Полный текст (1 568 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
أكثر منه فيمن ينسب إلى الخير أي لعدم علمهم بتفرقة ما يجوز لهم وما يمتنع عليهم، أو لأن عندهم حسن ظن وسلامة صدر فيحملون ما سمعوه على الصدق، ولا يهتدون لتمييز الخطأ من الصواب، ولكن الواضعون منهم وإن خفي حالهم على كثير من الناس فإنه لم يخف على جهابذة الحديث ونقاده، وقد قيل لابن المبارك هذه الأحاديث المصنوعة فقال تعيش لها الجهابذة " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون " ومما وضع حسبة ما رواه الحاكم بسنده إلى أبي عمار المروزي أنه قيل لأبي عصمة نوح بن أبي مريم من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة وليس عند أصحاب عكرمة هذا، فقال إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي ابن إسحق فوضعت هذا الحديث حسبة، وكان يقال لأبي عصمة هذا نوح الجامع، قال ابن حبان جمع كل شيء إلا الصدق. وروى ابن حبان في الضعفا عن ابن مهدي قال قلت لميسرة بن عبد ربه من أين جئت بهذه الأحاديث من قرأ كذا فله كذا، قال وضعتها لأرغب الناس فيها، وكان غلام خليل يتزهد ويهجر شهوات الدنيا، وغلقت أسواق بغداد لموته، ومع ذلك كان يضع الحديث، وقيل له عند موته حسن ظنك، قال كيف لا وقد وضعت في فضل علي سبعين حديثاً، وكان أبو داوود النخعي أطول الناس قياماً بليل وأكثرهم صياماً بنهار، وكان يضع، قال ابن حبان وكان أبو بشر أحمد بن محمد الفقيه المروزي من أصلب أهل زمانه في السنة وأذبهم عنها، وأقمعهم لمن خالفها، وكان مع هذا يضع الحديث، وقال بن عدي كان وهب بن حفص من الصالحين مكث عشرين سنة لا يكلم أحداً وكان يكذب كذباً فاحشاً، وجوزت الكرّامية وهم قوم من المبتدعة نسبوا إلى محمد بن كرّام السجستاني الوضع في الترغيب والترهيب، دون ما يتعلق به حكم من الثواب والعقاب،
стр. 1192
ترغيباً للناس في الطاعة وترهيباً لهم عن المعصية، واستدلوا بما روي في بعض طرق الحديث من كذب علي متعمداً ليضل به الناس، وحمل بعضهم حديث من كذب علي أي قال إنه شاعر أو مجنون، وقال بعضهم إنما نكذب له لا عليه، وقال محمد بن سعيد المصلوب الكذاب الوضاع: لا بأس إذا كان كاملاً حسناً أن يضع له إسناداً! وجميع ذلك خلاف إجماع المسلمين الذين يعتد بهم، بل بالغ الشيخ أبو محمد الجويني فجزم بتكفير واضع الحديث، ووضعت الزنادقة جملاً من الأحاديث يفسدون بها الدين، فبين جهابذة الحديث أمرها ولله الحمد، روى العقيلي بسنده إلى حماد بن زيد قال وضعت الزنادقة على رسول الله ﷺ أربعة عشر ألف حديث منهم محمد بن سعيد المصلوب في الزندقة، فروى عن حميد عن أنس مرفوعاً أنا خاتم النبيين لا نبي بعدي إلا أن يشاء الله، وضع هذا الاستثناء لما كان يدعو إليه من الإلحاد والزندقة والدعوة إلى التنبي. ومن الواضعين من يضع الحديث انتصاراً لمذهبه كالخطابية والرافضة وغيرهم، وروى ابن حبان في الضعفاء بسنده إلى عبد الله بن يزيد المقري أن رجلاً من أهل البدع رجع عن بدعته، فجعل يقول انظروا هذا الحديث عمن تأخذونه فإنا كنا إذا رأينا رأياً جعلنا له حديثاً. وقسم من الواضعين وضعوا أحاديثهم تقرباً لبعض الخلفاء والأمراء موافقة لفعلهم وآرائهم، أو ترغيباً لهم في بلاد يعدونها لا قدر لها، فيضعون لهم أحاديث دالة على فضلها ورفعة قدرها، ترغيباً لهم بها، كالأحاديث الموضوعة في عكا على اختلاف أنواعها، وقسم كانوا يتكسبون بذلك ويرتزقون منه في قصصهم كأبي سعيد المدايني.
فائدة قال النسائي الكذابون المعروفون بوضع الحديث أربعة: ابن أبي يحيى بالمدينة، والواقدي ببغداد، ومقاتل بخراسان، ومحمد بن سعيد المصلوب بالشام. ومن الموضوع الحديث المروي عن أبيّ بن كعب مرفوعاً في فضل القرآن سورة
стр. 1193
سورة من أوله إلى آخره، وقد أخطأ من ذكره من المفسرين في تفسيره كالثعلبي والواحدي والزمخشري والبيضاوي، قال العراقي لكن من أبرز إسناده منهم كالأولين فهو أبسط لعذره إذ أحال ناظره على الكشف عن سنده، وإن كان لا يجوز له السكوت عليه.
تنبيه ورد في فضائل السور مفرقة أحاديث بعضها صحيح وبعضها حسن وبعضها ضعيف وليس بموضوع، وإنما ذكرت هذا التنبيه لئلا يتوهم أنه لم يصح في فضائل السور شيء. واعلم أن السور التي صحت الأحاديث في فضلها الفاتحة، والزهراوين، والأنعام والسبع الطوال مجملاً، والكهف ويس والدخان والملك والزلزلة والنصر والكافرون والإخلاص والمعوذتان وما عداها لم يصح فيه شيء.
ومن الموضوعات أيضاً أحاديث الأرز والعدس والباذنجان والهريسة، وفضائل من اسمه محمد وأحمد، وفضل عين سلوان، وعسقلان، ووصايا علي، وضعها حماد بن عمر، والنصيبي ووصيته في الجماع، وضعها إسحق بن نجيح الملطي.
والحاصل أن الموضوع تحرم روايته مع العلم بوضعه، وإثباته في كتاب مع عدم التنبيه عليه بأنه موضوع في أي معنى كان، سواء كان في حكم من الأحكام، أو في قصة أو في ترغيب أو في ترهيب، وسواء كان معناه صحيحاً أو باطلاً، لحديث مسلم: من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين.
ويعرف الوضع للحديث بإقرار واضعه أنه وضعه، كحديث فضائل القرآن فإن ميسرة قد اعترف بوضعه، وقال البخاري في التاريخ الأوسط حدثني يحيى اليشكري عن علي بن حدير قال سمعت عمر بن صبح يقول أنا وضعت خطبة النبي ﷺ ، وقد استشكل ابن دقيق العيد الحكم بالوضع بإقرار من ادعى وضعه، لأن فيه عملاً بقوله بعد اعترافه على نفسه بالوضع، قال بعضهم: وهذا ليس باستشكال منه إنما هو توضيح وبيان، وهو أن الحكم بالوضع بالإقرار ليس بأمر قطعي موافق لما في نفس
стр. 1194
الأمر، لجواز كذبه في الإقرار. ويعرف الوضع أيضاً بغير ذلك مما هو مذكور في كتب مصطلح الحديث، كركاكة اللفظ أو المعنى، قال الربيع بن خيثم: إن للحديث ضوء كضوء النهار تعرفه، وظلمة كظلمة الليل تنكره، وقال ابن الجوزي: الحديث المنكر يقشعر له جلد الطالب للعلم، وينفر منه قلبه في الغالب، قال الترمنيني:
والكذب المختلق الموضوع ... على النبي فذلك الموضوع
أي المكذوب على النبي ﷺ فهو مختلق ومبتكر من عند واضعه فهو موضوع ومحطوط المنزلة فلا معول عليه بالمرة لأنه من جملة الأكاذيب، ولا تجوز روايته إلا لتعريف حاله، لا بنحو قال النبي ﷺ ، بل بنحو: هذا الكلام موضوع وليس بحديث، والكذب عليه ﷺ من الكبائر ولو في ترغيب أو ترهيب، ويعرف الوضع بإقرار أو بركاكة.
وإنما أطلت الكلام في هذا المقام، لئلا يظن الإنسان أن نقل من هو معروف بالعلم والفضل لكلام مسند إلى النبي ﷺ يدل على أنه حديث ولا يحتاج إلى نظر ولا إلى استدلال، فهذا قصور لا ينبغي التعويل عليه، لأن كثيراً من أفاضل العلماء قد نقلوا أحاديث في الترغيب والترهيب وفضائل القرآن سورة سورة، وقد تناقله أصحاب التفاسير وأهل الرقائق في كتبهم، ومع ذلك قد نبه المحدثون النقاد عليها بأنها موضوعة مكذوبة على النبي ﷺ ، فما كل ما صدر بقال ﷺ يقتضي أن يكون حديثاً، إلا أن يجده الإنسان في كتب الحديث المسندة، وإن كان الناقل له عمدة كالواحدي والواقدي والزمخشري والبيضاوي وغيرهم، وصاحب مختار الصحاح في نقل الحديث المتقدم، ونحن لا نقول بأنهم هم الذين وضعوا الأحاديث التي ذكروها في كتبهم مما نبه العلماء عليها بأنها موضوعة، بل نقلوها اعتماداً على قائليها من غير أن ينظروا بها، فقد تبين لك مما تقدم أن هذا الحديث الذي ذكره صاحب المختار موضوع ليس بحديث، وذلك لا يطعن في مقام ناقله كما عرفت ولا في علمه، وها هي الرسالة للمترجم المذكور بحروفها:
стр. 1195
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي حَمَى حِمى السنة المحمدية بأئمة جهابذة نقاد، ونشر أعلامها وأسس بنيانها بأطواد الأفراد، وخص هذه الأيمة المصطفوية بشرف سلاسل الإسناد، ونضر وجوههم في الدارين فرقوا مراقي الإسعاد، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الآمر بحفظ سنته، وصونها عن المحرف الوضاع وكل ذي إلحاد، وعلى آله وصحبه ما سلسل محدث وأرسل وعنعن وأفاد، وعلى التابعين لهم من كل حافظ متقن ضابط خبير بالمدارك نقاد.
أما بعد فيقول فقير مولاه الغني، محمد بن محمد المغربي الأزهري منح فتح الجواد، لما وردنا موارد حلب العذبة الأوراد سنة ١١٧٣، لإزاحة ما على القلب من الإنكاد، وحللنا في منزل رحب في مقعد صدق يزري بإرم ذات العماد، عند جناب رفيع سيد طويل النجاد، باذخ شامخ الأوتاد، فرآه يسابق بشاشته كل وارد من الوراد، طيب الشمائل، عذب المناهل نخبة الأفراد، بيض الله غرة احواله وأثمر أغصان آماله، وألبسه حلل الإرشاد والسداد، ورد علينا سؤال حديث مضمونه التنويه بفضل عكا الشهيرة عن التعريف بين الحاضر والباد، فكتبت عليه بأنه موضوع وكل ما ورد فيها وفي عينها فهو مفترى عند أعلام الإسناد، ولما رأيت الجوهري وتابعه صاحب المختار أوردا طوبى لمن رأى عكا، هززت عطفي لتحقيق الحق وإرشاد الأمجاد، وسميت الرقيم: تحذير أعلام البشر من أحاديث عكا وعينها المسماة بعين البقر، وينحصر المسطور في مقدمة وخاتمة، فيها تمام المقصد، وقد لبست حلة الإنصاف التي هي سنة علماء السنة والله الهادي وعليه اعتمادي وبه الحول والقوة ومنه المنة.
المقدمة لا يخفى على الممارس أن أئمة الذين ذكروا ضوابط يعرف بها وضع الحديث كسماجة ألفاظه أو برودة معانيه، أو
стр. 1196
مخالفة للمحسوس أو لظواهر النصوص، أو لبلوغه في الحد مبلغاً يخرجه عن حده، فإن لكل شيء حداً، صرحوا بأن أحاديث البلدان لم يثبت منها إلا نزر يسير، وحذروا من أحاديثها غاية التحذير، وصرحوا بأنه لا يجوز أخذ حديث من أي كتاب كان، بل اشترطوا شروطاً يعرفها النبيل الخبير، وفي هذا المقام مهامه فسيحة يتيه فيها القطا ويحتاج معانيها إلى عون الملك الخبير.
القصد في ذكر الحديث الذي ورد علي في فضل عكا وليس هو عندي وقت هذه الكتابة، وإنما مضمونه أنها بلد على جبلين فمن دخلها رغبة فيها غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومن خرج منها رغبة عنها لم يبارك له في خروجه، وبها عين من شرب منها أو اغتسل فيها فهو طاهر إلى يوم القيامة، أقول: أما أولاً فبرودة هذه المعاني لا تخفى على الممارس المعاني، وأما ثانياً فقد اشتمل هذا الحديث على أمور فاسدة، كونها على جبلين كذب ومين، فإني دخلتها وهي شهيرة عند الناس بينها وبين الجبال بون بعيد، وكون الداخل إليها رغبة فيها ينال تلك المغفرة التامة لا يصح، لأنه لم يثبت فيما هو أفضل منها بالنصوص القواطع، فكيف يثبت فيما لا فضل له أصلاً، ومما يؤيد ذلك قول المنلا علي القارئ في آخر كتابه في الموضوعات لما أورد حديثاً مضمونه أن الصلاة في بيت المقدس بخمسين ألفاً أن هذا الفضل محال، وإن روي في سنن ابن ماجه، فإن الصلاة في مسجد رسول الله ﷺ لم يثبت فيها هذا الفضل، فكيف يثبت في بيت المقدس، قال وإنما الذي ثبت في بيت المقدس أن الصلاة بخمسماية، فإذا تأملت ما قرره المنلا علي رحمه الله تعالى، علمت أن مدعي هذه المغفرة يحتاج إلى مغفرة لقرينه مكفرة، وأما دعوى أنه أمر جائز في العقول، وقد لا يثبت للأفضل شيء ويثبت للمفضول، فجوابه أن السنة وفضائلها لا تثبت بتجويز العقول، وشهد لما قلناه ما ذكره الحافظ ابن حجر في فتحه، أن كل احتمال لا يقبل في
стр. 1197
مدارك الحديث، ومما يدلك على رد قوله غفر الله له ما تقدم الخ أن الحافظ ابن حجر العسقلاني ألف رسالة في الفضائل المكفرة للذنوب المتقدمة والمتأخرة، ولم يعرج فيها على حديث عكا، وأما نقل الناجي له في رسالته إن صح نسبتها له، فالناجي ليس من أئمة هذا الِشأن، الذين لهم القدح المعلا كما لا يخفى على من عرف أهل هذا اللسان، وكون عينها من شرب منها أو اغتسل كان طاهراً إلى يوم القيامة، هذا أدهى وأمر، فما معنى طهور الشارب والمغتسل إلى يوم القيامة، فإن كان من الجنابة ولو أجنب من بعد، فهذا مذهب أهل المعمودية، وهو منابذ لصريح الشريعة المحمدية، وإن كان طاهراً من الذنوب، فهو شيء لم يثبت للشارب المغتسل من زمزم المرغوب، وإن كان غير ذلك فلا ندريه.
والحاصل أنه لا معنى له فقبح الله واضعه، فإنه ما أراد إلا تنقيص رسول الله ﷺ ، وهو إما جاهل مفسد، أو زنديق ملحد. وأما حديث الجوهري وصاحب المختار: طوبى لمن رأى عكا فهو من وادي الأول فإن المساجد الثلاثة التي شرفها الله تعالى بالنص والإجماع لم يرد فيها طوبى لمن رآها، ولا يغتر بذكره في الكتابين المذكورين، فإن أصحابهما ليس لهما قدم في السنة، ولا يجوز أخذ حديث من كتاب إلا بعد مراجعة أصوله المعتمدة، والقاعدة السابقة في البلدان ترده، والبينة على المدعي، فإن قواعد الأئمة لا تعارض إلا بثقل ثابت عن أثبات الأمة، وهذا الإمام الرافعي إمام السنة والتفسير والفقه المجمع على جلالته، أورد أحاديث في كتاب: التدوين، في مناقب قزوين ومرو وبخارى ونصيبين، فأقامت عليه علماء الأمة القيامة، ورموه بقوس واحدة مع أنه إمام علامة. والاغترار بكل ما سطر ليس على الفضل علامة، وطوبى هذه ليست طوبى الجنات بل هي طوبى تحتها عقارب وحيات، وكم من حديث فيه طوبى لا يساوي عند الأعلام طوبى، وأما عينها عين البقر، ففضلها مفترى منكر، غير معتبر.
стр. 1198
وأما الحديث الطويل الذي آخره: واختار من العيون أربعاً، فذكر فيها عين عكا، فقد قال السيوطي وابن عراق وصاحب مثير الغرام منكر بالمرة. وهذا صاحب مثير الغرام وصاحب الأنيس الجليل، قد ذكرا فضائل مدن الشام على ما فيها، ولم يذكرا لعكا فضيلة مع أنهما بهذا الصدد، فلو ثبت لها أدنى فضيلة لطرزا بهما كتابيهما، فإنهما لم يصنعا كتابيهما إلا لنشر المحاسن الشامية، وأي محاسن أعظم من غفران الذنوب وطهارة الأبد؟ لا جزى الله الواضعين خيراً في الدنيا والآخرة، الذين ينسبون لرسول الله ﷺ ما لا يليق بمنصب الفضلاء، فضلاً عن مقام سيد الأنبياء.
الخاتمة: لا يهولنك ويعظم عليك قولنا سابقاً لا يغتر بذكر الجوهري وصاحب المختار فتقول هذه جرأة على الجهابذة الأخيار، فاعلم أنه ليس كل قيل يقال، ولا كل ميدان تجول فيه الرجال، فكم من همام جهبذ في علم لا قدر له في علم الآخر، وهذا القاضي البيضاوي سيد المحققين قد أودع تفسيره أحاديث السور، وغالبها موضوع بإجماع المحدثين أهل النظر، وهذا الجلال المحلي على جلالة محله، نقل حديث أنا أفصح من نطق بالضاد، وكذا شيخ الإسلام تلميذه، وهو موضوع عند النقاد، ولو تتبعنا أمثال هذه لأسهبنا وأبعدنا كل الابعاد. ولقد كنت نظمت أبياتاً قبل هذه الرسالة، فأحببت ذكرها لتتميم المقالة وهي:
أقول لأرباب الحديث تبصروا ... حديثي فقولي عندكم غير مفترى
أحاديث عكا لا يشك بأنها ... أباطيل لا تعزى إلى سيد الورى
كقزوينهم السكندرية مثلها ... ومرو، ولو كان الحديث مسطرا
وما صاحب المختار يروى حديثه ... ولا الجوهري من بالصحاح تجوهرا
وأما الإمام الحال مجد زمانه ... فذاك من الحفاظ ممن لها درى
وها الرافعي مع مجده ورسوخه ... بتدوينه المعروف يرويه من قرا
أفاد أحاديثاً لقزوين مدحة ... فزيفها الأعلام ممن رقى الذرى
стр. 1199
ومن شرطه لا اغترار بكل ما ... يسطر في كتب إلى أن ينقرا
فهذا سبيل الراسخين سلكته ... مخافة يوم العرض من وصمة الفرى
وأهدي صلاة من سلام لأحمد ... وآل وصحب ما رياض تعطرا
تذييل: لا يغتر بأحاديث الخطب ولا كتب التواريخ ولا القصص ولا الرقائق ولا كتب اللغة حتى تراجع أصولها، وتحقق فصولها، وهذا المقام واسع المدى فياض الندى، وفي هذا القدر كفاية والله ولي العناية، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ما طابت بذكره الأفواه، قال مؤلفها ﵀: تمت في ذي القعدة سنة ١١٧٢ وقد تم نقلها من نسخة منقولة عن نسخة مؤلفها.
توفي المترجم المرقوم رحمه الله تعالى بعد المائتين بقليل ولم أقف على مكان موته ودفنه.
الشيخ محمد سعيد أفندي بن الشيخ عبد الستاربن الشيخ إبراهيم الأتاسي الحنفي مفتي مدينة حمص الشامية
عالم لا يبارى وفاضل في ميدان الفضائل لا يجارى، ولد سنة أربع عشرة بعد المائتين والألف ونشأ في حجر والده المرقوم، فأخذ عنه أكثر المتداول من الكتب والفنون، إلى أن صار كعبة المسائل وبغية المقاصد والوسائل، نافذ القول، قوي القوة بالقوي المتين والحول. وكان ﵀ مهاباً جسوراً فصيح اللسان، وولي منصب الإفتاء في حمص عن أهلية واستحقاق. وله شعر أرق من نسيم الصبا ونثر ألطف من خلع العذار في زمن الصبا، وتحقيقات أنيقة وأبحاث رقيقة، وتقييدات علية وتدقيقات سنية. ولم يزل مثابراً على السلوك في منهج الفضائل مقصوداً لحل مشكلات السادة الأفاضل، إلى أن ألحقته المنية بمن مضى وأحلته في ساحة العفو والرضى. وذلك غرة محرم الحرام سنة ست وسبعين بعد المائتين والألف من هجرة سيد الأنام.
стр. 1200
الشيخ محمد الخشني الشافعي المصري الأشعري الأزهري
العالم المشهور بالصلاح والفاضل المعروف بالتقوى والفلاح، نزل في الجامع الأزهر والمكان الأرفع الأنور، فحفظ القرآن الشريف وأتقنه غاية الإتقان، ثم التفت إلى طلب العلم مع العمل والإذعان وقد لاحظته عين الرعاية والإسعاد وألبسته ثوب العناية والإستعداد فتخرج على الشيخ عطية الأجهوري وغيره من أشياخ العصر، كالحفني والعدوي من أفاضل شيوخ مصر. وكان مسكنه في خطة السيدة نفيسة، ويأتي في كل يوم إلى الأزهر فيقرأ دروسه، ثم يعود إلى داره متقللاً في معيشته، متمسكاً بتباعده عن الناس وعزلته. وهو آخر الطبقة العالية والمشيخة السامية، ولما نزلت به دواعي المنية وأرادت أن تلحقه بالعصابة العلية، تمرض شهوراً بمنزله الذي في المشهد النفيسي ذي الشأن، وكان دائماً يسأل عن الشيخ البجيرمي سليمان، يقول لا أموت حتى يموت هذا الهمام، لأني رأيت النبي ﷺ في المنام، وقال له أنت آخر أقرانك موتاً، فعلمت أن موتي قبله لا يتأتى، ولم يكن بقي من أقراني سوى هذه الذات العلية فلذلك أسأل عنه أهو حي أم اخترمته المنية؟ ثم مات البجيرمي بقرية مصطية ومات هو بعده بثلاثة أشهر عددية، وكانت وفاته في يوم الاثنين خامس وعشرين من ذي الحجة الحرام سنة إحدى وعشرين ومائتين وألف من هجرة سيد الأنام. ولم يحضروا بجنازته إلى الأزهر، بل صلي عليه في المشهد النفيسي ودفن في ذلك المقام الأنور.
الشيخ محمد بن يوسف بن بنت الشيخ محمد بن سالم الحفناوي الشافعي الأزهري
العمدة الفاضل حاوي الكمالات والفضائل، عين الأعيان ونخبة الأقران. وله سنة ثلاث وستين ومائة وألف وترى في حجر جده وتخلق بأخلاقه،
стр. 1201
وحفظ القرآن والألفية، وأكثر المتون المتداولة. وحضر دروس جده وأخي جده الشيخ يوسف الحفناوي، وحضر أشياخ الوقت كالشيخ علي العدوي والشيخ أحمد الدردير والشيخ عطية الأجهوري والشيخ عيسى البراوي وغيرهم، وتمهر وأنجب، وأخذ طريق الخلوتية عن جده ولقنه الأسماء. ولما توفي جده ألقى الدروس في محله بالأزهر، ونشأ من صغره على أحسن طريقة وعفة نفس، وتباعد عن سفاسف الأمور الدنيئة، ولازم الاشتغال بالعلم، وفتح بيت جده وعمل به ميعاد الذكر كعادته، وكان عظيم النفس مع تهذيب الأخلاق والتبسط مع الإخوان والممازحة، مع تجنبه ما يخل بالمروءة، وله بعض تعليقات وحواش وشعر مناسب، ولم يزل على حالته إلى أن توفي يوم السبت رابع شهر ربيع الأول سنة اثنتين وعشرين ومائتين وألف، وصلي عليه في الأزهر في مشهد عظيم، ودفن مع جده في تربة واحدة بمقبرة المجاورين ولم يخلف ذكوراً.
الشيخ محمد الحصافي المصري الأزهري الشافعي الفقيه النحوي الفرضي
فقيه عصره نبيه مصره، ونحوي زمانه وفرضي وقته وأوانه، من ارتقت في معالي الفضائل ملكته وافتخرت به أقرانه وطبقته، وعرف بالزهادة والعبادة واستوى على منصة السيادة، حضر أشياخ الطبقة الأولى، ودرس العلوم في الأزهر وبلغ به الطلبة مراداً ومأمولاً، وأجاد في الإفادة من معقول ومنقول، وكان متباعداً عن الاختلاط منعكفاً في زوايا الخمول، منعزلاً عن الدنيا كما أنها منعزلة عنه. قانعاً بما قسم الله له راضياً منه، لا يدعى إلى وليمة، ولا يفرح بمادحه ولا يلوم مليمه، ولا ينهمك على شيء من الأمور. ولم يزل على حالته حتى جاءه الأجل المسطور. توفي يوم الاثنين ثالث عشر شوال سنة اثنتين وعشرين ومائتين وألف رحمه الله تعالى.
стр. 1202
الشيخ محمد بن عبد الفتاح المالكي الأزهري من أهالي كفر حشاد بالمنوفية
مدار العلوم والمعارف ومنار الآداب واللطائف، العمدة المفضل والصفوة المكمل، ذو التقوى والعبادة والرفعة والسيادة. قدم من بلده صغيراً فجاور بالأزهر المنير وحضر على أشياخ الوقت ولازم دروس الشيخ الأمير. وبه تخرج وتفقه ونال درجة علية، وقرأ على غيره من السادة لمالكية، وأنجب في المنقولات وتمهر في المعقولات، وصارت له ملكة واستحضار وشهرة كلية في الأماكن والأمصار. ثم رجع إلى بلده فأقام بها يفيد ويفتي في كل واقعة كلية أو جزية، ويرجع إليه في القضايا والدعاوى ولا يقبل جعالة ولا هدية. فاشتهر ذكره في الإقليم واعتقدوا فيه الزهد والعفاف، وأنه إذا أفتى أو قضى لا يحول عن الحق والإنصاف، لأنه لا يقبل شيئاً بحال ولا يروم سوى رضا الحق المتعال، فهرعت الناس إليه وصاروا لا يعولون في قضاياهم إلا عليه، ولا يعتمدون على سواه ولا يرومون إلا إياه، ولم يزل على هذه الحالة المرضية والمنقبة السامية العلية، حتى كان المولد المعتاد بطندتا فذهب الشيخ إلى هناك، فأتى المترجم لزيارته والسلام عليه، ونزل في الدار التي هو نازل فيها، فانهدمت جهته التي هو بها وسقطت عليه، فمات شهيداً مردوماً ومعه ثلاثة أنفار من أهالي قرية العكروت، فسبحان الحي الدائم الذي لا يموت، وذلك في أوائل شهر ذي الحجة الحرام، سنة اثنتين وعشرين ومائتين وألف رحمهم ذو الجلال والإكرام.
стр. 1203
الشيخ محمد بن عبد الرحمن اليوسي المغربي المالكي
الناسك العابد والصالح الزاهد، والعالم العامل والفاضل الكامل. ورد إلى مصر وحج ورجع، فهرعت الناس إلى زيارته والتبرك به، وكان قليل الاختلاط بالناس كثير المذاكرة العلمية محفوظ المجلس مما لا يعني، متمسكاً بالسنة والعمل بها، متواضعاً متذللاً لين الجانب حسن المعاشرة جميل المجاوبة. ولم يزل عالي الهمة وافر المروءة ملازماً للطاعة والتقوى، والأعمال الجميلة العالية، إلى أن تعلل وتمرض ولازمه المرض سنين، وتوفي يوم الثلاثاء ثامن عشرين المحرم وصلي عليه في الجامع الأزهر في مشهد عظيم، ودفن بجانب الخطيب الشربيني بتربة المجاورين وهي القرافة الكبرى رحمه الله تعالى وذلك في سنة ثمان وعشرين ومائتين وألف من هجرة من له الفضل والشرف.
الشيخ محمد الأسناوي الشهير بجاد المولى الأزهري
العالم المجيد والكامل المفيد، جاور بالأزهر وحضر دروس الشيوخ الأفاضل، ولازم الشيخ عبد الله الشرقاوي، فحضر دروسه ومجالس أذكاره، وتلقى عنه الطريقة الخلوتية، وألبسه التاج وتقدم في خطابة الجمعة والأعياد في الجامع الأزهر، بدلاً عن الشيخ عبد الرحمن البكري، عندما رفعوها عنه، وخطب بجامع عمرو بمصر العتيقة يوم الاستسقاء عند ما قصرت زيادة النيل سنة ثلاث وعشرين وتأخر في الزيادة عن أوانه، ولما حضر محمد باشا خسرو والي مصر وصلى صلاة الجمعة في الأزهر في سنة سبع عشرة، خلع عليه بعد الصلاة فروة سمور، فكان في كل جمعة يلبسها للخطبة فقط وفي الأعياد، وكان ملازماً على إقراء الدروس للطلبة، واشتهر ذكره ونما أمره في أقل زمن، وكان فصيحاً في التقرير والإلقاء لتفهيم الطلبة، ولم يزل على حالة حميدة في حسن السلوك والطريقة، إلى أن توفي في شهر ذي الحجة سنة تسع وعشرين ومائتين وألف وقد ناهز الأربعين رحمه الله تعالى.
стр. 1204
الشيخ محمد بن أحمد عرفة الدسوقي المالكي الأزهري
العلامة الأوحد والفهامة الأمجد، محقق عصره ومدقق دهره، الجامع لأشتات العلوم والمنفرد بتحقيق المنطوق والمفهوم، بقية الفصحاء ونخبة الفضلاء، والمتميز بالفضائل وجميل الشمائل.
ولد ببلدة دسوق من قرى مصر، وحضر إلى مصر وحفظ القرآن وجوده على الشيخ محمد المنير، ولازم حضور دروس الشيخ علي الصعيدي والشيخ الدردير، وتلقى الكثير من المعقولات عن الشيخ محمد الخفاجي ولازم الشيخ حسنا الجبرتي في مدة طويلة، وتلقى عنه بواسطة الشيخ محمد بن إسماعيل النفراوي علم الحكمة والهيئة والهندسة وفن التوقيت أيضاً، وحضر عليه أيضاً في فقه الحنفية، وفي المطول وغيره برواق الجبرت بالأزهر، وتصدر للإقراء والتدريس وإفادة الطلبة، وكان فريداً في تسهيل المعاني وتبيين المباني، يفك كل مشكل بواضح تقريره، ويفتح كل مغلق برائق تحريره، ودرسه مجمع أذكياء الطلاب والمهرة من ذوي الأفهام والألباب، مع لين جانب وديانة وتواضع وحسن خلق وصيانه، وجمال وتلطف وعدم تكلف، جارياً على سجيته الأصلية وطريقته الفطرية، لا يرتكب ما تكلفه غيره من التعاظم وفخامة الألفاظ في التكلم، ولهذا كثر الآخذون عليه والمترددون إليه، وله تأليفات واضحة العبارات، سهلة المأخذ كاشفة لغوامض الإشكالات.
فمن تآليفه حاشية على مختصر السعد على التلخيص، وحاشية على شرح الشيخ الدردير على سيدي خليل في فقه المالكية، وحاشية على شرح الجلال المحلي على البردة، وحاشية على الكبرى للإمام السنوسي، وحاشية على شرحه للصغرى، وحاشية على شرح الرسالة الوضعية. هذا ما عني بجمعه وكتابته وبقي مسودات لم يتيسر له جمعها ولم يزل على حالته
стр. 1205
في الإفادة والإفتاء والإلقاء، إلى أن مرض وتوفي يوم الأربعاء الحادي والعشرين من شهر بيع الثاني سنة ثلاثين ومائتين وألف، وصلي عليه في الأزهر في مشهد حافل أنور، ودفن في تربة المجاورين في المدفن الذي بداخل المحل الذي يسمى بالطاولية، وقام بمؤنة تكفينه وتجهيزه ومصاريف جنازته ومدفنه السيد محمد المحروقي، وكذلك مصاريف منزله في ثلاثة أيامه، وأرسل من قيده لذلك من أتباعه بإدارة المطبخ ولوازمه من الأغنام والسمن والأرز والعسل والحطب والفحم، وجميع ما يحتاجون إليه للمقرئين والمعزين وغير ذلك مما يحتاج إليه. وقد رثاه عمدة الأخيار الشيخ حسن العطار رحمه الله تعالى بقوله:
أحادث دهر قد ألم فأوجعا ... وحل بنادي جمعنا فتصدعا
لقد صال فينا البين أعظم صولة ... فلم يخل من وقع المصيبة موضعا
وجاءت خطوب الدهر تترى فكلما ... مضى حادث يعقبه آخر مسرعا
وحل بنا ما لم نكن في حسابه ... من الدهر ما أبكى العيون وأفزعا
خطوب زمان لو تمادى أقلها ... بشامخ رضوى أو ثبير تضعضعا
وأصبح شأن الناس ما بين عائد ... مريضاً وثان للحبيب مشيعا
لقد كان روض العيش بالأمن يانعاً ... فأضحى هشيماً ظله متقشعا
أيحسن أن لا يبذل الشخص مهجة ... ويبكي دماً إن أفنت العين أدمعا
وقد سار بالأحباب في حين غفلة ... سرير المنايا عاجلاً متسرعا
وفي كل يوم روعة بعد روعة ... فلله ما قاسى الفؤاد وروعا
عزاء بني الدنيا بفقد أئمة ... لكأس مرير الموت كل تجرعا
يميناً لقد جل المصاب بشيخنا ال ... دسوقي وعاد القلب بالهم مترعا
وسابت قلوب لا مفارق عندما ... تنكرت الأسماع صوت الذي نعا
فللناس عذر في البكاء وللأسى ... عليه وأما في السواء فتجزعا
وكيف وقد ماتت علوم بفقده ... لقد كان فيها جهبذياً سميذعا
стр. 1206
فمن بعده يجلو دجنة شبهة ... ويكشف عن ستر الدقائق مقنعا
وإن ذو اجتهاد قد تعثر فهمه ... فيا ليت شعري من يقول له لعا
يقرر في فن البيان بمنطق ... بديع معانيه يتوج مسمعا
وسار مسير الشمس غر علومه ... ففي كل أفق أشرقت فيه مطلعا
وأبقى بتأليفاته بيننا هدى ... بها يسلك الطلاب للحق مهيعا
وحل بتحريراته كل مشكل ... فلم يبق للإشكال في ذاك مطمعا
فأي كتاب لم يفك ختامه ... إذا ما سواه من تعاصيه ضيعا
ومن يبتغي تعداد حسن خصاله ... فليس ملوماً إن أطال وأشبعا
فللصدق عون للمقال فمن يقل ... أصاب مكان القول فيه موسعا
تواضع للطلاب فانتفعوا به ... على أنه بالحلم زاد ترفعا
وكان حليماً واسع الصدر ماجدا ... تقياً نقياً زاهداً متورعا
سعى في اكتساب الحمد طول حياته ... ولم نره في غير ذلك قد سعى
ولم تلهه الدنيا بزخرف صورة ... عن العلم كيما أن تغر وتخدعا
لقد صرف الأوقات في العلم والتقى ... فما أن لها يا صاح أمسى مضيعا
فقدناه لكن نفعه الدهر دائم ... وما مات من أبقى علوماً لمن وعى
فجوزي بالحسنى وتوج بالرضا ... وقوبل بالإكرام ممن له دعا
الشيخ محمد المهدي الحفني الأزهري
الأستاذ الفاضل الفريد والملاذ الكامل المجيد، الإمام العلامة والهمام الفهامة، والجهبذ الفقيه والسميدع النبيه، علامة عصره وفريد مصره، كان والده من الأقباط فأسلم قبل بلوغه على يد الشيخ الحفني، فحلت عليه أنظاره وأشرقت عليه أنواره، فحضنه الشيخ ورباه وزاد في وداده، وأنزله بمنزله مع خاصته وأولاده، ولما ترعرع اشتغل بطلب العلم وكان جيد الهمة حسن الفهم، فلازم دروس الشيخ وأخيه الشيخ وغيرهما من السادة الأعلام،
стр. 1207
كالشيخ العدوي والشيخ عطية الأجهوري والشيخ الدردير والبيلي والجمل والخرشي والشيخ عبد الرحمن المقري والشرقاوي وأمثالهم من القادة الفخام، واجتهد في التحصيل وجد في منهج التوصيل، ولازم مجالس الذكر بعد وفاة الشيخ الحفني خليفة الدردير المكين، وتصدر للتدريس سنة ألف ومائة وتسعين، ولما مات الشيخ محمد الهلباوي سنة اثنتين وتسعين جلس مكانه في الأزهر، وقرأ شرح الألفية لابن عقيل وغيره من العلم الأنور، ونما أمره واشتهر ذكره، وبعد صيته في الآفاق وطار قدره وفاق، ولم يزل أمره ينمو واسمه يسمو، مع حسن السمت ووجاهة الطلعة، وجمال الهيئة وبشاشة الوجه وطلاقة اللسان وسرعة الجواب، واستحضار الصواب في ترداد الخطاب، ومسايرة الأصحاب، وصاهر الشيخ محمد الحريري على ابنته، وأقبلت عليه الدنيا وتداخل في الأكابر ونال منهم حظاً وافراً بحسن معاشرته، وعذوبة ألفاظه وتنميق كلماته، ومعاملة كل إنسان بما يليق به.
ولما وقع الطاعون في مصر سنة خمس ومائتين وألف خصه إسماعيل بك كتخدا حسن باشا الجزائرلي بما أحبه مما انحل عن الموتى من إقطاعات ورزق وغيرهما، فزادت ثروته وتمن شهرته، ولما حضرت الفرنساوية إلى مصر واستولت عليها خافتهم الناس وهرب كثير من العلماء والأعيان، فكان للمترجم عندهم قدر عظيم وجاه جسيم، فلا تهان جماعته ولا ترد شفاعته، ولا زالت تعلو شهرته في مصر حتى صار يلقب عند الأجانب وعند الأهالي بكاتم السر، وجعلوه رئيس الديوان، إذا حكم قابله الجميع بالرضى والأذعان، وكان يخدمه كبراء الناس وعظماؤهم، ويلتجئ إليه أعيانهم وعلماؤهم، وكان يؤمن من أراد ويرده إلى الوطن والبلاد، فلا يعارضه أحد ولا يصل إلى من احتمى به هم ولا نكد، فحسن صنعه وعم نفعه.
ولما انتقل الحكم إلى العثمانيين، بقي على حاله وقدره المكين، ولما كان آخر المحرم سنة ثلاثين ومائتين وألف توعك المترجم أياماً، ثم عوفي
стр. 1208
وذهب إلى الحمام وهنأه الناس بالعافية، وذهب إلى جيرانه يتحدث عندهم كعادته، فخرج ليلة الجمعة الثاني من شهر صفر ودخل عند عثمان بن سلامة السناري، فتحدث عندهم حصة من الليل، ثم قام ذاهباً إلى داره ماشياً على أقدامه حتى وصل إلى داره ومضى نحو ساعة، وقد جامع زوجته واضطجع فحركوه فإذا هو ميت فجهزوه وصلي عليه في الأزهر ودفن عند الشيخ الحفني بجانب قبره، فسبحان الحي الذي لا يموت، وكان عمره نحواً من خمس وسبعين سنة.
وحاصل أمر المرحوم المترجم أنه كان من فحول العلماء يدرس الكتب الصعاب في المعقول والمنقول، بالتحقيق والتدقيق، وانتفع عليه الكثير من الطلبة إلى أن صاروا مدرسين مميزين على أقرانهم من أهل العصر، ولو أنه استمر على طريقة أهل العلم السابقين وبعض اللاحقين، ولم يشتغل بالانهماك على الدنيا وكثرة المداخلة مع الأكابر وذوي الحكومة، لكان نادرة عصره ونقطة مدار مصره، ولكن ذلك أداه إلى قطع الاشتغال، حتى أنه إذا ابتدأ كتاباً كان في الغالب لا يتمه، ولا ألف كتاباً ولا رسالة في فن من الفنون مع كمال أهليته لذلك. ثبت الله قلوبنا على التقوى وحفظنا من كل تقصير في السر والنجوى، وعصمنا والمسلمين مما يضر ويشين.
الشيخ محمد بن محمد بن عبد القادر بن عبد العزيز المالكي الأزهري الشهير بالأمير الكبير
العالم العلامة الفاضل الفهامة، صاحب التحقيقات الرائقة والتأليفات الفائقة، شيخ شيوخ أهل العلم وصدر صدور أهل الفهم، المتفنن في العلوم كلها، نقليها وعقليها وأدبيها. إليه انتهت الرياسة في العلوم بالديار
стр. 1209
المصرية، وباهت مصر ما سواها بتحقيقاته البهية. استنبط الفروع من الأصول، واستخرج نفائس الدرر من بحور المعقول والمنقول، وأودع الطروس فوائد وقلدها عوائد وقرائد.
وشهرته بالأمير إنما جاءته من جده الأدنى أحمد، وسببه أن أحمد وأباه عبد القادر كان لهما أمرة بالصعيد، وأخبر المترجم عن نفسه أن أصلهم من المغرب، نزلوا بمصر عند سيدي عبد الوهاب أبي التخصيص كما أخبر عن ذلك وثائق لهم. ثم التزموا بحصنه بناحية سنبو وارتحلوا إليها، وقطنوا بها وبها ولد المترجم. وكان مولده في شهر ذي الحجة سنة أربع وخمسين ومائة وألف بإخبار والديه، وارتحل معهما إلى مصر وهو ابن تسع سنين وكان قد ختم القرآن فجوده على الشيخ المنير على طريقة الشاطبية والدرة، وحبب إليه طلب العلم، فأول ما حفظ متن الآجرومية وسمع سائر الصحيح والشفاء على سيدي علي بن العربي السقاط، وحضر دروس أعيان عصره، واجتهد في التحصيل، ولازم دروس الشيخ الصعيدي في الفقه وغيره من كتب المعقول، وحضر على السيد البليدي شرح السعد على عقائد النسفي، والأربعين النووية، واستمع الموطأ على هلال المغرب وعالمه الشيخ محمد التاودي بن سودة بالجامع الأزهر سنة وروده بقصد الحج، ولازم المرحوم حسنا الجبرتي سنين، وتلقى عنه الفقه الحنفي وغير ذلك من الفنون كالهيئة والهندسة والفلكيات والأوفاق والحكمة، بواسطة تلميذه الشيخ محمد بن إسماعيل النفراوي المالكي، وكتب له إجازة مثبتة في برنامج شيوخه، وحضر الشيخ يوسف الحفني في آداب البحث وبانت سعاد، وعلى الشيخ محمد الحفني أخيه مجالس من الجامع الصغير والشمائل والنجم الغيطي في المولد، وعلى الشيخ أحمد الجوهري في شرح الجوهرة للشيخ عبد السلام، وسمع منه المسلسل بالأولية، وتلقى عنه طريق الشاذلية من سلسلة مولاي عبد الله الشريف، وشملته إجازة الشيخ الملوي، وتلقى
стр. 1210
عنه مسائل في أواخر أيام انقطاعه بالمنزل، ومهر وأنجب وتصدر لإلقاء الدروس في حياة شيوخه، ونما أمره واشتهر فضله، خصوصاً بعد موت أشياخه، وشاع ذكره في الآفاق وخصوصاً بلاد المغرب، وتأتيه الصلات من سلطان المغرب وتلك النواحي في كل عام، ووفد عليه الطالبون للأخذ عنه والتلقي منه، وتوجه في بعض المقتضيات إلى دار السلطنة، وألقى هناك دروساً حضره فيها علماؤهم، وشهدوا بفضله واستجازوه فأجازهم بما هو مجاز به من أشياخه.
وصنف عدة مؤلفات اشتهرت بأيدي الطلبة وهي في غاية التحرير، منها مصنف في فقه مذهبه سماه المجموع حاذى به مختصر خليل، جمع فيه الراجح في المذهب وشرحه شرحاً نفيساً، وقد صار كل منهما مقبولاً في أيام شيخه العدوي، حتى كان إذا توقف شيخه في موضع يقول هاتوا مختصر الأمير، وهي منقبة شريفة، وشرح مختصر خليل، وحاشية على المغني لابن هشام، وحاشية على الشيخ عبد الباقي على المختصر، وحاشية على الشيخ عبد السلام على الجوهرة، وحاشية على شرح الشذور لابن هشام، وحاشية على الأزهرية، وحاشية على الشنشوري على الرحيبة في الفرائض، وحواش على المعراج، وحاشية على شرح الملوي على السمرقندية، ومؤلف سماه النيرين فيما يتعلق بالقدرتين، وإتحاف الإنس في الفرق بين اسم الجنس وعلم الجنس، ورفع التلبيس عما يسأل به ابن خميس، وثمر الثمام في شرح آداب الفهم والإفهام، وحاشية على المجموع، وتفسير سورة القدر. ومن نظمه قوله متغزلاً:
أيها السيد المدلل ضاعت ... في الهوى ضيعتي وأنسيت نسكي
يا لك الله لا تمل لسوائي ... وتحكم ولو بما فيه فتكي
وانظر الحق في علو غناه ... كل شيء يمحوه غير الشرك
стр. 1211
يا حسن لون الشمس عند غروبها ... في روض أنس نزهة للأنفس
فكأنه وكأنه في ناظري ... ذهب يجول على بساط سندس
وله أيضاً
تخيلت أن الشمس والبحر تحتها ... وقد بسطت منها عليه بوارق
مليح أتى المرآة ينظر وجهه ... ففي وجهها من وجهه الضوء دافق
وله أيضاً:
يا مالك القلب من بين الملاح وإن ... توهم الغير أن القلب مشترك
إني أغار على حظي لديك فغر ... أيضاً على قلب صب فيك مرتبك
وقل لهم ينتهوا عما تسوله ... نفوس سومهم طرق الردى سلكوا
توهموا أنهم حلوا وقد ملكوا ... ويعلم الله ما حلوا وما ملكوا
يا سيد الكل يا قطب الجمال ومن ... في دولة الحسن يروى أنه الملك
ما كان قلبي يهوى الغير يا أملي ... فابعث رميمي إذ أهل الهوى هلكوا
واسقط البين وارفع حجب شأنك لي ... ليشتفى خاطر الفكر يعترك
بلطف ذاتك لا تقطع رجاء فتى ... على عيوب له بالعهد يمتسك
وله أيضاً
دع الدنيا فليس بها سرور ... يتم ولا من الأحزان تسلم
ونفرض أنه قد تم فرضاً ... فغم زواله أمر محتم
فكن فيها غريباً ثم عبي ... إلى دار البقا ما فيه تغنم
وإن لا بد من لهو فلهو ... لشيء نافع والله أعلم
وله غير ذلك من النظم المليح والذوق الصحيح، واللسان الفصيح، وكان ﵀ رقيق القلب لطيف المزاج، ينزعج طبعه من غير انزعاج، يكاد الوهم يؤلمه وسماع المنفر يوهنه ويسقمه. ولا زال تضعف قواه وتتراخى أعضاه وتزيد شكواه، ويتراخى ويتعلل ويزداد أنينه ومرضه ويتحمل،
стр. 1212
وداعي المنون يدعوه ولا يدعه ويرفعه على كاهل الرحيل ولا يضعه. إلى أن توفي يوم الاثنين عاشر ذي القعدة الحرام سنة اثنتين وثلاثين ومائتين وألف من هجرة سيد الأنام، وكان له مشهد قد انتهى فيه الاجتماع والازدحام، ودفن في الصحراء بجوار مدفن الشيخ عبد الوهاب العفيفي بالقرب من عمارة السلطان قايتباي وكثر عليه الأسف ولم يكن مثله فيمن خلف.
الشيخ محمد الشنواني الأزهري الشافعي
حبر العلماء الأعلام وبحر الفضلاء الفخام، شيخ الإسلام وعمدة الأنام، الفقيه العلامة والنحرير الفهامة، شيخ الجامع الأزهر والمكان الأبهى الأنور، النحوي الأصولي الفقيه والمحدث المفسر النبيه، حضر الأشياخ الأوائل والسادة الأفاضل، كالشيخ فارس وكالصعيدي والدردير والقرماوي، وتفقه على الشيخ عيسى البراوي، ولازم دروسه وبه تخرج، وأقرأ الدروس وأفاد الطلبة بالجامع المعروف بالفاكهاني، مهذب النفس كثير التواضع والانكسار والبشاشة لكل أحد من الناس، ويشمر ثيابه ويخدم بنفسه ويكنس الجامع ويسرج القناديل.
ولما توفي الشيخ عبد الله الشرقاوي اختاروه للمشيخة فامتنع وهرب إلى مصر العتيقة، فأحضروه قهراً عنه وولوه المشيخة. ولم يزل ملازماً لجامع الفاكهاني كعادته وأقبلت عليه الدنيا فلم يتهن بها. واعترته الأمراض ولازمه داء الزحير أشهراً، ثم عوفي ثم لازمته الحمى وانقطع بها في داره، إلى أن توفي يوم الأربعاء رابع عشرين محرم الحرام سنة
стр. 1213
ألف ومائتين وثلاث وثلاثين، وصلى عليه في الأزهر في مشهد عظيم، ودفن في تربة المجاورين.
وله عدة تآليف منها حاشية جليلة على شرح الشيخ عبد السلام على الجوهرة وتقلد مشيخة الأزهر بعده الشيخ محمد بن الشيخ أحمد العروسي من غير معارض ولا منازع.
الشيخ محمد بن أحمد بن محمد المعروف بالدواخلي الأزهري الشافعي
العمدة الكامل والعالم العامل. ولد بمصر وتربى في حجر أبيه وحفظ القرآن واجتهد في طلب العلم، وحضر الأشياخ من أهل وقته كالشيخ محمد عرفة الدسوقي والشيخ مصطفى الصاوي والشيخ عبد الله الشرقاوي. وبرع في المعقول والمنقول، وأقرأ الدروس من سائر الفنون، وتداخل في قضايا الدعاوى بين الناس، واشتهر ذكره وعلا قدره، وكان له لدنياه والمال والجاه ميل كثير، ولا يقنع بالكثير فضلاً عن اليسير، وتقلد النقابة بعد موت الشيخ محمد بن وفا، وركب الخيول ولبس التاج الكبير، ومشى أمامه الخدم والمقدمون، وازدحم بيته بأرباب الدعاوى والتشكيات، وعمر داره وأنشأ تجاهها جامعاً عظيماً، وداخله الغرور، وظن أن الدهر يديم له المسرة والحبور.
فأول ما ابتدأه الدهر من نكباته أن مات ولده أحمد، وقد ناهز البلوغ ولم يكن له من الذكور غيره، فاختل نظام معاشه ولازمه الكدر ودفنه في جامعه الذي بناه تجاه بيته، وبنى عليه بناء ومقصورة مثل المقامات التي تقصد للزيارة، ثم إنه التفت إلى مناصبه، ورجع إلى سلوك مذاهبه، وخالط الوزراء وتداخل مع الكبراء، إلى أن صار من أعيان
стр. 1214
الرؤوس ورؤوس الأعيان، يشار إليه، ويعتمد في جليل الأمور عليه، ويفصل القضايا والخصومة، ولا يعارضه الباشا ولا غيره من ذوي الحكومة. وتطاول على رؤوس الكتبة الأقباط. وسلك في غروره جهة الإفراط، إلى أن ضاق صدر الولي منه وأعرض بالكلية عنه، وأمر بنفيه إلى دسوق. وذلك سنة إحدى وثلاثين فأقام بها أشهراً، ثم توجه بشفاعة السيد المحروقي إلى المحلة الكبرى، فلم يزل بها منحرف المزاج مستعملاً للعلاج، مع كونه يراجع السيد المحروقي في أن يشفع له عند الباشا في الإذن بالحج أو بالعود إلى مصر، فلم يؤذن له، ولم يزل في المحلة إلى أن توفي في منتصف شهر ربيع الأول سنة ثلاث وثلاثين ومائتين وألف، رحمه الله تعالى وعفا عنا وعنه بمنه وكرمه.
الشيخ محمد سعيد بن إبراهيم الحموي
العلامة الفاضل والجهبذ الكامل، وله في حماة سنة ألف ومائة وخمس وخمسين، وبعد بلوغه أكب على طلب العلم الشريف ذي المقام السامي المنيف، إلى أن حصل منه مطلوبه واقتطف من ثمراته مرغوبه، وقد أخذ عن سادات أكابر وقادات على مثلهم تجتنى المفاخر، منهم الشيخ حسن الحموي بن كديمة والشيخ منصور الحلبي الخلوتي وأبو الطيب المغربي المدني والشيخ صالح الجينيني والشيخ عبد الرحمن العيدروسي والشيخ أحمد الملوي والشيخ محمد الحفني والشيخ أحمد الجوهري والشيخ عمر الزاهد الدمياطي والشيخ حسن الرشيدي والشيخ عبد الله الحواط الحموي والشيخ فرج الحموي والشيخ يوسف الفقيه والشيخ عمر الكردي وعلي أفندي الداغستاني والشيخ محمد التافلاتي المغربي وغيرهم.
стр. 1215
وأخذ عنه غب أن توطن دمشق الشام سيدي من لنا إليه شريف القرابة، السيد محمد عابدين، وأجازه بما تجوز له روايته عن مشايخه المرقومين وغيرهم. ولا زال على إفادته واستفادته وتقواه وطاعته، إلى أن توفي خامس عشر ذي الحجة الحرام، سنة ألف ومائتين وست وثلاثين رحمه الله تعالى.
الشيخ محمد بن محمد الجديني الشافعي خطيب قرية كفرسوسيا
فقيه زاهد وفقير صابر عابد، ذو تقوى وصلاح وسكينة ونجاح، نشأ في العلم والطلب ولم ينظر في تحصيل الدنيا إلى سبب، قرأ على كثير من العلماء والسادة الفضلاء، لكنه لازم شيخنا العلامة الفاضل والجهبذ الكامل، الشيخ محمد بن مصطفى الطنطاوي، فانتفع به كثيراً إلى أن صار حقيقاً بالعلم وجديراً، وحينما فصل الشيخ سعيد الخالدي من خطابة القرية المرقومة تولى خطابتها المترجم، فترقى على سلفه وتقدم، وكان كثير التردد إلي ويعتمد في بعض أموره المهمة علي، وقرأ عندي رسائل الربع المقنطر والمجيب إلى أن صار به كما رام وأحب، وكان فقير الحال ظاهر اللطف والجمال، جميل العشرة نظيف القشرة. ولم يزل على منهاجه القويم إلى أن خطبته المنية إلى جوار الكريم، فتوفي ليلة الجمعة ثاني وعشرين من ذي القعدة الحرام سنة ألف وثلاثمائة وأربع. وفي ليلة الجمعة صلى العشاء بالجماعة بغاية الاعتدال، فتوعك في الليل قليلاً ومات في الحال، رحمه الله تعالى.
الشيخ محمد بن مصطفى بن محمد الأنطاكي الحنفي السمرجي
العالم العامل، الفقيه الورع المتدين، الفاضل الكامل الزاهد العابد المتفنن، ولد سنة سبع وعشرين ومائة وألف، قرأ على المحقق الشيخ حسن
стр. 1216
الأنطاكي، وأبي عبد الله محمودة بن محمد الأنطاكي ولازمه كثيراً وسمع عليه الحديث وغيره وأخذ عنه وانتفع به، وأجازه هو وغيره من أهل العصر، بخطوطهم، وفاق وتنبل وحصل الفضل الذي لا يجحد، وبرع في الفقه والأصول والفروع، ولازم العلماء واستفاد، ثم درس وأقرأ وأفاد، وكتب مسائل الفتوى وراجعته الناس، وأقبلت عليه العلماء والمفتون، وعليه قرأ جماعة من ذوي الطلب، وكان كثير الفضل والديانة، والزهادة والعبادة والتقوى وحسن السلوك، وجمال اللطف والمعاشرة، توفي سنة ألف ومائتين وبضع سنين رحمه الله تعالى.
الشيخ محمد بن عثمان بن محمد بن عثمان الحلبي الحنفي الشماع
فرد زمانه وعالم عصره وأوانه، زبدة الأفاضل وخزانة الفضائل، الفقيه الفرضي البياني، والأصولي المنطقي المعاني للمعاني، والمحدث الخبير والناقد الشهير.
ولد بحلب سنة أربع ومائة وألف، وقرأ غالب الفنون على البرهان إبراهيم بن مصطفى الحلبي المداري، وأبي عبد الله جابر بن عودة الحوراني الشافعي، وأبي المحاسن بن حسين الدمشقي الحسيني المفتي، وأبي عبد الله محمد بن الحسن بن همات الدمشقي الحنفي وأبي عبد الله محمد بن إبراهيم الطرابلوسي ثم الحلبي وتفقه عليه، وتخرج في المسائل الشرعية والعقلية، وقرأ على غيرهم من الأجلاء، وروى بالسند العالي عن المعمر المسند الكبير زين الدين بن عبد اللطيف الشعيفي الجلوصي كاتب الفتوى الحنفي المتوفى سنة سبع وعشرين ومائة وألف، وكتب مسائل الفتوى وراجعه المستفتون واعتمدوه واعتبره العلماء المفتون. ولم يزل محترم القدر مرفوع الرتبة مشهور الذكر، علي المقام سني الاحترام، حسن الإفادة وافر العبادة صادق الزاهدة، لا يشغله هواه عن الإقبال على مولاه، إلى أن توفي سنة ومائتين وأربع رحمه الله تعالى ونفعنا به.
стр. 1217
الشيخ محمد بن حجازي بن محمد الحلبي الشافعي
العالم الفاضل المتقن والعامل الجهبذ المتفنن، النظار الأصولي الفقيه، والنحوي الصرفي الجدلي النبيه.
ولد سنة إحدى وأربعين ومائة وألف، واشتغل بالأخذ والقراءة، فقرأء على أبي الثناء محمود بن شعبان البزستاني الحنفي، وأبي عبد الله محمد بن كمال الدين الكبيسي، ولازم تاج الدين محمد بن طه العقاد وبه تخرج في أكثر العلوم، وسمع منه أكثر صحيح البخاري وشيئاً من صحيح مسلم وغيرهما من كتب الحديث، وأخذ عنه القراءات من طريق الشاطبية وانتفع به، وأخذها أيضاَ عن أبي عبد اللطيف محمد بن مصطفى البصري شيخ القراء بحلب، وأبي محمد عبد الرحمن بن إبراهيم المصري، وقرأ على أبي السعادات طه بن الجبريني شيئاً من أصول الحديث وشيئاً من صحيح البخاري، وحضره في دروسه الفقهيه، وقرأ المنطق وأخذه عن الشهاب أحمد بن إبراهيم الكردي الشافعي مدرس الأحمدية بحلب، وقرأ مختصر في المعاني والبيان على أبي الحسن علي بن إبراهيم العطار وألفية الأصول للسيوطي، وشرح السيراجية، وقرأ على أبي محمد عبد القادر الديري المنهاج بطرفيه، وشرح المنهج للقاضي زكريا الأنصاري وقرأ الكثير على الأجلاء وسمع منهم وأتقن وفضل ومهر ونبل، ودرس وأفاد، وأقرأ جماعة كثيرين وأخذوا عنه وما منهم إلا من انتفع به واستفاد، وكان من العلماء المشهورين والفضلاء المذكورين، وكان يحترف ويأكل من شغله، ولا يقبل من أحد إلا ما دعت الضرورة إليه، يغلب على حاله الزهد والعفاف والرضى برزق الكفاف. وكان قليل الإختلاط بغيره لا يألف إلا ما يفوز منه بخيره، كثير العبادة والتقوى شديد الإقبال على عالم السر والنجوى، دائم التفكر بالله لا يشغله عنه سواه.
стр. 1218
مات بعد سنة خمس ومائتين وألف.
الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن فتيان بن محمد بن فتيان بن عثمان الحلبي الشافعي العقيلي
الخلوتي العالم الفقيه الفاضل والألمعي اللوذعي الكامل، والعامل الهمام والجهبذ الإمام.
ولد سنة سبع وأربعين ومائة وألف وقرأ القرآن العظيم وحفظه على شيخ القراء الشمس محمد بن مصطفى البصيري الحلبي، وعلى والده عبد اللطيف المقري، والشهاب أحمد البصراوي وغيرهم. وتفقه على أبي محمد عبد الهادي المصري، وعلى الشيخ أبي عبد الوهاب بن أحمد المصري وقرأ عليه التحرير والشربيني، وقرأ المنهاج والمنهج وغيره من كتب المذهب على أبي محمد عبد القادر بن عبد الكريم الديري. ولما قدم حلب أبو عبد الله محمد بن محمد الطيب الفلسي المغربي وعقد مجلس الإقراء والتحديث، سمع منه الصحيح للإمام البخاري وأجاز له، وسمع الشمائل على أبي محمد عبد الكريم بن أحمد الشراباتي وأجاز له أيضاً، وسمع أيضاً على أبي اليمن محمد بن طه العقاد وغيره. وقرأ في العربية على أبي العدل قاسم بن علي التونسي المالكي وعلى أبي عبد الرحمن محمد بن أحمد المكتبي وأخذ عنه بعض الطرائق، وقرأ في الفرائض على أبي الفضيل عثمان بن عبد الرحمن العقيلي
стр. 1219
الحلبي، وأجاز له غالب شيوخه بالإجازة العامة، وأخذ الطريقة الخلوتية عن أبي الفتوح محمد كمال الدين بن مصطفى البكري الصديقي، والرفاعية عن قريبه الشهاب أحمد بن محلول الزنار والطريقة العقيلية عن أقاربه عن أسلافهم، وتفوق وفضل وتفقه ونبل، ودرس في جامع التوبة خارج باب النيرب، وأقام الذكر والتوحيد في مقام ولي الله تعالى جاكير، وكان بحلب من المشايخ المعروفين بالفضل والصلاح، وكان من جملة من أخذ عن المترجم وانتفع به وبعلومه مفتي دمشق الشام محمد خليل أفندي المرادي، وأجازه بما تجوز له روايته عن مشايخه، وذلك سنة خمس ومائتين وألف حين كان في حلب. وما زال المترجم على حالة صالحة واستقامة راجحة، إلى أن دعاه داعي المنون إلى دار من أمره بين الكاف والنون، وذلك سنة ألف ومائتين.
الشيخ محمد بن عبد الكريم بن أحمد بن محمد علوان
بن عبد الله الحلبي الشافعي الشهير كأسلافه بالشراباتي مفتي الشافعية بحلب.
العالم المحدث الفقيه البركة الورع الصالح أحد الفقهاء المشهورين من المتأخرين.
مولده سنة إحدى وثلاثين ومائة وألف، واشتغل بالقراءة والتلقي والسماع والاستفادة فقرأ على والده وعلى أبي السعادات طه بن مهنا بن يوسف
стр. 1220
الجبريني وغيرهم، وسمع صحيح البخاري على أبي عبد الله محمد بن صالح بن رجب المواهبي، وأخذ عن محمد بن محمد الطيب المغربي الفاسي المالكي عند قدومه إلى حلب وسمع منه، ومن أبي عبد الله محمد بن محمد التافلاتي المغربي، وأجاز له الأستاذ أبو الإرشاد مصطفى بن كمال الدين البكري الصديقي الدمشقي، وجمال الدين محمد بن أحمد عقيلة المكي وأبو البركات عبد الله بن الحسين السويدي البغدادي عند دخولهم حلب، وسمع منهم حديث الرحمة وأجازوه مع أخيه مصطفى، وسمع الكثير منهم، وحصل الفضل الذي لا ينكر ودرس وأقرأ الفقه والحديث وغالب الفنون.
وكان يستقيم بجامع عبيس بساحة بزة وأفتى مدة سنين، وصار رئيس الشافعية بحلب، وتردد إليه الناس للاستفتاء، وكان متواضعاً صالحاً وعالماً فاضلاً، لين الجانب حسن المناقب، جميل المعاشرة حسن المحاضرة. توفي رحمه الله تعالى يوم السبت خامس عشر شوال سنة ثلاث ومائتين وألف.
الشيخ محمد بن محمد الأريحاوي الحلبي الشافعي
العالم المحقق العامل الإمام المدقق الكامل. مولده بأريحا سنة تسع وثلاثين ومائة وألف، وقرأ بها بعض المقدمات، وارتحل إلى مصر وأقام بها ولازم الشيوخ، وقرأ على الكثير معظم الفنون، واشتغل بالأخذ والتلقي والسماع والتحصيل، وأخذ عن كثير، منهم النجم الحفناوي، والشهاب أحمد بن عبد الفتاح الملوي، وأبو علي الحسن بن أحمد المدابغي، وأبو مهدي عيسى البراوي وغيرهم، ودأب واجتهد حتى أتقن وفضل ومهر،
стр. 1221
وأذن له شيوخه بالإفتاء والتدريس، وأجازوا له، ثم عاد إلى حلب بفضل وافر، وأقام بها ينشر الفضائل ويفيد الأفاضل، وتصدر للإفادة والإقراء، ولازمه جماعة كثيرون وانتفعوا به، ثم ضرب عن ذلك صفحاً ورام ما هو أعظم ربحاً، واعتزل الناس واشتغل بالعبادة والسكون، وانزوى في داره مع الورع والزهد التام، واعتقده الناس وأقبلوا عليه، وكانت فضائله مشهورة وأحواله مذكورة. ولم يزل على حالته الحسنة حتى مات في صفر سنة أربع ومائتين وألف ودفن بتربة الشيخ أبي نمير خارج باب قنسرين.
الشيخ محمد مكي بن موسى بن عبد الكريم الحلبي الحنفي
العالم الفقيه الأصولي المقري الضابط الصالح أبو الإتقان، أحد القراء والحفاظ المشهورين، والفضلاء البارعين بحلب.
مولده بها سنة خمس وأربعين ومائة وألف، وكان جده من دمشق وارتحل إلى حلب، ومات بها قرأ القرآن العظيم وهو ابن ثمان عشرة سنة، وحفظه على الأجلاء من القراء، كالشمس البصري ومحمد بن عمر الشاهين وعبد الغني المقري بمحلة الجديدة وعلي المصري وأتقن الحفظ وضبطه، وحفظ الشاطبية وقرأ السبعة من طريقها على الشمس البصري شيخ القراء المذكور، وشرع بالأخذ والاشتغال بالعلوم، فقرأ الفقه والأصول والعقائد والمنطق والنحو والصرف والمعاني والبيان وغالب الفنون على جماعة، وأسمع الحديث على جمع، منهم أبو عبد القادر محمد بن صالح بن رجب المواهبي، قرأ عليه الدرر وشرح النخبة في أصول الحديث والتوضيح لابن هشام وشرح الألفية للأشموني والشفاء للقاضي عياض، وعلى والده عماد الدين إسماعيل أكثر من نصف الهداية، وشرح الجوهرة في التوحيد، وسمع عليه
стр. 1222
صحيح البخاري، ومنهم قاسم بن محمد النجار قرأ عليه عدة كتب فقهية، وأبو الحسن علي بن إبراهيم العطار قرأ عليه الدر المختار للحصكفي والقدوري، وطالع عليه كتباً كثيرة كالبحر والذخيرة وشرح الكنز لابن سلطان والبدايع، وقرأ عليه النصف الأول من الهداية أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الطرابلسي، وأخذ الأصول عن محمد حاجي بن علي الكليسي مفتي الحنفية بحلب، وقرأ على أبي محمد يوسف بن أحمد الجابري وعلى أبي الثناء محمود بن سفيان البرستاني وأبي محمد عبد الرحمن بن مصطفى البكفالوني والشيخ رضي الدين بن عثمان الشماع.
ودخل دمشق وسكن المدرسة المرادية في جوار الجامع الأموي، ولازم زين الدين مصطفى بن محمد بن رحمة الله الأيوبي الدمشقي، وحفظ عليه نصف الكنز، ثم لما عاد إلى حلب أتم حفظه على شيخه محمد المواهبي، وأجاز له غالب شيوخه بالإجازة العامة، وكتبوا له خطوطهم، وتفوق وضبط القراءة بوجوهها وحفظها وتلا ورتل القرآن العظيم أحسن ترتيل، وكان من القراء الموصوفين بالتقوى والديانة والفضل. واجتمع بالسيد خليل أفندي المرادي سنة خمس ومائتين وألف، وأخذ كل عن الآخر وأجاز كل الآخر بالإجازة العامة، ولم يزل على حالة صالحة وعبادة راجحة، إلى أن توفي سنة ألف ومائتين ونيف.
الشيخ محمد بن عمر بن شاهين الحلبي الحنفي الرفاعي الشاذلي
شهاب الدين أبو الفضل، الصوفي الزاهد الورع، العالم الفاضل المقرئ، أحد الأجلاء من القراء والمشايخ النبلاء.
مولده سنة ست وثلاثين ومائة وألف، وقرأ القرآن العظيم وحفظه
стр. 1223
على أخيه عبد القادر، ثم جمع على أبيه وعلى الشمس البصيري بالروايات السبع وقرأ القراءات وأتقن وضبط، وقرأ الحديث والفقه على أبي محمد عبد الوهاب بن أحمد المصري الأزهري نزيل حلب، وأخذ عنه الطريقة الشاذلية، وتخلف بعده. وقرأ على أبي السعادات طه بن محمد الجبريني وأبي محمد عبد الرحمن بن مصطفى البكفالوني وغيرهم، وأخذ الطريقة الرفاعية عن خير الله بن أبي بكر بن الصياد الرفاعي، والطريقة القادرية عن أبي علي عمر بن ياسين بن عبد الرزاق الكيلاني الحموي، والطريقة الخلوتية عن أبي محمد عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد البخشي. وأجازه الجميع وكتبوا له خطوطهم، وخلفوه وأذنوا له بالإرشاد، ولازم الطريقة الشاذلية بعد شيخه عبد الوهاب المذكور، وأقام الأذكار والتوحيد، واختلى كعادتهم، وأقرأ القرآن العظيم بالروايات، وأخذ عنه القراآت وبقية الفنون أناس كثيرون وانتفعوا به، وأخذ عنه الطريق جمع كثير. وبالجملة فقد كان من خيار الناس وعلمائهم وفضلائهم، توفي رحمه الله تعالى سنة ألف ومائتين ونيف.
السيد محمد بن عبد الله الخالدي المالكي الجزائري
العالم الأستاذ والعمدة الملاذ، ترجمه ولده الفاضل الشيخ محمد، وقد نقلت من خطه بأنه يتصل نسب المترجم بسيدنا الحسن سبط رسول الله ﷺ ، وأنه ولد عام ألف ومائتين وثمانية عشر في جبل هلالة من جزائر المغرب، ونشأ بها وقرأ القرآن على والده، وكان رحمه الله تعالى عالماً عاملاً، تقياً فاضلاً، فلما حفظ القرآن وأتقنه مجوداً أبدع إتقان، توجه إلى بلدة مازونة سنة ألف ومائتين وخمس وأربعين واشتغل بالعلوم الشرعية، وحفظ
стр. 1224
متن الشيخ خليل في مذهب الإمام مالك وقرأ بعض شروحه، وبعدها توجه إلى قسنطينة سنة ألف ومائتين واثنتين وأربعين، وهي بلدة عظيمة بينها وبين مدينة الجزائر نحو خمس مراحل لطلب العلوم التي ترام، والأخذ عن علمائها الأعلام، وفي سنة ألف ومائتين وست وأربعين رجع إلى الوطن، واشتغل بنشر العلوم وفصل القضايا بين الناس، كما كان ذلك دأب والده قدس الله سره.
وفي سنة اثنتين وخمسين توجه إلى أداء فريضة الحج الشريف، وجاور في المدينة المنورة سنتين، ثم قدم إلى مصر القاهرة للمجاورة في جامعها الأزهر، فأخذ عن أكابر علمائها المحققين كشيخ الإسلام العلامة الشيخ إبراهيم الباجوري والشيخ محمد عليش المالكي والشيخ السقا والشيخ المبلط وغيرهم، وأجازه كل منهم بما حواه ثبت الشيخ محمد الأمير أو صحت له روايته عن غيره إجازة عامة، وفي عام ثمانية وستين قصد دمشق الشام وجعلها له دار مقام، وعكف على التدريس في مدرسة دار الحديث، في المنقول والمعقول، وتصدر للإفتاء، وفصل القضايا بين المهاجرين من المغاربة بأمر سيدنا المرحوم الأمير السيد عبد القادر الحسني، وكان من قبل قد أخذ الطريق الخلوتية، وصاحب جملة من أهل الله تعالى منهم المرحوم سيدي علي بن عيسى البكري الخلوتي في بلاد الغرب، ولما توجه إلى مكة المشرفة تلقن الطريقة السنوسية الإدريسية على سيدي الشيخ محمد السنوسي، وفي الديار الشامية لازم سيدي الشيخ محمد المبارك البكري الخلوتي، حتى توفي قدس الله سره العزيز، ثم اشتغل بالطريقة الشاذلية وصحب بعض أهلها كالأمير السيد عبد القادر الجزائري، ولم يصده الاشتغال بالعلم الظاهر عن المجاهدة في علم الله تعالى، وكان لي معه حضور واجتماع، ومذاكرة وملاطفة وعشرة قوية، ومحبة كثيرة وتودد غزير، وكان عابداً صالحاً تقياً فالحاً، مكباً على العلم والعمل، وكان مقيماً في مدرسة دار الحديث في العصرونية من
стр. 1225
دمشق المحمية، في الصف الشرقي من الطبقة السفلى، وكان كثير العزلة عن الناس مقيماً على المجاهدة والإقبال على ما يعنيه، إلى أن خطبته المنية لدار نوال الأمنية، في أواخر جمادى الثانية سنة ألف ومائتين وثلاث وثمانين في دمشق ودفن بها.
الشيخ محمد بن المرحوم الشيخ حسن القبرستاني الشافعي
مولده في قبر الست سنة ألف ومائتين وعشرين، والنسبة إليها قبرستاني على غير قياس، وأصل اسمها قبل دفن الست بها راوية، وهي قرية من جهة الشرق إلى القبلة من الشام، بينها وبين الشام نحو ثلاثة أميال، وقد دفن في هذه القرية السيدة زينب أم كلثوم بنت الإمام علي بن أبي طالب، أمها فاطمة الزهراء بنت رسول الله ﷺ تزوجها عمر رضي الله تعالى عنه وأصدقها أربعين ألفاً، ولدت له زيداً الملقب بذي الهلالين، ولم يبق للإمام عمر منها ولد، ودفنت بهذه القرية وسميت القرية باسمها، وقبرها في وسط القرية، داخل جامع عظيم معمور بالعمارة اللطيفة، وله شهرة عظيمة يقصد في كل وقت للزيارة، وينذر لها في الحاجات وما ذكره في محاسن الشام من أن قبرها الشريف في باب الصغير، غير معروف عند أهل دمشق، وكان المترجم المذكور خطيباً وإماماً في ذلك الجامع، وكان عالماً أديباً لطيفاً صاحب همة عالية، وكان قد قرأ على والدي التحفة لابن حجر الهيثمي من أولها إلى آخرها، وقرأ عليه أيضاً عدة فنون كالنحو والتوحيد والمعاني والبيان والفرائض والحساب وغير ذلك، وكان في كل يوم يحضر من القرية المرقومة إلى الشام
стр. 1226
لأجل الدرس ولا يقطع في صيف ولا في شتاء ولا في خريف ولا في ربيع، حتى أنه ربما يكون في بعض أيامه منحرف المزاج ولا يترك الدرس، وكان لطيف المعاشرة حسن العبارة كريماً في بيته بشوشاً كثير المذاكرة في المسائل العلمية خصوصاً في مسائل الفرائض والمناسخات، فإنه كان صاحب ولع عظيم في ذلك. وكان حسن الأخلاق طيب الأعراق، متواضعاً منقطعاً للطلب والعبادة والمطالعة والعمل، وكان يعتمد عليه في الاستفتاء فكانت أهالي القرايا القريبة إليه من أهل المرجين والغوطة يحضرون إليه ويعتمدون عليه، ويسألونه عن قضاياهم، ويأخذون منه الفتوى لإقناع خصمهم، فيقنع بها بعد تحققها ولا يردها. وكان لا يفتي في مسئلة سواء كانت مما يتعلق بالعبادات أو المعاملات إلا بعد المراجعة والوقوف على النص.
وبالجملة فإنه كان قليل المثال خصوصاً في القرايا فإن وجود مثله نادر، وما زال على عبادته وتقواه وإقباله على مولاه في سره ونجواه، وتمسكه بالإفادة والاستفادة وسلوكه في مناهج السادة القادة، إلى أن دعاه إلى الآخرة والدار الفاخرة، هادم اللذات ومفرق الجماعات. وذلك قريباً من سنة ألف ومائتين وثمانين، ودفن هناك في القرية وقبره ظاهر معروف مشهور.
الشيخ محمد بن الشيخ مصطفى بن الشيخ يوسف بن الشيخ علي الطنطاوي الأزهري
إنسان طرف الفضل ومقلة مآقيه، وفارع هضبة البيان وراقي مراقيه، زرت على الفضل أطوافه: وما اهتاجت إلا للكمال أشواقه، ترقى في معارج العلوم إلى أن استوى على عرش المنطوق والمفهوم، فلا ريب أنه في النباهة آية، لم تفته من مطالبه غاية، فكل خاطر ينفد إلا خاطره، وكل سحاب ينفد إلا سحاب يسح من فكره ماطره. تحلى بالصيانة والزهد،
стр. 1227
وبذل في الإقبال على الديانة الجهد، أن أطلق لسانه في التقرير والبيان، تذكرت قول حجة الإسلام: ليس في الإمكان، وإن جلس في مجلس عمه السرور، وخاله الحاضرون أنه من اللطف والرقة مفطور. له من النباهة مكان مكين، يطلع له من كل ناحية على جيش البلاغة كمين، ومع وقاره الذي يعرف، يبدو له من النكات ما يستملح ويستطرف.
ولد في طنطا سنة إحدى وأربعين ومائتين وألف، ومات أبوه وعمره أربع سنين، وماتت أمه وعمره ست سنين، وحفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، على الشيخ محمد الشبرويشي، ثم دخل جامع السيد البدوي للطلب، فقرأ على السيد محمد أبي النجا المشهور صاحب الحاشية والشيخ عبد الوهاب بركات والشيخ علي حمزة مدة، وانتفع بهم وأجازوه بالإجازة العامة، ثم سافر مع أخيه الأكبر إلى بلاد الروم وبلاد الترك، ثم دخل حلب وقرأ على الشيخ أحمد الترمنيني وغيره، وأجازوه، ثم رحل إلى الشام سنة ألف ومائتين وخمس وخمسين، وقرأ على الشيخ سعيد الحلبي والشيخ عبد الرحمن الطيبي والشيخ عبد الرحمن الكزبري، وأخذ طريقة النقشية على المرشد الكامل الشيخ محمد الخاني الخالدي، فانتفع به حتى صار إذا ذهب إلى مكان يجعله خليفة عنه، ثم إنه في سنة ألف ومائتين وستين عاد إلى مصر، ودخل الجامع الأزهر، وانقطع للطلب بهمة وجد واجتهاد، فقرأ على شيخ الأوان الشيخ إبراهيم الباجوري والشيخ إبراهيم السقا والشيخ عليش المغربي والشيخ مصطفى البلتاني والشيخ مصطفى المبلط والشيخ محمد الخضري، وأكثر قراءته عليه في العلوم الغريبة كالميقات والفلك والجبر والمقابلة، إلى أن صار إماماً في العلوم العقلية والنقلية، مع شدة ذكائه وحفظه، ثم رجع إلى الشام واستوطن دمشق في محلة الميدان سنة ألف ومائتين وخمس وستين، وجلس في حجرة في جامع سيدنا صهيب الرومي،
стр. 1228
فأقبل عليه الطلبة، ولم يزل يقرئ الطالبين إلى سنة ألف ومائتين واثنتين وسبعين، توفي والدي فحضرت عنده في دروسه كلها، ولم أزل أقرأ عليه إلى سنة ألف ومائتين وثمان وسبعين.
رحل المترجم المرقوم إلى داخل البلد بأمر حضرة الأمير السيد عبد القادر الجزائري، فاستأجر له داراً وعين له معاشاً، وأرسل إليه جميع أولاده للقراءة عنده، فكان يقرؤهم ويقرئ غيرهم في حجرته في مدرسة البدرقية، وكان مع ذلك يشتغل بحساب جداول مما يتعلق بالجيوب وغيرها، مما له تعلق بعلم الفلك والميقات والربع المقنطر والمجيب والاسطرلاب، وقد قرأت عليه جملة رسائل مما يتعلق بذلك.
وفي سنة ألف ومائتين وتسعين حصل خلل في بسيطة منارة جامع بني أمية المسماة بمأذنة العروس، فحسب المترجم سائر أعمالها وجعل لها جداول بعدة الأعمال، ورسم غيرها وأزالها، ووضع بسيطته في مكانها، وكنت في معيته حين رسمها من ابتدائها إلى انتهائها. وله أيضاً رسالة حسبها في رسم الربع المقنطر، لعرض دمشق لحل وقد رسمت عدة أرباع على حسابها. والحاصل أنه في كل علم عمدة ولكل مشكلة عدة، رقيق القلب رحيم، سخي الكف كريم، غير أن دهره قد عانده وعاكسه في آخر أمره وما ساعده، وهذا من دأبه مع أهل الفضائل، وذوي المآثر والشمائل، إلا أن المترجم يقابل ذلك بالتسليم والرضى، ويعلم أن ذلك مما جرى به القدر والقضاء. ومن نظمه في مديح راشد باشا والي ولاية سورية لأمر اقتضى ذلك:
أضحت دمشق ببهجة ومسرة ... تزهو على كل البلاد بنضرة
تهفو القلوب إلى محاسنها التي ... خصت بها من بين كل مدينة
وغدت تطاول كل قطر بالذي ... حازته من مخزون أعلى رتبة
فأقرت الأقطار طراً أنها ... من بينها خصت بكل فضيلة
стр. 1229
وبلاد سوريا اكتست من حسنها ... حللاً فعمت أهلها بمسرة
لا تعجبوا والي حماها راشد ... بل مرشد والرشد أعلى خلة
ومحمدي الخلق وهو محمد ... ولذاته كل القلوب أحبت
أحيا بها العدل الذي يا طالما ... تاقت له كل النفوس وحنت
والأمن قد عم الأنام جميعهم ... فتقلدوا منه بأوفى منة
شهم تهاب الأسد سطوته فما ... أبقى لأهل الشر أدنى شوكة
وبحلمه وسع البرية كلها ... وله على الأعداء أعظم سطوة
متهلل بالبشر تلقاه وقد ... ملئت قلوب الحلق منه بهيبة
ورث المكارم كابراً عن كابر ... متحلياً منها بأعظم حلية
سحبان عند بيانه هو باقل ... والبحر عند نداه أصغر قطرة
لا عيب فيه غير أن نزيله ... لا ينثني إلا بأعظم غبطة
لما خشيت الظلم لذت ببابه ... فظفرت من عدل بأعلى بغية
وحباني من إكرامه ببشاشة ... ولطافة من غير سابق عرفة
فأخذت في شكري لأنعمه فما ... أديت شكراً واجباً للنعمة
فعلمت أني لا أطيق سوى الدعا ... لجنابه كيما أفوز بسنة
فأقول يا رب العباد أدم له ... عزاً وجنبه لكل كريهة
وافسح لنا في عمره يا ربنا ... وانله ما يرجوه من أمنية
فإليك يا رب البيان قصيدة ... بصفاتكم جملت وإن تك قلت
نرجو القبول تفضلاً وتكرماً ... والعفو عن تقصيرها بالمرة
أبقاك ربي سالماً كل المدى ... ما غرد القمري فوق الأيكة
ومحمد الطنطاوي أنشأ قائلا ... أضحت دمشق ببهجة ومسرة
وله قصائد كثيرة وتقيدات شهيرة، لا يحسن استقصاؤها للخروج عن المطلوب من الاختصار، وكذلك لو أردت أن أذكر عفته وتفصيل تعيين الحكومة له مقادير من المعاش ولم يقبلها ورعاً وزهداً، لأدى المقام إلى
стр. 1230
الخروج عن المرام. وفي سنة خمس وثلاثمائة وألف رسم بسيطة في ميدان دمشق الشام في جامع الدقاق المعروف بكريم الدين إلا أن البسيطة التي في جامع بني أمية كان حسابها على الأفق الحقيقي، وأما هذه الثانية فإنها على الأفق المرئي، فلذلك كانت الثانية أحسن من الأولى، لأنها لا تحتاج إلى الالتفات لدقائق الاختلاف، وتم عملها ورسمها وحفرها، وصنع لها مكان في المنارة لوضعها فيه في أول برج الجدي، فعاجله المرض قبل ذلك، وتوفي غرة جمادى الأولى عام ألف وثلاثمائة وستة، ودفن في تربة باب الصغير قرب مدفن سيدنا بلال من جهة الغرب، ولم يتخلف عن جنازته إلا ما ندر من السوقة والأخيار والأعيان، سقى الله ثراه صبيب الرحمة والغفران، وبعد موته بقليل قد وضعت في مكانها، والأوقات تستفاد منها بغاية الضبط، جزاه الله خيراً وأعظم له منة وأجراً.
محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن محمد الأريحاوي الشافعي الشهير كوالده بالعاري أبو عبد الرحمن شمس الدين
الشيخ العالم الفاضل المفتي الفقيه الشهير النسابة خاتمة أجلاء بلدته.
مولده بها سنة ثمان ومائتين وألف، وقرأ على جده ووالده وانتفع بهما وأخذ عنهما الكثير وسمع عليهما، ورحل إلى إدلب وسمع بها الحديث
следующие страницы →