Полный текст (1 568 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
السيد المذكور انتهى. قلت: ولكن الحق معهم في ذلك وإن قيل فيهم ما قيل انتهى كلام صاحب التاج المكلل.
أقول: لقد سقط التاج، وتجاوز معتدل المنهاج، إذا كان ما ثبت على قوله حديث واحد ولو ضعيفاً في جواز ذكر الله تعالى على هذه الصفة، فليت شعري أين الحديث المثبت حرمة ذلك ومنعه ألم يدر أن الأصل في الأشياء الإباحة فمن أين له هذا الإنكار، وعلى أي مذهب استند من مذاهب الأئمة الأخيار، والأغرب من ذلك دعواه أن السماع مباح ولكن وقوعه على الذكر ليس من الفلاح، مع أن الذكر من أفضل مطلوب فهل إذا اقترن به الإنشاد المباح خرج عن دائرة المندوب، وإن اجتماع ذلك من تلبيس إبليس وتدليسه لأهل التدريس، مع أن الحرمة لا تثبت إلا بدليل ذي رفعة وهو قد قال بأنه لا دليل على تحريم السماع من السنة فكيف يحكم بحرمته في الأذكار، وعلى كل حال فهو كلام لا يلتفت إليه، ولا يعول أهل الإنصاف عليه، وإن قاله كثير من الناس، الواقعين في غفلة الالتباس، ولو كان هذا المحل يحسن فيه إطالة الكلام، وذكر أدلة المجوزين وإبطال قول المعترضين لقمنا بواجب حق المقام، خصوصاً وقد ملأت هذه المسألة بطون الدفاتر، وقام ببيان حكمها كثير من السادات الأكابر، خصوصاً في كتب الصوفية الفضلاء، ذوي الكشف عن حقائق الأشياء، فالأولى التسليم لذوي الكمال، وعدم التعرض لهم بحال، وإلا فاللائم مطرود، وعن موائد الإكرام مبعود. توفي المترجم المرقوم سنة ألف ومائتين وزيادة لم أقف على تعيينها.
стр. 1052
الشيخ علي بن محمد بن علي الشوكاني
ولد يوم عاشوراء من محرم عامة سبعة عشر ومائتين وألف، قال في البدر الطالع: هو حسن الفهم جيد التصور قوي الإدراك. وكان لا يقول بالتقليد، بل يعبد الله بالاجتهاد والأخذ من الدليل من غير تقييد بمذهب إمام مجيد، وله مطالعة في الكتب الحديثية، والسنن المحمدية ولا يميل إلى سواها، ولا يلتفت لما عداها، ومن مؤلفاته: كتاب الدرة الفاخرة، الشاملة سعادة الدنيا والآخرة، وجمع فتاوى والده في مجلدين وسماه الفتح الرباني، في فتاوى الشوكاني، وهو مجموع مشتمل على أبحاث شريفة، ورسائل مجموعة لطيفة، ومسائل مفيدة، ومذاكرات فريدة، تتعلق بالفروع والأصول، من معقول ومنقول مات سنة ألف ومائتين.
الشيخ علي بن محمد الشوكاني جد الشيخ علي المتقدم والد والده ترجمه بعضهم فقال:
هو والد قاضي القضاة الشيخ محمد بن علي الشوكاني وقد ترجمه في البدر الطالع ترجمة حافلة، حسنة نافعة، وأوصل نسبه الشريف بعد التنقيح الكامل، والتصحيح الشامل، أباً عن جد إلى سيدنا هود ﵇. وقال أن الشوكاني نسبة إلى شوكان اسم موضع. وبعدما بسط الكلام في هذا المقام، قال أنه من قرية هجرة شوكان، وهذه الهجرة قرية معمورة بأهل الفضل والصلاح، والدين والفلاح، ولهم عند سلف الأئمة
стр. 1053
جلالة عظيمة، ورئاسة في العلوم جسيمة، منهم العلامة حسين بن علي الشوكاني وأحمد بن سعيد الهبل ومحمد بن أحمد الهبل وحسن بن صالح الشوكاني وغيرهم. وقد برع في علم الفقه والفرائض وكان من بقية السلف الصالح في التفسير والحديث، ودرس وأفتى وولاه الإمام المهدي العباس ابن الحسين القضاء بالجهات الخولانية، ثم اعتذر عنه فولاه القضاء بصنعاء. قال في البدر الطالع: ولقد كان ﵀ من عجائب الزمن، ومن عرفه حق المعرفة تيقن أنه من أولياء الله تعالى. توفي رحمه الله تعالى سنة ألف ومائتين وإحدى عشرة.
الشيخ علي بن قاسم بن حنش وزير الإمام المهدي
قال في التاج المكلل: ولد سنة ألف ومائة وثلاث وأربعين، وسكن بصنعاء، وهو من نوادر الدهر في جميع أوصافه، وله في العلم حظ وافر، وفي الأدب قدر باهر، وقد رأى نفسه أميراً، وكما رآها فقيراً، تارة في اليفاع، وتارة في أخفض البقاع، ومن محاسن كلامه: الناس على طبقات ثلاث فالطبقة العليا العلماء الأكابر، وهم يعرفون الحق من الباطل، وإن اختلفوا لم ينشأ عن اخلافهم فتنة لعلمهم بما عند بعضهم بعضاً، والطقة السافلة العامة وهم على الفطرة لا ينفرون عن الحق وهم أتباع من يقتدون به إن كان محقاً كانوا مثله وإن كان مبطلاً كانوا كذلك، والطبقة المتوسطة هي منشأ الشر وأصل الفتن الناشئة في الدين، وهم الذين لم يكبوا على العلم حتى يرتقوا إلى رتبة الطبقة العليا، ولا تركوه حتى يكونوا من أهل الطبقة السافلة، فإنهم إذا رأوا أحداً من أهل الطبقة العليا يقول بقول لا يعرفونه مما يخالف عقائدهم التي أوقعهم فيها القصور، فوقوا
стр. 1054
إليه سهام التقريع، ونسبوه إلى كل قول شنيع، وغيروا فطرة أهل الطبقة السفلى عن قبول الحق بتمويهات باطلة، فعند ذلك تقوم الفتن الدينية على ساق انتهى. قال صاحب التاج: وقد صدق، فإن من تأمل ذلك وجده كذلك مات رحمه الله تعالى عام تسعة عشر ومائتين وألف.
السيد علي بن عبد الله بن أحمد جلال الصنعاني
قال في التاج: ولد سنة تسع وعشرين ومائة وألف، وقرأ على علماء صنعاء كصحاب البدر التمام والسيد عبد القادر الكوكباني. قال الشوكاني رحمه الله تعالى: برع في الحديث والتفسير وشارك في الفروع مشاركة قوية وتتبع الأدلة فعمل بها ولم يقلد أحداً، وانتفع به الطلبة في جميع الفنون، وأخذوا عنه جميع العلوم الميسرة للاجتهاد، وفيهم من النبلاء جماعة كثيرون، وهو من محاسن العصر ونوادر الدهر، مكب على العلوم في جميع الأوقات قوي الحفظ سريع الفهم، جعله مولانا الإمام من جملة قضاة صنعاء وعظمه بما يستحقه، بعد أن عرفته بجلالة مقداره وأشرت إليه بتوليته، وقد
стр. 1055
دار بيني وبينه مباحثات نافعة ومراجعات جيدة واسعة، ومطارحات أدبية ومذاكرات علمية، وترافقنا في القراءة على شيخنا المغربي في الكشاف وفي شرح بلوغ المرام. توفي رحمه الله تعالى سنة ألف ومائتين وأربعين انتهى ببعض التصرف.
أمير المؤمنين علي بن الإمام المهدي العباس بن المنصور الحسين بن المتوكل
خليفة العصر ونتيجة الدهر، تولى إمارة اليمن بالعدل والإنصاف، وسار فيهم سيرة ذوي الكمال والعفاف، وأفرغ عليهم حلة الأمان، ورفع عنهم يد الظلم والطغيان، وترجمه العلامة الشوكاني وأطال بما هو بعض صفات هذا الإمام المفضال، وذكر في ضمنها بأنه بعد وفاة قاضي القضاة يحيى بن صالح السحولي عرض على العلامة الشوكاني تولية القضاء في مكان يحيى المرقوم فقال الشوكاني يذكر عبارة المترجم بنفسها ونص قوله: بينما كنت مشتغلاً بالتدريس في علوم الاجتهاد والإفتاء والتصنيف منزوياً عن الناس لا سيما أهل الأمر وأرباب الدولة، فإني لا أتصل بأحد منهم كائناً من كان، ولم تكن لي رغبة في سوى العلوم، كنت أقرأ للطلبة في اليوم الواحد ثلاثة عشر درساً منها ما هو في التفسير كالكشاف وحواشيه، ومنها ما هو في الأصول كالعضد وحواشيه والغاية وحاشيتها وجمع الجوامع وشرحه، ومنها ما هو في المعاني والبيان كالمطول والمختصر وحواشيهما، ومنها ما هو في النحو كشرح الرضي والمغني، ومنها ما هو في الفقه كالبحر وضوء النهار، ومنها ما هو في الحديث كالصحيحين وغيرهما، مع ما يعرض من تحرير الفتاوى ويمكن من التصنيف، فلم أشعر إلا بطلب من الخليفة بعد وفاة القاضي السحولي بنحو أسبوع، فقصدت مقامه العالي فذكر لي أنه قد ترجح عنده وضعي في مقام المرحوم القاضي السحولي، فاعتذرت إليه بما كنت
стр. 1056
فيه من الاشتغال بالعلم، فقال القيام بالأمرين ممكن، وليس المراد إلا القيام بفصل ما يصل من الخصوات إلى ديوانه العالي في يومي اجتماع الحكام فيه، فقلت له ستقع مني الاستخارة لله والاستشارة لأهل الفضل، وما اختاره الله فالخير فيه ففارقته، وما زلت متردداً نحو أسبوع، ولكنه وفد إلي كل من ينتسب إلى العلم في مدينة صنعاء، وأجمعوا على أن الإجابة واجبة، وإنهم يخشون أن يدخل في هذا المنصب الذي إليه مرجع الأحكام الشرعية في جميع الأقطار اليمنية من لا يوثق بدينه وعلمه وأكثروا من هذا، ووجهوا إلي الرسائل المطولة بطلب القبول، فقبلت مستعيناً بالله ومتوكلاً عليه، ولم يقع التوقف على مباشرة الخصومات في اليومين فقط، بل استغرقت الدعاوى جميع الأوقات إلا قليلاً، قد أفرغها للنظر في شيء من كتب العلم أو لشيء من التحصيل في تتميم ما كنت شرعت فيه، واشتغل الذهن شغلاً كبيراً وتكدر الخاطر كدراً كثيراً، ولا سيما وأنا لا أعرف الأمور الاصطلاحية في هذا الشأن، ولم أحضر عند قاض في خصومة ولا في غيرها، بل كنت لا أحضر في مجالس الخصومة عند والدي رحمه الله تعالى من أيام الصغر فما بعدها، ولكن شرح الله الصدور وأعان على القيام بحق الأمور. ثم إن الخليفة حفظه الله تعالى ما ترك شيئاً من التعظيم والإجلال إلا وفعله، وكان يجلني إجلالاً عظيماً، وينفذ حكم الشريعة على قرابته وأعوانه بل على نفسه. وفي رمضان سنة أربع وعشرين ومائتين وألف توفي السلطان المذكور بدار الإسعاد، وقمت إماماً عليه بالناس، ووقعت البيعة لولده مولانا الإمام المتوكل على الله أحمد بن المنصور في الليلة التي مات فيها الإمام، وكنت أول من بايعه، ثم كنت المتولي لأخذ البيعة له من إخوته وأعمامه وسائر أقاربه وجميع أعيان العلماء والرؤساء، وكانت البيعة منهم في أوقات،
стр. 1057
والله المسؤول أن يجعل فيه للمسلمين صلاحاً وفلاحاً انتهى كلامه. قال صاحب التاج المكلل:
إن الولاية ليس فيها راحة ... إلا ثلاث يبتغيها العاقل
حكم بحق أو إزالة باطل ... أو نفع محتاج سواها باطل
سلكنا الله على الطريق المستقيم، وهدانا لما يرضيه إنه هو البر الرحيم. وكانت وفاة المترجم المذكور قريباً من ألف ومائتين وثلاثين.
الشيخ علي بن حسين السقطي الدمشقي الصالحي
العالم النجيب، والفاضل الأديب، زبدة ذوي الكمال، ونخبة أهل الصدق في الأقوال والأفعال، ولد بصالحية دمشق سنة ثمان وعشرين ومائتين وألف ونشأ بها، وقرأ على عمه العلامة الشيخ عبد الغني السقطي وعلى والدي المرحوم الشيخ حسن البيطار وعلى الشيخ عبد الرحمن الطيبي وعلى الشيخ سعيد الحلبي وعلى الملا أبو بكر الكردي. وكانت عليه خطابة العمرية والتدريس والإمامة، توفي سنة تسع وثمانين ومائتين وألف ودفن بقاسيون في مقبرة أسلافه.
الشيخ علي بن محمد سعيد بن عبد الله بن الحسين بن مرعي بن ناصر الدين الدوري الشافعي البغدادي المعروف بالسويدي
ولد سنة سبعين ومائة وألف، وكان ﵀ شيخ القراء والمحدثين، وإمام العلماء المتورعين، السيد المفضال المتحلي بالأدب والكمال، الصدر
стр. 1058
الرئيس العلامة البارع الناهج منهج سيد كل نبي شارع. انتفع به جل من كان في عصره، واعترف الجميع بسمو مقامه وقدره. أخذ عن الشيخ العجلوني وأخذ هو عنه، وأخذ كذلك عن والده الشيخ محمد سعيد، وعن العلامة الشيخ عبد الرحمن الكزبري الكبير، وعن السيد مرتضى الزبيدي. مات ﵀ سنة سبع وثلاثين ومائتين وألف.
علي بن عبد الرحمن بن علي بن مرعي الطيبي الشافعي الدمشقي
ولد بعد المائتين والألف، ونشأ في حجر والده وأخذ عنه ما عنده من العلوم، حتى فاق عليه كما هو مشهور ومعلوم، وتمكن في الآلات خصوصاً في علم الفلك والميقات، والمساحة والحساب والمواريث، والفقه
стр. 1059
والتفسير والتوحيد والتحديث. مات في رجب سنة خمس وخمسين ومائتين وألف ودفن في مقبرة سيدي ارسلان على جادة الطريق.
علي بن عثمان الطوالقي من أعمال الجزائر
الشريف المشهور، ذو العمل المبرور، والسعي المشكور، والأفعال الحسنة والأحوال المستحسنة، مقدم الطريقة الشافعية الرحمانية للقائم بوظائفها طبق السنة المحمدية، ومربى المريدين على النهج القويم المتين، مع الأعمال الصالحة والأفعال الناجحة، والأطوار المستقيمة والأوراد المستديمة والأذكار المتوالية والرياضات المتتالية، هذا هو الخليفة في الطريق والمرشد الكامل على التحقيق، كيف لا وهو العالم العامل المتصف بأعلى الفضائل والشمائل. ولما كان فرد المعقول والمنقول وأوحد ذوي الفروع والأصول، طلبه إفتاء الناحية الشمالية من دائرة بسكره، لأن يكون مفتياً بها لكمال علمه وإدراكه في فهمه، وسخائه وجوده وشرف آبائه وجدوده، لأنه من سلالة عائلة فضائلهم لا تحصى، وهم من شرفاء الساقية الحمراء في المغرب الأقصى، وكانت ولادته عام ألف ومائتين واثنين وثلاثين. وإنه من حين تمييز التفت إلى جهة الكمال وتأدب بآداب أفراد الرجال، وأخذ عن مشايخ زمانه إلى أن اشتهر في فضله وشأنه، ولم يزل يسمو وقدره ينمو، إلى أن خطبته المنية عام ألف وثلاثمائة وستة عشر عن أربع وثمانين سنة رحمه الله تعالى.
стр. 1060
الشيخ علي بن عمر بن أحمد بن عمر بن ناجي بن قنيش العوني البهي الشافعي المصري
الإمام الفاضل الفالح والهمام الناسك الصالح القانع المتجرد والتقي المتعبد. ولد بالمنية إحدى قرى مصر وأول من قدمها جده فنيش، وكان مجذوباً من بني العونه العرب المشهورين بالبحيرة، فتزوج بها. وحفظ المترجم القرآن وقدم الجامع الأزهر وجوده على بعض القراء، واشتغل بالعلم على مشايخ عصره، ونزل طندتا ودرس العلم بالمسجد المجاور للمقام الأحمدي، وانتفع به الطلبة وآل به الأمر إلى أن صار شيخ العلماء هناك، وتعلم غالب من بالبلد علم التجويد منه، وهو فقيه مجود ماهر حسن التقرير جيد الحافظة، يحفظ كثيراً من النقول الغريبة وفيه أنس وتواضع وتقشف وانكسار. وكان كفيف البصر لا البصيرة، وورد مصر أيضاً في المحرم من سنة وفاته، ثم عاد إلى طندتا وتوفي باه في ثاني عشر ربيع الأول، ولم يمرض كثيراً، وذلك سنة أربع ومائتين وألف، ودفن بجانب قبر سيدي مرزوق من أولاد غازي في مقام مبني عليه، رحمه الله تعالى ونفعنا به.
الأمير علي بن عبد الله الرومي ثم المصري مولى الأمير أحمد كتخدا صالح
الأمير المبجل والنبيه المفضل، قال الجبرتي: اشتراه سيده صغيراً وأقرأه القرآن وبعض متون الفقه، وتعلم الفروسية ورمي السهام، وترقى حتى عمل خازندار عنده، وكان بيته مورداً للأفاضل، فكان يكرمهم
стр. 1061
ويحترمهم ويتعلم منهم العلم، ثم أعتقه وأنزله حاكماً في بعض ضياعه، ثم رقاه إلى أن عمله رئيساً في باب المتفرقة، وتوجه أميراً على طائفته صحبة الخزينة إلى الأبواب السلطانية مع شهامة وصرامة، ثم عاد إلى مصر، وكان ممن يعتقد في شيخنا السيد علي المقدسي ويجتمع به كثيراً، وكان له حافظة جيدة في استخراج الفروع. وأتقن في رمي النشاب إلى أن صار أستاذاً فيه وانفرد في وقته في صنعة القسي والسهام والدهانات، فلم يلحقه أهل عصره.
ثم أن المترجم حصل له ضرر بعينيه فعالجهما كثيراً فلم يفد فصبر واحتسب، ومع ذلك فيرد عليه أهل فنه ويسألونه فيه ويعتمدون على قوله ويجيد القسي تركيباً وشداً، ولقد أتاه وهو في هذه المضرة رجل من أهل الروم اسمه حسن فأنزله في بيته وعلمه هذه الصنعة، حتى فاق في زمن قليل أقرانه، وسلم له أهل عصره، وحينئذ طلب منه أن يأذن له فيها، واجتمع أهل الصنعة في منزله لحضور هذا المجلس، فأرسل إلى السيد محمد مرتضى الزبيدي شارح القاموس، وطلب منه أن يكتب له شيئاً يناسب المجلس، فكتب عن لسانه ما نصه: الحمد لله الذي علم الإنسان ما لم يعلم، وهدى بفيض فضله إلى الطريق الأقوم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الأكرم، الناصر لدين الحق بالسيف والسنان المقوم، وعلى آله وصحبه ما رمى مجاهد في سبيل الله سهماً وإلى الجنة تقدم. أما بعد فيقول الفقير إلى الله تعالى علي بن عبد الله مولى المرحوم أحمد كتخدا صالح غفر الله ذنوبه وستر عيوبه، ورحم من مضى من سلفه وجعل البركة في عقبه وخلفه. اعلموا إخواني في الله ورسوله أن كل صنعة لها شيخ وأستاذ وقالوا صنعة بلا أستاذ يدخلها الفساد، وإن صنعة القوس والنشاب بين الأقران والأصحاب على ممر الأحقاب شريفة،
стр. 1062
وطريقة بين السلف والخلف مقبولة منيفة، إذ بها تعمير باب الجهاد، وفتح قلاع أهل الكفر والفساد. وقد أمر الله نبيه ﷺ في الكتب بإعداد القوة، وفسر ذلك برمي النشاب حيث قال جل ذكره " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم " وروى مسلم في صحيحه عن عقبة بن عامر الجهني ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في تفسير هذه الآية، ألا إن القوة الرمي فكرره ثلاث مرات، وذلك زيادة لبيانه وتفخيماً لشانه، والأمر من الله يقتضي الوجوب، وهو فرض كفاية على المسلمين لنكاية أعداء الدين، وثبت أن رسول الله ﷺ رمى بالقوس وتقلد بالسيف وطعن بالرمح، وكانت عنده ثلاث قسي معقبة تدعى بالروحاء وقوس من شوحط تدعى البيضاء وأخرى تسمى الصفراء، وثبت أن كل شيء يلهو به المؤمن باطل إلا ثلاثاً، فذكر إحداهن الرمي بالقوس، وفي الأخبار الصحيحة أن الله تعالى ليدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة: صانعه المحتسب فيه الخير والرامي به والممد له ومنبله، فارموا واركبوا ولأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا. وروى البخاري عن سلمة بن الأكوع ﵁ أن رسول الله ﷺ مر على نفر من أسلم ينتضلون فقال ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان رامياً. وورد في فضل الرمي أحاديث كثيرة، منها في صحيح مسلم عن عقبة بن عامر الجهني ﵁ قال قال رسول الله ﷺ من تعلم الرمي ثم تركه فليس منا وقد عصى. وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من تعلم الرمي ثم نسيه فهي نعمة سلبها. وروى النسائي عن عمرو ابن عقبة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من رمى بسهم
стр. 1063
في سبيل الله بلغ العدو أو لم يبلغ كان له كعتق رقبة. وصح أن النبي ﷺ كان يخطب وهو متكئ على قوس، وجاء جبريل ﵇ يوم أحد وهو متقلد قوساً عربياً، ويروى عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ من اتخذ قوساً عربياً نفى الله عنه الفقر. والأحاديث في ذلك كثيرة، وفي الكتب شهيرة. وقد ثبت أن أول من رمى بالقوس العربية آدم ﵇ نزل جبريل ﵇ من الجنة وبيده قوس ووتر وسهمان فأعطاها له وعلمه الرمي به، ثم صار إلى إبراهيم ﵇ ثم صار إلى ولده إسماعيل ﵇ وإليه ينتهي إسناد شيوخ هذا الفن.
ولما كان الأمر كذلك رغبه الرغبون في صنعة القسي واجتهدوا في تركيبها وأبدعوا في إتقان السهام التي يرمى بها، امتثالاً لأمر الله تعالى وأمر رسوله ﷺ ، وإسعافاً لإخوانهم المسلمين من الغزاة والمجاهدين، وكان من بينهم الرجل الكامل الحسن السمت والشمائل، حسن بن عبد الله مولى علي، قد طال اجتهاده في هذه الصنعة من مد القوس وإطلاقها والاختلاس وحمل الأوتار والجلة والكشتوان وفرض سية القوس من سائر أنواعها العربية والمعقبية والواسطية والخراسانية والشامية، وما يتعلق بها من تنجير الخشب وتركيبه، ونشر اللحام وتوقيعه، والتوقيع والحزم والرقع والتنوير والدهان مما عليه عمل الأستاذين من سالف الزمان، فلما رأيت منه هذا الإتقان في صنعته والإذعان بحسن معرفته، والإحكام مع التفقه في سائر الأوقات لأصول صناعته، صدرت مني هذه الإجازة الخاصة له بشهادة الإخوان في هذه الصنعة الشريفة البيان، كما أجازني به الشيخ
стр. 1064
الصالح الكامل الماهر البارع المرحوم عبد الله أفندي بن محمد البسنوي، بحق أخذه لذلك عن شيخه المرحوم الحاج علي الألباتي، عن شيخه محمد الاسطنبولي، بإسناده المتصل إلى عبد الرحمن الفزاري، والإمام صاحب الاختيار مؤلف الإيضاح المعروف بالطبري، بحق أخذهما عن أئمة هذا الفن المشهورين طاهر البلخي وإسحاق الرفاء وأبي هاشم البارودي، بأسانيدهم المتصلة عن شيخ إلى شيخ إلى أن ينتهي ذلك إلى سيدنا إسماعيل ﵊، وحسبك من علو سند ينتهي إلى هذا الإمام. وأوصيه كما أوصي إخواني ونفسي المخالطة بالأدب الجميل، وتواضع النفس وحملها على مكارم الأخلاق، وأن لا يرفع نفسه على أحد، وأن لا يحقر أحداً من خلق الله، وأن يجعل دأبه لزوم الصمت والإدمان، والقناعة بالقليل مع المداومة على ذكر الله بالسكينة والوقار، وأن يسمى الله في أول مسكه في صنعته، ويستمد من الله القوة والحول ولا يضجر، ولا ييأس من روح الله، ولا يسب نفسه ولا قوسه ولا سهامه، ولا يحدث نفسه بالعجز فإنه يصل إلى ما وصل إليه غيره فإن الرجال بالهمم، ففي الحديث: " المؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير " وأن يديم النظر إلى معرفة العيوب العارضة للقسي والسهام وعقد الأوتار، ويتعاهد لذلك وكيفية إزالة العيب إن حدث، وأن لا يبيع سلاح الجهاد لكافر، ويفتش دين من يشتري إن كان رجلاً، أو صبياً فيحتاج ذلك إلى إذن والده، فإذا علم إسلامه ووثق به فيأخذ عليه العهد أن لا يرمي به مسلماً ولا معاهداً، ولا كلباً ولا شيئاً من ذوات الأرواح إلا أن يكون صيداً أو ما يجب به قتله، وأن لا يعلم صنعته إلا لأهله الذي يثق بدينه، فقد روى أن لا يحل منع العلم عن مستحقه ويجب إعطاؤه بحقه، لا سيما إن كان عارفاً بقدر العلم راغباً فيه طالباً
стр. 1065
لوجه الله تعالى، لا للمباهاة والمفاخرة، ويجب عليه أن يروض تلامذته ويؤلف بينهم ويحرضهم على العمل، ولا يعاتبهم إلا في خلوة، وهو مع ذلك لازم الهيبة كثير السكوت متأن في الأمور غير عجول للجواب، والتقوى أصل كل شيء وهو رأس مال الإنسان.
ونختم الكلام بالحمد والثناء للرب المالك المنان، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد ولد عدنان، على آله وصحبه الأعيان انتهى.
وسمع المترجم على السيد المرتضى المذكور أكثر الصحيح بقراءة كل من الشريفين الفاضلين سليمان بن طه الأكراشي وعلي بن عبد الله بن أحمد، وذلك بمنزله المطل على بركة الفيل، وكذلك سمع عليه المسلسل بالعيد بشرطه، وحديثين مسلسلين بيوم عاشوراء تخريج السيد المذكور. وأشياء أخر ضبطت عند كاتب الأسماء، وأخذ الإجازة من الشيخ إسماعيل بن أبي المواهب الحلبي، وكان عنده كتب نفيسة في كل فن من الفنون، وكان لطيفاً رقيقاً حسن المعاشرة، مات سنة خمس ومائتين وألف رحمه الله تعالى.
السيد علي البكري المصري
قال الإمام الجبرتي ما ملخصه: كان مجذوباً أقام سنين متجرداً ويمشي في الأسواق عرياناً ويخلط في كلامه، وبيده نبوت طويل يصحبه معه في غالب أوقاته، وكان يحلق لحيته. وللناس فيه اعتقاد عظيم وينصتون إلى تخليطاته، ويوجهون ألفاظه ويؤولونها على حسب أغراضهم ومقتضيات أحوالهم ووقائعهم.
وكان له أخ من ذوي الكمال فحجر عليه في داره ومنعه من الخروج، وألبسه ثياباً ورغب الناس في زيارته، وذكر مكاشفاته وخوارق كراماته،
стр. 1066
فأقبل الناس عليه من كل ناحية وترددوا لزيارته من كل جهة، وأتوا إليه بالهدايا والنذور وجروا على عوائدهم في التقليد، وازدحم عليه الخلائق وخصوصاً النساء، فراج بذلك أمر أخيه واتسعت دنياه، ونصبه شبكة لصيده، ومنعه من حلق لحيته فنبتت وعظمت، وسمن بدن وعظم جسمه من كثرة الأكل والراحة، وقد كان قبل ذلك عرياناً شقياناً تعباناً، غالب لياليه بالجوع طاوياً من غير أكل، بالأزقة في الصيف والشتاء، وقيد به من يخدمه ويراعيه في منامه ويقظته، وقضاء حاجته، ولا يزال يحدث نفسه ويخلط ألفاظه وكلامه، وتارة يضحك وتارة يشتم، ولا بد من مصادفة بعض الألفاظ لما في نفس بعض الزائرين وذوي الحاجات، فيعدون ذلك كشفاً واطلاعاً على ما في نفوسهم، ولا يبعد أن يكون كذلك لأنه كان من المجاذيب المستغرقين.
وسبب نسبتهم إلى البكري أنهم كانوا يسكنون بسويقة البكري لا أنهم من البكريةن ولم يزل هذا حاله حتى توفي سنة سبع ومائتين وألف، واجتمع الناس لجنازته من كل جهة، ودفنوه بمسجد الشرايبي بالقرب من جامع الرويعي، وعملوا على قبره مقصورة ومقاماً يقصد للزيارة نفعنا الله بعباده الصالحين.
الشي علي بن محمد الأشيولي الشافعي المصري
العالم الهمام والفاضل عمدة العلماء الأعلام، حفظ القرآن والمتون واشتغل بالعلم، وحضر الدروس وتفقه على أشياخ الوقت، ولازم الشيخ عيسى البراوي، ومهر في المعقول وأنجب وتصدر ودرس، وانتظم في
стр. 1067
سلك الفضلاء والنبلاء، وصار له ذكر وشهرة ووجاهة. وحدثته نفسه بمشيخة الأزهر، وكان بيده عدة وظائف وتداريس مثل جامع الآثار والنظامية، ولم يزل حتى تعلل، وتوفي سنة إحدى عشرة ومائتين وألف، انتهى من الجبرتي ملخصاً.
الشيخ علي المعروف بالخياط الشافعي الأزهري
الشيخ الإمام العمدة الهمام، الفقيه النبيه الفالح. حضر أشياخ الوقت وتفقه على الشيخ عيسى البراوي ولازم دروسه وبه تخرج، واشتهر بالعلم والصلاح، وأقرأ الدروس الفقهية والمعقولية وانتفع به الطلبة، وانقطع للعلم والإفادة. ولما وردت ولاية جده محمد باشا توسون طلب إنساناً معروفاً بالعلم والصلاح، فذكر له الشيخ المترجم، فدعاه إليه وأكرمه وواساه وأحبه وأخذه صحبته إلى الحجاز وتوفي هناك سنة ثماني عشرة ومائتين وألف.
الشيخ علي النجاري المعروف بالقباني الشافعي مذهباً المكي مولداً
الإمام العمدة المحقق والهمام النخبة المدقق، والفاضل العامل والزبدة الكامل. وهو ابن أحمد تقي الدين بن السيد تقي الدين، ينتهي نسبه إلى أبي سعيد الخدري، وهو سعد بن مالك بن دينار بن تيم الله بن ثعلبة البخاري أحد بطون الخزرج وينتهي نسب أخواله إلى السيد أحمد الناسك ابن عبد الله بن إدريس بن عبد الله بن الحسن الأنور بن سيدنا الحسن السبط رضي الله تعالى عنه.
стр. 1068
ولد المترجم بمكة سنة أربع وثلاثين ومائة وألف، وقدم إلى مصر مع أبيه وأخيه السيد حسن سنة إحدى وسبعين ومائة، فليلة وصولهم مرض أخوه المذكور وتوفي صبح ثالث يوم، فجزع والده لذلك جزعاً شديداً وتشاءم، وعزم على السفر إلى مكة ثانياً، ولم يتيسر له ذلك إلا أواخر شوال من السنة المذكورة، وبقي المترجم واشتغل بتحصيل العلوم وشراء الكتب النافعة واستكتابها، ومشاركة أشياخ العصر في الإفادة والاستفادة، مع مباشرة شغل تجارتهم من بيع الإرساليات التي ترد إليه من أولاد أخيه من جدة ومكة، وشراء ما يشتري وإرساله لهم، إلى أن تمرض وانقطع ببيته الذي بخطة عابدين قريباً من الأستاذ الحنفي، سنة تسع ومائتين. وكان عالماً ماهراً وأديباً ناثراً شاعراً، تخرج على والده وعلى غيره بمكة، وعلى كثير من أشياخ العصر المتقدمين، كالشيخ العشماوي والشيخ الحفني والشيخ العدوي وغيرهم، وتخرج في الأدب على والده وعلى الشيخ علي بن تاج الدين المسكي وعلى الشيخ عبد الله الأتكاوي وغيرهم.
وله مؤلفات: منها نفح الأكمام على منظومته في علم الكلام، ومنها تقريره على الرملي وهو مجلد ضخم، ومنها شرح بديعيته التي سماها مراقي الفرج في مدح عالي الدرج، وله ديوان شعر صغير غالبه جيد وكان في مدة انقطاعه لا يشتغل بغير المطالعة وتحصيل الكتب الغريبة، وقيد ولده السيد سلامة بأشغال تجارتهم، وولده السيد أحمد بملازمته واستماعه فيما يريد مطالعته، وكانت داره في غالب الأوقات لا تخلو من المترددين، إلى أن توفي ليلة السابع والعشرين من رجب سنة إحدى وعشرين ومائتين وألف، وعمره سبع وثمانون سنة وصلي عليه في الأزهر ودفن بمقبرة أخيه بباب الوزير، وتأسف عليه الناس لكرمه وعلمه وزهده وورعه ولين جانبه ولطافته وكثرة حب الناس له، رحمة الله عليه.
стр. 1069
الشيخ علي الحصاوي الشافعي الأزهري نسبة إلى بلدة بالقليوبية تسمى الحصة
الإمام العلامة الفقيه النحوي الأصولي النبيه، حضر إلى الجامع الأزهر صغيراً وحفظ القرآن والمتون، وحضر دروس الأشياخ ذوي القدر المصون، كالشيخ علي العدوي الشهير بالصعيدي والشيخ عبد الرحمن التحريري الشهير بالمقري ولازم الشيخ سليمان الجمل وبه تخرج، وحضر على الشيخ عبد الله الشرقاوي مصطلح الحديث، وكان يحفظ جمع الجوامع مع شرحه للجلال المحلى في الأصول ومختصر السعد، ويقرأ الدروس ويفيد الطلبة، وكان إنساناً حسناً مهذباً متواضعاً، ولا يرى لنفسه مقاماً، عاش معانقاً للخمول في جهد وقلة من العيش مع العفة وعدم التطلع لغيره، صابراً على مناكدة زوجته، وأصيب بداء الفالج وانقطع بسببه عن الدروس أشهراً، ثم انجلى عنه يسيراً مع سلامة حواسه، وعاد إلى الإقراء والإفادة، ولم يزل على حسن حاله ورضاه وانشراح صدره وعدم تضجره وشكواه للناس، إلى أن توفي في شهر جمادى الثانية سنة إحدى وثلاثين ومائتين وألف.
الشيخ علي المعروف بأبي زكريا البولاقي الأزهري الشافعي
الورع الفقيه والزاهد النبيه، علم العلماء وراية الفضلاء، كان ملازماً لإقراء الدرس ببولاق، ويأتي إلى الجامع الأزهر في كل يوم يقرأ الدروس ويفيد الطلبة، ويرجع إلى بولاق بعد الظهر. وكان له حمار يركبه، فلما مات حماره صار يأتي ماشياً، ولم يتخلف عن عادته إلى أن تعوض عنه غيره، وكان متواضعاً ذليلاً خاشعاً، لا يرى لنفسه قدراً ولا يترك شيئاً ولا يفعله ترفعاً وكبراً، ناهجاً منهج السنة مربياً لنفسه إلى أن عادت مطمئنة، توفي يوم الخميس ثامن شهر ذي القعدة سنة ألف ومائتين واثنتين وثلاثين.
стр. 1070
الشيخ علي أفندي بن أبي الفضائل الشيخ علي أفندي العمري الفاروق
كان عالماً أديباً وشاعراً لبيباً، وفاضلاً إماماً وسيداً هماماً.
ولد سنة ثمانين ومائة وألف، قال السيد عبد الباقي أفندي العمري: لما حاولت الاطلاع في أثناء مطالعتي بعد إمعان النظر وأعمال الفكر، بكتاب الروض النضر، في ترجمة أدباء العصر، المنسوب لحضرة عم والدي المرحوم عثمان عصام أفندي الدفتري بن أبي الفضائل علي أفندي العمري، على ما يعجبني فيطربني، فما وقفت على أجمل وأحسن وألطف وأرق وأجزل وأبلغ وأفخم وأدق من هذه المقطوعات العلية الشان، عند أرباب هذا الشان، التي ذكرها في ترجمة صنوه وشقيقه المبرور، علي أفندي سليل المذكور أبي الفضائل، فما ترك بها قولاً لقائل وهي قوله:
طرة النهر سرحتها النسائم ... وعلت منبر الغصون الحمائم
ساجلتها بلابل الدوح حتى ... شق ورد الربا جيوب الكمائم
ما ترى الشرق سل مرهف فجر ... فقد تعرى براحة الأفق قائم
وساطا في الظلام حتى تبدى ... فلقاً فالدماء فيه علائم
فاختلس فرصة الزمان بروض ... يضحك الزهر من بكاء الغمائم
وتنبه لساعة الأنس وانهب ... صفوة العيش واطرح كل لائم
واجتلي كأس مبسم من غزال ... بابلي اللحاظ حلو ملائم
مائس العطف كلما راح يخطو ... وده الصب فوق جفنيه دائم
ذي دلال تمهد الحسن حتى ... قلدته زهر النجوم التمائم
نفثت مقلتاه سحراً فأمسى ... كل صب محلول عقد العزائم
وعلى غصن قده كم تمنى ... طائر القلب لو غدا فيه حائم
جال ماء الجمال في روض خد ... فيه إنسان مقلتي ظل عائم
стр. 1071
لا تلمني إن سمته بيع روحي ... فعلى كل حالة أنا سائم
فسقى الله ملعباً قد تقضى ... حادث الدهر كان لي عنه نائم
بعتاب أرق من خد ورد ... نبهت جفنه أيادي النعائم
وله قصائد وأشعار، أرق من نسمات الأسحار. توفي رحمه الله تعالى سنة ألف ومائتين وأربع وأربعين.
السيد علي الخزام بن حسين برهان الدين بن عبد العلام بن عبد الله شهاب الدين المبارك بن السيد محمود الصوفي الصيادي الرفاعي
كان رجلاً تقياً صالحاً نقياً، خاشعاً عابداً متواضعاً زاهداً، كريم الطبع علي القدر لين الجانب رحب الصدر، مقبلاً على الطريق إقبال الشفيق على الشفيق.
ولد ﵀ ورضي عنه وأرضاه، سنة ست وثلاثين ومائة وألف، ونشأ في حجر والده وقد لاحظته عين العناية والعطف، وبعد موت والده علا قدره وعظم أمره بين الناس واعتقدوه وحصل لهم به كل إيناس، وجذبته يد العناية وأكرمه الله بالولاية، ورزقه الكشف والتمكين والقوة واليقين، والتصرف الخارق والسر البارق. توفي ﵀ سنة سبع وأربعين ومائة وألف ودفن بمقبرة خان شيخون.
الشيخ علي بن إبراهيم الإمام
الإمام الفاضل والسميدع الكامل، قطب العلوم ومحور المنطوق والمفهوم. قال صاحب التاج المكلل: لا أعلم أنه غضب قط ولا خاصم في شيء منذ عرفته إلى أن مات، وليس له نظير في حفظ الأشعار لأهل الجاهلية والإسلام الأخيار، وكتب من نفائس الكتب بخطه شيئاً كثيراً، وكنت
стр. 1072
أعجب من سرعة ما يتحصل له من ذلك مع شغله بالتدريس، فسألته في بعض الأيام عن ذلك، فقال إنه لا يترك النسخ يوماً واحداً، وإذا عرض له ما يمنع فعل من النسخ شيئاً يسيراً ولو سطراً واحداً أو سطرين فلزمت قاعدته هذه، فرأيت في ذلك منفعة عظيمة انتهى. مات المترجم المذكور سنة سبع ومائتين وألف رحمه الله تعالى.
الشيخ علي بن إبراهيم حفيد صاحب سبل السلام
ذكر له الشوكاني ترجمة حسنة وقال: له مصنفات، منها " السر المصون في نكتة الإظهار والإضمار " ولد سنة ألف ومائة وإحدى وأربعين ونشأ من أول أمره على الطاعة والعبادة والتقوى والزهادة، وله في التصوف اليد العالية والمعارف السامية، ودأب على السلوك في أول أمره إلى أن حصل على مطلوبه وحاز على مرغوبه. وكان له في الوعظ أسلوب حسن له في القلوب تأثير يسري على الكبير والصغير. توفي ﵀ عام ألف ومائتين وثلاثة عشر.
القاضي علي بن أحمد بن عطية من علماء الذمار
قال صاحب التاج المكلل: ولد عام ألف ومائتين وثمانية. قال العلامة الشوكاني: له ميل إلى العمل بالأدلة وفهم ثاقب وإدراك تام. مات في ذمار سنة ألف ومائتين واثنتين وخمسين.
الشيخ علي بن إسماعيل فهمي
عالم عامل وزاهد فاضل، قال صاحب التاج: كان من علماء صنعاء من تلامذة أحمد قاطن وغيره، بارع الذكاء فائق بين النبلاء، جيد
стр. 1073
الإدراك حسن الأخلاق، كريم الصحبة. كان له معرفة تامة بغرائب المسائل. قال الشوكاني: وكان مجتهداً يميل إلى الدليل، ولا يعمل إلا بمقتضى السنة والتنزيل. مات سنة ألف ومائتين وثلاث وعشرين.
السيد علي بن إسماعيل من نسل الإمام المتوكل على الله
كان من أكابر العلماء وأحاسن الفضلاء، قال الشوكاني: وفد إلى صنعاء وسمع مني رسالتي المسماة " الدر النضيد في إخلاص التوحيد " وكذلك حضر معنا في قراءة مؤلفي المسمى " إتحاف الأكابر بإسناد الدفاتر " وكتب المؤلفين بخطه، وبالجملة فقد دار بيني وبينه من المساجلات الأدبية والمكاتبات الشعرية، ما يكثر سرد بعضه، وقد رقمت بعض ذلك في مجموع شعري، مات سنة ألف ومائتين وتسع وعشرين رحمه الله تعالى.
الشيخ علي خضري الدمشقي
كان من الأولياء الصالحين وأهل الكرامات الناجحين، وللناس به اعتقاد جميل وكانوا يحلونه لمحبته كل محل جليل، ولد بقرب الألف والمائتين، ونشأ على أحسن حال وأتم منوال، تسعى الناس إليه ويتبركون بلثم يديه، وكثيراً ما يتكلم بالكلام، وكل من كان حاضراً يحمل كلامه على ما قصده من مصلحته ورام، وربما أن سألوه أجاب ولم يخطئ الواقع والصواب، ولم يزل مقبولاً معروفاً لا مجهولاً، مقصوداً في قضاء المآرب من كل ناحية وجانب، إلى أن توفي سنة ألف ومائتين وستين تقريباً، ودفن في زاويته المعروفة به على جادة طريق سويقة ساروجا، وقبره بها مشهور معروف والتبرك به كثير مألوف، مقصود للزيارة ﵀ رحمة واسعة على ممر الأوقات والساعات.
стр. 1074
الشيخ علي أفندي الحسبي
ولد سنة ألف ومائة وخمس وخمسين، ونشأ ناهجاً منهج الكمال إلى أن بلغ أوج الاعتدال، وكان عالماً لطيفاً فاضلاً شريفاً، من أكابر الأعيان ذوي القدر والشان. مات ﵀ سنة اثنتين وأربعين ومائتين وألف، ودفن في مقبرة الدحداح وكتب على قبره:
حسب الحسيبي الانتماء لمن غدا ... يغدو شفيع المنتمي والأجنبي
لا سيما وهو السمي لجده ... صنو النبي الهادي علي المنصب
بوفاته وافته رحمة ربه ... وحباه مولاه الرضى مع من حبى
مذ للبقاء الداعي دعاه مؤرخاً ... جنات عدن قد زهت بابن النبي
الشيخ علي الشهير بالطحان الأزهري المصري
قال الجبرتي: الإمام العلامة الفقيه، النحوي الأصولي الجدلي، النحرير الفصيح المتقن المتفنن حضر شيوخ العصر، ولازم الشيخ الملوي والجوهري، وكان معيد الدروس الأخير وبه تخرج، وكان يقرأ الكتب ويقرر الدروس بدون مطالعة، إلا أن كان يغلب عليه الملل والسآمة وحب البطالة غالب أيامه، ولا يتعفف عن الدنيا من أي وجه كان، ويطلبها وإن قلت، وكانت سليقته جيدة في النثر والنظم.
стр. 1075
وله منظومة في الفقه، ومنظومة في المنطق، ومنظومتان في التوحيد كبرى وصغرى، ومنظومة في العروض، ومنظومة في البيان، ومنظومة في الطب، وله لاميتان على محاكاة لامية ابن الوردي كبرى وصغرى، وحاشية على شرح الملوي على السمرقندية. توفي في أواخر شعبان سنة سبع ومائتين وألف.
الشيخ علي الحصاوي الشافعي المصري الأزهري
الفقيه الفريد والعلامة المفيد، كريم الأوصاف جميل الإنصاف، حسن الشمائل المعروف بالفضائل، مفيد الطلبة بالفقه والمعقول ومقيد أركان الفروع والأصول، مع شهادة الشيوخ بفضله، ووثوقهم بعلمه ونقله، وكان على طريقة المتقدمين في الانقطاع للإفادة والاستفادة مع التقشف وعدم الرفاهية والرضى بما وجد من غير زيادة، وتمرض بالحمى ولم ينقطع عن ملازمة الدروس، حتى توفي في منتصف جمادى الثانية سنة خمس وعشرين ومائتين وألف وصلي عليه في الأزهر، ودفن في تربة المجاورين في الصحراء رحمه الله تعالى.
الشيخ علي بن محمد بن أحمد بن علي الديركوشي الشافعي
العالم الإمام والفقيه الفرضي الورع التقي الصالح الكامل، ولد بديركوش قرية من أعمال حلب عام ستة وثلاثين ومائة وألف، وقرأ على والده وعلى الشهاب أحمد بن محمد بن الحسن الديركوشي المفتي، وتفقه وأحسن الأخذ، وأفتى بديركوش وراجعه أهاليها بأمورهم، وكان صالحاً أديباً ديناً قليل المعاش قانعاً بما يحصل له من زراعته، راضياً بالكفاف والراحة، له تعشق بالعلم والعمل والمطالعة والإفادة والاستفادة، وكان ممن أخذ عنه العالم الفاضل محمد خليل أفندي المرادي سنة خمس ومائتين وألف كما نقلت ذلك من خطه، ولم يزل على ترقيه إلى أن توفي سنة ألف ومائتين ودفن في محلته رحمه الله تعالى.
стр. 1076
الشيخ علي أفندي الشافعي بن الشيخ محمد سعيد بن أبي البركات الشيخ عبد الله السويدي البغدادي
قطب مدار العلماء في زمانه وعمدة السادة الفضلاء في وقته وأوانه، خادم السنة والكتاب مع تقوى وزهادة وخضوع وخشوع وعبادة، وجود وسخاء وكرم واتصاف بمعالي الشيم. قال صاحب جلاء العينين قال في النزهة من ترجمة طويلة ما نصه: وكان لأهل السنة برهاناً وللعلماء المحدثين سلطاناً، ما رأيت أكثر منه حفظاً ولا أعذب منه لفظاً ولا أحسن منه وعظاً، ولا أفصح منه لساناً ولا أوضح منه بياناً، ولا أكمل منه وقاراً ولا آمن منه جاراً، ولا أكثر منه حلماً ولا أكبر منه بمعرفة الرجال علماً، ولا أغرب منه عقلاً ولا أوفر منه في فنه فضلاً، ولا ألين منه جانباً ولا آنس منه صاحباً.
اختارت روحه وهو في دمشق الشام من الملأ الأعلى فريقاً، وهو يقرأ قوله تعالى " أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا " وجاء تاريخ وفاته: - أسكنه الله تعالى أعلا جنانه -: " إن المدارس تبكي عند فقد علي " انتهى، وذلك سنة الألف والمائتين والسابعة والثلاثين في السابع والعشرين من رجب الأصم، أحله الله تعالى دار النعيم الأتم. وله تأليفات مفيدة ورسائل عديدة، ومن أجلها كتاب " العقد الثمين في بيان مسائل الدين " وقد شرحه ولده الفهامة محمد الأمين، أسكنه الله في جنته وأسبغ عليه سوابغ نعمته، آمين.
стр. 1077
السيد علي خزام بن السيد خزام ببن السيد الكبير الشيخ علي الخزام بن السيد حسين برهان الدين الخزامي الصيادي الرفاعي الخالدي
قد ترجمه السيد أبو الهدى أفندي الصيادي في تنوير الأبصار فقال: ولد عام ستة وثمانين ومائة وألف، وأمه من بني العابد، وهم عائلة لهم نسب صحيح للسيد محمد أبي عابد الخابوري الحسيني ﵁، وهو صاحب المرقد العامر بدير الخابور، وأصل عشيرة آل العابد بحران الرها، يقال لهم عبادده معروفون بصحة النسب للإمام زين العابدين ﵁، ويقال لما ولد السيد علي كان عمر أبيه إحدى وعشرين سنة، فكان بعد أن كبر إذا مشى مع أبيه يظن أنه أخوه. نشأ ببني خالد ربيب الكرم والتقوى، ورضيع الصدق والطريق الأسوى، بيته منهل الواردين ومرجع الوافدين:
لا عيب فيه سوى السخا وطباعه ... بذل الوجود كسائر الموجود
لم يبغ غير الله في أعماله ... وكذا طباع الآل أهل الجود
وقد اشتهر في قبيلتنا وثبت عند فصيلتنا، أن من ضاع له شيء وأكل من زاد المترجم بالنية، يرد الله عليه ضائعه، والسارق إذا أكل من طعامه وذهب لشغله لا يتيسر له سرقة شيء بإذن الله تعالى. ولما بلغ الأربعين داوم على صيام الأشهر الحرم وست شوال، إلى أن توفاه الله تعالى.
تزوج بامرأتين الأولى خالدية والثانية عبادية من أخوال آل العابد. مات المترجم المرقوم سنة سبع وأربعين ومائتين وألف، رحمه الله تعالى ودفن بمقبرة خان شيخون عند أقاربه.
стр. 1078
السيد علي بن السيد خير الله الصيادي شيخ المشايخ بحلب الشهباء رحمة الله عليه
قد ترجمه صاحب تنوير الأبصار فقال: شيخنا الكامل الفاضل الصالح الناجح، الحسيب النسيب الشريف الغطريف، ابن عمنا وأحد أعيان بيتنا رفيع المنزلة مقبول الجاه، وهو السيد علي بن السيد خير الله بن السيد محمد بن السيد خير الله المتصل النسيب بسيد من رقي أعلى الرتب. ولد رحمه الله تعالى بحلب ونشأ بحجر والده، رضيع ثدي الولاية ربيب مهد السيادة والعناية، ولا زالت تحفه الوقاية الربانية وتشمله الأنظار المحمدية، حتى كبر وأحرز مشيخة المشايخ بعد أخيه السيد رحمه الله تعالى، وظهر واشتهر وعلا شانه وقدمه أقرانه، وطاب قلبه وعذب لسانه، وحسنت إشاراته وتواترت بالديار الحلبية كراماته. كان جمالي المشرب جلالي الجناب، رفيع المكانة، رقيق الطبع سليم القلب، مبارك المال، جليل المقام، له أحوال قدسية ومحاضرات أنسية، وكلمات شريفة ونكات لطيفة، وسريرة عامرة وسيرة زكية طاهرة. يسر الله توبة كثير من العصاة على يديه، وقاد قلوب العامة والخاصة إليه. وروى له الجم الغفير الكرامات الكثيرة، " منها " أن رجلاً معروفاً من أهل حلب رد شفاعته في نازلة وأغلظ الجواب، فخرج من مجلسه مغير الخاطر فقبل أن يصل المترجم قدس الله روحه إلى بيته، ألم بالرجل ماغص عظيم، فما مضى ذلك اليوم إلا وتوفاه الله تعالى. وهذه قصة متواترة في الشهباء أشهر من أن ينبه عليها.
стр. 1079
" ومنها " أنه صب ماء في قنديل نفد زيته فأضاء إلى الصباح بإذن الله تعالى. " ومنها " أن رجلاً من ذوي البيوت يقال له عبد الكريم، مازح المترجم بكلمة أخذ منها شيئاً من نفسه، فقام من المجلس ولم يشعر أحد أنه اغبر خاطره، ففي الحال أصابت الحمى عبد الكريم المومى إليه، فعالج نفسه بالأدوية مدة فما أفاد، فألهمه الله تعالى بعد تلك المدة أن اغبرار خاطر صاحب الترجمة هو السبب فيما ألم به، فذهب لحضرته المباركة وقبل يديه وسأله العفو، وذكر له القصة فعفا عنه، وأمر له بماء فشربه، وانصرفت عنه الحمى ليومها بقدرة الله . " ومنها " أنه كان خارج داره ورجع ليلاً وخادمه أمامه بيده القنديل، فوجدا عند الباب شخصاً من الجن وصل رأسه إلى قرب حائط الدار ارتفاعاً، فخاف الخادم خوفاً شديداً، فقال له لا تخف وأخذ القنديل وضرب به الشخص، فسقط، وفي الصباح جاء أتباعه فوجدوا رماداً أمام الباب، فعرفوه أنه الجني. وهذه من غرر كراماته، وكراماته كثيرة لا تعد. لبس الخرقة من أبيه العارف بالله السيد خير الله الثاني، وسند خرقتهم معروف، وقد أخذ منه الإجازة بالطريق السيد أبو الهدى أفندي صاحب " تنوير الأبصار " توفي السيد المترجم قدس الله روحه بحلب سنة تسع وثمانين ومائتين وألف، ودفن بزاويته المباركة التي أنشأها بمحلة يانقوسا، وقد أرخه الكثير من الفضلاء منهم الحاج مصطفى الأنطاكي الحلبي وبيت التاريخ قوله:
ولدى زيارتنا له أرخ نرى ... نور الرفاعي من مقام علي
стр. 1080
الشيخ علي الخاتمي الأدلبي الشاعر المشهور
أديب قد تحلى كلامه بقلائد العقيان، ونظامه ببلاغة قس وفصاحة سحبان، وأريب جرت في بحوره سفن الأذهان فلم تدرك قراره، وعجزت أفكار النظراء والبلغاء عن أن يدركوا تياره، فلا ريب أنه الفصيح الذي إن تكلم أجزل وأجز، وأسكت كل ذي لسان ببلاغته وأعجز، ما برز في موطن شعر إلا وكان فارس ميدانه، ولا في محفل إنشاء نثر إلا وكان المشار إليه في بديعه وبيانه، فهو للأدب حدقة الإنسان ومن رآه علم أنه ليس الخبر كالعيان، كيف لا وهو الفريد الذي تلألأت بمعاني بيانه السطور والطروس، واهتزت لبديع براعته وعبارته الأعطاف والرؤوس.
ولد سنة ألف ومائتين وست عشرة. وكان جواداً كريماً، مهاباً بين الناس عظيماً، جميل المعاملة والإحسان، كثير التودد للأحباب والإخوان. ومن نظمه هذا الموشح، الذي تردى بكل جمال وبكل حسن توشح، وهو:
طالع الإسعاد باد عندما ... ضم شمس الحسن برج الأطلس
وجلا صبح جبين أنجما ... فوق بدر تحت فرع حندس
دور
стр. 1081
راحة الأرواح في أيدي الصباح ... قهوة الراح كأقداح الصبوح
في رياض باغتباق واصطباح ... للشجي راح وريحان وروح
هاتها بكراً إذا ما الفجر لاح ... عتقت في دنها من قبل نوح
بنت شمس زوجت ماء السما ... ولدت منه الجواري الكنس
فانتشائي كان منهما مغنما ... وبذكراها نديمي مؤنسي
دور
حي من صافي الحميا يا نديم ... وامل بدر الكأس من شمس المدام
وانشد الألحان بالصوت الرخيم ... واترك العذال تهذى بالملام
إنها العيش الرغيد المستقيم ... غادة تمحي شموساً في الظلام
مزجها الصهباء من عذب اللما ... تنهل الصب حياة الأنفس
فابسطن للجيد منها معصما ... عندما تسهو عيون الحرس
دور
والثمن أنفاس عطر يستطاب ... من خديد خاله المسكي طيب
وتنزه ناظراً تحت النقاب ... جنة تزهو على رغم الرقيب
واغتنم وقتاً من الهجران تاب ... حبذا وقت إلى الوصل منيب
واغتباق الغيد فيه خيما ... في ربا ضم القدور الميس
نم هنيئاً في حراس حيثما ... حاجب الهيفاء رام عن قسى
دور
لذ في العذراء لي خلع العذار ... واطراحي في خبا ذات الخدور
منشدي في الحان ألحان الهزار ... في رياض نجمها زهو الزهور
وردها يروي حديث الاحمرار ... عن شقيق الخد عن بسم الثغور
стр. 1082
طرف حور العين أمسى مغرما ... في رباها في عيون النرجس
عنبرت نفح الشذا بل إنما ... عطرت من عرف عطر النفس
وله أيضاً ﵀، وحباه في دار الرضوان مرامه ومناه.
حتى م يا ظبي الكناس ... احنو إليك وأنت ناسي
أغريت بي سقم الجفو ... ن فحل منى كل آس
ونسيت عهداً لم أكن ... أبداً له وأبيك ناسي
مولاي لا تمتد في ... هجري فقد عجز المواسي
مرني فأمرك بالذي ... تهوى على عيني وراسي
هذي الرياض قد انجلت ... في حلتي ورد وآس
فاجل المدام أخا الهلا ... ل وحيني منها بكاس
واستنطق الوتر الرخيم عن الفؤاد وما يقاسي
وله أيضاً:
يا صاحبي عج بالمطي على الحمى ... فعسى تلوح لناظري شموسه
فهناك يستملي ابن مقلة فضة ... مني فيكتب والخدود طروسه
وأريك شوقاً لو يقاس بغيره ... بتوقد الجمرات كنت تقيسه
بان الخليط فلا تسل عن حالتي ... ما حال من قد بان عنه أنيسه
ودعته ورجعت عنه كأنني ... ذو نشوة دارت علي كؤوسه
لم أنس إذ غنى له الحادي ضحى ... وتراقصت تحت الهوادج عيسه
ورمى ابن عم الظبي لي بإشارة ... أخذ الفؤاد بها فهاج رسيسه
стр. 1083
وله:
يا وردة من فوق بانه ... سر الأحبة من أبانه؟
أخفيته جهدي وقد ... علقت في قلبي مكانه
وكتمت أمر صبابتي ... وسدلت أستار الصيانه
ما كنت أحسب أن يكو ... ن الدمع يوماً ترجمانه
لولا وضوح الأمر ما ... أغرى بنا الواشي لسانه
ولوى عنانك عن شج ... شوقاً إليك لوى عنانه
يا ظبية البان الذي ... عند القلوب لها مكانه
قد أسكرتني مقلتا ... ك كأن في الخمار حانه
وكرعت من ماء الصبا ... ففضحت لين الخيزرانه
أجريت ذكرك بالحمى ... وقد اجتلى طرفي جنانه
فلوى القضيب معاطفاً ... نظم الندى فيها جمانه
واحمر خد شقيقها ... وافتر ثغر الأقحوانه
وله:
قد نضى طرفه الكحيل حسامه ... فسل الله يا فؤادي السلامه
فاتك قد سطا بألحاظ ريم ... بلغته من القلوب مرامه
ناقض للعهود ليس يراعي ... ذمة للذي يراعي ذمامه
قد تعشقته بديع جمال ... يملأ العين بهجة ووسامه
ما تذكرت عيشه الغض إلا ... أهطلت أدمعي عليه غمامه
يا نسيماً من عنبر اللطف أهدى ... طيب أنفاسه إلينا شمامه
هي عني أقاح تلك الروابي ... ثم قبل ثغوره البسامه
стр. 1084
وألو عطف القضيب نحو أخيه ... ليطيل اعتناقه والتثامه
واقتطف من حديقة الحسن ورداً ... نقطت فوقه من المسك شامه
وارتشف من خلال تلك الروابي ... قاطر الشهد قطرته مدامه
واعتنق في منمنم البرد خوطا ... رنحت خمرة الشباب قوامه
ثم لاعب له ذؤابة شعر ... قد تدلت فقبلت أقدامه
وله:
يا زورة سمح الخيا ... ل بها فبات معانقي
خاض الدجنة طارقاً ... أكرم به من طارق
وأتم ساحة عاشق ... في جنح ليل غاسق
وأتى يجدد بالصبا ... بة عهد صب شائق
فجرت لطائف بين معشوق هناك وعاشق
وخلالها قبل تلذ ورشف ريق رائق
وسألت ذاك الريم عن ... سبب الصدود السابق
فانهل منه ما يريك الطل فوق شقائق
وافتر لي ياقوته ... عنه لؤلؤ متناسق
وصفا هنالك مورد ... بين العذيب وبارق
وله:
بروحي ساق قد جلا تحت فرعه ... جبيناً كبدر التم عند شروقه
سقاني بنجلاويه كأساً من الهوى ... فأسكرني أضعاف سكر رحيقه
وقال افترع بكر الأماني تغزلاً ... فلي منظر يهديك نحو طريقه
فوجهي مثل الروض باكره الحيا ... جني أقاحيه وغض شقيقه
وإن أشبه التفاح خدي حمرة ... فلي نونة تحكي مناط عروقه
النونة طابع الحسن ويسمى أيضاً جب يوسف.
стр. 1085
وله:
رشق الفؤاد بأسهم لا تخطه ... ريم يشوق الريم مهوى قرطه
من ذا عذيري من هوى متلاعب ... قد راح يمزج لي رضاه بسخطه
أعطيته قلبي وقلت يصونه ... فأضاعه يا ليتني لم أعطه
وثناه عن محض المحبة رهطه ... فعناء قلبي في الهوى من رهطه
وقد اشترطنا أن ندوم على الوفا ... ما كنت أحسبه يخل بشرطه
كيف الخلاص ركب بحراً من هوى ... شوقاً إليه فشط بي عن شطه
علقته ريان من ماء الصبا ... كالروض أخضله الغمام بنقطه
غض الشباب وهذه وجناته ... قد كاد يقطر ماؤها من فرطه
يجلو عليك صحائفاً وردية ... رقم الجمال بها بدائع خطه
وتريك هاتيك المعاطف بانة ... تهتز ليناً في منمنم مرطه
وتخامر الألباب منه فكاهة ... تلهي حليف الكأس عن اسفنطه
لو بت أستملي لطائفه التي ... ضاهت برونقها جواهر سمطه
لدهشت إعجاباً بلؤلؤ لفظه ... ومددت كفك طامعاً في لقطه
وله:
لا تكن ويك طامعاً في سلوي ... فالهوى قد نما أشد نمو
شفني ذلك الشويدن حباً ... ورماني بسهم ذاك الرنو
قمر في ابتدائه تم حسناً ... وسما في الكمال أوفى سمو
وقضيب غض النبات رطيب ... عل من خمرة الشباب وروى
стр. 1086
حبه خط في فؤادي سطراً ... أمد الدهر ليس بالممحو
يمزج الصد بالوصال دلالاً ... فترى منه قسوة في حنو
وهواه ما زال يوري لهيباً ... بين جنبي ما له من خبو
يا سقى الله عهدنا في ليال ... قد جنينا بها ثمار الدنو
جمعت شملنا بكأس سلاف ... هي أصفى من دمعة الممحو
كلما قلت يا بن ودي خذها ... قال لي هات يا عدو عدوي
وفي سنة ألف ومائتين وإحدى وأربعين امتدح المترجم متسلم حمص محمد آغا خير الله، وكان رجلاً كريماً حسن السيرة جميل الشهرة، إلا أنه لم يجازه عليها، فبحسب التقدير لم يمض على ذلك مدة حتى قتل الممدوح في شوارع البلد، وأما المادح فإنه قد تمرض وتحول فمه والعياذ بالله تعالى. وهذه القصيدة التي مدح بها الممدوح المرقوم أعلاه مضاهياً بها بانت سعاد لكعب بن زهير الصحابي الجليل رضي الله تعالى عنه:
أسيف لحظيك تجلوه الصياقيل ... أم مشرفي ابن خير الله مسلول
منه رأينا لديك الأسد صاغرة ... منهم حلا لك بعد العز تذليل
لله ريم بدا من ليل طرته ... بدر تلالا به بشرى وتهليل
حكى الغزالة منه الالتفات حكت ... منه المحيا سناماً فيه تأفيل
كم من كمي له ما بين معترك ال ... أحداق والقلب متبول ومبتول
ما السحر والخمر بالألباب أفتك من ... فنان طرف به هاروت مشغول
فرح معافى سليم القلب من حرق ... والجفن من قرح فالحب قتيل
ولا تعرض إذا هز القوام رشا ... من شك أحشاءه الخطي مقتول
ودم خلياً وإن تعشق فدم هدفاً ... لناقد فسهام الطرف مرسول
стр. 1087
إليك نصحي ولكن من وعاه فبا ... م لإنعام يزدان عندي فيه تمثيل
بآية النور من صبح الجبين إلى ... رب المحاسن لي بالليل تبتيل
إلى أن قال متخلصاً إلى المدح:
كأنه موج هندي يهز به ... محمد ودجى الهيجاء مسدول
لعضبه ومض برق والغبار حكى ... مزناً وقطر دم العاصين مهطول
يلقى الكماة ابن خير الله يتركهم ... بلها ولب عميد الجيش مذهول
بغير درع يلاقي الدارعي ولا ... تهوله بعواليها الجحافيل
فصاله فصل الأكباد فيه وما ... ردت مضاربه تلك السرابيل
عليه ما شق أن يلقى الألوف به ... وشق قلب خميس فهو مغلول
بالبيض صلت ظباه عندما ركعت ... فأسجدت هامها الشم البهاليل
فيهم يذكرنا أقوام أبرهة ... لما رمتهم مراميها الأبابيل
صدورهم في لظى من نار لهزمة ... من حرها فلهم بالويل تعويل
برد وسمر القنا جمر وقائعه ... سود لها في بياض الطرس تسجيل
بهامهم أسمرت لما استقت بدم ... فهامهم لعواليه أكاليل
كأن عنتر يعني في مقالته ... هذا الأمير ما في الصدق تأميل
له النفوس وللطير اللحوم وللوحش العظام وللفرسان ما نيلوا
إلى آخرها، وهي قصيدة طويلة ولولا سآمة خطها المنقول عنه مع تحريفها لنقلتها بتمامها وكمالها هذا وإني لم أقف على تاريخ موت المترجم رحمه الله تعالى؟
стр. 1088
السيد الحاج عمر لطفي أفندي بن الحاج محمد أفندي بن الحاج عمر أفندي بن الحاج علي أفندي، شيخ الإسلام ومفتي السادة الأنام، أدام الله وجوده وأغدق عليه أنعامه وجوده.
فهو قمر رفعة قد طلع في أفق الشريعة بدرا، وقطب مدار ملة قد اجتبته أن يكون لها هامة وصدرا، وسماء فضل إشراق نجومها بالهداية موصوف، وشمس عدل لا يعتري سناها مدى الدهر كسوف، قد تحلى به جيد الأبد فكان له عقد انتظام، وتجلى على كرة الأمد فكان لها غاية المرام، أورق عوده في رباض دار السعادة وأزهر، وارتقت سعوده في سماء السيادة فأشرق نجمها وأزهر:
لما بدا خفيت له شمس الضحى ... في ثوب غيم ترتديه وتكتسي
نطقت فضائله فأخرس دونها ... نطق الفصيح وحار فكر الكيس
ولد هذا السيد الهمام، وكانت ولادته لهذا الدهر بمنزلة شهر رمضان إذا ظهرت به ليلة القدر:
بمولده طاب الزمان وأهله ... ولا ريب قرت مقلة المجد والعدل
وذلك في سنة ألف ومائتين وإحدى وأربعين أطال الله بقاه وأدامه نعمة للعالمين. وكانت ولادته الشريفة في قرية صنديمة " قري من قرى بودروم " لا زالت عين العناية ترعاه بما يقضي له بالقدر الموسوم. وإن جده الأعلى كان قد هاجر من أغريبوز من بلاد المورة، إلى بودروم المعلومة المشهورة، فصارت نسبتهم إليها بين الناس مذكورة. ثم أن المترجم حفظه الله هو
стр. 1089
من أحفاد القابودان الأسبق المرحوم سليمان باشا المعظم، وإن والدته هي المصونة فاطمة خانم بنت الحاج عمر أفندي المفتي المكرم. فلم تزل التربية في حجور السمو ترقيه ترقية الذهب الإبريز، وتربيه تربية النمو إلى أن زكا إدراكه وبلغ سن التمييز، فنهج على قدم الهمة منهج التقديم، وقرأ على شيخه محمود أفندي كتاب الله العظيم، ثم حضر على الحاج علي أفندي العلائيه لي، مقداراً من علم الصرف، باذلاً همته في الطلب حتى كأنه لم يغمض له خوف التقصير طرف:
تكهل في علم العلا وهو يافع ... وجاز بلوغ الرشد وهو رشيد
وأفصح عن فصل الخطاب بمنطق ... لديه لبيد ضارع وبليد
وفي آخر سنة ألف ومائتين وثلاث وخمسين غرة رجب، قدم به المرحوم والده إلى دار السعادة لأجل التحصيل والطلب، فوضعه في مدرسة الطب من مدارس حضرة المرحوم السلطان سليمان، عليه أكمل الرحمة وأتم الرضوان، عند خاله أبي بكر أفندي عليه رحمة المعيد المبدي، ثم رجع والده إلى دار إقامته وترك المترجم في دار السعادة ليفوز بسعادته، ففي السنة المذكور في غرة شوال، ابتدأ في قراءة الصرف وعلم الحال، على الحاج مصطفى أفندي القسطموني الهمام، وكان في كل فن إماماً وأي إمام! فاستعمل لعظيم المجد همته الكبرى، وأدرك في جده واجتهاده الأنجم الزهرا:
ومن يسعى إلى طلب المعالي ... فلا عجب إذا ركب البحارا
وفي سنة ألف ومائتين وأربع وستين، من هجرة رسول الأنبياء ونبي المرسلين، أيام شيخه شيخ الإسلام وعمدة السادة وإمام الأنام، حبر الأفاضل وبحر الفضائل، عارف حكمت بك قد فتح للتلامذة باب الامتحان، في مدرسة مولانا المرحوم السلطان بايزيد خان، فكان له في ذلك
стр. 1090
الامتحان المقام الأول، وفي الامتحان العسكري كان له المحل الأرقى الذي عليه المعول، ولا زال مجتهداً في تحصيل العلوم، مكباً على أسباب التوصل إلى دقائق المنطوق والمفهوم. وفي عام ألف ومائتين وستة وستين حصل امتحان الرؤوس الهمايوني وكان هذا الهمام، من جملة مائة وخمسة عشر عالماً من العلماء الكرام، فكان له من بينهم الفضل الأعلى والقدر الأتم الأجل الأجلى، والجواب الصائب السديد والرأي الفائق الرشيد، مع لطيف خلق يسعى اللطف لينضم إليه، وشريف صدق يقف الكمال متحيراً لديه، وجميل طبع أرق من نسيم الصبا في الصباح، وأعذب من مذاق الظفر على مناهل النجاح:
همام جد في طلب المعالي ... ونال من العلا جل الأماني
فبدر علاه مكتمل منير ... وشمس نداه دائمة التداني
فدام ممتعاً بدوام عز ... وإنعام على طول الزمان
وفي شوال من السنة المذكورة، تعين في سنجاق سيروز مأموراً للامتحان في أخذ العساكر المنصورة. وفي سنة ألف ومائتين وسبع وستين قرأ علم الصرف لجم غفير في جامع المرحوم السلطان بايزيد خان ذي المقام الشهير. وفي سنة تسع وستين دخل في سلك المأمورين في الفتوى خانه الجليلة. وفي أربع وسبعين تعين نائباً في محكمة الغلطة الجميلة، فاحتاط غاية الاحتياط وعن كل مخالف تحاشى، وفي سنة ثمان وسبعين تعين نائباً في محكمة المرحوم داود باشا. وفي زمان المرحوم حسام الدين أفندي شيخ الإسلام، تعين نائباً في محكمة جلبي أفندي فأجرى الأحكام على أوفق مرام. وفي أثناء ذلك تعين مقرراً في الدرس الذي يقرأ
следующие страницы →