Полный текст (1 568 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
أحوالها، وإصلاح باديتها وجبالها، وفي ربيع السنة المذكورة وجهت إليه رتبة الوزارة السامية، وولاية حلب وكانت سيرته بها حسنة نامية، فأقام سنتين، ثم وجهت إليه رئاسة ديوان أحكام العدلية، وبعد سنتين تحولت إليه رئاسة جمعية العلماء لترتيب مجلة الأحكام المرعية، وبعد انفصاله اعتزل مدة عن الأشغال المهمات، ثم صار عضواً لشورى الدولة وعضواً في قومسيون مجلس الاصلاحات، ثم صار مأموراً في الولاية التي شكلت لترتيب ألوية بياس ومرعش وقوزان، ثم رجع إلى رئاسة قومسيون المجلة ذات الشان، ثم صار ناظر الأوقاف الهمايونية السلطانية، ثم وجهت إليه نظارة المعارف العمومية، ثم جعل معاون شورى الدولة العالية، ثم وجهت إليه ولاية ياينه ثم عاد لنظارة المعارف السامية، ثم وجهت إليه نظارة العدلية المنيفة، ثم وجهت إليه ولاية سورية الشريفة، ثم رجع الآستانة العلية، وتقلب في نظارات مختلفة سنية، ثم صار ناظر العدلية الجليلة مع حيازته على معالي الاقتراب، وفي رمضان عام ألف وثلاثمائة وسبعة انفصلت عنه لأمور خفية الأسباب، وبقي عضواً في المجلس الخاص، معدوداً من الأعيان والخواص، إلى
أن توفي في الآستانة عام ألف وثلاثمائة واثني عشر ودفن بها ﵀. توفي في الآستانة عام ألف وثلاثمائة واثني عشر ودفن بها ﵀.
стр. 457
حرف الحاء
الشيخ حامد بن أحمد بن عبيد العطار الشافعي الأشعري الدمشقي
فاضل العلماء، وعالم الفضلاء، وإمام السادة الدمشقية، وهمام القادة العلمية، مرجع الخاص والعام، ومجمع الجهابذة الأعلام، شيخ الجميع في زمانه. ومقتدي العموم في وقته وأوانه، وصاحب الدرجة العالية، والمرتبة الرفيعة السامية، فهو من الممتطين مطايا المعالي، والمتحلين بحلل الهمم العوالي، ولد بدمشق سنة ست وثمانين ومائة وألف، ونشأ في حجر والده وليس له غير الاستفادة من إلف، فكان من دأبه الطاعة والعبادة، والتقوى والزهادة، والجد في طلب العلوم، والاجتهاد في تحقيق المنطوق والمفهوم، وقد أخذ عن عدة مشايخ، ما منهم إلا وهو في العلم جبل راسخ، فمنهم والده الشهاب أحمد العطار، ومنهم الإمام الشيخ أحمد الرحمتي المشهور في الأقطار، ومنهم عالم الديار الشامية الشيخ محمد الكزبري، وغيرهم ممن هو بكل فضيلة حقيق وحري، إلى أن صار صدر الشريعة والدين، ناشراً بتحقيقه طي العلم بالكشف المبين، جامعاً لصحيح حديث الفضائل، آتياً بتدقيقه بما لم تستطعه الأوائل، فلعمري إنه لهو العلامة المحقق المفضال، والمحدث الناقد البصير المعروف بكل كمال، والجامع أشتات الفضائل، والمسارع لأضواء جميع الشمائل، من انعقد الإجماع على أنه فخر المحققين قديماً وحديثاً، وصدر المدققين فقهاً وتوحيداً وتفسيراً وحديثاً، وكان في علم الحقيقة أستاذاً، وفي إرشاد الطريقة ملاذاً، ولا شك أنه اشتهر في العلم أي اشتهار، وكان في عصره كالشمس في رابعة النهار، وكان يقرأ صحيح الإمام البخاري في تكية السلطان سليمان خان، كل صباح خميس من رجب وشعبان، فيجتمع في درسه الأعيان والعلماء، والأكابر والفضلاء، وكانت قراءته له بعد والده المرحوم الشيخ أحمدالعطار، المنتقل إليه بعد وفاة علي أفندي الداغستاني، الذي سار صيته في الأقطار وطار، المنتقل إليه بعد وفاة علي أفندي المرادي ذي القدر والشان، إلا أن علي أفندي المرقوم كان يقرأ الهداية في هذا المكان، في فقه الإمام الأعظم قدس الله سره، وأولاه
стр. 458
لديه كل بشر ومسرة، وكان يقرأ بقية دروسه تارة في داره وتارة في جامع بني أمية، ولدروسه طلاوة وحلاوة وشهرة قوية، وفي سنة اثنتين وستين ومائتين وألف قصد حج بيت الله الحرام، وزيارة سيدنا محمد سيد الأنام، ولما وصل إلى قلعة القطرانة وهو راجع من البلاد الحجازية، ثم أجله ونشبت به أظفار المنية، ودفن بها وقبره ظاهر مشهور، جمعنا الله به في دار المسرة والحبور، آمين.
حجليلان بن عليان من قبيلة من تميم وهو بضم الحاء وفتح الجيم
الشيخ حسن بن إبراهيم بن حسن بن محمد بن حسن ابن إبراهيم بن عبد الله الشهير بالبيطار
الشافعي الأشعري النقشبندي الدمشقي ولادة وقراءة، الميداني إقامة ومدفناً، الوالد الأعظم، والسيد الأفخم والأكرم، والعالم النحرير، والمدقق الخبير، شافعي زمانه، وألمعي أوانه، الجامع بين العلوم العقلية والنقلية، والمقتدي بالكتاب العزيز والسنة المحمدية، بحر العلوم والمعارف، الشارب من أطيب مناهل العرفان واللطائف، الآخذ بعزائم العبادة، والجاعل التقوى إلى الآخرة زاده، الصوفي النقي الصالح، والزاهد التقي العابد الناجح، من أطبق الناس على فضله، واقتدى العموم بصدق قوله وفعله، إن نطق رأيت البيان متسرباً من لسانه، وأدركت من بيانه تمام عرفانه، حوى الكمالات وحازها، وتحقق حقائق العلوم ومجازها، فالفضل حشو ابراده، والنبل تلو إصداره وإيراده، مع نفس عذبت صفاء، وشيمة ملئت وفاء، ومذهب صفا صفاء التبر، وخلص من شوائب الخيلاء والكبر، وسعى لكل نجح، واستوى على ذروة التحصيل والربح، وأدبٍ
стр. 459
زرت على صدر السنة جيوبه، وهبت بعرف النفس المطمئنة صباه وجنوبه.
ولد رضي الله تعالى عنه أثناء سنة ست ومائتين وألف، وشب في حجر والده، ويد العناية والرعاية تجذبه إلى أسنى مقاصده، وحينما بلغ سن التمييز وجهه والده لتعليم القرآن العزيز، عند الفاضل الكامل، والعالم العامل، الشيخ فتح الله أفندي فقرأ القرآن، ثم حفظه على تمام الإتقان، إلى أن صار يعتمد عليه فيه، ويطلب منه ما استتر من مشكلاته وخوافيه، وكان مواظباً على تلاوة آياته، في غالب أوقاته، وتفقه على علامة وقته الشيخ صالح الزجاج، والشيخ حسن العطار المصري الأزهري، والشيخ عبد الله الكردي، وغيرهم مما هو مذكور في ثبته، وقرأ كثيراً من العلوم الآلية والشرعية، على من تقدم وعلى سادة ذوي مقامات علية، وشهرة سنية، منهم علامة العلماء وفهامة القادة الفضلاء، الشيخ خالد الحضرة النقشبندي والشيخ عبد الرحمن الكزبري والشيخ حامد العطار والشيخ نجيب القلعي والشيخ عبد الرسول المكي والشيخ عمر المجتهد والشيخ عبد الغني السقطي وغيرهم من العلماء الأعلام، والفضائل الكرام، ولا زال يترقى في مدارج العلوم، حتى استوى على عرش المنطوق منها والمفهوم، ويشار بحل المشكلات إليه، ويعتمد في عويصات المسائل عليه، واعترف له مشايخه بالإجادة، وألزموه بالتدريس والإفادة.
ولما بلغ من العمر ثلاثين، طلبه أعيان أهل الميدان للقيام بوظائف الإمامة والخطبة والتدريس والتعليم في جامع كريم الدين، فتمنع جهده، وأظهر أن مطلوبهم ليس عنده، فاستعانوا عليه بشيوخه، واجتهدوا في طلبهم له لما يعلمون من تمكنه في العلم ورسوخه، فأجاب دعوة شيوخه في
стр. 460
الحال، وقابل الأمر بالامتثال، وانتقل بعياله ومتاعه إلى الميدان، سنة ألف ومائتين وست وثلاثين وكان لهم به من الحظوة والسرور ما كان، فانقاد له الكبير والصغير، وأحبه الجليل والحقير، وقدموه على الملك والمال، والأهل والعيال، وكان هو لهم بمنزلة الوالد والشقيق، والرفيق الرفيق، يجل كبيرهم، ويرحم صغيرهم، ويعظهم بما ينفع، ويذب عنهم الأذى جهده ويدفع.
ومما وقع له من الأمور الغريبة، والحوادث النادرة العجيبة، أنه في سنة اثنتين وستين ومائتين وألف في رمضان، كان جالساً في حجرته قبيل الزوال يتدارس القرآن مع أحد أولاده، إذ جاءه رسول القاضي فقال له: إن القاضي يرومك فبادر لمراده، فقام ممتثلاً، وللإجابة مستعجلاً، فلما دخل عليه، نظر القاضي بعين المقت إليه، وقال له أنت الذي قد استملت الناس إليك، حتى صاروا لا يعتمدون في مصالحهم إلا عليك، وإن السلطان قد وجه حاكماً لمصالح العباد، وأنت قد حلت بيننا وبينها وهذا عدوان وفساد، وما زال يقرعه هو وأهل المحكمة، وينسبون إليه كل مفسدة ومظلمة، إلى أن أمر القاضي يحبسه في حبس الأشقياء الطغام، وقال له هذا جزاء من يتعرض لمصالح الحكام، ولم يصغ لقوله ولا لاعتذاره، بل كلما بالغ في تلطيفه بالغ في إنذاره، فاستدار حوله الأعوان، وأخذوه إلى الحبس وأسلموه للسجان، فدخل السجن وهو راض بالقدر، ليس في قلبه تغير ولا كدر، وجلس يتلو القرآن، وأهله وأولاده وعائلته ليس لهم خبر بهذا الطغيان، فما أذن العصر، إلا وقد شاع هذا الأمر، فقام الناس على ساق، وأظهروا حالة الخلاف والشقاق، ورعدت رعود الفتنة وسال سيلها، وانسحب على بهجة الأمن والركون ذيلها، وسدت الطرق من ورود الأفواج، حتى لم يبق لسالك من مسلك ولا لناهج من منهاج، وكل إنسان متقلد بأنواع السلاح، لا يصغي لعاذل ولا لاح، وكل من القاضي وأعوانه خال أنه بلغ مطلوبه، ونال من هذا الفاضل مرامه ومرغوبه، وأنه قد أدب فيه سواء، وجعله هدفاً لسهام من عداه، فلما صار الغروب توجه الناس لنصرة الدين أفواجاً، جاعلين ذلك لرضى مولاهم منهاجاً، فلما سمع القاضي بذلك، علم أنه أوقع نفسه بالمعاطب والمهالك، فندم حين
стр. 461
لا ينفعه الندم، وفهم أن ما صنعه زلة قدم، فبادر للتوقع على السادات الأكابر، وهم يقولون له أنت متعنت مكابر، قد فتحت علينا للشر باباً أي باب، وسلكت سبيل الغي وأخطأت طريق الصواب، أظننت أنه بسبب فعلك هان، وأنه لا ينتطح له كبشان، فانظر ما وقع من سوء فعلك، والله يعلم ما يحصل لك وللناس من أجلك، فقال لقد أغراني أعواني، وألقوني في أودية ذلي وهواني، وقالوا لا تخش من تأديبه لأنه رجل حقير، لا يسأل عنه كبير ولا صغير، وإني الآن قد اعترفت بذنبي، وتبت إلى مولاي وربي، فأحضروه لأعتذر إليه، وأقبل رأسه ويديه، وها أنا ذا الآن لأمره مطيع، وعندكم في كف هذا الأمر وقيع، فعند ذلك اجتمع العلماء والأعيان، وتوجهوا وأمامهم نقيب الأشراف السيد أحمد أفندي العجلاني لإخراج المترجم من السجن بالعظمة والشان، فحينما دخلوا عليه، وقدموا جميل العبارات إليه، وطلبوا منه أن يعفو عن ظالمه، وأن يقابله بمراحمه، فقال أنا ما جرى لي ذلك إلا بذنب اقترفته، وإن كنت ما تذكرته ولا عرفته، ونسأل الله أن يعفو عنا، ويققبل صالح الأعمال منا، ثم ساروا جميعاً إلى دار النقيب، فحينما رآه القاضي بادره بالترحيب، وأبدى اعتذاره لديه، وعانقه وقبل يديه، ثم رجع إلى مكانه ومعه من الناس ألوف كثيرة، ولا زالوا يطلقون البارود بين يديه ويلعبون بالسيوف والسنان إلى أن وصلوا به إلى داره الشهيرة، ولم يمض بعد ذلك مدة أيام، إلا وأباد الله ذلك القاضي وأعوانه وأدار عليهم كؤوس الحمام.
ثم إنه في آخر شعبان سنة ثلاث وستين ومائتين وألف قد حضر من السلطان الغازي عبد المجيد، مرسوم سني يأمر فيه بدعوة الوالد المترجم والشيخ عبد الرحمن الطيبي إلى الآستانة ويؤكد غاية التأكيد، فأحضرهما حضرة الوالي صفوتي باشا بالتعظيم وأخبرهما بما كان، وأعلمهما بأن السفر قد تعين ثامن رمضان، فتوجها على نفقة الملك الجليل، بكل إكرام وتعظيم وتبجيل، إلى أن دخلا القسطنطينية، دار المملكة السنية، فنزل كل منهما في مكان، ولاحظتهما عين الرفعة والإحسان، وكانت مشيخة الإسلام إذ
стр. 462
ذاك لحضرة من تصرف من حين شبيبته بدراسة المعارف، وإفاضة العوارف، وكلف بالعلم حتى صار ملهج لسانه، وروضة أجفانه، السيد أحمد عارف حكمت بيك، فكان لوالدي منه الالتفات الوافر، والميل المتكاثر، وكان يكثر بينهم البحث والحديث، خصوصاً فيما يتعلق بالتفسير والحديث، فلذلك كان مقدماً عنده على ما سواه، وملحوظاً بعين عنايته ورضاه، وكل منهما أخذ عن الآخر وأجازه، وأسمعه حديث الأولية وذكر معناه وحقيقته ومجازه، ثم قرأ كل منهما الفاتحة، ودعوا لهما وللمسلمين بالدعوات الصالحة، وقد مدح الأستاذ الأعظم، شيخ الإسلام والمسلمين الأكرم والدي بهذه الأبيات على الارتجال، من غير إمهال، وهي:
يا قلب أبشر بما ترجوه من منن ... فقد حظيت بشهم كامل فطن
حليف علم إمام سيد ثقة ... أخلاقه الشم قد جاءت على سنن
فقلت للقلب هذا ما تؤمله ... لقد بلغت المنى والأنس من حسن
فأجابه سيدي الوالد حفظه الله، وأحسن مثواه، بقوله:
شمس المعارف تغنينا عن السرج ... ومهج الفضل لا يخفى لمن يلج
وطالع السعد لا يعروه كاسفة ... وعارف الدهر محفوظ من العوج
شيخ الأنام الذي طابت مآثره ... بحر الكمالات ذو الأمواج واللجج
فرع النبوة وصف الحسن لابسه ... فنوره ظاهر في وجهه البهج
شهم همام وللمختار نسبته ... فيا لها نسبة تسمو لمبتهج
رب المعارف والأبحاث شاهدة ... بكونه عارفاً حقاً بلا حرج
طود من العلم والإحسان جمله ... حلم به قد سما الأسمى من الدرج
بشرى لنا معشر الإسلام أن لنا ... من فضله نظرة تدني من الفرج
يا مبتغي العلم لذ إن رمت ري صدى ... بمنهل بفنون العلم مبتهج
يا سائلي عن دليل الصدق في خبري ... شواهد الفضل لا تحتاج للحجج
فيمم الركب وانزل روض ساحته ... واشمم شذا طيبه الفياح بالأرج
فمنصب المجد فيه حاز غايته ... وقد سعى نحوه بالصدق واللهج
стр. 463
وكوكب السعد مسعود بطلعته ... يلوح في ذورة الأفلاك بالبلج
ومن يقف بالحمى نودي بلغت مني ... هذا الغياث ففز بالبشر والفرج
فالله يحفظه من كل نازلة ... ممتعاً بسرور عنه لم يعج
ما نال كل المنى في مدحه حسن ... معطراً من ثناه نفحة المرج
ثم إنه بعد تمام رمضان، قامت دواعي الأفراح من كل زوجين اثنان، وذلك لختان جلالة السلطان مراد والسلطان عبد الحميد شبلي مولانا المعظم أمير المؤمنين السلطان عبد المجيد، وكان فراغ مواكب الختان، ذوات العظمة والشأن، نهار الجمعة حادي وعشرين من شوال، سنة ثلاث وستين ومائتين وألف من هجرة محمد شمس الكمال، وقد أنشد سيدي الوالد في تهنئة السلطان، ومؤرخاً ذلك الختان:
ظهر السرور وزالت الضراء ... وصفا الزمان ونجمه العلياء
وترنمت أطيار روضات الهنا ... بدوام عز لم يشبه فناء
وتراقصت أغصان هاتيك الربا ... حيث المغارس أرضها الفيحاء
وتدلت الزهر الكواكب فرحة ... وبدا الهناء ولم يصبه عناء
والناس طراً قد تزايد بشرهم ... وعلا الجميع بشارة حسناء
وعلى الرؤوس مشوا بأفخر حلة ... يا حبذا تلك الخطا الحسناء
وترى النجوم من البحور تصاعدت ... فكأنها للناظرين سماء
نغمات أنس بالتهاني أقبلت ... بترنم تسمو به الأرجاء
يا بهجة للعالمين بأسرهم ... حيث الأماكن زانها النجباء
بكواكب منها الخيام تزينت ... بشموس أفلاك هم الوزراء
وكذا الموالي للرحاب تواردوا ... والبشر فيهم قد علاه هناء
لما أنال الله بغيتنا بدا ... ملك الندى وعليه راق بهاء
فأراح أرواح الأنام ببشره ... وتروحت من نشره الأرجاء
стр. 464
عبد المجيد ولم يزل متمجداً ... بين البرايا سيفه الإمضاء
جمع الجموع ليشرفوا بجنابه ... وحضور سنة من هداه سناء
إلى أن قال:
فأدام عزهما بمجد أبيهما ... وكساهما حللاً لهن بهاء
وأدام سعد كمالهم طول المدى ... وأدامهم ما دامت الزهراء
ثم بعد الختان تكرر له الاجتماع بحضرة ذي العظمة والشأن، مولانا السلطان عبد المجيد خان، وعرضت عليه الدولة العلية إجراء معاش جزيل، فقال لم يبق في العمر إلا قليل.
ومن النوادر اللطيفة، والوقائع الظريفة، أني اجتمعت سنة ثمانين ومائتين وألف في مدينة غزة، بمفتيها حضرة الإمام الفاضل، والعلامة الكامل، السيد محيي الدين أفندي الحسيني، فكان من جملة المذاكرة أن حكى لنا أنه بعد انفضاض موكب الختان شرف حضرة تميمي أفندي مفتي مصر القاهرة إلى بلد الخليل للزيارة، وكان طريقه على غزة، فنزل في دار محيي الدين أفندي المرقوم، فسأله عن سفره إلى الآستانة واجتماعه بالسلطان وعن موكب الختان، فحكى له إلى أن قال له: ولما دخلنا مجلس السلطان للاجتماع معه وكان المجلس في غاية الاتساع، فأخذ كل منا مجلسه والسلطان بعد لم يحضر، والحاضرون كل منهم لا يعرف الآخر، وكل منهم يظن أن الحاضرين على غير لغته، فضاق صدري لذلك ولم أدر ما أفعل، إلى أن رأيت إنساناً عليه الهيبة والوقار، قد نظر إلى الخادم وقال: أسقني ماء مع أنه لم يرد ذلك، ولكن أراد أن يفتح للحاضرين باب معرفة في بعضهم مع بعض فعرفه الحاضرون بأنه عربي، فقمت إليه وقعدت بجانبه، وتكلمت معه، وعرف كل من الحاضرين من يفهم عليه، وانضم إليه، واشتغل كل منهم بالمذاكرة مع من يأنس به ويفهم لغته، وكان أصل ذلك هذا الإنسان فاستسميته فقال أنا من الشام واسمي حسن البيطار وهو المترجم
стр. 465
المذكور واستسماني، ونلنا بعضنا مع بعض في هذا المجلس وبعده غاية الأنس والتهاني، ووجدته عالماً فاضلاً، وشهماً كاملاً، ومدح وأطنب، وأطال وأسهب اه، ولم يزل هذا المترجم في الآستانة معظماً مبجلاً، مكرماً مفضلاً، إلى أن حصل لهم الإذن الشريف بالعود إلى الوطن، مقلدين قلائد الفضل والمنن، وكان يوم السفر من الآستانة يوماً مشهوداً، وموكباً للاجتماع مقصوداًن اجتمع فيه للوداع السادات والأكابر، وذوو المراتب والمفاخر، وكان يوم دخوله إلى الشام يوم اجتماع وسرور، وهناء وحبور، كاد أن يقال ما بقي في الشام إنسان، إلا وقد خرج لاستقبال هذا الحبر المصان، وكانت مدة سفره أربعة أشهر، لأنه بدأ السفر في ثامن رمضان سنة ألف ومائتين وثلاث وستين، وانتهى سفره ثامن محرم الحرام سنة أربع وستين.
وكان ﵁ مواظباً على التهجد وصلاة الفجر في الوقت الأول، وبعد الصلاة له أوراد لا يبرح عنها في سفر ولا حضر، منها أوراد الصباح والمساء الواردة في السنة، فإنه كان يقرأها صباحاً ومساء، ومنها أنه يقرأ في كل يوم من القرآن جزءاً، فيختم في كل ثلاثين يوماً القرآن بتمامه، ومنها قراءة حزب الإمام النووي كل يوم، ومنها قراءة الدور الأعلى وصلاة بن مشيش وقراءة سورة الكهف ومريم وطه ويس والدخان والواقعة وتبارك الملك وعم يتساءلون وسبح اسم ربك الأعلى وإنا أنزلناه والإخلاص والمعوذتين والفاتحة، وله أوراد عقب كل صلاة، وأوراد يقرأها في بعض الأيام، ليس له ملازمة عليها، وكان كثير الزيارة لمشاهد السادات، حسن الخلق يغلب عليه الزهد والإعراض عن الدنيا، وكان إذا تصعب أمر بين الناس من حقوق وغيرها بمجرد حضوره وتكلمه فيه ينقضي أمره على أحسن حال، وذلك لصفاء نيته وحسن سريرته.
стр. 466
وفي سنة سبع وستين ومائتين وألف توجهت معه إلى الحجاز، وكانت هذه المرة له المرة الثالثة، ورأيت منه في السفر ما يدل على سمو درجته، وكان له مع علماء الحجاز مذاكرات علمية، وأبحاث علمية، وأبحاث شريفة سنية، وكانوا يشهدون له بالفضل.
ولو أردت أن أذكر في هذه الكتابة ما حواه من الشمائل وما لديه، لأفضى الأمر إلى قصر هذا الكتاب عليه، ولكن ما لا يذكر كله، لا يترك كله. وفي ثاني وعشرين من شعبان سنة اثنتين وسبعين ومائتين وألف مرض في داء ذات الجنب، وفي ليلة رمضان سأل عن إثبات الشهر، فأخبرناه بإثباته فشرب في السحر ونوى، وأصبح يعالج سكرات الموت، فوضع له بعض عياله نقطة ماء في فمه، ففتح عينيه ومسح فمه، وأمرهن بالإشارة بعدم العود لمثل ذلك. ومات ﵁ قبل الغروب بساعة ونصف، وكان آخر كلامه من الدنيا الذكر، وكان نزوله لرمسه مع قول المؤذن للمغرب الله أكبر، وقد حضر مشهد جنازته جمع عظيم، وعدد جسيم، وما ترى منهم إلا من دموعه ساكبة، وأحزانه متفاقمة دائبة، وأسفه متزايد، وزفيره متصاعد، وذلك كما تقدم في غرة رمضان سنة اثنتين وسبعين ومائتين وألف، ودفن ﵁ في تربة باب الله بجانب قبر سيدنا تقي الدين الحصني من جهة الشمال، وقبره ظاهر مشهور يزار، ولقد رثاه حفيده ابن أخي الأديب الأريب الشيخ محمد بهاء الدين البيطار:
ما قر قلبي من نواك ولا سكن ... كلا ولا عمري أميل إلى سكن
غادرت لي مر الصبابة والأسى ... وسلبتني حلو المسرة والوسن
أسري وأبكي في المعاهد شاكياً ... وجدي فترثي لي الحمامة في الفنن
والوعتي ما للحمام بدافع ... حكم الذي علم السرائر والعلن
يا وحشة للشام مذ بان الذي ... فاق الأفاضل بالمعارف والفطن
بحر تفجر من عيون بنانه ... عذب البيان مسلسلاً من كل فن
стр. 467
إن لم يكن أهلاً لكل فضيلة ... ولملتج إن لم يكن غوثاً فمن
لله طلعة وجهه إذ طابقت ... لاسم له فلذاك يدعى بالحسن
سار المنون به ليسعد رمسه ... بمطالع الأنوار من شمس الزمن
بالله يا نعش الحبيب تمهلا ... أو ما علمت البدر غيب في الكفن
قسماً بغر خصاله لفراقه ... حن المصلي بعده وشكا وأن
والصحف تندبه لفقد جواهر ... كانت بها من قبل غالية الثمن
والدهر قمص من برود مصابه ... ثوباً له حاكته ناسجة المحن
صبراً لئن ظعن الحبيب فذكره ... فينا بحسن الوصف دوماً قد قطن
لما دعته الحور تخطبه لها ... كفوا كريماً مال عن دار الحزن
وافاه شهر الصوم ليلة نزعه ... فنوى وأمسك صائماً وفق السنن
وبيومه عند الغروب مغيبه ... في اللحد يرجو رحمة من ذي المنن
حيا ضريحاً ضمه وسقى ثرا ... هـ العنبري النشر وسمي الهتن
وأصابه الإحسان ما صب صبا ... لنسيم نجد ذاكراً عهد الأغن
وحباه صفو الأنس ما عام اللقا ... تاريخه روض الجنان له الوطن
وكثير من الناس من رثاه، وذكر بعضاً من صفاته وحلاه، ويكفي ما قد ذكرناه، رحمه الله تعالى ورضي عنه وأرضاه. ولقد تشبهت بمن رثاه، ورثيته وإن كنت عاجزاً عن معرفة قدره وعلاه، فقلت، وعلى الله اعتمدت، وبحبله المتين اعتصمت.
غاب بدر العلوم تحت التراب ... وتوارت شمس العلا في الحجاب
ونعاه الناعون من كل فج ... مات قطب الشآم عالي الجناب
стр. 468
قل لمغتر بالحياة تنبه ... لرحيل فالعمر لمع سراب
لو حياة دامت لصاحب قدر ... لاستدامت لصفوة الأحباب
إن في ذا للعالمين لذكرى ... يتحلى بها ذوو الألباب
خل خل الملام وارث لحالي ... قد دهاني ما لم يكن في حسابي
مات روحي ووالدي وعياذي ... وملاذي وسيدي ومهابي
منذ أضحت منه الربوع رسوماً ... كان لي الدمع العندمي شرابي
كان سيفاً من الشريعة حدا ... موقعاً أرباب الشقاء في تباب
فد قلبي إغماده في قراب ... من تراب فاعجب لذاك القراب
كان ذخراً لكل دان وقاص ... ومجيراً من أمه من عقاب
ما اعتمادي على الزمان وقد أو ... دى بمولى عليه جل احتسابي
لو يكف البلا بساعد جود ... كان يفدى بالأهل والأتراب
ليس يدري الأنام من فقدوه ... فقدوا من بكته عين السحاب
حسن الاسم والمسمى أبو المجد ... سلسيل العلوم والآداب
جبل هائل المهابة راسي ... بحر علم غدا وسيع الرحاب
كفه من هواطل السحب أوفى ... وحماه ملجا ومنجى المصاب
كعبة الطالبين نيل المعالي ... عرفات لكل داع مجاب
ذو صلاة مرضية وصيام ... وقيام بالذل والانتحاب
واعتكاف تقول حين تراه ... ذا لعمري داود في المحراب
حسن الخلق يوسفي جمال ... لسن النطق مقصد الأنجاب
قد زكا محتداً وطاب نجارا ... وعلا قدره على الأتراب
خان دهري وغاب مذ غاب صبري ... وسقاني النوى مرير الشراب
سلبته الأيام قهراً وكانت ... طوع يمناه في الأمور الصعاب
شق قوم عند الخطوب جيوباً ... قلت شقوا القلوب عند مصابي
стр. 469
ما ظننا أيدي المنون ترقى ... لنوال الرفيع سامي الجناب
طود علم يسير فوق رقاب ... كيف تسعى الجبال فوق رقاب
غاب رشدي بفقد مولى نقي ... مستزيد من التقى أواب
يا هماماً حوى عظيم صفات ... وإماماً غدا نواك عذابي
مذ خلت من سناك زهر المعاني ... عاد وجه الأيام مثل الغراب
قد جفاني من بعد بعدك صبري ... ووفاني تحسري وانتحابي
ما رأى الناس قبل مثواك غماً ... غير يوم أعددته للذهاب
يوم هم يا ويحه واكئتاب ... وانتحاب وزفرة واضطراب
من لدرس العلوم بعد اندراس ... من لبث الفهوم للطلاب
شدت ركناً للمسلمين قوياً ... أوهنته طوارق الأحقاب
طالما ما خفت من فراقك حتى ... صاح بالبين طائر الاغتراب
لست أخشى مذ كنت حادث دهر ... صرت أخشى مذ غبت وقع الذباب
فتأمل موج البحور تجدها ... تلطم الخد في أكف الروابي
وشديد الرياح تسفي تراباً ... فوق هام ندباً على ذا العباب
قد فقدنا والله حصناً حصيناً ... وهماماً قطباً من الأقطاب
فعظيم على الفضائل أن تخفى ... وفي الناس طيب ذكراك راب
لست أسلو وأنت أصل وجودي ... وإلى فضلك الوسيع انتسابي
من يلمني إذا سمحت بروحي ... وعيالي وعصبتي وشبابي
رب صبراً والله إن فؤادي ... في عذاب وشدة والتهاب
حينما سار مسرعاً لقدوم ... بازدحام يحكي ازدحام الضباب
نادت الحور يا فريد مقام ... لك جئنا بالبشر والترحاب
خلت قبراً حللته مع أذان ... لغروب في شهر عتق الرقاب
ذاك قرب من محسن ذي جمال ... غافر الذننب للورى في الحساب
هذه رقدة بأوج جنان ... عند مولى الأرباب والأحباب
стр. 470
أحسن الله عنك صبر المعالي ... وعزاء الأتراب والأصحاب
وسقى روضة أويت إليها ... هاطلاً من مراحم الوهاب
وصلاة مع السلام دواماً ... لنبي بر فسيح الرحاب
وصحاب والآل مع تابعيهم ... ما دهانا بالبين داعي المآب
الشيخ حسن المعروف بالموقع الدمشقي الفرضي
الفاضل الذي لا يبارى، والكامل الذي في ميدان السبق لا يجارى، والإمام الذي اتفق العموم على علمه وتقواه، والهمام الذي أخلص العبادة في سره ونجواه.
ولد في دمشق الشام، ثم حضر دروس السادة الأعلام، وقد انفرد بعلم الفرائض فكان عليه بها مدار الفتوى، وأحبه العموم لما جبل عليه من الديانة والصيانة والعلم والتقوى، ولم يزل مدار رئاستها، وإكليل هامتها، إلى أن دعاه داعي الإياب، إلى الجنة دار الثواب، وكان ذلك سنة اثنتين وعشرين ومائتين وألف. ودفن في مقبرة دمشق المعروفة بمرج الدحداح ﵀.
الشيخ حسن القوزاني الخطاط الخالدي النقشبندي العراقي ﵀
العالم الفائق في العلوم، والفاضل الكامل في المنطوق والمفهوم، مفيد الطالبين، ومرشد الراغبين، من أشرق بدر علاه في سماء الإقبال، ونظر إليه العموم بعين الرفعة والإجلال، واشتهر في نواحي العراق، اشتهار الشمس لدى الإشراق، وكان كثير الخشوع، غزير الدموع، ملازماً على العبادة، مع الفقر والزهادة، وقد تحلى بأخذ الطريق، عن صفوة التحقيق والتدقيق، العارف بالله مولانا خالد النقشبندي شيخ الحضرة، رضي الله عنه
стр. 471
ورفع مقامه وقدره، ثم بعد أن رآه على كمال الاستعداد، أقامه خليفة في إعطاء الطريق وأذن له بالإرشاد، وما زال على أحسن حال، وأتم منوال، إلى أن اختار الدار الباقية، وترك هذه الدنيا الفانية، وذلك سنة ألف ومائتين ونيف وخمسين.
ملا حسن البزار
نقطة مدار الأدب، وكعبة طواف الأرب، والناهل من أعذب مناهل النظام، والآهل لأبدع النثر وألطف الكلام، طالما نظم ونثر، والفصاحة مقبلة عليه بوجهها الأغر، وقد أخذ من عقودها جواهر، وحلى بها جيد الأوراق والدفاتر، فمن تلك العقود البهية، والجواهر النفيسة السنية، قوله:
شجتني بذات البان ورق صوادح ... لهن بأعلى الربوتين هدير
تذكرن عيشاً بالحمى راق ظله ... فطابت عشيات بها وبكور
فنحن وما لي غيرهن على الأسى ... معين ولا لي غيرهن سمير
وبت ونار الشوق بين جوانحي ... تشب ودمع المقلتين غزير
خليلي ليس الحب ما تعرفانه ... ولا تحسبا أن الغرام يسير
وما هي إلا النار تسعر بالحشا ... لها كل آن لوعة وزفير
تحاربني الأشواق في معرك النوى ... ومالي عليها يا نديم نصير
فنومي وتسهيدي مقيم وراحل ... ودمعي وقلبي مطلق وأسير
نزلنا بسلع والأحبة باللوى ... وما بيننا غير النسيم سفير
تعللني منهم على البعد نفحة ... كما فاح من أردانهن عبير
وتعبث في لبي أحاديث ذكرهم ... كما عبثت بالشاربين خمور
هم أسعروا قلبي وقد سكنوا به ... ففيه لعمري جنة وسعير
стр. 472
وله أيضاً:
ألا لامني الأصحاب يوم سويقة ... وهل عرف الأحباب فيمن غراميا
غرامي بسلع يا هذيم وحاجر ... وإن كنت عن تلك الأماكن نائيا
وما أنا إلا عاشق، كل عاشق ... فلابد أن يلقى عذولاً ولاحيا
وما الدهر في أهليه إلا محكم ... ينائي قريباً أو يقرب نائيا
ولما شجاني ليلة الخيف بارق ... بكيت فأمسى ضاحكاً لبكائيا
وبت وخضراء الجناح بذي الغضا ... مجاوبة بالسجع مني القوافيا
وكم رمت كتمان الهوى فوشى به ... لدى البين دمع ليس ينفك جاريا
هل البعد إلا أن علا وجد دارهم ... ومنعرج الجرعاء يا سعد داريا
أم الوجد إلا أن أذوب صبابة ... وتدمي دموعي ما بكيت المآقيا
على أننا كنا وما بيننا سوى ... أجارع نعمان وما كنت راضيا
ألفت الهوى طفلاً فشابت عوارضي ... لعشرين من عمري فأين شبابيا
وحاربني من قبل خلع تمائمي ... زماني فما للنائبات وما ليا
ولست أبالي بعد هذا أكان لي ... عدواً مبيناً أم خليلاً مصافيا
وله أيضاً:
هذا الغرام وهذا من أحب معي ... فكيف لو بان عني الحب أو بعدا
وجد تحمل منه قلب عاشقه ... ما لم يدع عنده صبراً ولا جلدا
هذا ولا ذنب للأشواق في كبدي ... عيناي قد جلبت لي الوجد والكمدا
لم أنس وقفتنا يوماً بكاظمة ... والقلب يعتاده وجد بمن وجدا
والشوق يجري دموعي في معاهدها ... والدمع يذكي من الأشواق ما خمدا
والورق تسعدني يوماً وأسعدها ... والقلب يذكر بالجرعاء ما عهدا
والخل يعذلني فيه فيعذرني ... لما يرى أن لوم العاشقين سدى
стр. 473
الشيخ حسن بن عمر بن معروف بن عبد الله بن مصطفى الشطي
الدمشقي الحنبلي البغدادي الأصل الشيخ الإمام، والعمدة الهمام، صاحب السيرة الحسنة، والشمائل المستحسنة، والأوصاف الكاملة، والفضائل الشاملة، نشأ في معابد الطلب والاستفادة، وأكب بعده على الإحسان والإفادة وكانت ولادته في صفر سنة خمس ومائتين وألف وله في مذهب الإمام أحمد بن حنبل التآليف المفيدة النافعة، وله أيضاً في بقية العلوم الشريفة من توحيد وبيان وحساب ومساحة. وقد شرح الإظهار في النحو، وله مولد شريف، ومعراج منيف، وشرح على حزب الإمام النووي، ومجلس في ختم البخاري. وقد أخذ عن الشيخ محمد الكزبري وولده الشيخ عبد الرحمن والملا علي السويدي والشيخ مصطفى السيوطي وكثير من العلماء الأعلام، والجهابذة الفخام وله من النظم والنثر، ما يشهد له بالفضيلة والقدر، ومن نظامه قوله مادحاً قرية دوما وخطيبها الشيخ محمد:
عرجا بي على ربوع بدوما ... فسلامي لأهل دار السلام
وأنيخا ركبي بها كل يوم ... نرتعن في رياضها بالمرام
حفها الله بالهنا وحباها ... بأناس ذوي علا وكرام
سيما من غدا خطيب رباها ... صين من خطب هول يوم الزحام
стр. 474
ومن قوله تخميساً:
أيا من حاز فضلاً فز بوصل ... ففيه الخير محفوفاً بشمل
وألق السمع ميموناً بقول ... حبا الله النبي مزيد فضل
على فضل وكان به رؤوفا
فدع أبويه من قول أباه ... أولو فضل علا تغنم حباه
فكم خير جنى حقاً لباه ... فأحيا أمه وكذا أباه
لإيمان به فضلاً منيفا
وإن تعجب فلا عجب كبير ... فقدر المصطفى قدماً جدير
وإياك الجمود فذا خطير ... فسلم فالقديم بذا قدير
وإن كان الحديث به ضعيفا
وقد صح عند بعض أهل الكشف حديث إحياء أبوي النبي ﷺ ولذلك قال بعضهم:
أيقنت أن أبا النبي وأمه ... أحياهما الرب الكريم الباري
حتى له شهدا بفضل رسالة ... صدق فتلك كرامة المختار
هذا الحديث ومن يقول بضعفه ... فهو الضعيف عن الحقيقة عاري
وتوفي ﵁ سنة ألف ومائتين وأربع وسبعين من الهجرة،
стр. 475
ودفن في مقبرة قاسيون في سفح الجبل وقبره ظاهر معروف رحمه الله تعالى، وكتب على بلاطة قبره ما نظمه له علامة وقته السيد محمود أفندي حمزة مفتي دمشق الشام:
هل كوكب العلم استكن ... تحت الثرى غض الأديم
أم تخذ القبر وطن ... لما رأى أن لا نديم
يا فاضلاً في كل فن ... من بعده الفصل عقيم
كم ذا له فينا منن ... مازت لنا الفهم السقيم
قد ملأ الدنيا حزن ... بندبه هذا الكريم
هو أن يكن شطي السكن ... لكنه بحر عظيم
حررت لما أن سكن ... في ظل مولاه الرحيم
تاريخه الشطي حسن ... يقر في دار النعيم
الشيخ حسن بن غالب الجداوي المالكي الأزهري المصري
الإمام العلامة أحد المتصدرين، وأوحد العلماء المتبحرين، حلال المشكلات، وصاحب التحقيقات، السمح السهل، الذي هو لكل ثناء أهل، كأنما بينه وبين القلوب نسب، أو بينه وبين الحياة سبب، بمحاضرة أشهى من ريق المحبوب، ومحادثة أصفى من الزلال المطلوب، وبالجملة فما هو إلا فرد العصر والأوان، وهو من الدهر بمنزلة العين من الإنسان، وقد ترجمه الإمام الجبرتي فقال، عليه رحمة الملك المتعال: ولد بالجدية، في سنة ثمان وعشرين ومائة وألف وهي قرية قرب رشيد، وبها نشأ، وقدم الجامع الأزهر فتفقه على بلديه الشيخ شمس الدين محمد الجداوي، وعلى أفقه المالكية في عصره السيد محمد بن محمد السلموني، وحضر على الشيخ علي خضر العمروسي، وعلى السيد محمد البليدي، والشيخ علي الصعيدي، أخذ عنهم الفنون
стр. 476
بالإتقان، ومهر فيها حتى عد من الأعيان، ودرس في حياة شيوخه وأفتى، وهو شيخ بهي الصورة، طاهر السرية، حسن السيرة، فصيح اللهجة شديد العارضة يفيد الناس بتقريره الفائق، ويحل المشكلات بذهنه الرائق، وحلقة درسه عليها الخفر، وما يلقيه كأنه نثار جواهر ودرر، وله مؤلفات وتقييدات وحواش وكان له وظيفة الخطابة بجامع مرزة جربجي ببولاق ووظيفة تدريس بالسنانية أيضاً، وينزل إلى بلدة الجديه في كل سنة مرة، ويقيم بها أياماً ويجتمع عليه أهل الناحية، ويهادونه ويفصلون على يديه قضاياهم ودعاويهم وأنكحتهم ومواريثهم، ويؤخرون وقائعهم الحادثة بطول السنة إلى حضوره، ولا يثقون إلا بقوله. ثم يرجع إلى مصر بما اجتمع لديه من الأرز والسمن والعسل والقمح وغير ذلك ما يكفي عياله إلى قابل، مع الحشمة والعفة. توفي بعد أن تعلل أشهراً في أواخر شهر ذي الحجة، سنة اثنتين ومائتين وألف، وجهز وصلي عليه بالأزهر بمشهد حافل، ودفن عند شيخه الشيخ محمد الجداوي في قبر أعده لنفسه رحمه الله تعالى.
الشيخ حسن الكفراوي الشافعي الأزهري
يتيمة الدهر. وعلامة القطر. الفاضل الكامل. والعالم العامل. قال الإمام الجبرتي: ولد ببلده كفر الشيخ حجازي بالقرب من المحلة الكبرى، فقرأ القرآن وحفظ المتون بالمحلة، ثم حضر إلى مصر، وحضر شيوخ الوقت مثل الشيخ أحمد السجاعي والشيخ عمر الطحلاوي والشيخ محمد الحفني والشيخ علي الصعيدي، ومهر في الفقه والمعقول، وتصدر
стр. 477
ودرس وأفتى واشتهر ذكره، ولازم الأستاذ الحفني، وتداخل في القضايا والدعاوى وفصل الخصومات بين المتنازعين، وأقبل عليه الناس بالهدايا والجعالات، ونما أمره وراش جناحه، وتجمل بالملابس وركوب البغال، وأحدق به الأتباع، واشترى بيت الشيخ عمر الطحلاوي بحارة الشنواني بعد موت ابنه سيدي علي، فزادت شهرته ووفدت عليه الناس، وأطعم الطعام واستعمل مكارم الأخلاق، ثم تزوج ببنت المعلم درع الجزار بالحسينية وسكن إليها، فاجتمع عليه أهل تلك الناحية وأولوا النجدة والزعارة والشطارة، وصار لهم بهم نجدة ومنعة على من يخالفه أو يعانده، ولو من الحكام، وتردد إلى الأمير محمد بك أبي الذهب قبل استقلاله بالأمارة، وأحبه وحضر مجالس دروسه في شهر رمضان بالمشهد الحسيني. فلما استبد بالأمر ولم يزل يراعي له حق الصحبة ويقبل شفاعته في المهمات، ويدخل عليه من غير استئذان في أي وقت أراد، فزادت شهرته، ونفذت أحكامه وقضاياه، واتخذ سكناً على بركة جناق أيضاً، ولما بنى محمد بك جامعه كان هو المتعين فيه بوظيفة رئاسة التدريس والإفتاء ومشيخة الشافعية، وثالث ثلاثة المفتين الذين قررهم الأمير المذكور وقصر عليهم الإفتاء، وهم الشيخ أحمد الدردير المالكي والشيخ عبد الرحمن العريشي الحفني والمترجم، وفرض لهم أمكنة يجلسون فيها، أنشأها لهم بظاهر الميضأة بجوار التكية التي جعلها لطلبة الأتراك بالجامع المذكور، حصة من النهار في ضحوة كل يوم للإفتاء، بعد إلقائهم دروس الفقه، ورتب لهم ما يكفيهم، وشرط عليهم عدم قبول الرشا والجعالات، فاستمروا على ذلك أيام حياة الأمير.
واجتمع المترجم بالشيخ صادومة المشغوذ، ونوه بشأنه عند الأمراء والناس وأبرزه لهم في قالب الولاية، ويجعل شعوذته وسيمياه من قبي الخورق والكرامات، إلى أن اتضح أمره ليوسف بك فتحامل عليه وعلى
стр. 478
قرينه الشيخ المترجم من أجله، ولم يتمكن من إيذائهما في حياة سيده، فلما مات سيده قبض على الشيخ صادومة وألقاه في بحر النيل، وعزل المترجم من وظيفة المحمدية والإفتاء، وقلد ذلك الشيخ أحمد بن يونس الخليفي، وانكسف باله وخمد مشعال ظهوره بين أقرانه إلا قليلاً، حتى هلك يوسف بك قبل تمام الحول، ونسيت القضية، وبطل أمر الوظيفة والتكية، وتراجع حاله لا كالأول. ووافاه الحمام بعد أن تمرض شهوراً وتعلل، وذلك في عشرين شعبان من السنة الثانية بعد المائتين والألف، وصلي عليه بالأزهر بمشهد حافل، ودفن بتربة المجاورين.
ومن مؤلفاته إعراب الآجرومية وهو مؤلف نافع مشهور بين الطلبة، وكان قوي البأس شديد المراس، عظيم الهمة والشكيمة، ثابت الجنان عند العظائم، يغلب على طبعه حب الرياسة، والحكم والسياسة، ويحب الحركة بالليل والنهار، ويمل السكون والقرار، وذلك مما يورث الخلل، ويوقع ف الزلل، فإن العلم إذا لم يقرن بالعمل، ويصاحبه الخوف والوجل، ويجمل بالتقوى ويزين بالعفاف، ويحلى باتباع الحق والإنصاف، أوقع صاحبه في الخذلان، وصيره مثلة بين الأقران، كما قال البدر الحجازي رحمه الله تعالى:
إذا بعبد أراد الله نائبة ... أعطاه ما شاء من علم بلا عمل
فعده لاصطياد المال مصيدة ... يعدو به عدو معدود من الهمل
مثل الحمار الذي الأسفار يحملها ... وما استفاد سوى الإجهاد والملل
يقول بالأمس عند القاضي كنت كذا ... عند الأمير وقد أبدى البشاشة لي
وقام لي وبقدري قام أطعمني ... حلوى وألبسني الحالي من الحلل
ومن مكاني والحكام طوع يدي ... وأين مثلي وما في الكون من مثلي
أجيد فقهاً وتفسيراً ومنطق مع ... علم الحديث وعلم النحو والجدل
وغيرها من علوم ليس من أحد ... يحاول البعض منها غير منخذل
стр. 479
فصال إذ صار بالأشرار متصلاً ... على الأنام صيال الصارم الصقل
له يشار إذا ما سار وهو على ... ركوب بغل سمين في الدواب علي
يقال هذا فلان والصحاب به ... قد أحدقت ملأت كفيه بالقبل
يصيح إذ رام يقريهم بهمته ... صياح شخص عن المعقول في عقل
يقول ذا مذهبي أو ما فهمت وذا ... بالرد عندي أولى ليس ذا بجلي
كأنه في الورى قد صار مجتهداً ... كالشافعي وأبي ثور أو الذهلي
فتاه في تيه وادي العجب ليس له ... إلى هداه سبيل ما من السبل
وصار منجدلاً في المقت ميت هوى ... أثوابه كفناً عدت بلا جدل
فيا لداهية دهياء قد نزلت ... به وزل بها في هوة الزلل
أذ أعقبته عقاباً لا عقيب له ... وعلة ما علاها قط من علل
فحين حلت به حلت حلاه وما ... لمن يحاول عنه الحمل من حيل
فعنه فجا شنيعاً خذ بعيد ردى ... على متون جياد العزم وارتحل
إذ ذلك الشخص إبليس التعيس ومن ... له بإبليس يا للناس من قبل
إليك يا ملجأ الجاني لجا حسن ... هو للحجازي الذي قد جال في الوجل
من الدعاء الذي لا نفع فيه ومن ... فحش المقال وسوء الحال والمحل
وصل رب وسلم ما استنار ضحى ... على نبيك طه أفضل الرسل
والآل والصحب والأتباع من كملوا ... ما أوجد الله من عال ومستفل
اللهم الطف بنا ووفقنا وارحمنا وأحسن عاقبتنا وقنا واكفنا شر أنفسنا يا أرحم الراحمين، اللهم آمين.
الشيخ حسن بن إسماعيل بن حسين المغربي حفيد صاحب البدر التمام
كان بارعاً في جميع العلوم والمعارف شيخ مشايخ عصره، قال في البدر الطالع بعد بيان مناقبه: والحاصل أنه من العلماء الذين إذا رأيتهم ذكرت
стр. 480
الله ، وكل شؤونه جارية على نمط السلف الصالح، وكان إذا سأله سائل أحاله في الجواب على أحد تلامذته، وإذا أشكل عليه شيء في الدرس أو فيما يتعلق بالعمل سأل عنه غير مبال، سواء كان المسؤول عنه خفياً أو جلياً، لأنه جبل على التواضع.
ومع هذا ففي تلامذته القاعدين بين يديه نحو عشرة مجتهدين، والبعض منهم يصنف إذ ذاك في أنواع العلوم، وهو لا يزداد إلا تواضعاً. وكان في كل علم غاية، وفي كل فن قد بلغ بالنسبة لأمثاله النهاية. مات رحمه الله تعالى سنة ألف ومائتين وثمان.
الشيخ حسن بن خالد الحازمي العريشي
عالم كبير، وفاضل شهير، قال في التاج: ولد سنة ألف ومائة وسبعين وقد صار لمزيد ذكائه، وفرط وداده ووفائه، وحسن حفظه، وقوة إدراكه، من أفضل العلماء الأعلام، والسادة القادة الكرام، ثم لما استولى أهل نجد على بلاد أبي عريش ودخل الشريف حمود في طاعتهم، صار هذا عنده هو المرجوع إليه، والمعتمد في الأمور الشرعية عليه، وكاد حمود يطيعه، ويأتم به ولا يخالفه، ثم ارتفعت درجته حتى صار يقود الجيوش، ويتولى الحروب ويقيم الحدود مستقلاًن وحمل الناس على العمل بالسنة، ومنعهم من التدريس في فقه المذاهب بأسرها، فعظم ذلك على المقلدة. ولم يزل على هذه الطريقة حتى قتل في المعركة سنة ألف ومائتين وأربع وثلاثين.
стр. 481
الشريف حسن أبو أحمد بن علي الحسيني البخاري القنوجي العالم العلامة
فرع من ذؤابة هاشم، ونبعة من وشيج تلك المكارم، من آل السيد جلال الدين البخاري، وهو من عصبة كلهم سادة مكرمون، لا يمس صحف مجدهم إلا المطهرون، من حدث البشرية، ودنس الهيولى الدنية، من كل من قضى للعلياء وطرها، وتلا آيات الكرامة وسورها، تعبق منهم أنفاس النبوة، وتجر لهم على وجه البسيطة أذيال الفتوة، ولم تمح محاسنهم من صحائف الليالي والأيام، ولا تثمر بمثلها أغصان اليراع والأقلام.
ولد ﵀ سنة ألف ومائتين وعشر. ثم قرأ القرآن وتعلم الفنون الآلية وحصل الأدب وسافر إلى البلاد، ودار على المشايخ الأمجاد، من أجلهم أبناء الشيخ أحمد ولي الله المحدث الدهلوي، وهم الشيخ عبد العزيز والشيخ رفيع الدين والشيخ عبد القادر رحمهم الله تعالى، وكان له محبة أكيدة مع الشيخ إسماعيل الشهيد، والشيخ عبد الحي المرحوم، وكانت بيعته على يد السيد العارف أحمد البريلوي، سافر معه إلى خراسان، وجاهد في الله باللسان والجنان والبيان، والصارم والسنان، ثم عاد إلى موطنه قنوج، وألقى به عصا التسيار، واشتغل بالتآليف والتذكير، وهدى الناس إلى هدى الله الجبار، وكان آية بينة من آيات الله في التقوى والعبادة والعمل، وتأثير الوعظ وقلة الأمل، وإيثار القناعة في المأكل والمشرب والملبس، ذا سطوة عظيمة، وهيبة فخيمة، يخافه الأمراء والعلماء، لسانه أمضى من السيف البتار، وسوطه على المبتدعين والمشركين يثير قتار الدمار. لم يزل مواظباً على الطاعات والعبادات، قائماً لله تعالى بالحجج البينات، عاملاً بالدليل، تاركاً للاقتدا بالغير، متباعداً عن التقليد متمسكاً
стр. 482
بالسنة المطهرة في كل حقير وجليل، معتصماً بكتاب الله العزيز لا يبالي بعدو ولا خليل.
مات شاباً ولم يخلف شيئاً سوى الكتب التفسيرية والحديثية، وتأسف الناس على فقده فوق الوصف، ومنذ توفي ذهب رونق الإسلام، وعلو شعائر الدين من ذلك البلد، وكان قد نوى الهجرة من بلد الهند إلى الحرمين الشريفين، فاخترمته المنية، قبل بلوغ هذه الأمنية، وإنما الأعمال بالنيات، توفي سنة ألف ومائتين وثلاث وخمسين. وأرخه بعضهم بقوله مات بخير اه من التاج المكلل باختصار.
الشيخ حسن سكر الميداني الدمشقي
كان رجلاً من أهل الجذب، وكان لا يتناول من الدنيا شيئاً، وزعم الراوي عنه أنه اتفق له مراراً متعددة في مجالس متعددة أنه يشير بيده ثم يفتح كفه عن أنواع من الدراهم والدنانير ويأخذها الحاضرون منه وينظرون إليها، ثم يأخذها منهم، ويشير بيده ثم يفتح كفه فلا يجدون شيئاً. وله من خوارق العادات أمور كثيرة مشاهدة لكثير من الناس. وكان غالباً لا يلبس على بدنه إلا ما يستر به عورته، مات ﵀ نهار الثلاثاء سابع شهر رمضان المبارك سنة تسعين ومائتين وألف، ودفن في تربة باب الصغير.
стр. 483
الشيخ حسن السفرجلاني الشافعي الدمشقي الشاذلي
شيخ الطريقة الشاذلية بدمشق وإمام الحنفية، بجامع بني أمية، وكان مهاباً معظماًن ذا قدر واعتبار، فصيحاً ذا محاضرة، مات سنة عشرين ومائتين وألف، ودفن بباب الصغير.
الشيخ حسن الدنا بن الشيخ أديب الدنا
التائه الكبير، والمعتقد الشهير، المجذوب الغائب بمولاه، عما سواه، كان في أغلب أمره مكشوف العورة، مأخوذاً عن نفسه يتقدم تارة في مسيره ويرجع أخرى، وهو يفرك بيديه ويعض على أصابعه، ولا يتكلم أبداً، مات سادس عشر جمادى الأولى سنة ست وثمانين ومائتين وألف.
السيد حسن بن تقي الدين بن حسن بن مصطفى بن إسماعيل ابن محب الدين بن شمس الدين بن ضياء الدين حميدة ابن زين الدين البوصلي البلقاوي الشافعي الدمشقي الشهير بتقي الدين الحصني مفتي دمشق الشام
صدر الصدور، وزينة الأزمنة والدهور، قد فض عن فم أمانيه ختما، واستمال قلوب الحكام إليه حتما، وكان جسوراً فصيح المقال، مقدماً في زمانه على ذوي المهابة والإجلال، وتعرض لمنصب إفتاء دمشق الشام في أيام حسين أفندي المرادي، فعزلت الحكومة حسين أفندي المرقوم من الإفتاء ووجهته على المترجم المرقوم، فجعل لنفسه قدراً عظيماً، ورونقاً جسيماًن حتى أنه إذا أراد التوجه لمركز الحكومة لابد أن يمشي بركابه
стр. 484
أربعون رجلاً من الشجعان، كلهم مقلدون بأنواع الأسلحة، وإذا وصل لمركز باب الحكومة يقوم لاستقباله متسلم البلد المعروف بتفنكجي باشي، ويمشي أمامه إلى أن يجلس في مكانه، ثم يتصدى لتعاطي الأمور، ومدار الحكم في القضايا عليه لا على غيره يدور، وبقي مفتياً ستة أشهر واياماً، ثم عزل عن الإفتاء وغيره. ولما بلغه ذلك اعتزل في داره إلى وفاته، وكان ذلك سنة أربع وستين ومائتين وألف ودفن في باب الصغير رحمه الله تعالى وتأسف كثير من الناس عليه لما لديه من الشهامة الهاشمية، والمآثر العربية، والنصرة لكل قاصد، والمساعدة لكل راسم رائد، عوضه الله الجنة، وأجزل له عنده المنة آمين.
الشيخ حسن بن محمد الشهير بالعطار الأزهري المصري مولدا المغربي محتدا
عظيم شأن لا عيب يضاف إليه، سوى أن أهل عصره قد دار أمرهم في علومهم عليه، فهو فرد المعارف والعوارف، وكعبة حرم اللطائف لكل طائف، به جمال محيا العلم قد ازدهى، وإليه كمال الفهم قد انتهى، فلله دره من همام قد ارتقى سماء الفضائل، وانتقى لنفسه أحسن الخصال والشمائل. ولقد انفرد في علم الأدب وأجاد فيما نظم ونثر، وأحاطت به الفنون إحاطة الهالة بالقمر، وكان مقره بالجامع الأزهر، والمقام الأنور. ولما استولى الفرنسيس على مصر، وجعل زمامها إليه بالقوة والقهر، وسام أهلها كل ضيم وبلية، وكاد أن يجرعهم كؤوس المنية، خرج المترجم فاراً بنفسه
стр. 485
إلى دمياط، لما حصل في مصر من الشطط والشياط، وفي عام ألف ومائتين وسبعة عشر، توجه إلى بلاد الروم فاستقام بها مدة واستقر، وفي سنة خمس وعشرين توجه إلى الشام، فدخلها زوال يوم الجمعة ثاني شهر ربيع الأول شهر ولادة سيد الأنام، فتلقاه أهلها بما لاق، وعقدوا على تفوقه وتفرده بالفضائل كلمة الاتفاق، فتعلق به والدي تعلق اللازم بالملزوم، وحضر دروسه في أكثر العلوم والفنون، فكان لوالدي كالروح للجسد، وكان هو يقبل على والدي إقبال الوالد على الولد، لما يرى له من علو الهمة، وسهر الليالي المدلهمة، ولم يزل لمجالسه ملتزما، وفي سلك الملتقطين لدرر نفائسه منتظما، إلى أن خرج من الشام بعد الثلاثين، وكان قد استقام بها نحواً من خمس سنين، فرجع إلى مصر بعد هذه المدة، وكان قد زال عن مصر ما كان بها من شدة، وحينما عزم على السفر استجازه والدي فأجازه، وأنعم عليه بهذه الإجازة، وهي: بسم الله الرحمن الرحيم.
إن أحسن ما يقدمه السائل في مقاصده، ويلتزمه في مصادره وموارده، حمد الله بأعظم محامده، وشكره على أيمن بره وعوائده، فهو الذي يجيب السائل إذا دعا، ويثيبه على ما إليه من الخير سعى، شرف هذه الأمة باتباع أشرف رسول وكتاب، فانجاب بصبح شريعته من دياجي الجهالات جلباب، ودخل الناس في دين الله افواجاً من كل باب، وقامت بنصره صحابته الأطهار، وأشياعه الأخيار، فباؤوا بحسن المثاب، وخير المآب، ولم تزل هذه الشريعة الغراء المحجة البيضاء واضحة البرهان، مشيدة الأركان، بوراثة العلماء، وجهابذة العظماء، على خدمتها قوامون، قليلاً من الليل ما يهجعون، للأحكام يستخرجونن وللدقائق الجسام يستنبطون، وكلما مضى سلف، أعقبه خلف، وهكذا حتى تقوم الساعة، وتنقضي الدنيا التي هي كساعة، فلله من خصيصة بهذه الأمة اختصت، وامتازت بها عن غيرها وجلت، فعليه من المولى سحب صلاة يتوالى مدرارها، ويتسامى تكرارها،
стр. 486
وعلى آله وصحبه، وجنده وحزبه، ما لمع برق، وتدفق ودق، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد فإن الشاب الفاضل، والأديب العالم العامل، الشيخ حسن بن الشيخ إبراهيم البيطار، قد حضر عندي حينما حضرت إلى الشام، جميع دروسي التي قرأتها على التمام، حضور تدقيق ودراية، غير أنه قد حضر تلاوة قليل من الأحاديث الشريفة على طريق الرواية، ثم استجازني بما تجوز لي روايته، وتستند إلي عن شيوخي الأعاظم درايته، فتمنعت قدر الإمكان، واعترفت بأني لست من أهل هذا الشأن، وعندما ألح علي استخرت الله وأجزته، وبمطلوبه ومرغوبه أسعفته، بما تجوز لي روايته وتنسب إلي درايته، عن أشياخي الذين اقتبست أنوارهم، واغتنمت أسرارهم، فهم ولله الحمد عدد كثير كل له قدر خطير، فمنهم العلامة الشيخ محمد الصبان، والفهامة الشيخ أحمد بن يونس، والشيخ عبد الرحمن المغربي، والشيخ محمد الشنواني، والشيخ عبد الله سويدان، وغير هؤلاء من السادة الشافعية، وأما من السادة المالكية: فالإمام الشيخ محمد الأمير، والشيخ محمد عرفه الدسوقي، والشيخ أحمد برغوث، والشيخ البيلي، وغيرهم. وقد يسر الله لي حين سياحتي في الديار الرومية والشامية والحجازية، فرأيت جهابذة فضلاء، وأساتذة نبلاء، قد تسنموا غارب الفضل، واجتنوا ثمار العقل، فأخذت عنهم بعضاً من العلوم، وربحت تجارتي بما استفدته من دقائق المنطوق والمفهوم، وكذلك قد أجزته بما لي من التآليف، التي انتهزت فيها من الدهر فرصة بعد طول تسويف، فهي جملة من الرسائل والحواشي والشروح، التي لا تخلو إذا نظرت بعين الانتقاد عن مطاعن وجروح، فليست مما يستحق أن ينشد في المجالس والمحافل، ويذكر في مجالس الأفاضل، ولكن سأذكر بعضها إزاحة لعلة التشوف، وتبريداً لغليل التطلع والتهلف، فمنها حاشية شرح قواعد الإعراب، وحاشية الأزهرية، وحاشية
стр. 487
العصام على الوضعية، وحاشية شرح إيساغوجي، وحاشية النخبة، وحاشية السمرقندية، وحاشية السلم، وحاشيتان على ولدية المرعشي في آداب البحث، وشرح المنظومة الوضعية، وشرح المنظومة التي في آداب البحث، وشرح منظومة التشريح، وشرح نزهة الشيخ داود في الطب، وحاشية شرح أشكال التأسيس في علم الهندسة، وحاشية المغني، أسأل الله أن يتمها. ولنا رسائل عديدة في مسائل متفرقة من علم الحكمة، والكلام وغير ذلك. وقد أجزته بجميع ذلك بشرطه المعتبر، عند أهل النظر، سائلاً من الله أن يصلح أحوالنا، ويبلغنا آمالنا، وأرجوه أن لا ينساني من صالح الدعوات، في سائر الأوقات، والحمد لله أولاً وآخراً، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. كتبه بيده الفقير حسن بن محمد الشهير بالعطار، خادم العلم الشريف بالأزهر، عفا الله عنه بمنه.
انتهى كلام هذا المترجم رفع الله قدره، وجعل أعلى الجنة مقره. ثم إنه لم يزل يترقى مقامه وقدره، ويعظم بين الناس جاهه وفخره، والناس يقصدونه من كل جانب، لما اشتمل عليه من الفضائل والمناقب، إلى أن خطبته المنية، إلى الدار العلية، وذلك في حدود سنة ألف ومائتين وخمس وثلاثين.
الشيخ حسن بن سالم الهواري المالكي الأزهري المصري
روح مجمع أهل الكمال، ودوح أهل المعارف والكمال، المتوج بتاج الأتقياء، والمنتهج منهج الأصفياء، من تفجرت ينابيع العلوم على لسانه، وفاضت عيون الحقائق من جلال جنانه، وسطعت شموس معارفه، وزكت عروس عوارفه، وطابت في الناس سيرته، وحسنت سجاياه وسريرته، وهو من رجال الإمام العلامة الجبرتي فقال في ترجمته: قرأ على الشيخ
стр. 488
الصعيدي ولازمه في دروسه العامة، وبعد وفاة شيخه ولي مشيخة رواق الصعايدة، وساس فيهم أحسن سياسة بشهامة زائدة، مع ملازمته للدروس، وتكلمه في طائفته مع الرئيس والمرؤوس، وكان فيه صلابة زائدة، وقوة جنان وشدة جرأة، واشترى خرابة بسوق القشاشين بالقرب من الأزهر، وعمرها داراً لسكنه، وتعدى حدوده وحاف على أماكن جيرانه، وهدم مكتب المدرسة السنانية، وكان مكتباً عظيماً ذا واجهتين وعامودين وأربع بوايك، وزاوية جداره من الحجر النحيب عجيبة الصنعة في البروز والإتقان، فهدمه وأدخله في بنائه من غير تحاش أو خشية لوم مخلوق أو خوف خالق، وأوقف أعوانه من الصعايدة المنتسبين للمجاورة وطلب العلم يسخرون من يمر بهم من حمير الترابين وجمال الأعيان المارين عليهم، فيستعملونها في نقل تراب الشيخ لأجل التبرك، إما قهراً أو محاباة، ويأخذ من مياسير الناس والسوقة دارهم على سبيل القرض الذي لا يرد، وكذلك المؤن، حتى تممها على هذه الصورة وسكن فيها، وأحدق به الجلاوزة من الطلبة يغدون ويروحون في الخصومات والدعاوى، ويأخذون الجعالات والرشوات من المحق والمبطل، ومن خالف عليهم ضربوه وأهانوه ولو عظيماً من غير مبالاة ولا حياء، ومن اشتد عليهم اجتمعوا عليه من كل فج حتى البوابين في الوكائل، وسكان الطباق وباعة النشوق، وينسب الكل إلى الأزهر، ومن عذلهم ولامهم كفروه ونسبوه إلى الظلم والتعدي والاستهزاء بأهل العلم والشريعة، وزاد الحال وصار كل من رؤساء الجماعة شيخاً على انفراده يجلس في ناحية ببعض الحوانيت يقضي
стр. 489
ويأمر وينهى، وفحش الأمر إلى أن نادى عليهم حاكم الشرطة فانكفوا ومرض شيخهم بالتشنج شهوراً، وتوفي في السنة العاشرة بعد المائتين والألف رحمه الله تعالى.
السيد حسن وادي بن السيد علي بن السيد خزام بن السيد علي الخزام ابن السيد حسين برهان الدين الخالدي الرفاعي الصيادي
ترجمه ولده العمدة الفاضل، والنخبة الكامل، السيد محمد أفندي أبو الهدى أطال الله بقاه، وأعلى في مدارج السيادة مرتقاه، في كتابه المسمى بقلادة الجواهر، في ذكر الغوث الرفاعي وأتباعه الأكابر، فقال: وأما السيد الجليل، والشيخ الفاضل الأصيل، شيخ العائلة الصيادية، وصاحب السجادة الرفاعية، مولانا الوالد الشيخ حسن وادي أفندي حفظه الله وأبقاه، وحرسه بعين الكرامة والعناية وحماه، آمين. ولد طول الله عمره في سنة خمس وأربعين ومائتين وألف قبل وفاة والده ﵀ بسنتين؛ ونشأ بين أهله وأقاربه إلى أن بلغ عمره الثمانية عشر، فجذبته يد العناية بنفحة من نفحات الرحمن، فدلته إلى جناب شيخه الولي البركة الشيخ رجب الصيادي دفين كفر سجنا، فالتفت بكليته إليه، وأقبل بقلبه عليه، فأقامه خليفة عنه، فجلس على السجادة الرفاعية بزاويته المعمورة بتقوى الله المشهورة في قصبة خان شيخون الملحقة الآن بمعرة النعمان من أعمال حلب، واشتهر أمره، وسار في البلاد ذكره، وانتسب له خلق كثير من القبائل والقرى والمدنن وانتفع به جماعة كثيرة من الموحدين، وله مناقب مأثورة، وعنايات مشهورة، ومما من الله به عليه أن يقرأ على قطعة من السكر وإن لم يوجد فعلى أي شيء كان مما يصح أكله، ويطعمه للناس، فمن أكله لا يضره سم الحيات وغيرها من المسمات، ولا يؤثر فيه ضرر الكلب العقور وغيره من الحيوانات المضرة بإذن الله تعالى، وإذا قرأ على
стр. 490
السكر أو غيره باسم رجل وحفظ السكر من أن يلمس بيد أحد في صرة، وكان الرجل المقروء باسمه في بغداد والسكر في الشام ولدغت الحية أو غيرها من المسمات، أو عض الكلب الأكلب ذلك الرجل وهو في بغداد، لا يضره أمرهم بإذن الله تعالى، وببركة الحضرة الرفاعية، وإذا سم رجل في بلدة وكان الشيخ صاحب الترجمة في بلدة أخرى، وتعذر حمل المسموم إليه، وجاء رسول المسموم وسمى نفسه باسم المسموم، فإن الشيخ المشار إليه يقرأ على قطعة من السكر أو غيرها من المأكولات كما تقدم ويطعمها لرسول المسموم الذي سمى نفسه باسمه، ويضربه بيده ضربة خفيفة، فإن المسموم بإذن الله يبرأ من البلدة الأخرى كما هو مشهور في البلاد الحلبية وغيرها عنه. ومن مناقبه الشريفة أيضاً أن الله تعالى قد من عليه ببركة اليد الكريمة، فإذا وضع يده على عليل أو من به وجع يشفيه الله على الغالب. وأما سخاؤه وكرم طبعه ففي نواحيهم أشهر من أن يذكر، وأما علو مظهره ومعونة الله له في أموره وتأييد ظهوره فهي أشهر من نار على علم، وما عانده في أمره بقصد خفض شأنه أحد ولا تعدى عليه وعلى أهله ومتبعيه المخلصين متعد، إلا وأخذ بإذن الله تعالى أو ذل وقهر وكل ذلك معروف مشهور، وكل ما حصل له من الفتوح والبركة سببه الأجل كثرة الصلاة على النبي ﷺ فإن كثير الصلوات، على سيد السادات، وهي ورده الأعظم، وطريقه الأقوم، وقد برزت عليه أنوارها، وظهرت آثارها. قصد لأخذ الطريقة العلية من أكثر الجهات والبلدان، وسارت بذكره الركبان، وانتسب إليه خلق لا يحصى عددهم، وزادت خلفاؤه عن المائة خليفة.
سكن حفظه الله حلب الشهباء، من سنين يسيرة، وعمر الزاوية الرفاعية فيها وكثر بأطرافها مريدوه وإخوانه، وعلت شهرته في حلب الشهباء ونواحيها، وحسن فيه اعتقاد الناس، ومدحه الفضلاء والبلغاء وأعيان الناس، ومن الجملة مدحه بالقصيدة الآتية الفاضل الكامل، سلالة الأماجد
стр. 491
الأفاضل، السيد عبد القادر أفندي القدسي، أوحد أعيان حلب الشهباء، وابن المرحوم نقيبها المشهور تقي الدين أفندي القدسي، وهي كما هي درة يتيمة، وصحيفة كريمة:
إذا ضاقت بك الأيام فالجأ ... بحسن وسيلة لحمى الرسول
فإن حمى الرسول وحق ربي ... أمان كل آن للدخيل
وأقرب ما توسلت البرايا ... به للمصطفى آل البتول
هم الطهر الكرام بنو المعالي ... شموس الكون جيلاً بعد جيل
لهم جاه وعز مستفاض ... من المختار بالفيض الجزيل
هم الوراث للمختار طه ... هم أهل الرداء المستطيل
وودهم بأمر الحق فرض ... وهذا أجر مولانا الرسول
إذا أديت حق الود فيهم ... فأبشر بالسعادة والقبول
ودونك سيد السادات شيخي ... فلذ بجنابه العالي الجليل
هو الحسن الحسيني الخزامي ... خلاصة عترة العلم الطويل
له شرف الحضور حضور قلب ... مع المختار غياث النزيل
فتى بيت الرفاعي الغوث روح ... الطريق وفلة الشرف الأثيل
ضيا هذا الزمان أبو الموالي ... سليل الآل مولود الفحول
إمام القوم زبدة آل طه ... ملاذ الملتجى باب الوصول
همام من بني الكرار شهم ... يقابل ذا الإساءة بالجميل
أمير من بني الصياد فرد ... تذل له الرجال بكل قيل
علي القدر رحب الصدر مولى ... الأيادي صاحب الباع الطويل
فللمختار جدهم صلاة ... من الرحمن ترقى في نزول
стр. 492
وأصحاب وأولاد كرام ... غياث الناس في اليوم المهول
مدى الأزمان ما وافى محب ... بحسن وسيلة لحمى الرسول
وهو الآن بحمد الله على قدم استقامته القديمة الأصلية على أحسن حال، معرض عن غير الله متوكل عليه مسلم له الحال، معتمد عليه تعالى في الأقوال والأفعال، ولم يزل يترقى إلى أن خطبته المنية للمكان الأرقى، وذلك عام ألف وثلاثمائة واثني عشر ودفن في حلب.
السيد حسن بن السيد محمد الصيادي الرفاعي ويعرف بخدام الصياد
ترجمه السيد أبو الهدى أفندي فقال: كان صاحب الترجمة شيخاً مباركاً صالحاً معمراً، أخذ الخلافة في الطريقة العلية الرفاعية آخر عمره من الشيخ الكامل العارف السيد الحاج أحمد أفندي بن السيد مصطفى الجندي ثم الصياد، شيخ الطريقة الرفاعية بمعرة النعمان، وبيتهم بيت كرم وصلاح، توفي المترجم بحدود سنة ألف ومائتين وخمس وسبعين ودفن بمقبرتهم بقرية كفر زيتا. انتهى ملخصاً.
الشيخ حسن جبينة بن أحمد آغا بن عبد القادر آغا جبينة
إمام صالح، وهمام في تقواه راجح، لطيف المنادمة، حسن المكالمة، أكب من صغره على طلب العلوم، واستفادة المنطوق والمفهوم، وحضر دروس العلامة الشيخ سليم العطار، والعلامة الشيخ أحمد الكزبري والشيخ أحمد البغال، والفاضل الشيخ قاسم الحلاق وغيرهم. وكان يغلب عليه السكون، والخضوع والتواضع والركون، وبعد انتقال المرحوم الشيخ
стр. 493
قاسم الحلاق إلى جامع السنانية صار في مكانه إماماً ومدرساً وخطيباً في جامع حسان. وكان يغلب عليه الفقر، غلا أنه كان حسن الصبر، وفي آخر مدته مرض مرض الاستسقاء وطال أمره، إلى أن توفي سنة ألف وثلاثمائة وخمس وعمره نحو الخمسة والستين، ودفن رحمه الله تعالى في تربة باب الصغير.
حسن حسني بك بن حسين عارف بن حسن سهراب بن محمود بن مسيح بن عالي من مهاجرة الأتراك والأمراء في الروملي
ترجمه أحمد عزت باشا في كتابه العقود الجوهرية، في مدائح الحضرة الرفاعية، فقال: هو الفاضل الأديب الأريب حسن حسني بك، إلى أن قال: من مهاجرة الأتراك والأمراء في الروملي، هاجروا إليه منذ أكثر من ثلاثة قرون، وسكنوا طويران وكانوا من أمرائها، وتقلبوا في مناصب كثيرة، وجرثومتهم من العائلة البايندرية، وينسب المترجم إلى طويران، هاجر جده إلى مصر سنة ثلاث وخمسين ومائتين وألف. وولد هو سنة ست وستين ومائتين وألف في مصر، وتوفي والده وربي يتيماً في بيت نفسه، ونشأ نشأة أدبية. ولما بلغ الثالثة عشرة أكب على التحصيل من الأساتذة ليلاً ونهاراً، وصرف النظر عن الترقيات المادية إلى طلب العلوم والأدب، فقال الشعر العربي في الخامسة عشرة، ورزقه الله القبول، واشتهر بالشعر والإنشاء والتأليف، واشتغل بالحكمة الدينية، والأخلاق والفنون السياسية وغيرها. وفي سنة ثلاث وتسعين ومائتين وألف سافر إلى وطنه الأصلي، لاستخلاص أملاكه وأوقاف أسلافه، وساح البلاد، ثم عاد إلى مصر، وقدم من مصر لدار السعادة سنة ثلاثمائة وألف، وهو الآن بها.
أقول: وقد اجتمعت به فرأيته حسن الأخلاق، صاحب شهامة
стр. 494
طبع، وفصاحة لسان، وجودة ذهن، وكمال اطلاع، وله آثار كثيرة، منها: ثمرات الحياة، ديوان شعر في مجلدين، وطوالع الأماني، ولواحق الثمرات، وشطحات القلم. وهذه كلها دواوين شعر، ومصابيح الفكر، في السير والنظر، وشمس المشرق في سماء المنطق، وهو مطبوع، ونور العين، رسالة زجلية، وقصة الوارث بن تارك، وإرشاد الخليل في فن الخليل، وعصمة الجماعة، في وجوب الطاعة. وحجة الكرام في علم الكلام، وعصمة الإسلام في فضل الإمام، ويوم الدهر في أحوال مصر، وسر القدر، ومنازه الأحباب في جنات الآداب، وكتاب الوطن، والنشر الزهري، في رسائل النسر الدهري، والإنصاف في حقوق الأشراف، وفلسفة الأخلاق، والتذكار في التوحيد، والبديع في البديع، والسيف القاطع، والنور الساطع، وارتياح الجنان، بأرواح الجنان، ورسالة التوحيد، ومطية الحقيقة، ومجمع الرسائل، ومعراج الأخلاف لمنهاج الأسلاف، وبهجة الكرام في محجة أهل الإسلام، وعدة رسائل باللغة التركية. ومؤلفاته كثيرة وقوة قلمه وذهنه شهيرة. وله نسبة كما قرر من جهة أمه للدوحة الحسينية، بدل على صحتها حسن أخلاقه المرضية، لا زال كريم الجناب، بهجة الأحباب، ومن نظمه:
أهوى الأماني وسعيي ليس يرضيها ... تدنو إلي وصرف الدهر يقصيها
كم ليلة بت أستجلي محاسنها ... وأنجم الأفق صرعى في مجاريها
تسعى إلي براح من غوايتها ... فاستقيها صبابات وأسقيها
روحين في جسد كنا توحدنا ... أهواؤنا وتمنينا مباديها
لا نعرف البعد حيث القرب يعصمنا ... ولا نخاف الليالي في عواديها
كأننا فرقدا أفق المسرة لا ... تهاب صدي ولا أخشى تجافيها
كم قلت والليل مسدول ستائره ... نعم الليالي التي جادت أياديها
كم همت في وجنة من ورد وجنتها ... والخال قد عم من طيب مجانيها
стр. 495
حتى أضعت شعوري في مسلسلة ... من الشعور يروي الدور ساحيها
وهي طويلة؛ ومن نظمه:
هي الهمة العلياء والزمن النكد ... عدوان للأحرار إن أحجم الجد
يبيت فتى الفتيان رهن همومه ... وقد فاز من ليلاته السافل الوغد
ويصبح مقدام البهاليل أعزلاً ... ويمسي أنوف الأنف قد خانه السعد
فيا عجباً للدهر تعدو ذئابه ... وقد هزلت في عز أعياصها الأسد
ويا حرباً تسمو الشموس أهلة ... ويرتفع الوادي وينخفض الطود
ويا طرباً تمسي المواضي طريحة ... ويحمل في أعناق أبطالها الغمد
ومن نظمه يمدح العارف بالله السيد أحمد الرفاعي قدس الله تعالى سره فقال بعد أبيات كثيرة:
أستقبل الدهر أبكيه ويضحكني ... فلم يقلني ولم أطلبه ملتجئا
رفعت يا ابن الرفاعي عبء كلكله ... عن عاتقي فتوانى بعد ما جرؤا
شبل الحسين رفيع الجاه أحمد من ... يرجى إذا الخطب من ضوضائه امتلأ
آثاره بهرت أنواره ظهرت ... كتابه حجة برهانه برأ
أتى على فترة يدعو لواضحة ... صوابها قد محا الآثام والخطأ
جرى على سنن المختار مقتضباً ... نوراً جلا صيقل الأذهان إذ صدئا
وجاء بالفتح عن داعي الهدى فكبت ... أجراه من تخذوا آياته هزؤا
دعا إلى الله بالبرهان فاتضحت ... سبل الهدى فهدى برهانه الملأ
وقام عن جده حق القيام فيا ... نعم الإمام بعلم جهلنا درأ
رست قواعد علياه على جبل ... من التمكن يحمي كل من لجأ
تنزهت ذاته عن كل شائبة ... لما على سدرة الإيقان قد وطئا
следующие страницы →