شَهرِ رَبِيْعٍ الأَوَّلِ تُوُفِّيَ الفَقِيْهُ، الإِمَامُ، أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ المُقْرِئُ الضَّرِيْرُ، وَدُفِنَ عِنْدَ قِبْلَةِ جَامِعِ المَنْصُوْرِ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ ثَمَانِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، تَفَقَّهَ عَلَى مَذْهبِ الإِمَامِ أَحْمَدَ، وَسَمِعَ مِنِ ابْنِ الحُصَيْنِ، وَإِسْمَاعِيْلَ بنِ السَّمَرْقَنْدِيِّ، وَأَبِي غَالِبِ بْنِ البَنَّاءِ، وَغيْرِهِمْ وَحَدَّثَ، وَأَقْرَأَ، فَخَالَفَ مَا ذَكَرَهُ ابنُ القَطِيْعِيِّ فِي مَدْفَنِهِ، فَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّحِيْحِ مِنْ ذلِكَ. وَأَمَّا قَوْلِهِ: إِنَّ مَوْلِدَهُ سَنَةَ ثَمَانِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ فَغَلَطٌ مَحْضٌ؛ فَإِنَّهُ عَلَى قَوْلِهِ يَكُوْنُ قَدْ جَاوَزَ المَائَةَ بِسِتِّ سِنِيْنَ، فَأَيْنَ آثَارُ ذلِكَ مِنْ تَفَرُّدِهِ عَنْ أَقْرَانِهِ بِالسَّمَاعِ مِنَ الشُّيُوْخِ، ثُمَّ قَدْ سَبَقَ أَنَّ القَطِيْعِيَّ سَأَلَهُ عَنْ مَوْلِدِهِ؟ فَذَكَرَ مَا يَدُلُّ علَى أَنَّهُ قَبْلَ الخَمْسِمَائَةَ بِنَحْوِ سَنَتَيْنِ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيْحُ. وَوَصَفَهُ بِأَنَّهُ ضَرِيْرٌ، وَلَمْ يَصِفْهُ القَطِيْعِيُّ بِذلِكَ.
١٩٣ - نَجْمُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ (١) بْنِ عَبْدِ الوَاحِدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الشِّيْرَازِيُّ стр. 964
الأَصْلِ، الدِّمَشْقِيُّ، الأَنْصَارِيُّ، الشَّيْخُ نَجْمُ الدِّينِ أَبُو العَلَاءِ بْنُ شَرَفِ الإِسْلَامِ ابْنِ الشَّيْخِ أَبِي الفَرَجِ، شَيْخُ الحَنَابِلَةِ بِـ "الشَّامِ" فِي وَقْتِهِ.
قَرَأْتُ بِخَطِّ وَلَدِهِ نَاصِحِ الدِّينِ عَبْدِ الرَّحَمَنِ أَنَّهُ وُلِدَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، وَأَفْتَى وَدَرَّسَ وَهُوَ ابْنُ نَيِّفٍ وَعِشْرِيْنَ سَنَةً، إِلَى أَنْ مَاتَ، وَعَاشَ هَنِيًّا مُرَفَّهًا، لَمْ يَلِ وِلَايَةً مِنْ جِهَةِ سُلْطَانٍ، وَمَا زَالَ مُحْتَرَمًا، مُعَظَّمًا، مُمَتِّعًا، قَوِيًّا. قَالَ لِي قَبْلَ أَنْ يَمُوْتَ بِسَنَةٍ: رَأَيْتُ الحَقَّ فِي مَنَامِيْ، فَقَالَ لِي: يَا نَجْمُ أَمَا عَلَّمْتُكَ وَكُنْتَ جَاهِلًا؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ: أَمَا أَغْنَيْتُكَ وَكُنْتَ فَقِيْرًا؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ: أَمَا أَمَتُّ سِوَاكَ وَأَحْيَيْتُكَ؟ وَجَعَلَ يُعَدِّدُ النِّعَمَ، ثُمَّ قَالَ: قَدْ أَعْطَيْتُكَ مَا أَعْطَيْتُ مُوْسَى بْنَ عِمْرَانَ. وَلَمَّا مَرِضِ مَرَضَ المَوْتِ، رَآنِي وَقَدْ بَكَيْتُ، فَقَالَ: أَيْشٍ بِكَ؟ فَقُلْتُ: خَيْرٌ، فَقَالَ: لا تَحْزَنْ عَلَيَّ؛ أَنا مَا تَوَلَّيْتُ قَضَاءً، وَلَا شُحْنَكِيَّةً، وَلَا حُبِسْتُ، وَلَا ضُرِبْتُ، وَلَا دَخَلْتُ بَيْنَ النَّاسِ، وَلَا ظَلَمْتُ أَحَدًا، فَإِنْ كَانَ لِي ذُنُوْبٌ، فَبَيْنِي وَبَيْنَ اللهِ ، وَلِيْ سِتُّوْنَ سَنَةً أُفْتِي النَّاسَ، وَاللهِ مَا حَابَيْتُ فِي دِيْنِ اللهِ تَعَالَى. وَكَانَ يَقُوْلُ - قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَتَيْنِ - سَنَتِي سَنَةُ سِتٍّ (١) وَثَمَانِيْنَ، إِلَى أَنْ دَخَلَتْ стр. 965
سَنَةُ سِتٍّ [وَثَمَانِيْنَ] (١)، فَقَالَ: هَذِهِ سَنَتِي، فَقُلْنَا: كَيْفَ تَقُوْلُ هَذَا؟ قَالَ: هِيَ سَنَةُ أَبِي وَجَدِّي؛ لأَنَّ أَبَاهُ مَاتَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَجَدُّهُ مَاتَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، وَكَانَ الأَمْرُ كَمَا قَالَ. قَالَ: وَكَانَ الشَّيْخُ المُوَفَّقُ وَأَخُوْهُ أَبُو عُمَرَ، إِذَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمَا شَيْءٌ سَأَلَا وَالِدِي. قَالَ: وَخَرَّجَ لَهُ أَبُو الخَيْرِ سَلَامَةُ بْنُ إِبْرَاهِيْمَ الحَدَّادُ (٢) "مَشْيَخَةً" (٣) وَسَمِعْنَاهَا عَلَيْهِ بِقِرَاءَتِهِ. وَذَكَرَ الحَافِظُ المُنْذِرِيُّ فِي "وَفَيَاتِهِ" أَنَّ لَهُ إِجَازَةً مِنْ أَبِي الحَسَنِ بْنِ الزَّاغُوْنِيِّ وَغَيْرِهِ، قَالَ: وَتُوُفِّيَ ثَانِي عِشْرِي رَبِيْعٍ الآخِرِ، سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَدُفِنَ بِـ "سَفْحِ قَاسِيُوْنَ". وَقَالَ غَيْرُهُ: شَيَّعَهُ خَلَائِقُ.
وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ أَخِيهِ بَهَاءُ الدِّيْنِ عَبْدِ المَلِكِ (٤)، وَكَانَ لَهُ أَيْضًا عِدَّةُ إِخْوَةٍ.
١٩٤ - مِنْهُمْ: الشَّيْخُ سَدِيْدُ الدِّيْنِ عَبْدُ الكَافِي بْنُ شَرَفِ الإِسْلَامِ (٥) стр. 966
قَالَ نَاصِحُ الدِّيْنِ: كَانَ فَقِيْهًا مُتَطَهِّرًا، وَوَعَظَ فِي شَبَابِهِ، وَكَانَ يَذْكُرُ الدَّرْسَ فِي الحَلْقَةِ، مُسْتَنِدًا إِلَى خِزَانَةِ أَبِيْهِ، وَكَانَ صَيِّتًا، وَرُبَّمَا خَطَبَ فِي الإِمْلَاكَاتِ المُعْتَبَرَةِ، وَكَانَ شُجَاعًا شَدِيْدًا، مَاتَ بَعْدَ الثَّمَانِيْنَ وَالخَمْسِمَائَةَ، وَقَبْرُهُ تَحْتَ "مَغَارَةِ الدَّمِ".
١٩٥ - ومِنْهُمْ: الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّيْنِ عَبْدُ الحَقِّ (١) بْنِ شَرَفِ الإِسْلَامِ، قَالَ النَّاصِحُ: كَانَ فَقِيْهًا، عَاقِلًا، عَفِيْفًا، حَسَنَ العِشْرَةِ، كَثِيْرَ الصَّدَقَةِ، رَحِيْمَ القَلْبِ، سَافَرَ فِي طَلَبِ العِلْمِ، وَقرَأَ كِتَابَ "الهِدَايَةِ" عَلَى الشَّيْخِ أَحْمَدَ الحَرَّانِيِّ (٢) الحَنْبَلِيِّ، وَدَخَلَ بِلَادَ العَجَمِ، وَرَأَى أَئِمَّةَ خُرَاسَانَ، وَعَادَ إِلَى "دِمَشْقَ" وَصَحِبَ أَخَاهُ، وَ [هُوَ] الَّذِي يُسْمِعُ دَرْسَهُ، وَيَعِيْدُ لَهُ، وَهُوَ بَيْنَ стр. 967
يَدَيْهِ كَالحَاجِبِ. وَمَاتَ … (١) وَدُفِنَ بِـ "سَفْحِ قَاسِيُوْنَ".
١٩٦ - وَمِنْهُمْ: الشَّيْخُ شَرَفُ الدِّيْنِ مُحَمَّدُ (٢) بنُ شَرَفِ الإِسْلَامِ كَانَ فَقِيْهًا، فَرَضِيًّا، يَعْرِفُ الغَزَوَاتِ، وَيُعَبِّرُ المَنَامَاتِ، وَيَتَّجِرُ، وَلَا يَدَاخِلُ المَلِكَ وَتُوُفِّيَ، وَدُفِنَ بِـ "البَابِ الصَّغِيْرِ".
١٩٧ - وَمِنْهُمْ: الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ عَبْدُ الهَادِيْ (٣) بْنُ شَرَفِ الإِسْلَامِ كَانَ فَقِيْهًا وَاعِظًا، شُجَاعًا، حَسَنَ الصَّوْتِ بِالقُرْآنِ، شَدِيْدًا فِي السُنَّةِ، شَدِيْدَ القُوَى، يُحْكَى لَهُ حِكَايَاتٌ عَجِيْبَةٌ فِي شِدَّةِ قُوَّتِهِ؛ مِنْهَا: أَنَّهُ بَارَزَ فَارِسًا مِنَ الإِفْرَنْجِ، فَضَرَبَهُ بِدَبُّوْسٍ فَقَطَعَ ظَهْرَهُ وَظَهْرِ الفَرَسِ فَوَقَعَا جَمِيْعًا، وَكَانَ فِي صُحْبَةِ أَسَدِ الدِّيْنِ شِيْرَكُوْهُ (٤) إِلَى "مِصْرَ" وَشَاهَدَهُ جَمَاعَةٌ رَفَعَ الحَجَرَ الَّذِي عَلَى بِئْرِ стр. 968
جَامِعِ "دِمَشْقَ" فَمَشَى بِهِ خُطُوَاتٍ ثُمَّ رَدَّهُ إِلَى مَكَانِهِ، وَلَهُ أَخْبَارٌ فِي هَذَا البَابِ غَرِيْبَةٌ، وَبَنَى مَدْرَسَةً بِـ "مِصْرَ"، وَمَاتَ قَبْلَ تَمَامِهَا، وَتُوُفِّيَ بِـ "مِصْرَ".
وَمِمَّا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنْ فَتَاوَى نَجْمِ الدِّيْنِ بنِ عَبْدِ الوَهَّابِ بْنِ الحَنْبَلِيِّ: أَنَّ مَنْ أَرادَ أَنْ يَحْلِفَ بِالطَّلَاقِ، فَقَالَ لاِمْرَأَتِهِ: عَلَيَّ الطَّلَاقُ ثَلَاثَ بَتَاتٍ، وَأَرَادَ أَنْ يَقُوْلَ: إِنْ لَمْ أَتَحَوَّلْ مِنَ الدَّارِ، ثُمَّ تَفَكَّرَ فِي ضَرَرِ التَّحْوِيْلِ، فَسَكَتَ عَلَى قَولِهِ: بَتَاتٌ، إِعْرَاضًا عَنِ اليَمِيْنِ بِالكُلِيَّةِ، لَا إِرَادَةً لِوُقُوْعِ الطَّلَاقِ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَقْصِدْ بِذلِكَ الإِيْقَاعُ، بَلْ قَصَدَ التَّعْلِيْقَ، ثُمَّ سَكَتَ عَقِيبَ ذِكْرِ الطَّلَاقِ، لَا قَاصِدًا لَهُ، بَلْ أَرَادَ إِبْطَالَ اليَمِيْنِ، فَإِنَّهُ يَدِيْنُ فِي ذلِكَ فِيْمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ فِي البَاطِنِ، وَبِمِثْلِ هَذَا صَرَّحَ صَاحِبُ "المُحَرَّرِ" فِيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَحُكِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا، وَلَا أَعْلَمُ فِي ذلِكَ نَصًّا لأَحَمَدَ، وَلَا لأَحَدٍ مِنْ مُتَقَدِّمِي أَصْحَابِنَا. وَقِيَاسُ نُصُوْصِ أَحْمَدَ وَأُصُوْلِهِ أَنَّهُ لَا يَدِيْنُ فِي ذلِكَ، بِحَيْثُ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ وُقُوْعُ الطَّلَاقِ بِهِ، ولَوْ وُجِدَ شَرْطُهُ الَّذِي أَرَادَ تَعْلِيْقُهُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ المَنْصُوْصَ عَنْ أَحْمَدَ فِي مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الحَلِفَ بِالطَلَاقِ لَيْسَ بِيَمِيْنٍ، وَلَيْسَ حُكْمُهُ حُكْمَ سَائِرِ الأَيْمَانِ، وَإِنَّمَا هُوَ طَلَاقٌ مُعَلَّقٌ بِشَرْطٍ، وَلَوْ قَصَدَ بِتَعْلِيْقِهِ الحَضَّ وَالمَنْعَ، وَحِيْنَئِذٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُوْنَ حُكْمُ هَذَا حُكْمَ مَنْ طَلَّقَ، وَقَالَ: نَوَيْتُ تَعْلِيْقَ الطَّلَاقِ بِشَرْطٍ. وَالمَذْهَبُ فِي ذلِكَ عِنْدَ القَاضِيْ وَمَنْ اتَّبَعَهُ مِنْ أَصْحَابِنَا: أَنَّهُ يَدِيْنُ فِي ذلِكَ، وَلَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ فِي البَاطِنِ
стр. 969
إِلَّا بِوُجُوْدِ الشَّرْطِ، وَهَلْ يُقْبَلُ مِنْهُ فِي الحُكْمِ؟ خَرَّجُوْهُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَنَصُّ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّى (١): عَلَى أَنَّهُ لَا يَدِيْنُ، كَقَوْلِ أَبي حَنِيْفَةَ وَأَصْحَابِهِ، وَتَأَوَّلَهُ القَاضِيْ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ فِي الحُكْمِ، وَهُوَ تأْوِيْلٌ بَعِيْدٌ. فَعَلَى ظَاهِرِ رِوَايَةُ مُهَنَّى يَقَعُ الطَّلَاقُ فِي الحَالِ، وَإِنْ أَرَادَ الحَلِفَ بِهِ، ثُمَّ تَرَكَهُ، وَعَلَى المَذْهَبِ عِنْدَ القَاضِيْ وَأَصْحَابِهِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَقَعَ الطَّلَاقُ (٢) حَتَّى يُوْجَدَ الشَّرْطُ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ أَرَادَ تَعْلِيْقَ الطَّلَاقِ بِشَرْطٍ يَأْتِي لَا مَحَالَةَ، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَتْرُكَ تَعْلِيْقَهُ، فَإِنَّ هَذَا التَّعْلِيْقَ يَمِيْنٌ عَلَى أَشْهَرِ الوَجْهَيْنِ لِلأَصْحَابِ، بَلْ أَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ، وَقَدْ حُكِيَ عنْهُ صَرِيْحًا، فَيَكُوْنُ تَعْلِيْقُ الطَّلَاقِ عِنْدَهُ كُلُّهُ يُسَمَّى يَمِيْنًا، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الطَّلَاقِ، لَا حُكْمُ الأَيْمَانِ، فَيَلْزَمُ مَنْ قَالَ بِالشَّرْطِ أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ اليَمِيْنَ بِالطَّلَاقِ، فتلَفَّظَ بِالطَّلَاقِ، ثُمَّ قَطَعَ بَقِيَّةَ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا تَطْلُقُ امْرَأَتُهُ بِذلِكَ، وَلَوْ وُجِدَ الشَّرْطُ أَنْ يَقُوْلَ هَهُنَا فِي التَّعْلِيْقِ بِمَا يَأْتِي لَا مَحَالَةَ كَذلِكَ، وَهُوَ فِي غَايَةِ البُعْدِ. وَقَدِ اسْتَوْفَيْنَا الكَلَامَ عَلَى هَذَا فِي كِتَابِنَا المُسَمَّى بِـ "الكَشْفِ وَالبَيَانِ عَنْ مَقَاصِدِ النُّذُوْرِ وَالأَيْمَانِ" وَبِاللهِ التَّوْفِيْقُ.
١٩٨ - عَبدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ (٣) بنِ أَبِي بَكْرٍ المَقْدِسِيُّ، الفَقِيْهُ، الإِمَامُ، أَبُو القَاسِمِ، стр. 970
سَيْفُ الدِّيْنِ. وُلِدَ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ بِـ "قَاسِيُوْنَ". وَرَحَلَ إِلَى "بَغْدَادَ"، وَسَمِعَ بِهَا مِنْ جَمَاعَةٍ، وَتَفَقَّهَ، وَبَرَعَ فِي مَعْرِفَةِ المَذْهَبِ وَالخِلَافِ وَالمُنَاظَرَةِ، وَقَرَأَ النَّحْوَ عَلَى أَبِي البَقَاءِ (١)، وَحَفِظَ "الإِيْضَاحَ" لأَبِي عَلِيٍّ، وَقَرَأَ العَرُوْضَ، وَلَهُ فِيْهِ تَصْنِيْفٌ (٢). стр. 971
قَالَ الحَافِظُ الضِّيَاءُ: اشْتَغَلَ بِالفِقْهِ وَالخِلَافِ وَالفَرَائِضِ وَالنَّحْوِ، وَصَارَ إِمَامًا، عَالِمًا، ذَكِيًّا، فَطِنًا، فَصِيْحًا، مَلِيْحَ الإِيْرَادِ، حَتَّى إِنِّي سَمِعْتُ بَعْضَ النَّاسِ يَقُوْلُ عَنْ بَعْضِ الفُقَهَاءِ أَنَّهُ قَالَ: مَا اعْتَرَضَ السَّيْفُ عَلَى مُسْتَدِلٍّ إِلَّا ثَلَمَ دَلِيْلَهُ، وَكَانَ يَتَكَلَّمُ فِي المَسْأَلَةِ - غَيْرَ مُسْتَعْجِلٍ - بِكَلَامٍ فَصِيْحٍ، مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ وَلَا تَتَعْتُعٍ. وَكَانَ ﵀ حَسَنَ الخَلْقِ وَالخُلْقِ، أَنْكَرَ مُنْكَرًا بِـ "بَغْدَادَ" فَضَرَبَهُ الَّذِي أَنْكَرَ عَلَيْهِ، وَكَسَرَ ثَنِيَّتَهُ، ثُمَّ إِنَّهُ مُكِّنَ مِنْ ذلِكَ الرَّجُلِ، فَلَمْ يَقْتَصَّ مِنْهُ. قَالَ: وَسَافَرْتُ مَعَهُ إِلَى "بَيْتِ المَقْدِسِ" فَرَأَيْتُ مِنْهُ مِنْ وَرَعِهِ، وَحُسْنِ خُلُقِهِ مَا تَعَجَّبْتُ مِنْهُ. قَالَ: وَشَهِدْنَا غَزَاةً مَعَ صَلَاحِ الدِّينِ، فَجَاءَ ثَلَاثَةُ فُقَهَاءٍ، فَدَخَلوا خَيْمَةَ أَصْحَابِنَا فَشَرَعُوا فِي المُنَاظَرَةِ، وَكَانَ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّيْنِ وَالبَهَاءُ حَاضِرِيْنَ، فَارْتَفَعَ كَلَامُ أُوْلئِكَ الفُقَهَاءِ، وَلَمْ يَكُنِ السَّيْفُ حَاضِرًا، ثُمَّ حَضَرَ فَشَرَعَ فِي المُنَاظَرَةِ، فَمَا كَانَ بِأَسْرَعَ مِنْ أَنْ انْقَطَعُوا مِنْ كَلَامِهِ.
وَسَمِعْتُ البَهَاءِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُوْلُ: كَانَ أَبُو القَاسِمِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ فِيْهِ مِنَ الذَّكَاءِ وَالفِطْنَةِ مَا يُدْهِشُ أَهْلَ "بَغْدَادَ" وَكَانَ يَحْفَظُ دَرْسَ الشَّيْخِ إِذَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، وَكُنْتُ أَنَا أَتْعَبُ حَتَّى أَحْفَظَهُ، وَكَانَ مُبَرِّزًا فِي عِلْمِ الخِلَافِ، وَكَانَ وَرِعًا، يَتَعَلَّمُ مِنَ العِمَادِ، وَيَسْلُكُ طَرِيْقَهُ.
وَسُئِلَ عَنْهُ الشَّيْخُ مُوَفَّق الدِّيْنِ، فَقَالَ: سَافَرَ إِلَى "بغْدَادَ" صَغِيْرًا، وَسَمِعَ بَهَا كَثِيْرًا، وَتَفَقَّهَ بِهَا، وَصَارَ فَقِيْهًا حَسَنًا، حَسَنَ الكَلَامِ فِي المُنَاظَرَةِ،
стр. 972
فَصِيْحَ اللِّسَانِ، حَسَنَ الخَطِّ، وَقرَأَ فِي العَرَبِيَّةِ، وَشَرَعَ هُوَ وَالمُحِبُّ أَبُو البَقَاءِ فِي تَصْنِيْفِ كِتَابٍ فِيْهَا ثُمَّ قَدِمَ "الشَّامَ"، وَخَرَجَ إِلَى الغَزَاةِ مَعَنَا، ثُمَّ سَافَرَ إِلَى "حَرَّانَ"، وَتُوُفِّيَ بِهَا شَابًّا - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - فِي حَيَاةِ أَبِيْهِ، تُوُفِّيَ بِـ "حَرَّانَ" فِي شَوَّالٍ سَنةَ سِتٍّ وَثَمَانِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَرَثَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ النَّجِيْبِ (١) بِقَوْلِهِ:
عَلَى مِثْلِ عَبْدِ اللهِ يُفْتَرِضُ الحُزْنُ … وَتُسْفَحُ آمَاقٌ وَلَمْ يَغْتَمِضْ جَفْنُ
عَلَيْهِ بَكَى الدِّيْنُ الحَنِيْفِيِّ وَاكِفًا (٢) … كَمَا قَدْ بَكَاهُ الفِقْهُ وَالذِّهْنُ وَالحُسْنُ
وَهِيَ طَوِيْلَةٌ، وَرَثَاهُ جِبْرِيْلُ المِصِّيْصِيُّ (٣) المِصْرِيُّ بِقَوْلِهِ: стр. 973
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 974
صَبْرِي لِفَقْدِكَ عَبْدَ اللهِ مَفْقُوْدُ … وَوُجْدُ قَلْبِي عَلَيْكَ الدَّهْرَ مَوْجُوْدُ
عَدِمْتُ صَبْرِيَ لَمَّا قِيْلَ إِنَّكَ فِي … قَبْرٍ بِحَرَّانَ سَيْفَ الدِّيْنِ مَفْقُوْدُ
نَبْكِيْ عَلَيْكَ بِشَجْوٍ بِالدِّمَاءِ كَمَا … تَبْكِي التَّعالِيْقُ حَقًّا وَالمَسَانِيْدُ
وَلِلْمَشَايِخِ تَعْوِيْلَ عَلَيْكَ كَمَا … لِلْطَّيْرِ فِي الدَّوْحِ تَغْرِيْدٌ وَتَعْدِيْدُ
وَذَكَرَ بَاقِيْهَا. وَهِيَ سِتَّةٌ وَعِشْرُوْنَ بَيْتًا.
١٩٩ - يَحْيَى بْنُ مُقْبِلِ (١) بْنِ أَحمَدَ بْنِ بَرَكَةَ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ стр. 975
ابْنِ الحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ علِيِّ بْنِ عَبْدِ الوَاحِدِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ بْنِ دَاوُدَ بْنِ إِبْرَاهِيْمَ بْنِ مُحَمَّدٍ السَّجَّادِ بْنِ طَلحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ (١) التَّيمِيُّ القُرَشِيُّ، البَغْدَادِيُّ، الحَرِيْمِيُّ (٢)، أَبُو طَاهِرِ بْنِ أَبِي القَاسِمِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ، المَعْرُوفُ بِـ "ابْنِ الصَّدْرِ". وَهُوَ لَقَبُ عَبْدِ الوَاحِدِ المَذْكُوْرِ فِي نَسَبِهِ. وَيُعْرَفُ أَيْضًا بِـ "ابْنِ الأَبيَضَ". وُلِدَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ سَبْع عَشْرَةَ وَخَمْسِمَائَةَ. وَسَمِعَ مِنِ ابْنِ الحُصَيْنِ، وَأَبِي بَكْرٍ الأَنْصَارِيِّ، وَأَبِي مَنْصُوْرٍ القَزَّازِ، وَغَيْرِهِمْ. وَتَفَقَّهَ فِي المَذْهَبِ، وَنَاظَرَ فِي حِلَقِ الفُقَهَاءِ، وَحَدَّثَ. قَالَ ابْنُ القَطِيْعِيِّ: كَتَبْتُ عَنْهُ. وَكَانَ ثِقَةً. قَالَ: وَتُوُفِّيَ يَوْمَ الإِثْنَيْنِ فِي شَهْرِ شَوَّالٍ سَنَةَ سَبْعِ وَثَمَانِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ بِـ "بَابِ حَرْبٍ". وَقَال المُنْذِرِيُّ: تُوُفِّيَ فِي العُشْرِ الأَخِيْرِ مِنْ ذِي القَعْدَةِ. قَالَ ابْنُ الجَوْزِيُّ فِي كِتَابِ "الرَّد علَى المُتَعَصِّبِ العَنِيْدِ المَانِعِ مِنْ ذَمِّ يَزِيْدَ" حَدَّثَنِي أَبُو طَاهِرِ بْنُ الصَّدْرِ الفَقِيْهِ: أَنَّ стр. 976
هَذَا الشَّيْخُ - يَعْنِي عبْدَ المَغِيْثِ الحَرْبِيِّ - (١) زَوَّجَ رَجُلًا، فَقَالَ لَهُ: زَوَّجْتُكَ بِحَقِّ وَكَالَتِي بِنْتُ أَخِي فُلَانٍ قَالَ الفَقِيْهُ: فَلَقِيْتُ المُتَزوِّجَ فَقُلْتُ لَهُ: مَا انْعَقَدَ لَكَ عَقْدٌ، وَلَا يَحِلُّ لَكَ قُرْبَانَ المَرْأَةِ؛ لأَنَّ أَبَا هَذِهِ المَرْأَةِ لَهُ أَرْبَعُ بَنَاتٍ، وَهَذَا العَاقِدُ مَا سَمَّى المُزَوَّجَةَ. فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْ عدَمِ فَهْمِهِ لِلْفِقْهِ (٢). стр. 977
٢٠٠ - نَصْرُ بْنُ مَنْصُوْرِ (١) بْنِ الحَسَنِ بْنِ جَوْشَنِ بْنِ مَنْصُوْرِ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ стр. 978
أُثَالِ (١) ابْنِ وَرْدِ (٢) بنِ عَطَّافِ بْنِ بِشرِ بْنِ جَنْدَلِ بْنِ عُبَيْدٍ الرَّاعِي بْنِ الحُصَيْنِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ جَنْدَلِ بْنِ قَطَنِ بْنِ رَبِيْعَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ نُمَيْرِ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوازِنِ بْنِ مَنْصُوْرِ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَصَفَةَ (٣) بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ (٤) بْنِ مُضَرِ بْنِ نِزَارٍ، النُّمَيْرِيُّ (٥)، الأَدِيْبُ الشَّاعِرُ، أَبُو المُرْهِفِ، стр. 979
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 980
وَأَبُو الفَتْحِ أَيْضًا كَذَا نَقَلْتُ نَسَبَهُ مِنْ خَطِّ القَطِيْعِيِّ. وَقَالَ: أَمْلَاهُ عَلَيَّ (١)، وَقَالَ لِي: وُلِدْتَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ ثَالِثَ عَشَرَ جُمَادَى الآخِرَةِ سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِمَائَةَ بِـ "الرَّافِقَةِ" بِقُرْبِ "رَقَّةِ الشَّامِ" (٢). стр. 981
كَانَ النُّمَيْرِيُّ مِنْ أَوْلَادِ أُمَرَاءِ العَرَبِ، نَشَأَ بِالشَّامِ، وَخَالَطَ أَهْلَ الأَدَبِ، وَقَالَ الشِّعْرَ الفَائِقَ وَهُوَ مُرَاهِقٌ. وَأَصَابَهُ جُدَرِيُّ وَلَهُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةٍ، فَضَعُفَ بَصَرُهُ (١)، حَتَّى كَانَ لَا يَرَى إِلَّا مَا قَرُبَ مِنْهُ، ثُمَّ قَدِمَ "بَغْدَادَ" لِمُعَالَجَةِ بَصَرِهِ (٢)، فَآيَسَهُ الأَطِبَّاءُ مِنْهُ، فَعَمِيَ، فَاَقَامَ بِـ "بَغْدَادَ"، وَسَكَنَ بِـ "بَابِ الأَزَجِ" (٣)، فَحَفِظَ القُرْآنَ العَظِيْمَ. وَسَمِعَ الحَدِيْثَ مِنِ ابنِ الحُصَيْنِ، وَالقَاضِي أَبِي بَكْرٍ، وَعَبْدِ الوَهَّابِ الأَنْمَاطِيِّ وَأبِي الحَسَنِ بْنِ الزَّاغُوْنِيِّ، وَأَبِي مَنْصُوْرٍ القَزَّازِ، وَيَحْيَى بْنِ حُبَيْشٍ الفَارِقِيِّ، وابْنِ نَاصِرٍ وَغَيْرِهِمْ. وَبِـ "الكُوْفَةِ" مِنْ أَبِي الحَسَنِ بْنِ غَبَرَةَ (٤)، وَتَفَقَّهَ فِي مَذْهَبِ الإِمَامِ أَحْمَدَ. وَقَرَأَ العَرَبِيَّةَ وَالأَدَبَ عَلَى أَبِي مَنْصُوْرٍ بْنِ الجَوَالِيْقِيِّ، وَصَحِبَ العُلمَاءَ وَالصَّالِحِيْنَ. كَالشَّيْخِ عَبْدِ القَادِرِ، стр. 982
وَغَيْرِهِ، وَمَدَحَ الخُلَفَاءِ وَالوُزَرَاءَ، وَلَهُ "دِيْوَانُ شِعْرٍ" حَدَّثَ بِهِ (١)، وَكَانَ فَصِيْحَ القَوْلِ حَسَنَ المَعَانِي، ذَا دِيْنٍ وَصَلَاحٍ، وَتَصَلُّبٍ فِي السُّنَّةِ.
قَالَ ابْنُ القَطِيْعِيِّ: مَنَعَ الوَزِيْرُ ابْنُ هُبَيْرَةَ الشُّعَرَاءَ مِنْ إِنْشَادِ الشِّعْرِ بِمَجْلِسِهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ النُّمَيْرِيُّ قَصِيْدَةً سَمِعْتُهَا مِنْ لَفْظِ النُّمَيْرِيِّ، فَكَتَبَ الوَزِيْرُ عَلَى رَأْسِهَا بِخَطِّهِ: لَوْ كَانَ الشُّعَرَاءُ كُلُّهُمْ مِثْلَهُ فِي دِيْنِهِ وَقَوْلِهِ لَمْ يُمْنَعُوا، وَإِنَّمَا يَقُوْلُوْنَ مَا لَا يَحِلُّ الإِقْرَارُ عَلَيْهِ، وَهُوَ فَالصَّدِيْقُ، وَمَا يَذْكُرُ يُوْقَفُ عَلَيْهِ، وَرُسُوْمُهُ تُزَادُ وَلَا تُنْقَصُ، وَالسَّلَامُ. وَقَدْ حَدَّثَ النُّمَيْرِيُّ بِحَدِيْثِهِ وَشِعْرِهِ، وَسَمِعَ مِنْهُ القَطِيْعِيُّ، وَغَيْرُهُ.
وَرَوَى عَنْهُ عُثْمَانُ بْنُ مُقْبِلٍ اليَاسِرِيُّ، وَبَهَاءُ الدِّيْنِ عَبدُ الرَّحْمَنِ المَقْدِسِيُّ، стр. 983
وَابْنُ الدُّبَيْثِيُّ، وَيُوْسُفُ بْنُ خَلِيْلٍ (١) وَغَيْرُهُمْ.
وَتُوُفِّيَ يَومَ الثُّلَاثَاءِ عِشْرِيْنَ مِنْ رَبِيْعٍ الآخِرِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَدُفِنَ مِنَ الغَدِ بمَقْبَرَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ عِنْدَ الشُّهَدَاءِ، ﵀، وَمِنْ شِعْرِهِ - وَقَدْ سُئِلَ عنْ مَذْهَبِهِ وَاعْتِقَادِهِ؟ فَأَنْشَدَ -:
أُحِبُّ عَلِيًّا وَالبَتُوْلَ وَوُلْدَهَا … وَلَا أَجْحَدُ الشَّيْخَيْنِ حَقَّ التَّقَدُّمِ
وَأَبْرَأُ مِمَّنْ نَالَ عُثْمَانَ بِالأَذَى … كَمَا أَبْرَأُ مِنْ وَلَاءِ ابْنِ مُلْجِمِ
وَيُعْجِبُنِي أَهْلَ الحَدِيْثَ لِصَدْقِهِمْ … فَلَسْتُ إِلَى قَوْمٍ سِوَاهمْ بمُنْتَمِي
وَقَدْ رَوَى البَيْتُ الثَّالِثُ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ شِعْرِهِ - وَقَرَأْتُهُ بِخَطِّ السَّيْفِ بْنِ المَجْدِ الحَافِظِ -:
سَبَرْتُ شَرَائِعَ العُلَمَاءِ طُرًّا … فَلَمْ أَرَ كَاعْتِقَادِ الحَنْبَلِيِّ
فَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ سِرًّا وَجَهْرًا … تَكُنْ أَبَدًا عَلَى النَّهْجِ السَّوِيِّ
هُمْ أَهْلُ الحَدِيْثِ وَمَا عَرَفْنَا … سِوَى القُرْآنِ وَالنَّصِّ الجَلِيِّ
وَمِمَّا أَنْشَدَهُ عَنْهُ ابْنُ القَطِيْعِيِّ، وَقَالَ: أَنْشَدَنِي لِنَفْسِهِ:
وَكَفَى مُؤْذِنًا بِاقْتِرَابِ (٢) الأَجَلْ … شَبَابٌ تَوَلَّى وَشَيْبٌ نَزَلْ стр. 984
وَمَوْتُ اللَّدَاتِ (١)، وَهَلْ بَعْدَهُ … بَقَاءٌ يُؤَمِّلُهُ مَنْ عَقَلْ
إِذَا ارْتَحَلَتْ قُرَنَاءُ الفَتَى … عَلَى حُكْمِ رَيْبِ المَنُوْنِ ارْتَحَلْ
هُوَ المَوْتُ لَا مُحْتَمَى (٢) لِلْنُّفُوْ … سِ مِنْ خَطْبِهِ بِالرُّقَى وَالحِيَلْ
إِذَا صَالَ كَانَ سَوَاءً عَلَيْـ … ــهِ مَنْ عَزَّ مِنْ كُلِّ حَيٍّ وَذَلَّ
فَيَا وَيْحَ نَفْسِي أَمَا تَرْعَوِيْ … وَقَدْ ذَهَبَ العُمْرُ إِلَّا الأَقَلَّ
وَمِنْ شِعْرِهِ أَيْضًا:
أَذَاعَتْ بِأَسْرَارِيَ الأَدْمُعُ … غَدَاةَ استَقَلُّوا وَمَا وَدَّعُوا
جَزِعْتُ لِمَا أَعْتَزَّ مِنْ بَيْنِهِمْ … وَمَا كُنْتُ مِنْ مُؤْلِمٍ أَجْزَعُ
تَوَّلَوا فَمَا قَرَّ لِي بَعْدَهُمْ … فُؤَادٌ، وَلَا جَفِّ لِي مَدْمَعُ
وَأُقْسِمُ لَا حِلْتُ عَنْ عَهْدِهِمْ … وَفَوا لِيَ بِالعَهْدِ أَوْ ضَيَّعُوا
أَأَحْبَابَنَا هَلْ لِعَصْرٍ مَضَى … لَنَا وَلَكُمْ باللَّوَى مَرْجِعُ
كَأَنَّ عَلى كَبِدِي بَعْدَكُمْ … مِنَ الشَّوْقِ نَارُ غَضًا تَسْفَعُ
ولِيْ مُقْلَةٌ مُنْذُ فَارَقْتُكُمْ … إِذَا هَجَعَ النَّاسُ لَا تَهْجَعُ
يُؤَرِّقُنِي كُلُّ بَرْقٍ أَرَاهُ … مِنْ نَحْوِ أَوْطَانِكُمْ يَلْمَعُ стр. 985
وَكَمْ لِيَ مِنْ عَاذِلٍ فِيْكُمُ … يُطِيْلُ المَلَامَ فَلَا أَسْمَعُ
وَقَالَ: وَمِنْ شِعْرِهِ فِي الغَزَلِ:
وَلَمَّا رَأَى وَرْدًا بِخَدَّيْهِ يُجْتَنَى … وَيُقْطَفُ أَحْيَانًا بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ
أَقَامَ عَلَيْهِ حَارِسًا مِنْ جُفْوْنِهِ … وَسَلَّ عَلَيْهِ مُرْهَفًا مِنْ عِذَارِهِ
وَمِنْ شِعْرِهِ أَيْضًا:
يُزَهِّدُنِي فِي جَمِيْعِ الأَنَا … مِ قِلَّةُ إِنْصَافِ مَنْ يُصْحَبُ
وَهَلْ عَرَفَ النَّاسُ ذُو نُهْيَةٍ (١) … فَأَمْسَى لَهُ فِيْهُمُ مَرْغَبُ
هُمُ النَّاسُ مَا لَمْ تُجَرِّبْهُمُ … وَطُلْسُ الذِّئَابِ (٢) إِذَا جُرِّبُوا
وَلَيْتَكَ تَسْلَمُ عِنْدَ البِعَا … دِ مِنْهُمْ فَكَيْفَ إِذَا يَقْرُبُوا
٢٠١ - أَحْمَدُ بْنُ الحُسَيْنِ (٣) بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ البَغْدَادِيُّ، المُقْرِئُ، أَبُو العَبَّاسِ، следующие страницы →