Полный текст (1 568 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
من آل عثمان الأكارم من بنوا ... في المجد بيتاً لا يزال مؤثلا
قوم بهم قامت دعائم ديننا ... ولجيشهم فتح البلاد مسهلا
والأرض ميراث لهم من ربها ... نص عليهم في الكتاب تأولا
خلفوا بني العباس في إخلاصهم ... فغلا بهم قدر الشريعة بل علا
قاموا بأعباء الخلافة حسبما ... يرضى المهيمن مجملاً ومفصلا
لا غرو إذ هم من سلالة هاشم ... نسباً وأفعالاً فدع من سولا
فولاؤهم حفظ لأهل الأرض من ... خلف كما جاء الحديث مسلسلا
فالحمد لله الذي قد خصنا ... بخليفة منهم به الكرب انجلى
وهو الإمام الماجد الشهم الذي ... فاق الملوك مهابة وتفضلا
بحر إذا سعت العفاة لبابه ... وغضنفر تخشاه آساد الفلا
وسع الأنام مراحماً وبعدله ... أضحى الزمان مجملاً ومجللا
مولى رفيع القدر قد نسخت به ... آي الخلاف واثبتت آي الولا
سبحان من جعل التقى جلبابه ... والحلم والبأس الشديد له حلى
ذو همة بالحق عالية الذرا ... لو قابلت أعلى الجبال تزلزلا
نعم الإله به علينا جمة ... عن شكرها قصرت عبارات الملا
وصف الخلافة مذ تشرف باسمه ... عنا جلا خطباً جسيماً معضلا
عبد المجيد بمجده شهدت لنا ... أفعاله لا زال بدراً أكملا
لاشك يا مولاي أنت مؤيد ... والنصر فأل قد أتاك مهرولا
أنا قد خدمتك بالمديح مقدماً ... في مدة يخشى بها أن يقولا
стр. 352
وأبحت نفسي في سبيلك حسبة ... لله لا أبغي بذلك معدلا
والآن قد آن المديح وإنني ... سأجيد مدحاً لن يتمثلا
فاقبل لعبدك مدحة جاءت على ... عجل ولا تقطع رجا من أملا
والحمد لله العظيم وشكره ... فرض علينا حيث أحيانا إلى
يا رب بالذات العلية ثم بالمختار ... أفضل من دعا وتوسلا
وبآله والصحب طرا سيما ... من قام منهم بالخلافة أولا
وبتاليبه وبالوصي وزوجه ... وابنيه ثم بني بنيه على الولا
بالتابعين وبالأئمة كلهم ... وبكل حبر في العلوم تغولا
بالقطب عبد القادر الأسد الذي ... عنت الرقاب له وحل المشكلا
وبكل قطب نال منك كرامة ... وكسوته بالقرب ثوباً مسدلا
بالأولياء جميعهم وبمن غدا ... وجه الزمان بنورهم متهللا
وبكل عبد قد أجبت دعاءه ... وبمن تجيب إذا دعيت به الملا
أيد أمير المؤمنين وحزبه ... وأدم له منك السعادة والعلا
وانصره نصراً يا قدير مؤزراً ... واجعل له فتح البلاد مسهلا
وأطل بقاه مدى الزمان وعمره ... لنرى منار الدين مرتفعاً على
ألهمه في حق العباد مراحماً ... واسلك به سبل التقى كي يعدلا
واقمع بسيف القهر كل معاند ... واهدم بناء المشركين وعجلا
واجبر بأنظار الخليفة كسرنا ... والطف بنا لطفاً عميماً مسبلا
ثم الصلاة مع السلام على الذي ... بمديحه جاء الكتاب مرتلا
والآل والأصحاب والأتباع ما ... وقف الحجيج معرفاً وتحللا
أو ما الأمين غدا يؤرخ مرجعاً ... هجم السرور على الأنام مبسملا
стр. 353
وقال ﵀ متغزلاً في واقعة حال ولكنه زاد ما لم يقع تونيقاً على عادة الشعراء، وهذه القصيدة ألطف ما قاله:
بدا وجهها في ظلمة الليل كالبدر ... ونم عليها عابق الطيب والعطر
وبشرنا بالوصل عند ابتسامها ... بريق ثناياها الشبيهة بالدر
نهضت إليها فانثنت بلطافة ... تقبلني والدمع من شوقها يجري
وقالت عسى عصر الصدود قد انقضى ... فقلت وقلبي بالغرام على جمر
فديتك ما للعتب يدخل بيننا ... فقد كان ما قد كان في سالف الدهر
فإن أويقات الوصال قصيرة ... فلا تشغليها بالتذكر والفكر
فإن كان قطع الود منك فإنني ... عفوت ومني إن يكن فاقبلي عذري
فما لذ للعشاق وصل ممحض ... من الصد والتعنيف والبعد والهجر
ألم تدر أن الدر عز لأنه ... على خطر من يبتغيه من البحر
وما ضرنا ما قد لقينا وأننا ... بلغنا ذرى الآمال في آخر الأمر
فهيا بنا نقضي من البسط حظنا ... ودع ما جرى في الكون من بعدها يجري
وعانقتها فانضم ثغري لجيدها ... وألصقت النهدين منها إلى صدري
وعاد لها طوقا ذراعي وتارة ... وشاحاً وآناً كالنطاق على الخصر
وظلنا ندير الراح اشرب سؤرها ... وتشرب سؤري ثم تجلس في حجري
ونقلي لماها والمثاني حديثها ... ومصباحنا عقد يضيء على النحر
نميل نشاوى كالقضيب يهزه ... نسيم ونحصو ثم نغرق بالسكر
أوسدها يمناي ثم تضمها ... يساري كما انضم الكمام على الزهر
إلى أن أراد الصبح أن يستفزنا ... وقامت جيوش الليل من غيظها تسري
أفاقت وقالت حان وقت افتراقنا ... ونم علينا للرقيب سنا الفجر
فقم نتزود للوداع فما عسى ... يعود لنا هذا التواصل في العمر
فما راعني إلا بكاها وقولها ... فراقك في قلبي أمر من الصبر
стр. 354
فودعتها والدمع مني مسلسل ... على صفحات الخد كالوبل والقطر
وقلت بحقي يا مليكة مهجتي ... وبالغنج من عينيك والكحل والسحر
وبالخال والثغر المنضد واللما ... وعقد حباب فيه أبهى من الدر
بحق الدجا من شعرك الفاحم الذي ... به ضل رأيي واستقام به شعري
بفرقك ذي الإشراق والنور والبها ... وما قد تلا من آية الفتح والنصر
بألماس جيد ثم لين معاطف ... ومياس قد فاق عسالة السمر
بساعة أنس منك نلت بها المنى ... ودارت علينا أكؤس الراح والخمر
بعزك يا أخت الشموس وذلتي ... لديك غراماً تم بالشفع والوتر
دعي الهجر بعد الآن واستعملي الوفا ... وعودي بوصل واغنمي وافر الأجر
فقالت منائي قر عيناً فإنني ... بحبك في قيد المهانة والأسر
ولا برحت خدي لنعلك موطئاً ... إلى أن يليني رائد الموت للقبر
فودعتها بالضم ثم لثمتها ... ثلاثاً وسبعاً ثم عشراً على الاثر
وجرت رداها ثم سارت وأودعت ... فؤادي غراماً لا يقدر بالحصر
فيا ليلة ما مر في العمر مثلها ... ترى هل تعودي عن قريب ولا أدري
سلامي على ربع الأحبة كلما ... ترنم شاد حين هيجه قمري
وكتب مراسلاً بعض أحبابه
ولما بان من أهواه عني ... فقد تصبري وعدمت رشدي
وواصلت السهاد لفرط شوقي ... وأجريت الدموع لعظم وجدي
وعللت الفؤاد فقال دعني ... فما التعليل والتسويف مجدي
ومالي من دواء غير قربي ... لمن أهواه في فرح وسعد
وإن طال المطال عدمت روحي ... وعز عليك يا مولاي فقدي
وإن وافيتني من غير مطل ... غنمت الأجر واستبقيت ودي
стр. 355
ومن نثره في خطبة ديوانه رحمه الله تعالى قوله: لما كان لكل إنسان عين من الشعر إن حركها فارت، وإن تركها غارت، وكنت قد حركت عين شعري، فبضت بقطرات قليلة، رجوت أن تكون لتذكاري فيما يأتي وسيلة، وإن كان الشعر ليس بمزية يحق بها الافتخار، فليس هو في حد ذاته منقصة توجب الاحتقار، حيث جاء بنص الكتاب مدح بعض الشعراء وذم البعض، وقد تدور عليه الأحكام الأربعة بحسب الإبرام والنقض، فقد ثبت عنه ﷺ أنه مدح فأجاز، وأمر بهجو قوم هجوه بضرب من الأرجاز، فقال اهج بإحسان، نصرك الله يا حسان، وقد ورد في مدح الشعر والشعراء، من الأحاديث والأخبار ما يفوت درجة الاستقصاء، وقد قال بعضهم الشعر ديوان العرب وبه عرفت الأنساب. وقال سيدي عمر بن الوردي المعري رحمه الله تعالى:
انظم الشعر ولازم مذهبي ... فاطراح الرفد في الدنيا أقل
وكان في هذا الزمان قد كسد سوقه، ويبست عروقه، ونضب ماؤه، وسكن هواؤه، وانفقدت دواعيه، وخسر بائعه وشاريه، حتى حق لأهله أن يتمثلوا بقول ابن المعتز ﵀:
قالوا هجرت الشعر قلت ضرورة ... باب الدواعي والبواعث مغلق
خلت الديار فلا كريم يرتجى ... منه النوال ولا مليح يعشق
ومن العجائب أنه لا يشترى ... ومع الكساد يخان فيه ويسرق
هذا وإن الشعر لا يخلو من تشحيذ الأذهان، وترقيق الطباع وتسلية الأخدان، ولم يزل صاحبه منتصفاً من الزمان، مستعيناً على طوارق الحدثان، وكنت منذ ميزت، وجدت والدي حفظه الله تعالى أوحد هذا العصر، في صنعة القريض والشعر، لكنه غير مكثار منه لشغله بالفتوى
стр. 356
والتعليم، إذ هو فيهما مرجع أهل الإقليم، فصرت في حالة التعلم أخبط في ذلك، وأقتحم تلك المفاوز والمسالك، إلى أن نظمت ما يقرأ في سن اثني عشر، وقفوت في ذلك من أهل هذه الصناعة الأثر، وإن كان شعري لا يحق له أن يكتب ولا أن يقرأ، لكني أردت أن يكون لي جمعه في هذه الوريقات فيما يأتي ذكرا، والمرجو من الناظر إليه من الإخوان والسادات، أن يغض طرفاً عما يجده فيه من الهفوات، وأن يصلح منه ما هو قابل للإصلاح، فالحر لا يزال صفاح، وإلا فمن أين للإنسان أن يستكمل جميع الأوصاف، وقد يتلافى المرء قصوره بالاعتراف، ورتبت ديواني هذا على مقدمة وأربعة أبواب، إلى آخر ما قال ديوان لطيف، يشهد لمنشئه بالمقام العالي المنيف.
ومن كلامه هذا الموشح الذي مدح به السيد الأعظم ﷺ
شادن تاه على بدر السما ... وتحلى برداء سندس
وببيض اللحظ والسمر حمى ... خمر ريق في ثغير ألعس
دور
يا لقومي من مجيري من رشا ... مستطيل الحكم في أهل الغرام
لم يدع فيهم صحيحاً مذ نشا ... غير مطعون بخيزور القوام
وله الألباب حقاً والحشا ... عشقاً من قبل أن يخلق سام
ووجودي فيه أضحى عدماً ... مذ بأنواع الكمالات كسى
وغدا الخد شقيقاً عندما ... عندما سل سيوف النرجس
لذ لي خلع عذاري في هوى ... من سبا الألباب في سود الحدق
مسدلاً ليلاً طويلاً قد هوى ... وله الفرق تراءى كالفلق
стр. 357
وعلى وجنته خالاً حوى ... أمن المسك له الباري خلق
بهرمان الخد حاذى عنما ... طاب هذا محتداً في مغرس
ما لعمري ذاك من طين وما ... هو نور جاءنا في ملبس
دور
إن قلبي لحبيبي قد صبا ... وعلى مائدة الحب طفل
لم أزل مستنشقاً ريح الصبا ... حيث من دار اللوالي قد وصل
أنا إن مت بحبي وصبا ... لم أحل عن عشقه مهما حصل
كيف أسلو من إلى العرش سما ... وتدلى للجناب الأقدس
في حديث صححته العلما ... ورواه مالك عن أنس
دور
عين أعيان البرايا والملا ... سيد الرسل ومصباح الهدى
من أقام الدين حتى أن علا ... وسقى السم من السيف العدى
وأتى بالحق مذ عنا جلا ... ظلمة الشك وأوثاق الردى
من عليه الضب حقاً سلما ... وله الظبي شكا فعل المسي
كم وكم أبرأ عيناً من عمى ... فاجتنب أفعال أهل الهجس
دور
أيها العاصي الذي قد غرقا ... في بحار الذنب أسرع مقبلا
وتيمم كعبة لن ترتقى ... وهزبراً أسداً لن يبسلا
خير من صام وصلى واتقى ... ورقى الذروة من عهد بلى
لم يفه قط بلا، لا، أو بما ... لفقير جاءه أو مفلس
من يوافيه يلاقي حرماً ... فيه أملاك السما كالحرس
دور
стр. 358
يا رسولاً للبرايا بعثا ... رحمة أنعم بها من رحمة
كل مجد وكمال ورثا ... حسن الخلق عظيم الخلقة
طاب لي فيه مديحي والرثا ... تارة خنسا وكالنابغة
فتراني في هواه كلما ... قصر الركب حداهم جرسي
وإذا أنشدت بيتاً قيل ما ... وضع الرخ مكان الفرس
دور
لي ذنوب وخطايا حملها ... أنحل الجسم وأعيا البدنا
وفؤاد ليس من أهل النهى ... قط عن فعل المعاصي ما دنا
فإذا أبصر أوقات اللها ... من وراء الشام يأتي عدنا
وعن التقوى تراه نائماً ... مثل ميت في قرار الجدس
إن يقل لم ذا يقل كن كيفما ... شئت إلا الشرك لا تأت تسي
دور
وتمسك بجناب المصطفى ... أحمد الهادي رسول الواحد
سيد الكونين حقاً لا خفا ... ماجد من ماجد من ماجد
حسبي المختار جدي وكفى ... فهو باب الله كهف الشارد
شافع الأمة في يوم الظما ... حين يجثو آدم مع يونس
وتراه ضاحكاً مبتسما ... ما به من خيفة أو وجس
دور
وعليه الله صلى سرمدا ... مع سلام متناه أكمل
ما سرى الركب مجداً وحدا ... نحو سلع موجزاً بالرمل
стр. 359
أو محب من غرام عربدا ... كنديم بمدام ثمل
وعلى آل وأصحاب نما ... فضلهم مثل شهاب القبس
في غدٍ يسقون كأساً ختما ... بختام المسك طيب الأنفس
وقال وقد اقترح عليه بعض الأعيان بحماة مدح خال ملاصق لشفة المحبوب:
من الزنج خال في رياض خدوده ... أقام زماناً في النعيم المكمل
رأى وردة فاقت فرام اغتيالها ... فصادفه وشي العذار المسلسل
فقيده في جانب الثغر حارساً ... فوا عجباً لص على الدر قد ولي
وفضله شهير ومن أراد معرفة بيانه فليبادر إلى مطالعة ديوانه.
أنيس أفندي قصاب حسن الدمشقي
عمدة النبلاء، ونخبة النخباء، ولد سنة تسع وثلاثين ومائتين وألف ونشأ في حجر والده بالنعمة والرفاهية، والراحة والنزهة السامية، وهو من بيت ذي ثروة وغنى، وشهرة موصلة لإدرا المنى، غير أن المترجم المرقوم، قد عاكسه الحظ المشؤوم، فحاربه أوانه وما صفا له زمانه،
стр. 360
بل حالفه على العناد، وخالفه في كل مراد، فكان يخدم الحكومة السنية، في الأمور الجزئية، ومن قوله متوسلاً:
غافر الذنب وعلام الغيوب ... قابل التوب وستار العيوب
راحم الخلق وغوث المذنبين ... ارتجي من عفوه غفر الذنوب
ومن قوله مخمساً:
خذ نشأة الأفراح قبل ندامة ... والزم أويقات الصفا بسلامة
ودع العذول يطيل شرح ملامة ... جمرات همك فاطفها بمدامة
وادي العقيق بلونها موصوف
شمس محياها الهلال بلا خفا ... راح ثرياها مكللة الشفا
البدر ساقٍ والصباح على الوفا ... والكأس زمزم والمقام لنا صفا
والحب يسعى والحباب تطوف
وقال أيضاً
بخد قد حكى ورداً ودرا ... وفا خال بروضته تدرا
أقاد لأمرهه مهما تجرا ... ولو أمسى على تلفي مصرا
لقلت معذبي بالله زدني
وصل شغفي بهجرك بالتأني ... وللعذال فاحذر أن تؤني
ولا تسمع ندا ندبي وأني ... ولا تسمح بوصلك لي فإني
أغار عليك منك فكيف مني
وقال
ظبي أنس تم وصفا ... قام يجلو الراح لطفا
من بقايا اللثم رشفا ... صبها بالكأس صرفا
غلبت ضوء السراج
من سناها الحي نارا ... والشجى منها استنارا
стр. 361
مذ رآها الحب حارا ... ظنها بالكأس نارا
فطفاها بالمزاج
وقال
قلوب العالمين صبت إليه ... وقلبي في الهوى رهن لديه
وإني من ألست به ولوع ... فيا عشاقه صلوا عليه
وقال
يا كثير الصد والهجران جد ... لقتيل في هواك اليوم جد
بدر تم سلب العقل وقد ... أسر القلب وللقلب وقد
ملك الروح عياناً وادعى ... بالذي أبقاه سقمي بالجسد
فتش القلب سوى حبي له ... في سويداه حبيبي ما وجد
إن تبدى ركع البدر له ... وإذا ماس له الغصن سجد
وحد الخال على وجنته ... ولنار الخد رغماً قد عبد
سبحت أملاك جفنيه رضا ... وهلال الفرق لله حمد
ثغره دراً وطيباً قد حوى ... واللمى ماء الحيا فيه ورد
جل من قد صور الحسن به ... وأذاب الجسم في مطل الوعد
بعده قد حرم الجفن الكرى ... وادعى لي آية الليل رصد
وله ديوان طويل عريض قد نظم فيه أنواع القريض. توفي ﵀ وأحسن مثواه سنة ألف وثلاثمائة وثمان تقريباً.
الشيخ أنيس الحمصي الواعظ رئيس المؤذنين في جامع بني أمية
ولد بدمشق الشام، وقرأ على السادة الأجلاء الأعلام، كالشيخ سعيد الحلبي والشيخ عبد الرحمن الكزبري والشيخ عبد الرحمن الطيبي وغيرهم وكان تقياً نقياً صالحاً، زاهداً عابداً ناجحاًن كثير البكاء، والخشوع والتضرع في الدعاء، وكان كثيراً ما يقرأ من كتب الوعظ في جامع بني أمية في التركية والعربية. غير أنه كان يغلب عليه الخفة والطيش فلذلك لم يكن
стр. 362
له ثبات على حالة واحدة، فلو مدح إنساناً في وقت بغاية المدح لم يكن وقت مذمته بعيداًن وربما يرتكب هذه الحالة في دروسه العامة فيمضي درسه بين مدح وذم ولم يزل على ذلك، إلى أن أوردته المنية مورد المهالك، توفي يوم ثالث وعشرين من شوال سنة ثمان وتسعين ومائتين وألف ودفن في مقبرة باب الصغير ﵀.
стр. 363
حرف الباء
الشيخ بلبل أفندي بن عاشر أفندي الواعظ في جامع بني أمية في دمشق المحمية
عالم عامل، وزاهد فاضل، كثير البكاء والخشوع، كأنه على العبادة والتقوى مجبول ومطبوع، وكان له في الوعظ أسلوب حسن، وإلقاء مستحسن، تتأثر منه القلوب، تكاد من تأثرها أن تذوب. توفي ﵀ سنة إحدى وستين ومائتين وألف في اليوم الخامس عشر من المحرم الحرام.
الشيخ بهرام بن أحمد العارفي القسطنطيني الأصل الحلبي المولد والمنشأ مقدم الحنفي
أحد الأعيان الكتاب في الدولة العثمانية، مولده خامس عشر ربيع الثاني سنة ثمان وثلاثين ومائة وألف، وكان والده من وزراء الدولة والفضلاء المشهورين، وبعد أن قتل تقلبت بالمترجم الأحوال حتى استقر بدار السلطنة القسطنطينية، وتولى بعض المناصب التي تتعلق بأعيان الكتاب، وكان من نبلاء الكتاب وأدبائهم، وله حسن ترسل وإنشاء، ويحب العزلة والإنزواء، ولا يختلط بالناس إلا قليلاً، ولا يتردد إلى أحد من أعيان الدولة ولا من رؤسائها. توفي بعد الألف والمائتين.
стр. 364
بنية بن قرينس الجربا الطائي من بني طي قوم حاتم الطائي
الجواد المشهور، والكريم الذي هو بأنواع الكرم مذكور، الذي يضرب به المثل، وكان لقاصده فوق ما يتعلق به الأمل، نقل الشيخ عثمان بن سند البصري بأن بنية بضم الموحدة وفتح النون وتشديد الياء التحتية وهاء التأنيث وهو من رجال العرب وكرمائها، وله كعمه فارس عند الوزير علي باشا أبهة عظيمة، وصدارة وتقديم. وأما شجاعته فكان يحاكي بها فارس النعامة، وأما كرمه فكان يحاكي به البحر الخضم، وأما منع الجار وحمايته من كل مكروه، ومساعدته على كل مطلوب، ورعاية جانبه بكل مرام، فهو في الذروة العليا منه والناس يحذون حذوه، كأنه قال فيه الشاعر، يصفه ببعض ما فيه من المفاخر:
لقد علمت نسوان همدان أنني ... لهن غداة الروع غير خذول
وأبذل في الهيجاء وجهي وإنني ... له في سوى الهيجاء غير بذول
وأما غض الطرف عن جاراته فكأنه فيه البنت العذراء من الحياء، وكان لسان حاله لدى كل داهية دهماء، أو واقعة عظيمة، ينشد قول السموأل بن عادياء:
стр. 365
إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكل رداء يرتديه جميل
وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثناء سبيل
تعيرنا أنا قليل عديدنا ... فقلت لها إن الكرام قليل
وما قل من كانت بقاياه مثلنا ... شباب تسامى للعلا وكهول
وما ضرنا أنا قليل وجارنا ... عزيز وجار الأكثرين ذليل
لنا جبل يحتله من نجيره ... منيع يرد الطرف وهو كليل
رسا أصله تحت الثرى وسما به ... إلى النجم فرع لا يزال طويل
وإنا أناس لا نرى القتل سبة ... إذا ما رأته عامر وسلول
يقرب حب الموت آجالنا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول
وما مات منا سيد حتف أنفه ... ولا ضل منا حيث كان قتيل
تسيل على حد الظبات نفوسنا ... وليست على غير الظبات تسيل
ونحن كماء المزن ما في نصابنا ... كهام ولا فينا يعد بخيل
وننكر إن شئنا على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول
إذا سيد منا خلا قام سيد ... قؤول بما قال الكرام فعول
وما خمدت نار لنا دون طارق ... ولا ذمنا في النازلين نزيل
стр. 366
وأيامنا مشهورة في عدونا ... لها غرر مشهورة وحجول
وأسيافنا في كل شرق ومغرب ... بها من قراع الدارعين فلول
معودة أن لا تسل نصالها ... فتغمد حتى يستباح قتيل
سلي إن جهلت الناس عنا وعنهم ... فليس سواء عالم وجهول
فإنا بني الريان قطب لقومهم ... تدور رحاهم حولهم وتجول
ونسب هذا المترجم من أشراف قبيلة طي قبيلة حاتم بن عبد الله الطائي، وليعلم أن المترجم عبر من الجزيرة لغرب الفرات عندما تولى وزارة بغداد سعيد باشا، لما بين عمه فارس وآل عبيد الحميريين من الضغائن، لاسيما أميرهم قاسم بن محمد بن عبد الله بن شاوي الحميري، وكان سعيد باشا ولى زمام أموره إليه، فلأجل ما بينن فارس وقاسم المذكورين من الضغائن
стр. 367
لم يستقر المترجم في الجزيرة، فنزل بعشيرته على خزاعة في تلك السنة ليكتال، وكان بين الدريعي العنزي الرويلي وبينه ضغائن، فاقتفى الدريعي أثر بنية ونزل قريباً منه، وأرسل إلى حمود بن ثامر، فاستنفره لأنه صديق الدريعي، فنفر بفرسان عشيرته لمساعدة الدريعي، وخرج عسكر الوزير سعيد باشا وكبيرهم قاسم بن شاوي، ومعه عفاريت عقيل النجديون، وهم من عسكر الوزير إذ ذاك، لمساعدة من يحارب بنية، فقامت الحرب على ساق، وبنية يكر على الفرسان كأنه الأسد، فبينما هو يطرد بفرسه إذ جاءته رصاصة كانت فيها منيته فحز رأسه وأتي به إلى وزير بغداد سعيد باشا بن سليمان باشا، وذلك سنة إحدى وثلاثين ومائتين وألف.
الشيخ بكري بن الشيخ حامد ابن الشيخ أحمد بن عبيد العطار الدمشقي
العالم العامل الذي أشرق ضوء شهابه، والفاضل الذي تقتطف البلاغة من إيجازه وأطنابه، والجهبذ الذي أوتي الحكمة وهو شاب، واختار له
стр. 368
عرفانه سلوك منهج الصواب، فلا ريب أنه مظهر شموس التحبير في التقرير، وخزانة آداب التدقيق والتحرير، ومنهاج من أراد الوصول إلى المعالي، ومعراج من رام الحصول على فرائد اللآلي، حلال المشكلات بثاقب فكره، ومعطر دروس العلوم بنفثات صدره، كيف لا وهو الذي افاد من بدائع الفوائد، ما هو على رسوخ قدمه في بديع البيان شاهد، فلقد تفجرت ينابيع حكمه في كل واد، وأزهرت رياض تقريراته في كل فؤاد، لم يدع من الفنون فناً إلا دخل حصونه، وقرأ شروحه وحفظ متونه، وأما ديانته وعبادته فقد شهد له بها محرابه، وصيانته أقر له بها أترابه وأضرابه، فهو الفريد الآن في عوالي الشمائل، والوحيد لمن رام وقوعه على أنفع الوسائل. ولد سنة ألف ومائتين وخمسين تقريباً، ومن سن تمييزه امتاز على أمثاله، بحفظه وإدراكه وأقواله وأحاله، حفظ القرآن الشريف وهو غلام، وأقبل على طلب العلم بكل اهتمام، فقرأ على علماء عصره الأكابر، وأجازوه بما تجوز لهم روايته عن شيوخهم كابراً عن كابر ومن أجلهم سيدي الوالد، فقد قرأ عليه المترجم جزءاً في الحديث واستجازه، فأجابه لما طلبه منه وأجازه، ولزمه الطلبة للأخذ والاستفادة،
стр. 369
ولم يكن له سوى الإفادة والعبادة، شغل ولا عادة، مع جمال سيرة، وحسن سريرة، ووفور قدر وسلامة صدر، وسماحة وكرم، وهمة في قضاء مصالح الخلق فاقت الهمم، وبشاشة وإظهار سرور، وغقبال على الناس بغاية الحبور، وفي يوم الاثنين سادس جمادى الثانية سنة سبع وثلاثمائة وألف، توفي ابن أخيه الشيخ سليم بن الشيخ ياسين بن الشيخ حامد العطار، وقد انحلت وظيفة تدريس التكية السليمانية التي وظفها السلطان سليمان خان، وهذه التكية هي المعروفة في المرجة، فلقد أمر هذا السلطان المومأ إليه أن يقرأ قارىءٌ درس وعظٍ في كل جمعة مرة واحدة، وله على كل درس ثلاثون بارة، وأن التكية التي بجانب السليمية ويقال لها السليمانية، قد شرط المرحوم السلطان سليمان أن واعظاً يعظ بها في كل جمعة ثلاثة أيام، وله عن كل يوم عشرة دراهم فضة، عبارة عن كل سنة أربعة آلاف قرش تقريباً، قد دام هذا الحال إلى أن وجه هذا الدرس على العالم المفضال جناب المرحوم الشيخ حامد العطار، فجعل الدرسين درساً واحداًن والمعاشين معاشاً واحداً، وجعل قراءة الدرس في السليمية، وقصره على سبعة دروس في رجب وشعبان في كل يوم خميس منهما، ونقله من الوعظ إلى صحيح البخاري الشريف، فحينما توفي الشيخ حامد المومأ إليه، كان ولده المترجم صغيراً فتولاها ابن أخيه الشيخ سليم، ولم يزل قائماً بها إلى
стр. 370
حين وفاته، وكان قبل موته قد فرغها على أولاده، فادعاها بعد وفاته المترجم المومأ إليه، وادعاها أولاد الشيخ سليم ولكن لدعوى عدم كمال أهليتهم في العلم وجهت إلى ابن الشيخ سليم الشيخ أحمد الصغير الذي لم يبلغ الحلم، ووضعوا المترجم نائباً عنه إلى حين استعداده وقابليته للقراءة، وحيث أنهم فعلوا الآن كذلك، كان قياس الأمر أن يفعلوا حين توفي الشيخ حامد ﵀ كذلك، بأن يوجهوها على المترجم المرقوم ويضعوا عنه نائباً إلى حين استعداده، ولكن الله يفعل ما يريد، هو المولى وما عداه عبيد، وفي رابع شوال سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة وألف مرض المترجم المرقوم صباحاً ولم يزل يزداد مرضه في ذلك النهار، إلى أن توفي مساء.
وكان تشييع جنازته خامس شوال قبيل الظهر، ودفن في تربة الدحداح، وكانت جنازته غاصة بأهلها وتأسف عليه العموم لأنه لم يخلف نظيره رحمه الله تعالى.
الشيخ بدر الدين بن الشيخ يوسف بن عبد الرحمن ابن عبد الوهاب بن عبد الله بن عبد الملك بن عبد الغني المراكشي السبتي المالكي المغربي أصلاً الدمشقي مولداً
عالم إلا أنه عامل، وفاضل غير أنه كامل، قد اعتصم بحبل السنة والكتاب، وانتظم في سلك المتمسكين بأقوال الصحاب، واختار مذهب السلف الأعلى، ورأى سلوكه أروح لنفسه وأولى، لاتفاق الكل عليه بأنه أسلم، وحيث كان كذلك فهو أولى من غيره وأقوم، لا يخالف صحيح النص وإن خالفته نصوص المتون، وكيف يتبع الرأي ويترك قول الصادق المأمون، فلله دره من عالم عابد، ناسك متصف لا معاند، قد جمع الفصاحة في برود كلماته، والنباهة في مطاوي مبدعاته، إذا أخذ في إلقاء الأخبار
стр. 371
وجدته بحراً عجاجا، وإن تكلم في أنواع العلوم أبدع تقريراً وإنتاجاً، كأنما الأحكام في صدره مرقومة، وعوارف المعارف في خياله مصورة وفي لسانة منظومة، وله حافظة تحصي له كل ما يسمع، وإدراك هو أخف من مر النسيم وأسرع.
يقرأ في كل يوم جمعة بعد الصلاة صحيح البخاري في جامع بني أمية، ويزدحم الناس على درسه ازدحام الطالبين على العطية، غير أنه يسرد ما علقه في ذهنه ولا سؤال من أحد ولا جواب، ومن رام إبداء إشكال فلا يجد لدخول حله من باب.
وله حجرة في مدرسة دار الحديث قريبة من مقام ابن أبي عصرون، لا تكاد تجدها في وقت خالية من درس في فن من الفنون، وهو لا ينفك في يومه عن صيامه، ولا في ليله عن قيامه، كثير الذكر قليل الكلام، دائم الصلاة على النبي عليه أفضل الصلاة وأتم السلام. وقد عينت له الدولة في كل شهر ألفاً ومائتي قرش صاغاً.
стр. 372
الشيخ بكري بن عبد الغني بن أحمد البغال الدمشقي الشافعي
نشأ على الصلاح والتقوى، وتمسك من العبادة بالسبب الأقوى، وحفظ القرآن العظيم وجوده، ثم هداه الله لطلب العلم وأرشده. ولد في الشام سنة ألف ومائتين وخمسين تقريباً. وحضر غب كماله، وصلاح أمره وحاله، على شيوخ عصره، في بلدته ومصره، فحضر دروس الفاضل الشيخ قاسم الشهير بالحلاق، والشيخ محمد بن عبد الله الخاني، ثم أخذ الطريقة الخلوتية على المرشد الكامل الشيخ المهدي، واشتغل بالطريق مدة طويلة واعتزل الناس وقل كلامه، وبعد وفاة الشيخ المهدي صحب خليفته الشيخ المبارك، وأكثر من الصيام والقيام والخلوة في مدرسة التعديل،
стр. 373
ثم بعد موت المبارك لازم دروس الشيخ الفاضل الشيخ محمد الطنطاوي، فما قرأنا على حضرة الشيخ كتاباً ولا فناً إلا وحضره معنا، ثم إنه ما مضى عليه مدة إلا وانتقل من حالته الجلالية، إلى حالته الجمالية، فصار فيه دعابة ومجون، وحالة لا تدخل تحت دائرة الظنون، مع لطافة تذهب الكدر والبؤس، وتضحك الجامد العبوس، وألفه الأكابر من الناس، وعده الكثير من الأكياس، لا يتقيد بجلالة ولا تعظيم، ولا يلوم من لا يعامله بالتوقير والتكريم، وكان موظفاً بإمامة جامع عز الدين وتدريسه وخطابته. وفي سنة ألف وثلاثمائة وعشر ذهب إلى الحجاز، وحضر إلى الشام مريضاً، ولم يزل تزداد آلامه، ويختل نظامه، إلى أن توفي سنة ألف وثلاثمائة وإحدى عشرة ودفن في تربة باب الصغير.
الشيخ بدر الدين محمود المرعشي الحنفي
أشرق بدره في العلوم واستنار، واشتهر صيته في العالم وطار، مع تقوى تثبت له حسن الطوية، وعبادة لا يقدر عليها إلا ذو همة في الدين قوية، وحضر مجالس السادة، ولازمهم إلى أن بلغ من العلم مراده. وكان له شهرة بمحامد الخصال، وفرائد الشمائل العوال، وكانت ولادته في الشام سنة ألف ومائة وخمس وسبعين، وظهرت عليه مخايل السعادة من صغره، ولم يزل ناهجاً منهج السيادة إلى كبره، وكان قدومه إلى الآخرة، والدار الفاخرة، سنة أربعين ومائتين وألف ﵀.
بهجت أفندي بن عبد الله أفندي الحلبي القاضي بدمشق الشام
أحد العلماء الأعلام، وأوحد القضاة المشهورين في الأحكام، ولد في حلب سنة ألف ومائتين وست وأربعين وسار به والده إلى الآستانة سنة
стр. 374
سبع وأربعين، وكان والده أحد قضاة العساكر، فلما بلغ المترجم سن التمييز، قرأ القرآن الشريف وجوده وأتقنه، وأقبل على طلب العلم بهمة قوية. ثم في سنة ستين توجه بمعية والده إلى خربوط، فقرأ بها النحو والصرف والفقه، وأحسن اللغة الفارسية. وفي سنة ثلاث وسبعين توفي والده بمصر وهو متوجه إلى الحجاز، ودفن في جوار السيدة زينب، وذهب المترجم إلى حلب وتولى نقابة أشرافها. وفي سنة ثمانين رجع إلى الآستانة. وفي سنة إحدى وثمانين تعين قاضياً في كرسول، وفي اثنين وثمانين تعين قاضياً في طربزون، وفي ثلاث وثمانين تعين قاضياً في كوزلي حصار، وفي أربع وثمانين تعين قاضياً في مدينة بيروت. وبقي بها أربع سنين ونصف، وفي تسع وثمانين تعين قاضياً إلى طرابلس الغرب، وبقي بها سنتين ونصفاً، وفي سنة إحدى وتسعين تعين قاضياً إلى مدينة ازمير، وحيث لم يوافقه الهواء طلب نقله إلى محل آخر، فعين رئيس ديوان التمييز بولاية قسطموني، وبعد عشرة أشهر نقل إلى رئاسة ديوان التمييز في مدينة حلب، وفي سنة أربع وتسعين تعين قاضياً في ولاية حلب، وفي سنة ست وتسعين رجع إلى الآستانة، وفي رجب منها تعين مفتش عدلية بغداد، ثم بعد سنتين ونصف عزل، فرجع إلى الآستانة، ثم تعين مفتش عدلية طربزون، وبقي بها سنتين، ثم منها إلى مفتشية عدلية أزمير، وبقي بها نحواً من سنتين ثم ألغيت تلك الوظيفة فرجع إلى الآستانة، وبقي بها أربعة أشهر، ثم تولى قضاء جزائر بحر سفيد. وفي سنة ثلاثمائة وسبع تعين بقضاء الشام وبعد سنتين رحل إلى الآستانة ولم يمض قليلاً حتى اخترمته المنية ومات بها في حدود ألف وثلاثمائة وعشرة رحمه الله تعالى.
стр. 375
الشيخ بهاء الدين بن أخي الشيخ عبد الغني ابن حسن بن إبراهيم البيطار الشافعي الصوفي
ألمعي مشهود له بقوة إدراكه، لوذعي سرى في مناهج العلوم مسير القمر في أفلاكه، له نثر كالروض تفتقت أزهاره، وشعر كالصبح تألقت أنواره، لقد أبدع من المعاني الغرائب، والألفاظ المزرية بدرر النحور والترائب، ورضع من در العلوم منذ كان وليداً، وحوى من أنواع الفنون طارفاً وتليداً.
ولد في خامس عشر ربيع الثاني سنة ألف ومائتين وخمس وستين. حفظ القرآن على والده وجوده، ثم قرأ على والده الشاطبية وشرحها لابن القاصح، وجملة من كتب النحو والصرف والمعاني والبيان والعروض والقوافي وغير ذلك من بقية الفنون. ثم قرأ في الفقه والتوحيد والتفسير والحديث ما أثبت له الفضل والكمال، وقرأ على الشيخ الفاضل الشيخ محمد الطنطاوي علم الجبر والمقابلة والحساب والميقات والفلك حتى برع، وقرأ على عمه الشيخ محمد البيطار جملة من كتب مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان، وقرأ علي بعض رسائل الربع المجيب والمقنطر، وله مطالعة وفهم جيد في علم الرمل، ثم أخذ طريق الشاذلية عن الإمام المرشد الشيخ محمد الفاسي، فاشتغل في الطريق ومطالعة كتب السادة الصوفية كالفتوحات للشيخ الأكبر وغيرها حتى صار له ملكة عظيمة وكان إذا أشكل عليه شيء
стр. 376
يراجع فيه حضرة المرشد الكامل والأستاذ الملاذ الفاضل، الأمير السيد
стр. 377
عبد القادر الجزائري. وله من النظم والنثر، ما يزري بعقود اللؤلؤ والدر، ومن كلماته الرقيقة، التي هي الخمر الحلال على الحقيقة، مقامته التي أنشأها في المفاخرة بين الشمس والقمر، ولله درها من مقامة هي أرق من نسيم الصبا في السحر ونصها: حدثنا يسار بن حازم، عن فتح الله أبي المكارم، قال: رويت عن الورقاء بسندها عن العنقاء، قالت نشرت جناح الهمة، وطرت في فضاء الحكمة، ثم عرجت على الرفارف، إلى عالم اللطائف، فلم أزل أخترق حجاباً بعد حجاب، وأستفتح باباً بعد باب، إلى أن وصلت مواطىء الأنوار، وحصلت بمواطن الأسرار، فلما مرحت في مغانيها، وانشرحت بمعانيها، جلت بأعلى مجالي، في وجوه تلك المجالي، فرأيت في مرايا العجائب، ومزايا الغرائب، مجلساً من مجالس السمر، جمع الشمس والقمر، وهما متقابلان في النظر، في ليلة أربعة عشر، فألفت منهما الحديث والنظرة، ودلفت لتلك الحضرة، ثم بادرت بالتسليم، وحييت بالتعظيم، فقالا مرحباً وأهلاً فلقد صادف الغريب أهلاً، ثم أجلساني على موائد الفوائد، وآنساني بفرائد العوائد، ثم شرعا يتناجيان، وقد برعا بسحر البيان، فعاينت ما أخذ بمجامع قلبي، واستولى على عقلي ولبي، من طرائف ألفاظ، أسحر من الألحاظ، وظرائف معاني، هي نزهة كل معاني، فما أحلى ثمر تلك الفكاهة، وما أجلى ذاك السحر والنباهة، وما أرشق هاتيك الفقر، المزرية باللآلىء والدرر، وما آنق تلك الأسجاع، الممتزجة بالطباع والأسماع، لقد رقت وراقت، ودقت وفاقت:
كأن سامعها مذ مال من طرب ... بين الرياض وبين الكأس والوتر
ثم إنهما لم يزالا في منافثة أطيب من العناق للمشتاق، ومحادثة أطرب من الصبا والبياتي للعشاق. إلى أن جرت بهما سوابح المحاورة، وجرتهما سوانح المحاضرة، فألقتهما من مسالك تلك المسامرة، في مهاوي المهالك ومساوىء المفاخرة، فصعد القمر على المنبر الأزهر، وقال الحمد لله والله
стр. 378
أكبر، هذا جمالي قد زهر، وجلالي قد بهر، لمن شاهد ونظر، وحقق واعتبر، أنا السر الأكبر، والكبريت الأحمر، ذو السناء الزاهي، والضياء الباهي، جليت في أحسن الصور، وانشققت لسيد البشر، وكان يناغيني في الصغر، ويناجيني كما في الخبر، فأنا سلطان الكواكب، وزينة المواكب، أزور غباً، لأزداد في القلوب حباً، فسبحان من حلاني بحلل النضار، وولاني ملك المجد والفخار، وهدى بي في ظلمات البر والبحر، فأنا سيد النيرات ولا فخر، ثم أنشأ وارتجل، وأنشد بغير وجل:
أنا قمر المحاسن والسناء ... ولي بين الملا أبهى لواء
فوجهي مشرق في الأرض يبدي ... من الأضوا صباحاً في المساء
أروق بطلعتي الأبصار أنسا ... وأبهج بالمسرة كل راء
يرى شبه الحبيب بي المعنى ... ويشكو ما عراه من العناء
وينتظر الملا مجلى طلوعي ... هلالاً بالمسرة والهناء
فإن لم يلمحوا مرأى هلالي ... تراهم شاخصين إلى السماء
فبي صوم الأنام بكل قطر ... كذاك العيد يبدو من لقائي
فالحمد لله الذي قدرني منازل، وصدرني في ميدان السباق وقدمني على كل منازل، وصورني بأكمل صورة وأجمل إنشاء، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ثم ختم إنشاء كلامه، بصلاته على النبي وسلامه. فلما سمعت الشمس نثره ونظامه، ووعت قوله وكلامه، زفرت زفرة القيظ، وكادت تتميز من الغيظ، فارتقت عرش اليراعة والجمال، وانتقت فرش البراعة والكمال، ثم قالت بعد أن تجلت ببرود السناء، وتحلت بعقود الحمد والثناء: أنا العروس الناضرة، والعين الناظرة، بي تحلو ثمار لواعب الأدواح، وتبدو محاسن الكواعب
стр. 379
الملاح، ويأمن لعمري الخائف، طارق الليل الحائف، وتنسخ بي آية الليل الحالك، وتستنير المسالك لكل سالك، ويمتاز اليقين من الحدس، واليوم من الأمس، ولولاي لم تتحرر مواقيت الصلاة، ولم يتيسر نيل يواقيت الصلات، فتبارك الذي جعل في السماء بروجاً، وأجراني لمستقري بها نزولاً وعروجاً، وجعلني فيها سراجاً وهاجاً، وأوضح لي منها مسلكاً ومنهاجاً، وجل من رفعني مكاناً علياً، وحباني من فضله نوراً جلياً، وأسكنني أوسط الأفلاك، والوسط خير الأمور، ونظمني في سلك العالين من الأملاك، فسائر الأنوار علي تدور، وأحل بفلكي نبي الله إدريس، قطب الوجود في كل زمان، وغيره في هذا المقام النفيس، نائب عنه في هذا الشان، وأقسم بي وبضحاي، وفضلني وأكرم مثواي، فلي القطبية العظمى بين الأنوار، وبطلوعي وغروبي مناط الليل والنهار، ومن مشكاتي أشرق كل نور في العالمين " فتبارك الله أحسن الخالقين " ثم رنت القمر بعين محمرة، ووجنة مصفرة، وقالت عجيب للمملوك يجاري في مسراه الملوك، وللدرهم المصكوك، يباري الذهب المسبوك، أيها القمر القاضي بحدسه، المتغاضي عن معرفة نفسه، كأنك تقول لي بلسان الإشارة إياك أعني فاسمعي يا جارة:
سوف ترى إذا انجلى الغبار ... أفرس تحتك أم حمار
أما علمت أيها المتغالي في الحد، والمتعالي بما ليس في اليد، أن دعواك في النور محض مين وزور، حيث كنت ليلة الميلاد، مرتدياً برداء السواد، فلم أزل أربك بسنائي وليدا، وألبسك من ضيائي ثوباً جديدا، إلى أن اشتد ظهورك وامتد في الآفاق نورك، فإذا كان ليلة الرابعة عشرة من الشهر،
стр. 380
أقابلك بكمالي فتكون كامل القدر، فعند ما تم لك مني السنا، جهلتني ولم تدر من أنا، أما علمت أن نورك مني وإلي، وحكمك في الإضاءة عائد علي، فكيف تفتخر علينا بنا، وتسوي في المقام بينك وبيننا، وأما زهوك بالانشقاق للسيد الحبيب، فليس بأعجب من ردى له بعد المغيب. ثم أنشدت بلسان صادع، وأرشدت ببيان بارع:
لي رتبة في العلا تسمو بها الرتب ... وأوج مجد له العلياء تنتسب
وآية الحسن بالإشراق تشهد لي ... بأن مني جميع النور يكتسب
إذا بزغت فلي ملك الضياء وإن ... أغب فعني ينوب البدر والشهب
لولاي لم يستقم للناس عيشهم ... ولا بدت لهم الأيام والحقب
ولا حلا ثمر ولا نما شجر ... ولا بدا قمر ولا همت سحب
عيني أنارت وجود الكون أجمعه ... ومن هداي اهتدى الإعجام والعرب
ومن ظلالي مواقيت الصلاة ومن ... غروبي الفطر للصوام يرتقب
فلي الكمال الذي حزت الفخار به ... وإن علاني من دوني فلا عجب
فلما سمع القمر ما هاله، قال لا دارت لي هالة، إن لم أبرز لك في ميدان السبق، وأبدي شرفي عليك لسائر الخلق، أما سمعت أيتها الشمس، قول بارىء الجن والإنس، " وللرجال عليهن درجة " فأنت بي في الفضل مندرجة: على أنك وسمت بالعين، وقد شاهدت بالعينين " وللذكر مثل حظ الأنثيين " وأعدل شاهد بسبقي لمن اعتبر، " لا الشمس ينبغي لها
стр. 381
أن تدرك القمر " وأما ما تعاليت به علي، قائلة أن نورك مني وإلي فالفرع قد يشرف أباه، أحب ذلك أو أباه:
إنما الورد من الشوك وما ... يخرج النرجس إلا من بصل
فلا غرو أني القمر المنير، ذو الشأن الخطير، بسنائي تطيب القلوب، وعلى ضيائي يجتمع المحب والمحبوب، فالأفراح لا يتم سرورها إلا بحضرتي، والراح لا يكمل حبورها إلا لدى طلعتي، وكم من ذي جفن ساهر، وذهن حائر، وطرف جائل، ودمع سائل، وقلب ذائب، وكرب دائب، يبث لي شكواه، وينث لي بلواه، وكم من كلف يحن إلي، لما يرى من شبهي بالحبيب، ودنف يئن لدي كأني لدائه طبيب، فأنا الشقيق لأهل الحسن والجمال، والشفيق على من صبا عشقاً ومال، إن أنكر المحبوب وجد الحبيب، أجابه سل أخاك فإنه علي رقيب، وما أعذب ما قاله ابن سهل الهمام، في هذا المقام:
سل في الظلام أخاك البدر عن سهري ... تدري النجوم كما تدري الورى خبري
مع أني شريك ذوي السها دليلا، والهائم معهم بجمال سعدى وليلى، فأنا رئيس ديوان الصبابة، وأنيس من فوق له الهوى سهم الحب فأصابه.
فما شرب العشاق إلا بقيتي ... ولا وردوا في الحب إلا على وردي
خلا أني أقرب الكواكب إلى عالم الإنسان، وأعذبهم في تمام الحسن وكمال الإحسان، فلذا جمالي باد، لكل حاضر وباد، تقر الأعين برؤيتي، وتشتهي الأنفس شهود طلعتي، فغرتي طالع السعد والبشر، وسمائي موطن آدم أبي البشر، فلتكف الشمس عن مضاهاتي، ولتمسك عن مساجلتي ومباهاتي، ولتحاول غير هذه الشطة، قبل وقوعها معي في أعظم ورطة،
стр. 382
ولتعترف بفضلي اعتراف من تنبه غب ماسها، وإن عادت العقرب عدنا لها، ثم شمر عن ساعده الأشد، وضرب بلسانه أرنبة أنفه وأنشد:
لي منهج في العلا قد عز مسلكه ... ولي الكمال الذي بالفضل أملكه
تمنت الشمس أن تدنو لمرتبتي ... ما كل ما يتمنى المرء يدركه
فعند ذلك التهبت الشمس غضباً، وقضت مما سمعته وشاهدته عجباً، وقالت تعاليت علي بالإفك، وتعاميت عن حطتك مذ كنت هلال الشك، وبغيت بغي من ضل وتزندق، وتفرزنت وما أنت إلا بيدق، أوما خجلت من هذا الصلف، مع ما في وجهك من الكلف، وهل أنت مني في القدر، إلا كقلامة الظفر، ومع ما فيك من المحو والنقصان، كمالك لا يفي بتمام الإيضاح والبيان، فأنت نال وأنا متلوة وآيتي مبصرة وآيتك ممحوة وكفاك أيها الخادع الغرار، إن اسمك مشتق من القمار، وأنك عون السارق، وهون العاشق الطارق، تحل أجرة المنزل راجل الدين، فتذل بذلك فاقد الورق والعين، ويلي نورك ثياب الكتان، ويؤول كمالك إلى النقصان، وليت شعري هل لك بظهوري ظهور، وهل محور الدرج والدقائق إلا علي يدور فالزم الخضوع والاستكانة، ولا تطاول من سماك مكاناً ومكانة، فما هلك امرؤ عرف قدره، ولا سلك صواباً من روج مكره وغدره، ولقد بانت حجتك، واستبانت محجتك، فلا تعد بعد
стр. 383
إلى الحيف، فتكون كمن ضيع اللبن بالصيف والزم الأدب مع أهل الكمال، ولا تك ممن عرف الحق ومال، ثم إنها تاهت تيه نشوان، وفاهت بشبيه الجمان:
أنا قد لبست ببهجتي ... خلع الملاحة والطرف
وظهرت في أوج العلا ... ببديع حسني والظرف
حسب الهلال تكلفاً ... ما فيه من شين الكلف
وبأنه لو لم يقا ... بلني لغشاه السدف
وإذا تجلت طلعتي ... في ذاته منها انكشف
وإذا انحرفت لوجهتي ... في السير أظلم وانكسف
فكأنني وكأنه ... في شأو سبق ذي شرف
كالدرة البيضاء إذ ... باحالها قشر الصدف
فلما أمعن القمر في معانيها، وجال طرف فكره في مغانيها، وثب وثبة الأسد، ونعب نعبة الحرد والغضب، وقال أيتها اللافحة بنار الهاجرة، لأنت التاركة للإنصاف والهاجرة، تزدرينني بسواد الكلف، أو ما دريت أنه من دواعي الحب والكلف، فهل هو إلا كخال توج به الخد المورد، أو كنقطة عنبر صيغت على در منضد، أو عذار يقيم لعاشقيه الأعذار. أو إنسان عين يشير لناظريه بالإنذار، وكأنك لم تسمعي قول من قال، وأحسن فيما قال:
стр. 384
أهلاً بفطر قد أنار هلاله ... ألآن فاغد على المدام وبكر
فكأنما هو زورق من فضة ... قد أثقلته حمولة من عنبر
وأرق من هذا في التشبيه، وأدق وألطف في التنبيه، قول من أجاد:
يا ريم قومي الآن ويحك فانظري ... وجه الهلال وقد بدا في المشرق
كخليلة نظرت إلى خل لها ... فتنقبت خجلاً بكم أزرق
ومن هذا القبيل ما قيل:
قالوا التحى، فمحا محا ... سن وجهه نبت الشعر
الآن طاب وإنما ... ذاك النهار على السحر
لولا سواد في القمر ... والله ما حسن القمر
وأعدل شاهد لي بكمال القدر، تلألؤ وجهه ﷺ تلألؤ القمر ليلة البدر، وكان إذا رآني يقابلني بجميل محياه، ويقول هلال خير ورشد إن شاء الله، فبركاتي مشهورة، والدعوات لدى ظهوري مأثورة، وحزبي هم السادة الأفراد، وصحبي هم القادة الأمجاد، يناجون معي في الأسحار، ويرجون سني النفحات بالذلة والانكسار، " تتجافى جنوبهم عن المضاجع " وتنهل من عيونهم عيون المدامع، فلا ريب أنهم فازوا بالمشاهدة والوصال، وحازوا أحسن الشيم والخصال، ولي إليهم أياد وأي أياد، حينما يرصدونني للصوم والأعياد. هذا وإن شعاعك أيتها الشمس، يذهب بالسرور والأنس، ينشي الصداع، ويغشى الأسماع، وينفر الطباع، ويثير الداءات والأوجاع، فلا يبدو به انشراح، ولا تشدو به بلابل الأفراح، ومن الذي بشعاعك ترنم، وشدة الحر من فيح جهنم، وكيف لا وسيد الأنام، ظلله من حرك الغمام، وقد صح عن سيد ولد عدنان، طلوعك
стр. 385
بين قرني شيطان، ففضلي عليك متعين واجب، والعين لا تعلو على الحاجب. فلما وعت الغزالة ما أبداه، ورعت منتهى كلامه ومبتداه، آلت برب المشارق والمغارب، لتجر عنه من كؤوس نقمتها أمر المشارب، ثم قالت إلى متى تتطاول في مذمتي، وحتى متى وأنت غرس نعمتي، فلأجعلنك أيها القمر عبرة لمن اعتبر، ألم أعدك وأنت في ضنا المحو والمحاق، وأعدك للوجود بعد الفنا والاحتراق، وأكسك بعد التجرد حلة البهاء، وأقلدك قلائد التورد والازدهاء، فنبذت شكري وراءك ظهرياً، وتركت بري نسياً منسياً، وجنحت إلى الغرة، واستكبرت استكبار أبي مرة، وقابلتني بكفران النعم، وجازيتني بالعدوان والنقم، فما أراني بعد إحساني الغامر، إلا كمجير عامر. ثم أعرضت عنه ابتذالا، وتمثلت وعينها تتقد اشتعالا
أعلمه الرماية كل يوم ... فلما اشتد ساعده رماني
وكم علمته نظم القوافي ... فلما قال قافية هجاني
ثم نظرت إليه شزراً، وقالت لقد جئت شيئاً نكراً، أتظن أن أحداً بهجائي يعول عليك، أو ينظر دوني بالإقبال إليك، وهو يعلم أن ما فيك من النور ليس من صفاتك، وإنما هو من إشراق سنائي بمرآة ذاتك، وأن ما بدا منك فمعار مني إليك، وكل ناظر بعين الحقيقة فإلي لا إليك، فو الذي أثبتني بالبقا، ومحاك بالفنا، ما ظهر فيك أيها المغرور إلا أنا، فما رأى أحد منك سواي، ولا بدا فيك إلا معناي، ولله در العفيف، إذ أشار لهذا المعنى اللطيف، فقال:
стр. 386
نظرت إليها والمليح يظنني ... نظرت إليه لا ومبسمها الألمى
ولكن أعارته التي الحسن وصفها ... صفات جمال فادعي ملكها ظلما
وأما إعابتك علي بطلوعي بين قرني شيطان، فهو في الحقيقة عائد لعبادي من ذوي الطغيان، وتظليل الغمام من حري سيد الخلق، فهو لما أودعته من نور جلال الحق، أو ما علمت أن لله سبعين حجاباً من نور وظلمة، لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل أمة، فلي شرب من إشراق تجلي القهار، بشاهد قوله جل من قائل " لا تدركه الأبصار " فانظر لما ألقيته عليك بعين الفهم " ولا تقف ما ليس لك به علم " واطو من بيننا شقة الكلام، فإنها جالبة للطعن والكلام، وأبق للصلح موضعاً ومحلاً، وكف عني لسانك وإلا، فقد لاح الحق لذي عينين، وراح الباغي يخفي حنين، وإن عدت لزخارف عدوانك ومينك، فهذا فراق بيني وبينك.
قالت العنقاء: فلما رأيت احتداد الحجاج وامتداد اللجاج، وقد كاد كل منهما من الجدال، أن يتلو سورة القتال، قلت غب أن أحسنت لفظي، وأكثرت نصحي ووعظي، هل لكما في حكم، يفصل بينكم بآداب وحكم؟ فقالا: ومن هو الذي يلقى إليه القياد، في كشف هذا العنا والعناد، فأنبئينا أيتها الناصحة عنه، لنلتقط درر المعارف والبيان منه. فقلت: اللهم بلى، وهل يخفى ابن جلا، إنه لفارس السباق في كل ميدان، وغارس حدائق الآداب لكل قاص ودان، رسائله وسائل المنى لكل عارف، وفضائله جداول الهنا لكل غارف، وملحه قد عذبت حلاوة وانسجاماً، ومنحه ادارت من راحها قدحاً وجاما، كم ركعت
стр. 387
البلغاء لجمال أبكاره الحسان، وسجدت الأدباء لكعبة أفكاره الباهرة كل إنسان، فإن أقر على الرق أنامله، أقر بالرق أدباء الأنام له، تضحك ثغور الأوراق طرباً من بكاء يراعه، وتسجع بلابل الأوراق عجباً من طيب لفظه وسماعه، فلو انتشق ريحانة لفظه ابن نباتة، لاستطاب في ربا البديع نباته، فأين النسيج الحريري من رفيع مقاماته، والغزل الجريري من ترصيع أبياته، فرياض عباراته حياض الشفا لغليل كل عليل، وغياض إشاراته مفاض الصفا وأنس الجليل، فلو امتزج النسيم بنفحة أنفاسه القدسية، لأغنى أهل الرموس عن نفخة النشور، ولو انبلج لأهل الجحيم نور طلعته الانسية، لعرفت في وجوههم نضرة النعيم والسرور، هذا وراحته بفيض نداها السائل، راحة لكل راج وسائل، فلعمري لقد دارت شموس الكمالات عليه، وسارت بدور السعادات إليه،
أفديه عبداً إلى الرزاق ذا شيم ... تألقت من سناها غرة الزمن
وسيداً من بني البيطار والده ... بدر الهدى حسن ناهيك من حسن
فأقبلا على بهيج بابه، وقبلا أريج أعتابه، ثم قدما لمقامه السعيد، مقامة التهنئة بالصوم والعيد، وغب ذلك تساجلاً لديه، وتناضلاً بين يديه، فهو حكم الحكم، ومنتهى الهمم، فعرجا في الحال، واندرجا بحماه العال.
فحينما رآهما حيا وبيا، وتهلل بالبشر منه باهي المحيا، وقال مرحباً وأهلاً بالنيرين، ومن هما لجسد الكون كالعينين. قالت العنقاء: فقلت ها أنتما بالمشهد المأنوس، ولا عطر بعد عروس، فلينضح كل منكما إناءه بما فيه، ولينصح نفسه بصدقها في ظاهر أمره وخافيه. فلما سردا لديه المقامة، وودا أن يقيم كلا منهما مقامه، قال: والذي ألبسكما من الجمال أبهاه،
стр. 388
ومن الكمال أنهاه، ومن الحسن أولاه، أنكما لآيتان من آيات الله، ولأنتما للزمان روحه وجسده، ولعالم الإنسان عضده وسنده، وهل أنت أيها البدر من يوح، إلا كشقيق روح أو ابن بوح، فلم تختلفان وعليكما دار الملوان بحسبان، وما منكما إلا له مقام معلوم، وفضل في الأنام مرسوم، فلا تعودا إلى المشاحنة فإنها تشين النفاسة، ولا يخفى عليكما ما ينشأ عن حب الرئاسة.
قالت راوية الأثر: فلقد خاب القلوب ببلاغته وأسر، وأرضى كلاً منهما بما أمضى وأسر، فتهلل وجه كل منهما بالصلح، وتلا سورة النصر والفتح، وتمثل كل وقوفاً بين يديه، واستأذن بشكره والثناء عليه، فقال بسم الله ولا حرج، حيث تم المنى ووافى الفرج، فعند ذ لك ابتدرت الشمس، وأنشدت ما يقر العين والنفس:
حياك من فرد وحيد ... يا طلعة الحسن الفريد
يا سالياً قلبي العليل ... وسالباً لبي الشريد
لولا قوامك مائس ... ما شاقني غصن يميد
كلا ولولا راح ثغرك ... لم أهم في حسن غيد
لم أبد منك لطائفاً ... إلا حلالي إن أعيد
وهواك أقرب للحشا ... والروح من حبل الوريد
يا من لأوج صدوده ... قد أعجم الوصل الحميد
قلبي الحسين شهادة ... واللحظ منك غدا يزيد
أصبو بنجد والعرا ... ق إلى بياتك لو تريد
وأنوح نوح الأصفها ... ني كي ترق فلا يفيد
وحصار ركب نواك ير ... صدني جهاراً بالوعيد
стр. 389
حجز القرار ولم تجب ... عد باللقا فالوعد عيد
ضربت بي الأمثال في العشاق من شوقي المزيد
وفني جميل تصبري ... لكن شوقي لا يبيد
حملتني بهواك ما ... بأقله شاب الوليد
قل لي فديتك هل حشا ... ك الصخر أم صلد الحديد
أو ما ترى من مقلتي ... دمعاً جرى البحر المديد
وتنهدي وتسهدي ... وتشتتي في كل بيد
ولقد لقيت من العوا ... ذل كل شيطان مريد
كفروا جمالك إذ أبوا ... إلا ضلالهم البعيد
فهم لفي لبس بأن ... هواك من خلق جديد
تباً لهم أو ليس منهم في الهوى رجل رشيد
يا ليت نار الصد تصلي كل جبار عنيد
أواه لو لي بالعوا ... ذل قوة الندب الجليد
لكفيتهم لكنني ... آوي إلى ركن شديد
مولاي أعني العبد للر ... زاق ذا الحسب المجيد
لي منه زاهر نسبة ... لكنني أدنى العبيد
لله مولى لذ لي ... في وصفه عذب النشيد
стр. 390
كل الوجود على كما ... ل صفاته الحسنى شهيد
والدهر طوق من سجا ... ياه الفرائد عقد جيد
يا سامياً أوج العلا ... بالحذق والرأي السديد
عيد الصيام ببشره ... وافى حماك فلا يحيد
فاهنأ ودم في كل عيد ... في صفا العيش الرغيد
وإليك في حلل البها ... مزفوفة بكر القصيد
حلت سمواً من رفيع علاك في قصر مشيد
لم ترتجي إلا قبو ... لك يا ملاذ المستفيد
قد أرخت سد بالمنى ... يهنيك بالعيد النضيد
فلما فرغت الشمس من أبياتها، وسحرت بباهر آياتها، رفع القمر عقيرته، وأنشد قصيدته:
ما للمصاب من الجوى من راقي ... إلا التي زانت بحسن راقي
هيفا كجسمي خصرها، وبردفها ... شبه العذول هما جناس طباق
جمعت بفاتر لحظها ورضابها ... ضدين من سم ومن ترياق
سبحان من أبدى بروضة خدها ... ورداً يفوح بعنبر عباق
وأدار من كأس العقيق بثغرها ... راحاً جرت في اللؤلؤ البراق
عذبت حلاوة حسنها لكنها ... صداً أذاقتني أمر مذاق
هل لي مجير من سهام لحاظها ... هيهات ما لقتيلها من واق
ما كنت أحسب قبل وقعة عشقها ... إن المنايا الحمر في الأحداق
كيف النجاة من الهوى وشراكه ... والقلب مأسور رهين وثاق
يا آل ودي هل لكم في مغرم ... ضربت به الأمثال في الأشواق
يرثي له الصخر الأصم إذا بكى ... بمدامع الخنساء في الآفاق
يا غادة تشدو جهاراً بالنوى ... من أوجه لمحير العشاق
قلبي الحسيني الشهيد صبابة ... حجز البيات وقد صبا لوفاق
следующие страницы →