← Тараджим

Тараджим · id 31371

حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر

عبد الرزاق البيطار

Полный текст (1 568 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

على صائم الأيام وهي هواجر ... يجاهد في الله ولله يجهد على قائم الليلات وهي دياجر ... يقسمها ذكراً وفكراً ويسجد على مرشد يهدي إلى الحق نوره ... فمن جاءه يسعى فبالله يسعد على وارث القطب المعظم خالد ... بصدق له الذكر الجميل يخلد فمن لدروس العلم يحيي دروسها ... بتحرير تقرير يحل ويعقد ومن لعلوم القوم يظهر سرها ... بذوق له العلم اللدني مسند ومن للطريق الخالدية بعده ... يشيد من أركانها ما يشيد فيا طالما أحيا مآثر قطبه ... وآثاره الكبرى بذلك تشهد وعزز من قاموا بحق مقامه ... فكانت بهم تحمى الطريق وتحمد كواكب إرشاد أضاءت على الورى ... إذا غاب منهم مرشد لاح مرشد هم الشيخ إسمعيل قدس سره ... وحضرة عبد الله والجد الأمجد محمد الخاني والمظهر الذي ... له في مقامات الولاية مشهد له العلم في هلك الطريق وملكه ... وما يصلح الأحوال فيه ويفسد تفرد عن أقرانه بمناقب ... كبار وهم الأولياء التفرد فقد كان في علم الحقيقة مفرداً ... كما هو في علم الشريعة مفرد فطوبى له من عارف جد عارف ... إلى الله يهدي السالكين ويرشد له مسجد بالذكر والفكر عامر ... وقوم كرام ركع فيه سجد له الجود والإيثار والزهد والتقى ... له الورع الأولى به والتجرد صبورعلى التقوى غفور لمن أسا ... شكور إذا أقوى وقور ممجد تقلد في الإرشاد أكبر منصب ... بهمته الكبرى التي لا تقلد كراماته في كل ملك شهيرة ... وخيراته في كل وقت تجدد بديع بيان في حديث تصوف ... بتفسير فقه نحوه الحق يقصد وبهجته أسنى كتاب مؤدب ... فآياته تتلى لنا وتجود ولا عيب فيه غير أن وجوده ... عزيز فمن أمثاله ليس يوجد

стр. 1157

أعد له الله مقام شهوده ... جزاء شهادات له تتعدد وأحيا الليالي ساهد الطرف ساجداً ... فأضحى له دار النعيم تمهد بنفسي أفدي فرقداً حل مرقدا ... وأعظم به من مرقد فيه فرقد عجبت لقوم وسدوه بلحده ... وما فتتت منهم قلوب وأكبد وأعجب منه أن بحراً يقله ... سرير ويحويه من الأرض مرقد علوم وعرفان وزهد ورحمة ... وجود وإرشاد وتقوى وسؤدد فيا ليتني ما ذقت صاب مصابه ... ولا كان لي في عالم الكون مولد عليه من الله تحية رحمة ... وهتان رضوان وعفو مسرمد ومني له حسن الثناء لأنه ... هو السيد المنشي الفخار المشيد فلا أثمرت في روض طرسي يراعة ... براعة لفظ كاللآلي ينضد إذا كنت لا أبكي دماً لفراقه ... وأندبه ما زلت أنشي وأنشد وأشكره ما دمت حياً لعلني ... أكافي أياديه الكبار وأحمد وأنى لذهني أن يكافئ فضله ... وإن عليه كل آن له يد عهدت إليه أن يجيد رثاءه ... وعهدي به عند المهمات ينجد فحال الجريض اليوم دون قريضه ... لعمرك إن الحزن للذهن يخمد فصادمت أحزاني وقلت مؤرخاً ... توفي حصن الأتقياء محمد وإلا فما دام المصاب مصاحبي ... متى يسعف الصبر الجميل ويسعد الشيخ محمد بن محمد بن عبد الله الخاني الشافعي النقشبندي الخالدي شمس معارف العوارف، المشرقة في أفق سماء العواطف، والكوكب الذي به يستنار ويهتدى، والمرشد الذي به الوصول إلى المأمول يقتدى، من أطلع الآمال في أفلاك المنى، وأظهر الأفضال في عالم الدنا، واستوى على أوج الرفعة متوجاً بالفضائل، واحتوى لله دره على أعلا الأوصاف

стр. 1158

والشمائل، ومعاليه فوق السماك ذراها، وكمال علمه لا يبارى ولا يضاهى، ولأتباعه باتباعه الحظ الأوفر، واليد البيضاء التي دونها المطاول قصر، ولقد أدرج ترجمته ولده الفاضل، وشبله الماجد الكامل، عبد المجيد أفندي في كتابه الحدائق الوردية، في حقائق إجلاء النقشبندية، بقوله: الإنسان الكامل بالكمالات الإلهية، في مواقف فتوحات الأسرار القدسية، مفتاح غيب عروش الكلم، المكنونة في نقوش فصوص الحكم، بيت قصيد نظم السلوك، إلى ملك الملوك، قوت قلوب الطالبين، وقوة سامع الراغبين، الكبريت الأحمر الموزون بالموازين الذرية لفضله المتكفل بكشف السر الغامض، في قرب النوافل ومكتوبات الفرائض، المضنون به على غير أهله، قاموس لغة الخواص، فيه من منن اليواقيت والجواهر بلغة الغواص، من آل إليه عهود إحياء العلوم، بتنزلات الوجود لتدبيرات مواقع النجوم، وانتهت بمعرفة منطق الطير وترجمان أشواق الحضرة الإشارة إليه، وامتاز بتمييز اصطلاحات وإرادات طريق الخلوة في الجلوة عما لا يعول عليه، كشاف أسرار التنزيل الجامع، المؤيد من فتح الباري بالآيات البينات المطالع، القائمقام الرابع، سيدي الوالد الماجد، لا زال مقامه مظهر جمع الفوائد، ومشكاة مصابيح سنن المقاصد، ومغناه مغني اللبيب القاصد، بإرشاده إلى الطريق المحمدية، ومنهج روضة السيرة الخالدية المحامد. ولد أدامه الله تعالى في دمشق الشام خلال شهر رجب، عام سبعة وأربعين ومائتين وألف، وقرأ أوائل القرآن المجيد صحبة نجل حضرة مولانا الشيخ نجم الدين على والده، وأتمه عند العبد الصالح المرشد الفالح، الشيخ علي الجزوري أحد خلفاء والده قدس الله سره، وكان سنه وقتئذ خمس سنين، وأجاز له بركة عصره وعالم مصره، المحدث الحجة الثبت الشيخ عبد الرحمن الكزبري نور الله ضريحه، جميع ما تجوز له وعنه روايته بعد ما أسمعه طرفاً من دلائل الخيرات، وهو في تلك السن ودعا له بالفتوح والبركة، وحضر دروس

стр. 1159

والده كلها من نحو وفقه وحديث وتفسير وكلام وتصوف وحساب وفرائض، وتخرج على يد شيخ الكل في الكل المرحوم شيخنا الشيخ محمد الضندتائي، فقرأ عليه حاشية الخضري على ابن عقيل وحاشية الصبان على الأشموني في النحو، والتحفة في فقه الإمام الشافعي ﵁ بحواشي ابن قاسم العبادي، وجمع الجوامع بحواشي البناني، والآيات البينات لابن قاسم المشار إليه، مع مراجعة الأطول في الأصول، وأشكال التأسيس في الهندسة، وتشريح الأفلاك للبهاء العاملي في الهيئة، والشنشوري في الفرائض، وشرح المختصر بحواشيه، وطرفاً من المنهج بحواشي البجيرمي، وشرح الملوي على السلم بحواشي الصبان، وبعض ابن قاسم الغزي بحواشي الباجوري في الفقه، وشرح الجوهرة بحواشي الأمير الكبير، وشرح العقائد النسفية للسعد بحواشي الكمال بن أبي شريف، وشرح المسايرة للمشار إليه في الكلام، وشرح الملوي على السمرقندية بحواشي الخضري، والأمير، ورسالة الوضع بحاشية العصام، وآداب البحث والكافي في العروض بحواشي الدمنهوري، والرقائق في الدرج والدقائق، ورسالة الربع المجيب، وشرح اللمعة في الكواكب السبعة، وحضر دروساً من البخاري تحت قبة النسر لدى المحدث المشهور الشيخ عبد الرحمن الكزبري وأجاز له يوم ختم الدرس بالإجازة العامة، وقرأ عليه شرح العقائد النسفية وغيره، وسمع حديث الأولية من العلامة المرشد الكامل أحد خلفاء حضرة مولانا خالد قدس الله سره، الشيخ إسماعيل البرزنجي قدس الله سره، وأجاز له بالإجازة العامة، وسمعه أيضاً من الإمام الكامل والهمام الفاضل الشيخ محمد التميمي أحد العلماء الأزهريين، وتلقى الطريقة العلية النقشبندية عن والده سنة أربع وخمسين ومائتين وألف، ولما حضر إلى الشام حضرة العارف بالله الأمير السيد عبد القادر الجزائري الحسني لازمه ملازمة كلية، وحضر دروسه في الحقائق، وكان له منه الالتفات التام، أطال الله عمره مدى الليالي والأيام، وأحسن إليه في البدء والختام، انتهى ما نقلته من

стр. 1160

ترجمة هذا الهمام من الحدائق الوردية باختصار. ومن أراد الزيادة فعليه بذلك الكتاب فإنه نهاية الأوطار. المرحوم محمد سعيد بن حماد الحمادي المدني هو من الكمل الأمجاد، الذين أصبح لسان الفضل وهو لعلاهم حماد، فالحق أنه في الأقدمين، من النفر الأكرمين، و " السابقون السابقون، أولئك المقربون "، فقد أتى في الأدب بمحاورات، كالأنجم الزاهرات، ومحاسن، ماؤها العذب غير آسن، فمما نطق به لسان يراعه، وأبداه فم محبرته من محبر إبداعه، قوله: يا سعد عرج على سكان ذي سلم ... ينبوك عن جيرة حلوا حمى الحرم فسل خبيراً بهم ينبيك عن ثقة ... ليس المعبر عن رؤيا بمتهم فكم ترعرع في بحبوح روضتها ... غصن تروحه الأرواح بالنعم تكسو معاطفه أنوار بهجتها ... مطارفاً حكتها في صنع محتكم كأنها الزهر في الزرقاء إذ برزت ... في هيكل بالبها والزين منتظم وقوله من أخرى: فاح نشر الربا وقد عم طيبه ... وتغنى بغصنه عندليبه

стр. 1161

مذ تراءت أنامل السحب تولي ... من نثار الحيا فحيا خصيبه وتمشت أرواحه ساحبات ... من ذيول البلال ما تستطيبه في بساط يريك أنوار بسط ... فوق متن الوهاد ماس قضيبه وعليه من أبدع الله منها ... كل وصف فلا يرى ما يعيبه تتهادى بقامة مثل بان ... وعليه بالجور يجنى كثيبه ذات فرق يلوح كالصبح لما ... شق عنه الدجا فبان مشيبه قد أماطت نقابها عن محيا ... أي لب يسبى به لا يذيبه فاسقني صاح صرف راح التصافي ... كي يداوى من الحشا ما يريبه وله من موشحة: شعشعت أرجاء ذي سلم ... حين حيت من حمى الحرم غادة تسبي حجى الأمم ... مثلها في الخلق لم يشم من رآها يقسم ... بر فيها القسم إنها في الحسن قدس الله سره برعت ... إذ لأسباب البها جمعت أفرغت في الزين مذ طلعت ... بدر تم حف بالأنجم ثغرها المبتسم ... لؤلؤ منتظم ذات فرق صبحه انبلجا ... تحت فرع خلته السبجا في محيا يخطف المهجا ... إن بدا للشمس تنكتم وصفه المستعظم ... ليس يحصيه فم يا له لما انجلى فجلا ... عن فؤادي الهم والوجد رونق للطرف منه جلا ... جل من أنشاه من عدم روضة المزدحم ... ناضر معتصم بت تحييني رواسمه ... وتحييني بواسمه

стр. 1162

وترويني مباسمه ... وعيون الصفو لم تنم والوفا منسجم ... ما حكته الديم حيها من ليلة سلفت ... عن وجوه قط ما انكسفت سجها بالفيض لي وكفت ... من صنوف البسط والنعم لم يعبها ندم ... لم يرعها سدم وله من قصيدة يمدح بها السيد عمار المغربي رحمهما الله تعالى: تسعى إلي بمنظر متبلج ... الشمس تدهش من سناه وتفقد ذي ناظر ساج كحيل فاتر ... فعل الظبى يعزى إليه ويسند ناشدتها بالود هل أنت التي ... يا هذه الأرواح فيكي تنقد أم أنت يا بدر البيسطة من غدت ... أحرارنا وهم لحسنك أعبد فرنت بصارم لحظها ذاك الذي ... أبداً بغير قلوبنا لا يغمد ثم انثنت تختال في حلل الصبا ... تيهاً يذوب لها الأصم الجلمد وتبسمت عن مبسم عذب الجنا ... يفتر عنه لؤلؤ متنضد تشدو بلفظ رق حتى خلته ... سحراً ينفثه الحيا ويعقد تبدي من القول البديع بدائعاً ... جيد الزمان بعقدها متقلد مفهوم ما تبديه يا هذا استفق ... ألمثل فضلي في البرية يجحد وله مخمساً قمر تلألأ في الدجى من حجبه ... يزهو على الغيد الحسان بعجبه رفقاً بصب قد أقر بذنبه ... يا محرقاً بالنار قلب محبه مهلاً فإن مدامعي تطفيه من أجل من أهوى تركت مصالحي ... أعرضت عن قول العذول الناصح إن شئت تقتلني وأنت مسامحي ... أحرق بها جسدي وكل جوارحي واحذر على قلبي فإنك فيه توفي ﵀ في أوائل القرن الثالث عشر ودفن بالمدينة.

стр. 1163

الحكيم محمد مؤمن بن محمد بن قاسم الجزائري الشيرازي الماتريدي أديب لبيب ماهر، سيف ذهنه صقيل باتر، وحكيم حاذق، ثاقب فهمه كاشف عن دقائق الحكمة والحقائق، حاز من الكمالات الحظ الأوفر، وحير الأفكار بما انتخبه في نظمه ونثره من كل معنى نادر وأندر، مجاميعه كنوز الفوائد، ورسائله بين الرسائل فرائد. فمن شعره الدال على فكره الثاقب، قوله مادحاً أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، وأعلا مقامه وقدره: دع الأوطان يندبها الغريب ... وخل الدمع يسكبه الكئيب ولا تحزن لأطلال ورسم ... يهب بها شمال أو جنوب ولا تطرب إذا ناحت حمام ... ولاحت ظبية وبدا كثيب ولا تصبو برنات المثاني ... وألحان فقد حان المشيب ولا تعشق عذارى غانيات ... يزين بنانها كف خضيب ولا تلهو بحب صبيح وجه ... شبيه قوامه غصن رطيب ولا تشرب من الصهباء كأساً ... يكون مديرها ساق أديب ولا تصحب حميماً أو قريباً ... فكل أخ يعادي أو يعيب ولا تأنس بخل أو صديق ... وذرهم إنهم ضبع وذيب ولا تفرح ولا تحزن بشيء ... فلا فرح يدوم ولا خطوب

стр. 1164

ولا تجزع إذا ما ناب هم ... فكم يتلو الأسى فرج قريب وسكن لوعة القلب المعنى ... وأنشده إذا غلب الوجيب عسى الهم الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب ولا تيأس فإن الليل حبلى ... فعل ليومها شأن عجيب وحسبك في النوائب والبلايا ... مغيث مفزع مولى وهوب جواد قبل أن يرجى يواسي ... غياث قبل أن يدعى يجيب تكلمت الظبا معه وشمس ... وثعبان وحيتان وذيب وردت بعد ما غربت وغابت ... له شمس السماء ولا عجيب كريم يستحي من مؤمن قد ... رجاه أن يماطل أو يخيب أمير المؤمنين أبو تراب ... علي المرتضى البر الحسيب عليه تحيتي ما جن ليل ... وجن من النوى دنف غريب وله في رثاء الحسين سلام الله عليه قصيدة مخمسة وهي من غرر قصائده والمذكور هنا بعضها: جاء شهر البكاء فلتبك عيني ... بحنيني على مصاب الحسيني وإمام الأنام من غير مين ... وابن بنت الرسول قرة عيني آه واحسرتا لرزء الحسين آه فلنبك من دم قد أراقوا ... وبدور قد اعتراهم محاق وسقوا طعم علقم لا يذاق ... خير رهط على البرية فاقوا آه واحسرتا لرزء الحسين خطفتهم بروق بيض المنايا ... وأصابتهم سهام البلايا عن قسي القضا فدعني ألا يا ... لائمي في البكا لعظم الرزايا آه واحسرتا لرزء الحسين هم بدور وغربهم كربلاء ... هالهم كرب أرضها والبلاء

стр. 1165

خسفوا إذ لهم سنا واعتلاء ... ما لهذي البدور منها انجلاء آه واحسرتا لرزء الحسين كم بها صادت البغاث نسورا ... كم بها صارت السروج قبورا كم بها استوسد الكرام صخورا ... كم بها رضت الخيول صدورا آه واحسرتا لرزء الحسين وردته الخطوط منهم وقالوا ... مل إلينا بسرعة ثم مالوا عنه إذ حل في فتاهم فحالوا ... بينه والفرات ثم استطالوا آه واحسرتا لرزء الحسين وعدوا النصر ثم خانوا عهودا ... أوثقوا عقدها وصادوا أسودا بذلوا دونه النفوس سعودا ... حينما شاهدوا الجنان شهودا آه واحسرتا لرزء الحسين غاب فتيان أهله والكهول ... فغدا السبط يشتكي ويقول وله مدمع عليهم همول ... هل بقي من يعين يا قوم قولوا آه واحسرتا لرزء الحسين لست أنسى الحسين فرداً وحيداً ... ورضيعاً له سعيداً مجيدا قصدوا بالنصال منه وريدا ... وسقوه الردى فأضحى شهيدا آه واحسرتا لرزء الحسين ومن جملة قوله ونظامه وبديع شعره وكلامه: معاشر إخواني سلام عليكم ... لقد دمعت عيناي شوقاً إليكم ولا غرو إن جسمي ثوى أرض غربة ... فروحي وقلبي ثاويان لديكم ومن مقاطيعه قوله: علا هلالي على تلال ... فضاء منه فضاء مهمه فقيل نور فقلت نور ... وقيل نجم فقلت مه مه توفي ﵀ في القرن الثالث عشر.

стр. 1166

أبو مفلح محمد بن عبد الله البيلولي عالم قد استوى على ذروة الكمال، وأديب قد اكتسى شعره ونثره حلة الجمال، قد فاق في عصره الأفاضل، واشتهر بالكمالات والفضائل، فمن بديع كلامه ورفيع نظامه، قوله: عطر الأرجاء لما نسما ... شمأل الصهباء عند الغلس وأتت شمس الضحى تنسخ ما ... يقرأ الليل لنا من عبس دور طاف بالكاس من الغيد فتى ... وعلى نهج التجني ما فتي فتن الألباب لما التفتا ... وحسا الكأس بطرف الشفة وأنا ما بين حتى ومتى ... صده تيه الهوى عن الفتي وكؤوس الراح بين الندما ... عبقت بالعرف أفق المجلس خمرة صفراء في البلور ما ... أشبه ألحان بروض النرجس دور بادر اللذة واجمع شملها ... بمدام وغلام مطرب ذي لحاظ ناعسات كم لها ... من فنون السحر ما يلعب بي ترف الأرداف عانى حملها ... دنف الخصر وذا من عجب كلما أترع كأساً قال ما ... أنت بالشاري حياة الأنفس فابذل الجهد وكن مغتنما ... لنفيس الوقت طيب الأنفس دور فرص الأيام كن منتهزاً ... مبتداها قبل قطع الخبر ورحاب الأنس عج منتجزاً ... قبل أن تمضي كلمح البصر واجن من زهر الهوى محترزاً ... من جنايات هجوم الكبر

стр. 1167

لا تخف لوماً ويمم حيث ما ... لاحت اللذات كالمختلس ما مضى أنس ووافى مثل ما ... كان فالدهر لنا بالحرس قال صاحب الحديقة: وهي طويلة لم أقف إلا على هذا القدر. توفي المترجم في ألف ومائتين ونيف رحمه الله تعالى. المرحوم السيد محمد بن سهل العلوي المدني رحمه الله تعالى سهل الخلق والكلام سامي الرفعة والمقام، علوي المجد والنسب من قوم رفعهم الفضل على كاهل الحسب، فلا ريب أنه نال من العلوم أقصى مرامه، وتوطد من الفخار أعلا مقامه، وقد رأيت أن هذه الأبيات إليه منسوبة، وعلى رفيع ذكائه محسوبة، فدونكها فاجتل جمالها، فإن نسيم اللطف إلى صوب الحسن أمالها: سلام من المضنى الذي ما سلاكم ... ولا قصده في الدهر إلا لقاكم سلام عليكم في سلام مضاعف ... سلام محب قصده أن يراكم سلام محب ماله من يعينه ... ولا مال عنكم قلبه لسواكم بعثت سلامي نحوكم وتشوقي ... أسلي به نفسي وأرجو رضاكم خيالكم في العين ما زال حاضراً ... وإن غبتم عني فقلبي فداكم جفا جفن عيني فيكم لذة الكرى ... فلا العيش يهنا لي إذا لم أراكم أروم اللقا والبعد يمنع دونكم ... فهيهات عيني عمرها أن تراكم وإني على العهد القديم لثابت ... وما لي في الدنيا حبيب سواكم مات في القرن الثالث عشر ولم أقف على تاريخ وفاته ﵀. السيد العلامة محمد بن إسحق بن محمد اليمني باب مدينة العلم ولباب الكرم والجود والحلم، نثره أبهى من الدر المنثور ونظمه أفخر من قلائد النحور، فمن جميل لطائفه وأحاسن طرائفه قوله:

стр. 1168

أيا بارق الجرعا هل الجزع ممطور ... وهل بالغواني ذلك السفح معمور وهل ذلك الروض النضير نضارة ... بعين الرضا من سكان السفح منظور وهل كسيت فيه الغصون قطيفة ... مطرزة خضراً وأزرارها نور أزاهير تغدو بعد حين كأنها ... دراهم في حافاتها ودنانير فلله ذاك الروض كم عبرت به ... نسيم الصبا في طيها المسك منشور يكبر من يأتيه حتى طيوره ... لها فيه تهليل كثير وتكبير إذا رقصت أغصانه فحمامه ... مزامير في أرجائه وطنابير سقاها الحيا طول المدى فهي جنة ... لأن الحسان اللاعبات بها حور كواعب لا تفتر عن حرب عاشق ... بتدبير رأي فيه للصب تدمير يجهزن جيش الإنكسار لحربه ... وما هو إلا لحظ عين وتفتير وغيداء أما اللحظ منها ففاتك ... وأما أريج الثغر منها فكافور إذا ابتسمت أو كلمت مغرماً يرى ... من الدر منظوم بفيها ومنثور يحافظ مضناها على حبه لها ... ويا ليت مضناها على ذاك مشكور لها في الجفا جزم على رغم أنفه ... وفي وصلها تقديم رجل وتأخير يطول تجنيها وتفتير لحظها ... فؤادي مسجور هناك ومسحور شكوت لها هجري وقلت لها متى ... يطيب التداني منك يسعد مهجور فيا هذه عطفاً على ذي صبابة ... له في الهوى شأن لحسنك مشهور أسرت منامي بعد إطلاق مدمعي ... وكم في الهوى يشكو طليق ومأسور وأرسلت قلبي المستهام مع الصبا ... إليك فعاد القهقرى وهو مقهور هبي أنه ضيف ألمّ بداركم ... وللضيف إكرام عليك وتوقير على كل حال أنت عندي حبيبة ... وعذرك مقبول وذنبك مغفور المرحوم محمد بن أمين بن عبد الله جلبي المدني ﵀ هو من رجال اللآليء الثمينة وذوي المعارف المكينة، ولقد قيل في وصفه تنبيهاً على شذرة من كماله ولطفه، أقسم بالقمر إذا اتسق وحل

стр. 1169

في داره الصفا آمنا من كدر السحب والشفق، أنه لهو البليغ الذي أتى بالكلم المعجز السمين، والفصيح الذي لم يعارض لمعانيه ما يخل ولا يشين. فمن بديع كلامه وبديه نظامه، قوله: أحب العذول لتكراره ... حديث الحبيب على مسمعي وأهوى الرقيب لأن الرقيب ... يكون إذا كان حبيبي معي ومن هذا المعنى قول الأديب أحمد بن القاسم الجداوي: من أجل ذكرك لذّ لي التفنيد ... قل للوائم في الملامة زيدوا أهوى اللوائم كالرقيب فرؤيتي ... وجه الرقيب لرؤيتي لك عيد من ذا رأى صبا يحب عذوله ... ورقيبه ويرى هو المحمود ومن كلامه: تزايد بي الأنين فليت شعري ... أأحبابي بما ألقاه تدري فكم آه يصعدها فؤادي ... ويشفعها بآه الموت صدري ومنها: فساعات التداني من حبيب ... ألذ لدي من نغمات زمر ولا شيء يعادل ذاك أصلاً ... إذا ما كان وصلاً بعد هجر وهي قصيدة طويلة، سوى أن الكاتب قد حرفها فتركت بقيتها. مات ﵀ أوائل القرن الثالث عشر. الشيخ محمد الكزبري بن الشيخ عبد الرحمن الدمشقي الشافعي قال السيد محمد عابدين: مدرس الحديث الشريف تحت قبة النسر في جامع بني أمية في دمشق المحمية، نفعنا الله تعالى بصالح دعواته وأعاد علينا من بركاته، وأدام به النفع العميم أنه جواد كريم. ولد في ثالث عشر شعبان سنة ألف ومائة وأربعين ونشأ في جحر والده جامعاً لطارف مجده وتالده،

стр. 1170

مرتضعاً من ثديه لبان العلوم، محلياً جيده من دره المنظوم، مع عفة وصيانة وورع وديانة، وتقوى وعفاف وحلم وإنصاف. وتفقه عليه وعلى خال والده الإمام الشهير الشافعي الصغير، الشيخ علي بن أحمد الكزبري وأخذ الحديث عنهما وعن العلامة الشهاب أحمد المنيني، ثم لزم الإمام العلامة الثاني علي أفندي الداغستاني، وقرأ عليه في أنواع العلوم من معقول ومنقول، وفروع وأصول، والعلامة المحقق الشيخ عبد الرحمن بن جعفر الكردي وغيرهما حتى نبه ونبل وتجمل واكتمل، وفاق أقرانه وشرف زمانه. ولم يزل مثابراً على تعلم العلم وتعليمه وتوضيحه وتفهيمه، مكباً على الطاعات والعبادات مثابراً عليهما في جميع الأوقات، محباً للمساكين والفقراء والمنتمين إلى السادة الكبراء، كثير الصدقات والمبرات، متواضعاً للصغير والكبير، لين الجانب للعظيم والحقير. ذا هيبة ووقار يعلو وجهه نور أهل الآثار، كثير البكاء والخوف من مولاه، أماراً بالمعروف نهاء عن المنكر لا يخشى لومة لائم في الله. محيياً لبقع المدارس والمساجد بالدروس والعبادات، وأنواع الطاعات، ذا إتقان وتحقيق وترقيق وتدقيق، بذهن سيال ولسان فصيح المقال، مقصوداً من جميع الجهات والأقطار، مشهوراً بها كالشمس في رابعة النهار. قد انتفع به الجم الغفير والخلق الكثير، من قاطنين وأغراب، قد ارتكبوا لأجله غارب الاغتراب، حتى أنه لم يوجد الآن في دمشق من طالب، إلا وهو من فيض بحره كارع وشارب. وهو إمام دمشق الكبير وكوكبها الذي به تنير. حج مرتين الأولى سنة ألف ومائة وثمان وتسعين، والثانية عام ألف ومائتين وعشرة. وكان والده قد أذن له بإفادة الطالبين في حياته، وجلس مكانه بين العشائين

стр. 1171

في الأموي سنة ألف ومائة وخمس وثمانين بعد وفاته، فأقرأ في ذلك الوقت كتباً عديدة يأتي ذكرها، آخرها صحيح مسلم، قرأ منه نحو الثلثين، ثم قطع لضعف عرض له في بصره، ثم أتمه في داره. وكانت عليه وظيفة التدريس في مدرسة سليمان باشا العظم، فأقرأ فيها كتباً كثيرة، منها صحيح مسلم وسنن أبي داود وتفسير البيضاوي والتحفة على المنهاج وغير ذلك. وفي سنة عشر جاءته قبة النسر تسعى من غير طلب وفوق منبرها بلبل فصاحته خطب. فشرع بقراءة الجامع الصحيح، ورشح جيد الفضلاء بأجيد توشيح، وأنار مصابيح الجامعين، وأبدى ما تشنف به الآذان وتقر به العين. وهو في الثلاثة أشهر رجب وشعبان ورمضان من كل عام. وكان درساً عظيماً جامعاً لكل خاص وعام، مضماراً لفرسان أذهان الأعلام، وقد أشرت إلى ذلك في ضمن موشحة كنت تطفلت بها على مدح جنابه، والوقوف في أبوابه وأعتابه. حيث قلت: من به قبة ذاك الجامع ... لم تزل في كل عام تسعد حين يروي في الصحيح الجامع ... لحديث المصطفى أو يسند يا له من خير درس جامع ... ولأهل العلم فيه مشهد فكأن الوجه منه حينما ... ينثر الدر على الملتمس قمر عن جانبيه العلما ... كنجوم أشرقت في الغلس وقد وصل الآن فيه إلى باب الشهادات، وذلك مقدار ثلث الكتاب توفي رضي الله تعالى عنه ليلة الجمعة لتسع عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة إحدى وعشرين ومائتين وألف في داره الكائنة في محلة الشاغور، وصلى عليه ولده ضحوة النهار من ذلك اليوم في الجامع الأموي المعمور، ودفن بتربة باب الصغير.

стр. 1172

السيد محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز بن أحمد بن عبد الرحيم عابدين الدمشقي هو الشيخ الإمام العالم العلامة، والجهبذ الفهامة، قطب الديار الدمشقية، وعمدة البلاد الشامية والمصرية. المفسر المحدث الفقيه النحوي اللغوي البياني العروضي الذكي النبيه. الدمشقي الأصل والمولد، الحسيب النسيب الشريف الذات والمحتد، ابن السيد عمر الشهير بابن عابدين الحسيني إمام الحنفية في عصره، والمرجع عند اختلاف الآراء في مصره. صاحب التآليف العديدة والتصانيف المفيدة، منها حاشيته الشهيرة رد المحتار على الدر المختار، التي اشتهرت في سائر الأقطار، في خمس مجلدات كبار. ومنها ثبته المشهور الفائق. ومنها منحة الخالق على البحر الرائق، وحواشيه على شرح الملتقى للعلائي، وحواشيه على النهر الفائق، وحواشي على القاضي البيضاوي التزم أن لا يذكر فيها شيئاً ذكره المفسرون. وحواشي على حاشية الحلبي على الدر تتبع فيها المحشي المذكور، سماها رفع الأنظار عما أورده الحلبي على الدر المختار. والعقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية. وحاشية على المطول. والرحيق المختوم شرح قلائد المنظوم في الفرائض، وتنبيه الولاة والحكام في حكم شاتم خير الأنام أو أحد أصحابه الكرام. وشرح على رسالة البركوي سماها ذخر المتأهلين، وشرح على منظومة رسم المفتي. وله من الرسائل في تحرير المسائل نيف وثلاثون رسالة معلومة في ثبته فمن أرادها فليراجعها. وله قصيدة في مدح النبي ﷺ قد أرسلها ضمن مكتوب للحضرة الشريفة النبوية صحبة ركب الحاج الشريف سنة عشرين ومائتين وألف، لكي تقرأ أمام الحضرة الشريفة المحمدية، وهي: لبيك يا قمرية الأغصان ... فلقد صدعت القلب بالألحان

стр. 1173

لبيك يا من بالبكا أشبهتني ... لكن بلا فقد من الخلان نوحي فنوحي في بحار مدامعي ... تعلو سفينته لدى الطوفان وترنمي واحيي فؤاد معذب ... بتذكر الأحباب في نيران إن رمت كتمان الهوى متكلفاً ... هيجت مني بالبكا أشجاني حتى حكت مني الدموع سوافحا ... غيثاً همى بدعاء ذي عرفان يا صاحبي أليس يعذر بالبكا ... صب كئيب نازح الأوطان يقضي الليالي بالهموم وبالأسى ... مكسور قلب زائد الأحزان أي والذي هو عالم بضمائري ... ليحق لي أبكي مدى الأزمان فلقد مضى عمري القصير ولم أفز ... بزيارتي أرض اللوى والبان بالله هل تريان أسعد لحظة ... وأخوض رمل أولئك القيعان وأشم نفح الطيب من أرض الحبي ... ب وترجع الأرواح للأبدان وأخب في أرض الحجاز ويا رعى ... مولاي عهد أولئك الكثبان أرض من المسك العبير تكونت ... والنور جللها كما الهيمان وازم مع حادي المطي قلائصا ... إشراقها تغني عن الأرسان سكرت بترنام الحداة فما درت ... كم مهمه قطعت من الوجدان عنقاً فسيحاً سيرها من وجدها ... وتحنّ باكية بدمع قان وتكاد تستبق الهوادي أرجل ... منها تسير بسيرة العجلان لم تعرف الإدلاج والتعريس مذ ... كانت تئن بأنة اللهفان حتى طوت أرض الحجاز وشاهدت ... أنوار طيبة مورد الظمآن وأتت إلى أرض السفوح ترومها ... وتطيبت بالروح والريحان يا نوق سبحان الذي أدناك من ... أرض الحبيب وجل من أقصاني في كل عام تبلغين مقاصداً ... وتشاهدين منازل القرآن

стр. 1174

والحظ يقعدني وسوء الفعل ير ... ميني بإشراك الزمان الجاني أواه من جور الزمان وظلمه ... فلقد تجاوز غاية الطغيان كيف السبيل إلى النجاة ونيلها ... من شر دهر غادر خوان مالي من الأهوال حسن تخلص ... إلا بمدحي المصطفى العدنان خير الخلائق سيد الرسل الكرا ... م وما له في فضله من ثاني يا خير من ركب المطي وأكرم ال ... كرما ببذل الجود والإحسان يا منبع الأنوار يا شمس العلا ... يا منبع الإسلام والإيمان يا من رقى أوج السما وعلا على ... أعلا العلى بترفع جثماني ودنا الرحمن قر ... ب مكانة من غير قرب مكان والجذع حن تشوقاً لفراقه ... والضب جاء مسلماً بلسان تالله مثلك ما رأت عين ولا ... أذن وعت في حادث الأزمان قد كان جيد الدهر قبلك عاطلاً ... حيناً وقد حليته بجمان قد جئت فرداً والأعادي جمة ... وأتيت بالتمييز والرجحان لم تخش في التبليغ لومة لائم ... حاشاك من زيغ ومن نقصان وترى إذا حمي الوطيس مشمراً ... عن ساق عزم فارس الفرسان أطدت أركان الشريعة بعد ما ... هدمت فعادت أعدل الأركان وبنيت بنياناً رصيناً محكماً ... وهدمت أس عبادة الأوثان وهديت أهل الأرض بعد ضلالة ... كانوا بها من نزغة الشيطان وجليت سحب الفكر عن أفق الهدى ... ومحوت ليل الزور والبهتان تالله ما الشمس المنيرة في الضحى ... والبدر ليلة سبعة وثمان بأجل هدايا أو سنا مما به ... قد جئت أو يدنوه بالبرهان لا تدرك الألفاظ منك مدى ولو ... أبدى الثناء عليك كل لسان هل تدرك المداح وصف من الذي ... أثنى عليه الله في القرآن هذا الكريم بن الكريم بن الكر ... يم بن الكريم عطية المنان

стр. 1175

هذا نبي الله خير عباده ... زين الخلائق نخبة الأعيان هذا شفيع المذنبين ملاذهم ... يوم القيمة صفوة الرحمن وبه تلوذ الأنبياء جميعهم ... حتى الكليم ومكرم الضيفان كن لي مغيثاً يا شفيعاً بالورى ... يوم الزحام وخفة الميزان إن لم تكن لي يوم لا مال ولا ... ولد ولا من والد يرعاني فلباب من آتي وليس مشفعاً ... إلا جنابك يا مغيث العاني فلأنت باب الله واسطة الرجا ... أنت الوسيلة والقريب الداني أنت الملاذ لنا وأنت عياذنا ... أنت المشفع بالمسيء الجاني أشكو إليك قساوة القلب الذي ... كالصخر في لج الردى أرساني أرجوك تلحظني ختام الأنبيا ... ء بلحظة أغدو بها بأمان وكذاك لي أبوان مع شيخ غدا ... لي ناصحاً بالجهد قد رباني يرجون منك تسامحاً وشفاعة ... تنجيهم من لاعج النيران وصلاة باريك المهيمن والسلا ... م كما الغيوث عليك كل أوان مع آلك الغر الكرام وحزبهم ... من قد علوا شرفاً على كيوان وعلى ضجيعيك الإمامين الجلي ... لين اللذين هما لنا شمسان السيد الصديق ذي الفضل الذي ... ترك اللذائذ في رضى الديان والأشجع الفاروق قهار العدا ... ليث الحروب وقامع العدوان وعلى ابن عفان الذي حاز العلى ... حاوي الفضائل جامع القرآن وعلى علي ذاك عالي القدر من ... قد كان بحر العلم والعرفان وعلى بقية صحبك الغر الكرا ... م وتابعيهم في مدى الأكوان وأبي حنيفة ذي الفخار ومالك ... والشافعي وأحمد ذي الشان ولاتابعين لهم وأقطاب الوجو ... د وصاحب الوقت القريب الداني لا سيما ختم الولاية من به ... فاز الوجود معطر الأردان واختم لناظمها إلهي بالرضى ... والعفو والإحسان والغفران

стр. 1176

وقوله أيضاً يمدح النبي ﷺ : أشكو إلى الله ما ألقاه من نصب ... مستشفعاً بشفيع الخلق كلهم محمد من محا المولى ببعثته ... ليل الضلال يصبح طارد الغسم فقام يدعو بأمر الله مبتدراً ... بالنصر متزراً في أرفع الهمم حتى غدت ملة الإسلام ظاهرة ... ظهور نار بدت ليلاً على علم مؤيداً بكتاب باهر عجزت ... عنه ذوو اللسن مثل الدر منتظم ومعجزات توالت قبل مبعثه ... فكان يبصرها بالعين كل عمي فالضب كلمه والجذع حن له ... والبدر شق له من باهر الحكم والشمس قد وقفت من بعد ما غربت ... والسحب قد وكفت لما دعا بفم والماء من كفه قد طاب منبعه ... فكان أعظم ماء سائغ شبم بتفلة لعلي مذ شكا رمداً ... لم يشك من بعدها في العين من ألم وقد كفى الألف من صاع الشعير وقد ... حلا وزاد بتفل ماء بئرهم أروى ثلاثين ألفاً في تبوك بما ... ء ليس يروي سوى شخص من الأدم سراقة خلفه ساخت قوائمه ... وكم أباد من الأعداء كل كمي وفي حنين رمى بالترب أعينهم ... ففر جحفلهم مع جملة الريم كذا رمى ملأ راموا المحال فمن ... أصيب كان ببدر آخر العصم ومذ حكى بعضهم بالهزؤ مشيته ... ما زال مرتعشاً للموت ذا ندم ومذ أوى الغار والصديق صاحبه ... فالعنكبوت غدا بالنسج ذا همم وبين قوم ذراع الشاة حدثه ... عن سمه بكلام غير منبهم وعن مصارعهم في القتل أخبر في ... بدر فكان كما قد قال ذو العصم وعاش فرداً أبو ذر ومات كذا ... طبقاً لأخباره الخالي عن التهم نعى النجاشي وكسرى يوم موتهما ... وقد كفى عدداً من كف تمرهم وقد رأى أنس طبقاً لدعوته ... مالاً وعمراً وأولاداً من الخدم

стр. 1177

قتادة عينه من بعد ما سالت ... عادت بأحسن ما كانت من القدم كذاك عين علي مذ شكت رمداً ... بالتفل في دهرها لم تشك من ألم ورب كف له فيها الطعام غدا ... مسبحاً والحصا من أعظم الشيم وكم له معجزات غيرها ظهرت ... تربو على النجم في عد وفي عظم فاق النبيين في علم وفي عمل ... لذا غدا بينهم كالمفرد العلم من مثله وإله الخلق خاطبه ... فوق الطباق وجبريل من الخدم ولا يفي عشر ما قد حاز من شرف ... ذوو المديح وما قد نال مكرم كالدهر في همم والطود في عظم ... والبحر في كرم والدر في كلم منيع حصن ولو البدر استجار به ... في ليلة التم بالنقصان لم يضم لو كان في فضله شخص يشابهه ... لقلت مثل كذا للسائل الفهم يكاد من يمنه يجلي الظلام به ... ولو من الدهر من ضر ومن نقم فليس بعد الذي في النجم من عظم ... ومبعد ما في الضحى مع نون والقلم فمبلغ العلم فيه أنه بشر ... وأنه خير خلق الله كلهم فيا رسولاً به الرحمن أنقذنا ... وقد حمانا بركن غير منهدم يا خاتم الأنبياء الغر يا سندي ... يوم الزحام إذا ما الخلق في غمم يا من إذا لاذ مأسور الذنوب به ... غداً، غدا آمناً كالصيد في الحرم وإنني بت في كرب بنازلة ... غدت بكلكلها تسطو على سقمي ألم بي بأسها الضاري فآلمني ... وجل صبري غدا من أوهن الرمم

стр. 1178

والدهر جار على ضعفي ولا جلد ... به يكون اتقاء الحادث العمم قرعت بابك أرجو الله يرحمني ... فأنت غوث الندا حصن لمعتصم وقد رجوتك في التفريج من كرب ... فأنت بر رؤوف ظاهر الشيم وأنت أقبل من ترجى شفاعته ... عند الإله وأرعى الناس للذمم حاشا يخيب رجائي من جنابك يا ... من عم بعثك جوداً سائر الأمم أعطيت جاهاً عريضاً لا مرام له ... وعم بعثك جوداً سائر الأمم والكون من أجلك الرحمن أبرزه ... وجعل جودك فينا غير منفصم إني محب وإن قصرت من طمعي ... وحسن ظني برب واسع الكرم وقد غدوت من الزلات في خجل ... وقد قرعت عليه السن من ندم بلغت جهدي بمدح فيك أنظمه ... أرجو شفاعتك العظمى بمزدحم عساك تحنو على ضعفي إذا نشرت ... صحيفتي عند ربي بارئ النسم حيث النبيون في رعب وفي وجل ... جثوا على ركب من بطش منتقم وأنت تسجد حتى أن يقال فقم ... سل تعط واشفع تشفع نافذ الكلم فتخرج الناس من حر الزحام ومن ... حر السعير وقد صاروا كما الحمم إقبل هدية نجل العابدين فقد ... غدا بمدحك معدوداً من الخدم صلى عليك إله الخلق ما كشفت ... بك الكروب وزاحت ظلمة الغمم وآلك الغر والأصحاب أجمعهم ... من ارتجي بنداهم حسن مختتم وله معمى في عبد الغني يا بديع الجمال يا ذا التثني ... لحظك الجؤزري سبا العقل مني إنني فيك لم أزل ذا هيام ... وأنا رقك الغ هجري وصلني وله في سعيد رب حسناء ما لها من شبيه ... حين ترنو بالعارض المصقول أسعدت أرباب الهوى بوصال ... يوم عيد من بعد سلب العقول وله في نار سباني كحيل المقلتين بلحظه ... وما زال من حظي بوصلي ضنينا

стр. 1179

فيا نفس صبراً من قساوة قلبه ... فبدري بلا يد عسى أن يلينا وله في غلام بأبي أحور اللواحظ ألمى ... ما روى لي من الوصال غليلا مال بالقلب بعد لثغة راء ... تيمتني وصيرتني عليلا وله في دخان قهوة بعذار له وخال سباني ... وسقاني فوق الضنا كأس صده عم دون العذار بالند خالا ... فهو بالخال حاز غاية قصده وله: يا ذا القوم السمهري ومن ... قد زال من شغفي به رسمي أمنن علي بضم خصرك إذ ... ضمي له يحيا به جسمي جسمي كخصرك في النحول وذي ... جنسية هي علة الضم وله مرت مواشط نسمة الأسحار ... كيما ترجل جمة الأشجار والقطر جللها بسندس برده ... وتزينت بلآلئ الأزهار والنهر صفق والطيور ترنمت ... في غصنها من نغمة الأوتار وله ملغزاً فما اسم ثلاثي إذا عد لفظه ... قريب بعيد يختفي ثم يظهر له رتبة علياء عزّ ارتقاؤها ... وحسن بلا غين له العين تبصر وفي محكم القرآن قد جاء ذكره ... بوصف به قد جاء يزهو ويزهر ومن ضل عن رشد له كان هادياً ... ويسلو به ذو لوعة حين يسمر ويسحب ذيلاً حين يسطو على العدا ... كرمح به نار الحشاشة تسعر إذا ما تهجيت الحروف فصدره ... ومبدؤه عن عجزه متأخر ويبدو لنا من قلبه جنة العدا ... بها نتقي المكروه منهم وننصر ويبدو لنا أيضاً حديث عن الذي ... غدا لا يبالي بالذي منه يصدر

стр. 1180

وإن كنت يوماً طارحاً ثلث أصله ... ففي غور نجد ما بقي منه ينظر وإن قلب الباقي تراه حديث من ... به لعب الشيطان أو كان يسخر ويبدو إذا صحفته فعل من غدا ... عطوفاً على صب له كان يهجر ومن أصله إن كان قد بال صدره ... تراه أتى جما من الناس يكثر وله ومن عادة الأيام رفعة جاهل ... وما حقت العلياء إلا لعارف عفونا عن الأيام عن كل ما مضى ... بعصمة أفعال تسامت بعارف وله غير ذلك من النظم والمراثي والتهاني والمديح والقواعد والضوابط رحمه الله تعالى آمين ولنكتف بهذا المقدار وإن كان قطرة من بحر أو شذرة من عقد نحر. ولد رحمه الله تعالى سنة ثمان وتسعين ومائة وألف بدمشق ونشأ بها وقرأ القرآن ثم جوده على الإمام القدوة الشيخ سعيد الحموي شيخ القراء بها، وقرأ عليه الميدانية والجزرية والشاطبية بعد ما حفظها قراة تدبر وإمعان وبحث وإتقان، وحفظ القرآن العظيم عن ظهر قلب، وتلقى منه القراءات بأوجهها وطرقها حتى جمع عليه. وقرأ عليه طرفاً من النحو والصرف وفقه الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، وحفظ متن الزبد وكان شافعي المذهب وقتئذ، ثم لزم شيخه الشيخ شاكر العقاد رحمه الله تعالى وقرأ عليه في المعقولات، وألزمه شيخه المذكور بالتحول لمذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان عليه الرحمة والرضوان، فتفقه عليه، وقرأ عليه الفرائض والحساب حتى مهر في فن الأصول والحديث والتفسير والتصوف والمعقول، وقرأ عليه في الفقه الملتقى والكنز والبحر لابن نجيم وصدر الشريعة، والدراية والهداية وبعض شروحها وغير ذلك، ثم شرع في قراءة الدر المختار على شيخه المذكور مع جماعة، من جملتهم علامة زمانه وفقيه عصره وأوانه الشيخ سعيد الحلبي، وبقي ملازماً له إلى أن اخترمته المنية رحمه

стр. 1181

الله، ولم تتم قراءة الدر فأتمه مع بعض من حضر معه من إخوانه على الشيخ سعيد الحلبي المذكور، ضاعف الله تعالى لنا وله الأجور، وقرأ على الشيخ سعيد غير ذلك من الفقه وغيره من الفنون. وحين أتم الدر عليه استجازه فأجازه. هذا وكان شيخه السيد شاكر يتفرس فيه الخير ويأخذه معه ويحضره دروس أشياخه ويستجيزهم له فيجيزونه، وكان ذلك بإشارة حصلت له من الشيخ عبد النبي أحد علماء الهند وصلحائها المشاهير حين قدم إلى دمشق، فذهب مع شيخه لزيارته، ولما دخلا عليه جلس شيخه وبقي المترجم واقفاً بين يدي شيخه كما هو دأبه معه، فطلب الشيخ عبد النبي من شيخ سيدي المترجم أن يأمره بالجلوس، وقال له: إني لا أجلس إلا أن يجلس هذا الغلام، وقال إني أشم منه رائحة أهل البيت، وأنه ستقبل يده ويظهر فضله بين الناس وينتفع بفضله. فأمره شيخه حينئذ بالجلوس، فجلس، ومن وقتئذ زاد اعتناء شيخه به. وأحضره مرة درس شيخه العلامة شيخ الحديث الشيخ محمد الكزبري واستجازه له فأجازه، وكتب له الإجازة، وكذلك حضر دروس الشيخ أحمد العطار مع شيخه فاستجازه له فأجازه عام ستة عشر وألف ومائتين. وفضائله لا تنكر وشمائله لا تحصى ولا تحصر، وعباداته وورعه وإقباله على الله، يقضي له بالسعادة والفوز عند مولاه. توفي رضي الله تعالى عنه سنة اثنتين وخمسين ومائتين وألف، عن أربع وخمسين سنة، وأقيمت عليه صلاة الموت في جامع سنان باشا، وتقدم للصلاة عليه إماماً العلامة الهمام والعمدة النخبة الإمام، علامة العصر وفرد القطر، الشيخ حامد العطار رحمه الله تعالى. ودفن بمقبرة باب الصغير بالتربة الفوقية إلى جانب قبر الإمام أبي حنيفة الصغير، العمدة العلائي صاحب الدر المختار، وقبره مشهور هناك، عليه جلالة يقصد لطلب الحوائج ويزار. رحمه الله تعالى.

стр. 1182

الشيخ محمد بن محمد بن عبد الله المغربي الأصل المدني المالكي الفاضل الذي خفقت رايات علمه، واستخرج دقائق مشكلات المسائل بثاقب فهمه، وانتفع بفضله الخاص والعام، وكان له في جميع العلوم مشاركة وإلمام. فهو المحدث الفقيه، العالم العلامة النبيه، أوحدي العصر ألمعي الدهر، عمدة الأمثال ونخبة ذوي الكمال، من استوى على عرش الأفضال ودار عليه مدار ذوي اللطف والجمال. ولد عام تسعة عشر ومائة وألف. وصار علم المدينة ومنارها وشمس تلك الأقطار ونهارها. وقد أخذ عنه بركة الشام وعمدة الأنام، ولوذعي السادة النقاد السيد شاكر العقاد، في مكة المشرفة، فأجازه بجميع ما تجوز له روايته عن مشايخه الأمجاد. وكانت وفاته رحمه الله تعالى نهار الجمعة حادي عشر جمادى الأولى سنة ألف ومائتين وسنة واحدة، ودفن في تربة المدينة المنورة المعروفة بالبقيع. وكان ﵁ قد أقعد قبل موته بسنتين وأربعة أشهر واستمر إلى أن مات. محمد علي باشا الأرنأوطي خديوي مصر القاهرة كان أصله من الأرنأوط، وقدم عسكرياً مع عساكر الترك القادمين لأخذ مصر من الفرانسيس لما استولى الفرانسيس عليها وكان الفرانساويون قاصدين التوصل من هناك إلى افتكاك الهند من الانكليز لما كان بينهم من الحروب والعداوة، بل وكانت سائر أوربا إذ ذاك ضد الفرنساويين حسبما تقدم ذلك في محله. فحينئذ عاضدت انكلترا الدولة العثمانية على حرب فرانسا وإخراجها من مصر، وكان المترجم كامل الأوصاف للرياسة فتقدم إليها بنفسه على بني جنسه، وانقاد له الجميع. وقررت ولايته الدولة على دفع خراج معلوم سنوياً وذلك سنة ١٢١٩، فوجد مصر في نهاية درجة

стр. 1183

الفقر والبربرية والجهل، بل حتى أن الأمراض الوبائية من الطاعون قد تمكنت فيها وصارت عادية تفني من الناس سنوياً خلقاً كثيراً، حتى قل العمران ولم يبق من مآثر تقدم المصريين سوى الاسم في التواريخ. نعم وجد للعلوم الشرعية بقية آثار في الجامع الأزهر من العلماء، وذلك كله لما مر عليها من تقلبات الدهر والظلم والجور والاستبداد والحروب في الأيام الخالية. فشمر عن ساعد الجد ووافقه البخت وفتح لمصر عصراً جديداً، فنظم فيها جيشاً نظامياً من أهلها، ورتب الأداء على الأهالي على قانون غير مجحف، وألزمهم بتعمير الأرض وفتح الترع وإنشاء المدارس العلمية للعلوم الرياضية والحربية، وأحضر المعلمين من أروبا وأحيا المارستانات وألزم الأهالي بالنظافة، وتوسيع الطرقات والبناءات، وأرسل التلامذة إلى أروبا لتعلم الفنون، وأحيا نمو العلوم الشرعية، وسهل أبواب التجارة، وأنشأ معامل السلاح والسفن، وترجمت الكتب النافعة في فنون شتى من لغات شتى إلى العربية، فنشأ في مصر جيل جديد وعصر جديد، بسطت فيه طرق العمران والتمدن والقوة في مدة يسيرة، فافتتح النوبة وسنار واستولى على الشام والحجاز، وافْتَكّهُ من الوهابي، بل امتد بالاستيلاء إلى قرب الآستانة في الأناطولي، وخشيت شوكته من عصيانه على الدولة العثمانية، فتعصب الانكليز إلى الدولة في الظاهر لتوطيد أركانها، وفي الباطن خشية من إنشاء دولة إسلامية شابة ذات قوة مثل تلك ومركزها مصر،

стр. 1184

فتخشى أن تمتد من هناك إلى الهند الذي هو روح الانكليز، لا سيما إذا عاضدته إحدى الدول الأروباوية مثل فرنسا، فلذلك حاربته مع الدولة العثمانية التي هي إذ ذاك على ضعف شديد من حرب الروسيا والثورات الداخلية واستقلال اليونان وغير ذلك، فقهروا محمد علي، ولكن لإتمام مقصد انكلاتيرة لم تسمح للدولة بالاستيلاء التام على مصر لمراعاة المقاصد المشار إليها أيضاً، فكان الأوفق لها إبقاء مصر على شبه إستقلال ليضعف كل من الجهتين، وبقي محمد علي والياً على مصر على أن تكون الولاية في ذريته من أكبر إلى أكبر، ويؤدي خراجاً سنوياً للدولة، ويعينها عند وقوع حرب معها بالعساكر الذين يبلغ عددهم الأربعين ألفاً، وكذلك يعينها بالسفن، وإن الرتب العالية في مصر يعين هو أصحابها، وتوليهم الدولة، والسكة والخطبة تكون باسم السلطان العثماني أيضاً، وأخرج الحجاز عنه إلى الدولة، وكذلك الشآم، وبقي على ذلك إلى أن ضعف بالسن، فتنازل عن الولاية لابنه الأكبر وهو رئيس جيوشه وحروبه إبراهيم باشا سنة ١٢٦٥، وكان على قدم أبيه، وتوفي المذكور في تلك السنة. الشيخ محمد سعيد بن حمزة بن طالب بن عبد الله بن الشيخ الإمام الفاضل الهمام فريد السادة الأعلام شمس الدين محمد الشهير بابن المنقار الحنفي الدمشقي الميداني عالم ذو صلاح وبركة وفلاح، من أصول علماء وأسلاف فضلاء، قد اشتغل من أول عمره في العلم والطاعة حسب القدرة والاستطاعة ولوائح البركة تظهر عليه وتشير كمال الإشارة إليه، وله تأليفات كثيرة، وتقريرات هي بمعرفة بركته جديرة. ولد في ثمانية عشرة خلت من شهر ذي الحجة الحرام سنة ثلاثين ومائتين وألف، ومات تاسع وعشرين شوال سنة ألف وثلاثمائة وأربعة ودفن بتربة باب الصغير ﵀.

стр. 1185

محمد سليم باشا الصدر الأعظم والي دمشق الشام عوضاً عن رؤوف باشا وهو الصدر الذي اشترك في إهلاك الانكشارية في الآستانة وتنظيم العسكر الجديد، دخل الشام في سنة ألف ومائتين وست وأربعين، وأخاف الناس وفعل موجبات الإرهاب، وذلك بسبب حادثة وقعت هذه السنة قبل مجيئه مع سلفه رؤوف باشا الصدر، وهي أن السلطان أمر بأن يضع الصليان على حوانيت البلد. فنزل جماعة من مشايخ الطريق ومعهم راية وأولاد وغيرهم لأجل أن يشفعوا عند الباشا في ذلك، فلما وصلوا إلى باب السرايا خرج جماعة من التفنكجية من أهل الموصل وكركوت الذين أظهروا أنواع الفساد والفسق في هذه البلاد، فضربوا الناس فمات منهم جملة جماعة، فقام عليهم أهل البلد وصاروا كلما رأوا منهم واحداً قتلوه، وأمر رؤوف باشا بخروجهم من البلد لعلمه بفسادهم، وعظم أمر الصليان على أهل البلد وكان الوزير رجلاً له من اسمه مظهر من الرأفة والحلم، فكتب للدولة يستعطفها في رفع الصليان عن أهل الشام، فعزله السلطان بسبب ذلك، وأمر سليم باشا بوضع الصليان فلما دخل إلى البلد مكث نحو شهر وهو يحصن

стр. 1186

القلعة ويجمع العساكر، ثم جمع أعيان البلد وذكر لهم أمر الصليان، فأطاعوه بعد تمهيد العوام وتخويفهم من مخالفة أمر السلطان لكونه محتاجاً إلى جمع المال بسبب ما حصل له في العام الماضي من قتاله مع المسكوب، ووصولهم إلى قرب اسلانبول، وأخذهم كثيراً من بلاد الإسلام، وصلحه معهم على أن يدفع لهم أموالاً بليغة، مما يطول شرحه فأطاع غالب أهل البلد، فخرج جماعة من أتباع الباشا مع كتبة في نهار الجمعة التاسع من ربيع الثاني سنة ألف ومائتين وأربعين، وصاروا يكتبون عدة الحوانيت حتى وصلوا إلى محلة العمارة والعقيبة بعد العصر، فقام جماعة من الأسفاه فأغلقوا الحوانيت وقالوا هذه جزية ونحن لا نقبلها، وقفلوا حوانيتهم، وكان ذلك سبب الفتنة. فلما سمع الباشا بذلك وكان رجلاً أحمق سفاكاً للدماء ليس له تبصرة في الأمور، أمر في الحال بجمع العساكر وغلق أبواب القلعة، وصار يضرب المدافع على البلد، وغالب أعيان هذا البلد عنده، فطلبوا منه التؤدة في الأمر وإنهم يظفرونه بمن خالف أمره، فلم يقبل منهم حتى خرج العسكر يوم السبت من السرايا، وتغلبوا على بيوت القنوات الجوانية وجامع العداس ونهبوها، وصاروا يطلقون الرصاص على الناس من البيوت. وفي ليلة الأحد صار يضرب المدافع والقنابل على البلد، فاجتمع أهل البلد وأشقياؤهم وحاصروه في السرايا إلى بعد العصر، فاستعان أهل البلد بحرق المواضع التي تغلب عليها العسكر، وتوصلوا إلى السرايا، فلما تيقن أنه مأخوذ لا محالة، خرج بعد المغرب ليلة الاثنين من السرايا مع العسكر، وأحرق سوق الجديد وسوق الأروام، حتى وصل الحريق إلى قريب من ضريح سيدي خليل، ودخل هو مع بعض العسكر إلى

стр. 1187

القلعة، وبعض العسكر دخل إلى خان الدالاتية، وجامع المعلق الذي قبالة الخان تحت القلعة، فحاصرهم أهل البلد، وذلك بعد أن نهب أهل البلد ما في السرايا والكلار والدوالك، وأحرقوهم، واحترق معهم بعض البيوت المجاورة للسرايا، ولم يزالوا محاصرين لهم في الموضعين حتى فني الزاد من عند من كان في الجامع، فطلبوا الأمان، فأخرجوهم بأسوء حال من شدة الجوع والنتن من الأموات عندهم، وقتلوا بعضاً منهم. ثم تفرغ أهل البلد إلى حصار الباشا في القلعة بضرب المدافع والقنابر، كما فعل معهم أولاً وحاصروه حصاراً شديداً، وقتل من الفريقين خلق كثير، ونصبوا المدافع قبالة حمام الملكة في الدرويشية، وعند باب الحديد المقابل لباب السرايا وتحت القلعة، وهدموا جانباً عظيماً من البرج المقابل لباب السرايا بالمدافع واللغم، إلى أن فني الزاد من القلعة وأكلوا خيلهم، فطلب الباشا الأمان وأنه ينزل ويجلس إلى أن يأتي الأمر من السلطان كيف يفعل، فخرج من القلعة في تاسع عشر جمادى الأولى ومعه نحو ألف رجل من عسكره، اجتمعوا بأهل البلد مدة أيام قليلة، ثم سافروا ونزل الباشا مع بعض خواصه في دار بني الكيلاني التي في العصرونية، وجعلوا عليه حجبة من أهل البلد. ثم ليلة الجمعة في ثالث وعشرين من جمادى الأولى في نصف الليل، دخل عليه تلك الحجبة فقتلوه وقتلوا خمسة ممن معه كالكيخية والخازندار وخاله، ونهبوا ما معهم وجردوا بقية جماعته من ثيابهم وأطلقوهم بلا قتل، وألقوا الباشا في سوق العصرونية على خشبة، وحمل بعض السفهاء رأسه ودار به في البلد، نسأله سبحانه السلامة. وأما قاضي قران فنجا بمن معه، وكان قد لجأ هو وجماعة تحت قيادته إلى الجامع المعلق، وكان من القواد الأشداء، ودافعوا عن أنفسهم،

стр. 1188

حال كون سليم باشا كان يطلق المدافع على المدينة من القلعة، ووقع الخوف في قلوب النصارى أثناء تلك الحوادث، فأمنهم علي آغا خزنة كاتبي وصانهم مع الاسرائيليين من تعديات الجهال. ولما قتل سليم باشا أقام الدمشقيون حكومة مؤقتة، وأخذوا يتوقعون بطش الدولة بهم، على أنها اشتغلت عنهم بمحاربة إبراهيم باشا ابن الخديوي محمد علي باشا، وعدلت عن تأديبهم، وولت على دمشق علو باشا، فاطمأن القوم وقصة إبراهيم باشا تقدمت في ترجمته في حرف الألف مع الباء. لامة. وأما قاضي قران فنجا بمن معه، وكان قد لجأ هو وجماعة تحت قيادته إلى الجامع المعلق، وكان من القواد الأشداء، ودافعوا عن أنفسهم، حال كون سليم باشا كان يطلق المدافع على المدينة من القلعة، ووقع الخوف في قلوب النصارى أثناء تلك الحوادث، فأمنهم علي آغا خزنة كاتبي وصانهم مع الاسرائيليين من تعديات الجهال. ولما قتل سليم باشا أقام الدمشقيون حكومة مؤقتة، وأخذوا يتوقعون بطش الدولة بهم، على أنها اشتغلت عنهم بمحاربة إبراهيم باشا ابن الخديوي محمد علي باشا، وعدلت عن تأديبهم، وولت على دمشق علو باشا، فاطمأن القوم وقصة إبراهيم باشا تقدمت في ترجمته في حرف الألف مع الباء. الشيخ محمد بن الشيخ عبد الجليل بن الشيخ مصطفى بن الشيخ إسماعيل بن الشيخ القدوة الشيخ عبد الغني النابلسي الدمشقي الإمام العالم العامل، والجهبذ الفاضل الكامل، خاتمة المتعبدين، وكهف السلف الصالحين، حصل أنواع العلوم، وأتقن سبيل الأخذ من المنطوق والمفهوم. ولد في دمشق الشام، ولم يزل مثابراً على الإفادة والاستفادة إلى أن توفي نهار الخميس في ٢٠ شعبان سنة ١٢٥٢ ودفن بقاسيون في مدفن بني النابلسي. الشيخ محمد أفندي بن الشيخ عبد الله أفندي الرومي الحنفي الدمشقي الإمام العمدة العارف الذي هو من بحر المعارف غارف، صاحب الآثار الحسنة والشهرة العالية المستحسنة. كان إمام أهل التحقيق وكعبة طواف ذوي التدقيق، زاهداً في الدرهم والدينار كثير الخوف حسن الأطوار، دائم البكاء والايتهال لا يلتفت لجاه ولا لمال. تهدى إليه الهدايا الفاخرة فلا يقبلها ويقول من أكرمني فليدلني على ما ينفعني في الآخرة. وكانت تشهد له المشايخ بالمقام الكبير، ويقولون على رؤوس الأشهاد هذا الفاضل في زمننا ليس له نظير. توفي ﵀ في عشرين رمضان سنة

стр. 1189

اثنتين وخمسين ومائتين وألف، ودفن في مقبرة باب الصغير بقرب مقام سيدنا عبد الله بن زين العابدين من جهة الغرب. وبقرب قبره أم سلمة وأم حبيبة زوجتا رسول الله ﷺ ورضي الله عنهما وعنا بهم أجمعين. الشيخ محمد أفندي بن الشريف إسماعيل أفندي العجلاني الدمشقي الميداني مفخر الشرفاء الكرام ونخبة ذوي النسب العظام، يتصل نسبه الشريف بسيدنا رسول الله ﷺ . كان ذا أخلاق كريمة ومروءة عالية فخيمة، وشمائل جميلة، وله التفات إلى اكتساب ما يحصل به أنواع الفضيلة. ولا ينكر ذلك عليه لأنه من نسل من ينسب كل كمال إليه. توفي يوم الأربعاء عند الضحوة الكبرى ثالث عشر شوال سنة ثلاث وخمسين ومائتين وألف، ودفن بمدفنهم المعروف بمدفن بني العجلاني. وهو في سوق الغنم تجاه مقبرة باب الصغير. الشيخ محمد بن المرحوم الشيخ محمد المغربي الأزهري المالكي عالم وقته وأوانه وجهبذ عصره وزمانه، المحدث العمدة في العلوم والفاضل الذي تحل لديه مشكلات المنطوق والمفهوم، محط رحال السادة وكعبة طواف القادة، وحرم اعتكاف ذوي المعارف ومحراب توجه أهل الملح واللطائف. من سار في الآفاق ذكره وشاع في الناس علاه وقدره، الناهج في الكمال منهج الأوائل واللاهج بالأدب والتقوى وأنواع الفضائل. حضر من الغرب سنة ألف ومائة وإحدى وستين تقريباً، ونزل في الجامع الأزهر والمقام الأبهى والأبهر، فتعلق بأذيال العلم تعلق الوالدة بالولد إلى أن امتزج به امتزاج الروح بالجسد، وأخذ عن الشيوخ الأكابر والجهابذة الذين حازوا المعالي كابراً عن كابر، ولم يزل معتكفاً على الطلب والاستفادة، إلى أن شهدوا له بأنه صار مستحقاً للتأليف والإقراء والإفادة، فخرج من

стр. 1190

الأزهر بعد الاستئذان وطاف في الأمصار إلى أن وصل إلى حلب ذات القدر والاعتبار، فوجد الناس في قيل وقال وجدال كاد أن يوقع أصحابه في حيز الوبال، فقال ما هذا الأمر الذي دهى ودهم فقالوا اختلفنا في حديث ذكره صاحب المختار وليس له غيرك من حكم، فإن صاحب المختار قد ذكر في مادة عكك بأن النبي ﷺ قال طوبى لمن رأى عكّا، وبعض الناس قد سلمه اعتماداً على ناقله وبعض الناس قد رده ولم يعتمد على مثبته وقائله. وقال بأنه ليس إسماعيل كلام الذات المحمدية، ولا عليه طلاوة الأحاديث النبوية، فاحكم بيننا بالإنصاف فورودك علينا من كمال الإسعاف، فقال لهم دعوني الآن وسأكتب رسالة في هذا المرام، تزيل عنكم بعون الله الشكوك في هذا الحديث وأمثاله والأوهام. وقد ألف لهم رسالة قاطعة بأن هذا الحديث ليس من كلام النبوة، بل هو كذب مختلق مصنوع، وقد ذكرت هذه الرسالة بتمامها آنفاً لداعية دعتني إلى ذلك، وهي أن كثيراً من الجهال وبعض من يدعي الطلب، قد تداولوا هذا الحديث وهو طوبى لمن رأى عكة، وذلك سنة ثلاث وثلاثمائة وألف، وحكموا بصحته اعتماداً على ناقله وهو محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي في كتابه مختار الصحاح، مع أن ذكر المرقوم لذلك لا يدل على أنه حديث لأنه نقل من هو أعلم منه وأفضل، أحاديث كثيرة حكم عليها أهل الإسناد أنها موضوعة، لغايات قصدوها فأرادوا ترويجها فوضعوا لها أحاديث مكذوبة. قال ابن الجوزي ما أحسن قول القائل إذا رأيت الحديث يباين المعقول، أو يخالف المنقول، أو يناقض الأصول، فاعلم أنه موضوع ومعنى مناقضة الأصول أن يكون خارجاً عن دواوين الإسلام من المسانيد والكتب المشهورة. ثم إن الواضعين للحديث أقسام بحسب الأمر الحامل لهم على الوضع، أعظمهم ضرراً قوم ينسبون إلى الزهد وضعوه حسبة أي احتساباً للأجر عند الله في زعمهم الفاسد، فقبلت موضوعاتهم ثقة بهم وركوناً إليهم، لما نسبوا إليه من الزهد والصلاح، ولهذا قال يحيى القطان ما رأيت الكذب في أحد

стр. 1191

أكثر منه فيمن ينسب إلى الخير أي لعدم علمهم بتفرقة ما يجوز لهم وما يمتنع عليهم، أو لأن عندهم حسن ظن وسلامة صدر فيحملون ما سمعوه على الصدق، ولا يهتدون لتمييز الخطأ من الصواب، ولكن الواضعون منهم وإن خفي حالهم على كثير من الناس فإنه لم يخف على جهابذة الحديث ونقاده، وقد قيل لابن المبارك هذه الأحاديث المصنوعة فقال تعيش لها الجهابذة " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون " ومما وضع حسبة ما رواه الحاكم بسنده إلى أبي عمار المروزي أنه قيل لأبي عصمة نوح بن أبي مريم من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة وليس عند أصحاب عكرمة هذا، فقال إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي ابن إسحق فوضعت هذا الحديث حسبة، وكان يقال لأبي عصمة هذا نوح الجامع، قال ابن حبان جمع كل شيء إلا الصدق. وروى ابن حبان في الضعفا عن ابن مهدي قال قلت لميسرة بن عبد ربه من أين جئت بهذه الأحاديث من قرأ كذا فله كذا، قال وضعتها لأرغب الناس فيها، وكان غلام خليل يتزهد ويهجر شهوات الدنيا، وغلقت أسواق بغداد لموته، ومع ذلك كان يضع الحديث، وقيل له عند موته حسن ظنك، قال كيف لا وقد وضعت في فضل علي سبعين حديثاً، وكان أبو داوود النخعي أطول الناس قياماً بليل وأكثرهم صياماً بنهار، وكان يضع، قال ابن حبان وكان أبو بشر أحمد بن محمد الفقيه المروزي من أصلب أهل زمانه في السنة وأذبهم عنها، وأقمعهم لمن خالفها، وكان مع هذا يضع الحديث، وقال بن عدي كان وهب بن حفص من الصالحين مكث عشرين سنة لا يكلم أحداً وكان يكذب كذباً فاحشاً، وجوزت الكرّامية وهم قوم من المبتدعة نسبوا إلى محمد بن كرّام السجستاني الوضع في الترغيب والترهيب، دون ما يتعلق به حكم من الثواب والعقاب،

стр. 1192

ترغيباً للناس في الطاعة وترهيباً لهم عن المعصية، واستدلوا بما روي في بعض طرق الحديث من كذب علي متعمداً ليضل به الناس، وحمل بعضهم حديث من كذب علي أي قال إنه شاعر أو مجنون، وقال بعضهم إنما نكذب له لا عليه، وقال محمد بن سعيد المصلوب الكذاب الوضاع: لا بأس إذا كان كاملاً حسناً أن يضع له إسناداً! وجميع ذلك خلاف إجماع المسلمين الذين يعتد بهم، بل بالغ الشيخ أبو محمد الجويني فجزم بتكفير واضع الحديث، ووضعت الزنادقة جملاً من الأحاديث يفسدون بها الدين، فبين جهابذة الحديث أمرها ولله الحمد، روى العقيلي بسنده إلى حماد بن زيد قال وضعت الزنادقة على رسول الله ﷺ أربعة عشر ألف حديث منهم محمد بن سعيد المصلوب في الزندقة، فروى عن حميد عن أنس مرفوعاً أنا خاتم النبيين لا نبي بعدي إلا أن يشاء الله، وضع هذا الاستثناء لما كان يدعو إليه من الإلحاد والزندقة والدعوة إلى التنبي. ومن الواضعين من يضع الحديث انتصاراً لمذهبه كالخطابية والرافضة وغيرهم، وروى ابن حبان في الضعفاء بسنده إلى عبد الله بن يزيد المقري أن رجلاً من أهل البدع رجع عن بدعته، فجعل يقول انظروا هذا الحديث عمن تأخذونه فإنا كنا إذا رأينا رأياً جعلنا له حديثاً. وقسم من الواضعين وضعوا أحاديثهم تقرباً لبعض الخلفاء والأمراء موافقة لفعلهم وآرائهم، أو ترغيباً لهم في بلاد يعدونها لا قدر لها، فيضعون لهم أحاديث دالة على فضلها ورفعة قدرها، ترغيباً لهم بها، كالأحاديث الموضوعة في عكا على اختلاف أنواعها، وقسم كانوا يتكسبون بذلك ويرتزقون منه في قصصهم كأبي سعيد المدايني. فائدة قال النسائي الكذابون المعروفون بوضع الحديث أربعة: ابن أبي يحيى بالمدينة، والواقدي ببغداد، ومقاتل بخراسان، ومحمد بن سعيد المصلوب بالشام. ومن الموضوع الحديث المروي عن أبيّ بن كعب مرفوعاً في فضل القرآن سورة

стр. 1193

سورة من أوله إلى آخره، وقد أخطأ من ذكره من المفسرين في تفسيره كالثعلبي والواحدي والزمخشري والبيضاوي، قال العراقي لكن من أبرز إسناده منهم كالأولين فهو أبسط لعذره إذ أحال ناظره على الكشف عن سنده، وإن كان لا يجوز له السكوت عليه. تنبيه ورد في فضائل السور مفرقة أحاديث بعضها صحيح وبعضها حسن وبعضها ضعيف وليس بموضوع، وإنما ذكرت هذا التنبيه لئلا يتوهم أنه لم يصح في فضائل السور شيء. واعلم أن السور التي صحت الأحاديث في فضلها الفاتحة، والزهراوين، والأنعام والسبع الطوال مجملاً، والكهف ويس والدخان والملك والزلزلة والنصر والكافرون والإخلاص والمعوذتان وما عداها لم يصح فيه شيء. ومن الموضوعات أيضاً أحاديث الأرز والعدس والباذنجان والهريسة، وفضائل من اسمه محمد وأحمد، وفضل عين سلوان، وعسقلان، ووصايا علي، وضعها حماد بن عمر، والنصيبي ووصيته في الجماع، وضعها إسحق بن نجيح الملطي. والحاصل أن الموضوع تحرم روايته مع العلم بوضعه، وإثباته في كتاب مع عدم التنبيه عليه بأنه موضوع في أي معنى كان، سواء كان في حكم من الأحكام، أو في قصة أو في ترغيب أو في ترهيب، وسواء كان معناه صحيحاً أو باطلاً، لحديث مسلم: من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين. ويعرف الوضع للحديث بإقرار واضعه أنه وضعه، كحديث فضائل القرآن فإن ميسرة قد اعترف بوضعه، وقال البخاري في التاريخ الأوسط حدثني يحيى اليشكري عن علي بن حدير قال سمعت عمر بن صبح يقول أنا وضعت خطبة النبي ﷺ ، وقد استشكل ابن دقيق العيد الحكم بالوضع بإقرار من ادعى وضعه، لأن فيه عملاً بقوله بعد اعترافه على نفسه بالوضع، قال بعضهم: وهذا ليس باستشكال منه إنما هو توضيح وبيان، وهو أن الحكم بالوضع بالإقرار ليس بأمر قطعي موافق لما في نفس

стр. 1194

الأمر، لجواز كذبه في الإقرار. ويعرف الوضع أيضاً بغير ذلك مما هو مذكور في كتب مصطلح الحديث، كركاكة اللفظ أو المعنى، قال الربيع بن خيثم: إن للحديث ضوء كضوء النهار تعرفه، وظلمة كظلمة الليل تنكره، وقال ابن الجوزي: الحديث المنكر يقشعر له جلد الطالب للعلم، وينفر منه قلبه في الغالب، قال الترمنيني: والكذب المختلق الموضوع ... على النبي فذلك الموضوع أي المكذوب على النبي ﷺ فهو مختلق ومبتكر من عند واضعه فهو موضوع ومحطوط المنزلة فلا معول عليه بالمرة لأنه من جملة الأكاذيب، ولا تجوز روايته إلا لتعريف حاله، لا بنحو قال النبي ﷺ ، بل بنحو: هذا الكلام موضوع وليس بحديث، والكذب عليه ﷺ من الكبائر ولو في ترغيب أو ترهيب، ويعرف الوضع بإقرار أو بركاكة. وإنما أطلت الكلام في هذا المقام، لئلا يظن الإنسان أن نقل من هو معروف بالعلم والفضل لكلام مسند إلى النبي ﷺ يدل على أنه حديث ولا يحتاج إلى نظر ولا إلى استدلال، فهذا قصور لا ينبغي التعويل عليه، لأن كثيراً من أفاضل العلماء قد نقلوا أحاديث في الترغيب والترهيب وفضائل القرآن سورة سورة، وقد تناقله أصحاب التفاسير وأهل الرقائق في كتبهم، ومع ذلك قد نبه المحدثون النقاد عليها بأنها موضوعة مكذوبة على النبي ﷺ ، فما كل ما صدر بقال ﷺ يقتضي أن يكون حديثاً، إلا أن يجده الإنسان في كتب الحديث المسندة، وإن كان الناقل له عمدة كالواحدي والواقدي والزمخشري والبيضاوي وغيرهم، وصاحب مختار الصحاح في نقل الحديث المتقدم، ونحن لا نقول بأنهم هم الذين وضعوا الأحاديث التي ذكروها في كتبهم مما نبه العلماء عليها بأنها موضوعة، بل نقلوها اعتماداً على قائليها من غير أن ينظروا بها، فقد تبين لك مما تقدم أن هذا الحديث الذي ذكره صاحب المختار موضوع ليس بحديث، وذلك لا يطعن في مقام ناقله كما عرفت ولا في علمه، وها هي الرسالة للمترجم المذكور بحروفها:

стр. 1195

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي حَمَى حِمى السنة المحمدية بأئمة جهابذة نقاد، ونشر أعلامها وأسس بنيانها بأطواد الأفراد، وخص هذه الأيمة المصطفوية بشرف سلاسل الإسناد، ونضر وجوههم في الدارين فرقوا مراقي الإسعاد، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الآمر بحفظ سنته، وصونها عن المحرف الوضاع وكل ذي إلحاد، وعلى آله وصحبه ما سلسل محدث وأرسل وعنعن وأفاد، وعلى التابعين لهم من كل حافظ متقن ضابط خبير بالمدارك نقاد. أما بعد فيقول فقير مولاه الغني، محمد بن محمد المغربي الأزهري منح فتح الجواد، لما وردنا موارد حلب العذبة الأوراد سنة ١١٧٣، لإزاحة ما على القلب من الإنكاد، وحللنا في منزل رحب في مقعد صدق يزري بإرم ذات العماد، عند جناب رفيع سيد طويل النجاد، باذخ شامخ الأوتاد، فرآه يسابق بشاشته كل وارد من الوراد، طيب الشمائل، عذب المناهل نخبة الأفراد، بيض الله غرة احواله وأثمر أغصان آماله، وألبسه حلل الإرشاد والسداد، ورد علينا سؤال حديث مضمونه التنويه بفضل عكا الشهيرة عن التعريف بين الحاضر والباد، فكتبت عليه بأنه موضوع وكل ما ورد فيها وفي عينها فهو مفترى عند أعلام الإسناد، ولما رأيت الجوهري وتابعه صاحب المختار أوردا طوبى لمن رأى عكا، هززت عطفي لتحقيق الحق وإرشاد الأمجاد، وسميت الرقيم: تحذير أعلام البشر من أحاديث عكا وعينها المسماة بعين البقر، وينحصر المسطور في مقدمة وخاتمة، فيها تمام المقصد، وقد لبست حلة الإنصاف التي هي سنة علماء السنة والله الهادي وعليه اعتمادي وبه الحول والقوة ومنه المنة. المقدمة لا يخفى على الممارس أن أئمة الذين ذكروا ضوابط يعرف بها وضع الحديث كسماجة ألفاظه أو برودة معانيه، أو
следующие страницы →