← Тараджим

Тараджим · id 31371

حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر

عبد الرزاق البيطار

Полный текст (1 568 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

رقيق حواشي الطبع يغني حديثه ... عن اللؤلؤ المنظوم والنظم والنثر يعير الرماح اللين عادل قده ... ويزري الدراري ضوء مبسمه الدر وتحكيه أغصان الربا في تمايل ... فيرفل في أثواب أوراقها الخضر وفوق سنى ذا الجبين غياهب ... من الشعر تبدو دونها طلعة البدر ولما وقفنا للوداع عشية ... وأمسى بروحي يوم جد النوى يسري تباكى لتوديع فأبدى شقائقاً ... مكللة من لؤلؤ الطل بالقطر ولما نظم الشيخ حسن العطار موشحته التي يقول فيها شعراً: أما فؤادي فعنك ما انتقلا ... فلم تخيرت في الهوى بدلا فاعجب يا معرضاً عن محبة الدنف ... ومغرماً بالجمال والصلف ومن به زاد في الهوى شغفي ... أما كفى يا ظلوم ما حصلا حتى جعلت الصدود ... والمللا مذهب فتش فؤادي فليس فيه سوى ... شخصك أيها المليح ثوى قد ضل قلبي لسكنه وغوى ... وهكذا من يحب معتدلا لم يلق إلا تأسفاً ... وقلى مشرب وهي طويلة مذكورة في ديوانه عارضه المترجم المذكور بقوله في معشوقه الذي ذكرناه: يهتز كالغصن مال معتدلا ... أطلع بدراً عليه قد سدلا غيهب يزري بسمر الرماح إن خطرا ... ساحر جفن أمهجتي سحرا علم عيني البكاء والسهرا ... فكيف أبيغ بحبه بدلا وليس لي عنه جار ... أو عدلا مهرب وضاح نور الجبين أبلجه ... أغيد عذب الرضاب أفلجه

стр. 317

وجه غرامي عليه متجه ... فلست أصغي لعاذل عذلا كلا وعنه فلا ... أحول ولا أرغب وبقيتها في ديوانه، وقال فيه أيضاً وهو مما يعتني به: أدرها على زهر الكواكب والزهر ... وإشراق نور البدر في صفحة النهر إلى آخرها ولم يزل المترجم على حالته، ورقته ولطافته، مع ما كان عليه من كرم النفس والعفة والنزاهة والتولع بمعالي الأمور، والتكسب وكثرة الإنفاق والحزم في الأمور، إلى أن ابتلي بحصر البول مع الحرقة والتألم واستدام بها مدة طويلة حتى لزم الفراش أياماً. وتوفي في يوم السبت ثاني شهر ذي الحجة الحرام سنة ثلاثين ومائتين وألف، وصلي عليه بالأزهر في مشهد عظيم ودفن في الحسينية. وما أحسن ما قال القائل: فلا سرور سوى نفع بعافية ... وحسن ختم وما يأتي من الشغب وأمن نكر نكير القبر ثمة ما ... يكون بعد من الأهوال والتعب حافظ إسماعيل بن محمد بن محمد القسطنطيني الحنفي الشهير بكاتب زاده العالم الذي هو في سلك الأفراد منظوم، والفاضل الذي دار عليه فلك المنطوق والمفهوم، الإمام المحقق، والهمام المدقق، الألمعي الفقيه، واللوذعي النبيه، ولد سنة ألف ومائة وثلاثين في مدينة أماسية، فاجتهد بعد بلوغه في تحصيل العلوم الشرعية والعقلية، ثم انتقل إلى اسلامبول، وقد أخذ عن كثير من العلماء، والسادة الفضلاء، من أجلهم الشيخ محمد ابن حسن بن همات الحنفي الشامي مولداً الاسلامبولي موطناً والشيخ عمر بن أحمد باعلوي السقاف. ولي قضاء دمشق عام ألف ومائة وثمانية وتسعين، وكانت تغلب عليه الديانة، والزهادة والصيانة، ولم ير له نظير في قضاة زمانه، وعصره وأوانه، وأخذ عنه الكثير من أهل الشام الأمجاد، ومن

стр. 318

أجلهم السيد شاكر العمري الشهير بالعقاد، ثم بعد الشام ولي قضاء المدينة المنورة، سنة ألف ومائتين وسنة، فارتحل إليها بالراحة والسرور، والفرح والحبور، إلى أن وصلها ولم يطل أمره حتى مرض وتوفي هناك سنة ألف ومائتين وسنة، وصلي عليه في الحرم الشريف، ودفن في البقيع رحمة الله تعالى علينا وعليه. الشيخ إسماعيل أبو المواهب بن محمد بن صالح بن رجب بن يوسف الحلبي الحنفي الشهير بالمواهبي العالم الفقيه الفاضل، المحدث الواعظ الأديب الكامل، حجة العلماء، وكعبة الفضلاء، وبقية السلف، ونخبة الخلف، ولد ثالث عشر ذي الحجة الحرام سنة ستين ومائة وألف ونشأ بكنف والده وقرأ عليه العلوم وانتفع به ولازمه، وسمع منه الأحاديث الكثيرة وتأدب بآدابه وأجاز له غير مرة، وقرأ بقية الفنون وأخذها ببحث وإتقان عن أبي محمد عبد الكريم ابن أحمد الشراباتي الحلبي الشافعي، وأبي عبد الله محمد بن إبراهيم الطبرسي الحنفي وغيرهم، وانتفع بهم ولازمهم وأخذ عنهم وسمع عليهم واستجازهم فأجازوه إجازة عامة. ولما قدم حلب المحدث الكبير، والعالم الشهير، أبو عبد الله محمد بن محمد الطيب المغربي الفاسي المالكي نزيل المدينة المنورة، عقد مجلس حديث في الجامع الأموي بحلب، وسمع منه المترجم ولازمه وسمع منه حديث الرحمة المسلسل بالأولية مع والده، وأجازه غير مرة، وسمع الحديث المذكور من أبي محمد عبد القادر بن خليل الكدك المدني لما قدم حلب وأجازه برواياته بعد أن قرأ عليه أوائل الكتب وبعض المسانيد، وسمع حديث الأولية أيضاً من أبي عبد الله الحسين بن علي بن عبد الله الشكور الطائفي المكي وأجازه بخطه، وكذلك الشهاب أحمد بن الحسن الخالدي الجوهري، وأحمد بن عبد الفتاح

стр. 319

اللدي وغيرهم، ومهر ونبل وتفوق، وأخذ عن والده الطريقة القادرية، وجلس بعد موته على سجادة المشيخة وأقام الأذكار وأجاد في الإرشاد، وانتفع به الحاضر والباد، وكان يختلي في الصالحية كل سنة أربعين يوماً ومعه جماعة كثيرون. وكان كثير الإفادة والوعظ والتدريس في الجامع الأموي بحلب، مكان والده وجده على الكرسي الموضوع تجاه مقام سيدنا زكريا، وسمع منه الجم الغفير وحضره كثير من الناس، وأفاد واشتغل عليه الناس بالأخذ في داره، وأخذ عنه الطريق كثير من الناس من حلب وأطرافها وانتفعوا، وعلا قدره عند الحكام والأعيان، وأظهروا له الانقياد والإذعان، ونفذت كلمته، وقبلت شفاعته، وفاق فضله على أبيه وجده، وكان لطيفاً مهاباً لين العشرة حسن المذاكرة، قوي الحافظة في الآثار والسنن، وافر العبادة والتنقل والذكر، ومن جملة من أخذ عنه محمد خليل أفندي المرادي مفتي دمشق الشام، وأجازه إجازة عامة في حلب سنة ألف ومائتين وخمس، وفي سنتها خرج المترجم إلى الحجاز ورجع إلى بلده، ولم يزل على ما كان عليه من الدأب على العلم والعبادة والذكر والمذاكرة والإرشاد، إلى أن توفي خامس شهر رمضان سنة ثماني عشرة ومائتين وألف رحمه الله تعالى. الشيخ إسماعيل بن محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن ابن محمد بن محمد بن محمد الأريحاوي الشافعي الشهير بالعاري أبو الفدا صلاح الدين الكاتب الصالح الدين، البركة الفقيه النبيه. ولد بأريحا ليلة الجمعة السابع والعشرين من ربيع الثاني سنة أربع وثلاثين ومائة وألف، وقرأ على والده وجده البرهان المشهور المفتي وانتفع بهما، وأخذ الخط عن جده، وقرأ على عواد بن حسين العبسي السرجاوي وسمع منه حديث الرحمة المسلسل بالأولية وبقية مسلسلات ابن عقيلة المكي

стр. 320

بروايته لهم عنه، وأجازوه الإجازة العامة، وأخذ الطريقة الرفاعية عن الشهاب أحمد بن إسماعيل القصيري الرفاعي، ودخل حلب وحضر بها دروس أبي الفتوح علي بن مصطفى الدباغ الميقاتي، وأبي عبد الفتاح محمد بن حسين وغيرهم وسمع عليهم، وأكثر من كتابة الكتب وكتب الكثير من المصاحف الشريفة والتفاسير وكتب الحديث والفقه وبقية الفنون، وكان سريع الكتابة حسن الضبط والخط أديباً صالحاً تقياً عابداً زاهداً من أحاسن الناس وخيارهم وصلحائهم، والملازمين على وتيرة السلف، والقائمين بأعباء العبادة من تهجد وذكر وصلاة وصيام، واجتناب ما يجب اجتنابه وفعل ما يجب فعله. راضياً بما يحصل له من غلال بعض أراضيه وثمرات أشجاره وزيتونه وأجرة كتابته التي يكتبها، وأفاد واستفاد واشتهر ذكره بالعلم والإرشاد، توفي سنة ألف ومائتين ودون العشرة. الشيخ إسماعيل بن عبد الجواد بن أحمد الكيالي السرميني الأصل الحلبي الشافعي العالم الفاضل الصوفي المتقن، الولي البركة الصالح التقي النقي المتفنن. ولد سنة اثنتين وسبعين ومائة وألف، وقرأ القرآن العظيم ونشأ بكنف والده وتخرج به وعليه، واشتغل بالأخذ والتحصيل فقرأ على أبي اليمن محمد تاج الدين بن طه بن أحمد العقاد، وأبي العدل قاسم بن علي التونسي المالكي المغربي، وأبي عبد الله محمد بن محمد الأريحاوي وغيرهم. وحصل ونبل وفاق في مدة يسيرة على الكثير من العلماء حتى شهد له بالتقديم شيوخه، وأقر له بذلك الجم الغفير، وكان والده يثني عليه ويحبه ويقدمه على إخوته، وأخذ عنه وأجازه بمروياته. وبعد وفاته درس وشرع بالإفادة والتسليك وقام مقامه، حتى قدر الله تعالى أنه في سنة المائتين والألف حصل له جذبة فخلع ثيابه وصار يدور في الأسواق على هذه الحالة، ويتكلم بما

стр. 321

لا يعني من الكلام، ومال إلى الخمول والذهول وتغيرت أحواله، ومع هذه الحالة شوهدت له كرامات كلية، وخوارق وأحوال وأخبارات غيبية، وكانت الناس تحترمه وتهابه وتخشى من بطشه، ويرجون دعواته، وينظرون إليه بعين المهابة والتعظيم، ويذكرون الله عند رؤيته كما هو علامة أهل الله الذين إذا رؤوا ذكر الله عند رؤيتهم. ولم يزل كذلك إلى أن توفي سنة ألف ومائتين ونيف وثلاثين ظناً. الشيخ إسماعيل الشيرواني الخالدي النقشبندي قال في المجد التالد: الولي النحرير العلامة، والبحر الفهامة، صاحب الأنفاس القدسية، والنفحات الأنسية، العارف بالله، والغارف من بحر نداه، أكب على العلم والعمل من صغره، ودأب على الإفادة في كبره، ثم لما عاد حضرة مولانا خالد إلى السليمانية من الهند، فإنه لازم خدمته، والتزم طاعته، وسلك على يديه طريق السداد، ثم خلفه خلافة مطلقة وأذن له بالإرشاد، ونشر العلوم، فانتفع به الناس طريقة وعلما، وله خوارق عجيبة وهو من أجل الأفاضل، وأفضل ذوي الفضائل، توفي سنة ألف ومائتين ونيف وخمسين. الشيخ السيد إسماعيل البرزنجي الخالدي النقشبندي العالم الفاضل، النسيب الشريف الفقيه العامل، الحافظ التقي الأديب، الحسيب اللبيب الأريب، نشأ في العلم والصلاح، ونهج منهاج الطاعة والنجاح، وكان من أخص جماعة حضرة مولانا خالد شيخ الحضرة، وكان يخدمه ويقرأ عليه، ويكتب له الكتب، لما كان له من جودة الخط، وكان حضرة الشيخ يحبه محبة عظيمة ولا يعبر عنه إلا بأخينا الشيخ إسماعيل.

стр. 322

وكان هذا المترجم من العلوم الفقهية والعربية والأدبية على حظ عظيم، وكان مع حفظه للقرآن وبعض الكتب التوحيدية والفقهية حافظاً لمقامات الحريري، وله شعر ونثر رائق في العربية والفارسية، قرأ على مولانا خالد قدس سره منذ نشأ ولم يقرأ على غيره، وخلفه خلافة مطلقة، إلا أنه لم يسمع أنه أرشد أحداً، وكان كثير الأسفار لحج بيت الله الحرام، وزيارة خير الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام، وإلى الشام لزيارة قبر حضرة شيخه مولانا خالد، وتوفي في بغداد وهو على زيادة ترقية وتوقيه، سنة ألف ومائتين ونيف وخمسين تقريباً. الشيخ إسماعيل البصري النقشبندي الخالدي خلاصة الأفاضل، وصفوة ذوي الشمائل، العالم العامل، والإمام المهذب الكامل، ذو السيادة والعبادة، والخضوع والزهادة، رحمة المريدين، وتحفة السالكين والمترددين، أخذ في العلم والعمل، ولم ينله ملل ولا كسل، وكان في الزهد والتقوى، في السر والنجوى، والتذلل والخضوع، والتواضع والخشوع، والجود والكرم، وتحريك الهمم، إلى الإقبال على بارىء أمشاج الأمم، في درجة عالية، ورتبة سامية، ثم تحلى بأخذ الطريق، عن سيد ذوي التدقيق، شيخ الحضرة مولانا خالد، ثم خلفه وأتحفه بالالتفات الزائد، فاشتهر في البلاد، وانتفع به العباد، وورد عليه الواردون من كل ناد، ولاحظته عين الإسعاد، ولم يزل ينمو أمره في الرفعة ويزداد، إلى أن تم أجله، وانقطع أمله، وذلك سنة الف ومائتين وفوق الأربعين. الشيخ إسماعيل بن الشيخ عبد الغني بن طالب بن حماده ابن إبراهيم بن سليمان الميداني حليف أدب وأرب، وأليف لطف وطرب، قد طالت في الفضل باعه، وشربت حب المعارف طباعه، فذهب في مجال التقدم عرضاً وطولاً،

стр. 323

وأصبح في معالي الترقي وله اليد الطولى، وقد كانت ولادته في النصف الثاني من ذي الحجة الحرام الذي هو في سنة الألف والمائتين والأربع والخمسين، ونشأ في حجر والده نخبة المتقين، وبعد أن بلغ سن التمييز قرأ القرآن العزيز، ثم حضر على والده الفقه النعماني، إلى أن بلغ منه جل الأماني، وأخذ جملة من علوم الآلات عن شيخنا العلامة الفاضل، والفهامة الكامل، نادرة الزمان، وأوحد العصر والأوان، الشيخ محمد أفندي الطنطاوي، أعلى الله في درجات القرب مقامه، وأعطاه في حديقة الرضوان مرغوبه ومرامه، وحضر مجالس كثيرين من أهل الفضل، ممن يعتمد عليهم في القول والنقل، منهم بل أعلاهم وأعلمهم علم الأعلام، وعمدة الحكام، أخي وشقيقي الهمام، الشيخ محمد أفندي أمين فتوى الشام، وكثيراً ما كان يضمني وإياه مجلس المطالعة في كل علم رفيع، من تفسير وحديث وتوحيد وغير ذلك من معان وبديع، وكان ينقاد إلي، ويعتمد في حل المشكلات علي، وله جمال وصفا، ووداد ووفا، توفي في رمضان سنة اثنان وثلاثون وثلاثمائة وألف، أعلى الله في مدارج السيادة مرتقاه، وجعل الجنة مثواه ومأواه. إسماعيل بن محمد بن مصطفى بن أمين سفر المدني نجيب نشأ في بيت النجابة، ونبت في مغرس اللبابة، ومن كان أباه البحر الزاخر، فلا غرو أنه صدف در المفاخر، فإنه كامل عليه أنوار الكمال زاهرة، ودلائل الفضل منه ظاهرة، ليس إلا بالتحصيل اشتغاله، وإلى الاستفادة حركاته وانتقاله، فحسبه رفيع، وأدبه كالزهر المريع، وله ذهن تحمد آثاره، وفكر تمدح أشعاره، فمن محاسن كلماته، وغرر نظمه وأبياته، قوله باعثاً بهذه القصيدة لأهله من مصر المحروسة: يصل الكتاب إليكم يا سادتي ... فتعطفوا بجوابه وتأهبوا للعبد إسماعيل نجل محمد ... عبد ذليل عاجز متغرب

стр. 324

قد صار يجري الدمع من أجفانه ... من حبكم إذ حبكم لا يذهب من قلبه المضنى السقيم لبعدكم ... والبعد هام للأنام يهذب أعني الرسول الهاشمي المصطفى ... من ربنا أدناه فهو محبب وكذا ارتضاه الخلة ولغيرها ... فهو الحبيب الهاشمي الطيب فقفوا جميعاً تحت باب أكرم ... وسلوه في كل الأمور وجربوا وأقروا التحية والسلام عليه ما ... هب الجنوب لنا كذاك الأريب وكذاك سيدنا أبو بكر العلى ... وسراجنا من للعين يهرب ثم ابن عفان الحيي وحيدر ... من للوغى أضحى هناك يجرب ولبضعة المختار سيدة النسا ... وبناته الأطهار وكذاك حمزة عمه البطل الذي ... أضحى لكل الكافرين يؤدب ولعمه العباس ثم صحابه ... في غرقد أضحى بهم يتطيب أيضاً وزوجات النبي المصطفى ... والتابعين ومن إليهم ينسب فسلوا جنابهم العلي مقامه ... يدعو الإله لعبدهم بل يطلبوا عودا له في حسن أحسن حالة ... ووفاء دين صار منه يعذب وفصاحة وبلاغة في قوله ... حتى يكون إذا تكلم يعجب ودخوله في دار فردوس علت ... ورضاء رب حب هذا المطلب وسلامة من حر نار جهنم ... نار العدا من حرها تتلهب وسعادة الدارين ثم حياته ... في حالة يرضى بها ويقرب ثم الصلاة مع السلام على الذي ... بضريحه مسك سحيق طيب وكذاك كل الآل والأصحاب ما ... قد لاذ بالأعتاب عبد مذنب الشيخ أمين بن محمد الجندي الحمصي الشافعي ابن خالد بن عبد الرزاق الشاعر اللبيب، والماهر الأديب، والكامل الأريب، والفاضل النجيب،

стр. 325

من اشتهر برقة المعاني كلامه الفائق، ورقى فوق ذروة الفصاحة حسن انسجامه الرائق، قد حضر دروس العلماء الدمشقيين، وشهدوا له بالفضل والقدر المكين، وابتهج به ذوو المعارف، وأقروا له بالفضائل والعوارف، وكان حسن النظم والنثر، قد فاق أهل زمانه بما ألقاه من بديع الشعر، وله المقطعات العجيبة المباني، التي لم يسبق لها مثيل في جزالة الألفاظ ولطافة المعاني، استعمل فيها الكلمات المألوفة في هذا الزمان، التي تطرب لسماعها القلوب والآذان، ولا بدع فناظمها هو العالم النحرير، والشاعر الشهير، لبيب عصره، وأديب قطره فضلاً عن مصره، منور الأفكار ببلاغته، ومزين الألفاظ ببراعته، قد خلع عليه الصفي صفاه، وتبعه المتنبي ورجع عن مدعاه، ولد بمدينة حمص الشهيرة، ونشأ بها في طلب العلوم، وتحقيق المنطوق والمفهوم، ثم صار يتردد إلى دمشق الشام، ويقرأ على علمائها الأعلام، وأخذ وتلقى وقرأ على قطب زمانه، ومرشد أقرانه، السيد الشيخ عمر اليافي، قدس الله سره الوافي، فحل عليه نظره التام، حتى قال له اذهب فأنت أشعر أهل الغرام، فصار الشعر فيه سجيه، والبلاغة له عطية، ينظم القصائد المفيدة، والقدود الفريدة، والموشحات النضيدة، والمقاطيع السديدة، والمواليات العديدة، فسارت الركبان بكلامه، وتزينت المجالس بنظامه، فيا له من ماهر ألبس الدهر أحسن أثوابه، وأنفق الدر الثمين على أقرانه وأحبابه، فصار مفرداً في نظامه، معدولاً إلى بديع كلامه. وفي سنة ست وأربعين ومائتين وألف أتى إلى حمص عامل من قبل السلطان محمود خان، وما لبث أن وشى إليه بصاحب الترجمة بعض أعوانه أنه هجاه، وقال عليه ما لا يرضاه، فأمر بنفيه وإخراجه من حمص بحال الذل والقهر، وبلغ الشيخ أمين خبر هذا الأمر، ففر هارباً إلى مدينة حماه، وظن أنها تكون مكان حفظه وحماه، وعلم العامل بفراره، فأرسل في طلبه جماعة من أنصاره، فقبضوا عليه في الطريق، وأرسلوا الخبر إلى العامل،

стр. 326

فأمر بأن يضيق عليه أشد التضييق، وأن يحبس في اسطبل الدواب، ويسد عليه الباب، وأن يعطى له في اليوم والليلة قرص شعير، وشربة ماء مع غاية التكدير، ففعلوا به ذلك، وأوردوه موارد المهالك، فاشتغل بنظم قصيدة يمدح بها النبي ﷺ ويتوسل به في خلاصه. ففي اليوم الرابع من حبسه دخل سليم بن باكير الدنادشة حمص قهراً، ومعه مايتا فارس فقتلوا العامل المرقوم شر قتلة، وخرج المترجم من الحبس وفرج الله عنه ببركة النبي ﷺ هذه القصيدة: توسلت بالمختار أرجى الوسائل ... نبي لمثلي خير كاف وكافل هو الرحمة العظمى هو النعمة التي ... غدا شكرها فرضاً على كل عاقل هو المصطفى المقصود بالذات ظاهراً ... من الخلق فانظر هل ترى من مماثل نجي إله العرش بل وحبيبه ... وخيرته من خير أزكى القبائل شمائله تنبيك عن حسن خلقه ... فقل ما تشا في وصف تلك الشمائل وأخلاقه فاه الكتاب بمدحها ... ولاسيما الإعراض عن كل جاهل نبي هدى سن التواضع عن علا ... فحل من العليا بأعلى المنازل تقي تردى الجود والحلم حلة ... تجسم فيها المجد بعد التكامل وفي الحرب والمحراب نور جبينه ... يريك شعاع الشمس من غير حائل له النسب الوضاح والسؤدد الذي ... تسامى على هام السهى بالتطاول يقولون لي هلا ابتهجت بمدحه ... فإنك ذو فهم كفهم الأوائل فقلت لهم هل بعد مدحة ربنا ... وخدمة جبريل مجال لقائل وأين الثنا ممن رأى الله يقظة ... وقام يناجي ربه غير ذاهل ولكنه بحر البحور تواصلت ... لأفضاله بالمدح كل الأفاضل دعوتك يا الله مستشفعاً به ... فكن منجدي يا منتهى كل آمل سألتك كشف الضر عني بجاهه ... وحاشاك أن لا تستجيب لسائل إلهي قد اشتدت كروبي وليس لي ... سواك مغيث في الخطوب الغوائل

стр. 327

إلهي تدارك ضعف حالي برحمة ... ولطف خفي عاجل غير آجل وفي علتي حار الطبيب فكدت أن ... أجاوز حد اليأس من ذي العواضل وبالسقم أعضائي اضمحلت جميعها ... فلم يبق مني مفصل غير ناحل ومن فرط ما بي من نحول ولوعة ... بكت رحمة لي حسدي وعواذلي فمن لا سير الذنب من ورطة البلا ... بفك قيود أو بقد سلاسل كأني غريب بين قومي وما لهم ... شعور بأشعاري ولا في رسائلي أنادي فلا ألقى مجيباً سوى الصدى ... فأحسب أن الحي ليس بآهل وإني إذا ما رمت خلاً موافياً ... فقد رمت شيئاً عز عن كل نائل وهل مشفق ألقاه أرحم من لظى ... حشائي ومن قاني دموعي الهوامل ألا ليت شعري هل تفردت في الورى ... بكسب الخطايا وارتكاب الرذائل ومن دون كل الخلق عولجت بالأسى ... قصاصاً وحسبي زلتي ونصائلي فإن كان هذا بالذنوب وليس لي ... شفاء وجسمي داؤه غير ناصلي فإني بطه مستغيث وراغب ... إلى الله فهو الغوث في كل هائل وإخوانه الرسل الكرام جميعهم ... وباقي النبيين البدور الكوامل وبالخلفاء الراشدين وآله ... وأصحابه الغر الثقات الأماثل خصوصاً رفيق الغار ذي الرأي والحجى ... أبي بكر الصديق صدر المحافل إمام فدى خير الأنام بنفسه ... وفي ماله ما كان قد بباخل وفي درء تلك الفتنة اختص وحده ... ولولاه لارتدت جميع القبائل كذاك أمير المؤمنين وعزهم ... أبو حفص الفاروق محيي النوافل فتى أيد الإسلام فيه وأقمعت ... به البدعة السوداء رغماً لناكل بعثمان ذي النورين من جمعت به ... بجمع كتاب الله كل الفضائل ومن لزم المحراب طول حياته ... ومات شهيداً صابراً غير صائل بقالع باب الخيبري الذي اغتدى ... لراية نصر الجيش أعظم حامل علي أبي السبطين في صدرة الوغى ... مبيد العدى ليث الحروب المداحل

стр. 328

بطلحتهم ثم الزبير وسعدهم ... كذاك سعيد من سما بالفضائل بصدق أبي عوف بذي الهمة التي ... يدك لها في البأس صم الجنادل يفاتح قطر الشام سيدنا أبي ... عبيدة كشاف الحروب العواضل بحمزة بالعباس عمي نبينا ... بسبطيه بالزهراء عين الأماثل بمن شهدوا بدراً وقد أثخنوا العدى ... ببيض حداد أو بسمر ذوابل بسطوة سيف الله ذي البأس خالد ... فتى الحزم ماضي العزم زاكي الخصائل أمير بني مخزوم الشهم من غدا ... ببر يمين المصطفى خير حافل ومن ثم يوم الفتح سبعون سيداً ... سقاها كؤوس الحتف بين الجحافل وعاد كأكباد البخاتي دم العدا ... على درعه لاسي فوق الكواهل وما كان هذا منه إلا برؤية ... بأمر إلهي بعيد التناول بسائر حفاظ الحديث بمن غدا ... بتفسيره للحبر أو لمقاتل بأحمد بالنعمان ثم بمالك ... وبالشافعي بحر الندى والمسائل وبالعلماء العاملين ذوي الهدى ... وأتباعه من كل حبر وفاضل وبالأولياء العارفين وبازهم ... أبي صالح من قال ما في المناهل بمن لزموا بر الشريعة فانجلى ... لهم بحر قدس الذات من غير ساحل أجرني وأنقذني من الهم والعنا ... فغيرك مالي ملجأ في النوازل وهذا ختام الصوم تصطنع الجدى ... به الأسخيا مع كل سام وسافل وفي العيد عادات الكرام لقد جرت ... ببر اليتامى وافتقاد الأرامل وها أنا محتاج فلا تك قاطعاً ... حبال رجائي منك يا خير واصل فإنك أولى بالمكارم منهم ... وأجدر بالإحسان من كل باذل فحاشا ظنوني أن ترد بخيبة ... وفي بابك المأمول حطت رواحلي فإن كان في العمر انفساح فشافني ... من السقم وارحم يا رحيم تناحلي وإن تك قد حانت وفاتي فآوني ... لدار نعيم عزها غير زائل

стр. 329

وثبت على التوحيد قلبي ومن لي ... بخاتمة الإيمان من غير فاضل وكن لي رحيماً في البلاء وفي البلا ... بدنيا وأخرى يا رجا كل سائل ودم راضياً عني كذاك ومرضياً ... خصومي ويوم العرض لا تك خاذلي فإني أرى الدنيا سراباً وأهلها ... أحاديث يرويها الزمان لناقل وما الكون إلا كالهباء لناظر ... أو الحظ في مستبحر ذي جداول وإني لراض بالقضا وبما تشا ... وعندي يقين أن لطفك شاملي ولكنني أشكو البلالك لا القضا ... لأنك أنت الحق أعدل عادل وللغير لا أشكو وإن سامني الردى ... وفصل فصال المنايا مفاصلي وعن رتبة التسليم في كل حالة ... فؤادي وإن ناجاك ليس بنازل وحبة قلبي في معانيك أنبتت ... بقدس سواد الليل سبع سنابل تعرفت لي من قد ألست بزرعها ... فلم أسقها غير الدموع الهواطل وبالكتم من بعد الحصاد درستها ... بلب خلا عن فكرة وتخايل ولا برحت قوتي مع الفقر والغنى ... وقوت عيالي في الضحى والأصائل ألا ما ألذ القرب بعد النوى وما ... أمر الجفا والهجر بعد التواصل تبرأت من حولي إليك وقوتي ... ومن عملي والعلم ثم التفاضل لتقطعني بالقرب عن كل قاطع ... وتشغلني في الحب عن كل شاغل أشاع الورى عني عداتي وأظهروا ... الشماتة فيما بينهم بالتداول وبالموت لم يشمت بمثلي تشفياً ... من الناس إلا كل باغ وباسل أليس الوجود الحق ذاتي بلا مرا ... وهذي البرايا كلها محض باطل فلا يحسب المغرور أني مضيع ... زماني سدىً ما بين هاز وهازل فدع عصبة البهتان تفعل ما تشا ... فما الله عما يفعلون بغافل فمن أين للخفاش أن يبصر الضيا ... وهل يألف الجعلان ورد الخمائل ومني على روحي الصلاة مسلماً ... وأصحابه والآل مع كل كامل

стр. 330

مدى الدهر ما الجندي أنشد قائلاً ... توسلت بالمختار أرجى الوسائل وله أيضاً مخمساً أرى قلبي بليلى زاد ميلاً ... وما جرت بربعي قط ذيلا فقلت لبعلها إذ زار ليلاً ... بحقك هل ضممت إليك ليلى قبيل الصبح أو قبلت فاها فعني أن تسل فأنا فتاها ... تملك حبها قلبي فتاها فقل لي هل دنت لك وجنتاها ... وهل رفت عليك ذؤابتاها رفيف الأقحوانة في نداها وقال أيضاً مخمسا أفدي التي لو رآها الغصن مال لها ... شوقاً وإن قتلت صبا لحل لها حورية لو رآها عابد للها ... مرت بحارس بستان فقال لها سرقت رمانتي نهديك من شجري قالت وقد بهتت من قوله خجلاً ... فتش قميصي لكي أن تذهب الوجلا فهم أن يقبض النهدين ما مهلا ... فصاح من وجنتيها الجلنار على قضيب قامتها لا بل هما ثمري وقال أيضاً مخمسا أهيم إذا أثنى الأنام بشكركم ... وأكتم أمري لا أبوح بسركم أحبتنا من طيب نشأة خمركم ... إذا جن ليلي هام قلبي بذكركم أنوح كما ناح الحمام المطوق عسى ولعل الدهر يأتي بهم عسى ... أشاهدهم عند الصباح وفي المسا وقلبي من فقد الأحبة قد قسا ... وفوقي سحاب يمطر الهم والأسى وتحتي بحار بالجوى تتدفق إذا ترب غيد فاح منها عبيرها ... وفيهن خود ليس يلفى نظيرها

стр. 331

بأحشاء صب زاد فيها سعيرها ... سلوا أم عمرو كيف بات أسيرها تفك الأسارى دونه وهو موثق أسير سبته أعين وملاحة ... لمدمعه فوق الخدود سباحة جريح له في كل عضو جراحة ... فلا هو مقتول ففي القتل راحة ولا هو ممنون عليه فيطلق وقال مشطراً مازال يرشف من كأس الطلا قمر ... يبدو لنا من سحاب الشعر في غسق أمنه في الثغر شمس الراح قد غربت ... حتى بدت شفتاه اللعس كالشفق وقام يخطر والأرداف تقعده ... نشوان لم يبق فيه السكر من رمق فقلت ذا ملك للشهب يحمل أم ... غزال أنس يحاكي البدر في الأفق ضممته لعناق فانثنى خجلاً ... وفاح من خاله مسك لمنتشق وعندما بالحيا صينت محاسنه ... وكللت وجنتاه الحمر بالعرق أشار لي برموز من لواحظه ... منها عن القدح استغنيت بالحدق وقال إنسانها لي وهو مبتسم ... إن العناق حرام قل في عنقي وقال أيضاً مشطراً يا ناقل المصباح لا تمرر على ... ربع به صبح المحاسن أسفرا واحذر بأن تغشى أشعة نوره ... وجه الحبيب وقد تكحل بالكرى أخشى خيال الهدب بجرح خده ... فيبث مسك الخال منه العنبرا أو أن يدب لفيه نمل عذاره ... فيقوم من سنة الكرى متذعرا وقال يا در ثغر حبيبي ... دم بالعذيب مقيما ويا جمال الثنايا ... كن بالعقيق رحيما ولا تشق عليه ... فتتركنه هشيما وكن له خير جار ... ألم يجدك يتيما

стр. 332

وقال مشطراً سألت أحبتي ما كان ذنبي ... وهل لي عندهم حدثت عيوب وكررت السؤال لهم إلى أن ... أجابوني وأحشائي تذوب إذا كان المحب قليل حظ ... ونجم السعد يعلوه الغروب ومن يرمي الزمان لقوم سوء ... فما حسناته إلا ذنوب وقال يقول لي العذول وقد رآني ... كئيت الجسم منتحباً عليلا أتسلو يا معنى قلت أسلو ... عن الدنيا ولكن عن علي لا وقال وحمام رأيت به غزالاً ... كبدر التم في غصن قويم فقلت تعجبوا من صنع ربي ... رأيت الحور في وسط الجحيم وقال في قصاب يا واضع السكين بعد ذبيحه ... في فيه يسقيها رحيق لهاته عدها على المذبوح ثاني مرة ... وأنا الضمين له برد حياته وقال مهفهف لو أماط السجف لاختلجت ... شمس الضحى وبضوء السحب تحتجب كأنما أوجد الرحمن صورته ... من مغنطيس لها الأبصار تنجذب وقال مخمساً جبينك كالهلال أضا لدينا ... وجيدك كالصباح كسي لجينا وخدك روضة منها رأينا ... نجوم الورد قد وردت علينا ونحن من المدام على ورود أرى الندمان تسفر عن بدور ... وتبرز كالعرائس من خدور ونجم الكاس يطلع في سرور ... وشمس الراح تغرب في ثغور وتشرق بعد ذلك بالخدود

стр. 333

وساقينا رشا باهي المحيا ... إذا ما عاد ميتاً عاد حيا فما أحلاه إذ بالكأس حيا ... فقد عقد الحباب على الحميا فهل لك أن تكون من الشهود وقال أيضاً مخمساً ما للهموم أخا الصفاء وحزنها ... إلا ثلاث ويح من لم يجنها صهباء تجلى كالعروس بدنها ... وبديعة تسبي العقول بحسنها ومهفهف يزري الغصون بقده خودخبت شمس النهار ببردها ... واستطلعت نجم السهى من نهدها ومذ استفز الحب كامل وجدها ... غنت فأطربت الغلام بنشدها ولنشدها لعب الغلام ببنده أفدي التي لما استهام حبيبها ... في قبلة كالمسك يعبق طيبها قالت له ادنو عساك تصيبها ... فدنا يقبلها فمر رقيبها خافت عليه فأسرعت في رده وغدت تقول له بحسن كناية ... لا صادفت عيناك عين عناية من خوفها سوء اتهام زناية ... لطمت عوارضه بغير جناية منها فأثر نقشها في خده حتى إذا عطفت عليه بعطفها ... وأضاء وجه من مهند طرفها مسحت مدامعه براحة لطفها ... فاخضر آس عذاره من كفها واحمر باطن كفها من خده وله قصائد كثيرة، وموشحات وقدود شهيرة، قد رقمت في عدة دفاتر، واشتهرت اشتهار البدر السافر وقد توفي في حمص سنة ست

стр. 334

وخمسين ومائتين وألف ودفن في خارج المدينة قريباً من جامع سيف الله سيدنا خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه وقد أرخ وفاته الأديب الفاضل السيد عمر المعري بأبيات وبيت التاريخ: دعيت لساحة الإحسان أرخ ... أمين الحب في عدن تقرر الشيخ أمين مفتي الحلة الشافعي العراقي خاتمة المحققين في عصره، ونادرة المدققين في مصره، طلب العلوم وهو شاب، والتف هو والكمال في برد والقذال ما شاب، بحث وحقق وناظر ودقق، وتولى إفتاء الحلة سنيناً، وسل من الحق على من حال عنه سيفاً سنيناً، ورق طبعاً وصلب ديناً، حسنت سيرته في إفتائه طمعاً في ثواب الله وإرضائه، وتولى تدريس المدرسة العلوية، فأقر عيون العلوم النقلية والعقلية، ولقي الإجلاء من علماء العراقين، وألف في النحو وغيره ما هو قرة عين، وتناهت إليه رياسة التدريس في بلده، مع زكاء عرقه وأصالة محتده، ولقد قال فيه الشيخ عثمان بن سند: يا فاضلاً عشق النسيم طباعه ... والفضل لف عليه منه إهابه كنت امرأً ألف العلوم وما نعي ... بمشيبه المبيض منه شبابه صفت الشباب عن اقتراف جريمة ... كالسيف صين عن الفلول غرابه وبالجملة فهو من الذين نزلوا من الإتقان مكاناً علياً، ومن الأتقياء الذين عاد بهم الفضل صبياً، والأسخياء الذين سقوا رياض الآمال بالمكارم والحاملين حوزة الدين بسيوف من السنة صوارم، والأئمة الذين صيروا الصمت حلية، ونزهوا المسامع عن غيبة وفرية، توفي رحمه الله تعالى سنة إحدى وثلاثين بعد المائتين والألف ولقد رثاه الشيخ عثمان سند بقوله: سقى قبره للرحمة السحب الوطف ... فما هو إلا الكهف خر به كهف فيا قلب لا تبرح من الرزء قد قضى ... هزبر هو الإكليل للمجد والطرف

стр. 335

قضى غير أني ما قضيت من الأسى ... وأودى فأودى السؤدد العود والعرف كريم الأيادي لا يغيب عطاؤه ... سقام المعادي لا يطاق له عسف به أنشبت قوس المنايا سهامها ... وما هو إلا الشمس غيبها الكسف وكيف وأنوار الأمين محمد ... وما هو عن توصيفها يقصر الوصف علوماً له أبقى تلوح كأنها ... هي التاج للأيام والقلب والشنف غدت تحف الرضوان تقدم روحه ... لينشق ريحان الجنان له الأنف فيا قبره واريت أفضل وارد ... إليك بأعمال هي الخالص الصرف نعوه فكان العلم أعظم نادب ... معارف منه زانها البحث والكشف فإن غيبوه في الثرى لم تغب له ... فضائل تزهو من تلألئها الصحف فيا دافنيه قد دفنتم مرزءاً ... له ترزأ الأموال في الكربة الكف ويا نعشه أمسيت للبدر داره ... ولو أن نور الشمس من فوقك السجف ويا حاملي نعش به القطب طالع ... لروح وريحان وحور به زفوا فتى كان يحيي بالتلاوة ليله ... إذا جن ليل قال للطرف لا تقف نعوه إلى التدريس فاحتقب الأسى ... وقال انقضى لما قضى معه الظرف تسامى إلى التدريس والشيب ما بكى ... شباباً له التقوى عن الذائم الزعف إذا سابق النظار يوماً لغاية ... من العلم لم يسبقه في حلبةٍ طرف ولولا تعزينا بمن مات قبله ... لما كف عن نثر الدموع لنا طرف وإن الليالي مودعات قسيها ... سهاماً لها الرامي النوائب والحنف على أن في أبنائه الغر إذ قضى ... غناء إذا ما البحث عز له كشف سقى قبره مزن الرضى أنه مضى ... وما كف عن بذل الجميل له كف أمين أفندي بن حسين بن عمر المنجكي العجلاني الشافعي شيخ المشايخ في دمشق كان رجلاً صالحاً شهماً تقياً نقياً حافظاً لكتاب الله كثير التلاوة، وله

стр. 336

من الخشوع والتدبر والخضوع ما يشهد له بكمال الصلاح والفلاحة والنجاح، وكان قليل الاختلاط مع الناس، دائم الجلوس غالباً في جامع بني أمية ليس له بغير الطاعة والعبادة استئناس، وقد انتقلت إليه بعد موت والده مشيخة الحرف والصنائع وأهل الطرق. وكان شهماً مهاباً جميل الصورة لين الجانب حسن المعاشرة سامي القدر مقبولاً عند الناس. مات رحمه الله تعالى سنة ألف ومائتين ودفن في مدفنهم المعلوم. الشيخ أمين بن الشيخ عبد الستار بن الشيخ إبراهيم الأتاسي الحمصي عين الزمان ويمينه، لو حلف الدهر ليأتين بمثله حنثت يمينه، فهو خص كله كرم وجود، وما من فضل إلا لديه ثابت موجود، موارد معارفه سائغة، وملابس عوارفه سابغة، مع شيمة لو أنها في الماء للطافتها ما تغير، وهمة لو تمسكت بها يد النجم ما تغور، وأيادٍ روائح غوادي، كنسيم الروض غب الغوادي، ولد ﵀ سنة السبع والعشرين بعد المائتين والألف، ونشأ في حجر والده، وقرأ عليه في المعقول والمنقول، إلى أن صار من خلاصة الفحول؛ وكان ذا شفعة ومروءة وهمة، وإسعاف للفقراء والمساكين. كثير البشاشة والإقبال على القاصدين والواردين. وبعد وفاة والده حضر إلى دمشق الشام، وأخذ عن السادة الأعلام، كالشيخ عبد الرحمن الكزبري، والشيخ سعيد الحلبي، والسيد محمد عابدين، والشيخ عبد اللطيف مفتي بيروت. ثم ذهب إلى وطنه الشهير، وتولى وظيفة التدريس بعد والده في الجامع النوري الكبير، في كل يوم جمعة بعد الصلاة، وفي شهر رمضان من ابتدائه إلى قرب منتهاه. ولم يزل على حالته السنية، إلى أن وافته المنية، غرة ذي القعدة الحرام سنة ثمان وثمانين بعد المائتين والألف من هجرته ﵊.

стр. 337

الشيخ أمين أفندي بن المرحوم العلامة محمد سعيد أفندي الأسطواني الدمشقي نخبة السادة الأكابر، وعمدة القادة ذوي المفاخر، من ورث المجد كابراً عن كابر، وتسلسل في العلم واغترف من تياره إلى أن قيل كم ترك الأول للآخر، فلا ريب أنه العالم الأوحد، والفاضل الهمام الأمجد، توفي رحمه الله تعالى سنة اثنتين وخمسين ومائتين وألف ودفن في مقبرة الدحداح بالقرب من ضريح أبي شامة. الشيخ أمين بن عبد الغني بن محمد بن إبراهيم البيطار الحنفي الدمشقي إمام جامع السنانية في دمشق المحمية العالم الزاهد، والفاضل الورع العابد، ذو الأخلاق العالية، والشمائل السامية، ولد سنة أربع وثلاثين ومائتين وألف في جمادى الثانية ونشأ في حجر الكمال ناهجاً منهج السادة من الرجال، وقد حضر مجالس الشيوخ الأفاضل، وأخذ عنهم من العلوم ما أثبت له التحلي بالفضائل، منهم الهمام الذي هو بكل قدر حري، الإمام الشيخ عبد الرحمن الكزبري ومنهم علامة الأمصار، والدي الشيخ حسن البيطار، ومنهم الفاضل الشيخ عبد الله الكزبري، والشيخ سعيد الحلبي، وولده الشيخ عبد الله الحلبي، والعلامة الشيخ حامد العطار، والشيخ هاشم التاجي، والسيد مصطفى قزيها، والشيخ محمد الحلواني مفتي بيروت، والشيخ محمد سكر، والشيخ محمد تلو، والشيخ عبد اللطيف أفندي مفتي بيروت وحضر دروس مشايخ آخرين، وأخذ الطريقة النقشية على الشيخ محمد بن عبد الله الخاني مقدم هذه الطريقة في جامع السويقة، وأخذ الطريقة الرشيدية في مكة المكرمة على المرحوم الشيخ إبراهيم الرشيد وأخذ بالإجازة العامة عن كثير من المصريين حينما

стр. 338

رجع من الحجاز إلى مصر من طريق مصر، ومن حين كماله وهو مشتغل بالعلوم الشرعية والالية، في داره وفي جامع السنانية، مع خضوع وكمال ولطف وجمال، وفي كل ليلة على الدوام يقرأ في كتب فقه أبي حنيفة الشهم الإمام، بين العشائين في جامع السنانية، ويحضره الجم الغفير من الناس ويعترفون له بكمال اللطف والإيناس، ولم يزل يترقى مقامه، ويسمو احترامه، إلى أن توفي سنة ألف وثلاثمائة وست وعشرين رحمه الله تعالى. أمين أفندي بن محمد بن عبد الوهاب بن إسحق بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد الجندي المعري مفتي دمشق الشام رحمه الله تعالى إمام أديب، وهمام أريب، وعالم فاضل، وملازم للقيام بالفضائل من بيت له تقوى وعبادة، وتقدم ورفعة وسيادة، وأصل ونسب، ووصل بأشرف حسب، وله همة قد استوت على محور العلو، ومروءة قد احتوت على مظهر السمو، وذكاء قد تعالى على ذكاء، ورأي لم ير أحسن منه راء، ومعاشرة أجمل من وضأة المحيا، وملاطفة ألذ من نشوة الحميا، وله نسبة شريفة للسيد العباس، عم السيد الأعظم سيد الناس، وقد نظم المترجم نسبه، وأوضح به أصله وحسبه، فقال: الحمد لله القديم الأحد ... من غير والد له أو ولد أوجد آدماً من التراب ... لحكمة تدرك بالألباب ومنه حوا زوجه قد خلقا ... وبث منهما أناساً فرقا وأرسل الرسل إليهم منهم ... فأفضل الناس حقيقة هم وخير كل الأنبياء يا فتى ... والرسل من في ختمهم لقد أتى محمد المختار أشرف الملا ... من كان خلقه عليهم أولا

стр. 339

فهو رسول الأنبياء والرسل ... وبدره بين الأنام قد كمل وشرعه قد نسخ الشرائعا ... وعم بعثة به المشارعا أمته قد جاء خير أمة ... وقومه في الناس خير عترة من آل إسماعيل أهل النسب ... طراز كل فدفد وسبسب القرشي الهاشمي المكي ... محا بسيفه ظلام الشرك فهو خلاصة الأنام طراً ... وسيد الآفاق براً بحراً صلى عليه ربنا تعالى ... وعم صحبه بها والآلا وبعد فالبحث عن الأنساب ... قال به جمع من الأنجاب مستأنساً بقول طه الهادي ... في خير موقف وخير نادي أنا النبي الهاشمي لا كذب ... أنا محمد بن عبد المطلب وبعضهم قال بمنعه وذا ... من محكم التنزيل أيضاً أخذا وكلهم جاء بما قد أوسعا ... وليس للإنسان إلا ما سعى وحاصل الأمر بأن الرجلا ... يلزمه في ذاته أن يكملا من غير أن يعتبر الأنسابا ... ومن رأى أفعاله أعابا إذ الأنام كلهم من طين ... والشرف الأعظم حفظ الدين وبعده فالعلم والآداب ... من غير أن يدخلها إعجاب وإن يكن ذا نسب عريق ... فهو أجل ذلك الفريق وقد يغطى الشخص بالمعارف ... نسبه في أكثر المواقف والعلم حقاً فضله يزيد ... فذاك سلمان وذا يزيد والغبن كل الغبن للإنسان ... خسارة العلوم والإيمان فنسأل الله تمام النعمة ... ومنناً تشملنا ورحمة

стр. 340

وقد أردت أن أعد نسبي ... للحفظ لا للفخر يا ذا الأدب وإنني أحقر من أن أذكرا ... أو أن أكون في الورى موقرا لكن بقدر طاقتي أقول ... والعفو من ذي همة مأمول ونبتدي الآن بما قصدنا ... وما بذا الإرجاز قد أردنا فأشرف الأنساب ما كان إلى ... خير النبيين الكرام أوصلا وإنني بحمده تعالى ... بلقبي واسمي وجدت فالا محمد اسمي الأمين لقبي ... كذا أتى محمد اسم أبي ومولدي أرخ غلام مفلح ... في وقته حكاه حبر صالح مسكننا معرة النعمان ... ومعدن السخاء والإيمان ووالدي المذكور مفتيها ومن ... غدا على شرع النبي مؤتمن كم نشر العلم بها وعلما ... وقام بالإصلاح لما سلما إليه في محفلها يشار ... وهو بها للكل مستشار ينصح للدين وللولاة ... وللرعايا سائر الأوقات وكان بالصلاح غير متهم ... وفي جميع القطربدراً وعلم مدرس في الدولة العلية ... خليفة للسادة الصوفية يخدم سبعة من الطرائق ... في رتبة الإرشاد والحقائق عليه جزؤ من فراشة الحرم ... وروضة المختار أشرف الأمم والده كان إماماً صالحا ... خطيب قومه وفيهم فاصحا يعرف بالعابد للوهاب ... أبوه إسحق بلا ارتياب كذا أبوه عابد الرحمن ... وحسن أبوه بالإعلان والده محمد الجندي ... وذكرنا الآن بذا محكي

стр. 341

وهو ابن أحمد بن إبراهيما ... أبوه ياسين غدا كريما قطب لقد شرف بكفالونا ... إذ كان في أرجائها مدفونا بقرب إدلب وفيها قوم ... ما في انتسابهم إليه لوم شهرتهم بالجوهري تعرف ... وهم بأثواب الصلاح شرفوا همو بنو أعمامنا بلا خفا ... وكلنا غدا بذا معترفا ثم أبو ياسين إبراهيم ... وهو ابن عبد الله يا فهيم والده عبد الكريم الزيني ... أبوه أحمد شهاب الدين يعرف بالمكي والسواح ... وهو الذي جاء لذي النواحي ابن الأمير وهو عبد الله ... ابن الأمير يوسف ذي الجاه والده عبد العزيز السامي ... وهو ابن منصور الأمير النامي وهو أبو جعفر الخليفة ... منتصر بالله دون خيفة ابن محمد الأمير الظاهر ... وهو ابن أحمد الأمير الناصر ابن الأمير حسن الخليفة ... أبي محمد جمال الكوفة ابن الأمير يوسف المستنجد ... بالله وهو ابن الفتى محمد خليفة يقفو لأمر الله ... ابن الأمير أحمد المباهي وهو ابن عبد الله والمقتدر ... لقبه وفضله لا يحصر خليفة أبوه بالذخيرة ... محمد يعرف بين الخيرة وهو ابن عبد الله أعني القائما ... لله بالأمر وكان راحما ابن الأمير أحمد الخليفة ... شهرته بقادر معروفة وهو ابن جعفر بن جعفر وذا ... أبوه أحمد وعنه أخذا ابن الأمير طلحة بن جعفر ... ابن محمد سراج الأعصر يعرف بالمعتصم الكرار ... والأسد الغضنفر المغوار وهو ابن هارون الرشيد من غدا ... بنوره في الخافقين يهتدى خليفة قام لهذا الدين ... بالنصر والتأييد والتمكين

стр. 342

وهو ابن من لقب بالمهدي ... محمد ذي المشهد السني وهو ابن عبد الله والمنصور ... لقبه وهو به مشهور عمر بغداد كما قد أرخا ... أيامه كانت على الناس رخا ابن محمد وذا بالكامل ... ملقب في سائر القبائل ابن علي وهو ذو النفتات ... لقبه السجاد أيضاً آتي وهو ابن عبد الله بحر الامة ... سراجها في كل مدلهمة وهو ابن عم مصطفى العباس ... من كان شمساً في خلال الناس وكان يستسقى به الغمام ... ولحماه يلجأ الأنام ومدحه قد جاء في القرآن ... وكم حديث صح في ذا الشان وهو من أصحاب العباء مره ... وكم تحامى المصطفى وسره مسكه بيده الشريفه ... في ملأ صفاته منيفه وقال هذا دون شك عمي ... صنو أبي وهو دمي ولحمي فمن يواليه فقد والاني ... ومن يعاديه فقد عاداني وحفظ حرمتي بحفظ حرمته ... وأشهد الله على مقالته ولو أردت ذكر ما قد وردا ... في مدحه لطال ذلك المدى لكنني اختصرت واختصاري ... لاشك فيه بلغة للقاري ولنرجع الآن إلى ذكر النسب ... وعد هاتيك الجدود والعرب وإن يكن ذلك أمر مشتهر ... لكن على السالك أن يقفو الأثر فاسمع هديت سبل الرشاد ... ومن هنا أشرع بالمراد فوالد العباس عبد المطلب ... وهو ابن هاشم إليه قد نسب والده عبد مناف بن قصي ... ابن كلاب مرة له أبي وهو ابن كعب بن لؤي يا فتى ... أبوه غالب بن فهر ثبتا وقيل إن ذا قريش وعلى ... أصح الأقوال بنوه الأصلا وهو ابن مالك أبوه النضر ... ابن كنانة كرام طهر

стр. 343

ابن خزيمة الذي أبوه ... مدركة كذاك حرروه والده الياس جده مضر ... ابن نزار بن معد الغرر وهو ابن عدنان وهذا آخر ... ما صح في الأنساب وهو ظاهر وبعده فاترك مقالاً زورا ... وكن على ما قلته مقصورا وفي الحديث كذب النساب ... ما فوق عدنان وما أصابوا لكنني أذكره استطرادا ... ليستفيد منه من أرادا وليس مقطوعاً به لما سبق ... وإنما عليه جمع اتفق وجاء في أكثره اختلاف ... وسرده في مثل ذا إنصاف وإنني أذكر باختصار ... كيلا يطول فيمل القاري أقول عدنان أبوه أد ... وأدد يتلوه إذ يعد وأدد بن اليسع المحترم ... ابن الهميسع الكريم العلم ابن سلامان بن بنت بن حمل ... وهو ابن قيذار بلا بسط جمل وهو ابن إسماعيل نخبة العرب ... وقطب محراب المعالي والرتب ابن الخليل وهو إبراهيم ... صلى عليه ربنا الرحيم أبوه ناراح وقيل آزر ... كلاهما شخص ولا تغاير وهو ابن نامو ربن ساروغ كما ... رأيته بخط بعض العلما فرغو بن قالغ بن شالح ... ألحق به أرفخشذ في الراجح وهو ابن سام بن نوح النبي ... وهو بن لامح كما في الكتب ولامك ولمك أسماء ذا ... فإن تجد أحدها لا تنبذا واسم أبيه متوشلح إلى ... أنوش أعني نجل شيث وصلا وشيث ابن آدم أبي البشر ... وزوجه حوا كما قد اشتهر وإن ذا أقرب ما رأيته ... وعن ذوي التاريخ قد رويته فاحفظه غير جازم بصحته ... واقصر إذا سئلت عن تلاوته وإنني أستغفر الله فلا ... يبعد أن في مقالي زللا

стр. 344

ثم الصلاة والسلام الأبدي ... على النبي الهاشمي محمد أفضل أهل الأرض والسماء ... وأشرف الجدود والآباء وآله وصحبه الكرام ... والحمد في المبدأ والختام فقد علم من النظم أن المترجم قد ولد في مدينة معرة النعمان سنة ألف ومائتين وتسع وعشرين وتربى في حجر والده، ثم إنه في سنة مائتين وأربعين سافر مع والده إلى حمص، وأقام معه بها إلى سنة ثمان وأربعين، وكان قد حفظ تلك المدة في الإقبال على الطلب في فنون متعددة على والده وغيره، ثم عاد مع أبيه إلى الوطن، ولم يزل على طلبه وترقيه إلى عام ثلاثة وخمسين، فتقلد القضاء في المدينة المرقومة، وكان يظن أن ذلك يكون له منحة عظيمة، فكان له محنة وبلية جسيمة، فتعارك مع الأقران، وتخاصم مع نواب ذلك الزمان، وتعاقبت عليه الغوائل، فألقته في بحر عميق بلا ساحل، فلم يكن له ملجأ سوى صاحب الرسالة، وحاشاه أن يهمل أقاربه وآله، فخلصه الله من كروبه، وأوصله من خذلانهم إلى مطلوبه، ولذلك كان كثير التوسل بجنابه، دائم الصلاة عليه وعلى آله وأصحابه. وقد اجتمع بكثير من الأدباء، وعددٍ غزير من العلماء، من أكابر سادة عصره، الكائنين في مصره وفي غير مصره، كالعالم العلامة، والحبر البحر الفهامة، السيد الشيخ وفا أفندي الحلبي المتوفى في أواخر شهر ربيع الأول سنة ألف ومائتين وأربع وستين، وكالعالم الأديب الأريب الشيخ أمين أفندي الجدندي الشاعر الماهر المشهور، وغيرهما ممن طاب في الأنام ذكره، وطلع في أوج الرفعة بدره، وفي يوم السبت الثامن والعشرين من ذي الحجة الحرام، سنة إحدى وستين حضر إلى الشام، مطلوباً من واليها هو وأبوه لأمر سياسي اقتضى ذلك، وفي نصف صفر

стр. 345

الخير سنة اثنتين وستين حضر فرمان مرسوم سلطاني بإقامتهما في الشام، وداما في هذه الغربة إلى غاية شهر المحرم الحرام، سنة ثلاث وستين ومائتين وألف فحضر الفرمان العالي بإطلاقهما بهمة محمد نامق باشا مشير الأوردي الهمايوني الخامس، فخرج مع أبيه من دمشق يوم الاثنين رابع وعشري صفر من السنة المرقومة، ودخلا إلى المعرة يوم الاثنين غرة شهر ربيع الأول، وتوجه على أبيه منصب الفتوى وعليه منصب القضاء، بعد عزلهما من هذين المنصبين من حين طلبهما إلى الشام، وفي سنة ألف ومائتين وأربع وستين رابع عشر شوال يوم الاثنين توفي والده، واسترحم عموم الأهالي بوضع المترجم مكانه مفتياً، وكان إذ ذاك شيخ الإسلام أحمد حكمت عارف بك فتوجه عليه الإفتاء من غير مهلة، ولم يزل مفتياً إلى أوائل المحرم سنة ست وستين، وفي هذا التاريخ حضر له رسالة من صاحب الدولة محمد أمين باشا مشير الأوردي الهمايوني الخامس الجيش السلطاني يأمر المترجم بحضوره إلى الشام، ليكون كاتب عربي الأوردي المرقوم، فبعد الاستعفاء المقابل بعدم القبول، حضر إلى الشام في غرة جمادى الأولى من السنة المرقومة، وحصل له جاه وقبول عند المشير المومأ إليه لما حاز عليه من الأوصاف المرغوبة، والألطاف المطلوبة، والمعارف الكاملة، والعوارف الشاملة، ولم يزل عنده معظما منظما، إلى أن توفي المشير المومأ إليه ﵀ وذلك في اليوم الثالث عشر من شهر ذي القعدة الحرام الذي هو من شهور سنة ألف ومائتين وسبع وستين، ودفن في تربة الشيخ الأكبر في صالحية دمشق الشام ونظم المترجم له أبياتاً كتبت على بلاطة قبره وهي: بشرى دواماً للمشير أمين ... نال المنى بجوار ذي التمكين بحر العلوم العارف الغوث الذي ... هو قطب مركز عالم التكوين

стр. 346

شمس أضاء الكون نور سنائها ... ويتيمة ما ثنيت بقرين ختم الولاية للبداية وارث ... كنز على الأسرار غير ضنين قد كان يعشقه المشير بطبعه ... عشقاً تخلص من ربا تلوين والفضل يعرفه ذووه بلا مرا ... وكفى بهذا القدر من تحسين والمرء يحشر مع محبيه أتى ... في سنة الهادي البشير أمين ولذا أشرت إلى الضريح مؤرخاً ... هذا حبيب الشهم محيي الدين وبقي في مصلحته وكتابته لدى كل مشير بعد موت المشير المرقوم إلى أن حضر عبد الكريم باشا في سنة ثلاث وسبعين ومكث مدة قليلة ثم عزل عن الأوردي الخامس وتوجه لعهدته ارد والأناطولي فاستصحبه معه بوظيفتي الكتخداية وكالة الشؤون الخاصة وكتابة ديوانه إلى مركز الارد والهمايوني الجيش السلطاني وهو بلدة الأرزنجان، فأقام هناك دون أربعة أشهر ثم توجه بالإذن إلى طرابزون ومنها في البحر الأسود إلى دار السلطنة العظمى وكان دخوله يوم عاشر المحرم سنة أربع وسبعين فأقام خمسة أشهر، ثم حضر إلى الشام إلى مصلحته الأولى وهي كتابة العربي في أردو وعرب ستان، ثم في سنة ست وسبعين في نصف شهر جمادى الأولى عاد لدار السعادة حيث أن الصدارة العظمى أحيلت لعهدة قبريسلي زاده محمد باشا لوعد كان وعده به، وبعد وصوله بأيام قلائل عزل الباشا المشار إليه، فأقام المترجم أربعة أشهر وعاد لمأموريته بدمشق، وكان المشير إذ ذاك في الشام أحمد باشا الشهيد. وفي أثناء تلك السنة حصلت وقعة النصارى في جبل لبنان ثم في الشام، فعينت الدولة لإصلاح سوريا حضرة ناظر الخارجية فؤاد باشا مأموراً مستقلاً فوق العادة، وعند حضوره إلى دمشق استخدم المترجم بمعيته ثم بإعضائية مجلس فوق العادة، وبعد ذلك انتخبه إلى فتوى الشام، وورد له المنشور العالي في نصف شهر جمادى الأولى سنة سبع وسبعين ومائتين وألف، ثم

стр. 347

لما تولى ولاية الشام محمد راشد باشا وقع بينه وبين المترجم اغبرار، فأنهى الوالي المذكور بعزل المترجم من الإفتاء وإحالته لعهدة محمود أفندي الحمزاوي، فحضر له المنشور في نصف شهر رمضان المبارك سنة أربع وثمانين ومائتين وألف، وأقام المترجم المذكور في بيته إلى أن صدرت الإرادة السنية بتشكيل مجلس كبير في دار السعادة يكون مرجعاً لكافة المجالس الداخلية والخارجية، وسمي بشورى الدولة ورئيسه صاحب الدولة مدحت باشا، وقسم هذا المجلس إلى خمس دوائر العدلية والملكية والمالية والنافعة والمعارف، ولكل دائرة رئيس يسمى معاوناً للرئيس الأول وهو مدحت باشا المشار إليه، فوظفت الدولة العلية المترجم المذكور في شورى الدولة، فخرج من الشام في يوم الأحد خامس عشر ربيع الأول سنة خمس وثمانين ومائتين وألف وكانت عضويته في دائرة الملكية، ثم توجهت عليه باية مولوية مكة المكرمة مع النيشان الوسام المجيدي من الرتبة الثالثة، وذلك في السابع والعشرين من شوال المكرم سنة خمس وثمانين ومائتين وألف، وفي غرة ذي القعدة من السنة المذكورة توفي ولده محمد زكي افندي، فأخذ المترجم رخصة أنه يتوجه إلى الشام، ويبقى نحو أربعة أشهر لتنظيم أمر بيته، وكان ذلك في أوائل ربيع الأول سنة ست وثمانين، وبعد مضي المدة المذكورة توجه إلى الآستانة بجميع عياله، وفي رمضان سنة سبع وثمانين عصى على الدولة أمير جبل عسير المجاور لليمن المسمى محمد باشا بن عائض، وجمع كثيراً من قبائل العربان، وحاصر بلدة الحديدة التي هي مركز المتصرفية، وصدرت الإرادة السلطانية بسوق فرقة من العساكر النظامية من دار السعادة تحت رياسة رديف باشا الفريق، وتوجيه المترجم قوميسيراً مفوضاً وقاضياً مع الفرقة المرقومة، وقد حصل للمترجم تأخر بسبب مرض أصابه، ثم جاءت أخبار بظفر العساكر بالأمير المرقوم وإعدامه وتشتيت أعوانه وجنوده، وبسوء حال علي باشا شريف متصرف

стр. 348

اليمن، فأمر الدولة العلية بإرسال مأمور لتحقيق أحوال الباشا المشار إليه وغيره، فانتخب مجلس الوكلاء المترجم لذلك، وصدرت الإرادة السلطانية بتوجيهه، وعين له خرج طريق خمسة وسبعون ألف قرش ما عدا المعاش، ثم ضم إلى ذلك مأمورية رياسة مجلس تشكيل ولاية اليمن، بمعاش عشرة آلاف قرش، فذهب إلى هناك في ذي القعدة سنة ألف ومائتين وسبع وثمانين، وبقي هناك مدة موفقاً محترماً، ثم إنه استعفى بعد مدة لعدم موافقة المحل لمزاجه وصحته، وحضر إلى الشام معدوداً من أفاضلها وذوي فضائلها، إلى أن دعته المنية، للمراتب العلية. وذلك في أواخر محرم الحرام الذي هو من شهور سنة ألف ومائتين وخمس وثمانين، ودفن في جبانة مرج الدحداح رحمه الله تعالى. ومن قصائده التي هي في كعبة الحسن معلقة، وأشعاره التي تفوق على السلافة المعتقة، قوله مادحاً خليفة رسول الله ﷺ وهو سيدنا الإمام أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: إذا ما رماك الدهر بالبؤس والضر ... فكن مستجيراً بالإمام أبي بكر خلاصة أصحاب النبي بلا مرا ... وأولاهم من بعده صاح بالأمر وأفضل أهل الأرض بعد محمد ... وبعد النبيين الكرام بلا نكر صديق صدوق في المحبة كيف لا ... وما افنك عنه في الحياة وفي القبر ولم يتلعثم بالإجابة عند ما ... دعاه إلى الإسلام خير الورى الطهر وأخبره عما رأى في منامه ... قديماً وما قصته كاهنة العصر

стр. 349

فقال نعم والله إنك صادق ... وإنك أنت المصطفى من بني فهر وأنت رسول الله للناس كلهم ... وخاتم كل الأنبياء إلى الحشر وفي ليلة الإسرا بتصديقه به ... غدا أمة والناس في غفلة الكفر وبالنفس والأموال جاد ولم يزل ... مطيعاً لما يقضيه كالولد البر وفي الغار ثاني اثنين والله ثالث ... بنص كلام الله في محكم الذكر بصحبته رب البرية شاهد ... وذلك عند الله من أعظم القدر وفي يوم بدر في العريش رفيقه ... وحاجبه حرصاً عليه من الغدر مساعيه في الإسلام جلت فلم تكن ... تقدر أو تحصى بعد ولا حصر هزبر له في همة الدين نصرة ... وعزم شديد يجعل السر كالجهر وفي مدحه كم من حديث مصحح ... رواه لنا حبر يحدث عن حبر فمنها أبو بكر أياديه لم تزل ... علي وما كافأته آخر العمر ولو كان بعدي مرسل لم يكن سوى ... أبي بكر الصديق في غاية الفخر ويوم وفاة المصطفى حين أخطأت ... من الناس آراء لدى كل ذي فكر فمن قائل لا تخبروا بوفاته ... مخافة أن يرتد قوم على الاثر فما هو إلا أن دعا الناس مسرعاً ... وقام خطيباً بالمحامد والشكر وقال ألا من كان يعبد أحمداً ... فقد مات إعلاماً لمن كان لا يدري ومن كان منكم يعبد الله مخلصاً ... له الدين بالإيمان من عالم الذر يحقق أن الله حي منزه ... عن الموت قيوم على كل ذي أمر وقد قال في التنزيل أن محمداً ... رسول خلت من قبله الرسل في الدهر ولما أتم الآية استرجع الورى ... كأنهم لم يسمعوها من الذكر وقوى قلوب المؤمنين بوعظه ... وأذهب عنهم غصة الخوف والقهر فبايعه أهل التكلم بعد ذا ... وخابت ظنون المشركين من المكر وقام بتجهيز الرسول ودفنه ... فكم طفقت عين على فقده تجري وأمضى غزاة باشر المصطفى بها ... فكانت بحمد الله فاتحة النصر

стр. 350

وجاهد أهل البغي بالسيف عندما ... تعدوا إلى نقض الشريعة بالكبر وأجرى له الباري عوائد فضله ... وأيده بالنصر والفتك والأسر خلافته كانت على الناس رحمة ... وأحكامه أحلى من الشهد والقطر وباغضه لاشك يقتل كافراً ... وإن صام أو صلى إلى البيت والحجر فنساله سبحانه أن يعيذنا ... من الشك والإشراك والبغض والإصر ويحشرنا في زمرة المصطفى غداً ... ويجعلنا من قومه السادة الغر عليه صلاة الله ثم سلامه ... وسحب الرضا تنهل بالعز والبشر على الآل والأصحاب ما أهدت الصبا ... إلينا أحاديث الأحبة إذ تسري وما غربت شمس وما ذر شارق ... وما دامت الدنيا إلى آخر الدهر وقال ﵀ يمدح السلطان عبد المجيد خان بن المرحوم السلطان محمود خان العثماني ويذكر فيه أجلاء المصريين الذين هم تحت رياسة إبراهيم باشا بن محمد علي باشا من البلاد الشامية والساحلية وكان ذلك في شهر رمضان المبارك عام ستة وخمسين ومائتين وألف فقال هجم السرور على الأنام مبسملاً ... والنصر جاء مكبراً ومهللا ضحكت ثغور المسلمين وطالما ... بكت العيون دماً عبيطاً مشكلا غارت ينابيع الفجور وفجرت ... أنهار عدل ورد مشربها حلا وذيول أرجاء الممالك طهرت ... من لوث بغي الخارجين عن الولا والله أيد دينه بخليفة ... نشر المراحم في البسيط على الملا ملك به افتخر السرير وأخمدت ... بجلوسه فتن بها الكون امتلا

стр. 351

من آل عثمان الأكارم من بنوا ... في المجد بيتاً لا يزال مؤثلا قوم بهم قامت دعائم ديننا ... ولجيشهم فتح البلاد مسهلا والأرض ميراث لهم من ربها ... نص عليهم في الكتاب تأولا خلفوا بني العباس في إخلاصهم ... فغلا بهم قدر الشريعة بل علا قاموا بأعباء الخلافة حسبما ... يرضى المهيمن مجملاً ومفصلا لا غرو إذ هم من سلالة هاشم ... نسباً وأفعالاً فدع من سولا فولاؤهم حفظ لأهل الأرض من ... خلف كما جاء الحديث مسلسلا فالحمد لله الذي قد خصنا ... بخليفة منهم به الكرب انجلى وهو الإمام الماجد الشهم الذي ... فاق الملوك مهابة وتفضلا بحر إذا سعت العفاة لبابه ... وغضنفر تخشاه آساد الفلا وسع الأنام مراحماً وبعدله ... أضحى الزمان مجملاً ومجللا مولى رفيع القدر قد نسخت به ... آي الخلاف واثبتت آي الولا سبحان من جعل التقى جلبابه ... والحلم والبأس الشديد له حلى ذو همة بالحق عالية الذرا ... لو قابلت أعلى الجبال تزلزلا نعم الإله به علينا جمة ... عن شكرها قصرت عبارات الملا وصف الخلافة مذ تشرف باسمه ... عنا جلا خطباً جسيماً معضلا عبد المجيد بمجده شهدت لنا ... أفعاله لا زال بدراً أكملا لاشك يا مولاي أنت مؤيد ... والنصر فأل قد أتاك مهرولا أنا قد خدمتك بالمديح مقدماً ... في مدة يخشى بها أن يقولا

стр. 352

وأبحت نفسي في سبيلك حسبة ... لله لا أبغي بذلك معدلا والآن قد آن المديح وإنني ... سأجيد مدحاً لن يتمثلا فاقبل لعبدك مدحة جاءت على ... عجل ولا تقطع رجا من أملا والحمد لله العظيم وشكره ... فرض علينا حيث أحيانا إلى يا رب بالذات العلية ثم بالمختار ... أفضل من دعا وتوسلا وبآله والصحب طرا سيما ... من قام منهم بالخلافة أولا وبتاليبه وبالوصي وزوجه ... وابنيه ثم بني بنيه على الولا بالتابعين وبالأئمة كلهم ... وبكل حبر في العلوم تغولا بالقطب عبد القادر الأسد الذي ... عنت الرقاب له وحل المشكلا وبكل قطب نال منك كرامة ... وكسوته بالقرب ثوباً مسدلا بالأولياء جميعهم وبمن غدا ... وجه الزمان بنورهم متهللا وبكل عبد قد أجبت دعاءه ... وبمن تجيب إذا دعيت به الملا أيد أمير المؤمنين وحزبه ... وأدم له منك السعادة والعلا وانصره نصراً يا قدير مؤزراً ... واجعل له فتح البلاد مسهلا وأطل بقاه مدى الزمان وعمره ... لنرى منار الدين مرتفعاً على ألهمه في حق العباد مراحماً ... واسلك به سبل التقى كي يعدلا واقمع بسيف القهر كل معاند ... واهدم بناء المشركين وعجلا واجبر بأنظار الخليفة كسرنا ... والطف بنا لطفاً عميماً مسبلا ثم الصلاة مع السلام على الذي ... بمديحه جاء الكتاب مرتلا والآل والأصحاب والأتباع ما ... وقف الحجيج معرفاً وتحللا أو ما الأمين غدا يؤرخ مرجعاً ... هجم السرور على الأنام مبسملا

стр. 353

وقال ﵀ متغزلاً في واقعة حال ولكنه زاد ما لم يقع تونيقاً على عادة الشعراء، وهذه القصيدة ألطف ما قاله: بدا وجهها في ظلمة الليل كالبدر ... ونم عليها عابق الطيب والعطر وبشرنا بالوصل عند ابتسامها ... بريق ثناياها الشبيهة بالدر نهضت إليها فانثنت بلطافة ... تقبلني والدمع من شوقها يجري وقالت عسى عصر الصدود قد انقضى ... فقلت وقلبي بالغرام على جمر فديتك ما للعتب يدخل بيننا ... فقد كان ما قد كان في سالف الدهر فإن أويقات الوصال قصيرة ... فلا تشغليها بالتذكر والفكر فإن كان قطع الود منك فإنني ... عفوت ومني إن يكن فاقبلي عذري فما لذ للعشاق وصل ممحض ... من الصد والتعنيف والبعد والهجر ألم تدر أن الدر عز لأنه ... على خطر من يبتغيه من البحر وما ضرنا ما قد لقينا وأننا ... بلغنا ذرى الآمال في آخر الأمر فهيا بنا نقضي من البسط حظنا ... ودع ما جرى في الكون من بعدها يجري وعانقتها فانضم ثغري لجيدها ... وألصقت النهدين منها إلى صدري وعاد لها طوقا ذراعي وتارة ... وشاحاً وآناً كالنطاق على الخصر وظلنا ندير الراح اشرب سؤرها ... وتشرب سؤري ثم تجلس في حجري ونقلي لماها والمثاني حديثها ... ومصباحنا عقد يضيء على النحر نميل نشاوى كالقضيب يهزه ... نسيم ونحصو ثم نغرق بالسكر أوسدها يمناي ثم تضمها ... يساري كما انضم الكمام على الزهر إلى أن أراد الصبح أن يستفزنا ... وقامت جيوش الليل من غيظها تسري أفاقت وقالت حان وقت افتراقنا ... ونم علينا للرقيب سنا الفجر فقم نتزود للوداع فما عسى ... يعود لنا هذا التواصل في العمر فما راعني إلا بكاها وقولها ... فراقك في قلبي أمر من الصبر

стр. 354

فودعتها والدمع مني مسلسل ... على صفحات الخد كالوبل والقطر وقلت بحقي يا مليكة مهجتي ... وبالغنج من عينيك والكحل والسحر وبالخال والثغر المنضد واللما ... وعقد حباب فيه أبهى من الدر بحق الدجا من شعرك الفاحم الذي ... به ضل رأيي واستقام به شعري بفرقك ذي الإشراق والنور والبها ... وما قد تلا من آية الفتح والنصر بألماس جيد ثم لين معاطف ... ومياس قد فاق عسالة السمر بساعة أنس منك نلت بها المنى ... ودارت علينا أكؤس الراح والخمر بعزك يا أخت الشموس وذلتي ... لديك غراماً تم بالشفع والوتر دعي الهجر بعد الآن واستعملي الوفا ... وعودي بوصل واغنمي وافر الأجر فقالت منائي قر عيناً فإنني ... بحبك في قيد المهانة والأسر ولا برحت خدي لنعلك موطئاً ... إلى أن يليني رائد الموت للقبر فودعتها بالضم ثم لثمتها ... ثلاثاً وسبعاً ثم عشراً على الاثر وجرت رداها ثم سارت وأودعت ... فؤادي غراماً لا يقدر بالحصر فيا ليلة ما مر في العمر مثلها ... ترى هل تعودي عن قريب ولا أدري سلامي على ربع الأحبة كلما ... ترنم شاد حين هيجه قمري وكتب مراسلاً بعض أحبابه ولما بان من أهواه عني ... فقد تصبري وعدمت رشدي وواصلت السهاد لفرط شوقي ... وأجريت الدموع لعظم وجدي وعللت الفؤاد فقال دعني ... فما التعليل والتسويف مجدي ومالي من دواء غير قربي ... لمن أهواه في فرح وسعد وإن طال المطال عدمت روحي ... وعز عليك يا مولاي فقدي وإن وافيتني من غير مطل ... غنمت الأجر واستبقيت ودي

стр. 355

ومن نثره في خطبة ديوانه رحمه الله تعالى قوله: لما كان لكل إنسان عين من الشعر إن حركها فارت، وإن تركها غارت، وكنت قد حركت عين شعري، فبضت بقطرات قليلة، رجوت أن تكون لتذكاري فيما يأتي وسيلة، وإن كان الشعر ليس بمزية يحق بها الافتخار، فليس هو في حد ذاته منقصة توجب الاحتقار، حيث جاء بنص الكتاب مدح بعض الشعراء وذم البعض، وقد تدور عليه الأحكام الأربعة بحسب الإبرام والنقض، فقد ثبت عنه ﷺ أنه مدح فأجاز، وأمر بهجو قوم هجوه بضرب من الأرجاز، فقال اهج بإحسان، نصرك الله يا حسان، وقد ورد في مدح الشعر والشعراء، من الأحاديث والأخبار ما يفوت درجة الاستقصاء، وقد قال بعضهم الشعر ديوان العرب وبه عرفت الأنساب. وقال سيدي عمر بن الوردي المعري رحمه الله تعالى: انظم الشعر ولازم مذهبي ... فاطراح الرفد في الدنيا أقل وكان في هذا الزمان قد كسد سوقه، ويبست عروقه، ونضب ماؤه، وسكن هواؤه، وانفقدت دواعيه، وخسر بائعه وشاريه، حتى حق لأهله أن يتمثلوا بقول ابن المعتز ﵀: قالوا هجرت الشعر قلت ضرورة ... باب الدواعي والبواعث مغلق خلت الديار فلا كريم يرتجى ... منه النوال ولا مليح يعشق ومن العجائب أنه لا يشترى ... ومع الكساد يخان فيه ويسرق هذا وإن الشعر لا يخلو من تشحيذ الأذهان، وترقيق الطباع وتسلية الأخدان، ولم يزل صاحبه منتصفاً من الزمان، مستعيناً على طوارق الحدثان، وكنت منذ ميزت، وجدت والدي حفظه الله تعالى أوحد هذا العصر، في صنعة القريض والشعر، لكنه غير مكثار منه لشغله بالفتوى
следующие страницы →