Полный текст (1 568 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
مستقلة في ممالكها كغيرها من الدول، وأن البحر الأسود يكون بمعزل عن جولان مراكب حربية فيه من أي جنس كان، ما عدا الدولة العثمانية والروسية فإن لهما حقاً في إدخال عدد قليل من المراكب الصغيرة الحربية لأجل محافظة أساكلها، وأن لا يكون للدولة العثمانية ولا الروسية ترسانات بحرية حربية على شواطئ البحر الأسود إلى مواطنها، وانتهت الحرب التي لم يكن لها داع سوى المطامع.
وفي سنة اثنتين وسبعين كانت فتنة عظيمة بمكة المشرفة بين أهالي مكة وعساكر الدولة بسبب ورود أمر يمنع بيع الرقيق، وانتهت في رمضان بالقبض على الشريف عبد المطلب بن غالب أمير مكة، وتولية الشريف محمد بن عون، والكلام عليها طويل.
وفي سنة أربع وسبعين وقعت فتنة في جدة بين أهالي جدة والنصارى الذين بها، بسبب اختلاف بعض أهل المراكب في وضع بنديرة الإسلام والإنكليز على بعض المراكب والكلام عليها أيضاً طويل.
وفي سنة سبع وسبعين كانت فتنة بالشام بين النصارى وأهل الشام الكلام عليها أيضاً طويل، قد ذكرت بعضه في ترجمة أحمد باشا الشهيد، وكان ابتداء الفتنة في هذه السنة بين النصارى والدروز في جبل لبنان فآل الأمر إلى وقوع حرب بين الفريقين، وكانت النتيجة ردية على النصارى بسبب اختلافهم وعدم انضمام بعضهم لبعض، وعدم انقيادهم لبعضهم، ففتكت بهم الدروز، ثم ما زال الأمر يتفاقم إلى أن وقع الأمر في الشام، وكانت فتنة كبرى، وداهية عظمى، فأرسل الباب العالي فؤاد باشا ليمهد الأمور وينتقم من المذنبين، وأرسلت فرانسا عشرة آلاف جندي
стр. 1017
للمحافظة ومنع التعدي، وكذلك باقي الدولة الإفرنجية، منها من أرسل مراكب حربية، ومنها من أرسل نواباً لإصلاح الحال وتمهيد الأمور، وغب إجراء ما لزم إجراؤه استحسنت الدولة العلية باتفاق الدول وضع نظامات جديدة لأهل هذا الجبل، وأن تتحول أحكامه لمشير من الطائفة النصرانية من غير أهالي الجبل، ليكون متصرفاً بها ويخابر رأساً الباب العالي، فتوجهت المتصرفية لداود باشا الأرمني.
ومن خيرات السلطان عبد المجيد وفتوحاته المعنوية تجديد مسجد النبي ﷺ بالمدينة المنورة فإنه كان على بناء السلطان قايت باي، وكان مسقفاً بالخشب، فطالبت مدته وحصل فيه خراب، فصدرت إرادة مولانا أمير المؤمنين السلطان عبد المجيد خان بهدمه وتجديده سنة ألف ومائتين وسبعين، فهدم وجدد وجعل سقفه قبباً وطواجن كالمسجد الحرام، وتممت عمارته بعد مضي أربع سنين، فجاء على صفة لم ير الراؤون أحسن منها، وله عمارات كثيرة في الأماكن المأثورة بالحرمين الشريفين، وله تجديد ميزات للكعبة المشرفة سنة خمس وسبعين ومائتين وألف. وتوفي السلطان عبد المجيد في سابع عشر ذي القعدة سنة ألف ومائتين وسبع وسبعين وعمره أربعون سنة ومدة سلطنته ثنتان وعشرون سنة وستة أشهر.
الشيخ عبد المجيد بن الشيخ محمد صلاح الدين بن الشيخ عبد الله الحنبلي الشهير بأبي شعر الدمشقي
شهم سما في سماء المكارم، وطلعت شمس فضائله في أفلاك الأكارم، فكان فرد ذوي الذكر والتقوى، والعبادة في السر والنجوى، والطاعة في كل أحيانه، والإقبال على الله في سره وإعلانه، كثير الطواف والسعي ببيت الحمد والشكر، دائم التوجه إلى مولاه كأن كل لياليه ليلة القدر،
стр. 1018
مع عشق بالله وهيام، وولوع ومحبة وغرام، قد شرب من صافي الشراب، فسكر وعن الأغيار غاب. مات ﵀ سنة ثمان وستين ومائتين وألف ودفن في مقبرة باب الصغير وقبره ظاهر.
الشيخ عبد المجيد بن الشيخ محمد بن الشيخ محمد الخاني النقشبندي
همام حظه من الأدب وافر، وإمام وجه أمانيه طلق سافر، ما زال من الرفعة في أعذبها شرعة، ومن الحظوة في أسوغها جرعة، له في اللطائف والطرائف من الروضان روضان، ومن بداعة النظم والنثر من المرجان مرجان.
ولد في حدود الستين والمائتين والألف. وبعد أن أتم القرآن وجوده قرأ النحو والصرف، وحضر جملة من العلوم على سادة لهم اليد الطولى في المنطوق والمفهوم، منها الأمير الكبير، والفاضل الشهير السيد عبد القادر الجزائري، ومنهم علامة الشام الشيخ محمد الطنطاوي، ومنهم والده، واشتغل في علم الأدب إلى أن حاز على الأرب. وفي
стр. 1019
عام ألف وثلاثمائة وأربعة عشر سافر إلى الآستانة وكان لجده معاش مقداره ألف وخمسمائة قرش في كل شهر، وبعد موت جده انتقلت لأبيه وما زالت تتناقص إلى أن صارت تسعمائة وخمسين قرشاً، فأراد المترجم إرجاعها إلى أصلها فلم يمكن، غير أنهم وجهوا على والده ثلاثمائة قرش قيد حياة، فجاء المترجم إلى الشام بعد ما مكث في الآستانة نحواً من سنتين، ولم يمض مدة بعد حضوره إلا وقد توفي والده، فانقطعت الثلاثمائة، وأما المعاش الأول فإنه تخاصم مع عمه الشيخ أحمد عليه، وكل منهما يدعيه لنفسه وأنه أحق به، وطال الخصوم إلى أن أصلح بينهما مفتي الشام صالح أفندي قطنا مناصفة، فيه وفي مشيخة التكة النقشية.
وللمترجم نظم ونثر كثير، ومن ذلك قصيدته الرائية المؤرخة في كل شطر، التي بارك بها لسمو خديوي مصر، بمسند الخديوية. ومطلعها:
اللطف في أرجاء مصر يشير ... أني بتوفيق العزيز بشير
١٢٩٦ ١٢٩٦ - وما أرشق ما قال منها:
دانت إليه الآصفية منصباً ... ودنا سروراً منبر وسرور
١٢٩٦ ١٢٩٦ - ومن القصائد الحماسية، قصيدته البهية البائية، ومطلعها:
تجلى من العلم الإلهي كواكبه ... لنا وبنا سارت إلينا مواكبه
ونحن وإن جر الخمول ذبوله ... علينا فإنا للوجود مناقبه
وما الكون إلا شاعر وصفاتنا ... مشارقه تشدو بها ومغاربه
وما أعلى ما قال منها:
توهم أهل الجهل إدراك شأونا ... ومن نال هذا الفضل تسمو مراتبه
وهب أنهم قد أمطروا منه قطرة ... فمن بعد ما انهلت علينا سحائبه
стр. 1020
ومن ذلك قصيدته الغراء الرائية ومطلعها:
نحن الملوك على الأسره ... في دولة الفقر المسرة
م ساح في ساحاتنا ... نحمي من الأغيار سره
أو غاب عن غاباتنا ... حرم الحماة من المعرة
ومن غزلياته وحسن اقتباساته:
أما وليال من ذوائبها عشر ... وما نسخت بالفرق من صورة الفجر
وما كتبت بالمسك في وجناتها ... فخالاتها تختال بالشفع والوتر
وسين جبين فوق نون حواب ... على قمر والليل فيه إذا يسري
وما نفثت بالسحر من لحظاتها ... وذا قسم لا ريب فيه لذي حجر
إذا كان من أهواه عني راضياً ... فلا رضيت عني الأنام إلى الحشر
ومن موشحاته وطيب رشحاته:
سلم الله غزالاً سلما ... بعيون كحلت بالنعس
وفم أتقنه الله فما ... فيه عيب غير طيب اللعس
دور
ربرب ربي في وادي زرود ... ما لوى الجيد إلى ماء اللوا
لو رآه البدر يهوى للسجود ... وهو لا يعلم ما معنى الهوى
ذو محيا خاله فوق الخدود ... ملك الزنج على العرش استوى
كل من علمه منع اللما ... جاهل قدر حياة الأنفس
ما له من مشبه نفسي وما ... لي فدا ذاك الرضاب الأنفس
ومن مقطفاته ما كتب به إلى أحد الفضلاء الكرام، وقد ذهب إلى بيت المقدس ووعده بالعود إلى دمشق الشام:
стр. 1021
أسرت بآية الإسراء عبداً ... تلهى بالعهود إذا تلاما
وما قالوا له إيه إذا ما ... تحدث عنك إلا قال آها
ومن ذلك وقد عارض صاحب العقد الفريد في قوله:
إن يوم الفراق أفظع يوم ... ليتني مت قبل يوم الفراق
فقال:
من تمنى الممات قبل الفراق ... ما له في شرع الهوى من خلاق
كيفما كان قد تصبر حتى ... ذاق يوف الفراق بين الرفاق
لو يكن صادق المحبة مثلي ... مات خوفاً من ذكر يوم الفراق
ومن تطريزه في كل كلمة ما كتب إلى رئيس كتاب ولاية سورية الجليلة:
سلام على أقمار دهر ترى لهم ... وضاءة حسن ساطع يوم تلمح
حرقت لهم مستعطفاً يوم أقبلوا ... فؤادي نداً دائماً يتفوح
ومن ذلك ما أنشده عند دخوله إلى بيروت مقرظاً جرائدها السبع عام ثلاثمائة وألف فقال:
ثمرات مقتطف الجنان بشيرها ... بلسان مصباح التقدم قائل
ظل المعارف وارف في روض بيروت وحزب الفضل فيه قائل
وكان والده ﵀ يقرأ في كل يوم ثلاثا وجمعة صحيح البخاري صباحاً في حجرته في جامع السويقة وبعد موته جلس المترجم في مكانه. ثم بعد موت عمه الشيخ أحمد سافر المترجم إلى الدار العلية لتكون المشيخة والمعاش له بمفرده فلم ينجح ووجهت المشيخة على الجامع والمعاش على عمه الشيخ عبد الله، وتوفي المترجم في الآستانة وذلك سنة ألف وثلاثمائة وخمس عشرة.
стр. 1022
الشيخ عبد العزيز بن أحمد ولي الله الدهلوي رحمه الله تعالى .
سلطان إقليم المعاني، ومالك أزمة البيان وبديع الزمان الثاني، ومؤيد مذهب النعمان، ومسدد أقوال ذوي المعرفة والشان، مصنفاته لا تحصى، ومؤلفاته تجل عن أن تستقصى، فمن نظمه ما كتبه إلى السيد العلامة حسين اللندني الهندي وهو هذا:
هنيئاً قد أقر الله عيني ... بأخبار أتتني من حسين
فتى إن عدت الأعيان قالت ... له الأعيان إنك أنت عيني
فدام بقاؤه ما لاح برق ... واطرب صوت قمري وعين
ثم أتبعه بهذا النثر: روض ممطور، ودر منظوم في رق منشور، وقراضات ذهب ساقطها اليراع من الأحرف النورانية فهي نور على نور، وشمس من الكلام، أطلعها أفقها في بروج من القراطيس، وكواكب من حسن الانتظام تبلجت في سماء البلاغة وتدبجت فما هي إلا أجنحة الطواريس. وردت من تلقاء قطب فلك الكرم، ينبوع مكارم الأخلاق والشيم، ربيع الوفاد، وثمال المرتاد، ومقصد الحاضر والباد، ربوة الفخر العليا وبهجة الحياة الدنيا، دوحة المجد التي سقاها ماء النبوة ريا، من كرم جده وسما في سماه المعالي جده، وتغلغل في الشرف صيته وشرف مجده، لا زال للصريح نصرة، وللعصر البهيم غرة، ما جن غاسق وجن عاشق وطلع نجم
стр. 1023
ولاح في برجه، ونجم طلع وفاح في مرجه، على محب حل حبه منه محل الروح وملك ما يغدو منه وما يروح، بل حب مازج القلب فما تشابها وتشاكل الأمر، بل اتحدا فلم يقل: " رق الزجاج ورقت الخمر " إلى غير ذلك، والسلام.
ألا وإن هذا الهمام له من النظم أعلاه، ومن النثر أجمله وأجله وأحلاه، لقد سرى في الناس حسن معناه، وسلم له الكل بأنه نال من الكمال مناه، فظهر ظهور القمر، ومهر في المعارف حتى بهر. توفي رحمه الله تعالى سنة ألف ومائتين ونيف.
السيد عبد المحسن بن حمزة بن السيد علي الدمشقي الحنفي الشهير بابن عجلان الشريف الحسني
نقيب الأشراف بدمشق الشام. ونخبة أعيانها وأشرافها الكرام، المتحلي بحلى الأدب والكمال، والمستوي على عرش اللطافة والجمال، أحد فضلاء الأفاضل المعروفين، وأوحد السادات الأوائل المشهورين، المشار إليهم بعلو الذكر، وسمو القدر، فلا ريب أنه ممن علا قدره وفاق، وعم ذكر النواحي والآفاق.
ولما توفي والده السيد حمزة ولي نقابة الأشراف مكانه ومشى على نسق والده من التقوى والديانة والصيانة.
فائدة
النقابة معناها الرئاسة قال في القاموس: النقيب ضمين القوم وعريفهم وقال في مادة عرف: والعريف كأمير من يعرف أصحابه، والعريف
стр. 1024
رئيس القوم. وقيل إن النقيب دون الرئيس، وعلى كل حال فنقيب الأشراف رئيسهم. نقل صاحب الشرف المؤبد أن هذه النقابة على الأشراف وضعت في الأصل لصيانتهم عن أن يتولى عليهم من لا يكافئهم في النسب ولا يساويهم في الشرف، ويختار لها أجلهم بيتاً وأكثرهم فضلاً وأجزلهم رأياً، لتجتمع فيه شروط الرياسة والسياسة، فيسرعوا إلى طاعته برياسته، وتستقيم أمورهم بسياسته، ويلزمه لهم بتقلدها اثنا عشر حقاً " أحدها " حفظ أنسابهم من داخل فيها وليس منها أو خارج عنها وهو منها. " والثاني " معرفة أنسابهم وتمييز بطونهم ويثبتهم في ديوانه على التمييز. " والثالث " معرفة من ولد منهم من ذكر أو أنثى فيثبته ومعرفة من مات فيذكره. " والرابع " أن يحملهم على الآداب التي تضاهي شرف أنسابهم وكرم محتدهم لتكون حشمتهم في النفوس موفورة، وحرمة رسول الله ﷺ فيهم محفوظة. " والخامس " أن ينزههم عن المكاسب الدنيئة ويمنعهم عن المطالب الخبيثة حتى لا يستقل ولا يستضام منهم أحد. " والسادس " أن يكفهم عن ارتكاب المآثم ويمنعهم من انتهاك المحارم ليكونوا على الدين الذي نصروه أغير، وللمنكر الذي أزالوه أنكر، فلا ينطلق بذمهم لسان ولا يشنؤهم إنسان. " والسابع " أن يمنعهم من التسلط على العامة لشرفهم والتشطط عليهم لنسبهم فيدعوهم ذلك إلى المقت والبغض ويبعثهم على المناكرة والبعد وأن يندبه إلى استعطاف القلوب وتألف النفوس ليكون الميل إليهم أوفى والقلوب لهم أصفى. " والثامن " أن يكون عوناً لهم في استيفاء حقوقهم حتى لا يضعفوا عنها وعوناً عليهم في أخذ الحقوق منهم حتى لا يمنعوا أهلها منها، ليصيروا بالمعونة لهم منتصفين وبالمعونة عليهم منصفين، فإن من عدل السيرة فيهم إنصافهم وانتصافهم. " والتاسع " أن ينوب عنهم في حقوقهم في بيت مال المسلمين. " والعاشر " أن يمنعهم نساءهم أن يتزوجن إلا من الأكفاء لشرفهن على سائر النساء صيانة لأنسابهن وتعظيماً لحرمتهن. " والحادي عشر "
стр. 1025
أن يقوم ذوي الهفوات منه ويقيل ذا الهيئة منهم عثرته ويغفر بعد الوعظ زلته. " والثاني عشر " أن يراعي وقوفه بحفظ أصولها وتنمية فوعها ويراعي قسمتها عليهم بحسب الشروط والأوصاف ويزداد على ذلك في النقابة العامة خمسة أشياء أخرى: " أحدها " الحكم بينهم فيما تنازعوا فيه. " والثاني " الولاية على أيتامهم فيما ملكوه. " والثالث " إقامة الحدود عليهم فيما ارتكبوه. " والرابع " تزويج الأيامى اللاتي لا يتعين أولياؤهن أو قد تعينوا فعضلوهن. " والخامس " إيقاع الحجر على من عته منهم أو سفه وفكه إذا أفاق ورشد انتهى ملخصاً من الأحكام السلطانية للإمام الماوردي.
ثم أن المترجم كان مستقيماً، وكان لأهل النسب والشرف قدر عظيم في أيامه لملاحظته لهم بعين الإجلال والتعظيم. مات عقيماً في شعبان سنة ثلاث وستين ومائتين وألف ودفن في مدفنهم المعروف بمدفن بني عجلان.
الشيخ عبد الملك القلعي الحنفي مفتي السادة الحنفية بمكة المشرفة
وهو الشيخ عبد الملك بن القاضي عبد المنعم بن القاضي تاج الدين محمد القلعي، فارس ميدان الأفاضل، وعنوان شرف الفضائل، عمدة الأعيان، ونخبة ذوي القدر والشان، فقيه السادة الحنفية، ومحدث الديار الحجازية، ومدار كرة المعقول والمنقول، ومنار فلك القادة الفحول. ولد في مكة سنة ألف ومائة ونحو الخمسين وأخذ عن والده وعن العلامة السيد سعيد سنبل. وعن الفهامة الشيخ عبد الله الشبراوي االأزهري وغيرهم، وولي الإفتاء بمكة المكرمة وكانت له الصدارة في العلوم، من منطوق ومفهوم، وكانت وفاته سنة تسع وعشرين ومائتين وألف ودفن في مقبرة المعلى.
стр. 1026
الشيخ عبد المنعم بن شيخ الإسلام الشيخ أحمد العماوي المالكي الأزهري المصري
شيخ الإسلام والمسلمين، وعمدة الأعلام المتقدمين، ينبوع العلم والعرفان؛ المطبوع على الفضائل والإحسان، من افتخرت به الأفاضل وهرعت إليه الأكابر والأماثل، آخر طبقة الأشياخ من أهل القرن الثاني عشر، تفقه على الشيخ الزهار وغيره من أهل مذهبه المعتبر، وحضر الأشياخ المتقدمين كالدفري والحفي والصعيدي والشيخ سالم النفراوي والشيخ الصباع الإسكندري والشيخ فارس وأمثالهم من الموجودين، وانتفع الناس بعلمه الأنور، ولم يزل ملازماً لإقراء الدروس في الأزهر، مع العفة والديانة، والمروءة والصيانة، والانزواء عن الناس والرضى بحالته، والقناعة بما لم يشغله عن ديانته، ليس بيده من التعلقات الدنيوية سوى النظر على ضريح سيدي صفوة الأكابر، أبي السعود المعروف بأبي العشائر، ولم يتجرأ على الفتيا مع أهليته لذلك، وسلوكه في أحسن المسالك، ولم تمل نفسه لزخارف الدنيا وسفاسف الأمور، مع التجمل في الملبوس والمركوب وإظهار الغنى والحبور، وكان يصدع بالحق ولا يلتفت إلى مكابره ولا يتردد إلى بيوت الحكام والأكابر، إلا لضرورة داعية، فيدخل مع مروءة وهمة عالية، ولم يزل كذلك حتى دعاه الحمام، إلى دار السلام، وذلك ليلة الخميس حادي عشر ذي القعدة سنة ثلاث وعشرين ومائتين وألف وعاش أربعاً وثمانين سنة، وصلي عليه في الأزهر ودفن في تربة المجاورين.
стр. 1027
عبد الهادي بن السيد سليم الدمشقي الفاروق الشهير بالعمري الحنفي
كان من مشاهير صدور الشام، وأعيانها العظماء الفخام، له صولة عظيمة، وهيبة جسيمة، وجلالة في قلوب الناس سامية، وشهرة في الأماكن جميلة وافية.
ولد بدمشق الشام، ونشأ على أتم مرام، حتى ساد وبرع، وسما على كاهل الكمال وارتفع، وصار عضواً في المجلس الكبير، وكان عليه تولية وقف سيدي علي بن عليل الفاروقي العمري ذي المقام الشهير، ثم بعد ذلك ترك الاختلاط بالأكابر وذوي السياسة والأعيان، وانزوى في بيته للصلاة والعبادة وتلاوة القرآن، إلى أن توفي في شهر ربيع الثاني سنة اثنتين وثمانين ومائتين وألف ودفن في مرج الدحداح.
الشيخ عبد الوهاب بن الحسن البوسنوي الساري المعروف ببشناق
ترجمه الجبرتي بقول: العمدة الفاضل الواعظ، قدم مصر سنة تسع وستين ومائة وألف ووعظ بمساجدها وأكرمه العلماء للجنسية، ثم توجه إلى الحرمين وقطن بمكة ورتب له شيء معلوم على الوعظ والتدريس، ومكث مدة، ثم حصلت فتنة بين الأشراف والأتراك فنهب بيته وخرج هارباً إلى مصر، فالتجأ إلى علمائها فكتبوا له عرضاً إلى الدولة، بمعرفة ما جرى عليه، فعين له شيء في نظير ما ذهب من متاعه، وتوجه إلى الحرمين فلم يقر له
стр. 1028
بمكة قرار، ولم يمكنه الامتزاج مع رئيس مكة لسلاقة لسانه واستطالته في كل ما دب ودرج، فتوجه إلى الروم ومكث بها أياماً حتى حصل لنفسه شيئاً من معلوم آخر، فأتى إلى مكة، وصار يطلع على الكرسي ويتكلم على عادته في الحط على أشراف مكة وذمهم والتشنيع عليهم وعلى أتباعهم، وذكر مساويهم وظلمهم، فأمره شريف مكة بالخروج منها إلى المدينة فخرج إليها، وقد حنق غيظاً على الشريف، فلما استقر بالمدينة ضم إليه بعض الأوباش ومن ليس له ميل إلى الشريف، فصار يطلع على الكرسي ويستطيل بلسانه عليه ويسبه جهراً، وغره مرافقة أولئك معه وأن الشريف لا يقدر أن يأتي لهم بحركة، فتعصبوا وزادوا نفوراً، وأخرجوا الوزير الذي هو من طرف الشريف، وكاتبوا إلى الدولة برفع يد الشريف عن المدينة مطلقاً، وأنه لا يحكم فيهم أبداً، وإنما يكون الحاكم شيخ الحرم فقط، وأرسلوا بالمعروض مفتي المدينة إلى الدولة العلية، فكتب لهم على مقتضى طلبهم خطاباً إلى أمير الحاج الشامي وإلى الشريف، ولما أحس الشريف بذلك تنبه لهذه الحادثة وعرف أن أصلها من أنفار بالمدينة أحدهم المترجم، واستعد للقاء أمير الحاج بعسكر جرار على خلاف عادته، ورام مناوءته إن برز منه شيء خلاف ما عهد منه، فلما رأى أمير الحاج ذلك الحال كتم ما عنده، وأنكر أن يكون عنده شيء من الأوامر في حقه، ومضى لنسكه، حتى إذا رجع إلى المدينة تنمر وتشمر وكاد أن يأكل يده من التندم والحسرة، وذهب إلى الشام. ولما خلت مكة من الحجاج جرد الشريف عسكراً على العرب فقاتلوه، وصبر معهم حتى ظفر بهم، ودخل المدينة فجأة، ولم يكن ذلك يخطر ببالهم قط فما وسعهم إلا أنهم خرجوا للقائه، فآنسهم بأنه ما أتى إلا لزيارة جده ﵊، وليس له غرض سواه. فاطمأنوا بقوله، وشق سوق المدينة بعسكره وعبيده، حتى دخل من باب السلام، وتملى من الزيارة، وأقبلت عليه
стр. 1029
الوظائف مسلمين، فأكرمهم وكساهم، فلما آنس منهم الغفلة أمر بإمساك جماعة من المفسدين فقبض على بعضهم، واختفى باقيهم وتسللوا وهرب منهم جماعة بالليل خفية، وكان المترجم أحد من اختفى في بيته ثلاثة أيام، ثم غير هيئته وخرج حتى أتى مصر، ومشى على طريقته في الوعظ، وعقد له مجلساً بالمشهد الحسيني، وخالط الأمراء، وحضر درسه الأمير يوسف بك، ومال إليه، وألبسه فروة ودعاه إلى بيته وأكرمه، وتردد إليه كثيراً، وكان يجله ويرفع منزلته، ويسمع كلامه وينصت إلى قوله، واستمر بمصر، وسكن في حارة الروم، ورتب له الضربخانة كل يوم مائة نصف فضة، وعلا جاهه وارتفع قدره عند أبناء جنسه، إلى أن وقع له ما وقع مع إسماعيل باشا، تغير خاطره بسببها عليه فحبسه ثلاثة أشهر ثم أخرجه بشفاعة الدفتردار وانزوى خاملاً في داره إلى أن مات في أوائل شعبان في الطاعون سنة خمس ومائتين وألف رحمه الله تعالى.
الشيخ عبد الوهاب الشبراوي الشافعي الأزهري
الإمام العمدة الفقيه الصالح، والهمام النخبة النبيه الفالح، تفقه على أشياخ العصر، وحضر دروس الشيخ عبد الله الشبراوي والحفني والبراوي وعطية الأجهوري وغيرهم، وتصدر للإقراء والتدريس والإفادة بالجوهرية وبالمشهد الحسيني وحضر درسه الجم الغفير من العامة، واستفاد منه الكثير من الناس، وقرأ كتب الحديث كالبخاري ومسلم، وكان حسن الإلقاء سلس التقرير جيد الحافظ جميل السيرة مقبلاً على شأنه، ولم يزل ملازماً على حالته حتى اتهم في إثارة الفتنة وقتل في القلعة شهيداً بيد الفرنسيس في أواخر جمادى الأولى سنة أربع عشرة ومائتين وألف ولم يعلم له قبر ﵀.
стр. 1030
الشيخ عبد الوهاب بن أحمد بن يوسف الحلبي الشافعي السعدي
أحد المشايخ السعدبة بحلب، مولده بها بعد الخمسين ومائة وألف، وقدم دمشق الشام سنة ثمان وسبعين ومائة وألف، وأخذ الطريقة السعدية عن الشيخ الكامل والعمدة الفاضل، أبي عبد الله محمد سعد الدين بن مصطفى بن البرهان إبراهيم السعدي الجباوي الدمشقي الميداني، وكتب له الإجازة على عادتهم، وخلفه وأمره بالإرشاد والتسليك، وكتب له العلماء خطوطهم على الإجازة، وكان صالحاً عابداً زاهداً تقياً مرشداً نقياً مشتغلاً بالخلوات والرياضات والتسليك للمريدين من القاصدين والمريدين، سالكاً للطريق على منهم التوفيق. وفي سنة ألف ومائتين وخمس، اجتمع به في حلب حضرة العالم الفاضل خليل أفندي المرادي وتبرك به وشهد كل بكمال الآخر، ومات بعد ذلك، ببضع سنين في حلب، ولم أقف على تعيين تاريخ وفاته.
الشيخ عثمان بن إبراهيم الشامي الدمشقي
صدر العلماء، وخاتمة السادة الفقهاء، وبدر سماء الزمان، وشمس إشراق الأفاضل الأعيان، الإمام الكامل، والهمام الفاضل، كعبة المكارم، ونخبة الأكارم.
ولد سنة تسع وأربعين ومائة وألف، وأخذ عن العلامة الملوي والإمام الطحاوي والهمام الدمنهوري وحضر دروس الشمس محمد الأيوبي الأنصاري الشهير بالرحمتي. مات سنة تسع عشرة ومائتين وألف وبلغ سنه سبعين سنة رحمه الله تعالى.
السيد عثمان بن أحمد الصفائي المصري
الحبر الفريد، والبحر الوحيد، والنبيه اللبيب، والوحيد الأديب، والكامل النادر، والناظم الناثر، نشأ في ظل النعمة والرفاهية، وقرأ النحو
стр. 1031
والمنطق وبقية الفنون بهمة متعالية، ولازم الشيخ علي الطحان والشيخ مصطفى المرحومي وغيرهما حتى مهر، وتاه به عصره وافتخر، وكان يباحث ويجادل، ويناقش في مشكلات المسائل. ويورد من الأبحاث العقلية، ونوادر الفروع النقلية، ما يشهد له بكمال علمه، وتمام فهمه، وقرأ العروض والقوافي وأحسن النثر والنظام، وحكى شعره بدائع أبي الطيب المتنبي ونوابغ أبي تمام، وكان فيه نوع من اللهو والخلاعة، وأشعاره لها ميل إلى البلاغة والبراعة، وله تخميس على البردة ومن قوله:
نظرت إلى حبي وكنت مفلساً ... فلم أر فيه للفلوس سوى السوى
فقلت له أين الدراهم قال لي ... على أنني راض بأن أحمل الهوى
ومن نظمه تشطير البيتين لعثمان الشمس وهما:
وأغيد لؤلؤي الجسم ذي هيف ... بوجنة أشرقت منها الفؤاد صبا
البدر طرته والغصن قامته ... متمم الحسن فيه كم أرى عجبا
كأنما خاله من نار وجنته ... قد زاد حسناً ومن أعلى الخدود ربا
وحين خاف اللظى في الخد يحرقه ... انقض يرشف شهداً جاوز الشنبا
وله رحمه الله تعالى:
ليس لي في القريض يا قوم رغبة ... بعد هذا الذي كساني رعبه
أشهد الله أنني تبت عنه ... توبة حرمت علي المحبه
حيثما فيه شعر نائب قاض ... ابعد الناس بالفصاحة نسبه
كان فيه جزاؤه صفع وجه ... أو قفاء أو كان قتلاً بحربه
لا جزاء الإله في الناس خيراً ... لا ولا فرج المهيمن كربه
حيث أهدى إلى البرية داء ... مستمراً أعيا فحول الأطبه
يا عديم الآراء ما أنت إلا ... آدمي بؤرية البغل أشبه
كيفما تدعي الفصاحة جهلاً ... أو ما تدر أنها دار غربه
عش جهولاً ومت بجهلك حتفاً ... يا خبيثاً بأخبث الأرض تربه
стр. 1032
فلعمري ما قلته ليس شعراً ... بل نباح وأنت كلب بن كلبه
ثم أستغفر الله مما ... قد جناه اللسان إن كان سبه
وله في إسماعيل أفندي الكدار:
يا خليلي أفديك من كدار ... كوسج الذقن عاري الذقن شعرا
من يكن قرنه كقرنك هذا ... فليكن بيته كإيوان كسرى
ولم يزل رافلاً في حلل السعادة، حتى حلت بساحة شبابه الشهادة وتوفي مطعوناً بمليج وهو ذاب لموسم المولد الأحمدي بطندتا في شهر رجب وقد ناهز الأربعين، وحضروا به إلى مصر محمولاً على بعير، فغسل وكفن ودفن بها عند والده سنة أربع ومائتين وألف.
الشيخ عثمان بن محمد الحنفي المصري الشهير بالشامي
الإمام الكامل، والهمام الفاضل، قال الجبرتي: ولد بمصر وتفقه على علماء مذهبه كالسيد محمد أبي السعود والشيخ سليمان المنصوري والشيخ حسن المقدسي والشيخ الوالد حسن الجبرتي، وأتقن الآلات، ودرس الفقه في عدة مواضع وبالأزهر وانتفع به الناس، وقرأ كتاب الملتقى بجامع قوصون، وكان له حافظة جيدة واستحضار في الفروع، ولا يمسك بيده كراساً عند القراءة، ويلقي التقرير عن ظهر قلب مع حسن السبك، وألف متناً مفيداً في المذهب. ثم حج وزار قبر النبي ﷺ وقطن بالمدينة، وطلب عياله في ثاني عام وباع ما يتعلق به وتجرد على المجاورة، ولازم قراءة الحديث والفقه بدار الهجرة، وأحبه أهل المدينة وتزوج وولد له أولاد ثم تزوج بأخرى، ولم يزل على ذلك حتى توفي في السنة العاشرة والمائتين والألف، ودفن في المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام.
стр. 1033
الشيخ عثمان الكردي الطويلي الخالدي النقشبندي
مركز دائرة الإرشاد، الراقي في درجات السداد، المولى المرشد الكامل الأحوال، والهمام المعدود من أكابر الرجال، صاحب الكرامات الظاهرة، والأنفاس القدسية الزاهرة، هو أول خليفة خلفه حضرة مولانا خالد قدس سره وفاز بنظره وأنفاسه القدسية، وصل إلى مقام الفناء وحاز الأسرار الربانية، وله كرامات كثيرة باهرة، وخوارق عجيبة ظاهرة، شهد بولايته الخاص والعام، واشتهر قدره ومقامه بين الأنام وسلك على يديه كثير من العلماء الأعلام، وأكابر أهل التقوى والفضل ذوي الاحترام، وقد أسلم كثير من اليهود والنصارى على يده، وحازوا بالتفاته ونظره التنوير والاستمداد من مدده، وسلكوا في زاويته ونالوا مقامات الرجال، وكان الغالب على المترجم حال السكر والجلال، وعدم الصحو إلا في نوادر الأحوال، وبقي على حاله، مترقياً في كماله، إلى أن اخترمته المنية، ودعاه الأجل إلى الدار السنية، سنة ألف ومائتين ونيف وثلاثين وهو من رجال المجد التالد.
الحاج عثمان بن الحاج عبد الله بن الحاج فتحي بن عليوي المنسوب إلى بيت الطحان ويشتهر بالحافظ عثمان الموصلي المولوي
ترجمه أحمد عزت باشا العمري الموصلي في كتابه العقود الجوهرية في مدائح الحضرة الرفاعية، فقال: ولد في بلدة الموصل الخضراء سنة
стр. 1034
إحدى وسبعين ومائتين وألف، وقبل أن يبلغ من العمر سبع سنين توفي أبوه وبقي يتيماً وفقد نور بصره على صغره، فرآه والدنا المرحوم محمود أفندي الفاروقي وكان إذ ذاك طفلاً، وتغرس به أن يكون للتربية أهلاً ومحلاً، أخذه إلى بيته العامر، وأعطاه منها إلى أحد الدوائر، وخصص له فيها من يحفظه القرآن، بصورة الإتقان، مع ما ينضم إلى ذلك من طيب الألحان، فأتقنها كلها، وحفظ أيضاً جانباً وافراً من الأحاديث النبوية، والسير المصطفوية، ورتب له من يلقي عليه علم الموسيقى حيث أنه قد رزق الصوت الحسن، وحفظ إذ ذاك من رقائق الأشعار، وغرائب الآثار، ما جمع فأوعى لأنه كان سريع الحفظ، لكيف اللفظ، فنشأ قطعة من أدب، وفرز دقة من لباب العرب، لأنه في الحقيقة ضرير، لكنه بكل شيء بصير، ينظر بعين الخاطر، ما يراه غيره بالناظر، وبقي بخدمة المرحوم الوالد إلى أن توفاه الله، وجعل الجنة مثواه، فتوجه إذ ذاك إلى بغداد، وكنت إذ ذاك فيها فنزل عندي، يعيد ويبدي، وفاء للحقوق التي لا زال يبديها، ولا يخفيها، متردياً بظاهرها وخافيها، فتلقيته ملاقاة الأب والأخ، وقلت له بخ بخ، فتهادته فيها أكف الأكابر وحفت به عيون الأصاغر، فأصبح في بغداد فاكهة الأدباء، ونقل الظرفاء، وشمامة الأوداء، واشتهر بحسن قراءة المولد الكريم، على صاحبه أفضل الصلاة والتسليم، فأومض فيها برق اسمه، وعلا مبارك كعبه ورسمه، فتركته على هذه الصورة في الزوراء، تهب عليه ريح الرخاء، حيث يشاء، وأمسى عند كل ذي عين، جلدة ما بين الأنف والعين، وحفظ فيها نصف صحيح الإمام البخاري على المرحوم الشيخ داود أفندي، وبعد وفاته أكمل حفظ النصف الثاني على بهاء الحق أفندي الهندي مدرس الثاني في الحضرة الأعظمية. ثم أنه بعد ما قضى
стр. 1035
الحج، وفاز بالعج والثج، رجع إلى مسقط رأسه الموصل الخضراء وقرأ فيها القراءات السبع على حيدرة الوطن، محمد أفندي الحاجي حسن، وأخذ الطريقة القادرية من حضرة المرشد الكامل العارف الفاضل المرحوم السيد محمد أفندي النوري، وبرخصته بل بعد استشارته واستخارته توجه راحلاً منها إلى مركز الخلافة العظمى وخصص له ببلدته خير معاش، يستوجب الانتعاش، وأخذ فيها الطريقة الرفاعية، من حضرة صاحب السماحة الصارم الهندي، الشيخ أبي الهدى السيد محمد أفندي، وهو لم يزل إلى الآن، على ما عليه كان، من انقياده في زمام الوفا، واستناده لسواري الأنس والصفا، تتجاذبته أيدي الكبراء، وتتهاداه قلوب الأوداء، وتتلاعب به أفكار الشعراء، وترتاح معه أذهان البلغاء، وتصغي إلى نغماته أسماع الخطباء، فهو بالليل أريب، وبالنهار خطيب، يرقى ذروة المنابر، فتهرع إليه الأكابر والأصاغر، فيسيل جامد دموعها، ويهيج كامن ولوعها، ويمنعها لذيذ هجوعها، خوفاً من رجوعها، وأما شعره فمثل شعوره، يتساقط فراش المضامين على مشكاة نوره، يذوب نظمه حلاوة، ويكتسي نشره طلاوة، فليس على عينه غشاوة، وإذا غنى ظننت الموصلي إبراهيم، أو قرأ حزباً من القرآن الكريم، تخيلت أبياً يترنم بصوته الرخيم، وبالجملة فهو نسخة جامعة، وكرة لامعة، مع ما ينضم إلى ذلك من الوفاء، وكرم الطبع والصفاء، ومن نظمه يمدح
стр. 1036
السيد الرفاعي:
بباب الرفاعي بت أستبق الركبا ... ليصبح جفني لاثماً ذلك التربا
إمام له في الخافقين مفاخر ... بها امتاز بين الأولياء ولا ريبا
فمنها إذا نادى محبوه باسمه ... على النار أطفوها ولو أوقدت لهبا
ومنها سيوف الهند تنبو لبأسه ... وأسد الشرى ترتاع من ذكره رعبا
وأعظمها تقبيل يمنى نبينا ... بها لم يكن من قومه غيره يحبى
أمدت له في محفل خير محفل ... وقد صيرت كل الكرام له حزبا
تردى بأثواب المحبة والحجا ... ومن شرع طه المصطفى أخذ اللبا
أرى ذل حالي فيه خير معزتي ... وأبكي وتعذيبي أراه به عذبا
لقد جئته مستبقياً سبب جوده ... أناديه يا من قد شغفت به حبا
بجدك ذي الخلق العظيم ومن سما ... على الرسل إذ كل لدعوته لبا
بوالدك الكرار باب علوم من ... أماط عن التوحيد في بعثه الحجبا
بريحانتي خير الوجود وفاطم ... وما قد حواه ذلك البيت من قربى
أتيتك يا شيخ العواجز راجيا ... منائحك العليا التي تنعش القلبا
أيدعشني يا آل طه بحيكم ... خطوب وإني قد عرفت بكم صبا
أحبة قلبي ما لعثمان ملجأ ... سواكم وأنتم ملجأ الكون في العقبى
عليكم صلاة الله ما انهل وابل ... بواسط أو هبت بأرجائها النكبا
وأبياته كثيرة، وقصائده شهيرة، أطال الله بقاه آمين انتهى. هذا ولما سافرت إلى الآستانة العلية، في أوائل ذي القعدة الحرام سنة ألف وثلاثمائة وست هجرية، اجتمعت بهذا المترجم ذي الشمائل البهية، فرأيته شاعر الزمان، وناثر الأوان، يصبو القلب إليه ويحن، وينثني له غصن
стр. 1037
البراعة ويرجحن، ففي أوصافه للروح عبق، ومن ألطافه يروق كأس المصطبح والمغتبق، وله أخلاق أقطعها الروض أنفاسه، وشيم يتنافس بها المتنافسون لطافة ونفاسة، وقد أنشدني أفانين من غزلياته، تعزل برونق الصدغ في لباته، وأطربني في ألحانه، ولا إطراب الخمار بحانه، يتلاعب بصوته تلاعب الأنامل بالأوتار، ويحرك القلوب إلى أن تكشف عن محيا غرامها حجب الأستار، وكانت أريحيات غرامه تستفزه وصبوة مدامه تستهزه، فلا يزال، هائماً بغزال، ولا يريم، عن عشق ريم، وشعره يشعر بأنه حليف الجوى، ويعرب عن حاله إعراب الدمع عن مكتوم سر الهوى، ولطفه أرق من العتاب بين الصحاب، وأوقع من الراح ممزوجاً بماء السحاب، ولله در حينما شكالي العذول والهجر والصدود وشداني على صوت الكمام وصوت العود:
لو أن بالعذال ما بي ... ما عنفوني بالتصابي
كلا ولو ذاقوا الهوى ... مثلي لما ملكوا خطابي
ويلاه من بعد المزا ... ر فإنه شر العقاب
قسماً بخلوات الحبيب ... وطيب وقفات العتاب
وتذللي يوم النوى ... لمنيع ذياك الجناب
وبوقفتي أشكو هوا ... ي له بألفاظ عذاب
أبكي وأسرق أدمعي ... خوف العواذل في تباب
ما للمحب أشد من ... نار التباعد من عذاب
بأبي غزال لين الأ ... عطاف معسول
стр. 1038
مياس غصن قومه ... يزري ببانات الروابي
ريان من ماء الصبا ... سكران من خمر الشراب
جعل التجافي دأبه ... وجعلته وهواه دابي
قال العواذل عندما ... أبصرن بالأشواق ما بي
قد كنت من أهل الفصا ... حة لا تحول عن الصواب
فأجبتهم والقلب من ... نار الصبابة في التهاب
الحب قد أعيا فصيح القول عن رد الجواب
وتراه إن حضر الحبيب لديه يأخذ في اضطراب
وغير هذا كثير، لا يكاد يحصيه قلم التحبير، وعلى كل حال فهو حلية العصر، ونادرة الدهر، قضي له بالأدب الوافر منذ طلع من مهده طلوع البدر السافر، فظهر رشده قبل أوانه، ولا ريب أن الكتاب يعرف بيانه من عنوانه. وقد أسمعني من نثره خطبته التي ابتدأ بها تخميسه لقصيدة المرحوم عبد الباقي أفندي العمري المسماة بالباقيات الصالحات وهي:
أحمد من أسبغ علينا من سوابغ المانحات نشبا، وبلغنا بالباقيات الصالحات أربا، ونظمنا في سلك مدائح أهل العبا، وأصلي وأسلم على حبيبه المجتبى، وآله الذين تمدهت بهداهم فدافد وربا، وصحبه الذين بمجاراتهم جواد الضلال كبا، وبعد فيقول العبد العاجز الفقير، ذو الباع القصير، المتوسل لعلاه بحب آل علي، عثمان بن الحاج عبد الله الرفاعي الموصلي: لما كانت مدائح آل المصطفى هي من أعظم الوسائل، للنجاة يوم العرض والمسائل، وكان ممن أحرز قصب السبق في هذا المضمار، الجدير بأنواع الفضائل والفخار، فاروقي الأرومة والنجار الذي اشتهر بالآفاق، وفاق أدباء عصره على الإطلاق، المرحوم عبد الباقي أفندي الموصلي وذلك في
стр. 1039
قصيدته البائية الموسومة بالباقيات الصالحات التي تنشر لديها برود القصائد، وتنثر عندها أفئدة الفرائد، وكانت كالعروس العذراء، ما اقتضها شاعر، ولا اقتحمها ناثر، لما تحصنت به من حسن السبك والإنشاء، خصوصاً فيما أثارته من مؤثرات الرثاء، والمعفر بغباره وجه الغبراء، قدمت على تخميسها مقراً بعدم استطاعتي، وقلة بضاعتي، وذلك لكوني محب بيتهم، ومقتبساً من نور زيتهم، فهذا شمرت ساعد الجد لتسميطها طلباً للثواب، ومحبة لآل النبي الأواب، وأسأل المولى جل وعلا، أن يتقبل منا قولاً وعملاً، ويجعلنا مظهر قوله تعالى: " والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملاً "، ثم قال التخميس العبهري على بائية العمري، وهو:
مذ شب زند الفكر بعد أن خبا ... قمت لمدح آل طه معربا
مسمطاً أوصافهم فيما احتبى ... هذا الكتاب المنتقى والمجتبى
في نهت آل البيت أصحاب العبا
تجلب للكونين أوفى غيرة ... بشرح رزء نال خير عترة
من قبل أن تحويه أغلى فكرة ... بالقلم الأعلى بيمنى قدرة
في لوح عزة بنور كتبا
روض معانيه غدا مؤرجاً ... مذ جدولت أسطره نهر الحجا
جبينه بالحسن قد تبلجا ... لاح به فرق العلا متوجا
مرصعاً مكللاً مذهبا ... وقد غدا حاجبها مزججا
وطرفها أمسى كحيلاً أدعجا ... وثغرها أضحى بسيما أفلجا
стр. 1040
وكمهاً مطرزاً مدبجا ... وعقدها منقحاً مهذبا
عذب على التالي يسوغ حفظه
يلتذ مهما جال فيه لحظه ... صفا وطاب واستلان غلظه
فرق معناه وراق لفظه ... يحكي صفا الودق إذا ما انسكبا
حور معانيه الحسان لم تزل ... تلبس من مدائحي أبهى الحلل
إذ صغت من تفصيل هاتيك الجمل ... ثنا إذا أنشدته له ثنى ال
وجود عطفاً وتهادى طربا ... غصن مديحي ماس في رطيبه
كأنما نشر الكبا يسري به ... مذ فاح نفح الطيب من ترتيبه
ريح الصبا تضمخت بطيبه ... بطيبه تضمخت ريح الصبا
قاضي القضاة سراج الدين علي خان الذي تقلد أمر القضاء في بندر كلكته سنة ألف ومائتين وتسع وعشرين
قدوة المحققين ونخبة المدققين، الفالق بعلمه وعمله والواثق من الله بنواله بغية أمله، قد برع في زمانه حتى صار مقصد أهل عصره وأوانه، وقصده الناس للاستفادة من كل جانب وكان أجل راغب في عمل الرغائب، وكان أديباً ماهراً ناظماً ناثراً، قد أتقن العربية مع لغته الفارسية والهندية. ومن جملة نثره الدال على كمال علوه وقدره، تقريظه على كتاب الحديقة ذات المعاني الرقيقة:
يا من ذكر اسمه الأسمى خير الأذكار، والفكر في أسمائه الحسنى خير الأفكار، صل على مذكرك الأقدم الأول، وكلمتك الأتم الأكمل، محمد
стр. 1041
المبعوث إلى كافة الأمم، وآله وصحبه الذين نبغوا من ضئضئ الكرم، وفازوا بأعلى درجات الحكم. وبعد فهذا الكتاب المسمى " بحديقة الأفراح لإزاحة الأتراح " المحتوي على مباهج قرائح البلغاء، المشتمل على نتائج أفكار الفصحاء، تذكرة لأولي الألباب، وتبصرة لذوي الآداب، قد ألفه الإمام البارع اللوذعي الألمعي، وحيد عصره وفريد دهره، العالم الرباني الأوحد الأديب الأمجد، الشيخ الأجل أحمد بن محمد الأنصاري اليمني الشرواني، لا زالت إفادته شاملة للخواص والعوام ما دامت غياهب الليالي وأنوار الأيام.
وله نثر فائق وشعر رائق، غير أني لم أقع منها إلا على ما كان باللغة الفارسية فلم أكتبه. توفي المترجم المرقوم رحمه الله تعالى سنة ألف ومائتين ونيف وثلاثين.
علي بن محمد العنسي جمال الدين اليمني
هو من رجال الحديقة وأهلها ذوي الآداب الأنيقة، فقال في ترجمة المرقوم الذي هو في سلك الأفاضل منظوم: علي المجد والمقام واحد في صناعة النثر والنظام، ثمرات أفنان نفائس آدابه فرائد، وجداول طيباته جارية بالجواهر لكل ملم بغياض فنونه ووارد، ألفاظه بخندريس الرقة وشراب الجزالة ممزوجة، ومعانيه الباهرة يبهر حسنها عقل من شاهد مروجه. فمن لطائفه قوله مجاوباً الفقيه الأديب أحمد الرقيحي:
стр. 1042
كذا يتجنى في الهوى فارغ القلب ... إذا رحت أشكو العتب غالط بالعتب
أيا ملزمي ذنباً وليس بمذنب ... سواه ألا اصفح عن شج مغرم صب
رضيت بما ترضى علي ولم أقل ... جرى الدمع ياقوتاً ولا قلت ما ذنبي
فديتك لولا أن لي فيك صبوة ... لما شرقت عيني من المدمع الغرب
لقد آن أن ترضى عن المغرم الصب ... وتصفح عما قد أتيت من الذنب
فلولاك لم أبكي بمحمر أدمعي ... عقيقاً ولا أشتاق للرمل والكثب
ولا بت في دهم الليالي لشهبها ... سميراً دموعي الحمر يا منيتي شربي
ولا رحت مسلوب الكرى واجب الحشى ... أعذب بالإيجاب منك وبالسلب
أما وجفون منك تلتذ بالكرى ... وتنشد أجفان الأنام ألا هبي
ونور جبين تحته نون حاجب ... وقد على ردف كغصن على كثب
لقد تركت قلبي عيونك في الهوى ... رهين غرام لا يفيق عن الحب
عجبت لها وهي التي بفتورها ... على ضعفها تضني وإن صحفوا تصبي
أتدعى عيوناً وهي في فعلها بنا ... أسود وما غاباتهن سوى الهدب
وأعجب من ذا أن خصرك ناحل ... وفيه شفاء الواله المغرم الصب
لي الله ما لي في الهوى من مساعد ... أبث إليه ما ألاقي من الكرب
стр. 1043
ووا حزني من تائه في جماله ... علي ومن أسياف عينيه واحزني
فتنت ببدر كمل الله حسنه ... منازله في الطرف مني وفي القلب
وظبي كناس بالغضا من جوانحي ... له مرتع لا بالغضا موضع السرب
يقولون صحبي هل سلوت وقد نأى ... فقلت نعم عن صحة الجسم واللب
وقالوا وهل تقضي لبانة عاشق ... فقلت نعم أقضي ولكن به نحبي
رعى الله دهراً كان لي فيه مسعداً ... بلقياه ما خمري سوى لفظه العذب
ويجمعنا روض به الطير مطرب ... وساقيه نهر فوقه راقص القضب
تراه بأنواع الزهور مطرزاً ... كنظم صفي الدين طرز بالكتب
وقوله مكاتباً الفقيد أحمد الرقيحي:
تبدت فغاب البدر بالأفق واستخفى ... وماست فكاد الجو يسرقها لطفا
وأرخت دجى شعر فقلت لصاحبي ... أليلتنا قد أرسلت وارداً وجفا
ولاح عليها قرطها وهو خافق ... فبتنا نرى الجوزاء في أذنها شنفا
حبابية الألمى مدامية اللمى ... يدير الحميا كأس أجفانها الوطفا
أغالط فيها واشياً ومفنداً ... لأكتم حبي والصبابة لا تخفى
فإن قلت آهاً للعذيب فإنما ... أردت الشنيب العذب لهفاً له لهفا
وإن همت في بان الحمى وكثيبه ... فما رمت إلا قدها اللدن والردفا
أما وأبيها ما رأتني بخالها ... أخا لوعة إلا زهت وانثنت عطفا
стр. 1044
ومال بها خمر الشبيبة والصبا ... فصدت ولولا الصد لم تعرف الحتفا
أتوردني من طعن عسالها الردى ... وتمنعني من طعم معسولها الرشفا
ولولا حلى نظمي وأحمر مدمعي ... لما طوقت جيداً ولا خضبت كفا
أرى خدها يا طرف للحسن جامعاً ... فأجري عليه مدمعي أبدا وقفا
ويا فرعها قد كنت أصل ضلالتي ... وكم ضل سار في الظلام إذا التفا
لئن ضعفت خصراً وجفناً وموثقاً ... فقد زاد ذاك الضعف جسمي به ضعفا
نديمي قد بان الفريق وفرقت ... يد البين عن ألف معنى الحشا إلفا
فعلل بذكراها فؤادي واسقني ... سلافاً يحاكي شعر شمس الهدى لطفا
وقوله مكاتباً بعض خلانه
عوفيت من نار أشواقي ومن كلفي ... ماذا تريد بهذا البين من تلفي
يا نازح الدار والذكرى تقربه ... أضنيت نازح در الدمع بالذرف
ويا حبيباً همى دمعي لفرقته ... والغيث إن تحتجب شمس الضحى يكف
سل الدجى هل رآني راقداً وسل العذال هل شهدوني خالي الأسف
تركتني ما لسقم في من طمع ... قد صرت للبين ذا روح تردد في
كم قلت بعدك للطرف القريح وقد ... رمته يا بدري العذال بالسرف
انفق ولا تخش إقلالاً فقد كفلت ... لك الصبابة والأشواق بالخلف
يا من إذا قال ظبي البيد يشبهه ... جيداً قضينا لظبي البيد بالخرف
مالي ودهم الليلي فيك أسهرها ... تطول عمداً لتضنيني على كلفي
والله ما أنصفتني في معاملة ... أحببتها وتجد السعي في تلفي
بالله أين ليال باللقا قصرت ... يكاد دمعي بها يا بدر يعثر في
تلك الليالي التي يرتاح إن ذكرت ... قلبي الكليم ارتياح المجد بالشرف
стр. 1045
أعني به شرف الدين المعد إذا ... عد الكرام كبسم الله في الصحف
وقوله مكاتباً أحد الأئمة الأعلام:
لو فتشوا عن قلبي المرهون ... وتحرشوا جمر الغضا المكنون
لتيقنوا أني حفظت وضيعوا ... عهد الهوى وابنت خير أمين
فعلام قالوا مال عنا وارعوى ... عنا وخان وكان غير خؤون
ما ملت لا والله بل مالوا وقد ... شهدت ركائبهم بصدق يميني
هزت قدودهم وقالوا للصبا ... هزؤاً أعند البان ميل غصون
هل أنكروا ميل الغصون فيطلبوا ... برهان دعوى العاشق المفتون
فإذا شرى برق الغوير وبعته ... دمعي رجعت بصفقة المغبون
ولفرط أشواقي وشدة لوعتي ... وتهتكي في حبهم وجنوني
لا بد لي من أن أقول صدقتم ... والله يعلم حرقتي وأنيني
وإذا بكيت على الربا فتضاحكت ... أنفاسها بمباسم النسرين
قالوا عيون السحب ترسل دمعها ... والدمع دمعي والعيون عيوني
أحبابنا والله ما صنع العدى ... ما تصنعون بقلبي المحزون
أيصيبني كيد الأعادي عندكم ... أسفي وإخلاص الهوى من ديني
ولشقوتي قد كنت أعتقد الهوى ... هذا الذي أخلصت فيه يقيني
لولا هواكم لم أقل جنح الدجى ... والبرق يذكي لوعتي وشجوني
يا بارقاً ألقى سناه على الربا ... ولهيبه في قلب كل حزين
قف بالحمى الغربي لكن واضعاً ... خداً ومن لي إن وضعت جبيني
واسأل بروج الحي عن أقمارها ... وبرغم أنفي إن تراها دوني
وبمهجتي البدر الذي لو قسته ... بالشمس لا يرضى ولا يرضيني
لم يكفه سهري فعلم طيفه ... ظلماً وقد غضب الكرى يشكوني
خذ في التجني كيف شئت تحكماً ... وامطل وإن كنت الملي ديوني
لا أستطيع أقول لست بمنصف ... يا بدر إجلالاً لبدر الدين
стр. 1046
الشيخ علي بن أحمد المغربي اليشرطي الشاذلي الترشيحي
شيخ الطريقة، ومعدن السلوك والحقيقة، ولد في بيزرت من أعمال تونس الغرب، سنة ألف ومائتين وإحدى عشرة. ووالده الحاج أحمد اليشرطي، قيل نسبته إلى بني يشرط قبيلة بالمغرب، قيل إنها تنسب إلى سيدنا الحسن بن علي سبط رسول الله ﷺ وكان قائداً كبيراً للجيش التونسي، ولم يترك ولداً غير المترجم المشار إليه، فالتفت المترجم من صغره إلى الطلب وحضور دروس العلماء والفضلاء إلى أن نال مطلوبه وملك مرغوبه. ثم أخذ الطريقة الشاذلية عن أستاذ العصر، وفرد الدهر، الأستاذ الكبير والعالم الشهير، أبي محمد بن حمزة ظافر المدني، فاشتغل بهمة قوية وسيرة مرضية، ودأب على الذكر في السر والجهر، وكان مقدماً عند الشيخ على الجماعة لما شاهده منه من كمال الانقياد والطاعة، ولم تزل مرتبته تتعالى، وخوارقه في الطريق تتوالى، إلى أن تأهل للإرشاد وارتقى مقامه وساد، وبعد وفاة شيخه وأستاذه وعمدته وملاذه، قصد مكة المكرمة للنسك، وبعد أن أتم حجه وعجه وثجه، توجه لزيارة أشرف إنسان، وأفضل مخلوق من ملك وأنس وجان، وجاور في تلك البلدة الشريفة ذات الرتبة العالية المنيفة، أربع سنوات، وكان يحج في كل عام، بعد التمام يرجع لمدينة خير الأنام، ثم قصد زيارة القدس الشريف، فلما وصل يافا في مركب شراعي تعسر عليه النزول إليها لأن النور كان شديداً غير لطيف، فطلع إلى عكا وكان قد مرض لشدة ما أصابه من الأهوال والعناء، فذهب منها إلى ترشيحا لتبديل الهواء، وكان ذلك سنة ألف ومائتين وست وستين، وأخذ أمره من ذلك العهد بالانتشار، فقصدته الناس من القرايا والأمصار، وأخذوا عنه الطريق باذلين همتهم في حفظ فلك العهد الوثيق، وف كل يوم يشتهر أمره ويزداد علوه وقدره، إلى أن انتشر الطريق في الآفاق، فلم يدخل الإنسان من
стр. 1047
البلاد السورية إلى محل إلى ويجد مرشداً منهم قد وقف للترغيب على ساق، وفي حدود سنة ألف ومائتين وثمانين أيام ولاية رشدي باشا الشرواني رأى منهم اجتماعاً منافياً للسياسة العثمانية، فنفاه هو وبعض جماعته إلى الجزيرة القبرصية، ولم يزل بها ثلاثة أعوام إلى أن تداخل في الرجا في إحضاره الأمير عبد القادر الجزائري فاستجلبه إلى الشام، وقد أجرت الحكومة عليه شديد التنبيهات في ترك ما كانوا يفعلونه من الاجتماع وأنه من الممنوعات. ثم عاد إلى عكة ورجع، بعد أن أعطى المواثيق بأنه ترك ما كان عليه ونزع، ثم بعد أن انفصل ذاك الوالي المشار إليه رجع المترجم إلى ما كان من الظهور عليه، إلى أن وجهت الولاية على رشدي باشا وكان قد حصل من جماعته في بعض المحلات أمور مذمومة واعتقادات مشؤومة، فاستحضر الوالي المترجم تحت الحفظ إلى الشام وأراد نفيه إلى فزان، وقبض على نحو عشرين شخصاً من جماعته المعدومين من خلاصة الإخوان، فبذل الأمير عبد القادر رجاه لحضرة الوالي المرقوم أن يجعله محبوساً في داره، وأن يسمع عن نفيه رحمة لذله وانكساره، فحقق الوالي رجاه لما له عنده من الفضل والجاه، وأما جماعته فإنه نفاهم إلى فزان وأذاقهم بذلك الذل والهوان، ثم إن حضرة الأمير بعد مدة أطلقه من حبسه، وأرجعه إلى محله مشمولاً بسروره وكمال أنسه.
وحاصل الكلام في سيرة هذا المترجم المفضال فإنها اختلفت فيه أقوال الرجال، فمنهم من طعن به وزاد، ومنهم من برأه من كل ما يوجب الملام والفساد، وأن الحق يقال ما علمنا عليه سوى ما يوجب الكمال، غير أن بعضاً من جماعته قد خرجوا في الظاهرة عن دائرة الأدب، وتكلموا بما هو لكل ملام سبب، وتركوا في الظاهر كل مأمور، وارتكبوا أقبح
стр. 1048
الأمور.
ثم أن المنفيين إلى فزان أحسنت عليهم الدولة بالإطلاق فرجعوا إلى الشام، ولم يزل بعض أهل هذه لطريقة يفتخرون بمخالفة الشريعة الغراء، وبترك كل مأمور به وبفعل كل ما يوصل فعله إلى كل شقاء، ويقولون بأن الشريعة حجاب، وفعل المنكرات موصل إلى رب الأرباب، فلاطوا بالأبناء وزنوا بالأمهات، وأكلوا الحرام وانهمكوا في المنكرات، واعتقدوا بأنفسهم أنهم صوفية الزمان، وأن من سواهم قد ألبس نفسه ثياب الحرمان، ويفسرون كلام الله ورسوله بكل تفسير فاسد، ويقولون بأن هذا التفسير قد ألقاه إليهم الوارد، فما أعظمها مفسدة في الدين، وما أجسمها فتنة على المسلمين، فيا عباد الله من يقول بأن المنهي عنه طريق الوصول، وهو المرضي عند الله تعالى وعند الرسول؟ وأما المأمور به فهو حجاب، ولا يتمسك به إلا المحجوبون عن طريق الصواب!! فإننا نبرأ إلى الله من هذا الاعتقاد، ونعوذ به مما يوصل إلى كل شر وفساد، ونتمسك بما جاء به النبي الأمين ونقول " ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين " ثم أن كثيراً من الناس قد شكا هؤلاء الجماعة إلى المترجم، فيقتصر على قوله عظوهم وعرفوهم أن هذا أمر محرم وإذا وعظهم إنسان، يسخرون به ويعدونه من أهل الجهالة والخسران، نسأل الله العفو والعافية، والمعافاة الدائمة والنعمة الوافية، وأن يحفظنا والمسلمين من مخالفة الملة والدين. وفي ليلة الأربعاء التاسع عشر من رمضان المبارك توفي هذا المترجم عام ألف وثلاثمائة وستة عشر رحمه الله تعالى.
стр. 1049
الشيخ علي بن محمد القناوي المصري الشافعي الخلوتي
العالم الفاضل، والحبر البحر الكامل، صاحب الكشوفات والأحوال والثبات في طريق السادة الرجال، والسياحات الطويلة، والإرشادات الجليلة، نشأ في طلب العلوم، إلى أن صار يعتمد عليه في المنطوق والمفهوم، ثم أخذ الطريقة الخلوتية عن العارف بالله شيخ الشيوخ في مصر محمد بن سالم الحفناوي الآخذ لها عن إمام أهل الوجدان السيد مصطفى البكري الصديقي الآخذ لها عن كعبة ذوي العرفان السيد الشيخ عبد الغني النابلسي.
وكان المترجم المذكور يكرر التردد إلى زبيد وصنعاء اليمن وفي كل مرة يتلقونه بالإجلال والتكريم والمهابة والتعظيم، ويجتمع عليه في كل ليلة من الخاص والعام، جمعية كبرى مع معاملتهم بالأدب التام، ويدخلون معه في حلقة الذكر، مع اعتقادهم لولايته وإخلاصه في السر والجهر، ولقد اتفق له أنه وصل في بعض وفاداته إلى زبيد وأقام الذكر المذكور على الصفة المذكورة من اجتماع الناس بغاية الخضوع والانقياد والتسليم، وكان عنده من يقف في الحلقة وينشد من كلام القوم بالنغمات الرائعة، والحركات في الصوت الفائقة، بحيث يغيب الإنسان عن شعوره، ولا يفرق بين آصاله وبكوره، بل تأخذه نشأة وجدانية، وغيبة عرفانية، وكان من جملة الحاضرين، رجل من أكابر العلماء المتصوفين، المشغولين بذكر الله، المعرضين عما سواه، فلما حدا الحادي وشدا ذلك الشادي، ولم يكن ذلك الرجل من قبل قد عرف في الذكر طريقة الإنشاد، فحينما سمع ذلك وقع في الأرض يرتعد أشد الارتعاد، ولم يزل يبكي بكاء غزيراً، حتى أحدث له ذلك رعافاً مسترسلاً كثيراً، فكان ذلك سبب انعدامه، وشربه كأس حمامه. قال صاحب التاج المكلل وقد اختلف العلماء في حكم النغم والغناء على أحد عشر قولاً، ومذهب
стр. 1050
الإمام العلامة ابن حزم الظاهري الحل مطلقاً، قال لأن التحريم لا يثبت إلا بنص صحيح صريح ولم أقف عليه، وخالفه الجمهور، والمسألة فيها رسائل مضبوطة مبسوطة من علماء المذاهب. انتهى كلامه ناقلاً عن النفس اليماني. ثم قال: والذي ترجح عند المحققين من أهل الحديث أن الذكر بالصفة المذكورة بدعة وأي بدعة، وفيها من إساءة الأدب مع الله سبحانه والتشبه بالفرق الذين يذكرون الله في معابدهم على نغمات العود والوتر ما لا يقدر قدره، فلم يثبت حديث واحد ولو ضعيفاً في جواز ذكر الله تعالى على هذه الصفة المشار إليها فلا خير فيه ولا أجر عليه، بل هو ضرر محض ووزر صرف، ومنكر واضح. نعم لا دليل على تحريم السماع من السنة فهو باق على أصله من الحل حتى يقول دليل صحيح يدل على حرمته ودونه خرط القتاد، ورحم الله القناوي أي المترجم المذكور فقد اجترأ جرأة عظيمة على فعل الذكر بهذه الصفة من الحادي وإنشاد الأشعار مع كونه من أهل العلم الممتازين، وهذا الصنيع منه دليل على أن الإنسان لا يخلو من عصيان، ولو بلغ من العلم والعمل نهاية الإمكان. هذا وقد نشر هذا المترجم هذه الطريقة على هذه الصفة بأمر شيخه الحفناوي في الآفاق، فدخل خراسان وأطراف الهند والعراقين وصنعاء اليمن وغير ذلك من المحلات، وهو في الجميع متلقى بالإعزاز والإكرام، والقبول والاحترام، وكلامه مقبول، على العيون والرؤوس محمول، وكان حلو العبارة، لطيف الإشارة، لا يفتر في وقت من الأوقات، عن الأخذ بنوع من أنواع العبادات، وكان إذا تكلم في تفسير حديث أو آية قرآنية، يتكلم من الفتح الإلهي والواردات العرفانية، ثم قال: وعندي أن الذكر الإلهي، والفكر القدسي لا يجتمعان مع شيء من البدعة، وإن اجتمعا كان ذلك من تلبيس إبليس، وتدليسه لأهل التدريس، ولهذا قال في النفس اليماني بعد المبالغة في الثناء عليه: وغير خاف أن الفقهاء لا سيما أهل مدينة ذمار ينكرون بعض ما يقع من طريقة
стр. 1051
السيد المذكور انتهى. قلت: ولكن الحق معهم في ذلك وإن قيل فيهم ما قيل انتهى كلام صاحب التاج المكلل.
أقول: لقد سقط التاج، وتجاوز معتدل المنهاج، إذا كان ما ثبت على قوله حديث واحد ولو ضعيفاً في جواز ذكر الله تعالى على هذه الصفة، فليت شعري أين الحديث المثبت حرمة ذلك ومنعه ألم يدر أن الأصل في الأشياء الإباحة فمن أين له هذا الإنكار، وعلى أي مذهب استند من مذاهب الأئمة الأخيار، والأغرب من ذلك دعواه أن السماع مباح ولكن وقوعه على الذكر ليس من الفلاح، مع أن الذكر من أفضل مطلوب فهل إذا اقترن به الإنشاد المباح خرج عن دائرة المندوب، وإن اجتماع ذلك من تلبيس إبليس وتدليسه لأهل التدريس، مع أن الحرمة لا تثبت إلا بدليل ذي رفعة وهو قد قال بأنه لا دليل على تحريم السماع من السنة فكيف يحكم بحرمته في الأذكار، وعلى كل حال فهو كلام لا يلتفت إليه، ولا يعول أهل الإنصاف عليه، وإن قاله كثير من الناس، الواقعين في غفلة الالتباس، ولو كان هذا المحل يحسن فيه إطالة الكلام، وذكر أدلة المجوزين وإبطال قول المعترضين لقمنا بواجب حق المقام، خصوصاً وقد ملأت هذه المسألة بطون الدفاتر، وقام ببيان حكمها كثير من السادات الأكابر، خصوصاً في كتب الصوفية الفضلاء، ذوي الكشف عن حقائق الأشياء، فالأولى التسليم لذوي الكمال، وعدم التعرض لهم بحال، وإلا فاللائم مطرود، وعن موائد الإكرام مبعود. توفي المترجم المرقوم سنة ألف ومائتين وزيادة لم أقف على تعيينها.
стр. 1052
الشيخ علي بن محمد بن علي الشوكاني
ولد يوم عاشوراء من محرم عامة سبعة عشر ومائتين وألف، قال في البدر الطالع: هو حسن الفهم جيد التصور قوي الإدراك. وكان لا يقول بالتقليد، بل يعبد الله بالاجتهاد والأخذ من الدليل من غير تقييد بمذهب إمام مجيد، وله مطالعة في الكتب الحديثية، والسنن المحمدية ولا يميل إلى سواها، ولا يلتفت لما عداها، ومن مؤلفاته: كتاب الدرة الفاخرة، الشاملة سعادة الدنيا والآخرة، وجمع فتاوى والده في مجلدين وسماه الفتح الرباني، في فتاوى الشوكاني، وهو مجموع مشتمل على أبحاث شريفة، ورسائل مجموعة لطيفة، ومسائل مفيدة، ومذاكرات فريدة، تتعلق بالفروع والأصول، من معقول ومنقول مات سنة ألف ومائتين.
الشيخ علي بن محمد الشوكاني جد الشيخ علي المتقدم والد والده ترجمه بعضهم فقال:
هو والد قاضي القضاة الشيخ محمد بن علي الشوكاني وقد ترجمه في البدر الطالع ترجمة حافلة، حسنة نافعة، وأوصل نسبه الشريف بعد التنقيح الكامل، والتصحيح الشامل، أباً عن جد إلى سيدنا هود ﵇. وقال أن الشوكاني نسبة إلى شوكان اسم موضع. وبعدما بسط الكلام في هذا المقام، قال أنه من قرية هجرة شوكان، وهذه الهجرة قرية معمورة بأهل الفضل والصلاح، والدين والفلاح، ولهم عند سلف الأئمة
стр. 1053
جلالة عظيمة، ورئاسة في العلوم جسيمة، منهم العلامة حسين بن علي الشوكاني وأحمد بن سعيد الهبل ومحمد بن أحمد الهبل وحسن بن صالح الشوكاني وغيرهم. وقد برع في علم الفقه والفرائض وكان من بقية السلف الصالح في التفسير والحديث، ودرس وأفتى وولاه الإمام المهدي العباس ابن الحسين القضاء بالجهات الخولانية، ثم اعتذر عنه فولاه القضاء بصنعاء. قال في البدر الطالع: ولقد كان ﵀ من عجائب الزمن، ومن عرفه حق المعرفة تيقن أنه من أولياء الله تعالى. توفي رحمه الله تعالى سنة ألف ومائتين وإحدى عشرة.
الشيخ علي بن قاسم بن حنش وزير الإمام المهدي
قال في التاج المكلل: ولد سنة ألف ومائة وثلاث وأربعين، وسكن بصنعاء، وهو من نوادر الدهر في جميع أوصافه، وله في العلم حظ وافر، وفي الأدب قدر باهر، وقد رأى نفسه أميراً، وكما رآها فقيراً، تارة في اليفاع، وتارة في أخفض البقاع، ومن محاسن كلامه: الناس على طبقات ثلاث فالطبقة العليا العلماء الأكابر، وهم يعرفون الحق من الباطل، وإن اختلفوا لم ينشأ عن اخلافهم فتنة لعلمهم بما عند بعضهم بعضاً، والطقة السافلة العامة وهم على الفطرة لا ينفرون عن الحق وهم أتباع من يقتدون به إن كان محقاً كانوا مثله وإن كان مبطلاً كانوا كذلك، والطبقة المتوسطة هي منشأ الشر وأصل الفتن الناشئة في الدين، وهم الذين لم يكبوا على العلم حتى يرتقوا إلى رتبة الطبقة العليا، ولا تركوه حتى يكونوا من أهل الطبقة السافلة، فإنهم إذا رأوا أحداً من أهل الطبقة العليا يقول بقول لا يعرفونه مما يخالف عقائدهم التي أوقعهم فيها القصور، فوقوا
стр. 1054
إليه سهام التقريع، ونسبوه إلى كل قول شنيع، وغيروا فطرة أهل الطبقة السفلى عن قبول الحق بتمويهات باطلة، فعند ذلك تقوم الفتن الدينية على ساق انتهى. قال صاحب التاج: وقد صدق، فإن من تأمل ذلك وجده كذلك مات رحمه الله تعالى عام تسعة عشر ومائتين وألف.
السيد علي بن عبد الله بن أحمد جلال الصنعاني
قال في التاج: ولد سنة تسع وعشرين ومائة وألف، وقرأ على علماء صنعاء كصحاب البدر التمام والسيد عبد القادر الكوكباني. قال الشوكاني رحمه الله تعالى: برع في الحديث والتفسير وشارك في الفروع مشاركة قوية وتتبع الأدلة فعمل بها ولم يقلد أحداً، وانتفع به الطلبة في جميع الفنون، وأخذوا عنه جميع العلوم الميسرة للاجتهاد، وفيهم من النبلاء جماعة كثيرون، وهو من محاسن العصر ونوادر الدهر، مكب على العلوم في جميع الأوقات قوي الحفظ سريع الفهم، جعله مولانا الإمام من جملة قضاة صنعاء وعظمه بما يستحقه، بعد أن عرفته بجلالة مقداره وأشرت إليه بتوليته، وقد
стр. 1055
دار بيني وبينه مباحثات نافعة ومراجعات جيدة واسعة، ومطارحات أدبية ومذاكرات علمية، وترافقنا في القراءة على شيخنا المغربي في الكشاف وفي شرح بلوغ المرام. توفي رحمه الله تعالى سنة ألف ومائتين وأربعين انتهى ببعض التصرف.
أمير المؤمنين علي بن الإمام المهدي العباس بن المنصور الحسين بن المتوكل
خليفة العصر ونتيجة الدهر، تولى إمارة اليمن بالعدل والإنصاف، وسار فيهم سيرة ذوي الكمال والعفاف، وأفرغ عليهم حلة الأمان، ورفع عنهم يد الظلم والطغيان، وترجمه العلامة الشوكاني وأطال بما هو بعض صفات هذا الإمام المفضال، وذكر في ضمنها بأنه بعد وفاة قاضي القضاة يحيى بن صالح السحولي عرض على العلامة الشوكاني تولية القضاء في مكان يحيى المرقوم فقال الشوكاني يذكر عبارة المترجم بنفسها ونص قوله: بينما كنت مشتغلاً بالتدريس في علوم الاجتهاد والإفتاء والتصنيف منزوياً عن الناس لا سيما أهل الأمر وأرباب الدولة، فإني لا أتصل بأحد منهم كائناً من كان، ولم تكن لي رغبة في سوى العلوم، كنت أقرأ للطلبة في اليوم الواحد ثلاثة عشر درساً منها ما هو في التفسير كالكشاف وحواشيه، ومنها ما هو في الأصول كالعضد وحواشيه والغاية وحاشيتها وجمع الجوامع وشرحه، ومنها ما هو في المعاني والبيان كالمطول والمختصر وحواشيهما، ومنها ما هو في النحو كشرح الرضي والمغني، ومنها ما هو في الفقه كالبحر وضوء النهار، ومنها ما هو في الحديث كالصحيحين وغيرهما، مع ما يعرض من تحرير الفتاوى ويمكن من التصنيف، فلم أشعر إلا بطلب من الخليفة بعد وفاة القاضي السحولي بنحو أسبوع، فقصدت مقامه العالي فذكر لي أنه قد ترجح عنده وضعي في مقام المرحوم القاضي السحولي، فاعتذرت إليه بما كنت
следующие страницы →