← Тараджим

Тараджим · id 31371

حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر

عبد الرزاق البيطار

Полный текст (1 568 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

كآبائه في دمشق الشام، وتربى بين علمائها الأعلام، ونهج أولي المناهج، وعرج للترقي أعلى المعارج، إلى أن بلغ مبلغ الكمال، ونبغ في محاسن الأقوال والأفعال، وتحلى بحلية من سلف، واستبدل الدر الثمين بالصدف، واعتصم بحبل الكتاب والسنة، ورأى أن توفيقه لذلك أعظم منة. وله نظم كالدر المنظوم، ونثر يفوق نثر النجوم، ومن نظمه المستطاب، في مدح السيد أحمد الرفاعي قطب الأقطاب، قوله: غيري مناه ظبية وغزال ... وهواه معسول اللمى مختال ومناي كأس مدامة ما شابها ... مزج وشابت دونها الآمال عيناً بها شرب الأولى وطئوا السها ... شرفاً ونالوا رفعة ما نالوا عيناً بها انفجرت ينابع حكمة ... وغدا شفاء ماؤها السلسال عيناً بها سر تنزه عزة ... عن أن تحيط بعشره الأقوال بيد مباركة مقدسة لها ... مدت يد منها الكمال ينال يد أحمد أعني الرفاعي الذي ... هو في البرية زينة وجمال مدت لها يد أحمد خير الورى ... هذا هو التعظيم والإجلال وبطي ذاك بشارة نبوية ... ما حازها الأقطاب والأبدال إن الذين يبايعونك إنما ... قد بايعوه وحفهم إقبال

стр. 422

وإشارة لكمو بإرث مقامه ... وبأن عثرة، لائذيك تقال هو آخذ بيمينكم ويمينكم ... بيد المريد أبعد ذاك ضلال ودعتموا فأجابكم وعليكمو ... رد السلام وحسبكم إبجال وسلامه أمن لكم ولمن بوا ... ثق حبلكم علقت له آمال ولذا دعاكم حين ناديتم وذا ... مجد أثيل ما له أمثال صح انتسابكمو لحضرة قدسه ... بالمعنيين وانتفى الإشكال يا صاحب العلمين يا قمر الدجى ... يا طاهر النسبين يا مفضال يا سيداً للفرقتين وحائزاً ... للخلعتين علاك كيف يطال ومجدد الدين الحنيفي بعد ما ... درست معالمه وكاد يزال بالانكسار سموت أسنى منزل ... خضعت لعزة مجده الأقيال وعنت وجوه أولي الوجاهة خشعاً ... لما علاهم من سناك جلال توجت تاج كرامة ورفلت في ... حلل الصفا وثيابك الأسمال ووقفت في باب المليك فأوقفت ... في بابك الأقطاب والأبدال وبلغت من فلك الكمال سنامه ... فلك النجوم الشامخات نعال وحللت ذرة هام أشرف رتبة ... وخلال مجدك ما لهن مثال يا نجل صيد طاهرين أماجد ... بهم عن الأكوان زال وبال آباء صدق لا يرام علاهمو ... وهمو لفخر الأنبيا أنجال نص الكتاب أتى يخبر عنهمو ... بخصائل لم تحكهن خصال فتحوا قلوباً سكرت ونواظراً ... عميت وأسماعاً لها أفعال عنهم روينا المكرمات ومنهمو ... وعليهمو كل الأنام عيال

стр. 423

وإليهمو الأرواح حنت حيث لو ... لاهم لما كانت لها أوصال لا غرو يا ابن الأوصياء إذا غدت ... عن وصف ذاتك تقصر الأقوال أوتيت فهماً في الكتاب وحكمة ... ومكانة بالسعي ليس تنال ونطقت في مهد الطفولة منبئاً ... بعلاك قولاً ما به: أيقال؟ وعليك مائدة المواهب أنزلت ... فغدت تفصل ما به إجمال فحكيت روح الله يا روح العلا ... وسناك نسخته وأنت مثال والنار قد خمدت لذكرك واغتدى ... بكمو سلاماً حرها القتال والشائل العجفاء درت عندما ... فازت بلثم يد نداها خال ولنخلة الجرعا أشرت فأذعنت ... وسعت إليك يسوقها إرقال وكذاك أسماكٌ ببصرة أبصرت ... ذاك البهاء فأقبلت تنثال من مثل هذا الوارث النبوي من ... صبت عليه من العلوم سجال أخلاق حضرة جده أخلاقه ... وكذا له أحواله الأحوال وشعاره آدابه ودثاره ... آثاره وفعاله الأفعال وطريقه أن تخلع الكونين مع ... أدب يزين بهاءه الإذلال وطريقه صدق وفقر دائم ... وخلائق تزهو بها الأعمال وطريقه جد بلا كسل فلا ... قيل لديه بنافع أو قال أنى أحيط بوصف ذات قدست ... إذ ليس تقدر قدرها الأقوال أعيت مناقبها الفصيح وأخرس ... المنطيق عنها واستحى القوال لكن أردت بأن أفوز بخدمة ... لكمو ليخدمني بها الإقبال

стр. 424

ولقد لجأت لكم بخير وسيلة ... بخؤولة ما شانها إشكال يحلو مكررها بكم وقد انتهت ... للأكرمين ومن هم الأقيال تنمى لأشرفهم بني النجار خلان النبي وهم له أخوال وصلت بأحكمهم أبي أيوب من ... نزل النبي ببيته والآل إن ابن أخت القوم إن يك منهم ... فكذاك في حكم القياس الخال وأنا ابن أخت مثل ما أني لكم ... خال فلي بقرابتي إدلال وعبيدكم حقاً ومولى القوم منهم جاءنا بصريح ذا الأنفال حضرة صاحب السماحة والسيادة السيد توفيق أفندي البكري نقيب السادة الأشراف بمحروسة مصر إمام اغترفت من بحر علمه علماء الأمصار، وهمام اعترفت بفضائله ذوو البصائر من الأفاضل والأبصار، أثمرت أغصان الأقلام بفرائد مآثره، وكشف له العرفان حجاب الستر عن محيا سرائره، له في كل فن مقام مشهور، وفي كل علم علم منشور، وله شعر منظوم نظم الكواكب

стр. 425

في السحر، ونثر منثور نثر اللآلىء والدرر، فلا ريب أنه قلد جيد الدهر بعقود حلاه، وشيد ربوع المجد بنوامي فضله وعلاه، فهو الذي استوى على عرش الفنون، واحتوى على ما تلذ به الأسماع وتقر به العيون. وفي عام ألف وثلاثمائة وخمسة عشر حينما قامت الحرب بين الدولة العلية واليونان، وكانت طليعة النصر تحت إمرة السلطان عبد الحميد خان، فهنأه المترجم بهذه القصيدة،، المقدمة لذاته السعيدة: أما ويمين الله حلفة مقسم ... لقد قمت بالإسلام عن كل مسلم فلولاك بعد الله أمست دياره ... بأيدي الأعادي مثل نهب مقسم لقد سر هذا النصر قبراً بطيبة ... وبيتاً ثوى عند الحطيم وزمزم فحيا أمير المؤمنين وملكه ... ثناء البرايا من فصيح وأعجم إمام له في آل عثمان لحمة ... تبحبح منها في الذرى والمقدم خليفة صدق يسبق الوعد جوده ... كما انهل قبل البرق ميزاب مرهم يسوس الرعايا والبلاد بحكمة ... أقامت لدى نهج من الحق أقوم ويقطع أقران الأمور بفيصل ... من الرأي يحكي منه ضربة مخذم رمى الروم لما أن عتوا بكتيبة ... تميل بأعطاف الوشيج المقوم وأعطاهموا سلماً فلما تألبوا ... لشر غدوا ما بين أنياب ضيغم ومد لهم في الحم باعاً رحيبة ... فزادوا طماحاً في عتو وملأم كذاك مرار النبت أن ما سقيته ... من العذب يزدد طعم صاب وعلقم وزجوا جموعاً كالدبى في عديدها ... فألقاهموا في جوف دهياء صيلم أسال فجاج الأرض بالجند يلتوي ... كأغدرة الوديان في كل مخرم

стр. 426

يموج به الماذي في رونق الضحى ... كما ماج لج بين أرحاء عيلم فمن كل صنديد ثبيت مشيع ... سبوق إلى الغايات أحوس مجذم يرى أن في بذل النفوس صيانة ... النفوس وأن قد يحقن الدم بالدم ومن كل ذيال كان هويه ... هوي شهاب أو عقاب محوم ومن كل حصداء دلاص كأنها ... على عاتق الأجناد بردة أرقم وبيض كلون الملح لكن متونها ... كنمل على نهر من الماء عوم وسود جثي كالإكام دوافع ... بحمر كأشباه الصواعق رجم وجأواء حرى كالوطيس أقامها ... عليهم فكانت كالفضاء المحتم كأن النصال البيض وسط عجاجها ... شرار تعالى في دخان مخيم يطير قشاري الحديد بأفقها ... بحبل وتين أو بكفٍ ومعصم فلا شيء فيا غير ضرب مفلق ... لهام ورمي مثل تهطال مرزم

стр. 427

وطعن دراك يسبق الحس للردى ... فليس وإن أفنى النفوس بمؤلم أمال بلا ريسا عروش عداته ... وأشرق من فرسالة الأرض بالدم كأن الأكام الأدم لما تصبغت ... به أنبتت نبتي شقيق وعندم ويوم ملسطينو أقام نعيهم ... بشعواء تنفي حدة المتغشرم فأصلاهمو ناراً فقوم درأهم ... كما قوم التثقيف معوج لهذم فأمسوا حديثاً في الأنام وعبرة ... وبادوا كطسم في البلاد وجرهم بيمن له قد أدرك النصر قائد ... رمى منه أكباد العداة بقشعم وسوف يدين المشرقان لملكه ... ويتلى اسمه في كل واد ومعلم ولا زال في علياء ثبت عمودها ... وأيامه ما بين عيد وموسم

стр. 428

حرف الثاء الشيخ ثعيلب بن سالم المصري الشهير بالفشني إمام توحد في الفضائل، وهمام تفرد بين الأفاضل، سار بسيرة ذوي العرفان، واشتهر اشتهار عطارد وكيوان، ولد سنة ألف ومائة وخمسين، وأخذ عن العلامة العزيزي، والعلامة العشماوي، والعلامة الجوهري، وعن غيرهم من السادة الأعاظم، والقادة الأكارم، وانتفع وساد، ونفع وأجاد، ولم يزل على حال حسن، إلى أن دعي إلى نوال المنن. وذلك سنة ألف ومائتين وإحدى وأربعين رحمه الله تعالى. ثويني بن عبد الله بن محمد بن مانع القرشي الهاشمي العلوي الشبيبي تولى مشيخة المنتفق كما تولاها أبوه وجده، وكان أحد أجواد العرب المشهورين، وكان له في حكومته أيام تعد غرراً في جبهة الدهر، منها دبى كربى الموضع القريب من البصرة، وذلك أن كعباً غزا أخاه صقراً بجيش عرمرم، فصدمهم وكسرهم تجاهه، وكان هو الآمر الناهي في ذلك اليوم، إلى أن ملأ الفضاء بجثث القتلى من قبائل كعب الروافض، ومن ذلك اليوم وهم في ذل تحت المنتفق. ومن أيام المترجم الشاهدة له بالشجاعة والإقدام يوم ضجعة، والعوام تحرفه فتقول جضعة، وسببه أن عبد المحسن بن سياج لما اشتاقت نفسه لغزو بني خالد شيوخ الحسا، قصد المترجم ليساعده، وينجده على مرامه فساعده المترجم بما يقدر عليه من الرمح والسيف والمال والجسم والجاه، وشيخ بني خالد إذ ذاك سعدون

стр. 429

ابن عرعر، أحد المشهورين بمحاسن الشيم، فلما تحقق مساعدة المترجم، أمر شجعانه أن يشنوا الغارات على عرب المترجم بعد أن أنذر المترجم وخوفه من قتاله وشجعانه، فلما رأى المترجم عازماً على القتال والمساعدة، وكان قد ذهب الصيف وجاء الشتاء، جهز كل منهما عساكره والتقيا في أرض بني خالد، ومضى على ذلك أيام وهم في جلاد وطعان، من الصباح إلى الليل، إلى أن امتطى الخيانة بعض قبائل سعدون، فهرب سعدون هو وأتباعه، وتولى المترجم على بيوتهم ومحلاتهم. ولا زال يترقى مقامه، وتحسن به أيامه، إلى أن نزل في بعض غزواته ماءً يسمى الشباك، فنصبت له هناك خيمة صغيرة وجماعته مشتغلون بمصالح نزولهم في ذلك المكان، فجاءه رجل من أعدائه يقال طعيس العبد، فطعنه بحربة كان بها انتهاء أجله، فانتبه جماعته لذلك، وقبضوا على طعيس وجرعوه كؤوس المنية، وألقوه جيفة للكلاب، ودفن المترجم في جزيرة العمائر، وذلك عام ألف ومائتين واثني عشر رحمه الله تعالى.

стр. 430

حرف الجيم الشيخ جمال الدين بن الشيخ محمد سعيد بن الشيخ قاسم المعروف بالحلاق نبيل عذبت نفسه صفاء ووفاء، ونبيه ملئت شيمته سخاء واحتفاء، تفتحت كمائم رويته عن زهر المعاني، وتوشحت حدائق معارفه بحرز الأماني، مع أدب زرت على الكمال جيوبه، ولطف هبت بعرف الجمال صباه وجنوبه، ونظم قد انتثرت من فرائده عقود الدرر، ونثر قد انتظمت من فوائده الغرر، وقد لبس حلة الحياء فهي دثاره، وجلس على مرقاة الارتقاء التي هي شعاره، فلم تبرح روضة نباهته الزاهية يانعة الأزهار، وغيضة بلاغته الباهية منبت ثمرات الأفكار، وإنه منذ تنسك تمسك بأذيال السنة والكتاب، وعمل بآداب السنة المطهرة وسنة الآداب، فمذهبه مذهب السلف الصالح، ومسلكه مسلك الفريق الراجح. ولد في ثامن شهر جمادى الأولى سنة ألف ومائتين وثلاث وثمانين، من هجرة السيد الأمين. ثم بعد التمييز قرأ القرآن وجوده، وحضر دروس العلوم بهمة جيدة، ولم يزل مجافياً في طلبه اللذة وطيب الرقاد، إلى أن بلغ المقصود والمراد، فأجاز له الكثير من الأفاضل، وشهدوا له في خطوطهم بالفواضل والفضائل، فلعمري إنه ليكشف بذهنه الغامض الذي أحاط به الخفا، ويعرف رسم المشكل وإن كان قد عفا، ويبصر الخفيات بباصر فهمه، ويقصر حلها على إدراكه وعلمه. ومن نظمه قوله: جزى الله عنا الكتب خيراً فإنها ... تنم أحاديث الحبيب بلفظه

стр. 431

فموقعها أحلى من الماء الذي ... به ظمأ وقت الهجير وقيظه وقال: يا قلب صبراً على هجر الحبيب ولا ... تيأس من الوصل إن الله ذو فرج لك التأسي بمن ذاق الهوى ولوى ... عنه الحبيب وقد أضناه وهو شجي وقال: فرق الجميل على برق الجبين علا ... وعنبر الخال عن بر الوصال خلا مسكي شعر وتركي اللحاظ فكم ... ببارق الجيد منه البرق قد خجلا ياقوت مبسمه يفتر عن درر ... لا عيب فيه سوى كون اللما عسلا هيفاء قامته وطفاء مقلته ... حسناء طلعته كالبدر مكتملا لو أن بدر الدجى وافاه مبتسماً ... لظل منكسفاً من حسنه وجلا أو أن ريم الربى لاقاه ملتفتاً ... لسار مندهشاً من خصره ثملا ذاك الفريد الذي ما مثله رشأ ... قد راش من لحظه سهماً به قتلا مهفهف العطف زاهي الطرف أحوره ... كم جاد ظرفاً ولكن بالوفا بخلا يا منية القلب ما للصب عنك غنى ... فإن عطفت فحظ العبد قد كملا وقال: زعم الناس بأني مذهبي يدعى الجمالي وإليه حينما أفتي الورى أعزو مقالي لا وعمر الحق إني ... سلفي الانتحال مذهبي ما في كتاب الله ربي المتعالي ثم ما صح من الأخبا ... ر لا قيل وقال أقتفي الحق ولا ... أرضى بآراء الرجال وأرى التقليد جهلاً ... وعمى في كل حال

стр. 432

وقال: أقول كما قال الأئمة قبلنا ... صحيح حديث المصطفى هو مذهبي ألبس ثوب القيل والقال بالياً ... ولا أتحلى بالرداء المذهب وقال: زعموا بأن من اقتفى الآثارا ... أولى الذين تقدموا الإنكارا كلا فأجر الاجتهاد لهم سوى ... متعصب يتأول الأخبارا وكتب لي ملغزاً: يا من لحل عويص المشكلات درى ... وبحر آدابه يروي لنا دررا ما اسم له أحرف تسع بظاهرها ... وتلك عشر إذا حققتها نظرا أضحى مسماه ذا شأن له شرف ... بأهله فغدا في الأرض مزدهرا فتاجه علم في الأرض منتشر ... والثان تصحيفه بعض البلاد يرى واثنان أوله فعل وقد أتيا ... لاسم الحكيم الذي في الحذق قد مهرا ثلاثة أول منه أتت علماً ... للعود واسماً لضد الجور قد ظهرا تصحيف ثالثه مع تلوه أتيا ... خلاف علم وفنا نفعه اشتهرا وثالث منه يأتي مثل خامسه ... ورابع منه يحكي سابعاً ذكرا وبعضه الظبي إن صحفته وإذا ... تركته فهو مما في الشتا كثرا وختمه هين في قلبه عمل ... فجد بمعناه يا شهماً جلا الفكرا فأجبته بقولي نظماً ثم نثراً: يا ذا الجمال الذي في اللفط قد بهرا ... وزادنا من سنا إيناسه غررا ألغزت فيما علا قدراً ومرتبة ... ورمت ما يزدري في حسنه القمرا إن الذي رمته قد حاز أوله ... قرآننا يدر هذا من قرا ودرى ذا أعجمي خلت عن مثله لغة الذين ... فاهوا بما أهل النهى سحرا لكن من رام يدري حسن بهجته ... لابد من نية في ختم ما ذكرا

стр. 433

أيها الخل الحبيب، والخدن الأديب الأريب، إن ما ألغزت فيه، وأردت إظهاره وبيان خوافيه، هو اسم لشيء علا، واشتهر قدره في الملا، ذي نهي وأمر، ومقام تهابه النفس في السر والجهر، وبهجة وزينة، وقوة متينة، ومنعة حصينة، أوله في القرآن في الجزء الأول، وآخره في السنة التي عليها المعول، ويطلق أوله وثانيه على رئيس معلوم، له بين ذويه تقدم في الدين والعلوم. وقد افرد الإله أوله اسماً في آخر كتاب، وإن كان من الأفعال ذات البناء لا الإعراب، وثالثه ورابعه يستعمل في صوت معروف، وإن كان بعضه في المجالس غير مألوف، وخامسه وسادسه قبيلة ومصدر يدل على الجوع، النافي للراحة والنوم والهجوع، وسابعه مع ثامنه بتوسط الأخير، يدل على النهي والزجر والتنفير، ومن اراد كشف استعاراته المكنية، فلابد له على المعتمد من نية، فبها يتم المطلوب، وينكشف المرام والمرغوب. انتهى. وقال مادحاً مختار الصحاح: لمختار الصحاح على الألبا ... عوارف حق أن ترعى وتشكر وإن كان الصحاح له أياد ... فللمختار فضل ليس ينكر وله أبيات كثيرة، وتعاليق فوائدها غزيرة، ورسائل لطيفة، وتحقيقات شريفة، أدام الله نفعه، وأحسن على الدوام صنعه. توفي رحمه الله تعالى مساء السبت الثالث والعشرين من جمادى الأولى عام ألف وثلاثمائة واثنين وثلاثين ودفن بباب الصغير.

стр. 434

السيد جمال الدين بن السيد صفتر الأفغاني قال تلميذه الشيخ محمد عبده المصري في ترجمة هذا الرجل الفاضل: الذي حملنا على ذكر شيء من سيرته ما رأيناه من تخالف الناس في أمره، وتباعد ما بينهم في معرفة حاله وتباين صوره في مخيلات اللاقفين لخبره، حتى كأنه حقيقة كلية تجلت في كل ذهن بما يلائمه، أو قوة روحية قامت

стр. 435

لكل نظر بشكل يشاكله، والرجل في صفاء جوهره، وزكاء مخبره، لم يصبه وهم الواهمين، ولم يمسسه حزر الخراصين. وإنا نذكر مجملاً من خبره، نرويه عن كمال الخبرة، وطول العشرة. هو من بيت عظيم في بلاد الأفغان ينمي نسبه إلى السيد علي الترمذي المحدث المشهور، ويرتقي إلى سيدنا الحسين بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. وآل هذا البيت عشيرة وافرة العدد، وتقيم في خطة كنر من أعمال كابل، تبعد عنها مسيرة ثلاثة أيام، ولهذه العشيرة منزلة علية في قلوب الأفغانيين، يجلونها رعاية لحرمة نسبها الشريف، وكانت لها سيادة على جزء من الأراضي الأفغانية تستقل بالحكم فيه، وإنما سلب الإمارة من أيديها دوست محمد خان جد الأمير الحالي، وأمر بنقل أبي السيد جمال الدين وبعض أعمامه إلى مدينة كابل. ولد المترجم المذكور السيد جمال الدين في قرية أسعد آباد من قرى كنرسنة أربع وخمسين ومائتين وألف، وانتقل بانتقال أبيه إلى مدينة كابل، وفي السنة الثامنة من عمره أجلس للتعلم، وعني والده بتربيته فأيد العناية به قوة في فطرته، وإشراق في قريحته، وذكاء في مدركته، فأخذ من بدايات العلوم، ولم يقف دون نهاياتها، تلقى علوماً جمة برع في جميعها فمنها العلوم العربية من نحو وصرف

стр. 436

ومعان وبيان وكتابة وتاريخ عام وخاص، ومنها علوم الشريعة من تفسير وحديث وفقه وأصول فقه وكلام وتصوف، ومنها علوم عقلية من منطق وحكمة عملية رياضية من حساب وهندسة وجبر وهيئة أفلاك، ومنها نظريات الطب والتشريح، أخذ جميع تلك الفنون عن أساتذة ماهرين، على الطريقة المعروفة في تلك البلاد، وعلى ما في الكتب الإسلامية المشهورة، واستكمل الغاية من دروسه في الثامنة عشرة من سنه، ثم عرض له سفر إلى البلاد الهندية، فأقام بها سنة وبضعة أشهر، ينظر في بعض العلوم الرياضية على الطريقة الأوربية الجديدة، وأتى بعد ذلك إلى الأقطار الحجازية لأداء فريضة الحج وطالت مدة سفره إليها نحو سنة، وهو ينتقل من بلد إلى بلد ومن قطر إلى قطر حتى وافى مكة المكرمة في سنة ثلاث وسبعين ومائتين وألف، فوقف على كثير من عادات الأمم التي مر بها في سياحته، واكتنه أخلاقهم، وأصاب من ذلك فوائد غزيرة، ثم رجع بعد أداء الفريضة إلى بلاده، ودخل في سلك رجال الحكومة على عهد الأمير دوست محمد خان، ولما زحف الأمير إلى هراة ليفتحها ويملكها على سلطان أحمد شاه صهره وابن عمه، سار السيد جمال الدين معه في جيشه، ولازمه مدة الحصار، إلى أن توفي الأمير وفتحت المدينة

стр. 437

بعد معاناة الحصر زمناً طويلاً، وتقلد الإمارة ولي عهدها شير علي خان سنة ثمانين ومائتين وألف، وأشار عليه وزيره محمد رفيق خان أن يقبض على إخوته خصوصاً من هو أكبر سناً منه ويعتقلهم، فإن لم يفعل سعوا بالناس إلى الفتنة وألبوهم للفساد، طلباً للاستبداد بالإمارة، وكان في جيش هراة من أخوة الأمير ثلاثة محمد أعظم ومحمد أسلم ومحمد أمين، وهوى الشيخ جمال الدين كان مع محمد أعظم، فلما أحسوا بتدبير الأمير، ومشورة الوزير، أسرعوا إلى الفرار، وتفرقوا إلى الولايات كل منهم ذهب إلى ولايته التي كان يليها من قبل أبيه ليعتصم بمنعته فيها، وطاشت بهم الفتن، واشتعلت نيران الحروب الداخلية، وبعد مجالدات عنيفة عظم أمر محمد أعظم وابن أخيه عبد الرحمن الأمير الحالي، وتغلبا على عاصمة المملكة، وأنقذا محمد أفضل والد عبد الرحمن من سجن قزنة، وسمياه أميراً على أفغانستان، ثم أدركه الموت بعد سنة، وقام على الإمارة بعده شقيقه محمد أعظم خان، وارتفعت منزلة الشيخ جمال الدين عنده، فأحله محل الوزير الأول، وعظمت ثقته به، فكان يلجأ لرأيه في العظائم وما دونها، على خلاف ما تعوده أمراء تلك البلاد من الاستبداد المطلق وعدم التعويل على رجال حكومتهم، وكادت تخلص حكومة الأفغان لمحمد أعظم بتدبير السيد جمال الدين، لولا سوء ظن الأمير بالأغلب من ذوي قرابته حمله على تفويض مهمات من الأعمال إلى أبنائه الأحداث، وهم خلو من التجربة عراة من الحنكة، فساق الطيش أحدهم وكان حاكماً في قندهار على منازلة عمه شير علي في هراة، ولم يكن له من الملك سواها، وظن الفتى أنه يظفر فينال عند أبيه حظوة فيرفعه على سائر إخوانه، فلما تلاقى مع جيش عمه دفعته الجراءة على الانفراد عن جيشه في مائتي جندي، واخترق بها صفوف أعدائه فأوقع الرعب في قلوبهم، وكادوا ينهزمون لولا ما االتفت يعقوب خان قائد شير علي، فوجد ذلك الغر المتهور منقطعاً عن جيشه، فكر عليه وأخذه أسيراً،

стр. 438

فتشتت جند قندهار، وقوي الأمل عند شير علي، فحمل على قندهار واستولى عليها، وعادت الحرب إلى شبابها، وعضد الإنكليز شير علي، وبذلوا لها قناطير من الذهب، ففرقها في الرؤساء والعاملين لمحمد أعظم، فبيعت أمانات ونقضت عهود، وجددت خيانات. وبعد حروب هائلة تغلب شير علي وانهزم محمد أعظم، وابن أخيه عبد الرحمن، فذهب عبد الرحمن إلى بخارى، وعاد اليوم إلى بلاده وهو أميرها، وذهب محمد أعظم إلى بلاد إيران، ومات بعد أشهر في مدينة نيسابور، وبقي السيد جمال الدين في كابل لم يمسه الأمير بسوء، احتراماً لعشيرته وخوف انتقاض العامة عليه حمية لآل البيت النبوي، إلا أنه لم ينصرف عن الاحتيال للغدر به والانتقام منه بوجه يلتبس على الناس حقه بباطله، ولهذا رأى السيد جمال الدي خيراً له أن يفارق بلاد الأفغان، فاستأذن للحج فأذن له على شرط أن لا يمر ببلاد إيران، كيلا يلتقي فيها بمحمد أعظم، وكان لم يمت، فارتحل على طريق الهند سنة خمس وثمانين ومائتين وألف، بعد هزيمة محمد أعظم بثلاثة أشهر، ولما وصل إلى التخوم الهندية تلقته حكومة الهند بحفاوة في إجلال، إلا أنها لم تسمح له بطول الإقامة في بلادها، ولم تأذن للعلماء في الاجتماع عليه إلا على عين من رجالها، فلم يقم أكثر من شهر، ثم سيرته من سواحل الهند في أحد مراكبها على نفقتها إلى السويس، فجاء إلى مصر وأقام بها نحو أربعين يوماً، تردد فيها على الجامع الأزهر، وخالطه كثير من طلبة العلم السوريين، ومالوا إليه كل الميل، وسألوه أن يقرأ لهم شرح الإظهار، فقرأ لهم بعضاً منه في بيته، ثم تحول عن الحجاز عزمه، وتعجل بالسفر إلى الآستانة، فبعد أيام من وصولها أمكنه ملاقاة الصدر الأعظم عالي باشا، ونزل منه منزلة الكرامة، وعرف له الصدر فضله، وأقبل عليه بما لم يسبق لمثله، وهو مع ذلك بزيه الأفغاني قباء وكساء وعمامة عجراء، وحومت عليه لفضله قلوب الأمراء والوزراء، وعلا ذكره بينهم، وتناقلوا الثناء على

стр. 439

علمه ودينه وأدبه، وهو غريب عن أزيائهم ولغتهم وعاداتهم، وبعد ستة أشهر سمي عضواً في مجلس المعارف، فأدى حق الاستقامة في آرائه، وأشار إلى طرق لتعميم المعارف لم يوافقه على الذهاب إليها رفقاؤه، ومن تلك الطرق ما أحفظ عليه قلب شيخ الإسلام لتلك الأوقات حسن فهمي أفندي، لأنها كانت تمس شيئاً من رزقه، فأرصد له العنت، حتى كان رمضان سنة سبع وثمانين ومائتين وألف، فرغب إليه مدير دار الفنون تحسين أفندي أن يلقي فيها خطاباً للحث على الصناعات، فاعتذر إليه بضعفه في اللغة التركية، فألح عليه تحسين أفندي، فأنشأ خطاباً طويلاً كتبه قبل إلقائه وعرضه على وزير المعارف، وكان صفوت باشا، وعلي شرواني زاده، وكان مشير الضابطية، وعلي دولتلو منيف باشا ناظر المعارف، وكان عضواً في مجلس المعارف، فاستحسنه كل مهم، وأطنب في مدحه، فلما كان اليوم المعين لاستماع الخطاب، تسارع الناس إلى دار الفنون، واحتفل له جم غفير من رجال أهل الحكومة وأعيان أهل العلم وأرباب المعارف، وحضر في الجمع معظم الوزراء، وصعد الشيخ جمال الدين على منبر الخطابة، وألقى ما كان أعده، وأرسل حسن أفندي فهمي أشعة نظره في تضاعيف الكلام ليصيب منه حجة للتمثيل به، وما كان يجدها لو طلب حقاً، ولكن كان الخطاب في تشبيه المعيشة الإنسانية ببدن حي، وأن كل صناعة بمنزلة عضو من ذلك البدن، تؤدي من المنفعة في المعيشة ما يؤديه العضو في البدن، فشبه الملك مثلاً بالمخ الذي هو مركز التدبير والإرادة، والحدادة بالعضد، والزراعة بالكبد، والملاحة بالرجلين، ومضى في سائر الصناعات والأعضاء حتى أتى على جميعها ببيان ضاف واف، ثم قال هذا ما يتألف منه جسم السعادة الإنسانية، ولا حياة لجسم إلا بروح، وروح هذا الجسم إما النبوة وإما الحكمة، ولكن يفرق بينهما بأن النبوة منحة إلهية لا تنالها يد الكاسب، يختص الله بها من يشاء من عباده، والله أعلم حيث يجعل رسالاته.

стр. 440

أما الحكمة فمما يكتسب بالفكر والنظر في المعلومات وبأن النبي معصوم من الخطأ، والحكيم يجوز عليه الخطأ بل يقع فيه، وأن أحكام النبوات آتية على ما في علم الله، لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، فالأخذ بها من فروض الإيمان، أما آراء الحكماء فليس على الذمم فرض اتباعها إلا من باب ما هو الأولى والأفضل، على شريطة أن لا تخالف الشرع الإلهي، هذا ما ذكره متعلقاً بالنبوة وهو منطبق على ما أجمع عليه علماء الشريعة الإسلامية، إلا أن حسن فهمي أفندي أقام من الحق باطلاً ليصيب غرضه من الانتقام، فأشاع أن الشيخ جمال الدين زعم أن النبوة صنعة، واحتج لتثبيت الإشاعة بأنه ذكر النبوة في خطاب يتعلق بالصناعة، وهكذا تكون حجج طلاب العنت، ثم أوعز إلى الوعاظ في المساجد أن يذكروا ذلك محفوفاً بالتفنيد والتنديد، فاهتم السيد جمال الدين للمدافعة عن نفسه وإثبات براءته مما رمي به، ورأى أن ذلك لا يكون إلا بمحاكمة شيخ الإسلام، وكيف يكون ذلك، واشتد في طلب المحاكمة وأخذت منه الحدة مبلغها، وأكثرت الجرائد من القول في المسألة، فمنها نصراء للشيخ جمال الدين، ومنها أعوان لشيخ الإسلام، فأشار بعض أصحاب السيد عليه أن يلزم السكون ويغضي على الكريهة، وطول الزمان يتكفل باضمحلال الإشاعات وضعف أثرها، فلم يقبل ولج في طلب المخاصمة، فعظم الأمر، وآل إلى صدور أمر الصدارة إليه بالجلاء عن الآستانة بضعة أشهر حتى تسكن الخواطر ويهدأ الاضطراب، ثم يعود إن شاء، ففارق الآستانة مظلوماً في حقه مغلوباً لحدته، وحمله بعض من كان معه على التحول إلى مصر، فجاء إليها في أول المحرم سنة ثمان وثمانين ومائتين وألف، هذا مجمل أمره في الآستانة، وما ذكره سليم العنجوري في شرح شعره المسمى سحر هاروت مما يخالف ذلك خلط من الباطل لا شائبة للحق فيه. ثم مال السيد جمال الدين إلى مصر على قصد التفرج بما يراه من مناظرها ومظاهرها، ولم تكن له عزيمة على

стр. 441

الإقامة بها، حتى لاقى صاحب الدولة رياض باشا فاستمالته مساعيه إلى المقام، وأجرت عليه الحكومة وظيفة ألف قرش مصري كل شهر نزلاً أكرمته به لا في مقابلة عمل، واهتدى إليه بعد الإقامة كثير من طلبة العلم، واستوروا زنده فأورى، واستفاضوا بحره ففاض دراً، وحملوه على تدريس الكتب فقرأ من الكتب العالية في فنون الكلام الأعلى والحكمة النظرية طبيعية وعقلية، وفي علم الهيئة الفلكية وعلم التصوف وعلم أصول الفقه الإسلامي، وكانت مدرسته بيته من أول ما ابتدأ إلى آخر ما اختتم، ولم يذهب إلى الأزهر مدرساً ولا يوماً واحداً، نعم كان يذهب إليه زائراً، وأغلب ما كان يزوره يوم الجمعة. فعظم أمر الرجل في نفوس طلاب العلوم، واستجزلوا فوائد الأخذ عنه، وأعجبوا بدينه وأدبه، وانطلقت الألسن بالثناء عليه، وانتشر صيته في الديار المصرية ثم وجه عنايته لحل عقل الأوهام عن قوائم العقول، فنشطت لذلك ألباب، واستضاءت بصائر، وحمل تلامذته على العمل في الكتابة وإنشاء الفصول الأدبية والحكمية والدينية، فاشتغلوا على نظره وبرعوا، وتقدم فن الكتابة في مصر بسعيه، وكان أرباب القلم في الديار المصرية القادرون على الإجادة في المواضع المختلفة منحصرين في عدد قليل، وما كنا نعرف منهم إلا عبد الله باشا فكري وخيري باشا، ومحمد بك سد حمد علي ضعف فيه، ومصطفى باشا وهبي على اختصاص فيه، ومن عدا هؤلاء فإما ساجعون في المراسلات الخاصة، وإما مصنفون في بعض الفنون العربية والفقهية، وما شاكل ذلك. ومن عشر سنوات نرى كتبة في القطر المصري لا يشق غبارهم، ولا يوطأ مضمارهم، وأغلبهم أحداث في السن، شيوخ في الصناعة، وما منهم إلا من أخذ عنه أو عن أحد تلامذته أو قلد المتصلين به، ومنكر ذلك مكابر، وللحق مدابر، هذا ما حسده عليه أقوام واتخذوا سبيلاً للطعن عليه من قراءته بعض الكتب الفلسفية، أخذاً بقول جماعة من المتأخرين في تحريم النظر

стр. 442

فيها، على أن القائلين بهذا القول لم يطلقوه، بل قيدوه بضعفاء العقول قصار النظر خشية على عقائدهم من الزيغ، أما الثابتون في إيمانهم فلهم النظر في علوم الأولين والآخرين، من موافقين لمذاهبهم أو مخالفين، فلا يزيدهم ذلك إلا بصيرة في دينهم، وقوة في يقينهم. ولنا في أئمة الملة الإسلامية ألف حجة تقوم على ما نقول، ولكن تمكن الحاسدون من نسبة ما أودعته كتب الفلاسفة إلى رأي هذا الرجل، وأذاعوا ذلك بين العامة، ثم أيدهم أخلاط من الناس من مذاهب مختلفة، كانوا يطرقون مجلسه فيسمعون ما لا يفهمون، ثم يحرفون في النقل عنه ولا يشعرون، غير أن هذا كله لم يؤثر في مقام الرجل من نفوس العقلاء العارفين بحاله، ولم يزل شأنه في ارتفاع، والقلوب عليه في اجتماع، إلى أن تولى خديوية مصر حضرة خديويها الحالي توفيق باشا، وكان السيد من المؤيدين لمقاصده، الناشرين لمحامده، إلا أن بعض المفسدين ومنهم مستر قيفيان قنصل انكلتزا الجنرال سعى فيه لدى الجناب الخديوي، ونقل المفسد عنه ما الله يعلم أنه بريء منه حتى غير قلب الخديوي عليه، فأصدر أمره بإخراجه من القطر المصري هو وتابعه أبو تراب، ففارق مصر إلى البلاد الهندية سنة ست وتسعين ومائتين وألف، وأقام بحيدر أباد الدكن، وفيها كتب رسالته التي ألفها في إبطال مذهب الدهريين وبيان مفاسدهم، وإثبات أن الدين أساس المدينة، والكفر فساد العمران. ولما كانت الفتنة الأخيرة دعي من حيدر أباد إلى كلكته، وألزمته حكومة الهند بالإقامة فيها، حتى انقضى أمر مصر وانتهت الحرب الإنكليزية، ثم أبيح له الذهاب إلى أي بلد شاء، فاختار الذهاب إلى أوربا، وأول مدينة صعد إليها مدينة لوندرا، أقام بها أياماً قلائل ثم انتقل عنها إلى باريز، وأقام بها ما يزيد على ثلاث سنوات. قال الشيخ محمد عبده: وافيناه في أثناء هذه المدة، ولما كلفته جميعة العروة الوثقى أن ينشىء جريدة تدعو المسلمين إلى الوحدة تحت لواء الخلافة الإسلامية، أيدها الله، سألني أن أقوم على تحريرها فأجبت، ونشر من الجريدة ثمانية عشر عدداً، وقد أخذت من قلوب الشرقيين عموماً والمسلمين خصوصاً ما لم يأخذه قبلها وعظ واعظ ولا تنبيه منبه، وذلك لخلوص النية في تحريرها، وصحة المقصد في تحبيرها، ثم قامت الموانع دون الاستمرار في إصدارها حيث قفلت أبواب الهند عنها، واشتدت الحكومة الانكليزية في إعنات من تصل إليهم فيه، ثم بقي بعد ذلك مقيماً بأوربا أشهراً في باريز وأخرى في لندرا، إلى أوائل شهر جمادى الأولى سنة ثلاث وثلاثمائة وألف، وفيه رجع إلى البلاد الإيرانية، وسيذهب منها إلى أفغانستان. مصري هو وتابعه أبو تراب، ففارق مصر إلى البلاد الهندية سنة ست وتسعين ومائتين وألف، وأقام بحيدر أباد الدكن، وفيها كتب رسالته التي ألفها في إبطال مذهب الدهريين وبيان مفاسدهم، وإثبات أن الدين أساس المدينة، والكفر فساد العمران. ولما كانت الفتنة الأخيرة دعي من حيدر أباد إلى كلكته، وألزمته حكومة الهند بالإقامة فيها، حتى انقضى أمر مصر وانتهت الحرب الإنكليزية، ثم أبيح له الذهاب إلى أي بلد شاء، فاختار الذهاب إلى أوربا، وأول مدينة صعد إليها مدينة لوندرا، أقام بها أياماً قلائل ثم انتقل عنها إلى باريز، وأقام بها ما يزيد على ثلاث سنوات. قال الشيخ محمد عبده: وافيناه في أثناء هذه المدة، ولما كلفته جميعة العروة الوثقى أن ينشىء جريدة تدعو المسلمين إلى الوحدة تحت لواء الخلافة الإسلامية، أيدها الله، سألني أن أقوم على

стр. 443

تحريرها فأجبت، ونشر من الجريدة ثمانية عشر عدداً، وقد أخذت من قلوب الشرقيين عموماً والمسلمين خصوصاً ما لم يأخذه قبلها وعظ واعظ ولا تنبيه منبه، وذلك لخلوص النية في تحريرها، وصحة المقصد في تحبيرها، ثم قامت الموانع دون الاستمرار في إصدارها حيث قفلت أبواب الهند عنها، واشتدت الحكومة الانكليزية في إعنات من تصل إليهم فيه، ثم بقي بعد ذلك مقيماً بأوربا أشهراً في باريز وأخرى في لندرا، إلى أوائل شهر جمادى الأولى سنة ثلاث وثلاثمائة وألف، وفيه رجع إلى البلاد الإيرانية، وسيذهب منها إلى أفغانستان. أما مذهبه فحنيفي حنفي، وهو وإن لم يكن في عقيدته مقلداً لكنه لم يفارق السنة الصحيحة مع ميل إلى مذهب السادة الصوفية ﵃، وله مثابرة شديدة على أداء الفرائض في مذهبه، وعرف بذلك بين معاشريه في مصر أيام إقامته بها، ولا يأتي من الأعمال إلا ما يحل في مذهب إمامه، فهو أشد من رأيت في المحافظة على أصول مذهبه وفروعه. أما حميته الدينية فهي مما لا يساويه فيها أحد، يكاد يلتهب غيرة على الدين وأهله. أما مقصده السياسي الذي وجه إليه أفكاره، وأخذ على نفسه السعي إليه مدة حياته، وكل ما أصابه من البلاء أصابه في سبيله، فهو إنهاض دولة إسلامية من ضعتها، وتنبيهها للقيام على شؤونها، حتى تلحق الأمة بالأمم العزيزة، والدولة بالدول القوية فيعود للإسلام شأنه، وللدين الحنيفي مجده، ويدخل في هذا تنكيس دولة بريطانيا في الأقطار المشرقية، وتقليص ظلها عن رؤوس الطوائف الإسلامية، وله في عداوة الإنكليز شؤون يطول بيانها. وأما منزلته من العلم وغزارة المعارف، فليس يسهل على القلم حدها إلا بنوع من الإشارة إليها، وله سلطة قوية على دقائق المعاني وتحديدها وإبرازها في صورها اللائقة بها، كأن كل معنى قد خلق

стр. 444

له. وله قوة في حل المعضلات كأنه سلطان شديد البطش، فنظرة منه تفكك عقدها، ومهما ألقي إليه من موضوع، يدخل للبحث فيه كأنه صنع يديه، فيأتي على أطرافه، ويحيط بجميع أكنافه، ويكشف ستر الغموض عنه فيظهر المستور منه، وإذا تكلم في الفنون حكم فيها حكم الواضعين لها، ثم له في باب الشعريات قدرة على الاختراع، كأن ذهنه عالم الصنع والإبداع وله لسن في الجدل، وحذق في صناعة الحجة لا يلحقه فيها أحد، إلا أن يكون في الناس من لا نعرفه، وكفاك شاهداً على ذلك أنه ما خاصم أحداً إلا خصمه، ولا جادله عالم إلا ألزمه، وقد اعترف له الأروبيون بذلك، بعد ما أقر له الشرقيون. وبالجملة فإني لو قلت ما آتاه الله من قوة الذهن وسعة العقل ونفوذ البصيرة، هو من أقصى ما قدر لغير الأنبياء والمرسلين لكنت غير مبالغ، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. وأما أخلاقه فسلامة القلب سائدة في صفاته، وله حلم عظيم يسع ما شاء الله أن يسع، إلى أن يدنو منه أحد ليس شرفه أو دينه، فينقلب الحلم إلى غضب تنقض منه الشهب، فبينما هو حليم أواب، إذا هو أسد وثاب، وهو كريم يبذل ما بيده، قوي الاعتماد على الله، لا يبالي ما تأتي به صروف الدهر، عظيم الأمانة، سهل لمن لاينه، صعب على من خاشنه، طموح إلى مقصده السياسي الذي قدمناه، إذا لاحت له بارقة منه تعجل السير للوصول إليه، وكثيراً ما كان التعجل علة الحرمان، وهو قليل الحرص على الدنيا، بعيد من الغرور بزخارفها، ولوع بعظائم الأمور عزيف عن صغارها، شجاع مقدام لا يهاب الموت كأنه لا يعرفه، إلا أنه حديد المزاج وكثيراً ما هدمت الحدة ما رفعته الفطنة، إلا أنه صار اليوم في رسوخ الأطواد، وثبات الأفناد، فخور بنسبه إلى سيد المرسلين صلى الله

стр. 445

عليه وسلم، لا يعد لنفسه مزية أرفع ولا عزاً أمنع من كونه سلالة ذلك البيت الطاهر، وبالجملة ففضله كعلمه، والكمال لله وحده. وأما خلقه فهو يمثل لناظره عربياً محضاً من أهالي الحرمين، فكأنما قد حفظت له صورة آبائه الأولين من سكنة الحجاز حماه الله. ربعة في طوله وسط في بنيته، قمحي في لونه عصبي دموي في مزاجه، عظيم الرأس في اعتدال، عريض الجبهة في تناسب، واسع العينين عظيم الأحداق، ضخم الوجنات رحب الصدر، جليل في النظر، هش بش عند اللقاء، قد وفاه الله من كمال خلقه ما ينطبق على كمال خلقه، بقي علينا أن نذكر وصفاً لو سكتنا عنه سئلنا عن إغفاله، وهو أنه كان في مصر يتوسع في إتيان بعض المباحات كالجلوس في المنتزهات العامة، والأماكن المعدة لراحة المسافرين، وتفرج المحزونين، لكن مع غاية الحشمة وكمال الوقار، وكان مجلسه في تلك المواضع لا يخلو من الفوائد العلمية، فكان بعيداً من اللغو منزهاً من اللهو، وكان يوافيه فيها كثير من الأمراء وأرباب المقامات العالية وأهل العلم، وهذا الوصف ربما عده عليه بعض حاسديه، لكن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه، وأي غضاضة على المرء المؤمن في أن يفرج بعض همه بما أباح الله له. هذا مجمل من أحوال السيد جمال الدين الأفغاني أتينا به دفعاً لما افتراه عليه الجاهلون، ولو سلكنا في تاريخه مسلك التفصيل، لأدى بنا إلى التطويل، والله عنده حسن الصواب، وإليه المرجع والمآب. ولم يزل يتقلب على فرش النعم إلى أن نشبت به أظفار النقم، فقاسى من الأمراض شدة، ومضى عليه وهو على حالته مدة، إلى أن استوفى منيته في خامس شوال عام ألف وثلاثمائة وأربعة عشر من هجرة سيد أهل الكمال، ودفن في الآستانة العلية في المقبرة المعروفة بمقبرة المشايخ، أسكنه الله الجنة، وأوسع له في دار الكرامة المنة.

стр. 446

السيد جمال الدين بن المرحوم أحمد أفندي بن المرحوم يوسف أفندي المعروف بيوسف زاده شيخ الإسلام والمسلمين، وصفوة العلماء المتقنين، منحة الدنيا وتحفة الدهر، ودوحة الفضائل التي لم تدخل تحت حصر، من طلعت ذاته الشريفة في سماء الكمال بدرا، وانتشرت صفاته المنيفة فعطرت الأرجاء براً وبحراً، وتشنفت المسامع بصنوف نعوته الدرية، وتشرفت البدائع والبدائه بانتسابها إلى براعته العلية. هذا الذي قد فاز بالأماني ... وحاز قدراً ما له من ثان كأنه في ناظر الزمان ... إنسان عين الحسن والإحسان فلا ريب أنه كعبة المعالي، وحسنة محاسن الأيام والليالي، قد ولد هذا الفرد الكامل، والشهم الأوحد الجهبذ الفاضل، يوم الأربعاء تاسع جمادى الأولى سنة أربع وستين بعد المائتين والألف، وعين العناية والرعاية تحوطه من إمام وخلف، وفم الدهر ينادي، بين صاد وغادي: قرت عيون المجد والكمال ... بمن بدا في ذروة الكمال طالعة سعد السعود وله ... حظ ثوى في هامة المعالي بشرى لذا العصر به بشرى له ... يا فوزه ببغية الآمال ولم يزل بحمد الله ينمو، ويترقى على مدارج السيادة والسعادة ويسمو، إلى أن بلغ في العلوم والآداب مبلغ الأفاضل، ونبغ بين الخصوص والعموم في الشمائل وحسن الفضائل، وخدمته المناصب الداعية لترقيه إلى أعلى الرتب، فكان لها هذا المترجم نهاية الأمل وغاية الأرب، وحينما أشرقت بالعاصمة الإسلامية شمس علمه وآدابه، وزها نورها بباهر مظهر جنابه، وأسفر من خدر الفضل محيا صباحه، وظهر لنا من غرته بادر فلاحه ونجاحه، ورشحته المعارف لأعلى المناصب، ووشحته بوشاح التحلي بأثواب النفائس والرغائب، أجلسه سيدنا أمير المؤمنين السلطان عبد الحميد خان، على مهاد شيخة الإسلام بكل احترام وشان، وذلك في اليوم التاسع والعشرين من شهر محرم الحرام سنة ألف وثلاثمائة وتسع. فلا ريب

стр. 447

أنه أعطى القوس باريها، وقلد السهام من هو حاميها وراميها، وسلم الأمر لأهله، وفوضه لمن اعترف الكل بفضله، أحسن الله إليه وصانه؛ ورفع قدره في العالمين وأعلى شانه. الشيخ جاعد بن خميس بن مبارك الخروصي العماني إمام في المعارف كامل، وهمام في اللطائف والفضائل، قد ترجمه صاحب الحديقة، فقال في أوصافه الأنيقة: أشهد أنه العلم المفرد، والأجل ممن ركع وسجد، وهدى من ضل وأضل بعلومه وأرشد، فهو اليوم زعيم قومه، وكبيرهم الذي صغرت أقرانه لقصورهم عن المقابلة له في صلاته وصومه، تصانيفه دلائل الإعجاز، وتآليفه محشوة بمحاسن الحقيقة والمجاز. فمن لطائفه قوله: خذ هاك يا ابن الأكرمين كتابا ... يحيي القلوب ويفتح الأبوابا واظب على التعليم درساً بالعشا ... والليل، وافتح بالنهار كتابا وإذا أتيت إلى المدارس لا تكن ... عند المعلم لاهياً لعابا وكذاك طاعة والديك ففيهما ... بر تنال من الإله ثوابا توفي رحمه الله تعالى سنة ألف ومائتين ونيف وثلاثين. السيد جعفر بن السيد إسماعيل بن السيد زين العابدين بن محمد البرزنجي هو ممن رأس وعلا، ووكف جوده وحلا، وأعاد كاسد البدائع نافقاً، ومخالف الكمال بهديه موافقاً، ورث المجد عن سادة أكابر، لم يعرفوا إلا بالفضائل والمفاخر، والنسب الباهي الباهر، والحسب الزاهي

стр. 448

الزاهر، أحد علماء الحجاز، العامرين لأرجاء الحقيقة والمجاز، المتسلسلين بالمعارف والفضائل، والمتجملين باللطائف وأعلى الشمائل. حضر دروس العلماء الأعلام، إلى أن حصل على المراد والمرام. وفي سنة ألف ومائتين وثلاث وعشرين، خرج والده من المدينة الشريفة فساقته المقادير إلى بلاد الكرد من سواد العراق، فاجتمع بواليها عبد الرحمن باشا وكان من أهل العلم والفضل، وله محبة في العلماء زائدة، فأحب السيد إسماعيل المذكور، وأكرمه وأبقاه عند مبجلاً، وزوجه ابنته عائشة، وهي والدة المترجم، فاستمر والد المترجم مقيماً بتلك الأرض خمساً وأربعين سنة، معظماً محترماً. وفي مدة غيبيته كانت فتوى الشافعية بالمدينة المنورة لدى أولاد عمه. وفي سنة تسع وستين ومائتين وألف عزم والد المترجم على التوجه إلى وطنه، فتوجه في شهر رجب من السنة المذكورة، ولما وصل إلى مصر من طريق الشام، ترك المترجم في الجامع الأزهر، فأخذ عن علمائها المشهورين، وتوجه والده إلى دار السلطنة وامتدح المرحوم السلطان عبد المجيد بقصيدة سنية، فقلده منصب إفتاء الشافعية بالمدينة النبوية، على ساكنها أفضل الصلاة والتحية، ثم رجع إلى المدينة ودخلها في أوائل رجب سنة إحدى وسبعين ومائتين وألف. وقد أرخ رجوعه حضرة الفاضل المحترم الشيخ عبد الجليل أفندي برادة بقصيدة غراء مطلعها: الدهر أقبل بالمسرة يسعد ... ولنا بإنجاح المطالب ينجد إلى أن قال: ولطيبة قد عدت قلت مؤرخاً ... في بيت شعر بالمحاسن يفرد قد عاد جاراً للرسول محمد ... نجل نما والعود منه أحمد ثم بعد مدة نزل عن منصب الإفتاء لولده المترجم، فتقلدها سنة ألف ومائتين وثمان وسبعين قبل وفاة والده بنحو ثمانية أشهر، وجاء

стр. 449

تصديق ذلك من دار السلطنة العلية، وتردد المترجم إلى دار السلطنة مراراً، وقلد قضاء صنعاء خمس سنين آخرها شوال سنة ألف وثلاثمائة واثنتين. ثم جاء إلى مكة بأهله، وبعد أداء المناسك رجع إلى المدينة. وله مؤلفات جليلة، ومناقب جميلة، تشهد له بسمو مقامه، ونمو احترامه، أحسن الله إلينا وإليه اه. المرحوم السيد جعفر البيتي نابغة الأدب، الآتي من غرائب المحاسن بكل عجب، يملأ مسامعه بجذل وطرب، ويحلي أعطاف إفهامه بوشاح در وذهب، استكان له عصا الأدب وأطاعه، إذ رأى إحسانه له وإبداعه، مقلداً جيد أبكاره المصون، بمنظوم در بيانه المكنون، همام ألقت إليه الفصاحة مقاليدها، وملكته البلاغة طارفها وتليدها، فتصرف فيها بفكره الرصيف، وصرفها على وفق مراده بأحسن تصريف، فعنده من نوادر التحف كل آبدة، ومقيدة في صحف أفكاره كل شاردة، إن تكلم لم يترك كلاماً لغيره، وإن سار في طرق الإفادة فلله حسن سيره، كيف لا وهو خاتمة أهل الأدب بلا ريب، والمجمع على نزاهة تحريراته من الخلل والعيب، وتفننه في فنون العلوم، أمر ذائع معلوم، سلمت له في طول يده فيها كل أقرانه، وأقرت له بالفضل جهابذة أهل زمانه، فكم له من قطع إنشاءٍ كأنها قطع الروض الأزهر، أو قطع الشهب العنبر، مرقشة بنتف الأمثال، والتحف التي ليس لها مثال،

стр. 450

ومن لمع نظم أرفع من الدر قدراً، وأضوع من المسك نشراً، إن تأملتها تجدها للنكت معدناً، ولخرد البدائع مسكناً. فمن نظمه الرقيق، المحاكي للزلال الممزوج بالرحيق، قوله: أبادني السقم لا عيني ولا أثري ... أظن ما عندكم علمي ولا خبري ما عندكم قلقي ما عندكم حرقي ... ما عندكم أرقي ما عندكم سهري ولا اطلعتم على صب تقلبه ... يد الصبابة بين الشوك والإبر ولا رعيتم مراعاتي لودكم ... ولا ذكرتم عهودي مثل مدكري أنا المشوق المعنى المستهام بكم ... حسبي جنوني بكم عزاً ومفتخري والنار لا نار إلا ما حوت كبدي ... ويلاه من حر نيراني ومن شرري يا نازلين حمى نجد ترابكم ... أعزه الله من عيني ومن نظري لولاكم لم يكن في نجد لي أرب ... ولم يكن نجد من قصدي ولا وطري ومن غرر قصائده الباهرة، المخجلة للأنجم الزاهرة قوله: حمامك في الحمى يا صاح صاحا ... فحي على الصبوح وعم صباحا عهودي بالطلا طالت وإني ... سئمت وحقك الماء القراحا تقدم للشمول ولم شملي ... ومن أقداحنا أجل القداحا تأمل في خيوط الفجر لاحت ... وأهمل عاذلي إن كان لاحا وعاجلنا فياقوت الحميا ... إذا طلعت عليه الشمس ساحا وقد قصت أيادي الحزن ريشي ... فأنبت بالمسرة لي جناحا أرح روحي براحك يا نديمي ... وراوحني فإن الروح راحا وليل الصحو أظلم فاقتدح لي ... لأجل السكر بالقدح اقتداحا وقل لعويذلي دع لي فسادي ... فإني قد وهبت لك الصلاحا أدرها من عصير ورود خد ... شقيقاً ضمنت ثغراً أقاحا

стр. 451

يريك حبابها اثني عشر عيناً ... فتعلم مشرباً لك واصطباحا يطوف بها علي اغن غان ... تربع في الضمائر واستراحا رشا دلت مآثره عليه ... وحالي توضح الحال اتضاحا جوارش ريقه أفواح قلبي ... ومنه اعتضت معجوناً نجاحا بعيشك هل رأيت صنوف زهر ... على فرد من الأغصان لاحا يصادر بالنهود عن التشكي ... فألتزم التمائم والوشاحا ويعذل بالعيون وبالتثني ... فاعتنق الصوارم والرماحا إذا طعن الفؤاد برمح قد ... رأيت دمي من العبرات ساحا تنزه منه في بستان حسن ... ترى في صدره التفاح فاحا ومزق لي فؤادك يا ابن ودي ... معي عشقاً ووجداً وافتضاحا على خلع العذار كتبت عهدي ... وغي قد أبى إلا جماحا فلا تعتب إذا ما طاش حلمي ... فقد أبصرت أردافاً رجاحا وحبي شاهدت عيناي فيه ... صنوف الحسن أجمع والملاحا حبيب مذ طرحت سلاح جهدي ... وصبري دونه حمل السلاحا وجد لقتلتي بحديد طرف ... لأول نظرة كانت مزاحا فيا لك نظرة ملئت نصالاً ... ومهجة عاشق ملأت جراحا إذا غنى الحمام هوى تغنى ... ومهما ناح للأحزان ناحا تساكرنا به نرجوه سكراً ... وذاك ألذ ممن قد تصاحى ولا نوفيه حقاً في التصابي ... ومن ذا في الصبا يوفي الصباحا وله من قصيدة عارض بها قصيدة فتح بن النحاس رأى البق من كل الجهات فراعه ... فلا تنكروا تحكيكه والتياعه ولا تسألوني كيف بت فإنني ... لقيت عذاباً لا أطيق دفاعه نزلنا بمرسى ينبع البحر مرة ... على غير رأي ما علمنا طباعه نقارع من جند البعوض كتائباً ... وفرسان ناموس عدمنا قراعه

стр. 452

فلو عاينت عيناك ميدان ركضه ... رأيت جريء القلب فيه شجاعه وجنداً من الفيران في البيت كمنا ... متى وجدوا خرقاً أحبوا اتساعه وسرية قمل تنبري إثر سرية ... خفافاً إلى مص الدماء سراعه ينازعها البرغوث لحماً فليته ... رضي بتلافي واكتفينا انتزاعه فلو يجد الملسوع من عظم ما به ... من الصخر درعاً لاستخار ادراعه فرب قميص كان شراً من العرى ... إذا ضمه الملتاع زاد التياعه كأني وكيل للبراغيث قائم ... أقيت له أيتامه وجياعه إذا شبع الملعون مج دماً على ... ثيابي فلا أحيا الإله شباعه فما رشنا بالدم إلا لسانه ... ولم تر عيني مكره وخداعه سلوا عن دمي سارى البعوض فإنني ... علمت يقيناً أنه قد أضاعه فلله جلد صار بالحك أجرباً ... أخاف عليه يا فلان انقشاعه فلا تعذلوا المسكين أن عيل صبره ... وأظهر من جور الزمان انفجاعه فقد مارس الأهوال في أرض ينبع ... ووطأ فوق النائبات اضطجاعه زرعت العنا فيه يميناً ويسرة ... وصيرت صبري والتأسي ذراعه فأعدمني طول المقام تجلدي ... وكشف عن وجه اصطباري قناعه إذا رنم الناموس حولي أعلني ... وصدع قلبي سجعه وابتداعه وإن مص من لحمي وطار تبعته ... إلى فائت منه أرجي ارتجاعه عدمت غناء مثل أنغام سجعه ... فما كان أشنى سجعه وابتداعه ضعيف قوي لا يقر من الأذى ... وأضعف منه من يرجي اصطناعه وكم نفذت في دفعة كل حيلة ... ولو كان بالحسنى طلبت اندفاعه فيا لأصيحابي اقتلوني ومالكاً ... فقد مد نحوي مفسد البق باعه

стр. 453

حجليلان بن عليان من قبيلة من تميم وهو بضم الحاء وفتح الجيم رجل شديد جسور ذو دهاء ورأي، وكان صاحب بلدة بريدة وأميرها، ولما ارتحل إبراهيم باشا المصري من عنيزة حينما غزا الوهابين قصد بريدة فأظهر أميرها المترجم المرقوم الطاعة، وكان على خلاف عقيدة الوهابيين وإن كان لدهائه مظهراً أنه منهم لأمور سياسية دعته لذلك، وكان إذا رأى غريباً يقوم بلوازمه ومصالحه وحمايته وجميع ما يحتاج إليه، وكان ذا دين وصلاح وعبادة واستقامة وحسن سيرة وسريرة، وأوصاف جميلة يحمد عليها بين ذويه وأمثاله، توفي ﵀ سنة ألف ومائتين وثلاث وثلاثين في بريدة. جودت باشا بن الحاج إسماعيل آغا ناظر العدلية العثمانية الوزير الكبير، والمشير الخطير، عمدة الأعيان، ونخبة الأركان، وحبر المعارف، وبحر العوارف، ونصل الصواب، بفصل الخطاب، ولد في قصبة لوفجه من بلغاريا وكان أبوه المومأ إليه، ممن يعتمد بها عليه، لأنه

стр. 454

حدقة إنسانهان وعين أعيانها، وركن مجلسها، وعائلته من أكرم العائلاة وأرأسها، وقد بذل المترجم همته، مذ نيطت عنه التمائم، بكسب المعالي ونيل المكارم، إلى أن صار للتلقي أهلاً، وللترقي مجلى، فجاء إلى الآستانة العلية، في أوائل سنة ألف ومائتين وخمس وخمسين هجرية، وكان ذلك في أواخر أيام السلطان محمود خان، فألف حاشية على الشافية لابن الحاجب وسماها غاية البيان فكانت حسب الواجب، وسلك مسالك العلوم العربية، وخاض بحار الفنون الأدبية، وأتقن من كل علم حقيقته ومجازه، وشهد له بالكمال شيوخه وكل منهم أذن له في التدريس وأجازه، ثم قرأ الفارسية وأتقنها، كما أنه حفظ اللغة العربية وأحسنها، وأما العلوم الرياضية والطبيعية وعلم المعقولات والسياسة، فلا ريب أن له فيها كمال التقدم والرئاسة، وفي سنة ألف ومائتين وإحدى وستين، وجهت إليه رتبة مدرس أول بين المدرسين، وتمم شرح ديوان الصاحب الجليل، الذي كان قد شرع في شرحه فهيم أفندي ومات قبل التكميل، وفي سنة ألف ومائتين وست وستين لما فيه من كمال الأهلية، صار عضواً في مجلس المعارف العمومية، وفي أيام المرحوم عباس باشا خديوي مصر، رافق فؤاد باشا في سفره إلى القاهرة ذات القدر، ثم بعد رجوعهما وجهت إليه عضوية مجلس المعارف الداخلية، الذي أنشىء في دار السعادة العلية، ويوم فتحه قدمت إلى الحضرة الشاهانية، نسخة من القواعد التركية، التي اشترك هو وفؤاد باشا في تأليفها، واتقانها وتهذيبها وترصيفها، ثم ألف الرسالة المسماة بمدخل القواعد، ثم اختصرها وأجاد بما أراد من الفوائد، وفي سنة ألف ومائتين وسبعين

стр. 455

صدر قرار مجلس المعارف السنية، أن يؤلف تاريخاً محتوياً على وقائع الدولة العلية، فألف تاريخاً قد ارتاحت له النفوس واطمأنت، وهو عشر مجلدات بالتركية قد تم وطبع واشتهر بتاريخ جودت، وفي سنة إحدى وسبعين وجهت عليه مولوية غلطة فصار من الموالي، وبعدها بسنة وجهت عليه باية مكة المشرفة ثم عضوية مجلس النظامات العالي، وفي أثناء ذلك أحيلت إليه رئاسة المجلس المقام لتنظيم القانون المتعلق بالأراضي المشهور، وهو الذي رتب مجموع قوانين الدولة العلية في ابتداء الأمر المسماة بالدستور، ثم بعد رجوعه من مأمورية التفتيش مع قبرصلي زاده محمد باشا الصدر الأعظم، وجهت إليه مأمورية فوق العادة فسار إلى اشقودره وأزال ما كان بها من كدر ولمم، ثم وجهت إليه رئاسة القومسيون الذي أقامه فؤاد باشا في أيام صدارته ذات المعالي، لأجل ترويج الإجراءات المبنية على الإنهاءات التي كان المفتشون العثمانيون في أناطولي وروم ايلي يرسلونها إلى الباب العالي، ثم صار مفتشاً في بوسنة ووجهت إليه باية صدارة أناطولي، وبعد أن رجع من بوسنة وعاد، سار بمأمورية مخصوصة إلى جبل قوزان وقبودار وكاور طاغ وجبل الأكراد، لأجل أمور سياسية، من تعلقات الدولة العلية، وفي سنة إحدى وثمانين ذهب إلى الاسكندرونة للنظر في

стр. 456

أحوالها، وإصلاح باديتها وجبالها، وفي ربيع السنة المذكورة وجهت إليه رتبة الوزارة السامية، وولاية حلب وكانت سيرته بها حسنة نامية، فأقام سنتين، ثم وجهت إليه رئاسة ديوان أحكام العدلية، وبعد سنتين تحولت إليه رئاسة جمعية العلماء لترتيب مجلة الأحكام المرعية، وبعد انفصاله اعتزل مدة عن الأشغال المهمات، ثم صار عضواً لشورى الدولة وعضواً في قومسيون مجلس الاصلاحات، ثم صار مأموراً في الولاية التي شكلت لترتيب ألوية بياس ومرعش وقوزان، ثم رجع إلى رئاسة قومسيون المجلة ذات الشان، ثم صار ناظر الأوقاف الهمايونية السلطانية، ثم وجهت إليه نظارة المعارف العمومية، ثم جعل معاون شورى الدولة العالية، ثم وجهت إليه ولاية ياينه ثم عاد لنظارة المعارف السامية، ثم وجهت إليه نظارة العدلية المنيفة، ثم وجهت إليه ولاية سورية الشريفة، ثم رجع الآستانة العلية، وتقلب في نظارات مختلفة سنية، ثم صار ناظر العدلية الجليلة مع حيازته على معالي الاقتراب، وفي رمضان عام ألف وثلاثمائة وسبعة انفصلت عنه لأمور خفية الأسباب، وبقي عضواً في المجلس الخاص، معدوداً من الأعيان والخواص، إلى أن توفي في الآستانة عام ألف وثلاثمائة واثني عشر ودفن بها ﵀. توفي في الآستانة عام ألف وثلاثمائة واثني عشر ودفن بها ﵀.

стр. 457

حرف الحاء الشيخ حامد بن أحمد بن عبيد العطار الشافعي الأشعري الدمشقي فاضل العلماء، وعالم الفضلاء، وإمام السادة الدمشقية، وهمام القادة العلمية، مرجع الخاص والعام، ومجمع الجهابذة الأعلام، شيخ الجميع في زمانه. ومقتدي العموم في وقته وأوانه، وصاحب الدرجة العالية، والمرتبة الرفيعة السامية، فهو من الممتطين مطايا المعالي، والمتحلين بحلل الهمم العوالي، ولد بدمشق سنة ست وثمانين ومائة وألف، ونشأ في حجر والده وليس له غير الاستفادة من إلف، فكان من دأبه الطاعة والعبادة، والتقوى والزهادة، والجد في طلب العلوم، والاجتهاد في تحقيق المنطوق والمفهوم، وقد أخذ عن عدة مشايخ، ما منهم إلا وهو في العلم جبل راسخ، فمنهم والده الشهاب أحمد العطار، ومنهم الإمام الشيخ أحمد الرحمتي المشهور في الأقطار، ومنهم عالم الديار الشامية الشيخ محمد الكزبري، وغيرهم ممن هو بكل فضيلة حقيق وحري، إلى أن صار صدر الشريعة والدين، ناشراً بتحقيقه طي العلم بالكشف المبين، جامعاً لصحيح حديث الفضائل، آتياً بتدقيقه بما لم تستطعه الأوائل، فلعمري إنه لهو العلامة المحقق المفضال، والمحدث الناقد البصير المعروف بكل كمال، والجامع أشتات الفضائل، والمسارع لأضواء جميع الشمائل، من انعقد الإجماع على أنه فخر المحققين قديماً وحديثاً، وصدر المدققين فقهاً وتوحيداً وتفسيراً وحديثاً، وكان في علم الحقيقة أستاذاً، وفي إرشاد الطريقة ملاذاً، ولا شك أنه اشتهر في العلم أي اشتهار، وكان في عصره كالشمس في رابعة النهار، وكان يقرأ صحيح الإمام البخاري في تكية السلطان سليمان خان، كل صباح خميس من رجب وشعبان، فيجتمع في درسه الأعيان والعلماء، والأكابر والفضلاء، وكانت قراءته له بعد والده المرحوم الشيخ أحمدالعطار، المنتقل إليه بعد وفاة علي أفندي الداغستاني، الذي سار صيته في الأقطار وطار، المنتقل إليه بعد وفاة علي أفندي المرادي ذي القدر والشان، إلا أن علي أفندي المرقوم كان يقرأ الهداية في هذا المكان، في فقه الإمام الأعظم قدس الله سره، وأولاه

стр. 458

لديه كل بشر ومسرة، وكان يقرأ بقية دروسه تارة في داره وتارة في جامع بني أمية، ولدروسه طلاوة وحلاوة وشهرة قوية، وفي سنة اثنتين وستين ومائتين وألف قصد حج بيت الله الحرام، وزيارة سيدنا محمد سيد الأنام، ولما وصل إلى قلعة القطرانة وهو راجع من البلاد الحجازية، ثم أجله ونشبت به أظفار المنية، ودفن بها وقبره ظاهر مشهور، جمعنا الله به في دار المسرة والحبور، آمين. حجليلان بن عليان من قبيلة من تميم وهو بضم الحاء وفتح الجيم الشيخ حسن بن إبراهيم بن حسن بن محمد بن حسن ابن إبراهيم بن عبد الله الشهير بالبيطار الشافعي الأشعري النقشبندي الدمشقي ولادة وقراءة، الميداني إقامة ومدفناً، الوالد الأعظم، والسيد الأفخم والأكرم، والعالم النحرير، والمدقق الخبير، شافعي زمانه، وألمعي أوانه، الجامع بين العلوم العقلية والنقلية، والمقتدي بالكتاب العزيز والسنة المحمدية، بحر العلوم والمعارف، الشارب من أطيب مناهل العرفان واللطائف، الآخذ بعزائم العبادة، والجاعل التقوى إلى الآخرة زاده، الصوفي النقي الصالح، والزاهد التقي العابد الناجح، من أطبق الناس على فضله، واقتدى العموم بصدق قوله وفعله، إن نطق رأيت البيان متسرباً من لسانه، وأدركت من بيانه تمام عرفانه، حوى الكمالات وحازها، وتحقق حقائق العلوم ومجازها، فالفضل حشو ابراده، والنبل تلو إصداره وإيراده، مع نفس عذبت صفاء، وشيمة ملئت وفاء، ومذهب صفا صفاء التبر، وخلص من شوائب الخيلاء والكبر، وسعى لكل نجح، واستوى على ذروة التحصيل والربح، وأدبٍ

стр. 459

زرت على صدر السنة جيوبه، وهبت بعرف النفس المطمئنة صباه وجنوبه. ولد رضي الله تعالى عنه أثناء سنة ست ومائتين وألف، وشب في حجر والده، ويد العناية والرعاية تجذبه إلى أسنى مقاصده، وحينما بلغ سن التمييز وجهه والده لتعليم القرآن العزيز، عند الفاضل الكامل، والعالم العامل، الشيخ فتح الله أفندي فقرأ القرآن، ثم حفظه على تمام الإتقان، إلى أن صار يعتمد عليه فيه، ويطلب منه ما استتر من مشكلاته وخوافيه، وكان مواظباً على تلاوة آياته، في غالب أوقاته، وتفقه على علامة وقته الشيخ صالح الزجاج، والشيخ حسن العطار المصري الأزهري، والشيخ عبد الله الكردي، وغيرهم مما هو مذكور في ثبته، وقرأ كثيراً من العلوم الآلية والشرعية، على من تقدم وعلى سادة ذوي مقامات علية، وشهرة سنية، منهم علامة العلماء وفهامة القادة الفضلاء، الشيخ خالد الحضرة النقشبندي والشيخ عبد الرحمن الكزبري والشيخ حامد العطار والشيخ نجيب القلعي والشيخ عبد الرسول المكي والشيخ عمر المجتهد والشيخ عبد الغني السقطي وغيرهم من العلماء الأعلام، والفضائل الكرام، ولا زال يترقى في مدارج العلوم، حتى استوى على عرش المنطوق منها والمفهوم، ويشار بحل المشكلات إليه، ويعتمد في عويصات المسائل عليه، واعترف له مشايخه بالإجادة، وألزموه بالتدريس والإفادة. ولما بلغ من العمر ثلاثين، طلبه أعيان أهل الميدان للقيام بوظائف الإمامة والخطبة والتدريس والتعليم في جامع كريم الدين، فتمنع جهده، وأظهر أن مطلوبهم ليس عنده، فاستعانوا عليه بشيوخه، واجتهدوا في طلبهم له لما يعلمون من تمكنه في العلم ورسوخه، فأجاب دعوة شيوخه في

стр. 460

الحال، وقابل الأمر بالامتثال، وانتقل بعياله ومتاعه إلى الميدان، سنة ألف ومائتين وست وثلاثين وكان لهم به من الحظوة والسرور ما كان، فانقاد له الكبير والصغير، وأحبه الجليل والحقير، وقدموه على الملك والمال، والأهل والعيال، وكان هو لهم بمنزلة الوالد والشقيق، والرفيق الرفيق، يجل كبيرهم، ويرحم صغيرهم، ويعظهم بما ينفع، ويذب عنهم الأذى جهده ويدفع. ومما وقع له من الأمور الغريبة، والحوادث النادرة العجيبة، أنه في سنة اثنتين وستين ومائتين وألف في رمضان، كان جالساً في حجرته قبيل الزوال يتدارس القرآن مع أحد أولاده، إذ جاءه رسول القاضي فقال له: إن القاضي يرومك فبادر لمراده، فقام ممتثلاً، وللإجابة مستعجلاً، فلما دخل عليه، نظر القاضي بعين المقت إليه، وقال له أنت الذي قد استملت الناس إليك، حتى صاروا لا يعتمدون في مصالحهم إلا عليك، وإن السلطان قد وجه حاكماً لمصالح العباد، وأنت قد حلت بيننا وبينها وهذا عدوان وفساد، وما زال يقرعه هو وأهل المحكمة، وينسبون إليه كل مفسدة ومظلمة، إلى أن أمر القاضي يحبسه في حبس الأشقياء الطغام، وقال له هذا جزاء من يتعرض لمصالح الحكام، ولم يصغ لقوله ولا لاعتذاره، بل كلما بالغ في تلطيفه بالغ في إنذاره، فاستدار حوله الأعوان، وأخذوه إلى الحبس وأسلموه للسجان، فدخل السجن وهو راض بالقدر، ليس في قلبه تغير ولا كدر، وجلس يتلو القرآن، وأهله وأولاده وعائلته ليس لهم خبر بهذا الطغيان، فما أذن العصر، إلا وقد شاع هذا الأمر، فقام الناس على ساق، وأظهروا حالة الخلاف والشقاق، ورعدت رعود الفتنة وسال سيلها، وانسحب على بهجة الأمن والركون ذيلها، وسدت الطرق من ورود الأفواج، حتى لم يبق لسالك من مسلك ولا لناهج من منهاج، وكل إنسان متقلد بأنواع السلاح، لا يصغي لعاذل ولا لاح، وكل من القاضي وأعوانه خال أنه بلغ مطلوبه، ونال من هذا الفاضل مرامه ومرغوبه، وأنه قد أدب فيه سواء، وجعله هدفاً لسهام من عداه، فلما صار الغروب توجه الناس لنصرة الدين أفواجاً، جاعلين ذلك لرضى مولاهم منهاجاً، فلما سمع القاضي بذلك، علم أنه أوقع نفسه بالمعاطب والمهالك، فندم حين
следующие страницы →