Полный текст (1 568 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
نظرت إليها والمليح يظنني ... نظرت إليه لا ومبسمها الألمى
ولكن أعارته التي الحسن وصفها ... صفات جمال فادعي ملكها ظلما
وأما إعابتك علي بطلوعي بين قرني شيطان، فهو في الحقيقة عائد لعبادي من ذوي الطغيان، وتظليل الغمام من حري سيد الخلق، فهو لما أودعته من نور جلال الحق، أو ما علمت أن لله سبعين حجاباً من نور وظلمة، لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل أمة، فلي شرب من إشراق تجلي القهار، بشاهد قوله جل من قائل " لا تدركه الأبصار " فانظر لما ألقيته عليك بعين الفهم " ولا تقف ما ليس لك به علم " واطو من بيننا شقة الكلام، فإنها جالبة للطعن والكلام، وأبق للصلح موضعاً ومحلاً، وكف عني لسانك وإلا، فقد لاح الحق لذي عينين، وراح الباغي يخفي حنين، وإن عدت لزخارف عدوانك ومينك، فهذا فراق بيني وبينك.
قالت العنقاء: فلما رأيت احتداد الحجاج وامتداد اللجاج، وقد كاد كل منهما من الجدال، أن يتلو سورة القتال، قلت غب أن أحسنت لفظي، وأكثرت نصحي ووعظي، هل لكما في حكم، يفصل بينكم بآداب وحكم؟ فقالا: ومن هو الذي يلقى إليه القياد، في كشف هذا العنا والعناد، فأنبئينا أيتها الناصحة عنه، لنلتقط درر المعارف والبيان منه. فقلت: اللهم بلى، وهل يخفى ابن جلا، إنه لفارس السباق في كل ميدان، وغارس حدائق الآداب لكل قاص ودان، رسائله وسائل المنى لكل عارف، وفضائله جداول الهنا لكل غارف، وملحه قد عذبت حلاوة وانسجاماً، ومنحه ادارت من راحها قدحاً وجاما، كم ركعت
стр. 387
البلغاء لجمال أبكاره الحسان، وسجدت الأدباء لكعبة أفكاره الباهرة كل إنسان، فإن أقر على الرق أنامله، أقر بالرق أدباء الأنام له، تضحك ثغور الأوراق طرباً من بكاء يراعه، وتسجع بلابل الأوراق عجباً من طيب لفظه وسماعه، فلو انتشق ريحانة لفظه ابن نباتة، لاستطاب في ربا البديع نباته، فأين النسيج الحريري من رفيع مقاماته، والغزل الجريري من ترصيع أبياته، فرياض عباراته حياض الشفا لغليل كل عليل، وغياض إشاراته مفاض الصفا وأنس الجليل، فلو امتزج النسيم بنفحة أنفاسه القدسية، لأغنى أهل الرموس عن نفخة النشور، ولو انبلج لأهل الجحيم نور طلعته الانسية، لعرفت في وجوههم نضرة النعيم والسرور، هذا وراحته بفيض نداها السائل، راحة لكل راج وسائل، فلعمري لقد دارت شموس الكمالات عليه، وسارت بدور السعادات إليه،
أفديه عبداً إلى الرزاق ذا شيم ... تألقت من سناها غرة الزمن
وسيداً من بني البيطار والده ... بدر الهدى حسن ناهيك من حسن
فأقبلا على بهيج بابه، وقبلا أريج أعتابه، ثم قدما لمقامه السعيد، مقامة التهنئة بالصوم والعيد، وغب ذلك تساجلاً لديه، وتناضلاً بين يديه، فهو حكم الحكم، ومنتهى الهمم، فعرجا في الحال، واندرجا بحماه العال.
فحينما رآهما حيا وبيا، وتهلل بالبشر منه باهي المحيا، وقال مرحباً وأهلاً بالنيرين، ومن هما لجسد الكون كالعينين. قالت العنقاء: فقلت ها أنتما بالمشهد المأنوس، ولا عطر بعد عروس، فلينضح كل منكما إناءه بما فيه، ولينصح نفسه بصدقها في ظاهر أمره وخافيه. فلما سردا لديه المقامة، وودا أن يقيم كلا منهما مقامه، قال: والذي ألبسكما من الجمال أبهاه،
стр. 388
ومن الكمال أنهاه، ومن الحسن أولاه، أنكما لآيتان من آيات الله، ولأنتما للزمان روحه وجسده، ولعالم الإنسان عضده وسنده، وهل أنت أيها البدر من يوح، إلا كشقيق روح أو ابن بوح، فلم تختلفان وعليكما دار الملوان بحسبان، وما منكما إلا له مقام معلوم، وفضل في الأنام مرسوم، فلا تعودا إلى المشاحنة فإنها تشين النفاسة، ولا يخفى عليكما ما ينشأ عن حب الرئاسة.
قالت راوية الأثر: فلقد خاب القلوب ببلاغته وأسر، وأرضى كلاً منهما بما أمضى وأسر، فتهلل وجه كل منهما بالصلح، وتلا سورة النصر والفتح، وتمثل كل وقوفاً بين يديه، واستأذن بشكره والثناء عليه، فقال بسم الله ولا حرج، حيث تم المنى ووافى الفرج، فعند ذ لك ابتدرت الشمس، وأنشدت ما يقر العين والنفس:
حياك من فرد وحيد ... يا طلعة الحسن الفريد
يا سالياً قلبي العليل ... وسالباً لبي الشريد
لولا قوامك مائس ... ما شاقني غصن يميد
كلا ولولا راح ثغرك ... لم أهم في حسن غيد
لم أبد منك لطائفاً ... إلا حلالي إن أعيد
وهواك أقرب للحشا ... والروح من حبل الوريد
يا من لأوج صدوده ... قد أعجم الوصل الحميد
قلبي الحسين شهادة ... واللحظ منك غدا يزيد
أصبو بنجد والعرا ... ق إلى بياتك لو تريد
وأنوح نوح الأصفها ... ني كي ترق فلا يفيد
وحصار ركب نواك ير ... صدني جهاراً بالوعيد
стр. 389
حجز القرار ولم تجب ... عد باللقا فالوعد عيد
ضربت بي الأمثال في العشاق من شوقي المزيد
وفني جميل تصبري ... لكن شوقي لا يبيد
حملتني بهواك ما ... بأقله شاب الوليد
قل لي فديتك هل حشا ... ك الصخر أم صلد الحديد
أو ما ترى من مقلتي ... دمعاً جرى البحر المديد
وتنهدي وتسهدي ... وتشتتي في كل بيد
ولقد لقيت من العوا ... ذل كل شيطان مريد
كفروا جمالك إذ أبوا ... إلا ضلالهم البعيد
فهم لفي لبس بأن ... هواك من خلق جديد
تباً لهم أو ليس منهم في الهوى رجل رشيد
يا ليت نار الصد تصلي كل جبار عنيد
أواه لو لي بالعوا ... ذل قوة الندب الجليد
لكفيتهم لكنني ... آوي إلى ركن شديد
مولاي أعني العبد للر ... زاق ذا الحسب المجيد
لي منه زاهر نسبة ... لكنني أدنى العبيد
لله مولى لذ لي ... في وصفه عذب النشيد
стр. 390
كل الوجود على كما ... ل صفاته الحسنى شهيد
والدهر طوق من سجا ... ياه الفرائد عقد جيد
يا سامياً أوج العلا ... بالحذق والرأي السديد
عيد الصيام ببشره ... وافى حماك فلا يحيد
فاهنأ ودم في كل عيد ... في صفا العيش الرغيد
وإليك في حلل البها ... مزفوفة بكر القصيد
حلت سمواً من رفيع علاك في قصر مشيد
لم ترتجي إلا قبو ... لك يا ملاذ المستفيد
قد أرخت سد بالمنى ... يهنيك بالعيد النضيد
فلما فرغت الشمس من أبياتها، وسحرت بباهر آياتها، رفع القمر عقيرته، وأنشد قصيدته:
ما للمصاب من الجوى من راقي ... إلا التي زانت بحسن راقي
هيفا كجسمي خصرها، وبردفها ... شبه العذول هما جناس طباق
جمعت بفاتر لحظها ورضابها ... ضدين من سم ومن ترياق
سبحان من أبدى بروضة خدها ... ورداً يفوح بعنبر عباق
وأدار من كأس العقيق بثغرها ... راحاً جرت في اللؤلؤ البراق
عذبت حلاوة حسنها لكنها ... صداً أذاقتني أمر مذاق
هل لي مجير من سهام لحاظها ... هيهات ما لقتيلها من واق
ما كنت أحسب قبل وقعة عشقها ... إن المنايا الحمر في الأحداق
كيف النجاة من الهوى وشراكه ... والقلب مأسور رهين وثاق
يا آل ودي هل لكم في مغرم ... ضربت به الأمثال في الأشواق
يرثي له الصخر الأصم إذا بكى ... بمدامع الخنساء في الآفاق
يا غادة تشدو جهاراً بالنوى ... من أوجه لمحير العشاق
قلبي الحسيني الشهيد صبابة ... حجز البيات وقد صبا لوفاق
стр. 391
رصد اللقاء فظل من ركب الجوى ... وحصاره يرثي بنجد عراق
عز القرار فهل جواب بالمنى ... إن الوفا من طاعة الخلاق
يا وجهها أنت الرشيد هداية ... فارحم فديتك جعفر الآماق
لا زلت مسروراً بملك ملاحة ... يحيي بحسنك ناظر المشتاق
ما حق قلبي وهو ببيت هواك أن ... يلفى لديك مقطعاً بفراق
آليت دهري لا التفت عن الهوى ... إلا لمدحي كامل الأخلاق
حبر إذا أبكى عيون مداده ... ضحكت ثغور الكتب والأوراق
ذو غرة لو يستجير البدر في ... أنوارها لم يخش جور محاق
وشمائل أضحت لجيد زماننا ... عقد الكمال وحلية الأطواق
ما دار من راح العلوم وصفوها ... كأس الهدى إلا وكان الساقي
كلا ولا في شأو فضل قد جرى ... في فكره إلا سما بسباق
طوفان نوح لو حكى إحسانه ... لم ينج إنسان من الإغراق
عمت مكارمه البسيطة وارتقت ... أوصافه مجداً لسبع طباق
لو رام إمساكاً وحاشا جوده ... لم تستطع يده سوى الإنفاق
لو لم يكن عبداً لرزاق الورى ... لدعوته بمقسم الأرزاق
سجدت لكعبة عزه هام العلا ... والسعد بين يديه في الإطراق
يا سيداً زان الزمان بشيمة ... ساد الأنام بها على الإطلاق
هذا هلال العيد أمك بالمنى ... ولأنت فينا عيد أنس باق
فاهنأ ودم شمس الهداية طالعاً ... بسما الكمال بلا مغيب تلاق
واستجل من فكري عروساً مهرها ... منك القبول فذا أجل صداق
قد زفها نظم البهاء مقلداً ... من در وصفك حلية الأعناق
وافى بها عيد السرور مؤرخاً ... بالبشر عيد دام والإشراق
قالت العنقاء: فهاج بي نسيم الغرام، وماج بي بحر الوجد والهيام، إن أنحو نحو هذا الأثر، وإن أتشبه بالشمس والقمر، لأن التشبه بالكرام
стр. 392
فلاح، والتنبه للاقتداء بهم نجاح، فعززتهما بثالثة، وفية بالعهد لا ناكثة:
سلاه عن فؤادي هل سلاه ... وكيف وما جنى ذنباً سلاه
غزال زانه جيد وفاه ... شرود عجبه يأبى وفاه
أقمت على ثناه وليت شعري ... عن الخل الوفي ماذا ثناه
بثغر لماه ظل رباط قلبي ... لذا من لحظه الغازي رماه
عذابي في جواه يراه عذباً ... وسلبي في هواه غدا مناه
فيا تلك الشعور إلا شعور ... بمن في ليلكن نما ضناه
ويا ورد الخدود ألا ورود ... فأنت لذي الضنا أحلى جناه
ويا تلك الشفاه ألا شفاء ... لمن بسلافكن غدا شفاه
لقد طال البعاد ولا سلو ... ولا تغني الشجي الصب آه
ألا يا للهوى من لي عذير ... بمن في حسنه العشاق تاهوا
عراقي الطباع يبيح ظلماً ... دم الصب الحسيني في هواه
صبوت به جهاراً مذ بدا لي ... بأوج جماله وأضا سناه
وركب صدوده يبدي حصاراً ... فيحجرني ويرصد لي عناه
أنوح محيراً وأبوح وجداً ... بنوح الأصفهاني من نواه
وقد عز القرار فلا جواب ... سوى جفني تجاوبني دماه
فمن لي يا أهيل الود فيه ... بأن أفنى ويحييني بقاه
رضيت بحبه وصلاً وهجراً ... وطاب لي البيات على رضاه
كتمت غرامه حتى كأني ... من الكتمان لم أدريه ما هو
وأنكرت الهوى صوناً لأني ... أغار عليه يهواه سواه
يشخصه الهيام بكل ذاتي ... فلا أدري أراها أم أراه
فلو يدعى اسمه ألفى مجيباً ... لمن يدعوه من ولهي أنا هو
له ملك الفؤاد وكل عشق ... له منا دراه من دراه
تناهى في الجمال كما تناهى ... لبهجة عصرنا عز وجاه
стр. 393
ملاذ عبد رزاق البرايا ... رعاه الله ما أبهى لقاه
رياض أكفه تزهو سماحاً ... بمنثور الندى الحالي جناه
تخال نزيله من حسن بر ... وتكريم أخاه أو أباه
يرق لدمعة الباكي انعطافاً ... ويرحم لوعة الشاكي جواه
وإن أنشا من الأفكار عقداً ... شهدت الحور زفت من حلاه
ألا يا كامل الأوصاف عذراً ... فقدرك عز أن أحصي ثناه
فلا زالت بك الأيام تسمو ... ووجهك مشرق بسنا ضياه
وذا عيد المنى فاهنأ وأرخ ... نضير العيد زاهي من حباه
فلما تليت على الأسماع عرائس القصائد الشكرية، وحليت بنفائس الأسجاع أوانس الفوائد الفكرية، تهلل وجهه سروراً، وتعلل بها طرباً وحبوراً، ثم قال: ما أطيب هذا النفس الأنفس، وما أطرب هذا السماع الأقدس، فلعمري ما المثالث والمثاني، بأعذب من هذه المعاني، ولا وصل الحبيب بلا رقيب، بأعجب من هذا التشبيب بذا النسيب، فليت شعري أهذ رقيق كلام، أم عتيق مدام، أم در ألفاظ، أم سحر ألحاظ، أم نثر بديع، أم نشر ربيع، أم بيان بنان، أم نظم جمان، فلا زالت الأفلاك بجمالكم ناضرة، ولا برحت ألحاظ الأحلاك بعيونكم ناظرة، ما افتر ثغر الدهر بسناكم باسما، واحمر خد الزهر لنداكم راسما، وما حمد شارع على التمام، وسعد بارع بحسن الختام.
أقول: هذا ما جئت به من بضاعتي المزجاة، لسيدي عزيز القدر والجاه، الوالد العطوف الروحاني، والعم الرؤوف الذي عمني بنداه ونحاني، وأرجوه غض الطرف عن هفوتي، ونظر اللطف لإصلاح كبوتي، ولولا وثوقي بهذا الامتنان، لم أحم حول هذا الشان، ومع هذا فليتني لزمت حدي من
стр. 394
الضعف والقصور، ولم أتشوف بجدي لارتقاء هاتيك القصور، لجمود عين الفطنة القريحة، وخمود نار الروية والقريحة، على أن المطالب تغشي الأذهان، والجواذب تعشي مقلة السليم مما أهان، لاسيما ومقام سيدي أشهر من أن يذكر، والثناء عليه أزهر من أن ينشر، وليس قصدي إلا ترديد ذكراه طربا، وتعديد مزاياه عجبا، وإلا فرفيع مقامه غني عن المقامة، وربيع مقامه محط رحال ذوي الثناء والمقالة،
من كان فوق محل الشمس موضعه ... فليس يرفعه شيء ولا يضع
وبالجملة فشريف شمس نسبتي، أطمعني أن أكون بدري المقام، ولطيف عنقاء محبتي، دعاني لإنشائها مع التحية والسلام. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى تابعيه السادة الكرام، ما ناح الحمام، وفاح شذا مسك الختام.
أقول: إن هذه المقامة لا ريب أنها من بحر معارفه خليج، ومن رياض ألطافه شذرة ذات مقام بهيج، وإن له غيرها من النثر والنظم، ما يحسن التهليل والتكبير عند شروقه، ويشربه السمع فتدب نشوة الحميا في عروقه، فنثره لعمري عقود الجوهر، ونظمه نثر اللآلىء والدرر، وهو ممن لم يزل يصل في اجتهاده الليالي بالأيام، ويعتاض في ازدياده السهر من المنام، حتى بلغ مبلغاً يقصر عنه أمل المتطلع، وحل محلاً تنقطع دونه رغبة المتطمع، ونزل من القلوب بمنزلة الامتزاج بين الماء والراح، وأورد العيون الرياض والقرائح القراح، فللنواظر فيه مرتع، وللخواطر منه مستمتع.
وله الأيادي البيض، في بحر كل كمال طويل أو عريض، فكأن الله براه نوراً مصوراً، وأطلع غصن كماله غضاً منوراً:
رفيع كمال كلما زاد خاطري ... به أملاً زادت محاسنه حسنا
وكيف لا وهو فارس المجال، ورب الروية والارتجال، تؤخذ الفصاحة
стр. 395
عن لفظه، وتروي فنون البلاغة عن حفظه، أبلغه الله المنى وأفرغ عليه حلة السرور والهنا.
السيد بهاء الدين مهدي الرواس بن السيد علي بن السيد نور الدين بن السيد أحمد بن السيد محمد بن السيد بدر الدين بن السيد علي الرديني بن السيد الكبير العارف بالله ولي الله الشيخ محمود الصوفي الصيادي الرفاعي قدس الله تعالى سره
العارف الذي تطابقت القلوب على محبته، واتفقت السرائر والضمائر على عرفانه وولايته، والعالم الذي يفزع في مهم المشكلات إليه، ويعتمد في الحصول إلى القرب والوصول عليه، قدوة الأنام، وصفوة السادة القادة الكرام: ذو الكرامات التي لا تعد، والخوارق التي لا تحصى ولا تحد، وقد ترجمه تلميذه العالم الذي انفرد في زمانه، والفاضل الذي أرشد أهل عصره وأوانه، قطب السادة الأحمدية، ونقطة مدار القادة الرفاعية، من اشتهر فضله بكل نادي، السيد أبو الهدى أفندي الرفاعي الصيادي، أطال الله بقاه، وأعلى في مدارج السيادة مرتقاه، في كتابه قلادة الجواهر، في ذكر الغوث الرفاعي وأتباعه الأكابر، فقال ما نصه: ولد هذا الهمام، والأوحد الإمام، سنة عشرين ومائتين وألف، وتوفي في سنة سبع وثمانين ومائتين وألف، وقد بلغ رضي الله تعالى عنه من العمر سبعاً وستين سنة. وكانت ولادته في سوق الشيوخ بليدة صغيرة من أعمال البصرة سكنها والده ﵀، وأعلى علاه، بعد الطاعون الذي وقع في البصرة، وتوفي والده وبقي قدس سره يتيماً، ثم توفيت أمه وقد بلغ خمس عشرة سنة. وكان
стр. 396
قد قرأ القرآن على رجل هناك يقال له ملا أحمد، وكان من الصالحين.
ففي خمس وثلاثين ومائتين وألف جذبه القدر إلى السياحة، فخرج طالباً بيت الله الحرام، وجاور بمكة سنة، ثم تشرف بزيارة جده ﵊، وجاور بالمدينة المنورة سنتين، وفيها اشتغل بطلب العلم على رجال الحرم النبوي، ثم ذهب إلى مصر ونزل في الجامع الأزهر، وبقي فيه ثلاث عشرة سنة، يتلقى العلوم الشرعية عن مشايخ الأزهر وفضلائه، حتى برع في كل فن وعلم، وهو على قدم التجرد والفقر والانكسار، ثم عاد سائحاً إلى العراق، فاجتمع بالشيخ العارف بالله ولي الله السيد عبد الله الراوي الرفاعي، فأخذ عنه الطريقة، ولزم خدمته والسلوك على يديه مدة، وأجازه قدس الله سره وأقامه خليفة عنه.
ثم طاف البلاد وذهب إلى الهند وخراسان والعجم والتركستان والكردستان، وجاب العراق والشام والقسطنطينية والأنادول والروملي، وعاد إلى الحجاز، وذهب إلى اليمن ونجد والبحرين وطاف البادية والحاضرة؛ واجتمع على أهل الأحوال الباطنة والظاهرة، وأكرمه الله بالولاية العظيمة، والمناقب الكريمة، والأخلاق الحميدة، والطباع الفريدة، والقطبية الكبرى، والمرتبة الزهرا، وقد تجرد بطبعه عن التصرف والظهور، والتزم الطريق المستور، وعد نفسه من أهل القبور، وكان كثيراً ما يعاود في سياحته إلى بغداد، وكان يتجر لدفع الضرورة والتخلص من الاحتياج، ببيع رؤوس الغنم المطبوخة، فإذا وجد منها ما يدفع الضرورة البشرية، ترك البيع إلى أن تنفذ دراهمه، فيعود إلى البيع، وكان لا يمكث في بلدة سبعة أشهر قط، وأكثر إقامته في البلاد تحت الثلاثة أشهر، وكان يلبس ثوباً أبيض وفوقه دراعة زرقاء وعبا قصيرة من دون أكمام، وحزامه من الصوف الأسود عملاً بالأثر الرفاعي، والسنة المحمدية، واختفاء عن ظاهر الشيخ. وكان
стр. 397
قدس سره إمام الوقت وشيخ العصر علماً وعملاً وزهداً وأدبا، براهينه باهرة، وسريرته طاهرة، وقدمه متين، وعزمه مكين، وكشفه عجيب، وحاله غريب. من الله علي بالاجتماع عليه، والانتساب إليه، في بغداد دار السلام، في حضرة الباز الأشهب، والطراز المذهب، مولانا الشيخ عبد القادر الجيلي قدس سره ورضي الله عنه، وتبركت بخدمته، وتشرفت ببيعته، وتنورت بمشاهدته، وتعطرت بمشافهته، وأخذ ت عنه الطريقة، ولبست منه الخرقة، وتلقيت عنه بعض علوم الشريعة والحقيقة، فهو شيخي ومعيني، وأستاذي، وقرة عيني وملاذي، وعياذي ومحل اعتقادي، وواسطة استنادي، بلى والله، وهو الشيخ الجليل العارف بالله، المتردي برداء الخفاء المشغول بالله عن غيره، السائح العابد الزاهد صاحب المعارف والعوارف، والبركات واللطائف، والعلم الغزير، والقلب المنير، والسر الصادق، والمدد البارق، والحال العجيب، والشأن الغريب، والعلوم العظيمة، والهمم الكريمة، والآداب المقبولة، والكلمات المنقولة، ولنذكر من شعره العالي هذه القصيدة، وهي مما يدلك على مقامه الجليل، ومكانة مكانه النبيل، وها هي:
طف بوادي القدس من نادي تهامة ... وافرش الخدين في أطلال رامة
وانزل الفيحاء فيحا المنحنى ... حيثما أعلى الندى الطامي خيامه
ولك الله إذا وافيتها ... وأنخت الركب فيها بالسلامة
خذ سلاماً لأصيحاب الحمى ... من كئيب حرك الركب غرامه
واذكر السقم الذي أودى به ... علهم أن يرحموا يوماً سقامه
غلبته يوم بانوا شدة ... أوقعت فيه فما شد حزامه
وهو لا زال كما هم علموا ... ثابت الأقدام زين الاستقامة
هجرت أخلاقه حال امرىء ... جمل يوماً وفي الثاني نعامة
باعهم نفساً نأت عن غيرهم ... وعليهم حملت عبء الملامة
وإذا قالوا لها موتي جوى ... أنشدت للموت دحباً وكرامة
стр. 398
يا أخا الركبان بالله التفت ... أن تعي من موثق الوجد كلامه
مس عني ترب ذياك الحمى ... وأجل في بابه وجهاً وهامة
باب رحب نزل الروح به ... وبه القرآن قد سل حسامه
موطن الإيمان والعلم الذي ... لمعت منه على الكون العلامة
حضرة الرحمة مضمار الهدى ... مهبط الوحي وميزاب الكرامة
مشهدكم شوهدت من ركنه ... دولة الغيب وأعلام الإمامة
كيف لا والمصطفى من هاشم ... فيه ثاو شرف الله مقامه
خير من مس بنعليه الثرى ... وأجل الخلق قدراً وشهامة
والنبي العربي المجتبى ... والذي ظهرا أظلته الغمامة
سل تراب الغار عما نسجت ... عنكبوت الغار ليلاً مذ أقامه
وسل الباب الذي شرفه ... كيف حامت حول ركنيه الحمامة
وسل الماء الذي من كفه ... فاض والجيش به نال مرامه
لا تسل عن معجزات ظهرت ... منه جلت وهي تبدو للقيامة
كان في الدين ربيعاً عمره ... صامه لله بالله وقامه
وهو نور أزلي طرزه ... صار في وجه وجود الكون شامة
جحفل الرسل الذي قدماً أتى ... زين الله بمجلاه ختامه
بابه للأنبيا باب الرجا ... وترى كل الورى يبغي استلامه
وهو ركن المجد مرفوع الذرا ... حصن علم الغيب مكنون الدعامة
طوي العالم في جبته ... وعلى العرش علت منه العمامة
لو دعا البحر لوافى سائغاً ... أو دعا المنقض من ميت اقامه
شرفت جبريل منه خدمة ... حولت فيه عن الدين لثامه
وبه الرحمن أعلى صولة الحق ... جهراً وبه شاد نظامه
مضمر من حضرة القرب بدا ... ما استطاع الطمس في الغيب اكتتامه
علة الخلق ومن هذا نرى ... أوجب الله على الخلق احترامه
стр. 399
وعلى يافوخ إنسان العلى ... شيد الجبار بالعز مقامه
وله في مقعد الصدق ابتنى ... منزلاً صيره دار الإقامة
ذلك اللوح الإلهي الذي ... كتبت أيدي العمى فيه الرقامة
وهو قلب غرس الذكر به ... ما رأى حراسه آن منامه
سجد الأقمار عزاً لاسمه ... عل أن تحسب منه في القلامة
أينها من ذلك النور الذي ... عدل المولى من الوجه قوامه
فعليه الله صلى سرمداً ... وعلى آل حسوا منه مدامه
وعلى الأصحاب ما حاد حداً ... طف بوادي القدس من نادي تهامه
وله قدس الله سره متوسلاً بجده المصطفى ﷺ :
يا من وطينة آدم في مائها ... مخمورة لك بالنبوة مظهر
أستر عظيم كبير ذنبي رحمة ... فنداك أعظم والعناية أكبر
وله في الفناء المحمدي
أصبحت عيناً في مقام نيابتي ... عمن فنيت به وغبت بمشهدي
ودعيت في الأكوان فرداً واحداً ... والحق أعدل شاهد بتفردي
وله في حضرة الحضور
لما حضرت على بساط شهودي ... أدركت ذوقاً كيف غاب وجودي
وفهمت من طور الحضور تحققي ... في مشهدي بعبادة المعبود
فهجرت ذرات الوجود لأنها ... تفنى وطبت بحضرة الموجود
وله في مقام الكرم والتحدث بالنعم
لما رفعت على برج الضحى علمي ... علت إلى منتهى قاب العلا هممي
وقام بي رونق العرفان واشتملت ... على رقائق أحكام النهى شيمي
فصح لي مشهدي في طور مرصده ... علماً وما زال بي في مذهبي قدمي
وصرت ضمن الخفا قطب الظهور ولي ... سهم التحدث بين القوم بالنعم
من لاذ بي بات مأمون الجناب على ... بساط تكرمة في حضرة الكرم
стр. 400
وقال قدس الله روحه وقد ورد عليه وارد الكرم
ظهر السبع من بطين الغاب ... وبدا صائلاً بغير نقاب
وتجلى الهلال في بهرجان الميل يبدي ضياه للأحباب
هذه آية سماوية السر علت نشأة بطي الحجاب
فلك الغيب دار منها فلما ... تمم الدور مال للانحجاب
مظهر بارع بمعنى خفي ... ومقام مجمل بالثواب
فصبت لي بسدتيه الكراسي ... وكؤوسي تنورت بالشراب
ومقام افتخار دولة عزي ... ساد معنى ففاق فخر جنابي
دهشة أحمدية ذات مهيا ... ومحيا بدا لذي الألباب
فأنا القطب في دكيكين طبخي ... وأنا الغوث في رسيس ثيابي
وأنا الشيخ والرجال تلاميذي وعلمي فشا إلى الطلاب
وأنا الفرد في الزمان بشاني ... وأنا المرشد الشريف انتسابي
وأنا السيد المعلى جلالي ... سار جيش الشيوخ حول ركابي
وقفول العراق تمشي بظلي ... واستظل الزمان تحت قبابي
قلمي آمر وحكمي جاري ... أذعن الدهر طائعاً لكتابي
دولتي في الجنوب والغرب دارت ... وبأقصى الشرقين طول رحابي
وبمنهى السدين صولة بأسي ... وبمعلى الدورين سمر حرابي
دارت الطالبون حولي لأني ... كعبة للرجال والأقطاب
حرم طيب به يأمن الدا ... خل جهراً من شوبة الأتعاب
وطريقي باب الوصول إلى الله ... وفيضي يجري إلى الأنجاب
دولة لا تزال تنفث سراً ... بعد موتي والسر تحت ترابي
وخفائي لا شك عين ظهوري ... وبعيد التستير يفتح بابي
سترى لي في دورة الشام والشهباء نوراً يعلو بنور شهابي
وترى لي مظاهراً تتسامى ... وتسامى الشيوخ في كل باب
стр. 401
وترى نوبتي تضج واسمي ... يتباهى بذكره نوابي
وترى الحال في زوية ذكري ... وترى المرتجين في أعتابي
إن ترم نفحتي عليك بسلكي ... فسلوكي المفتاح للأبواب
وطريقي نور التجلي وسيري ... عقدة الوصل من يد الوهاب
طف ببابي ولا تمل عن مداري ... وانح نحوي واسمع لذيذ خطابي
لا تمل نحو جاهل أشغلته ... عن علانا دنياه بالاكتساب
ذمك الجاهلون جهلاً فخاضوا ... فرأيناهم بسوء المآب
سلبوا الدين بعد ذاك وراحوا ... ومآل الرواح بالاعطاب
كم يقولون ما لهذا ضمير ... إنما فخره بلين الثياب
فسمعنا منهم وعنك أجبنا ... لا يضر السحاب نبح الكلاب
إن تكن عامراً مع الله خل ... شخص دنياك تحت طي الخراب
وقال لي قدس الله سره وقد كان يتفضل علي ببعض إشارات معنوية، وقد طرق خاطري هم عظيم لبعض أمور خطرت في سري فقطع حديثه الأول، ورمقني بعينه المباركة مبتسماً وقال فتح علي ببيتين خطاباً لك ثم أنشد:
إن باديك الذي أكننته ... هو باد ظاهر في خاطرك
أجل قلباً في حمانا إننا ... نحن قمنا بالذي في خاطرك
ولو أردنا بسط ما رأيناه من كراماته، وحفظناه من غرائب كلماته، لطال المطال، واتسع المجال، وإنا نرى بالذي ذكرناه لأرباب البصائر كفاية، نفعنا الله به وبإخوانه أهل العناية آمين.
стр. 402
وقد تقدم أنه ﵁ توفي ببغداد في الجانب الشرقي منها بمسجد دكاكين حبوب، وذلك سنة سبع وثمانين ومائتين وألف ﵁ ونفعنا به في الدارين آمين.
الشيخ بدر الدين أبو النور عثمان بن سند النجدي الوائلي ثم البصري المالكي
هو السيد السند، والعلامة البطل الأوحد، خاتمة البلغاء، ونادرة النبغاء، من له في العلوم على اختلافها القدم الراسخ، ولا غرو فهو طود أعلامها الشامخ، كرع من نمير حياضها حتى ارتوى، وعرج إلى سماء المعالي وعلى عرش كمالها استوى:
مولى به كل الفضائل قد زهت ... وغدت تقاد إليه كالخدام
وفضله وعلو كماله لا يحتاج إلى تعريف، بل تنبىء ألسنة مؤلفاته الفائقة بحسن الترصيف والتوصيف. أخذ العلم ورواه عن مشايخ أجلاء، وجهابذة حكوا في السمو كواكب الجوزاء، منهم علامة العراق على الإطلاق، وفهامتها الموسوم بحسن الشمائل والأخلاق، الرحلة المرشد لكل فضيلة وهادي، الشيخ علي بن محمد السويدي البغدادي، ومنهم العلامة الأوحد، والجهبذ المفخم المفرد، المنلا محمد أسعد بن عبيد الله بن صبغة الله الحيدري الماوراني، مفتي الحنفية والشافعية، بدار السلام المحمية، ومنهم العلامة المفضال، زين أرباب المعارف والكمال، السيد زين العابدين جمل الليل المدني، فإنه لازمه حين ورد إلى بغداد والبصرة في دروس الحديث وغيرها، وأجازه بمروياته كلها، وحرر له إجازة لطيفة فيها بيت من نظمه وهو قوله:
стр. 403
أنا الدخيل إذا عدت أصول علا ... فكيف أذكر إسناداً لدى ابن سند
وأخذ الطريقة الخالدية، وألف في ترجمة حضرة مولانا الشيخ خالد النقشبندي قدس سره المعيد المبدي، الكتاب الشهير الذي أمسى في البلاغة والفصاحة عديم المثل والنظير، وهو أصفى الموارد، من سلسال أحوال مولانا خالد. وأخذ عن غيرهم من علماء الحجاز والعراق، وغيرهما من الآفاق، وفي عام ألف ومائتين وسبعة عشر ولي مدرسة المفاسية، في البصرة المحمية، فصار بها شيخ المدرسين، ومرجع أهل الفضل والتمكين. وقد كان رحمه الله تعالى آية باهرة في النثر الفائق البديع، الذي يخجل الحريري والبديع، والنظم الرائق المريع، الذي يزري بعقود الجمان، في نحور الحسان، ولا بدع فهو حسان الزمان السائد على الجميع. وبالجملة فقد خصه الله تعالى من تراث العلم بأوفى قسم، وضرب له من المعارف والمعالي بأوفر قسم. وقد ألف عدة مؤلفات مفيدة هي في جبهة الدهر غرر، وفي سمط الفصاحة والبلاغة درر، فمما اطلعت عليه منها: كتاب هداية الحيران، وهو نظم عوامل الجرجاني، قال في أثناء خطبته:
هذا وإن النحو لما جلا ... مقامه بين الورى محلا
جعلت من قبل اعتمام العمة ... أعمل فيه يعملات الهمة
أسوم ذود الفكر في شعابه ... وأورد الأنظار في عبابه
وإذ قضى الله الكريم أني ... أهصر من غصونه وأجني
نظمت ما ينمى إلى الجرجاني ... عواملاً منثورة الجمان
وهي منظومة على هذا النسق العجب، وموشحة بأمثلة غزلية تكتب بماء الذهب، ومنها جيد العروض في القوافي والعروض قال فيه:
وسميته جيد العروض لكي أرى به جيد من رام العروض مجملا ومنها كتاب الصارم القرضاب في نحر من سب أكارم الصحاب
стр. 404
وهو ديوان جليل رد فيه على دعبل بن علي الخزاعي الرافضي في عدة قصائد بديعة، ختمها بقصيدة ميمية ضمنها أنواع البديع، مدح بها النبي ﷺ والصحابة رضوان الله عليهم، ومنها مطالع السعود، بطيب أخبار الوالي داود وهو تاريخ جمع كثيراً من أخبار العراق وتراجم رجاله ووزرائه، خصوصاً وقد اشتمل على تفصيل أحوال عالم الوزراء ووزير العلماء، الوزير الشهير داود باشا والي بغداد سابقاً طاب ثراه، وقد بيض المترجم هذا التاريخ الجميل، بأمر هذا الوزير الجليل، سنة ألف ومائتين وأربعين، لما استدعاه إلى بغداد، فأكرمه وأجله، ورفع مقامه ومحله، وأمره بما تقدم، ليكون ذكر عدله وعلمه مخلداً بين الأمم، وقد اختصره الفاضل الهمام الشيخ أمين المدني وطبع مختصره في مدينة بومباي، ولو طبع الأصل لكان أكثر فائدة، وأجدر عائدة، غير أنه أراد الاقتصار على ذكر الوقائع التاريخية فقط والله تعالى أعلم. وفي سنة ألف ومائتين وخمس وعشرين أرسل المترجم بخطه كتاباً إلى العلامة المرحوم الشيخ غنام النجدي الزبيري، نزيل دمشق الشام، المتوفى بها سنة ألف ومائتين وسبع وثلاثين، ذكر فيه بعض ما له من التآليف والآثار، فذكر أن له شرحاً على نظمه للعوامل، وعلى منظومته التي نظمها في العروض، وأنه نظم الشافية في التصريف، ونظم مغني اللبيب على ترتيب عجيب، ينوف على خمسة آلاف بيت، ووشحه بأمثلة هي من بنات فكره، ونظم الورقات لإمام الحرمين، وشرحه، ونظم النخبة في المصطلح، ونظم في الحساب كتاباً وشرحه، ونظم القواعد وهو مشتمل على غزل الغزل المقل، وله نظم في الاستعارات، ومنظومة في مدح إمام أهل
стр. 405
السنة سيدنا الإمام أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه، وذكر أيضاً أن له تاريخاً على نحو سلافة العصر سماه الغرر في وجوه القرن الثالث عشر وطلب منه إرسال ما تيسر له ترجمته من أجلاء دمشق، وله غير ذلك كثير، لأنه عاش بعد تاريخ ذلك الكتاب الذي أرسله للشيخ غنام المرقوم ما ينوف على عشرين سنة. ومن كلامه برد الله مضجعه:
لولاك يا ظبية الوعساء لم أرق ... دمعاً ولم أكحل العينين بالأرق
ولم أسر أكحل الظلما بيعملة ... كالميل جال بمسود من الحدق
أرمى بها كل فج لو تجشمه ... مع الرياح لما هبت من الغرق
إلى أن قال:
حتى إذا سال ريق الفجر من فمه ... على البسيطة واحمرت لمى الشفق
أشرت للركب أن صلوا فقد جعلت ... أيدي ذكا تسلخ الظلما عن الأفق
وهي طويلة الغزل مشتملة على وصف الليل وأنجمه ووصف الركاب وأنواع جمة.
وقد ذكر المترجم وأثنى عليه جم غفير من الأفاضل، منهم العلامة الشهير السيد محمد أمين عابدين، حيث قال في كتابه سل الحسام الهندي ما نصه: ومن أراد الزيادة على ذلك من أوصاف هذا الإمام، فليرجع إلى الكتاب الذي ألفه فيه الهمام، خاتمة البلغاء، ونادرة النبغاء، الأوحد السند، الشيخ عثمان بن سند، الذي سماه أصفى الموارد في ترجمة حضرة سيدنا خالد فإنه كتاب لم يحك ببنان البيان على منواله، ولم تنظر عين إلى مثاله، مما اشتمل عليه من الفقرات العجيبة، والقصائد الرائقة الغريبة، عارض فيه المقامات الحريرية، والأشعار الحسانية والجريرية. وذكره أيضاً وأثنى عليه خاتمة المفسرين العلامة شهاب الدين محمود أفندي الألوسي، في الفيض الوارد والعلامة السيد إبراهيم فصيح الحيدري
стр. 406
في المجد التالد وكان حضرة مولانا خالد يصفه بحريري الزمان، وناهيك بهذه الشهادة من مثل هذا العارف الجليل الشان، وقد ترجمه أيضاً حضرة الفاضل المفرد، والمؤرخ الأوحد، أحمد بن محمد بن علي بن إبراهيم الأنصاري اليمني الشرواني، في حديقته فقال: القول فيه أنه طرفة الراغب، وبغية المستفيد الطالب، وجامع سور البيان، ومفسر آياتها بألطف تبيان، أفضل من أعرب عن فنون لسان العرب، وهو إذا نثر أعجب، وإذا نظم أطرب، فوالعصر، إنه لإمام هذا العصر، أخبرني بديع الزمان، شيخنا الشيخ عبد الله بن عثمان، أن هذا الفاضل الأديب، أبدع في نظمه مغني اللبيب وأبرز أسرار البدائع بتصانيفه المشتملة على اللطائف والروائع، متع الله بحياته ذوي الكمال، وجمعني به على أجمل حال، فمن شعره هذه الأبيات، وقد وجدتها بخطه في ظهر كتاب تضمن حاشية الشيخ العلامة ياسين على مختصر المطول، قال أنجحت آماله: وقلت على لسان محبوب طلب وصاله:
أيها الصب الأديب ... لا ترى وصل الحبيب
فالثريا لا ترى ... قبل تغيب الرقيب
قد زارني والليل يحكي فرعه ... ظبي الشذا أنا في النحول كخصره
فجنيت من وجناته ما أشتهي ... ورشفت من صبب بحمرة ثغره
فسكرت حتى مست مثل قوامه ... طرباً ولم أشعر عواقب وزره
ويطربني قوله
قلت لما قال لي خشف الفلا ... صف عذاري وقوامي واعجلا
يا عديم المثل قد كلفتني ... غير ما أقدر حتى قلت لا
стр. 407
أي لا أقدر من الاكتفا ولا هي جوابه فاللام عذاره والألف قوامه. هذا ما وجدت من نظمه المباهي بأنواره البدور، والميسور لا يسقط بالمعسور. انتهى كلام الشرواني في ترجمة هذا الإمام.
والحاصل أن هذا الفرد الهمام قد اشتمل شعره على ما تستلذ به الأسماع، ونثره على ما تميل إليه الطباع، وتأليفاته على درر غالية الأثمان، وتصنيفاته على عقود لآليها مزرية بقلائد العقيان، قد انتخبها واختبأها لمن هو أهل، لا لمن غلب عليه دعوى العلم على جهل. فلا ريب أنه خزانة الفضائل، وتاج هامة الأفاخم الأفاضل، قد قضى له الفضل بأنه أحق به ممن سواه، واختاره فن البيان سنداً له فقدمه وأحسن مثواه. ولم يزل يترقى على درج العلم والعمل، ويحرر ما يخلد له الذكر الجميل بين الأمم، ويقبل على المتعلمين إقبال الوالد الشفوق بالولد البار، ويبث لهم ما ينفعهم في دنياهم وفي دار القرار، إلى أن دعاه الداعي إلى الديار الآخرة، والمنزلة الفائقة الفاخرة، فلبى الداعي من غير إمهال، معتمداً على فضل ذي العظمة والنوال. وذلك في سنة ألف ومائتين وخمسين من هجرة السيد الأمين.
стр. 408
حرف التاء
الشيخ تقي الدين الدمشقي الشافعي من ذرية تقي الدين الحصني
ابن حسن بن مصطفى بن إسماعيل بن محب الدين بن شمس الدين بن زين الدين بن ضياء الدين بن زين الدين عميرة البوصلي البلقاوي، الشهير بتقي الدين الحصني، ابن زين الدين عمر، بن السيد نور الدين معلى، بن السيد نجاد الدين نجدة، بن السيد الشيخ الصالح زين الدين عبد المؤمن، ابن السيد حريز الدين، بن السيد الشيخ الصالح نور الدين معلى، بن السيد مؤتمن الدين مؤمن، بن السيد حريز الدين، حريز بن السيد سعد الدين سعيد، ابن السيد فخر الدين داود، بن السيد شرف الدين قاسم، بن السيد علاء الدين، بن السيد نور الدين علوي، بن السيد منسي فخر الدين ناسي، بن السيد جوهر الدين جوهر، بن السيد علاء الدين علي، بن السيد أبي القاسم ابن السيد سالم، بن السيد عبد الله، بن السيد زين الدين عمر، بن السيد شرف الدين موسى، بن السيد محيي الدين يحيى، بن السيد علاء الدين الأصغر، بن السيد محمد التقي الجواد، بن السيد الحسن العسكري، بن علي الرضي، بن موسى الكاظم، بن جعفر الصادق، بن محمد الباقر، بن علي زين العابدين، بن الحسين الشهيد بكربلا، بن علي بن أبي طالب، بعل البضعة الشريفة السيدة فاطمة الزهراء، بنت سيد العالمين، وختام الأنبياء والمرسلين ﷺ وعليهم أجمعين.
стр. 409
ولد المترجم بدمشق الشام، وأخذ عن السادة العلماء الأعلام، منهم العلامة السيد نجيب القلعي الدمشقي، والشيخ محمد الكزبري، وغيرهما من الشيوخ الدمشقيين، وكان صالحاً عابداً، محترماً نقياً زاهداً، نير الوجه حسن الأخلاق، بين اسمه ومعناه حسن الطباق، مات سنة عشرين ومائتين وألف ودفن في تربة باب الصغير ﵀.
توفيق باشا بن إسماعيل باشا بن محمد علي باشا الخديوي
غب أن عزلت الدولة العثمانية إسماعيل باشا ولت مكانه ولده المرقوم محمد توفيق باشا، فسافر إسماعيل باشا بحريمه وأبنائه إلى مملكة إيطاليا ونزل في نابلي بقصر لحكومة إيطاليا، وتصرف المترجم في سياسة مصر وحكومتها، وذلك سنة ألف ومائتين وست وتسعين، فغير وبدل، ونصب وعزل، فجعل رئيس الوزارة رياض باشا، وجعل من كل من فرانسا وانكلتيرة مراقباً مالياً يحضر مجلس الوزراء وله صوت فيه بحيث لا يكون ولا ينفذ إلا ما وافق عليه المراقبان، وقسمت مداخيل الحكومة على قسمين، أحدهما لفائض الديون، وقدر تلك الديون نحو ألفي مليون فرنك، ومقدار ما عين لفائضها واستهلاك أصلها نحو مائة وستين مليون فرنكاً سنوياًن والباقي من مداخيل الحكومة يدفع منه خراج الدولة العثمانية وبقية مصاريف الحكومة، وجرى التصرف للوزارة بدون مجلس نواب، مع وعد الخديوي عند ولايته بفتحه، وإجراء
стр. 410
مقتضاه، إلى أن ظهر للوزارة أن تحدث قانوناً في ترتيب ترقي العسكر، كان من مقتضاه أن أبناء مصر العارفين بالكتابة والقراءة لا يتجاوزون رتبة رئيس الألف المسمى عند الناس بالبين باشي، والذي لا يعرف ذلك لا يستولي إلا رتبة عشرة أنفس، وهو المعروف بالأونباشي، وبقية المصالح العظيمة، والرتب الجسيمة، يتولاها الدخيلون في مصر كالترك والإفرنج فامتنع من الإمضاء على القانون في وزارة الحرب عدة من أمراء الألايات، متعللين بأن ذلك خلاف الإنصاف، فسجنهم وزير الحرب، فثارت العساكر وأخرجوهم من السجن، وأحاطوا بقصر الخديوي طالبين عزل وزير الحرب، فعزل وحصلت حينئذ طنطنة لاتحاد العساكر وإنصافهم وحياة المصريين، ونشأ فيهم حزب يسمى الحزب الوطني زعيمه في الكلام رجل يسمى عبد الله نديم، فصيح اللسان، عارف بطرق الكلام، وكثرت منه الخطب في المجامع والمواكب، ومن غيره أيضاً في الحث على الاتحاد، وأخذ الأشغال لأبناء الوطن، وكذلك الوظائف والخروج من وطأة الأجانب الذين اشتد احتقارهم للأهالي واستبدادهم عليهم بالمرتبات الباهظة، حتى صار يسمع دوي غليان الأهالي من كثرة توظيف الأجانب الذين بلغ عددهم نحو ألف ومائتي متوظف، يأخذون سنوياً نحو أحد عشر مليون فرنكاً، مع اقتدار الأهالي على الوفاء بتلك الوظائف، ونقصان مرتبهم عن ذلك بكثير، ثم بدا للوزارة لزوم التنقيص من عدد العساكر، فثار الجند وأحدقوا بقصر الخديوي متسلحين حتى بالمدافع، بعد أن أرسلوا إلى نواب الدول بالأمن عليهم وعلى رعاياهم، والإعلام بمقاصدهم وكان رئيس ذلك الاتحاد رجل من أهل مصر في رتبة أميرالاي، فصيح اللسان، ثبت الجنان، اسمه عرابي باشا فطلب هو ورؤساء الجيش الاجتماع بالخديوي، فلما تيقن الخديوي جد طلبهم بواسطة خطاب قنصل الانكليز معهم تلقاهم فأعلموه بأن مطلبهم هو عزل الوزارة وولاية
стр. 411
رئاستها لشريف باشا وجمع مجلس النواب وإجراء قراره حقيقة، وأن تكون له الحرية اللازمة لمثله، وأنه لا يمس حقوق الأجانب، وتعهدات الحكومة معهم، فلم يسع الحال إلا لقبول جميع المطالب وإجرائها فعلاً، وازداد عرابي نفوذاً، وانطلقت الألسن بالحرية، فلما اجتمع مجلس النواب ألف قانونه الذي تبتنى عليه أحكامه، وكان من جملته أنه له الحق في الاطلاع على حساب الحكومة في الحال، وله الرأي فيه، مع أن ذلك من خواص مأمورية المراقبة الفرنساوية والانكليزية، فامتنعت وزارة شريف باشا من قبول ذلك، لما تعلم من تداخل الدولتين في الامتناع حتى يفضي إلى التداخل في السياسة، فأصر المجلس على طلبه، وأظهرت العساكر التعصب للمجلس، فاستعفى شريف باشا ووزراؤه ومن هنا خرجت الأعمال عن القصد الجميل لما يوقعها في الزوال، لأن العاقل ينظر لجميع مقتضيات الحال، ونسبة قوة الدول، فيتباعد عن موجبات الفساد، ولا تطلب النهايات في البدايات كما هو القاعدة الشهيرة القائلة من طلب الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه، لكن سبق القدر فلم يتدبروا واستعجلوا فأصروا على طلبهم، ففوض الخديوي انتخاب الوزارة إلى المجلس مع أنه من حقوقه، تطييباً لخاطر الأهالي، فاستولى رئاسة الوزارة محمود سامي، واستولى وزارة الحرب عرابي باشا، وابتدأ من هنا أيضاً الاعتراض عليه من العقلاء في قبول الوزارة، لأن مقامه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يأبى قبوله الوزارة، لأن قبوله يوقعه في التهمة من أنه له غرض خاص في أمره بالمعروف ونهيه عن
المنكر، وهو ارتقاؤه إلى المناصب العالية، سيما بعد أن رقى من كان معه من رؤساء العساكر إلى رتبة اللواء وقبل هو من الخديوي بعد الإلحاح عليه فوافقت الوزارة رأي المجلس، وكانت إذ ذاك ألسن الأهالي بذية مطلقة بالقدح في الأروباويين، والتبجح بما هم عليه مما أسف عليه عقلاء المسلمين.، وهو ارتقاؤه إلى المناصب العالية، سيما بعد أن رقى من كان معه من رؤساء العساكر إلى رتبة اللواء وقبل هو من الخديوي بعد الإلحاح عليه فوافقت الوزارة رأي المجلس، وكانت إذ ذاك ألسن الأهالي بذية مطلقة بالقدح في الأروباويين، والتبجح بما هم عليه مما أسف عليه عقلاء المسلمين.
стр. 412
يمضي على المرء في أيام محنته ... حتى يرى حسناً ما ليس بالحسن
فهاجت صحف أوربا ضداً عليهم، وأشدهم الفرنساويون والإنكليزيون، حتى أبرقت وأرعدت دولتاهم متهددين بالحرب، طالبين نفي عرابي وبعضاً من رؤساء العسكر الذين راقوا إلى رتبة اللواء، وإرجاع وزارة شريف باشا ودحض مطلب مجلس النواب في التداخل في أمر المراقبة، فوقع اضطراب وهيجان ظهرت فيه دعوى على بعض من العساكر الجراكسة، بأنهم قصدوا قتل عرابي بإغراءات سرية منسوبة إلى طلعة باشا أحد علائق إسماعيل باشا فنفيت أولئك الجراكسة إلى الآستانة، وبقوا فيها تحت الحفظ مكرمين في أحد البناءات السلطانية، إلى أن رجعوا بعد الحرب الآتي ذكره، فلما أصرت الدولتان على ذلك، أعلن الخديوي بعزل الوزارة، فثارت الأهالي والعساكر وألزموا الخديوي بإرجاع عرابي إلى وزارته، وحضر إذ ذاك مرخص عثماني، وهو المشير درويش باشا ومعه عدة رجال لإقرار الراحة في مصر بالوجه السياسي، لأن الأهالي أيضاً أكثروا من التنويه بانتمائهم للدولة العثمانية، ووردت منها أفراد على الوجه الخصوصي من قبل لإراحة الأهالي، وكان الخلاف بين عرابي والخديوي عند قدوم درويش باشا مشتداً حتى ظهر الخبر بأن الاهالي قدموا عرض محضر بطلب عزل الخديوي عند قدوم درويش باشا بل تفاقم الطمع إلى إخراج الخديوية عن عائلة محمد علي أصلاً، وطلب أن تكون مصر مثل البلغار في امتيازاتها التي منها اختيار الوالي، وأن لا تتداخل فيهم الدولة العثمانية بشيء في إدارتهم، بل تحرشت صحفهم بأنها لو ترسل عساكر ضدهم فإنهم يقاتلونهم كما يقاتلون سائر الدول، وحينئذ أعلنت كل من فرانسا وإنكلتيرة بإبقاء الخديوي ونفوذه، وقطع دابر مضاده بالقوة الجبرية، غير أن فرانسا تطلب أن تكون قوتها وقوة الإنكليز هي الفعالة، ولا تسمح للدولة العثمانية بذلك، وإنكلتيره على
стр. 413
ضدها، فتطلب مبادرة عساكر الدولة العثمانية لذلك، فرأت الدولة العثمانية أن فصل النازلة يتم بدون احتياج إلى قوة، وأرسلت درويش باشا ومن معه لذلك، وحصل من قدومه ما أغاظ كثيراً من الأروباويين لانقياد العساكر المصرية والأهالي للسلطان، وامتثال أمره وابتداء السكون والتوافق بالرضى بالحصول شيئاً فشيئاً، لكنه حدث في اسكندرية التي كانت إذ ذاك مرساها غاصة بأساطيل الدول الأروباوية، حادثة شنيعة وهي قتال بين المسلمين والنصارى السكان بسبب مشاجرة عادية، فطبل الأروبايون وزمروا حتى توجه الخديوي ودرويش باشا وعرابي إلى الإسكندرية لإقرار الراحة، واقر الدول جميعاً أن الواقعة عادية لا دخل لها في السياسة، غير أن أصل المسألة من إصرار الدولتين على مطلبهم، وامتناع أهالي مصر لا زال على ما كان، وفرانسا أشد إقداماً وتهديداً بإعلان الحرب، وطلبت انكلتيره عقد مؤتمر في الآستانة لما يجب من العمل، فامتنعت الدولة العثمانية من التداخل فيه لما لها من حتى السيادة وحدها على مصر، فرأت أن ذلك من باب تداخل الدول في داخليتها، لكنهم عقدوه ودخلت فيه الدولة العثمانية أخيراً، وبينما هو في التفاوض كانت العساكر المصرية تصلح في حصون الاسكندرية حيث أنها خربة ولا استعداد فيها، لأن الدولة العثمانية كانت حجرت على إسماعيل باشا تحصينها عندما أحكم حصن أبو قير جوار الاسكندرية، وحصون دمياط وغيرها لما سبقت الإشارة إليه في أخبار إسماعيل باشا، ولما رأت أساطيل الدولتين ذلك التحصين ادعوا أنه تهديد لهم، وطلبوا الإقلاع عنهن فأمرت الدولة العثمانية بالكف عن التحصين، وادعى المصريون الامتثال، وادعى رئيس أسطول الانكليز عدمه، وطلب دخول عساكره إلى الحصون فتفاقم الخلاف وأطلقت النيران من الأسطول الانكليزي على الاسكندرية فخربتها في نحو عشر ساعات،
стр. 414
وتضررت بعض مدرعاته، وانحازت العساكر المصرية إلى مكان يسمى كفر الدوار، وجيشوا هناك، واستولت العساكر الانكليزية على الاسكندرية وبقي الخديوي فيها، وانكشف الغطاء على مخالفة العساكر للخديوي، وكان معه درويش باشا المذكور، فرجع إلى الآستانة وبقي مع الخديوي الكاتب الثاني للسلطان، واشتد إلحاح الانكليز على الدولة في إرسال العسكر، ولم ترسل الدولة إلى أن وقعت عدة محاربات برية، كان النصر فيها للمصريين، واستولت انكلتيره على برت سعيد وسائر خليج السويس، وكان أكبر المعسكرات المصرية في التل الكبير بين القاهرة والإسماعيلية، وتضايق الإنكليز في لزوم قوة كبيرة لهم لإتمام قصدهم
لأن فرانسا لما فتح مجلس نوابها لاستشارته في حرب مصر أنكر ذلك أشد الإنكار، فسحبت أسطولها وبقيت على الحياد، والدولة العثمانية وإن وافقت أخيراً على إرسال عسكرها لكن تشدد الإنكليز في جعله تحت أمرهم، وأن لا يتصرف إلا على نحو إشارتهم، وأن يخرج متى ما أمروه بالخروج ألزم تأخر إرساله، وكان تصرف العساكر المصرية بغاية الاحتراز من الأفعال البربرية، سوى ما صدر من أفراد من العربان والفلاحين في جهات قليلة، وبينما الأمر على ذلك وإذا بالدولة العثمانية نشرت إعلاناً حسب طلب انكلتيرة، بأن عرابي وكل من انحاز إلى حزبه عصاة، فلم يمض على ذلك بضعة أيام إلا وقد انحلت عرى التعصب المصري، ودخلت العساكر الانكليزية إلى القاهرة بدون أدنى حرب ولا معارضة، مع أن الجيش المصري ومن انضم إليه من العربان وغيرهم المتجاوزين المائة ألف والخمسين ألف محارب بأتم قوات الاستعداد، فتفرقوا جميعاً أيدي سبا في بضع ساعات، وسلم عرابي نفسه أسيراً إلى الانكليز، فرجع الخديوي إلى مصر وأقيم وكيل مدافع انكليزي عن رؤساء العساكر المصرية، وآل الأمر
стр. 415
حسب إرادة انكلاتيره أن حكم بعقاب عرابي، لكن الخديوي عفا عنه لأنه لم يفعل شيئاً إلا عن وفاق من يتبع وأبقى له مرتباً للقيام بنفسه، ونفي هو وكبراء الرؤساء إلى جزيرة سيلان في الهند، وذاك هو التعليل الباطني، مع أن حزباً عظيماً من الانكليز يرون أن جناية أولئك العساكر سياسة توجب القتل، فلذلك حكم عليهم المجلس الحربي بالقتل لكن الخديوي عفا عنهم، وأبدل القتل بالنفي، ولم تزل العساكر الانكليزية مقيمة بمصر ورجالهم السياسيون هم مرجع الأمر والنهي والوزارة تحت رئاسة شريف باشا، وناظر الداخلية الذي له كمال النفوذ رياض باشا وانكلاتيرة بصدد ترتيب حالة جديدة للسيرة السياسية داخلية وخارجية لمصر، مع إعلانها بأن مصر تحت سيادة الدولة العثمانية على امتيازاتها المقررة بالفرامانات السلطانية، وأن التراتيب التي هي بصددها لا تمس شيئاً من حقوق الدولة، ولا معاهدات الدول الأجنبية، وتقلص نفوذ فرانسا في مصر ولم تزل غير مسلمة رسمياً لانكلاتيرة بمرادها، وللروسية ميل إلى معاضدة فرانسا، هذا ما وقع إلى الآن وهو المحرم سنة ألف وثلاثمائة. أن فرانسا لما فتح مجلس نوابها لاستشارته في حرب مصر أنكر ذلك أشد الإنكار، فسحبت أسطولها وبقيت على الحياد، والدولة العثمانية وإن وافقت أخيراً على إرسال عسكرها لكن تشدد الإنكليز في جعله تحت أمرهم، وأن لا يتصرف إلا على نحو إشارتهم، وأن يخرج متى ما أمروه بالخروج ألزم تأخر إرساله، وكان تصرف العساكر المصرية بغاية الاحتراز من الأفعال البربرية، سوى ما صدر من أفراد من العربان والفلاحين في جهات قليلة، وبينما الأمر على ذلك وإذا بالدولة العثمانية نشرت إعلاناً حسب طلب انكلتيرة، بأن عرابي وكل من انحاز إلى حزبه عصاة، فلم يمض على ذلك بضعة أيام إلا وقد انحلت عرى التعصب المصري، ودخلت العساكر الانكليزية إلى القاهرة بدون أدنى حرب ولا معارضة، مع أن الجيش المصري ومن انضم إليه من العربان وغيرهم المتجاوزين المائة ألف والخمسين ألف محارب بأتم قوات الاستعداد، فتفرقوا جميعاً أيدي سبا في بضع ساعات، وسلم عرابي نفسه أسيراً إلى الانكليز، فرجع الخديوي إلى مصر وأقيم وكيل مدافع انكليزي عن رؤساء العساكر المصرية، وآل الأمر حسب إرادة انكلاتيره أن حكم بعقاب عرابي، لكن الخديوي عفا عنه لأنه لم يفعل شيئاً إلا عن وفاق من يتبع وأبقى له مرتباً للقيام بنفسه، ونفي هو وكبراء الرؤساء إلى جزيرة سيلان في الهند، وذاك هو التعليل الباطني، مع أن حزباً عظيماً من الانكليز يرون أن جناية أولئك العساكر سياسة توجب القتل، فلذلك حكم عليهم المجلس الحربي بالقتل لكن الخديوي عفا عنهم، وأبدل القتل بالنفي، ولم تزل العساكر الانكليزية مقيمة بمصر ورجالهم السياسيون هم مرجع الأمر والنهي والوزارة تحت رئاسة شريف باشا، وناظر الداخلية الذي له كمال النفوذ رياض باشا وانكلاتيرة بصدد ترتيب حالة جديدة للسيرة السياسية داخلية وخارجية لمصر، مع إعلانها بأن مصر تحت سيادة الدولة العثمانية على امتيازاتها المقررة بالفرامانات السلطانية، وأن التراتيب التي هي بصددها لا تمس شيئاً من حقوق الدولة، ولا معاهدات الدول الأجنبية، وتقلص نفوذ فرانسا في مصر ولم تزل غير مسلمة رسمياً لانكلاتيرة بمرادها، وللروسية ميل إلى معاضدة فرانسا، هذا ما وقع إلى الآن وهو المحرم سنة ألف وثلاثمائة.
تذييل
اعلم أن مصر مملكة عثمانية لها امتيازات خاصة بينها الفرمان الصادر في ولاية الخديوي المترجم المرقوم وهو محمد توفيق باشا وهذا نصه: الدستور الأكرم المعظم، الخديوي الأفخم المحترم، نظام العالم، وناظم مناظم الأمم، مدبر أمور الجمهور بالفكر الثاقب، متمم مهام الأنام بالرأي الصائب، ممهد بنيان الدولة والإقبال، مشيد أركان
стр. 416
السعادة والإجلال، مرتب مراتب الخلافة الكبرى، مكمل ناموس السلطنة العظمى، المحفوف بصنوف عواطف الملك الأعلى، خديوي مصر الحائز لرتبة الصدارة الجليلة فعلاً، والحامل لنيشاننا الهمايوني المرصع العثماني، ولنيشاننا المرصع المجيدي، وزيري سمير المعالي توفيق باشا أدام الله تعالى إجلاله، وضاعف بالتأييد اقتداره وإقباله، إنه لدى وصول توقيعنا الهمايوني الرفيع، يكون معلوماً لكم أنه بناء على انفصال إسماعيل باشا خديوي مصر، في اليوم السادس من شهر رجب سنة ألف ومائتين وست وتسعين، وحسن خدمتكم وصداقتكم واستقامتكم لذاتنا الشاهانية، ولمنافع دولتنا العلية، ولما هو معلوم لدينا بأن لكم وقوفاً ومعلومات تامة في خصوص الأحوال المصرية، وأنكم كفء لتسوية بعض الأحوال الغير المرضية التي ظهرت بمصر منذ مدة، ولإصلاحها، وجهنا إلى عهدتكم الخديوية المصرية المحدودة بالحدود القديمة المعلومة، مع الأراضي المنضمة إليها المعطاة إلى إدارة مصر، توفيقاً للقاعدة المتحدة بالفرمان العالي الصادر في ثلاثة عشر محرم سنة ألف ومائتين وثلاث وثمانين، المتضمن توجيه الخديوية المصرية إلى أكبر الأولاد، وحيث أنكم أكبر أولاد الباشا المشار إليه وجهت إلى عهدتكم الخديوية المصرية، ولما كان تزايد عمران الخديوية المصرية وسعادتها وتأمين راحة كافة أهاليها وسكانها رفاهيتهم هي من المواد المهمة لدينا ومن أجمل مرغوبنا ومطلوبنا، وقد ظهر أن بعض أحكام الفرمان العالي الشأن المبني على تسهيل هذه المقاصد الخيرية المبين فيه الامتيازات الحائزة لها الخديوية المصرية قديماً، نشأ منه الأحوال المشكلة الحاضرة المعلومة صار تثبيت المواد التي لا يلزم تعديلها من هذه الامتيازات وتأكيدها، وصار تبديل المواد المقتضى تبديلها وتعديلها وإصلاحها فما تقرر إجراؤه الآن هو المواد الآتية، وهي أن كافة واردات الخطة المذكورة يكون تحصيلها واستيفاؤها باسمنا الشاهاني، وحيث أن أهالي مصر أيضاً من
стр. 417
تبعة دولتنا العلية، والخديوية المصرية ملزمة بإدارة أمور المملكة الملكية والمالية والعدلية، بشرط أن لا يقع في حقهم أدنى ظلم ولا تعد في وقت من الأوقات، فخديوي مصر يكون مأذوناً بوضع النظامات اللازمة للداخلية المتعلقة بهم وتأسيسها بصورة عادلة، وأيضاً يكون مأذوناً بعقد وتجديد المشارطات مع مأموري الدول الأجنبية في خصوص الكمرك والتجارة وكافة أمور المملكة الداخلية، لأجل ترقي الحرف والصنائع والتجارة وتوابعها، ولأجل تسوية المعاملات السائرة التي بين الحكومة والأجانب، أو الأهالي والأجانب، مع أمور ضابطة الأجانب بشرط عدم وقوع خلل في معاهدات دولتنا العلية السياسية، وفي حقوق متبوعية مصر إليها، وإنما قبل إعلان الخديوية المشارطات التي تعقد مع الأجانب بهذه الصورة يصير تقديمها إلى بابنا العالي، وأيضاً يكون حائزاً للتصرفات الكاملة في أمور المالية لكنه لا يكون مأذوناً بعقد استقراض من الآن فصاعداً بوجه من الوجوه، وإنما يكون مأذوناً بعقد استقراض بالاتفاق مع المداينين الحاضرين أو وكلائهم الذين يعينون رسمياًن وهذا الاستقراض يكون منحصراً في تسوية أحوال المالية الحاضرة ومخصوصاً بها، وحيث أن الامتيازات التي أعطيت إلى مصر هي جزء من حقوق دولتنا العلية الطبيعية التي خصت بها الخديوية وأودعت لديها، لا يجوز لأي سبب أو وسيلة ترك هذه الامتيازات جميعها أو بعضها أو ترك قطعة أرض من الأراضي المصرية إلى الغير مطلقاً، ويلزم تأدية مبلغ سبعمائة وخمسون ألف ليرة عثمانية الذي هو الويركو المقرر دفعه في كل سنة في أوانه كذلك جميع النقود التي تضرب في مصر تكون باسمنا الشاهاني، ولا يجوز جمع عساكر زيادة عن ثمانية عشر ألفاً، لأن هذا القدر كاف لمحافظة أمنية إيالة مصر الداخلية في وقت الصلح، وإنما حيث أن قوة مصر البرية والبحرية هي مرتبة من أجل دولتنا العلية يجوز أن يزاد مقدار عساكر
стр. 418
بالصورة التي تستنسب حالة كون
دولتنا العلية محاربة وتكون رايات العساكر البحرية والبرية والعلامة المميزة لرتب ضباطهم كرايات عساكرنا الشاهانية ونياشينهم، ويباح لخديوي مصر أن يعطي الضباط البرية والبحرية رتباً إلى غاية رتبة أميرالاي، والملكية إلى الرتبة الثانية، ولا يرخص لخديوي مصر أن ينشىء سفناً مدرعة إلا بعد الإذن وحصول رخصة صريحة قطعية إليه من دولتنا العلية، ومن اللزوم وقاية كافة الشروط السالفة الذكر والاجتناب من وقوع حركة تخالفها، وحيث صدرت إرادتنا السنية بإجراء المواد السابق ذكرها فقد أصدرنا أمرنا هذا جليل القدر الموشح أعلاه بخطنا الهمايوني، وهو مرسل صحبة افتخار الأعالي والأعاظم، ومختار الأكابر والأفاخم، على فؤاد بك باشكاتب المابين الهمايوني، ومن أعاظم رجال دولتنا العلية الحائز والحامل للنياشين العثمانية والمجيدية ذات الشأن والشرف. حرر في تاسع عشر شعبان المعظم سنة ألف ومائتين وست وتسعين انتهت عبارة الفرمان. تنا العلية محاربة وتكون رايات العساكر البحرية والبرية والعلامة المميزة لرتب ضباطهم كرايات عساكرنا الشاهانية ونياشينهم، ويباح لخديوي مصر أن يعطي الضباط البرية والبحرية رتباً إلى غاية رتبة أميرالاي، والملكية إلى الرتبة الثانية، ولا يرخص لخديوي مصر أن ينشىء سفناً مدرعة إلا بعد الإذن وحصول رخصة صريحة قطعية إليه من دولتنا العلية، ومن اللزوم وقاية كافة الشروط السالفة الذكر والاجتناب من وقوع حركة تخالفها، وحيث صدرت إرادتنا السنية بإجراء المواد السابق ذكرها فقد أصدرنا أمرنا هذا جليل القدر الموشح أعلاه بخطنا الهمايوني، وهو مرسل صحبة افتخار الأعالي والأعاظم، ومختار الأكابر والأفاخم، على فؤاد بك باشكاتب المابين الهمايوني، ومن أعاظم رجال دولتنا العلية الحائز والحامل للنياشين العثمانية والمجيدية ذات الشأن والشرف. حرر في تاسع عشر شعبان المعظم سنة ألف ومائتين وست وتسعين انتهت عبارة الفرمان.
السيد تقي الدين بن عبد الله بن علي الحنبلي الدمشقي الشهير بأبي شعر وشعير
قطب المعارف والكمال، وشمس الحقائق والإجلال، الشيخ الناهج منهج الفضائل، والحائز معالي الشمائل، التقي الصالح، والمرشد الناصح، والحبر الزاهد، والورع العابد، شيخ مشايخ الطريقة الشاذلية في دمشق المحمية وكان له مكاشفات ظاهرة، وأخبار غيبية باهرة، وله تأليفات في كلام السادة الصوفية، وصلوات على الذات المحمدية، ومن جملة كلامه في التصوف رسالته في التوحيد على لسان القوم التي سماها عقيدة الغيب وكان بعد تأليفها إذا أراد أن يذكر شيئاً عن نفسه يقول كما قال صاحب عقيدة الغيب، وله كتاب في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 419
نحو أربع مجلدات بلسان غير مألفوف، وفيه أخبار عن أمور كثيرة مما سيقع، ومن ذلك تفصيل قضية حادثة العيسوية التي وقعت سنة سبع وسبعين، وفي آخر أمره حصل له جذب عظيم.
وبالجملة فإنه كان أعجوبة الزمان، ونادرة الوقت والأوان، ذا كرامات عظيمة، وخوارق عادات جسيمة، وكان ﵁ يقول: من توقف في شيء من الفتوحات فليأت يوم السبت قبل طلوع الشمس إلى قبري وليقرأ كل إشكاله يكشف له عن معناه. توفي هذا الجهبذ الهمام سنة سبع ومائتين وألف ودفن في تربة باب الصغير، وقبره ظاهر مشهور.
تركي بن عبد الله بن سعود أمير نجد وناصر عقيدتها
كان رجلاً شهماً شجاعاً مقداماً صداماً، مشهوراً بمواقع الحروب، وكان له صولة وصيت وسمعة، وأيام مشهورة في العرب، ولما قويت شوكة نجد وتقدمت صولتها وجهت الدولة العلية إبراهيم باشا بن محمد علي باشا المصري لقتالهم وكسر شوكتهم، فقاتلهم قتالاً تشيب له الأطفال، وتغيب له عقول النساء والرجال، فأسر إبراهيم باشا عبد الله بن سعود وجميع أولاده، ونقلهم وعائلاتهم إلى مصر، وذلك سنة ألف ومائتين وثلاث وثلاثين، غير أن المترجم قد انفلت من يد إبراهيم باشا وغاب عنه ولم يقع له بعد التفتيش على خبر، فتركه وتوجه بابن سعود وأولاده وعائلته إلى مصر، ولم يزل المترجم متنكراً يتنقل من قبيلة إلى قبيلة ومن قرية إلى قرية بحالة لا يعرفه بها إلا قليل من الناس، وعساكر المصريين تتطلبه من كل جانب، وتدور عليه لتوقعه في أشد المعاطب، إلى سنة ألف ومائتين وتسع وثلاثين، وكان قد فتر أمر التفتيش عليه، فاغتنم الفرصة وشد أزره وظهر للناس وعرفهم بنفسه وحرضهم على مساعدته، وتظاهر يتطلب إمارة آبائه وأجداده، وما برح يتقوى شيئاً فشيئاً والناس
стр. 420
تساعده على مرامه، إلى أن صار عنده جم غفير، وعدد من الشجعان كثير، فملك نجداً وما حولها وجلس على مهاد الامارة النجدية، ولم يبق له معارض ولا منازع، وطرد عساكر المصريين، واستقر على عرش الراحة والتمكين، إن أمر فما لأمره من عاص، وإن نهى فما لمخالفه من خلاص، وبقي على مهاد هذه الإمارة عشر سنوات. وفي أثناء هذه المدة تخلص بعمل الحيلة ابنه فيصل، وفر من مصر هارباً، ولم يزل يقطع البراري والقفار، ويقاسي الشدائد الكبار، إلى أن وصل إلى أبيه المترجم، وأحسن الله له بالخلاص من الأسر وأنعم، ثم إن ابن أخت المترجم مشاري ثار على خاله المترجم، وأراد نزع الإمارة من يده، فعمل الوسائل، وقام قيام الأسد الصائل. وفي أثناء هذه المدة توجه ابن المترجم فيصل غازياً البحرين، فوجد مشاري أنه قد خلا له الجو، ولم يبق للمترجم من مانع يمنعه، فاغتنم الفرصة وقتله واستولى على الإمارة مكانه، وذلك سنة ألف ومائتين وتسع وأربعين، ولما بلغ فيصل بأن مشارياً قتل أباه حضر إليه من غير مهلة وقتله، وكانت إمارة قاتل المترجم أربعين يوماً وتأمر فيصل مكانه.
توفيق أفندي بن محمد أفندي أبي السعود بن سعدي أفندي الأيوبي نسبة إلى سيدنا الصحاب الجليل أبي أيوب خالد الأنصاري النجاري رضي الله تعالى عنه وعن ذريته
ذو التحقيقات الواضحة، والتدقيقات الراجحة، والإدراكات السامية، والاستنباطات النامية، والكمالات المعروفة، والآداب الموصوفة، ولد
стр. 421
كآبائه في دمشق الشام، وتربى بين علمائها الأعلام، ونهج أولي المناهج، وعرج للترقي أعلى المعارج، إلى أن بلغ مبلغ الكمال، ونبغ في محاسن الأقوال والأفعال، وتحلى بحلية من سلف، واستبدل الدر الثمين بالصدف، واعتصم بحبل الكتاب والسنة، ورأى أن توفيقه لذلك أعظم منة. وله نظم كالدر المنظوم، ونثر يفوق نثر النجوم، ومن نظمه المستطاب، في مدح السيد أحمد الرفاعي قطب الأقطاب، قوله:
غيري مناه ظبية وغزال ... وهواه معسول اللمى مختال
ومناي كأس مدامة ما شابها ... مزج وشابت دونها الآمال
عيناً بها شرب الأولى وطئوا السها ... شرفاً ونالوا رفعة ما نالوا
عيناً بها انفجرت ينابع حكمة ... وغدا شفاء ماؤها السلسال
عيناً بها سر تنزه عزة ... عن أن تحيط بعشره الأقوال
بيد مباركة مقدسة لها ... مدت يد منها الكمال ينال
يد أحمد أعني الرفاعي الذي ... هو في البرية زينة وجمال
مدت لها يد أحمد خير الورى ... هذا هو التعظيم والإجلال
وبطي ذاك بشارة نبوية ... ما حازها الأقطاب والأبدال
إن الذين يبايعونك إنما ... قد بايعوه وحفهم إقبال
стр. 422
وإشارة لكمو بإرث مقامه ... وبأن عثرة، لائذيك تقال
هو آخذ بيمينكم ويمينكم ... بيد المريد أبعد ذاك ضلال
ودعتموا فأجابكم وعليكمو ... رد السلام وحسبكم إبجال
وسلامه أمن لكم ولمن بوا ... ثق حبلكم علقت له آمال
ولذا دعاكم حين ناديتم وذا ... مجد أثيل ما له أمثال
صح انتسابكمو لحضرة قدسه ... بالمعنيين وانتفى الإشكال
يا صاحب العلمين يا قمر الدجى ... يا طاهر النسبين يا مفضال
يا سيداً للفرقتين وحائزاً ... للخلعتين علاك كيف يطال
ومجدد الدين الحنيفي بعد ما ... درست معالمه وكاد يزال
بالانكسار سموت أسنى منزل ... خضعت لعزة مجده الأقيال
وعنت وجوه أولي الوجاهة خشعاً ... لما علاهم من سناك جلال
توجت تاج كرامة ورفلت في ... حلل الصفا وثيابك الأسمال
ووقفت في باب المليك فأوقفت ... في بابك الأقطاب والأبدال
وبلغت من فلك الكمال سنامه ... فلك النجوم الشامخات نعال
وحللت ذرة هام أشرف رتبة ... وخلال مجدك ما لهن مثال
يا نجل صيد طاهرين أماجد ... بهم عن الأكوان زال وبال
آباء صدق لا يرام علاهمو ... وهمو لفخر الأنبيا أنجال
نص الكتاب أتى يخبر عنهمو ... بخصائل لم تحكهن خصال
فتحوا قلوباً سكرت ونواظراً ... عميت وأسماعاً لها أفعال
عنهم روينا المكرمات ومنهمو ... وعليهمو كل الأنام عيال
стр. 423
وإليهمو الأرواح حنت حيث لو ... لاهم لما كانت لها أوصال
لا غرو يا ابن الأوصياء إذا غدت ... عن وصف ذاتك تقصر الأقوال
أوتيت فهماً في الكتاب وحكمة ... ومكانة بالسعي ليس تنال
ونطقت في مهد الطفولة منبئاً ... بعلاك قولاً ما به: أيقال؟
وعليك مائدة المواهب أنزلت ... فغدت تفصل ما به إجمال
فحكيت روح الله يا روح العلا ... وسناك نسخته وأنت مثال
والنار قد خمدت لذكرك واغتدى ... بكمو سلاماً حرها القتال
والشائل العجفاء درت عندما ... فازت بلثم يد نداها خال
ولنخلة الجرعا أشرت فأذعنت ... وسعت إليك يسوقها إرقال
وكذاك أسماكٌ ببصرة أبصرت ... ذاك البهاء فأقبلت تنثال
من مثل هذا الوارث النبوي من ... صبت عليه من العلوم سجال
أخلاق حضرة جده أخلاقه ... وكذا له أحواله الأحوال
وشعاره آدابه ودثاره ... آثاره وفعاله الأفعال
وطريقه أن تخلع الكونين مع ... أدب يزين بهاءه الإذلال
وطريقه صدق وفقر دائم ... وخلائق تزهو بها الأعمال
وطريقه جد بلا كسل فلا ... قيل لديه بنافع أو قال
أنى أحيط بوصف ذات قدست ... إذ ليس تقدر قدرها الأقوال
أعيت مناقبها الفصيح وأخرس ... المنطيق عنها واستحى القوال
لكن أردت بأن أفوز بخدمة ... لكمو ليخدمني بها الإقبال
стр. 424
ولقد لجأت لكم بخير وسيلة ... بخؤولة ما شانها إشكال
يحلو مكررها بكم وقد انتهت ... للأكرمين ومن هم الأقيال
تنمى لأشرفهم بني النجار خلان النبي وهم له أخوال
وصلت بأحكمهم أبي أيوب من ... نزل النبي ببيته والآل
إن ابن أخت القوم إن يك منهم ... فكذاك في حكم القياس الخال
وأنا ابن أخت مثل ما أني لكم ... خال فلي بقرابتي إدلال
وعبيدكم حقاً ومولى القوم منهم جاءنا بصريح ذا الأنفال
حضرة صاحب السماحة والسيادة السيد توفيق أفندي البكري نقيب السادة الأشراف بمحروسة مصر
إمام اغترفت من بحر علمه علماء الأمصار، وهمام اعترفت بفضائله ذوو البصائر من الأفاضل والأبصار، أثمرت أغصان الأقلام بفرائد مآثره، وكشف له العرفان حجاب الستر عن محيا سرائره، له في كل فن مقام مشهور، وفي كل علم علم منشور، وله شعر منظوم نظم الكواكب
стр. 425
في السحر، ونثر منثور نثر اللآلىء والدرر، فلا ريب أنه قلد جيد الدهر بعقود حلاه، وشيد ربوع المجد بنوامي فضله وعلاه، فهو الذي استوى على عرش الفنون، واحتوى على ما تلذ به الأسماع وتقر به العيون.
وفي عام ألف وثلاثمائة وخمسة عشر حينما قامت الحرب بين الدولة العلية واليونان، وكانت طليعة النصر تحت إمرة السلطان عبد الحميد خان، فهنأه المترجم بهذه القصيدة،، المقدمة لذاته السعيدة:
أما ويمين الله حلفة مقسم ... لقد قمت بالإسلام عن كل مسلم
فلولاك بعد الله أمست دياره ... بأيدي الأعادي مثل نهب مقسم
لقد سر هذا النصر قبراً بطيبة ... وبيتاً ثوى عند الحطيم وزمزم
فحيا أمير المؤمنين وملكه ... ثناء البرايا من فصيح وأعجم
إمام له في آل عثمان لحمة ... تبحبح منها في الذرى والمقدم
خليفة صدق يسبق الوعد جوده ... كما انهل قبل البرق ميزاب مرهم
يسوس الرعايا والبلاد بحكمة ... أقامت لدى نهج من الحق أقوم
ويقطع أقران الأمور بفيصل ... من الرأي يحكي منه ضربة مخذم
رمى الروم لما أن عتوا بكتيبة ... تميل بأعطاف الوشيج المقوم
وأعطاهموا سلماً فلما تألبوا ... لشر غدوا ما بين أنياب ضيغم
ومد لهم في الحم باعاً رحيبة ... فزادوا طماحاً في عتو وملأم
كذاك مرار النبت أن ما سقيته ... من العذب يزدد طعم صاب وعلقم
وزجوا جموعاً كالدبى في عديدها ... فألقاهموا في جوف دهياء صيلم
أسال فجاج الأرض بالجند يلتوي ... كأغدرة الوديان في كل مخرم
следующие страницы →