← Тараджим

Тараджим · id 31371

حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر

عبد الرزاق البيطار

Полный текст (1 568 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

فاخلع ردا الترحال صاح وحل من ... عزم السفار وثيق شد إزاره وانزل بساحة ذا الكريم ومن يزف ... بنزيله فيداره في داره غوث الوجود وغيثه وملاذه ... إن تبد من غاب الخطوب صواره مولى الأنام الهاشمي المصطفى ... والمعقل الأحمى لحومة جاره والعوذ من ظمأ الزحام إذا همى ... هول الجحيم وكر كرب أواره فاسكب دموعك في ثرى أعتابه ... وامسح خدودك في ثرى آثاره واقصده في كل المقاصد راجياً ... وحذار أن ترجو سواه حذاره وإذا خشيت من الحوادث ريبها ... أو خفت بث صروفه وضراره فاجنح لناديه الرحيب وناده ... واخلص دعاك وقل تجاه مزاره يا من له الجاه العظيم وربه ... لاشك يسعد منتمٍ لجواره يا من إله العرش ﷻ ... خلق الوجود ليؤذنن بفخاره إن الكرام ومنك كل نوالهم ... يرتاح فيضهم إلى استدراره كم جيد سؤل قد أتاك معطلاً ... حلاه جودك من عقود بحاره نرجو بجاهك من إلهك نظرة ... في موقف العقبى وزفرة ناره ورضا يعم الكل سيب سحابه ... والبرء من مرضى الفؤاد وعاره انتهى مات ﵀ ثالث ربيع الأول سنة ست عشرة ومائتين وألف.

стр. 282

الشيخ أحمد الجامي المدني هو من رجال اللآلىء الثمينة، في أعيان شعراء المدينة، قال منشئها في ترجمته ﵀ وأحسن مثواه: الشهاب الثاقب، المبدي من قمطر قريحته للكلام أطايب، فاضل ذو فكاهة أنست ابن هاني، ونكات ثمرها الجني للمقتطف داني، وفصاحة ألانت له عصي الكلام، وبلاغة طوعت له أبي النظام، فهو من العلم والأدب في الذروة العليا، ومن طلاقة اللسان في الرتبة الأولى، حلى من كلامه أجياد الأدب بتمائم، وطوقها من إحسانه بأطواق أبهى من أطواق الحمائم، فمن نظمه الذي هو كالتبر المسبوك، والزبرجد المحكوك، قوله من ابتداء قصيدة أرسلها من الروم: ما لذ لي بعدكم يا عرب ذي سلم ... ربع ومن بعدكم جفني القريح دمي وما جرى ذكر ذياك العقيق وما ... والاه إلا جرى مني عقيق دمي ولا جرت نسمات من دياركم ... إلا أهاجت بقلبي لاعج الألم أستودع الله أحباباً ألفت بهم ... حيا الحيا وسقا سفحاً بسلعهم أبناء فضل وآداب وليس سوى ... رضيع ثدي العلا والحلم والحكم لا عيب فيهم سوى أن النزيل بهم ... بالروح يفدونه والمال والحشم يا ليت شعري هل الأقدار تسعفني ... يوماً وأحظى برؤياهم ووصلهم لا در در الصفا لا ذر شارقه ... ولا همى برباه سافح الديم

стр. 283

إن لم يكن معهم والشمل منتظم ... بقاع تلك البقاع الفيح والأكم يا حادي العيس قم عني بواجبهم ... إذا نزلت بواديهم وربعهم وقل لهم بعد إبلاغ التحية من ... مملوكهم وفدا أعتاب نعلهم قربان قربانكم والمنحنى وقبا ... وجرفكم والنقا والبان والعلم لهفي على نسمة من جزع عالية ... وظل ذاك الظليل البارد الشبم لفي على أطفي بها لهبي ... من عين زرقائكم في الدورق الحرمي مع ما حوته النخيل الباسقات وما ... من النعيم بذاك الجمع والنعم لهفي على الروضة الفيحا ومنبرها ... ووقفة بمصلى سيد الأمم لهفي على تلكم الآثار قاطبة ... وما حوته من الأوصاف والشيم لهفي عليكم وناديكم وتربكمو ... وحادي الظعن والألحان والنغم ما آن أن تنشلوا هذا الغريق أما ... آن التواصل يا جيران ذي سلم ما آن باسادتي أن تشفقوا كرماً ... على الغريب الذي عنه الزمان عمي الله في مهجة من فقدكم تلفت ... تداركوا رمقي يا ساكني أضم فإنني مذ توارت شمس طلعتكم ... في الحجب أمسيت ذا لحم على وضم وله وكتب بها على سفينة أشعار لصاحب اللآلىء الثمينة: لما نظرت إلى سفينتك النفي ... سة يا سراج وذقت حلو جناها ورأيت فيها كل معنى يشتهي ... والفكر في بلهاتها قد تاها حوطت خردها الحسان بما أتى ... بتبارك الفرقان ثم بطه لاسيما لما طلبت بفاقة ... ماء العذيب ولاح لي بلماها

стр. 284

وجبرن خاطري الكسير وقلن لي ... لنولينك قبلة ترضاها ثم انثنيت وقلت سبحان الذي ... في نيل مصر الحسن قد أجراها لا زلت يا سحبان وائل عصرنا ... بك بين أبناء العلا نتباهى وله مخمساً بيتي مجير الدين الخياط قل للذي فتكت أسنة هدبه ... في قلب عاشقه ومهجة صبه كم ذا تروع آمناً في سربه ... يا محرقاً بالنار خد محبه مهلاً فإن مدامعي تطفيه فبمن حباك سهام لحظ جارح ... لا توقدن النار بين جوانحي فإذا أبيت وكنت غير مسامحي ... أحرق بها جسدي وكل جوارحي واحذر على قلبي لإنك فيه توفي المترجم بعد الألف والمائتين رحمه الله تعالى. أحمد بن محمد الأنصاري اليمني الشرواني إمام فضل قد استوى على كرة الفضائل، وهمام قول وفعل قد احتوى على نخبة الشمائل، وفريد علم قد تحلى بالمجد والمكارم، وحبر فهم قد اعترف له السادة الأكارم، طلع في أفق الكمال بدره، وسما في سماء الجمال قدره، له نباهة تود النجوم الثوابت نيل علاها، وطلعة محيا يتمنى البدر الوصول إلى سناها، وأوصاف قد ترقت إلى أوج الشرف، وكلمات كاللآلىء متجردة عن الصدف، نثره كأنه الزهر اليانع، ونظمه كأنه أقراط المسامع، فمن قوله مكاتباً الشيخ الأديب العلامة عبد الله بن عثمان بن جامع الحنبلي رحمهما الله تعالى: أعندك ما عندي من الشوق والوجد ... وهل أنت باق في المحبة والعهد كابد أشجاناً توقد نارها ... بقلبي المعنى من بعادك والصد

стр. 285

وصدك عن مضناك داء دواؤه ... تدنيك من بعد القطيعة والبعد فحتام تجفو من إليك اشتياقه ... تضاعف يا نجم المحاسن والسعد وحقك لولا أن مأواك في الحشا ... لأحرقه الشوق المبرح بالوقد وإني وإن أخفيت ما بي من الأسى ... عن الناس لا يخفاك يا منتهى القصد أيخفى غرامي وارتماضي بذا الهوى ... عليك وأشعاري تبين ما عندي فعطفاً لمن لا يستلذ بعيشه ... لبعدك وارحم من تضعضع للود وها أنا ذاك اللوذعي ومن له ... مكارم أخلاق تفوق عن الحد وعمدة أرباب البلاغة والحجا ... وواحد هذا العصر أكرم بذا الفرد وقدوة أعيان الحديدة من زها ... به اليمن الميمون فخر بني المجد فإني هجرت الذ عرفت مكانه ... الرفيع وعنه ملت يا عاذل العد دع الصد واسلك في المودة والوفا ... سلوك ابن ذي النورين ذي الفضل والرشد هو الشهم عبد الله نخبة قادة ... بهم عرف المعروف حجتنا المهدي خلاصة أهل الجود لله دره ... فمن مثله في العلم والحلم والرفد كريم إذا استمطرت يوماً أكفه ... همت باللهى من دون برق ولا رعد عليه رضى الرحمن ما قال شيق ... أعندك ما عندي من الشوق والوجد وقال مكاتباً السيد الفاضل والعالم العامل يوسف بن إبراهيم الأمير الكوكباني: تذكرت من حالت عن الود والعهد ... ففاضت دموع العين شوقاً على خدي خليلي مرا بالتي من بعادها ... أقضي الليالي بالتفكر والسهد وقولا لها طال اجتنابك عن فتى ... غدا بك صبا لا يعيد ولا يبدي فجودي بما يشفيه من ألم الهوى ... وينجو به من قادح الشوق والوجد

стр. 286

عسى ترحمي الصب المعنى بزورة ... يفوز بها بعد القطيعة والبعد رعى الله أياماً تقضت بقربها ... وليلات أفراح مضت في ربا نجد بها كنت في روض الرفاهة مارحاً ... فولت وآلت لا تعود إلى عهدي نعم هكذا الأيام تمضي وعودها ... محال فما لي لا أميل إلى الزهد وحسبك يا قلبي حبيب موافق ... أمين وفي لا يخونك في الود كمثل أخي المجد المؤثل يوسف ... أمير المعالي كوكب الفضل والرشد شريف عفيف كامل ومهذب ... مناقبه جلت عن الحصر والحد به أشرقت شمس المعارف والهدى ... على فلك العلياء مذ كان في المهد جدير بأن يسمو على كل فاضل ... حري بذا المدح المنظم كالعقد فلا زلت بالعلم المكرم هادياً ... لأهل التقى والفضل يا خير من يهدي بحرمة خير الخلق طه وآله ... وأصحابه أهل المكارم والمجد وقال مجاوباً عبد الله بن عثمان بن جامع أيضاً بقوله: أيا من قد حوى كرم الطباع ... ومن هو للطائف خير واعي وكنز جواهر الآداب حقاً ... وجامعها المفيد بلا نزاع أتاني منك مرقوم عزيز ... بديع النظم يقصر عنه باعي يذكرني به ما منه أضحى ... فؤادي في اشتعال والتياع أتحسب يابن ذي النورين أني ... هممت بفرقة بعد اجتماع فلا وعظيم جاهك لم يكن لي ... مرام في نوى أو في انقطاع ولكني ابتليت بمعضلات ... غدا في حلها يجري يراعي ومنها كنت مضطرباً لأني ... رأيت بها الفؤاد على ارتياع فذلل لي المهيمن كل صعب ... بها والله راحم كل داعي ولولاها أجل بني المعاني ... وأحمدهم لما كان اندفاعي ومثلك لا يمل وأنت مغني اللبيب ... ومؤنسي في ذي البقاع فظن بذي الوداد المحض خيراً ... ودم واسلم بعز وارتفاع

стр. 287

وقال ﵀ مادحاً العلامة المولوي إله داد الساكن في كلكته: ذكر الحمى ومرابع الأخدان ... أجرى دموع مكابد الأحزان وغدا به قلقاً شميط الدار لا ... ينفك من شوق إلى الأوطان طوراً يئن وتارة يبكي على ... زمن الصبا الماضي على نعان يهتز من طرب إذا ما غردت ... قمرية سحراً على الأغصان وينوح شوقاً للذين فراقهم ... جلب الهموم لقلبه الولهان ما واصلت في البعد عيناه الكرى ... إلا السهاد وأدمع الأشجان روحي فداكم فاسمحوا يا سادتي ... بوصالكم للهائم الحيران حتام هذا الهجر منكم والجفا ... وإلى متى أبكي بدمع قان وحياتكم لولاكم ما شفني ... وجد ولا حل الهوى بجناني بلغ نسيم الصبح إن جئت الحمى ... عني سلاماً عصبة الإيمان واشرح لهم حال الكئيب وقل لهم ... منوا عليه بنظرة وتدان أين المسيح لكي يعالج قلبه ... ذاك الكليم بصارم الهجران ووصالكم هو في الحقيقة مرهم ... لفؤاده ومسرة للعاني فعسى تلين قلوبهم لمتيم ... صرفته قسوتها عن الخلان ويفوز بعد البعد من ألطافهم ... بدنوهم في أجمل الأحيان مالي سواكم يا كرام وأنتم ... من كل خوف معقلي وأماني أولاكم الرحمن عزاً مثلما ... أولى العلا للعالم الرباني اللوذعي إله دادا المقتدى ... نجل الكرام ونخبة الأعيان لقمان هذا الدهر أفلاطونه ... في كل علم فائق الأقران بحر الفضائل والندى من فخره ... ضاهى السها قدراً عظيم الشان ريحانة الآداب هذا طيبه ... يغنيك عن روح وعن ريحان

стр. 288

قد حزت يا كنز العلوم جواهر المعقول ... والمنقول والقرآن طوبى لشخص يقتني منك الهنا ... فليفخرن على ذوي العرفان لولاك ما عرف البديع ولا بدت ... شمس المعاني في سماء بيان جل الذي أولاك فضلاً شائعاً ... في هذه الأصقاع والبلدان فاسلم وعش ما هز مضنى هائماً ... ذكر الحمى ومرابع الأخدان وقال ﵀: أخا اللوم لا يقضي بلومك لي أمر ... فدع لائمي ما عنه في مسمعي وقر ودعني وما ألقى من الحب فالهوى ... أرى فيه عسراً يرتجي بعده اليسر وإني وإن شحت سعاد بوصلها ... صبور ولي فيما أكابده أجر فما الصب إلا من يعاني شدايد المحب ... ة لا من قال أسقمني الهجر وما الحر إلا من يرى الكرب راحة ... إذا ما رمي بالذل أو خانه الدهر تغربت عن قوم إذا ما ذكرتهم ... أسلت دموعاً لا يماثلها القطر ولكنني أخفي الصبابة والأسى ... وأبدي ابتساماً حيث يجري لهم ذكر وهم سادتي لا فرق الله جمعهم ... ومن نحوهم تعزى المكارم والفخر متى تنطفي نار بقلبي من الجوى ... وترجع أيام بها يشرح الصدر ألا لا أرى في البعد للعيش لذة ... وكيف يلذ العيش من شفه الفكر رضيتم بهجري وارتماضي بحبكم ... وسركم ما منه مسني الضر سلام عليكم ما رضيتم به هو ال ... مرام ومثلي لا يخون به الصبر وإني لصبار على كل شدة ... رضاكم بها والصبر يتبعه النصر وعهدكم عندي مصون وشيمتي الوف ... اء وحبي لا يخالطه العذر على كل حال أنتم القصد والمنى ... وأنتم ملاذ العبد والغوث والذخر

стр. 289

وله ﵀: أراك صددت عن الصب ظلماً ... أيا عادل القد رفقاً ورحما تركت فؤادي يذوب اشتياقاً ... وصيرتني أسهر الليل هما أما منك لي رحمة والتفات ... فقد عيل صبري لما بي ألما ولولاك ما سلسل الشوق دمعي ... ولا قلت في الحب نثراً ونظما أيا عاذلي أقصر اللوم إني ... أراك ارتكبت بذا اللوم جرما فما نال من لام في الحب مضنى ... كمثلي من رحمة الله قسما وماذا دليلك في اللوم قل لي ... فإن الهوى مذهب لن يذما أراك تبالغ في لوم صب ... أحاط بفن الهوى المحض علما عدمتك إني راض بما قد ... براني فدعني إما وإما خليلي ما لي وللدهر أضحى ... يروم انخفاضاً لقدري وهضما ألم يدر أني شهاب المعالي ... لعمري منكر ذا القول أعمى خليلي هل يسعد الدهر يوماً ... على ما به يهلك الضد غما وإني لذاك الهزبر الجسور ... الهمام الذي قد سما الشمس عظما فما للأعادي يرومون ذل ... العزيز المبجل جاهاً واسما أغرهم مني الحلم تباً ... لآرائهم لم يكن ذاك حلما ولكنه يا خليلي مني ... دهاء به رمت كشف المعمى أنا ابن الكمال ورب الفخار ... فلا غرو إن فقت عرباً وعجما مقامي جليل ومجدي أثيل ... وفرعي إلى محتد الجود ينمى وله عفي عنه: أيحسن منك هجر الصب ظلماً ... وإعراض يزيد القلب سقما وفيك نثرت من دمعي جماناً ... بقرطاس الخدود فصار نظما

стр. 290

أمحبوبي دع الهجران إني ... أكابد فيه آلاماً وهما وجد بالوصل بعد الفصل يا من ... سلومت بحبه دعداً وسلمى بطلعتك المضيئة خل هجري ... جعلت فداك موج الشوق طما وفي قلبي من الأشواق نار ... فكيف خمود نار الشوق مهما أعيذك بالمهيمن من عذابي ... ومن مقت بها قد حرت وهما ترفق بي مليك الحسن وانظر ... بعين اللطف نحو العبد رحما فقد زاد الغرام اللذ براني ... وقل الصبر مما بي ألما أراك وأنت ذو خلق كريم ... جفوت فتى إلى الأنصار ينمى أنا ابن محمد من فاق فخراً ... على الأقران بل عرباً وعجما وها أنا ذا كسبت الفخر منه ... وفقت نظائري رأياً وفهما وإني اليوم أشعر من زهير ... وفي الآداب أكثر منه علما فدع ما قيل في اليمني جهلاً ... أينظر لمعة المصباح أعمى وفي كلكتة جهلوا مقامي ... مجاهيل فهل حقرت إسما أضاعوني ولكن لا أبالي ... بذي جهل ولا قد خفت مما تنح عن العذول ضياء عيني ... فقربك منه يوجب فيك ذما

стр. 291

وعجل بالوصال فإن وجدي ... تضاعف والجوى يزداد حدما معاني ما تضمنه بياني ... لها شرح لطيف فاحتفظ ما ودم في نعمة ونعيم عيش ... ومنزلة تضاهي الشمس عظما وله غفر الله ذنوبه: جفا من لست أذكره براني ... وهيج لي غراماً في جناني وحال عن الوداد ولم أحل عن ... مودته وظلماً قد جفاني أيحسن منك يا مولاي هجري ... بلا ذنب وتعلم ما أعاني دع الإعراض وارحم حال صب ... لبانته الزيارة والتداني ورشف رضاب ثغرك واعتناق ... أنال به المسرة والأماني وحسبك ما بليت به فإني ... وعزك ذي المحاسن في هواني أراك نسيتني وسلوت ودي ... وأوجبت التجافي عن مكاني فأين العهد والود المصفى ... وذاك الوصل في ذاك الزمان أعد نظراً إلي فإن قلبي ... لعمرك إن أطلت الهجر فاني سألتك بالهوى العذري أن لا ... تضن بما يسر به جناني فها وجدي تضاعف منه كربي ... وصيرني حديثاً في المغاني جعلت فداك فاسمح بالتلاقي ... ولا تجعل جوابي لن تراني وعش في نعمة وعلو جاه ... بطه الطهر والسبع المثاني وله لطف الله به: النفس كادت أن تذوب من الجوى ... فإلى متى هذا التفرق والنوى يا متلفي بالبعد عنه وقاتلي ... بالصد رفقاً بي فقد آن التوى عجل بوصل موصل لي صحة ... أشفي بها سقم الفؤاد من الهوى وارحم فما للصب صبر ممرضي ... من بعد هذا اليوم يا نعم الدوا

стр. 292

وله عفي عنه: قلم الولاء جرى بنور سوادي ... لذوي الفخار السادة الأمجاد فبدت به كلمات مقول شاعر ... يسمو بها شعراء كل بلاد أهل الكسا ما رمت غير جنابكم ... وودادكم فارعوا عظيم ودادي أهل الكسا ما حلت عن منهاجكم ... وبكم أنال الفوز يوم معادي أهل الكسا إني أسير هواكم ... وبه وجاهكم حصول مرادي أهل الكسا أنا لا أميل وحقكم ... عنكم بلوم ذوي قلى وفساد أهل الكسا من لامني في حبكم ... يصلى غداً ناراً مع ابن زياد هو ذاك من آذى النبي بسوء ما ... أبداه بغضاً في أبي السجاد ومع الذين لهم فضائح جمة ... وقلوبهم ملئت من الأحقاد أهل الكسا إني ابتليت بعصبة ... كرهت سماع حديثكم في نادي وإذا ذكرت مناقباً ظهرت لكم ... في محفل أعزى إلى الإلحاد أهل الكسا طوبى لمن والاكم ... يا سادتي تعساً لكل معادي أهل الكسا زعم الروافض أنني ... منهم وأني تابع الأوغاد كذبوا فما أنا سالك بطريقهم ... ومحبة الأصحاب عين رشاد ومحبة الأصحاب لا تنفي الولا ... لكم ورافضها حليف عناد أهل الكسا جحد النواصب فضلكم ... والفضل كالشمس المنيرة بادي ومرامهم أني أوافقهم على ... لمز لهم جلت عن التعداد إني أحول عن الصلاح وأبتغي ... طرق الفساد ومسلك الأضداد والله لست براغب عما به ... يرضى الإله وسيد الأمجاد وله لطف الله به: إن أردت الفوز بالأمل ... لذ بطه سيد الرسل وبقوم صاح ودهم ... جاء فيه النص وهو جلي

стр. 293

أهل فضل خاب منكرهم ... دع ولاة الجهل والخطل والتزم بالصحب من نصروا ... دين أصفى الأصفيا فسل هم نجوم للهدى ولهم ... خير مدحٍ في الكتاب ملي أفضل الأصحاب أولهم ... خدنه في الغار خير ولي بعده الفاروق صاحبه ... من سما بالعلم والعمل ثم ذو النورين ثالثهم ... جامع القرآن ثم علي فارس الهيجا أبو حسن ... نجل عم المصطفى البطل حبهم فرض وبغضهم ... موجب الإيقاع في الزلل ضل من بالرفض ملتزماً ... داحضاً للحق بالجدل كيف من ذم الصحاب يرى ... أنه في أقوم السبل ذر حبيبي عصبة رفضت ... سنة المختار لا تمل هم طغاة لا خلاق لهم ... قبحوا في سائر الملل رب فارحم من نجا وحمى ... من شرور الغي والخبل بالبشير الطهر سيدنا ... خير هادٍ خاتم الرسل وله رحمه الله تعالى: أثار هواك ناراً في فؤادي ... وحرك لي غراماً غير بادي فها أنا يا صبيح الوجه مضنى ... وجفني قد جفا طيب الرقاد وبي ما لا أطيق له اصطبارا ... من الشوق العظيم ومن ودادي فجد بالله للصب المعنى ... بوصل منك فضلاً يا مرادي وعجل بالجواب لمستهام ... ودم في لطف رزاق العباد ذكر المترجم المرقوم في كتابه نفحة اليمن أنه كان سنة ألف ومائتين واثنتين وعشرين في الهند في كلكته ولم أقف على سنة وفاته رحمه الله تعالى.

стр. 294

الشيخ أحمد سعيد بن الشاه أبي سعيد بن الشيخ صفي القدر ابن الشيخ عزيز القدر بن الشيخ محمد عيسى بن الشيخ معصوم بن الإمام الرباني مجدد الألف الثاني الشيخ أحمد الفاروقي السهرندي درة إكليل الأولياء، وغرة جبين الأصفياء، وجامع فرقان المحامد، ومرشد المسامع إلى قبول المقاصد، فهو القائم بكل مطلوب، والرائم لكل مرغوب، والناهج نهج أصله، والمقتدى به بقوله وفعله، من تشرف العصر بوجوده، وابتسم ثغر الدهر لطالع سعوده، فكان من أكمل أهل الدلالة إلى مقاصد السعادة، ومن أرشد ذوي الارتقا إلى مراتب السيادة، فهو القطب المفرد، والعلم الأوحد. ولد هذا الهمام الأكمل، في غرة ربيع الأول سنة سبع عشرة ومائتين وألف، وكان مرموقاً بعين العنياة واللطف، وكانت ولادته في بلدة ريبور، ذات الأمر المشهور، وتربى من أول يوم في مهد والده المعلوم، وارتضع منه ثدي المعارف والعلوم، وتخرج على يد العلامة الأوحد، والفهامة الأمجد، فهامة زمانه، وعلامة أوانه، المولوي فضل الإمام عليه رحمة الملك السلام، والعلامة الشيخ سراج الدين المفتي إمام المعقول والمنقول، وعمدة ذوي المعارف في القواعد والأصول، وعلى يد غيرهما من السادة الأفاضل، والقادة ذوي الفضائل، وتلقى فن الحديث الشريف، ذي القدر المصون المنيف، بفروعه وأصوله، ومعقوله ومنقوله، مع سماع الكتب الستة وغيرها، عن عمدة علماء تلك البلاد وذوي قدرها، من أجلهم مشايخ والده بروايتهم لها عن والدهم الشيخ ولي الله عن الشيخ العلامة، والبحر الفهامة، الشيخ أبي طاهر محمد المدني، عن والده عين الأفاضل، وكنز الفضائل، الشيخ إبراهيم الكردي، عن الشيخ علم الأعلام، ونخبة السادة العظام،

стр. 295

أحمد القشاشي، عن الشيخ المشهور، من هو بكل فضيلة مذكور، أحمد الشناوي، عن شمس الدين وشيخ الإسلام والمسلمين، السيد الكبير، والشافعي الصغير، العلامة الإمام الهمام الرملي، بسنده المذكور في ثبته المشهور، ثم أخذ علم التصوف عن قطب الإرشاد، ومنهج الصواب والسداد، من ساد به عصره، وافتخر به على سائر الأمصار مصره، السيد الأستاذ والعمدة النخبة الملاذ، الشيخ عبد الله الدهلوي، قدس الله روحه، ونور مرقده وضريحه. وتلقن عن والده ذي الشمائل العلية، والفضائل السنية، الطريقة النقشبندية، وذلك في حضور المرشد الكامل الشيخ عبد الله الدهلوي المذكور، فالتفت إليه وألقى أكبر نظره العالي عليه، وجعل يقربه ويجلسه في حلقة الذكر منذ كان سنة عشر سنين، ويقول هو بمنزلة ولدي، ولم يزل يلحظه بأنفاسه الرحمانية، ويحفظه بهمته المحمدية، حتى بلغ مبلغ الكمال ونال درجة الفحول من الرجال، فأذن له بالإرشاد، وخلفه خلافة عامة وأثنى عليه وأدرجه في زمرة كبار أصحابه الأمجاد، فقال قدس الله سره في حقه: أحمد بن سعيد قد قارب والده بحفظ القرآن المجيد وتحصيل العلوم العقلية والنقلية وتحصيل النسبة المجددية العلية. وقال في شأنه: أبو سعيد أسعده الله، وأحمد سعيد جعله الله محموداً، ورؤوف أحمد رأف الله به، وبشارة الله بشره الله بقبوله سلم الله هؤلاء الأربعة الأكابر، المرتبطين بالمودة التي هي أحسن من ارتباط الغرابعة وبارك فيهم وجعلهم سبباً لترويج الطريقة وكثر أمثالهم. ثم لما أن دعا حضرة الشيخ عبد الله المذكور والد المترجم إلى دهلي أمر المترجم أن يخلفه مكانه في رامبور فلما توفي والده قدس الله سره قام مقام الحضرتين وأرشد الله به عدداً لا يحصى من الفريقين، لاسيما في اضلاع الهند وغزنين، وكل منهم حصل من حضرته بقدر استعداده، وله خلفاء كثيرة

стр. 296

نفع الله بهم العباد، وأحيا ببركتهم أكثر البلاد، ولما ظهر في بلاد الهند ما ظهر من الفساد، خرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ومعه أخوه الشيخ عبد الغني والشيخ عبد المغني واستوطنوا المدينة المنورة، وذلك سنة أربع وسبعين ومائتين وألف واشتغل بالطريقة العلية كل الاشتغال، ونال أعلى مقامات القبول والإقبال، ثم توفي في تلك الأماكن الطيبة ثاني ربيع الأول عام سبعة وسبعين ومائتين وألف، ودفن في البقيع عند ضريح أمير المؤمنين سيدنا عثمان ﵁ في مشهد عظيم كاد أنه لم يتخلف عنه أحد، وقد قيل في تاريخه عاش سعيداً مات شهيداً وممن أراخ وفاته العالم الجليل الإفادة الشيخ عبد الجليل برادة: فقال: قضى قطب الأقطاب الشهير بأحمد ... سعيد إمام العلم والحلم والهدى منار الطريق النقشبندية التي ... لها جده في الألف أضحى مجددا ومذ حل في ذا القبر ناديت أرخوا ... سعيداً شهيداً في جنان مخلدا وقال غيره: هو البدر فاغبر وجه الوجود ... وأينع بالزهر روض اللحود وقطب الهدى مذ قضى أرخوا ... لأحمد تهدى جنان الخلود أحمد أبو العباس بن محمد التجاني المغربي شيخ الطريقة التجانية لقد ترجمه سيدي محمد العربي العمري في كتابه المسمى ببغية المستفيد لشرح منية المريد فقال: وإن ممن أحله الله تعالى من المقامات أعالي ذراها، وحلاه من هذه الكرامات بواضح سناها، شيخنا وأستاذنا العارف الرباني والوارث المحقق الفرداني، والقطب الجامع الصمداني، أبا العباس مولانا أحمد بن مولانا محمد التجاني ﵁ وأرضاه ومتعنا وسائر الأحبة برضاه، فلقد صار ﵁ في ذلك كله العلم المفرد بين الأكابر

стр. 297

واستحق النداء بالرفع في سائر الحضرات والمظاهر، وانتهت إليه دون العصابة رياسة هذا الشان، وخفقت عليه أمام الجماعة ألوية النصر في هذا الميدان، وأظهر من كنوز الشريعة المطهرة إبريزها الخالص، وأبرز من بحار الحقيقة خصائص الفرائد وفرائد الخصائص، وجاء في أساليب الدلالة على الله تعالى بما لم يسبق إليه، وأتى في مسالك التربية والترقية بما لم يعرج أحد عليه، لبلوغه ﵁ أقصى درجات الكمال في الجمع بين العلم والحال والهمة والمقال، فأسست طريقته على تقوى من الله ورضوان، وشيدت من العلمين الظاهر والباطن على أقوم القواعد وأقوى الأركان، وأيدت من أنوار الهمة وأسرار العناية بأوضح دليل وبرهان، فعم النفع بها في سائر الأقطار وشاسع الأصقاع والبلدان، واختص وروده المحمدي اللفظ والترتيب، الأحمدي السر والتركيب، بتحقيق السير في مقامات الدين الثلاثة وسائر منازلها على الأسلوب الغريب والمنهج العجيب، كما يتبينه المنصف الذي كحلت عينه بإثمد الأنوار الإيمانية، بالوقوف عليه مبسوطاً في كتاب ميزاب الرحمة الربانية، ويتحققه السالك المحافظ على هذا العهد في السر والعلانية، من طريق الذوق التام بالمشاهدة العيانية، فلا جرم أن الله تعالى أحيا به مراسم السنة بعد اندثارها، وأوضح معالم الطريقة بعد خفاء آثارها، وأطلع به شمس الحقيقة بعد أفولها، واستتارها، ولله در العلامة المحقق شيخ مشايخ العلوم النقليات والعقليات المبرز على أهل زمانه في تحقيق الكليات منها والجزئيات، أبي زيد سيدي عبد الرحمن بن أحمد الشنجيطي المتوفى بفاس العليا في شوال سنة أربع وعشرين ومائتين وألف حيث قال فيما نسجه في مدح سيدنا ﵁ على أبدع منوال وأعجب مثال: أحيا طريقة أهل الله فهي به ... مؤلف شملها والكسر مجبور شيخ المشايخ من في طي بردته ... جيب على النور والإسرار مزرور

стр. 298

من داره جنة الفردوس وهو بها ... رضوان خازنها أذكارها الحور يفيض من سلسبيل الذكر كوثرها ... فاشرب مفجرها فأنت مأجور أوراده عن رسول الله قد رويت ... كذاك أفعاله والسر ماثور فانقل فديتك في آثاره قدماً ... فإن فعلت فذاك النقل مدخور واحرص بأن تنتمي يوماً لجانبه ... فحظ من ينتمي إليه موفور أقول ولفظ التجاني بكسر المثناة مشددة وبالجيم المشددة أيضاً وقد تخفف كذا ضبطه بعضهم ولد المترجم ﵁ عام خمسين ومائة وألف ومات ﵁ عام ثلاثين ومائتين وألف فيكون قد عاش ثمانين سنة. وكانت وفاته صبيحة يوم الخميس السابع عشر من شوال بعد أن أدى فريضة الصبح على حالة الكمال ثم اضطجع على جنبه الأيمن ﵁، ودعا بماءٍ فشرب منه ثم عاد إلى اضطجاعه على حالته فطلعت روحه الكريمة من ساعته وصعدت إلى مقرها الأقدس، ولحقت بسربها من محضرها الأنفس، وحضر جنازته المباركة ما لا يكاد يحصى من علماء فاس وصلحائها وفضلائها وأعيانها وأمرائها، وصلى عليه إماماً علامتها الأوحد ومفتيها الماهر الخريت الأمجد، الفقيه النحرير المشهود له بالتحقيق والتحرير، أبو عبد الله سيدي محمد بن إبراهيم الدكالي نسبة إلى الإمام التونسي الشهير وازدحم الناس على حمل نعشه المبارك الميمون، وكسروه بإثر دفنه أعواداً صغاراً ادخروها للتبرك بما

стр. 299

حمل فيه من السر والمصون! ودفن بزاويته التي بفاس وعلى قبره الشريف هيبة وجلالة وجمال وإيناس. رحمه الله تعالى. الشيخ أحمد أبو العباس الطواش المغربي المالكي نزيل تازه الولي الصالح والمرشد الناجح، عمدة الكمال ونخبة ذوي النوال، من خصه الله بالقبول، ونهج به مناهج أهل الوصول، وتسلك عليه الجم الغفير ومنهم الهمام الشيخ أحمد التجاني الشهير، فحصل به النفع العام، واشتهر اشتهار البدر بين الأنام، وقصده الناس من كل جانب، ولهج الناس بذكره في المشارق والمغارب، وكان ذا علم وعمل، لا يعرف في عبادته السآمة ولا الملل، بل في كل يوم يزداد سمواً ورفعة في المقامات وعلواًن وكانت وفاة هذا السيد بتازه ليلة الثامن عشر من جمادى الأولى سنة أربع ومائتين وألف، وقبره هناك ظاهر مشهور عليه هيبة وجلالة ونور. السيد أحمد بن السيد محي الدين بن السيد مصطفى ابن السيد محمد المغربي الجزائري همام تردد من شبيبته بين دراسة معارف وإفاضة عوارف، وإمام تروى من أيام تربيته بلطائف الطرائف وطرائف اللطائف، وكلف بالعلوم من صغره حتى صارت منهج لسانه، واعترف له المنطوق والمفهوم بأنه روضة بيانه، من أسرة أصلها ثابت وفرعها في السماء، ذات حسب ونسب وفضل وارتقاء، مع لسن وفصاحة وكرم نفس وسماحة، ونظم يزري بالدر النظيم، ونثر تسمو رقته على رقة النسيم، وإنشاءات أحلى من المن وأعذب،

стр. 300

ومحاضرات أولى من صباح الصباح وأطرب، ولد في شعبان سنة ألف ومائتين وتسع وأربعين في إقليم الجزائر، ثم حفظ القرآن العظيم وجوده على أحد القراء الأكابر، ثم حفظ المتون من عدة علوم وفنون، ثم حضر دروس الأفاضل ذوي المعارف والفضائل، فقرأ ما كفاه من توحيد وفقه وحديث وتفسير، ثم اشتغل بعد ذلك في الإفادة مع التدقيق والتحرير وكانت لا ترضى نفسه المطمئنة أن يعرج في عباداته على غير الكتاب والسنة فهما إمامه في أحكامه، ورأس ماله في مجاوبته وكلامه، وله رسالة على قول الإمام علي العلم نقطة كثرها الجاهلون ورسالة في السماع سماها الجنى المستطاب، وهي في الرد على من ادعى أن سماع المعازف يحرك القلب لرب الأرباب، وله شرح على الأبيات التي أولها: فأثبت في مستنقع الموت رجله وله تاريخ جميل أرخ فيه إمارة أخيه الأمير عبد القادر على إقليم الجزائر، وله كتابات من نظم ونثر يصعب وضعها في قالب الحصر، توفي ﵀ سنة ألف وثلاثمائة وعشرين في بيته في باب السريجة في دمشق الشام. الشيخ أحمد الدمهوجي الأزهري الشافعي الأشعري الفاضل الجهبذ الهمام، والعاقل العالم الإمام، من استوى على عرش العلوم، وثوى على مهاد المنطوق منها والمفهوم، فهو الفرد الكامل المستجمع لفرائد الفضائل، قد حضر دروس علماء عصره، وفاق حتى انفرد في مصره، وشهد له العموم بأنه بكمال الفضل موسوم، وأذن له شيوخه ذوو المقام المنيف بالتدريس والإفتاء والتأليف، وانتشر في الأقطار ذكره وسما في الأمصار قدره، ولم تزل سيرته حسنى إلى أن دعي إلى المحل الأسنى، وذلك في رمضان سنة ألف ومائتين وست وأربعين.

стр. 301

الشيخ أحمد السباعي الأزهري المالكي الدردير العلامة الوحيد والفهامة الفريد، عمدة الأكابر ونخبة الأفاضل كابراً عن كابر، قد حضر في الأزهر الشريف مجالس الأعاظم، وفاق في الأدب كل ناثر وناظم، واعترف له كل عارف بأنه مورد المعارف والعوارف، ولا ريب أنه جمع بين المعقول والمنقول، وبرع في تحقيق الفروع والأصول، وتمسك لدينه بالسبب الأقوى، وأحسن بالله ظنه في السر والنجوى، وأقبل الناس عليه أفواجاً، واتخذوه لوصولهم سبيلاً ومنهاجاً، واعترف الجل بل الكل له بكمال فضله، وسمو حسبه وأصله، ولما دعاه مولاه إليه لبى دعوته وأقبل عليه، وذلك في حدود سنة ألف ومائتين وأربعين. أحمد بن محسن المكين الزبيدي همام فضله مشهور، وإمام تجرد مقامه عن القصور، قد اشتهر بالفضل والعلم، وعرف بدقة الإدراك والفهم، وكان له يد في الأدب تسمو به أعلى الرتب، قال أحمد بن محمد الشهير بالشرواني في كتابه نفحة اليمن: دخلت زبيد عام أربع وعشرين بعد المائتين والألف من الهجرة النبوية، فحللت بدار الصاحب الأريب عبد الكريم بن الحسين العتمي، وأقمت عنده يوماً في منزله ثم خرجت بعد صلاة المغرب متوجهاً إلى الحديدة، فورد إلي كتاب بعد وصولي إليها بيومين من السيد المترجم أحمد بن محسن المكين الزبيدي، يتضمن عتاباً لعدولي عن الحلول بمنزله إلى منزل الشيخ عبد الكريم العتمي، فمن جملة ما ذكر في كتابه هذه الأبيات وهي مرقومة في ديوانه: كيف لم ترضني لودك أهلا ... ولغيري رضيت أهلاً ونزلا أجرى من أسير ودك ذنب ... موجب للعدول عني مهلا

стр. 302

أم توخيت أن غيري أولى ... لقديم الوداد حاشا وكلا كنت أرضى بأن تشرف قدري ... بعبور بقدر أهلاً وسهلا فقليل منكم كثير ولكن ... فات ما فات وانقضى وتولى فمن الفضل أن تعود وإن ... تجير ما كان يا أعز الأخلا ومن لطائفه ﵀ ما كتبه إلى القاضي العلامة محمد بن أحمد مشحم رحمه الله تعالى مضى الدهر والشوق المبرح لم يزل ... يحث ولم أبلغ مناي ولا قصدي ومرت دهور في لعل وفي عسى ... ولم تنتج الأقدار من ذاك ما يجدي فهل حيلة للوصل يا غاية المنى ... تبلغ ما أهوى وتنجز لي وعدي فإن تعلموا من ذاك شيئاً فأرشدوا ... فإني مستفت لعلمك مستهدي عليكم سلام من أخي لوعة له ... إلى وجهك الوضاح شوق بلا حد ودم في نعيم لا يشاب بنقمة ... وصار لك الدهر المعاند كالعبد إسحاق بن يوسف اليماني سيد إمام عصره وفريد قطره ومصره، لم يكن له في وقته مماثل ولا في فضائله معادل، فهو بغية المستفيد ورب الكمال الباهر والرأي السديد، قد شهد له الفضل بأنه خير أربابه، وأقر البلغاء بقصورهم عن درجة علمه وآدابه، نثره عزيز ونظمه أعز من الذهب الإبريز، فمن لطائفه وجميل طرائفه قوله: جسدي واه ودمعي مرسل ... كاللآلي راوياً عن شنبك أنت نصب العين مني دائماً ... لم تزل في لحظة عن منصبك طمعي عيشي هيامي كلفي ... فيك في وصلك من أجلك بك لو رأى يا ليل بدري لاختفى ... بدرك الباهي السنا في حجبك

стр. 303

أو رأته الشمس في مطلعها ... لتوارت حسداً في مغربك أو رأت أنجمك الزهر حلى ... جيده لاستترت في غيهبك يا عذولي في الهوى لي مذهب ... فانفصل عني وخذ في مذهبك وله رحمه الله تعالى وقد نلت أنواع الشدائد كلها ... ومارست أهوال الخطوب الكوارب وذقت حلاوات الزمان ومره ... وعلمني حكماً دوام التجارب وأشرعت الأيام نحوي رماحها ... كأني عدو للزمان المحارب وجربت كل النائبات فلم أجد ... أشد وأنكى من جفاء الأقارب وإن كنت في سن الشباب فإنني ... أعلم أعلام الشيوخ الأشايب فلم أر في أبناء آدم من له ... صفاء وداد خالصاً عن شوائب وأبعد من ترجو المودة عنده ... قريبك فارج الود عند الأجانب توفي رحمه الله تعالى سنة ألف ومائتين ونيف وعشرين الشيخ أسعد بن عبيد الله بن صبغة الله بن إبراهيم بن حيدر الحيدري الماوراني العالم الذي ورث آباءه وأجداده، والفاضل الذي جدد الفضل وأعاده، والكامل الذي ملأ من الكمال قلبه وفؤاده، والمحقق الذي أعطى من كل بحث زمامه، والمدقق الذي لم يبق بحراً من التدقيق إلا وعامه، ولم يذر معضلاً إلا شفى بعقاقير فكره سقامه؛ علامة المنقول والمعقول، والحافظ الذي بعض محفوظاته المحصول، والمقرر الذي في تقريره نهاية السول، والأصولي الذي أبرز لباب الأبحاث، وجاد روضها بأنظاره وأغاث، والكشاف الذي أزاح عن وجوه المعاني النقاب، والفقيه الذي هو الإمداد والعباب، والمحدث الذي أحاديثه بالصحة تعاب، والمناظر

стр. 304

الذي سند مقدماته السنة والكتاب، والبياني الذي هو دلائل الإعجاز والبديعي الذي أسكت البديع بالإيجاز. عني بالعلم إحياء لمآثر أسلافه، فاستخرج درره من شغاف أصدافه، روى عن والده وبه تخرج، واقتفى آثاره ولديها عرج، وكمل طلبه على أبيه واستحق التصدير والتنويه، وانتهت إليه الرياسة في العلوم وانفرد في علمي المنطوق والمفهوم، دعي في دار السلام الصدر، وسما إلى سؤدد وعلو قدر، وجاء إلى الشام ولقي أجلاءها الأعلام، ولم يزل في الشام إلى أن آن للحاج ارتحاله، ودعه من ذلك القطر أترابه وأمثاله، وسألوه إتحاف دعواته والإسعاف بفيض نفحاته، فسار والألطاف به حافة وطيور الأماني عليه رافة، وله إجازات من جم غفير ذوي علوم وإتقان وتحرير، من أجلهم شارح القاموس السيد مرتضى الزبيدي. وكانت وفاته رحمه الله تعالى بعد الألف والمائتين وثلاث وثلاثين كما ذكره عثمان أفندي سند. الشيخ أسعد بن سعيد بن محمد المحاسني الحنفي الدمشقي مفتي دمشق الشام وخطيب جامعها المشهور بجامع الأموي المنسوب لبني أمية المولى العالم المفضال، والأولى بنسبة السيادة والكمال، والمتردي برداء السيادة، والمتصدي لإفادة ذوي الاستفادة، والمتحلي بفضائل الأدب، والسامي بمعارفه إلى ذروة الرتب، حتى صار يشار بكل فضل إليه، ويعول بحل صعاب المشكلات عليه، ولد بدمشق الشام، ونشأ بها منشأ العلماء الأعلام، وتولى منصب الإفتاء بها مدة وفي جامعها خطيباً، وكان إماماً فاضلاً شهماً نجيباً، ثم تعلقت به أظفار المنية، فأوردت الدار الأخروية، سنة ألف ومائتين وثماني عشرة وكانت وفاته بعكة، لأن الحكومة نفته إلى عكة فمات بها رحمه الله تعالى.

стр. 305

السيد أسعد صدر الدين البغدادي الحيدري مفتي الحنفية بدار السلام حبر الأئمة الأفاضل، وبحر اغتراف الفضائل، إمداد الفتاح لكل طالب، ونور الإيضاح لكل راغب، ورد المحتار على الدر المختار، ولسان الحكام وعمدة الأخيار، وسلالة الحسب والنسب، وكنز أولي العرفان والأدب، أقبل بعد تمييزه على الكمال، إلى أن بلغ رشده من بغية الآمال، وأخذ عن سادات الأعيان وأعيان السادة، ونصب نفسه لمساعدة العباد والقيام بالعبادة، وأجازه شيوخه بما تجوز لهم روايته، وتنسب إليهم درايته، ثم خطبه إفتاء بغداد، فسلك فيه مسلك الحق والسداد، ونهج فيه منهج الإنصاف، لا منهج الغلط والاعتساف، ولم يوجد في زمنه من يساويه في علمه، ولا من يباريه في ذكائه وفهمه، مع زهد وعبادة، وإقبال على الإرشاد والإفادة، وكان في الفروع والأصول، والمعقول والمنقول، عمدة العلماء، ومرجع السادة الفضلاء، وكان يقصد لحل المشكلات، وفك المسائل المعضلات، ولا زال على استقامته وتقواه، إلى أن دعته المنية إلى مرجعه ومثواه، وذلك سنة ألف ومائتين و ... السيد أسعد أفندي بن نسيب أفندي حمزة الدمشقي ﵀ ذو جاه ومقام، ورفعة بين الخاص والعام، نشأ على الترفه والترفع وكان يهوى مجالس النزاهة والخلاعة من غير تمنع، وحضر دروس الشيوخ مع الطلاب، وكان له في العلوم نصيب غير أنه برع في الفرائض وعلم الحساب، وكان رفيع المقام، نافذ الكلمة لدى الولاة والحكام، وكان ينتقل في مجالس الحكومة من مجلس إلى آخر عضواً من الأعضاء، وإن الناس

стр. 306

تقصده لجلب نفعهم ودفع البلاء، ويقدمون له جانباً من الدراهم والدنانير. ليساعدهم فيقبلها على طريق الهدية من غير تأخير، ويساعد الإنسان مساعدة موصلة إلى مطلوبه وافية بمرامه ومرغوبه، وكان له مخالطة كثيرة مع الأهالي، مع عدم الترفع عما لا يليق بمقامه العالي، من حضوره محلات الاجتماع، للنزهة والسماع، فكان الناس يعيب عليه ذلك لشرفه وسيادته وهو لا يلتفت إلى تأنيب ولا إلى ملام تقديماً لجانب سروره على جلالته. ولما توفي أخوه محمود أفندي مفتي الشام، تحزب له الأعيان والوجوه في وضعه مكانه للإفتاء العام. ولم يقدر الله ذلك له بل كان لمحمد أفندي المنيني العالم الهمام، وحصل بينهما منافرة، ومقاطعة ومدابرة، بعد الاتصال التام ودامت المنافرة باطناً بينهما إلى أن مرض المترجم مدة جزئية وتوفي في شهر ذي القعدة الحرام سنة ألف وثلاثمائة وسبع ودفن في مرج الدحداح ﵀. الشيخ أسعد بن عبد الرحيم بن أسعد بن إسحاق بن محمد بن علي الشافعي الدمشقي الشهير بالمنير العالم الأوحد، والكامل المفرد، والهمام الفاضل، والإمام ذو الفضائل، ولد بدمشق سنة ست وسبعين ومائة وألف في ربيع الأول وكان أوحد أهل عصره، ومطمح نظر أهل مصره، في الفنون العقلية، والعلوم النقلية، مع مهابة وزهادة، وتقوى وعبادة، وتمسك بالسنة النبوية، والملة المحمدية، مات في الثاني عشر من رجب سنة ثلاث وأربعين ومائتين وألف ودفن في مقبرة باب الصغير رحمه الله تعالى.

стр. 307

إسماعيل أفندي بن خليل بن علي بن عبد الله الشهير بالطهوري المصري الحنفي النبيه الأريب، والفاضل النجيب، الناظم الناثر، والأديب اللبيب البارع الشاعر، قال العلامة الجبرتي كان إنساناً حسناً قانعاً بحاله، يتكسب بالكتابة وحسن الخط، وقد كان جوده وأتقنه علي أحمد أفندي الشكري وكتب بخطه الحسن كثيراً من الكتب والسبع المنجيات ودلائل الخيرات والمصاحف، وكان له حاصل يبيع به بن القهوة بوكالة البقل بقرب خان الخليلي، وله معرفة جيدة بعلم الموسيقى والألحان وضرب العود، وينظم الشعر وله مدائح وقصائد وموشحات، فمن ذلك قوله تهنئة للأمير حسن بك رضوان بقدومه إلى مصر من نفيه بالمحلة الكبرى قوله: تهنا بعود الملك والجاه والنصر ... وبالفوز والعلياء والعز والفخر ومس ميس تيه في ملابس عزة ... بعودك للأوطان منشرح الصدر لئن ساء فعل الدهر قدماً فطالما ... أسر بأخرى من قبول ومن جبر وأعطى بلا من وأخلف ما مضى ... وأسعف بالحسنى وأذهب للضر لقد ضحكت مصر إذا ما حللتها ... وأضحت بها الأرجاء باسمة الثغر وغنت بها الأطيار من فرح بها ... وقهقه قمريها على ساحة النهر وغضت عيون النرجس الغض من حيا ... وضرج فيها الورد خداً من التبر وجر نسيم الروض ذيلاً مبللاً ... نفاح عبير من شذاه الذي يسري لك الله مولى لا نظير لمثله ... تعلمني أوصافه النظم كالدر أمير على كل الأنام بأسرهم ... همام كريم مفرد الدهر والعصر له عزمات في السماكين قدرها ... تسير بها الركبان في المهمه القفر وشدة عزم زللت كل شامخ ... وأدنت له ما يشتهي صحة الفكر وأصبحت الأيام من جود كفه ... مرنحة الأعطاف في الحلل الخضر

стр. 308

لقد كنت أبكي قبل هذا فراقه ... كما بكت الخنساء يوماً على صخر فلما أتى بين الأنام بشيره ... وأذهب من بشراه لي غلة الصدر جعلت مرامي نعته ومديحه ... وكررته في النظم عندي وفي النثر إليك عروساً بالبديع تتوجت ... وجاءتك تسعى في ملابسها الزهر ممنعة إلا إليك فإنها ... أتت دون كل الناس بالحمد والشكر فدم حسناً في منزل العز راقياً ... مدى العمر ما غنى على العود من قمري فقد جاء تاريخاً بمدحك كاملاً ... هنيئاً بإقبال السرور من الدهر وكان بعض أدباء مصر ألف مجموعاً في الألغاز فطلب من المترجم أن يقرظ عليه فكتب على حواشيه، ليصون طلعته من عاذله وواشيه: لله درك من بليغ ماهر ... جمع المعاني في بديع كتابه سحر العقول بلفظه وبلطفه ... وأبان في معناه عن أنسابه كلم كنظم العقد يحسن تحته ... معناه حسن الماء تحت حبابه أعددت للبلغاء تأليفاً غدا ... في فنه يسمو على أترابه واراك نلت من الحجا حظاً غدا ... لا يستطاع وصوله من بابه أوفت بك الهمم العلية منزلاً ... مستصعباً صعباً على خطابه والله يرعى شرح كل فضيلة ... حتى يروجه على أربابه ألبست عصرك من بيانك حلة ... فمشى اختيالاً في بها أثوابه يا من له قلم جرى من ثغره الش ... هد الشهي سوى سواء لعابه تربي على تلك المعاني أنها ... أشفت فؤاداً ذاب من أوصابه عرفت بلاغتك العميدة عندما اس ... تذللت صعب القول من أهضابه وظلمت لغزك إذ أبحت رياضه ... رجلاً تعطل من حلي آدابه فلذا أجاب مقصراً عن شأوه ... إذ كان يعجز عن بلوغ ثوابه

стр. 309

فأجاب ذلك الشاعر بقصيدة وأطال فيها ومطلعها لله ثغر شفني برضابه ... كيما أفوز بنشق عرف رضابه فكتب إليه المترجم ثانياً معرضاً له بقصيدته قوله: هذا الأديب اللوذعي ترى به ... جمل الفضائل وهي من أترابه وله المقال المستجاد بأسره ... وسواه نحثو وجهه بترابه ولقد رشفت زلال معنى لفظه ... والغير يقنعه لموع سرابه فاعجب له من شاعر متقادر ... سل المنام بلطفه وسرى به أنسى البدائع من بديع نكاته ... فسمت بلاغته على أعرابه وأتى بكل غريبة في نظمه ... منسوبة المعنى إلى أعرابه لله أبيات أتت من نحوه ... أشفت فؤاداً ذاب من أوصابه قد كان أفناه النوى وأباده ... مما يلاقي من مرارة صابه وأتى بتجنيس يرق لطافة ... وروى المعالي وهي من ألقابه فاعجب لسحر كلامه كيف اغتدى ... مستعذباً عندي لما ألقى به يا من إذا عد الورى قلنا لهم ... لا نرتضي أنا نرى ألفاً به كيف الفداء وقد طربت عشية ... من قربه لما بدا ألفى به يا فاضلاً بعدت مرامي عزمه ... وغدا تغزله ببدء خطابه وبدأته بالماهر الندب الذكي ... وأجابني ثغر شفى برضابه إني أعيذك أن تعود لمثلها ... إذ ذاك خلق لست من أصحابه وإذا أتتك من القريظ مقالة ... وأبيت عنها فلتكن من بابه ولك الإله يديم حظاً شامخاً ... ما حن مشتاق إلى أحبابه وله موشحة على وزن موشحة الأديب العلامة ابن خطيب داريا الأندلسي وهي: ليت شعري يا أخلاء الهوى ... هل أرى بدري بحاني مؤنسي أم أقاسي من زمان قد قسا ... ورى أحشاي سهماً عن قسي دور

стр. 310

يا سقى الله زماناً قد مضى ... في مغاني مصر في عيش خصيب حيث بدري قد قضى لي ما قضى ... بالتداني إذ غفت عين الرقيب شب من تذكارها نار الغضا ... في فؤادي وتلافاً في النحيب واعترتني دهشة حين جرى ... من دموعي سابلاً في الغلس وغدا قلبي كليماً مذ سرى ... بارق في نحو ذاك المكنس دور يا رياضاً حسنها زاه يشيق ... جاد في مثواك منهل السحاب كم مضى لي فيك من معنى أنيق ... حين كان اللهو مزهي الجناب هل ترى عيني محياك الشريق ... لابساً برد التهاني والشباب وأرى بدري يناجيني على ... ذلك البسط الشهي السندس وأحلي صبر دهري بالمنى ... من معان زاهيات الملبس دور قد شربنا الصد كأساً مترعاً ... حين صد الظبي عنا ونفر غصن بان غصنه قد أينعا ... مثمر بالدل حيناً والخفر وجهه الفتان أمسى مبدعاً ... كل معنى رائق يسبي الفكر ينثني ما إن تبدى معجباً ... بالعيون الفاتكات النعس ينهب الأرواح منا لاهياً ... لم يراقب في ضعاف الأنفس دور كيف لي صبر إذا اللاحي لحا ... في حبيب حسنه فاق الهلال بدر تم مخجل شمس الضحى ... جؤذري اللحظ معشوق الدلال ما سقى الصب هواه فصحا ... من غرام قد عراه وخبال

стр. 311

يوسفي العصر معسول اللمى ... كاحل الطرف شهي اللعس ترك الصب كليماً عندما ... جال في النفس مجال النفس وقال سامحه الله: هل العيش إلا في اكتساب مآثم ... أو العمر إلا في اقتناء محارم أو الغنم إلا في ارتكاب كبيرة ... أو السكر إلا في ارتشاف مباسم سقى الله أيام البطالة أدمعاً ... من العين تجري كالغيوث السواجم زمان به كان السرور بخنصري ... ختاماً وكان الظبي فيه منادمي إذ العيش طلق والرياض بواسم ... عن النور لكن من شفاه الكمائم وسيري إلى تلك الدساكر سحرة ... وغنمي بها من طيبات مواسمي وجر ذيول التيه في عرصاتها ... جهاراً وضمي للقدود النواعم خليلي لو وافيتموا حق صحبتي ... لكنتم رفاقي بين تلك المعالم فحيا الحيا دار الأحبة ما شدا ... على الدوح مطراب الأصائل هائم لقد طال ما نازعت فيه زجاجة ... تضمنت الأفراح من عهد آدم معتقة صاغ المزاج لرأسها ... أكاليل من در كدور دراهم إذا ما جلاها مخطف الخصر في الدجى ... وغنى عليها مثل شدو الحمائم أبحت طريفي في هواه وتالدي ... وصيرته مولى علي وحاكمي وله مشطراً بيتي الشيخ محمد الكراني الشاعر وهما مع التشطير: خبراني عن قهقهات القناني ... وابتهاج الربى بصوب الغمام واهتزاز الغصون في الروض ليناً ... أنا منها في غاية الإيهام أترى ضحكها لبسط الندامى ... أم سروراً لجمع شمل الكرام أم خطاباً لبلبل الدوح غنى ... أم بكاء على فراق المدام

стр. 312

وله مشطراً بيتين لبعض القدماء وهما مع التشطير: بالله يا قبر هل زللت محاسنه ... أم كيف رونقه والحسن والحور وحسن طرته ما شأن حالتها ... وهل تغير ذاك المنظر النضر يا قبر لا أنت لا روض ولا فلك ... يشوقنا منك ما نرجو وننتظر ولست في الحسن معشوقاً إلى أحد ... حتى تجمع فيك الغصن والقمر وله غير ذلك كثير لا تحسن الإطالة به هنا للخروج عن المقصود، توفي المترجم سنة إحدى عشرة ومائتين وألف رحمه الله تعالى. الشيخ إسماعيل بن أحمد البراوي الشافعي الأزهري الأجل الأعظم، والعمدة الأفخم، ذو القدر الأعلى، والفضل الأجلى، وهو ابن أخي الشيخ عيسى البراوي الشهير الذكر. قرأ على والده وأخذ عنه وعن غيره من المشايخ المشهورين وكان جسوراً كثير الحركة له تردد على مجالس الكبراء والعظماء ولم يزل كذلك إلى أن توفي والده المرقوم الشيخ أحمد البراوي، فتصدر بعده في مكانه وساعده الحظ على نوال مراده وإعلاء شأنه، وكان قليل البضاعة، لاشتغاله أيام الطلب بأسباب الإضاعة، إلا أنه كانت تغلب عليه النباهة والذكاء والحذق واللسانة، والسلاطة والتداخل، والتفاخم والتعاظم، ولم يزل يتعالى في أموره، ويصعد على سلم ظهوره، ويحافظ على قدره واعتباره، وتعاظمه وافتخاره، وكأنه لم يلتفت إلى قول من قال، وأحسن في المقال: من أخمل النفس أحياها وروحها ... ولم يبت طاوياً منها على ضجر إن الرياح إذا اشتدت عواصفها ... فليس ترمي سوى العالي من الشجر فلما دخل الفرنسيس مصر أدخلوه في عداد ذوي الفتنة فقتلوه مع من قتلوه من الشهداء سنة ثلاث عشرة ومائتين وألف ولم يعلم له قبر نظير غيره من المقتولين، ﵏ أجمعين.

стр. 313

إسماعيل بن يحيى بن حسن الصديق الصعدي ثم الذماري قال في التاج: ولد سنة ألف ومائة وثلاثين وكان صدراً من الصدور عظيم الهمة شريف النفس كبير القدر نافذ الكلمة، له دنيا واسعة وأملاك جليلة، وكان محدثاً من المحدثين، ومجتهداً من المجتهدين، يعمل بالأدلة القرآنية، والأحاديث النبوية، مات ﵀ تاسع صفر سنة ألف ومائتين وتسع. السيد إسماعيل بن السيد حمزة بن السيد يحيى بن السيد حسن ابن السيد عبد الكريم الشهير بابن حمزة، العالم الحسيب، والكامل النسيب، فخر العلماء، وصدر الفضلاء، أحد السادة الأعيان، ذوي الفضل والشان، من لاحت من بروج فضله شموس سعادته المشرقة، وصحت سماء عرفانه من سحاب الغيوم المطبقة، فلا غرو إن طلع مجده بدراً في غرة الصلاح، ونادى مؤذن إقباله حي على الفلاح، ولد بدمشق سنة ثلاث وثمانين ومائة وألف واشتغل في طلب الفنون، على علماء عصره ذوي القدر المصون، ثم وجهت إليه أمانة الفتوى أيام حسين أفندي المرادي، وكان عارفاً بتخريج المسائل، مقبلاً بكليته على السائل، خوف الغلط في الجواب، والذهول في موافقة الصواب، مات في جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين ومائتين وألف، ودفن عند أسلافه في مرج الدحداح ﵀. الشيخ إسماعيل بن أحمد بن علي المنيني الدمشقي الحنفي مفتي دمشق الشام الشيخ الإمام، مفتي الأنام، عمدة الحكام، وقطب مدار الأحكام، نادرة العصر، ويتيمة الدهر، ولد بدمشق الشام ونشأ بها سنة تسع وثلاثين ومائة وألف، وأخذ عن الأفاضل منهم الشهاب المنيني وعلي أفندي الداغستاني

стр. 314

والعلامة حسن البرزنجي والشيخ صالح الجينيني والشيخ عبد الرحمن الكفرسوسي، وفي سنة ثمان وثمانين ومائة وألف ولي وظيفة إفتاء دمشق الشام وكان قد ولي خطابة الجامع الأموي، مات سنة خمس عشرة ومائتين والف ودفن في مرج الدحداح. السيد إسماعيل بن أسعد الشهير بالخشاب الأزهري البليغ النجيب، والنبيه الفصيح الأديب، نادرة الزمان، وفرد الأوان، نشأ في حجر والده بيد أنه لم يمل قلبه إلى صنعته لأنه كان نجاراً، بل تولع في العلوم والمعارف فحفظ القرآن ثم جد بطلب العلم ولازم حضور السيد علي المقدسي وغيره من أفاضل الوقت، وأنجب في فقه الشافعية والمعقول وبقية العلوم، ثم تنزل في حرفة الشهادة في المحكمة الكبرى لضرورة المعاش، وتمسك بمطالعة الكتب الأدبية والتصوف والتاريخ، وتولع بذلك، وحفظ أشياء كثيرة من الأشعار والمراسلات وحكايات الصوفية، وما تكلموا فيه من الحقائق، حتى صار نادرة عصره في المحاورات والمحاضرات واستحضار المناسبات، ونظم الشعر الرائق، ونثر النثر الفائق، وصحب بسبب ما احتوى عليه من دماثة الأخلاق ولطف السجايا وكرم الشمائل وخفة الروح كثيراً من أرباب المظاهر، والرؤساء والأمراء والتجار، وتنافسوا في صحبته؛ وتفاخروا بمجالسته، وارتاحوا لمنادمته، وتنقلوا على طيب مفاكهته، وحسن مخاطبته، ولطف عباراته، ورقيق إشاراته، وكان الوقت إذ ذاك غاصاً بالأكابر، وذوي الفضائل والمفاخر، والناس في أرغد عيش، وأمن من المخاوف والطيش، وللمترجم قوة استحضار مؤنس، بحسب ما يقتضيه حال المجلس، فكان يجانس ويشاكل كل جليس بما يدخل عليه السرور في الخطاب، ويجذب عقله بلطف محادثته كما يفعل بالعقول الشراب، ولما وردت الفرنساوية إلى مصر تعلق بغلام من رؤساء كتابهم وكان

стр. 315

بارع الجمال، حسن التيه والدلال، عالماً ببعض العلوم العربية، مائلاً إلى اكتساب النكات الأدبية، فصيح اللسان، مليح البيان، يحفظ كثيراً من الأشعار التي بها يتفاخر، فلهذا مال كل منهما للآخر، فعند ذلك قال المترجم الشعر الرائق، ونظم الغزل الفائق، فمما قاله فيه، من بديع نظمه وقوافيه، قوله رحمه الله تعالى: ملكته الروح طوعاً ثم قلت له ... متى ازديارك لي أفديك من ملك فقال لي وحميا الراح قد عقلت ... لسانه وهو يثني الجيد من ضحك إذا غزا الفجر جيش الليل وانهزمت ... منه عساكر ذاك الأسود الحلك فجاءني وجبين الصبح مشرقة ... عليه من شغف آثار معترك في حلة من أديم الليل رصعها ... بمثل أنجمه في قبة الفلك فخلت بدراً به ضاءت نجوم دجى ... في أسود من ظلام الليل محتبك وافى وولى بعقل غير مختبل ... من الشراب وستر غير منهتك وله في آخر يسمى ريج: أدرها على زهر الكواكب والزهر ... وإشراق ضوء البدر في صفحة النهر وهات على نغم المثاني فعاطني ... على خدك المحمر حمراء كالجمر وموه لجين الكأس من ذهب الطلا ... وخضب بناني من سنى الراح بالتبر وهاك عقوداً من لآلي حبابها ... فم الكأس عنها قد تبسم بالبشر ومزق رداء الليل وامح بنورها ... دجاه وطف بالشمس فينا إلى الفجر وأصل بنار الخد قلبي وأطفه ... ببرد ثناياك الشهية والثغر أريج ذكي المسك أنفاسك التي ... أريج شذاها قد تبسم عن عطر معنبرة يسري النسيم بطيبها ... فتغدو رياض الزهر طيبة النشر وبي ذابل الأجفان كالبيض طرفه ... مكحلة أجفانه السود بالسحر رشا فاتك الألحاظ عيناه غادرت ... فؤادي في دمعي دماً سائلاً يجري طويل نجاد السيف ألمى محجب ... شقيق المها زاهي البها ناحل الخصر

стр. 316

رقيق حواشي الطبع يغني حديثه ... عن اللؤلؤ المنظوم والنظم والنثر يعير الرماح اللين عادل قده ... ويزري الدراري ضوء مبسمه الدر وتحكيه أغصان الربا في تمايل ... فيرفل في أثواب أوراقها الخضر وفوق سنى ذا الجبين غياهب ... من الشعر تبدو دونها طلعة البدر ولما وقفنا للوداع عشية ... وأمسى بروحي يوم جد النوى يسري تباكى لتوديع فأبدى شقائقاً ... مكللة من لؤلؤ الطل بالقطر ولما نظم الشيخ حسن العطار موشحته التي يقول فيها شعراً: أما فؤادي فعنك ما انتقلا ... فلم تخيرت في الهوى بدلا فاعجب يا معرضاً عن محبة الدنف ... ومغرماً بالجمال والصلف ومن به زاد في الهوى شغفي ... أما كفى يا ظلوم ما حصلا حتى جعلت الصدود ... والمللا مذهب فتش فؤادي فليس فيه سوى ... شخصك أيها المليح ثوى قد ضل قلبي لسكنه وغوى ... وهكذا من يحب معتدلا لم يلق إلا تأسفاً ... وقلى مشرب وهي طويلة مذكورة في ديوانه عارضه المترجم المذكور بقوله في معشوقه الذي ذكرناه: يهتز كالغصن مال معتدلا ... أطلع بدراً عليه قد سدلا غيهب يزري بسمر الرماح إن خطرا ... ساحر جفن أمهجتي سحرا علم عيني البكاء والسهرا ... فكيف أبيغ بحبه بدلا وليس لي عنه جار ... أو عدلا مهرب وضاح نور الجبين أبلجه ... أغيد عذب الرضاب أفلجه

стр. 317

وجه غرامي عليه متجه ... فلست أصغي لعاذل عذلا كلا وعنه فلا ... أحول ولا أرغب وبقيتها في ديوانه، وقال فيه أيضاً وهو مما يعتني به: أدرها على زهر الكواكب والزهر ... وإشراق نور البدر في صفحة النهر إلى آخرها ولم يزل المترجم على حالته، ورقته ولطافته، مع ما كان عليه من كرم النفس والعفة والنزاهة والتولع بمعالي الأمور، والتكسب وكثرة الإنفاق والحزم في الأمور، إلى أن ابتلي بحصر البول مع الحرقة والتألم واستدام بها مدة طويلة حتى لزم الفراش أياماً. وتوفي في يوم السبت ثاني شهر ذي الحجة الحرام سنة ثلاثين ومائتين وألف، وصلي عليه بالأزهر في مشهد عظيم ودفن في الحسينية. وما أحسن ما قال القائل: فلا سرور سوى نفع بعافية ... وحسن ختم وما يأتي من الشغب وأمن نكر نكير القبر ثمة ما ... يكون بعد من الأهوال والتعب حافظ إسماعيل بن محمد بن محمد القسطنطيني الحنفي الشهير بكاتب زاده العالم الذي هو في سلك الأفراد منظوم، والفاضل الذي دار عليه فلك المنطوق والمفهوم، الإمام المحقق، والهمام المدقق، الألمعي الفقيه، واللوذعي النبيه، ولد سنة ألف ومائة وثلاثين في مدينة أماسية، فاجتهد بعد بلوغه في تحصيل العلوم الشرعية والعقلية، ثم انتقل إلى اسلامبول، وقد أخذ عن كثير من العلماء، والسادة الفضلاء، من أجلهم الشيخ محمد ابن حسن بن همات الحنفي الشامي مولداً الاسلامبولي موطناً والشيخ عمر بن أحمد باعلوي السقاف. ولي قضاء دمشق عام ألف ومائة وثمانية وتسعين، وكانت تغلب عليه الديانة، والزهادة والصيانة، ولم ير له نظير في قضاة زمانه، وعصره وأوانه، وأخذ عنه الكثير من أهل الشام الأمجاد، ومن

стр. 318

أجلهم السيد شاكر العمري الشهير بالعقاد، ثم بعد الشام ولي قضاء المدينة المنورة، سنة ألف ومائتين وسنة، فارتحل إليها بالراحة والسرور، والفرح والحبور، إلى أن وصلها ولم يطل أمره حتى مرض وتوفي هناك سنة ألف ومائتين وسنة، وصلي عليه في الحرم الشريف، ودفن في البقيع رحمة الله تعالى علينا وعليه. الشيخ إسماعيل أبو المواهب بن محمد بن صالح بن رجب بن يوسف الحلبي الحنفي الشهير بالمواهبي العالم الفقيه الفاضل، المحدث الواعظ الأديب الكامل، حجة العلماء، وكعبة الفضلاء، وبقية السلف، ونخبة الخلف، ولد ثالث عشر ذي الحجة الحرام سنة ستين ومائة وألف ونشأ بكنف والده وقرأ عليه العلوم وانتفع به ولازمه، وسمع منه الأحاديث الكثيرة وتأدب بآدابه وأجاز له غير مرة، وقرأ بقية الفنون وأخذها ببحث وإتقان عن أبي محمد عبد الكريم ابن أحمد الشراباتي الحلبي الشافعي، وأبي عبد الله محمد بن إبراهيم الطبرسي الحنفي وغيرهم، وانتفع بهم ولازمهم وأخذ عنهم وسمع عليهم واستجازهم فأجازوه إجازة عامة. ولما قدم حلب المحدث الكبير، والعالم الشهير، أبو عبد الله محمد بن محمد الطيب المغربي الفاسي المالكي نزيل المدينة المنورة، عقد مجلس حديث في الجامع الأموي بحلب، وسمع منه المترجم ولازمه وسمع منه حديث الرحمة المسلسل بالأولية مع والده، وأجازه غير مرة، وسمع الحديث المذكور من أبي محمد عبد القادر بن خليل الكدك المدني لما قدم حلب وأجازه برواياته بعد أن قرأ عليه أوائل الكتب وبعض المسانيد، وسمع حديث الأولية أيضاً من أبي عبد الله الحسين بن علي بن عبد الله الشكور الطائفي المكي وأجازه بخطه، وكذلك الشهاب أحمد بن الحسن الخالدي الجوهري، وأحمد بن عبد الفتاح

стр. 319

اللدي وغيرهم، ومهر ونبل وتفوق، وأخذ عن والده الطريقة القادرية، وجلس بعد موته على سجادة المشيخة وأقام الأذكار وأجاد في الإرشاد، وانتفع به الحاضر والباد، وكان يختلي في الصالحية كل سنة أربعين يوماً ومعه جماعة كثيرون. وكان كثير الإفادة والوعظ والتدريس في الجامع الأموي بحلب، مكان والده وجده على الكرسي الموضوع تجاه مقام سيدنا زكريا، وسمع منه الجم الغفير وحضره كثير من الناس، وأفاد واشتغل عليه الناس بالأخذ في داره، وأخذ عنه الطريق كثير من الناس من حلب وأطرافها وانتفعوا، وعلا قدره عند الحكام والأعيان، وأظهروا له الانقياد والإذعان، ونفذت كلمته، وقبلت شفاعته، وفاق فضله على أبيه وجده، وكان لطيفاً مهاباً لين العشرة حسن المذاكرة، قوي الحافظة في الآثار والسنن، وافر العبادة والتنقل والذكر، ومن جملة من أخذ عنه محمد خليل أفندي المرادي مفتي دمشق الشام، وأجازه إجازة عامة في حلب سنة ألف ومائتين وخمس، وفي سنتها خرج المترجم إلى الحجاز ورجع إلى بلده، ولم يزل على ما كان عليه من الدأب على العلم والعبادة والذكر والمذاكرة والإرشاد، إلى أن توفي خامس شهر رمضان سنة ثماني عشرة ومائتين وألف رحمه الله تعالى. الشيخ إسماعيل بن محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن ابن محمد بن محمد بن محمد الأريحاوي الشافعي الشهير بالعاري أبو الفدا صلاح الدين الكاتب الصالح الدين، البركة الفقيه النبيه. ولد بأريحا ليلة الجمعة السابع والعشرين من ربيع الثاني سنة أربع وثلاثين ومائة وألف، وقرأ على والده وجده البرهان المشهور المفتي وانتفع بهما، وأخذ الخط عن جده، وقرأ على عواد بن حسين العبسي السرجاوي وسمع منه حديث الرحمة المسلسل بالأولية وبقية مسلسلات ابن عقيلة المكي

стр. 320

بروايته لهم عنه، وأجازوه الإجازة العامة، وأخذ الطريقة الرفاعية عن الشهاب أحمد بن إسماعيل القصيري الرفاعي، ودخل حلب وحضر بها دروس أبي الفتوح علي بن مصطفى الدباغ الميقاتي، وأبي عبد الفتاح محمد بن حسين وغيرهم وسمع عليهم، وأكثر من كتابة الكتب وكتب الكثير من المصاحف الشريفة والتفاسير وكتب الحديث والفقه وبقية الفنون، وكان سريع الكتابة حسن الضبط والخط أديباً صالحاً تقياً عابداً زاهداً من أحاسن الناس وخيارهم وصلحائهم، والملازمين على وتيرة السلف، والقائمين بأعباء العبادة من تهجد وذكر وصلاة وصيام، واجتناب ما يجب اجتنابه وفعل ما يجب فعله. راضياً بما يحصل له من غلال بعض أراضيه وثمرات أشجاره وزيتونه وأجرة كتابته التي يكتبها، وأفاد واستفاد واشتهر ذكره بالعلم والإرشاد، توفي سنة ألف ومائتين ودون العشرة. الشيخ إسماعيل بن عبد الجواد بن أحمد الكيالي السرميني الأصل الحلبي الشافعي العالم الفاضل الصوفي المتقن، الولي البركة الصالح التقي النقي المتفنن. ولد سنة اثنتين وسبعين ومائة وألف، وقرأ القرآن العظيم ونشأ بكنف والده وتخرج به وعليه، واشتغل بالأخذ والتحصيل فقرأ على أبي اليمن محمد تاج الدين بن طه بن أحمد العقاد، وأبي العدل قاسم بن علي التونسي المالكي المغربي، وأبي عبد الله محمد بن محمد الأريحاوي وغيرهم. وحصل ونبل وفاق في مدة يسيرة على الكثير من العلماء حتى شهد له بالتقديم شيوخه، وأقر له بذلك الجم الغفير، وكان والده يثني عليه ويحبه ويقدمه على إخوته، وأخذ عنه وأجازه بمروياته. وبعد وفاته درس وشرع بالإفادة والتسليك وقام مقامه، حتى قدر الله تعالى أنه في سنة المائتين والألف حصل له جذبة فخلع ثيابه وصار يدور في الأسواق على هذه الحالة، ويتكلم بما
следующие страницы →