← Тараджим

Тараджим · id 31371

حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر

عبد الرزاق البيطار

Полный текст (1 568 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

نفعه. وعلى كل حال كان عديم المثال، في العلم والفضل وبقية الخصال. توفي يوم الاثنين سادس جمادى الثانية سنة سبع وثلاثمائة وألف وعمره نحو الثمانين ودفن في مرج الدحداح. سليم بن أحمد بن عبد الرحمن بن محمد الكزبري الشافعي مات والده سنة ألف ومائتين وتسع وتسعين، فأراد بعض الناس أن يكون ولده المترجم مكانه في تدريس صحيح الإمام البخاري بعد العصر في رجب وشعبان ورمضان تحت قبة النسر في جامع بني أمية، وإن كان عديم الأهلية، بل كان يقرأ في كتب المبتدئين، لكن أرادوا أنهم يجعلون له همة للطلب والتحصيل، وإنه في أول الأمر يقرأ الدرس رسماً لكيلا تخرج هذه الوظيفة من هذه العائلة، فكان بعض الناس في كل يوم يكتب له الدرس وبعض تقريرات عليه، ويضبطون له بالقلم خوفاً من التحريف، وصار يقرأ هذا الدرس في كل سنة على هذا المنوال، من غير اعتراض عليه ولا سؤال، ولم يزل كذلك إلى أن ظن نفسه أنه فاق، مع أنه ما تقدم عن حاله الأول ولا ارتدى برداء ما يليق بذوي الكمال ولا تحول، بل كان بتعاطى القضايا، التي يعدها أصوله من أعظم الرزايا، فنعم الآباء والجدود، ونعم ما كانوا عليه من الفضل المشهود، فلا ريب أن هذا المترجم، ذا الهيئة السامية والقدر المعظم، قد رمدت به عيون العلم والأدب، وتمنت العمى ولا تراه مستوياً على هذه الرتب. وحينما مات والده، وانتهى من فضل هذا البيت طارفه وتالده، وجلس المترجم تحت قبة النسر، أنشد لسان حال المحل حزناً من غير صبر:

стр. 667

لعلك يا عذير علمت حالي ... فتعلم أي خطب قد لقيت وإني إن بقيت بمثل ما بي ... فمن عجب الليالي أن بقيت ومن العجيب أنها قد احترقت بعد مدة قليلة، وبقيت على انهدامها تبعاً للجامع مدة طويلة. نسأل الله حسن الأحوال، بجاه سيدنا محمد والصحب والآل توفي هذا المترجم رحمه الله تعالى سنة أل٥ وثلاثمائة وإحدى وثلاثين وجلس في مكانه ولده الشيخ محمد علي فتح الله علينا وعليه، ودفن هذا المترجم في تربة باب الصغير في مدفن آبائه الكرام. الشيخ سليم بن الشيخ حسين النحلاوي المعروف بالطيبي أمين فتوى السادة الشافعية، في دمشق الشام المحمية، ولد في دمشق ونشأ بها، وحضر دروس علمائها إلى أن بلغ المطلوب، وفاز بالمرغوب، وصار معدوداً من الأوائل، ومحسوباً من ذوي الفضائل، وكان حسن العبارة، دائباً على الترقي في المعارف ليله ونهاره، لطيف المحاضرة، رقيق المذاكرة، لا يُملُّ كلامه، ولا يعلُّ نثره، ولا نظامه، وله مؤلفات بهية، وآثار لطيفة زهية، منها الفيوضات الرحمانية، في أحكام الفرائض القرآنية. وكان زينة المجالس، وبمثله يتنافس المتنافس، ولم يزل رفيع المقام جليل الاحترام، إلى أن نظمته يد المنية، في سلك الراحلين إلى الدار العلية، وذلك في حدود الألف وثلاثمائة رحمه الله تعالى.

стр. 668

الشيخ سليم بن محمد بن يوسف بن حسن بن يوسف سمارة ذو علم وعبادة، وفضل وسيادة، واستقامة في الأمور، وصيانة عما يوجب القصور، كان رفيقي في طلب العلم، على سيدي الوالد، فقرأنا كتباً متعددة، من فنون لا من فن واحد، وبعد موت والدي سنة ألف ومائتين واثنتين وسبعين حضرنا دروس العالم الفاضل ذي المقام الرصين الشيخ محمد الطنطاوي الأوهري، الذي هو بكل فضل حري، فحضرنا جميع دروسه، بكل جدٍّ واجتهاد، ونلنا به كل مرام ومراد، ولم نزل نحضر دروسه خمس سنين، إلى أن حدثت حادثة النصارى في أواخر ذي الحجة سنة ألف ومائتين وسبع وسبعين، فانتقل الشيخ المومى إليه من الميدان إلى داخل البلد، لإقراء أولاد الأمير عبد القادر السيد السند، وجلس بمكانه بجامع سيدنا صهيب الشيخ العربي المغربي، وبعد موته جلس المترجم في مكانه في الجامع المرقوم إماماً وخطيباً ومدرساً، وتزوج ببنت شيخنا الطنطاوي المرقوم، ووجهت عليه نظارة جامع المصلى المشهور، فقام بخدمته كما هو في الشريعة مأمور، ثم صار إماماً في المحلة المرقومة، وكان يتعاطى مصالحها من عقد وصلح وغير ذلك من الأمور المعلومة. وفي سنة خمس وثمانين بعد المائتين والألف حينما جاء إلى الشام الشيخ محمد المغربي الفاسي الشاذلي، أخذ الطريقة عليه ولا زال يشتغل في السلوك، إلى أن ذهب شيخه إلى ملك الملوك، فذهب المترجم إلى الحجاز واستقام هناك عدة شهور في زاوية الأستاذ المرقوم،

стр. 669

وحصل له الإذن من ولد الأستاذ المرقوم بأن يعطي الطريق لمن شاء ممن فيه أهلية للأخذ، وأن يقيم الأذكار على شرط الطريق المعروف عند أهله ولم يزل هذا المترجم في علم وعمل وطاعة وعبادة وصيانة وتقوى، يحب التودد إلى إخوانه، ويذهب إلى زيارتهم بقدر إمكانه، مع قيامه بوظيفة الإفادة، وإقامة الأذكار حسب العادة، وله تمسك بالسنن، وميل إلى العمل بها جميل حسن، وللناس به اعتقاد عظيم، ونظر إليه بعين التعظيم، غير أنه له أطوار، فربما يكون في غاية البسط فتجذبه في الحال إلى الأكدار، فيغلب عليه السكوت، ويظهر عليه أنه مقهور ممقوت، وهذه كثيراً ما تحصل لأهل الطريق، ويعتريهم به غاية الضيق، وعلى كل حال فالله هو المتصرف بعباده كيف يشاء، وهذا يجعله ممن أحسن وهذا ممن أساء، فهذا المترجم ممن يحق له أن يذكر، ويثنى عليه بين الناس بالجميل ويشكر، وفقنا الله وإياه لطاعته، وأحسن غلينا بجميل عنايته. توفي رحمه الله تعالى أثناء سنة ألف وثلاثمائة وإحدى وثلاثين ودفن في باب الصغير. سليم أفندي بن أنيس أفندي بن قصاب حسن أقسم بالشمس والقمر، ونسيم الصبا إذا سرى في السحر، لهو البليغ الذي فاق نظمه ونثره، وراق لدى الأسماع سجعه وشعره، له خلق أرق من النسيم وأعذب، وكلام ألذ من سماع العود وأطرب، وأوصاف كالروض إذا ثغْرُ أقاحه تفلَّج، ومائس غصنه بأنواع الزهر تاه وتبرج، وفصاحة ألانت له عصي الكلام، وبلاغة طوعت له أبيَّ النظام، فمن نظمه الزاهي الزاهر، وشعره الباهي الباهر، وقوله:

стр. 670

أبى الله إلا أن أبيت معذباً ... وأن لا أرى غير المحبة مذهبا بروحي غزالاً إن تمايل أو رنا ... فلا تذكروا الأغصان بعده والظبا فإن اشتغالي بالذي هو يرتضي ... وفيه، فلا أما أبر ولا أبا حملت الأسى حرصاً على وده وقد ... أضعت شبابي في هواه تسيبا خلعت شعوري والتنسك والهدى ... وأصبحت في برد الضلال مجلببا سهوت عن الدنيا وديني كأنما ... عليَّ إلهي ما أسن وأوجبا أروح وأغدو بين قومي كأنني ... مسيئ ومِخْطاء، وما كنت مذنبا ذليل ومالي بالوضيع وإنما ... غرامي دعاني أن أذل وأغلبا وقوله: يا بدر ما هذا التجني والقلى ... ما كان ظني فيك ترعى العذلا أوليتهم حسن الوفاء وخنتني ... بقبيح هجر ليت ما كانوا ولا أجهلت ودي فيواك صيانة ... الله أكبر ما أود وأجهلا هل قد نسيت العهد أم أنقضته ... بالله فاذكر ما تقضى أوَّلا مهلاً أبعد تعطف وتلطف ... مني تبلغ حاسدي ما أملا وقوله: كم ذا وكم هذا العذاب الأكبر ... وإلى متى هذا المنون الأحمر يا قلب فارجع عن قريب وارتقب ... مولاك بي إن الطريق لمخطر إذا لم تطع نصحي ضلالاً بالهوى ... ودّع حياتك فاللقاء المحشر وقوله: عاقب بما تبغي سوى الإعراض ... وافعل كما تختار إني راضي واسمح ولا تسمع كلام مفَّوه ... بالسوء قد أفشي الجفا أمراضي إني على العهد القديم محافظ ... ما خنت ودّاً قد زكا في الماضي يا حبذا موتي بحبك إن تكن ... بالصد والهجر المحتم قاضي

стр. 671

لو كان يدري حالة الولهان ... ما جار بالأعراض والهجران ظبي سلا في حبه قلبي وما ... حدثت نفسي عنه بالسلوان أمسي وأصبح في هواه كأنني ... سكران نشوان بخمر دنان أواه من لوم العواذل إنه ... قد زادني ناراً على نيران بالله بلغ يا صبا إن جزته ... أشواق صب بالمحبة فاني حيران سهران الظلام متيم ... يرعى النجوم بناظر هتَّان وله ما الهوى إلا هوان واكتئاب ... واحتراق واشتياق واضطراب نعمة قل إن تشا في نقمة ... أو بلاء أو نعيم في عذاب ليس تعداد الليالي فائداً ... إنما قد زاد نيراني التهاب إن نأى يا طول تسهيدي به ... أو دنا لم يشف قلبي الاقتراب وقال في ذات مخصوصة مما ظاهره الهجاء، وباطنه المداعبة والمجون: ما هام هذا الشيخ فينا وافتخر ... إلا على حب الطعام المفتخر ظهرت مناقبه الحسان وداره ... عنا توارت ليس يدركها البصر أمسى بداره المطعمين منعما ... وبداره يلقى عذاباً من سقر إن هلَّ يوم العيد هللَّ فرحة ... وإذا أتى شهر الصيام نوى السفر شيخ إذا ما مد يوماً باعه ... لم يبق شيئاً في الخوان ولا يذر تلقى الصحون لديه ترجف خيفة ... فيجيبها أين المفر من القدر أسنانه مثل المناجل ما ورا ... ء حصادها لقط يراه من اغترر فالويل للقبوات من وثباته ... والسحق للحلواء منه إن حضر كره الزحام على الطعام لذا غدا ... يبدي التعامي عنه في غض النظر

стр. 672

تباً له بئس الأكول فإنه ... لو حل في دار النجاشي لافتقر صادفته متحيراً والوقت في ... شهر الصيام فقلت ما هذا الخبر؟ فأجابني دعني فإن حماقتي ... قد أورثتني من تجنيها الكدر أقسمت شهري لا أجيب لدعوة ... وظننت ظن الخير في صبري عذر فمتى زمان النحس عني ينقضي ... وأرى ليالي المحق تظفر بالقمر حتى أجيب لكل داع مسرعاً ... وأسير لو أن الطريق على خطر وله: خسف البدر وقد تم الأمر ... وبدا في خده داجي الشعر ذهب الحسن الذي قد غره ... واسترحنا من دلال كان مر وقال مؤرخاً: لقد ولدت لك العرجاء مهراً ... فدع زوراً دعاء البضع عنكا نعم لاحت علائم فيك منه ... وفيه بدت علائم أشبهتكا وما هو منك عبد الله أرخ ... بلى لو جاء بغلاً كان منكا وقال: ما لهذا الحب آخر ... لا ولا للصب ناصر ما احتيالي عز صبري ... والهوى أبدى السرائر لست أخلو من حسود ... أو عذول دام غادر إن سها عني رقيبي ... جاء يرنو ألف ناظر أو نأى عني عذولي ... كان سقمي فيه حاجر ليتني قبل الهوى لو ... أنني زرت المقابر

стр. 673

ليت شعري اليوم هل لي ... بالهوى العذري عاذر بأبي الظبي المفدى ... أكحل العينين ساحر إن رنا باللحظ عجباً ... قلت يا هاروت حاذر بدر حسن تم وصفا ... إن بدا أسبى الحرائر حبه سلَّ شعوري ... يا ترى بالحال شاعر حسنه جرد نسكي ... وهو بالإحسان غامر عادل الأعطاف لكن ... لحظه بالفتك جائر صرت من وجدي عليه ... مثلاً في الناس سائر عاذلي فنَّد وأوَّل ... فعلى الباغي الدوائر واتق الرحمن واحذر ... إن طرف الصب ساهر وقال في نوع الاطراد: أيها الراوي أحاديث الشجن ... بالهوى العذري خذ عن مؤتمن عن سليم بن أنيس بن سليم ... بن حسان بن قصاب حسن وقال مادحاً حضرة الشهم الأديب حسن أفندي بيهم حبذا موردها بيروت من ... بلدة قد برعت في كل فن أشرقت تزهو بأبهى فتية ... لم تجد فيهم فتى إلا حسن وقال مجيباً عن هذا اللغز الوارد من جناب الأديب الفائق الشيخ محمد عجم الحمصي قل للأجل الأمجد السامي المقام الأوحد حييت من خل سليم القلب حلو المورد ما اسم رباعي نصفه ... أراه فر من اليد والنصف أفتن عاشقاً ... يحكيه ميد الأملد

стр. 674

جزآن منه صيرا ... ني رق ظبي أغيد بالبسط ثاني حرفه ... البر منه تجتدي هو صالح ذو رفعة ... بالقطب دوماً يقتدي هات الجواب بسرعة ... لتنال أسنى السؤدد الجواب: يا من سما بالسؤدد ... أسنى المقام الأمجد أهديت لغزاً سامياً ... في نجم سعدك يقتدي اسم رباعي حكى ... وجه الحبيب الأغيد اسم وكم منه إلى ... فعل وحرف تهتدي النصف فر ونصفه ... قدَّ يقدُّ تجلدي أصبحت رقاً بالهوى ... مذ قر في قلبي الصدي بالقلب درَّ شطره ... قف ما تبقى واشهد تلقى بحذفك لامه ... فرقاً بدا كالفرقد هذا الجواب فأرتجي ... إغضاء طرْفك سيدي وقال: ما بال قلبك قد غدا متقلباً ... أيُلام ولهان ولم يك مذنباً ما كان عهدي في ودادك جفوة ... من غير داع بالمحبة أوجبا

стр. 675

ولما نظم ديوانه المسمى بنشاة الصِّبا، ونسمة الصِّبا، وطبعه في خامس عشر شوال سنة ألف ومائتين وثمان وتسعين، أرسل لي نسخة فأرسلت له تقريظاً على الديوان المذكور إلا أنه قد كان طبع فلم يمكن إلحاقه، وقد أرسل إليَّ هذه القصيدة: أمن طرفه الوسنا أم ثغره الحالي ... دعاني الهوى نشوان أغفل عن حالي أم الغمز في عينيه أوحى مراسلاً ... فؤادي بما أوحى فهيج بلبالي غزال له قلب المحبين مرتع ... ولم بلف قلباً من محبته خالي هو البدر إلا أن آية حسنه ... مرتلة لم يتلها بالسنا تالي سلا القلب جوراً وهو فيه فليته ... رعى حق جارٍ لم يكن قطُّ بالسالي له الله ما أحلى زماناً قضيته ... بلقيائه أُنساً على رغم عُذالي ذوى بعده عود اصطبار يوعوده ... كعود صبا الأشياخ والهرم البالي قطعت الرجا من وصله وأنخت في ... حمى عبد رزاق الورى ركب آمالي هو العالم النحرير والعامل الذي ... تجرد للمولى عن الآل والمال إمام لأفراد الفضائل جامع ... يؤم ذرى عليائه كل مفضال إذا ماد في ميدان فن يراعه ... وجال بأفكار جلا كل إشكال كساني بروداً من نسيج قريضه ... فبت على الأقران أسحب أذيالي وقلدني من بحره عقد جوهر ... نظيماً ولكن لا يليق بأمثالي وقابل حظي منه أسعد طالع ... فحققت وهما نجم نحسي بإقبال فلا زال في جبر الكسير ملاطفاً ... مدى الدهر ما المشتاق حن لآطلال ولد هذا الشهم الأديب، سنة ألف ومائتين وستين بوجه التقريب، ولم يزل بحمد الله على أحسن حال، وأهنأ عيش وأعلى كمال، كلامه لطيف ومقامه منيف وسيرته حسنه، وصفاته مستحسنة، أطال الله بقاه، وأعلى حظه ومرتقاه.

стр. 676

الشيخ سليمان بن سلامة الشافعي الأشعري الميداني العالم العابد، والناسك الزاهد، ولد سنة إحدى عشرة ومائتين وألف، وقرأ على الشيخ صالح الزجاج، والشيخ عبد الرحمن الكزبري، والشيخ عبد الله الكردي، وبقية الشيوخ الموجودين، ولم يزل كذلك إلى أن انتقل والدي الشيخ حسن إلى الميدان فاقتصر عليه، وحط رحله لديه، فقرأ من الفنون وأكثر، إلى أن قرأ التحفة الفقهية لأبن حجر، وحين وصولهم إلى باب العتق اخترمت والدي المنية. وكان المترجم المرقوم ذا هيبة علمية، ولطافة أدبية، وكان عليه وظيفة التدريس والإمامة والخطابة في جامع ساحة السخَّانة تابع الميدان. ولم يزل مواظباً على إفادته، مقبلاً على تقواه وعبادته، إلى أن توفي ﵀ في ذي الحجة الحرام سنة ألف ومائتين وسبع سنين، ودفن في مقبرة باب الله، ﵁ وأرضاه. الشيخ سليمان بن عمر بن منصور العجيلي الشافعي الأزهري المصري المعروف بالجمل الفاضل العلامة، والرحلة الفهامة، المحدث الفقيه، والمتبحر النبيه، الصوفي الصالح، والمتعبد الناجح. ولد بمنية عجيل كما ذكره الإمام الجبرتي، إحدى قرى الغربيه، وورد مصر ولازم الشيخ الحفني، فشملته بركته، وأخذ عنه طريق الخلوتية، ولقنه الأسماء، وأذن له واستخلفه وتفقه عليه وعلى غيره من فقهاء العصر، مثل الشيخ عطية الأجهوري ولازم دروسه كثيراً، واشتهر بالصلاح وعفة النفس، ونوه الشيخ الحفني بشأنه، وجعله إماماً وخطيباً بالمسجد الملاصق لمنزله على الخليج، ودرس بالأشرفية

стр. 677

والمشهد الحسيني في الفقه والحديث والتفسير، وكثرت عليه الطلبة، وضَبَطْتُ من إملائه وتقريراته كثيراً. وقرأ المواهب والشمائل وصحيح البخاري وتفسير الجلالين بالمشهد الحسيني بين المغرب والعشاء، وحضره أكابر الطلبة، ولم يتزوج. وفي آخر أمره تقشف في ملبسه ولبس كساء صوف وعمامة صوف وطيلساناً كذلك، واشتهر بالزهد والصلاح، ويتردد كثيراً لزيارة المشايخ والأولياء. ولم يزل على حاله، حتى توفي حادي عشر ذي القعدة سنة أربع ومائتين وألف. الشيخ سليمان الجوسقي شيخ طائفة العميان بزاويتهم المعروفة بالشنواني العمدة الشهير، والنخبة النحرير، تولى شيخاً على العميان بعد وفاة الشيخ الشبراوي، وسار فيهم بشهامة وصرامة وجبروت، وجمع بجاههم أموالاً عظيمة وعقارات، فكان يشتري غلال المستحقين المعطلة، ويخرج كشوفاتها وتحاويلها على الملتزمين، ويطالبهم بها كيلاً وعيناً، ومن عصى عليه أرسل إليه الجيوش الكثيرة من العميان، فلا يجد بداً من الدفع وإن كانت غلاله معطلة، صالحه بما أحب من الثمن. وله أعوان يرسلهم إلى الملتزمين بالجهة القبلية يأتون إليه بالسفن المشحونة بالغلال والمعاوضات من السمن والعسل والسكر والزيت وغير ذلك، ويبيعها في سني الغلا بأقصى القيمة، ويطحن منها على طواحينه دقيقاً ويبيع خلاصته، ويعجن نخالته خبز الفقراء العميان، يتقوتون به مع ما يجمعونه من السؤال في طوافهم آناء الليل وأطراف النهار بالأسواق والأزقة، وتغنيهم بالمدائح والخرافات، وقراءة القرآن بالبيوت ومساطب الشوارع، وغير ذلك، ومن مات منهم ورثه الشيخ المترجم المذكور، وأحرز لنفسه ما جمعه ذلك

стр. 678

الميت، وفيهم من وجد له مال عظيم، ولا يجد لنفسه معارضاً في ذلك. واتفق أن الشيخ الحنفي نقم عليه في شيء فأرسل إليه من أحضره موثوقاً مكشوف الرأس مضروباً بالنعال على دماغه وقفاه من بيته إلى بيت الشيخ، ولما انقضت تلك السنون وأهلها صار المترجم من أعيان الصدور المشار إليهم في المجالس تخشى سطوته، وتسمع كلمته، ويقال قال الشيخ كذا، وأمر الشيخ بكذا، وصار يلبس الملابس الفاخرة والفراوي ويركب البغال وأتباعه محدقون به من كل جانب، وتزوج الكثير من النساء الجميلات الغنيات، واشترى السراري البيض والحبش السود، وكان يقرض الأكابر المقادير الكثيرة من الأموال ليكون له عليهم الفضل والمنة. ولم يزل حتى حمله التفاخر في أيام الفرنسيس على المداخلة في الفتنة والرئاسة مع من ترأس، وقتل فيمن قتل في القلعة ولم يعلم له قبر، وكان ذلك في سنة أربع عشرة ومائتين وألف رحمه الله تعالى. الشيخ سليمان بن محمد بن عمر البجيرمي الشافعي الأزهري المنتهي نسبه إلى الشيخ جمعة الزيدي المدفون ببجيرم نسبة إلى زيده بالقرب من منية ابن خصيم، وينتهي نسب الشيخ جمعة المذكور إلى سيدي محمد بن حنفية هو العالم الفقيه، والمحدث النبيه، خاتمة المحققين، وعمدة المدققين، بقية السلف، ونخبة الخلف، وكعبة العلماء، ومرجع الفقهاء، من طار في الآفاق ذكره، ورقي على أوج الرفعة قدره، وتحلى بالفضائل، وتقدم على الأفاضل. ولد ببجيرم قرية من الغربية سنة إحدى وثلاثين ومائة وألف، وحضر إلى مصر صغيراً دون البلوغ، ورباه قريبه الشيخ موسى البجيرمي، فحفظ القرآن ولازم الشيخ المذكور حتى تأهل لطلب العلوم، وحضر على الشيخ العشماوي في الصحيحين وأبي داوود والترمذي

стр. 679

والشفا والمواهب، وشرح المنهج لشيخ الإسلام، وشرحي المنهاج لكل من الرملي وابن حجر، وحضر دروس الشيخ الحفني، وأجازه الملوي والجوهري والمدابغي، وأخذ عن الديربي وغيره، وحضر أيضاً دروس الشيخ علي الصميدي، والسيد البليدي، وشارك كثيراً من الأشياخ كالشيخ عطية الأجهوري وغيره. وكان إنساناً حسناً حميد الأخلاق متجمعاً عن مخالطة الناس مقبلاً على شأنه، وقد انتفع به أناس كثيرون، وكف بصره في آخر عمره، ومن تآليفه: حاشيته على شرح المنهج أربع مجلدات، وأخرى على الخطيب وغير ذلك، وقبل وفاته سافر إلى مصطية بالقرب من بجيرم فتوفي بها ليلة الاثنين وقت السحر ثالث عشر رمضان سنة إحدى وعشرين ومائتين وألف ودفن هناك رحمة الله تعالى عليه. الشيخ سليمان الفيومي المالكي الأزهري العمدة النحرير، والنبيل الشهير، كريم الأفعال، جميل الخصال، ولد بالفيوم، وحضر إلى مصر وحفظ القرآن، وجاور في الأزهر، وكان في أول عمره يمشي خلف حمار الشيخ الصعيدي وعليه دارعة صوف وشملة صفراء، ثم حضر دروسه ودروس الشيخ الدردير وغيرهما، واختلط مع المنشدين على الاذكار، وكان له صوت حسن مطرب، فيذهب إلى بيوت الأعيان في الليالي فينشد الأنشادات ويقرأ الأعشار من القرآن، فيعجب الحاضرون به ويكرمونه زيادة على غيره، واختلط ببعض الأعيان البرقوقية من ذرية السلطان برقوق، وهم نظارعلى أوقافه، فراج أمره، وكثرت معارفه بالأغوات الطواشية، وبهم توصل إلى نساء الأمراء والسعي في حوائجهن، وصار له قبول زائد عندهن وعند أزواجهن، وتجمل بالملابس وركب البغال. ولما مات الشيخ محمد العقاد

стр. 680

تعين المترجم لمشيخة رواق الفيمة، وبنى له محمد بيك المعروف بالمبدول داراً عظيمة بحارة عابدين، وكانت تأتيه الهدايا من الأمراء وغيرهم، وتزوج ببنت عبد الله الرومي وتصرف في أوقاف أبيها، وكان مع قلة بضاعته في العلم مشاركاً بسبب التداخل في القضايا. وكان كريم النفس جداً يجود وما لديه قليل، مع حسن المعاشرة والبشاشة والتواضع والمواساة للكبير والصغير، والجليل والحقير، وطعامه مبذول للواردين فكل من دخل عليه لابد أن يقدم له طعاماً، ولا يرد طالباً بلا شيء ولو أنه يقترض، ويدفع فوق المأمول، وكان لا يتأخر عن مساعدة ذي حاجة أصلاً، مع كونه نافذ الكلمة، مقبول الشفاعة، ولا يقبل من أحد شيئاً مكافأة على فعله، فمالت إليه القلوب، ووفدت عليه الناس من كل جانب، وطارت شهرته في البلاد والأماكن، وكان إذا نَزَلَ عنده ذو حاجة فلا يخرج من داره حتى تقضى حاجته، فيودعه ويزوده ما يكفيه إلى وطنه. ولما أخذ الفرنساويون مصر عام ثلاثة عشر، كانت داره ملجأ القاصدين ومنهل الواردين من الناس، لأنه كان عند الفرنساويين من المقدمين على غيره، ولم يزل في ازدياد إلى أن نزل به مرض فأبطل شقه، وعقد لسانه، ولم يزل حتى توفي ليلة الأحد الخامس والعشرين من ذي الحجة سنة أربع وعشرين ومائتين وألف.

стр. 681

حرف الشين السيد شاكر بن علي بن سعد بن علي بن سالم العمري الحنفي الدمشقي شيخ قد فاق في العلم والعمل، وحاز في التقوى والعبادة والحلم والكرم بغية الأمل، قد جمله الله تعالى بأحسن الشمائل، وتوجه بتاج الكمال والفضائل، وزينه بفرائد الفنون وعوائد العلوم، وأظهر له ينابيع المنطوق والمفهوم، فارتقى ذروة المعارف، وبزغت من مشارق أفكاره شموس اللطائف. ولد في دمشق الشام، سنة ألف ومائة وسبع وخمسين في محرم الحرام، ثم التفت لطلب العلوم، حتى صار بيت القصيد ومرجع العموم. قرأ على الشيخ محمد الكزبري الشافعي، وعلى ولده الشيخ عبد الرحمن، وعلى المنلا علي التركماني، وعلي أفندي الداغستاني، وعلى الشيخ علي السليمي، وعلى الشيخ مصطفى الأيوبي، وعلى الشيخ إبراهيم الخلوتي، وعلى الشيخ

стр. 682

محمد العجلوني، وعلى الشيخ احمد بن عبيد الله الحمصي، وعلى الشيخ إبراهيم الغزي الصايحاني، وعلى الشيخ مصطفى ابن أحمد بن محمد بن سلامة اللقيمي، والشيخ محمد بن أبي بكر الدمشقي، وغيرهم من الشاميين وغيرهم، وقد أجازوه جميعاً بما تجوز لهم روايته عن مشايخهم، وكانت له شهرة عظيمة، وبركة شاملة عميقة، فكان يعتمد عليه، ويشار إليه، ومن نظمه يمدح شيخه الإمام الفاضل السيد عبد الرحمن بن مصطفى العيدروس يا بني العيدروس أنتم ملاذي ... أنتم ملجأي بني العيدروس فاعطفوا سادتي على عبد رق ... رق من صبوة وشوق رسيس وقال أيضاً: يا آل بيت العيدروس أنتم ... أهل الصفا وبكم تطيب لذائذي عطفاً على من أزعجته كروبه ... فحماكم للمستجير العائذ وقد مدحه تلميذه السيد محمد عابدين بقصيدة منها قوله: لاانثني عن حبه وغرامه ... أبداً وإن كانت دموعي تغدق إلا إلى مدحي لروض العلم مَنْ ... مِن عرفه كل الورى تستنشق العالم العلامة الفرد الفريد اللوذعي الألمعي الحاذق هو شاكر ولربه ذي الشكر شا ... كر دائماً دائماً عن شكره لا يزلق إلى آخرها وهي طويلة وحينما قدمها لشيخه المرقوم أجابه بقوله:

стр. 683

حبيب لقد أهدى إلي مدائحاً ... ألذ على قلبي وأشهى من الشهد عقود جمان صاغها فكر بارع ... خبير بتنظيم الفرائد في العقد أديب أريب ألمعي سميدع ... نبيل نبيه لوذعي عطر الند فصن ذاته من حاسد ومعاند ... ويمم به سبل المسرة والجد وحين رجا مني القبول تخضعاً ... تلقيتها بالشكر منه وبالحمد ومن قوله ﵁ قرب وفاته في آخر عمره: قد آن يا خلي ويا بغيتي ... أرجع عن ميلي وعن صبوتي واتقي رباً سريع الرضا ... ينعم بالعفو وبالتوبة وكانت وفاته ﵁ بعد العصر نهار الجمعة لأربع مضت من محرم الحرام سنة اثنتين وعشرين ومائتين وألف، ودفن بمقبرة الذهبية قرب قبر سيدي أيوب الخلوتي من جهة رأسه. الشيخ شاكر بن خليل بن ناصر بن محمد المجذوب الرفاعي الميداني كان رجلاً صالحاً متعبداً مشتغلاً بأوراد القطب الأوحد السيد أحمد الرفاعي قدس الله سره، وجعل أعلى الجنان مقره، وللناس به اعتقاد، وتأتي إليه النساء لأخذ التمائم بكل اعتقاد!! وقد عاش من العمر فوق الثمانين مع كل الاستقامة، إلى أن دعته المنية سنة ألف ومائتين وست وستين ١٠ ذي الحجة ودفن بباب الله. شعبان بن عبد الله بن شعبان الانطاكي أحد العلماء العظام، وأوحد العلماء الأعلام، المشهور بالتقوى والصلاح، والمذكور بالعبادة والفلاح، والزهد والكمال، والبشر والجمال.

стр. 684

ولد بانطاكية عام اثنتين وعشرين ومائة وألف، وقرأ على علمائها حتى صار من فضلائها، وكان جل انتفاعه بقريبه السيد محمد أفندي بن علي أفندي المفتي ولا زال يترقى في العلوم إلى أن وليَّ وظيفة الإفتاء ببلده المذكورة، وكانت فضائله وشمائله مأثورة، فاشتهر أمره وعلا ذكره، وأحبه الناس لكماله وحسن أفعاله، وأطبق العموم على أنه للنظير معدوم، ولم يزل على حاله إلى أن دعته المنية إلى الدار العلية. فتوفي أوائل شعبان عام ألف ومائتين وثلاثة.

стр. 685

حرف الصاد الشيخ صادق أفندي الواعظ الحنفي كان إماماً كاملاً، وعالماً عاملاً، متمسكاً بدينه، متمكناً بعقيدته ويقينه، لا يخشى سطوة أمير مكابر، ولا إمام جائر، صداعاً في قوله، معتمداً على الله في قوته وحوله، لا يميل مع نفسه إلى ملائم ولا تأخذه في الله لومة لائم، وفي سنة بضع وثمانين بعد المائتين والألف حضر لدار السلطنة العلية، وعاصمة الأمة الإسلامية، في أيام خلافة أعظم ملوك الإسلام، وسيد ملوك الأنام، السلطان عبد العزيز خان، عليه الرحمة والرضوان، وكان دخول المترجم أوائل رمضان، فكان يقرأ درس الوعظ في أيا صوفيا إلى اليوم السابع والعشرين، وقد جرت العادة أن السلطان في ذلك اليوم يدور على الدروس، فمتى أتى لدرس يختم المدرس الكلام، ويدعو للسلطان، فما زال السلطان يجري العادة ومعه وكلاء الدولة العظام، وشيخ المسلمين والإسلام، إلى أن وصل لدرس المترجم، فلم يجر العادة من الختم في الحال والدعاء، بل التفت إلى الوكلاء، وخاطبهم بما لا يليق خطابهم به من كونهم أدخلوا على السلطان الغرور، وأبطلوا الشريعة وارتكبوا سفاسف الأمور، ونكسوا أعلام الدين، وقدموا المخالفين على المؤمنين، وأطال الكلام، وتجاوز الحد في هذا المقام، والسلطان صاغ إليه، فحقد الوكلاء عليه، فبعد أن ختم ذهب، وقد أضمروا له كل عطب، ثم بعد ذلك اجتمعوا وذهبوا إلى السلطان، فدخلوا عليه بعد تقديم الاستئذان وتكلموا في حق المترجم بما غير قلب أمير المؤمنين عليه، وقالوا له قد

стр. 686

فعل ما أوجب توجيه المضرة إليه، فلا بد من إعدامه، ليتأدب غيره عن التكلم بمثل كلامه، فقال أمير المؤمنين نعم ولكن لا بد من مرافعتكم معه في مجلس شيخ الإسلام، لئلا يقول الناس قتل ظلماً فَنَقَعَ بين العموم في الملام، فحينما أحس شيخ الإسلام، دخل على الملك خفية عن الوكلاء العظام، ولم يزل يتعطف للسلطان، ويسترحمه بالعفو عن هذا الإنسان، ويقول له إن قتلناه قيل بالعبارات الصريحة، إن السلطان قد قتله لبذله النصيحة، ولكن نفيه أولى، ورأي أمير المؤمنين أعظم وأعلى. فأمر السلطان بنفيه في الحال، فأرسل إلى عكا من غير امهال. مطلب قصة محمد بهاء الله رئيس البابية وكان ممن نفي من بلاد العجم قبله إلى عكا محمد بهاء الله رئيس البابية. والناس قد اختلفوا فيه على أنواع، فمنهم من يقول يَدَّعي بأنه المهدي، ومنهم من يقول أنه يدعي النبوة، ومنهم من يقول يدعي الألوهية، فألف المترجم رسالة في عقيدتهم غير وافية بالمقصود، غير أني أحببت ذكرها بعد تعريبها لأنه ألفها باللغة التركية وهي: كان مبدأ ظهور البابية في تاريخ سنة ألف ومائتين وخمس وستين وهو أنه ظهر رجل في شيراز سنة خمس وعشرين ومائتين وألف، واسمه علي بن محمد بن رضا الحسيني وهو رجل تاجر، فذهب إلى مكة لمصداق الأحاديث من أن المهدي يظهر من مكة، ووقف عند مقام إبراهيم يوم الجمعة والخطيب على المنبر وصاح بأعلى صوته أنه هو المهدي وأنه قد ظهر، فأخذه رفقاءه في الحال لمنزلهم ثم ساروا به إلى شيراز، وأخذ هناك يدعو الناس إليه سراً وجهراً، ويقول لهم أنه المهدي المنتظر، فما زال يتفاقم أمره، ويعظم ذكره، وتكثر جماعته، وتزداد دعوته إلى أن سجن في السجن، وكان قبل ذلك

стр. 687

قد سجن مراراً وشاه العجم يطلقه، ولكنه في هذه المرة، قد تجسمت منه المضرة، وطغت عليه نفسه، فصار من اللازم إهانته وحبسه، وفي السنة السابعة من ظهوره، الكاسفة لبهاء وجوده ونوره، قتل بالرصاص وهو مصلوب، وعاملته الأيام بعكس المرغوب. وفي هذه المدة التي مضت عليه في الحبس قد حرر ستة وتسعين مصحفاً، وتمكن بعد مشقة عظيمة من إرسالها إلى خارج السجن، ووصولها إلى اخوته وجماعته، ومن بعد قتله، وصل إلى أخويه بعض من كتبه فباشرا الدعوة بالنيابة عنه، إلا أن كل واحد منهما يدَّعيها لنفسه ويكذب الآخر، ثم تجاذفا في دعواهما فصار كل منهما يدَّعي النبوة عوضاً عن المهدية، وأخذا في تحرير الرسائل وإرسالها بدعوى النبوة العظمى، وطُلِبَ إلى النَّاسِ تصديقهما، وجالا في البلاد لدعوى العباد، فلما وصلا إلى مدينة ادرنة اشتد بينهما الخصام، وصار كل منهما حريصاً على قتل أخيه وإلقائه في حيز الإعدام، وكان فسادهما قد سرى على بعض الناس من غير مرا، فقبضت الحكومة عليهما، وحكمت بتوجيه النفي إليهما، فنفي أحدهما إلى قبرس، والثاني إلى عكا مؤبدين. وسبب دعوى هذين النبوة إنما كان من علي بن محمد بن رضا المومى إليه أعلاه الشيعي المذهب، فإنه لما كان في السجن ادعى سنة في ابتداء أمره أنه المهدي، ثم ادعى أربع سنين أنه نبي، ثم ادعى الألوهية وصورة دعواه على المنوال الآتي: وهو أنه في قديم الزمان كل نبِيٍّ عصرٍ لما تتم مدته تنتقل أمته الموجودون إلى النبي الآخر وهكذا إلى حضرة محمد ﷺ الذي تختم مدته سنة ألف ومائتين وخمس عشرين فأخذ أمته وذهب إلى المحشر، وبعد ذلك جميع ملل الأرض تخصني حيث صرت نبياً لها، وبعد سنة ألف ومائتين وخمس وثلاثين يظهر نبي أفضل مني وبه تتم مدتي، وكلما جاء نبي يكون أكمل وأعظم ممن قبله، وهذا الحكم سار من الأول الذي لا أول له إلى الآخر الذي لا آخر له.

стр. 688

وإن كتبه التي رأيناها يفهم من بعضها أنه المهدي ومن بعضها أنه نبي ومن بعضها أنه إله؛ وذلك مبني على الأصول والقواعد الشيعية، فانهم ليس لهم ثبات على حال واحد، بل هم متقلبون ويتلونون على أنواع شتى، وقواعد البابيين كذلك فليس لهم ثبات على حال واحد، وإن القرآن الذي يدعون أنه نزل عليهم عبارة عن مواعظ وأحكام قليلة متضاربة، غير أنها توصي كثيراً بتخريب الكعبة حيث قد جعلوا مكانها مسجده الذي في شيراز، فعندهم قد بطلت الكعبة الحجازية بالكعبة الشيرازية، ويوصي بأنه يلزم اشتراء البيوت التي حول مسجد شيراز وإدخالها في المسجد للتوسعة، ويقتضى بأن يجعل له خمسة وتسعون باباً، وأخبر في كتبه بوقوع أمور شتى إلى الآن لم يظهر منها شيء، وكذلك أخبر بانتشار أمته شرقاً وغرباً، وجعل السنة تسعة عشر شهراً كل شهر تسعة عشر يوماً، وتأمر كتبه بالصلاة في يوم وقت الظهر فقط، وأن التوجه يكون إلى مسجده الشيرازي وهذا كله بعد موته، وأما حال حياته فإنه اتخذ لنفسه قبلة خاصة به، وكان يأمر بالصلاة تارة ركعتين وتارة تسع عشرة ركعة، وكان يحكم بأن الهواء والتراب النقي الطاهر كل منهما مطهر من النجاسة من غير ضرورة، ولهذا لا يلزم الغسل من الجنابة ولا غسل الثوب والبدن من النجاسة لتطهير الهواء لهم، وإذا استعملوا الماء إنما يستعملونه بين المنكرين تقية، ويجوز عندهم نكاح الأخت وصوم رمضان تسعة عشر يوماً. وقد غير لهم نظام التركات، وإذا صلى أحدهم يقول بدل السلام الله أكبر. وبدل التحيات، وإذا أراد أحدهم السلام إن كان رجل قال الله أعظم وإن كان امرأة تقول الله أجل، وذلك كله مع أشياء أخر يطول استقصاؤها إنما هي مأخوذة عن أخيها الأول واتبعوه بعد موته على ذلك وداوموا عليه وأشاعوه في بغداد وأدرنة، إلى أن بدا

стр. 689

بينهما البغضاء والشحناء بسبب الاختلاف في الديانة، وتسلط الأخ الكبر على قتل أتباع أخيه الصغر خفية، ولذلك فرقوا بينهما حين النفي فجعلوا الأصغر في قبرس والأكبر في عكا، ودعوى الصغر انه نبي وإن الآيات الإلهية دائماً تتنزل عليه ويحررها مصاحف ويرسل بها خفية إلى إيران، فيتلقونها بالقبول والإذعان. ومما أنزل عليه وحرره في مصاحفه: أيها الإيرانيون أخي الذي في عكا شيطان لا نبي، أنتم آمنوا بي إني أنا نبي ولا تؤمنوا له فيكون مأواكم النار؛ وأمثال ذلك مما ينفر عن أخيه ويرغب فيه، وما عدا ذلك مما هو مذكور في مصاحفه المنزلة عليه، فإنه اقتباس من القرآن وتقليد له. وأما التنزلات البغدادية عليه فإنها وصايا دالة على خزي أخيه الكبر، وكان يذكر في عباراته تارة اسم شيطان وتارة اسم سفيان وتارة أسم خنزير، ومراده بالأول أخوه، وبالثاني وزير شاه العجم، وبالثالث الشاه نفسه. وتارة يعبر عن أخيه بكافر. وحيث أن الفتنة بينهما لا تهدأ في ليل ولا في نهار حصل للحكومة منهم قلق عظيم، وشغل فكر جسيم، وتحمل الأهالي منهم مضرة عظيمة، ومن جملة مضرتهم أن الكبير العكاوي أرسل خفية جلادين من اتباعه وهو سبعة أنفار بالسلاح التام إلى جملة من جماعة أخيه الصغر المنفيين إلى عكا فطرقوا عليهم الباب ففتحوا لهم فسارعوا الدخول فلم يجدوا وقتئذ غير ثلاثة أنفار، فلم يزالوا يضربونهم حتى أعدموهم، وكان محلهم قريباً من مركز الحكومة فكثر الصياح عليهم والضجيج، والعويل والعجيج، فهجمت العساكر عليهم بأمر الحكومة ووضعوهم في الحبس، ثم إن الأخ الأكبر وإن كان مدعياً النبوة إلا أنه من حين وصوله إلى عكا أسبل على نفسه حجاب التقية، وقد اطلع البعض على شيء من تحريراته فأفادت انه يقول إن النبوة الآن تابعة للنبوة الماضية، غير أنه لشدة حجابه وتقيته لم يظهر كمال حاله، لأنه لم يخرج من منزله أصلاً ولا يراه أحد إلا في يوم الحادثة التي قامت عليهم بسبب قتل جماعته بعض جماعة أخيه، فأنهم أخرجوه لدارة الحكومة جبراً، وبعد ذلك رجع إلى محله ولم يظهر لأحد قط. وهو كثير الاعتبار لنفسه يخاف على بخس اعتباره وقدره أشد الخوف، وعنده من التكبر مالا يحاط به، وله عدة زوجات، يحب الرفاهية والملابس الحسنة والمآكل النفيسة من الطيور وغيرها من الحيوانات والحلويات، وداره في عكا تساوي أكثر من ثلاثمائة ألف وعنده سبعة من الجلادين وأربعة نم الحواريين، وما عداهم أصحاب، فيذهبون كل يوم إلى داره ويصلون ركعتين يتوجهون بهما إليه بكمال الخضوع، وهو قائم رافع رأسه إلى السماء، وعند تمام الصلاة يعظهم حصة ثم يسجدون له كسجودهم عند الدخول ويتفرقون، ومقدار أمته عشرون من قومه وخمسة من أهالي عكا، واثنان نصارى، وذلك يدل على أنه يدَّعي الألوهية لا النبوة. العجم، وبالثالث الشاه نفسه. وتارة يعبر عن أخيه بكافر. وحيث أن الفتنة بينهما لا تهدأ في ليل ولا في نهار حصل للحكومة منهم قلق عظيم، وشغل فكر جسيم، وتحمل الأهالي منهم مضرة عظيمة، ومن جملة مضرتهم أن الكبير العكاوي أرسل خفية جلادين من اتباعه وهو سبعة أنفار بالسلاح التام إلى جملة من جماعة أخيه الصغر المنفيين إلى عكا فطرقوا عليهم الباب ففتحوا لهم فسارعوا الدخول فلم يجدوا وقتئذ غير ثلاثة أنفار، فلم يزالوا يضربونهم حتى أعدموهم، وكان محلهم قريباً من مركز الحكومة فكثر الصياح عليهم والضجيج، والعويل والعجيج، فهجمت العساكر عليهم بأمر الحكومة ووضعوهم في الحبس، ثم إن الأخ الأكبر وإن كان مدعياً النبوة إلا أنه من حين وصوله إلى عكا أسبل على نفسه حجاب التقية، وقد اطلع البعض على شيء من تحريراته فأفادت انه يقول إن النبوة الآن تابعة للنبوة الماضية، غير أنه لشدة حجابه وتقيته لم يظهر

стр. 690

كمال حاله، لأنه لم يخرج من منزله أصلاً ولا يراه أحد إلا في يوم الحادثة التي قامت عليهم بسبب قتل جماعته بعض جماعة أخيه، فأنهم أخرجوه لدارة الحكومة جبراً، وبعد ذلك رجع إلى محله ولم يظهر لأحد قط. وهو كثير الاعتبار لنفسه يخاف على بخس اعتباره وقدره أشد الخوف، وعنده من التكبر مالا يحاط به، وله عدة زوجات، يحب الرفاهية والملابس الحسنة والمآكل النفيسة من الطيور وغيرها من الحيوانات والحلويات، وداره في عكا تساوي أكثر من ثلاثمائة ألف وعنده سبعة من الجلادين وأربعة نم الحواريين، وما عداهم أصحاب، فيذهبون كل يوم إلى داره ويصلون ركعتين يتوجهون بهما إليه بكمال الخضوع، وهو قائم رافع رأسه إلى السماء، وعند تمام الصلاة يعظهم حصة ثم يسجدون له كسجودهم عند الدخول ويتفرقون، ومقدار أمته عشرون من قومه وخمسة من أهالي عكا، واثنان نصارى، وذلك يدل على أنه يدَّعي الألوهية لا النبوة. وهذا ملخص الرسالة مع حذف ما لا حاجة إليه مما لا ارتباط له بأمر الديانة والاعتقاد وقد كنت مررت على عكا بعد الألف والمائتين والتسعين فاجتمعت بوله عباس أفندي.

стр. 691

وكان يتبرأ كثيراً من نسبة ذلك إلى والده، وكان يقول لي أن والدي يأكل ويشرب ويأتي النساء ويمرض ويتألم، ومن تعرض له هذه العوارض كيف يسوغ له أن يكون ألهاً؟ وهذه الدعوة افتراها عليه أخوه الأصغر وجماعته، إلا أن أكثر أهل عكا ممن اجتمعت بهم ينسبون له هذا الاعتقاد وقد أرسل والي الشام سفيراً من طرفه لاستكشاف حالهم حينما كنت هناك، فاستحصل مصحفاً منسوباً إليه مشتملاً على آيات ملفقة من القرآن. وقد رأيته ثم سألت عنه ولده المومى إليه، فقال وهذا أيضاً من جملة الافتراء علينا، وليت شعري من الذي رأى والدي وسمع منه ذلك، أو شاهد منه حالاً يقتضي دعوة النبوة أو الألوهية، كل ذلك من أكاذيب أعدائنا والافتراء علينا لا أصل له، والله يعلم ذلك لا تخفى عليه خافية في الوجود. ثم إن المترجم استأذن من الباب العالي في التوجه إلى الحجاز، فجاءه الجواب بالإذن، وبعد توجهه وقضاء مناسكه بالتمام، تمرض أياماً وتوفي بالبلد الحرام، ودفن هناك في المعلى الشريف، وكان ذلك في ذي الحجة الحرام سنة ألف ومائتين وأربع وتسعين رحمه الله تعالى.

стр. 692

الشيخ صادق بن عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد بن محمد بن محمد البخشي الحلبي الحنفي الخلوتي صلاح الدين أبو النجا شيخ الإخلاصية بحلب، العالم الخَيِّر البركة الصالح الدين العمدة الإمام المرشد، مولده سنة ثلاث وثلاثين ومائة وألف ونشأ بكنف والده وأعمامه وأخذ عنهم وقرأ عليهم وانتفع بهم، وأكثر انتفاعه بعمه أبي الإخلاص حسن بن عبد الله البخشي، وقرأ على أبي عبد الفتاح محمد بن الحسين، وأبي السعادات طه بن مهنا بن يوسف الجبريني، وأبي العدل قاسم بن محمد النجار، وقرأ صحيح البخاري على أبي محمد عبد الكريم ابن أحمد بن محمد علوان الشراباتي. ولما قدم حلب سنة أربع وأربعين ومائة وألف المسند الرحلة أبو عبد الله جمال الدين محمد بن أحمد عقيلة بن سعيد المكي، وزارهم في تكية الإخلاصية الكائنة بمحلة البياضة، سمع منه حديث الرحمة المسلسل بالأولية، وحيث المصافحة والمشابكة، وأجاز له بمروياته، وأسمع عليه مسلسلاته، بقراءة والده وعمه، وأجاز لهم جميعاً بخطه على ظهر إثباته، وأجاز له الشهاب احمد بن محمد المخملي، وهو يروي عن عمه البرهان إبراهيم النجشي وغيره، وأبو محمد عبد الوهاب بن احمد الزهري وآخرون، وكتبوا لهم خطوطهم وسمع عليهم الكثير واخذ الطريقة الخلوتية وغيرها عن عمه ووالده، ولما مات سنة خمس وسبعين ومائة وألف صار شيخاً مكانه في تكيتهم الإخلاصية المعروفة بهم، ولم يعارضه عمه في المشيخة وارتضاه، وكان يحنو عليه ويحبه ورباه وأحسن تربيته، وانتفع به وبآدابه وسمع

стр. 693

عليه ديوان شعره من لفظه، فأجازه بمروياته ومسموعاته، وكتب له بخطه بعد التلفظ مراراً، ولازم الاستقامة وتصدر الإرشاد والتسليك، واختلى كعادتهم ولازمه جماعتهم وأخذوا عنه، وكان يقيم الأذكار للتوحيد. وكان سخياً كريم الأخلاق حسن السريرة والسيرة كثير الديانة والخير من المشايخ الأخيار، رأيت بخط خليل أفندي المرادي يقول: ولما دخلت حلب المرة الثانية سنة خمس ومائتين وألف اجتمعت به غير مرة، وزارني وزرته وتردد إليَّ، وسمعت من لفظه وصافحني وشابكني كما أسمعه الأولية وصافحه وشابكه ابن عقيلة المكي، وأجاز لي بما تجوز له روايته لفظاً وكتابة على ظهر ثبت شيخه الشراباتي، ولم أقف على تاريخ موته. الشيخ صالح بن حسين بن أحمد بن أبي بكر الحلبي الحنفي الشهير بالدادنجي كوالده الفقيه الأصولي الكاتب البارع المتفوق الدَّيْن التقي الزاهد، مولده في إحدى الجمادين سنة ثمان وثلاثين ومائة وألف، وقرأ على جماعة وأخذ عنهم وأكثر من الفقه أخذاً وقراءة. ومن جملة من أخذ عنهم والده المومى إليه، وأبو الثناء محمود بن شعبان البزستاني، وأبو الحسين علي بن إبراهيم العطار وأبو محمد عبد القادر بن بشير بن عبد الحق البشيري، وياسين الفرضي وأبو جعفر منصور بن علي الصواف، وعبد الوهاب بن أحمد المصري الأزهري، وأبو محمد عبد الكريم بن أحمد الشراباتي، وأبو السعادات طه

стр. 694

ابن مهنا الجبريني، وعبد الوهاب بن قورد العرَّاس، وأبو محمد عبد الرحمن بن مصطفى البكفالوني، وأبو عبد الله محمد بن محمد الطاهر التافلاتي المغربي، وأبو عبد الفتاح محمد بن الحسين الزمار، وآخرون، واعتنى بملازمتهم، وحضور مجالسهم، وأجازه الأكثر منهم بخطوطهم. وناب بالقضاء بحلب، وفي أريحا وإدلب وغيرها، وحفظ المسائل والفروع الفقهية، واعتنى أشد اعتناء بها، وكان شديد الحفظ لها قوي الاستحضار. وكانت الناس تراجعه في المسائل. وكان يلازم قراءة الأوراد والأذكار، كثير العبادة لطيف العشرة، وكان والده من مشاهير علماء حلب أصحاب الرفعة والشان، ولما صاهر المولى الرئيس صالح بن إبراهيم بن عبد الله الدادنجي أحد أعيان حلب، وتزوج بابنته أم العز خاتون، وانتمى غليه وسكن عنده، غلبت عليه نسبته وصار لا يعلم إلا بها بين الناس، وتارة كان يكتب في تحريراته الدادنجي وتارة الصالحي نسبة إلى مخدومه المذكور، وجاءه من ابنته أبو الحسين صالح صاحب الترجمة، فنسبته حينئذ صحيحة من جهة والدته دون والده وأقاربه المشهورين بهذه النسبة. واجتمع به في آخر أمره العالم الدمشقي خليل أفندي المرادي في حلب حين زارها عام ألف ومائتين وخمسة وأخذ عنه واستجازه وطلب دعاه. وكان يتردد عليه كثيراً ويتذاكر معه المسائل النادرة الفقهية كما رأيت ذلك بخطه. وتوفي عام ألف ومائتين ودون العشرة غالباً رحمه الله تعالى وذلك بعد أن مرض بداء الفالج.

стр. 695

الشيخ صالح بن درويش التميمي عالم غمام، وفاضل همام، قد شاع في العالم ذكره، وذاع في الأنام نشره، وسما فخاره، ونما وقاره، وافتخر به عصره، واشتهرت به مصره، قد فاق أقرانه في النظم والنثر، وزان اوانه في القوافي والشعر، وكان في كل علم آية، وفي كل فن قد وقف على الغاية، وله قصيدة همزية، يمدح فيها ابن عم سيد البرية، وقد خمسها له الشاعر المشهور، الذي هو في حرف العين مذكور، السيد عبد الباقي أفندي العمري الفاروقي الموصلي، وقد ذكرها في ديوانه الترياق الفاروقي مقدماً عليها هذه الترجمة وهي قوله: هذا التخميس المحكم التأسيس، الذي يسلي الجليس

стр. 696

عن تعاطي بواطي الخندريس على القصيدة الهمزية، والخريدة ذات المزية، لإمام أئمة الأدب، ومالك أزمة لسان العرب، جناب وليي وحميمي الشيخ صالح التميمي، مادحاً بها حضرة أمير المؤمنين، وابن عم سيد المرسلين ويعسوب الموحدين، وأبي الغر الميامين، عليه وعليهم سلام الله إلى يوم الدين: يا علياً به تباهى العلاء ... وتناهى في نعته الإطراء ما لمجد شاءَوْتَ فيه انتهاء ... غاية المدح في علاك ابتداء ليت شعري ما تصنع الشعراء كنت للمجتبي بحرب وسلم ... وزراً قائماً بكل مهم أنت صنو له بعلم وحكم ... يا أخا المصطفى وخير ابن عم وأميرٍ إن عدت الأمراء رتب نلتها بنسبة طه ... قصرت كل رتبة عن مداها إن نظرنا الأنام من مبتداها ... ما نرى ما استطال إلا تناهى ومعاليك ما لهن انتهاء لدراريك في سما المجد ضوء ... وبحضن الدوار منهن خبء يقتفي الختم من سواريك بدء ... فلك دائر إذا غاب جزء من نواحيه أشرقت أجزاء أو كشمس يغشى سناها الهباء ... من غبار تثيره الهيجاء فيميط الهباء عنها الهواء ... أو كبدر ما يعتريه خفاء من غمام إلا عراه انجلاء

стр. 697

انت بحر لكنه غير آجن ... لقريش به حمى ومساكن لك مد قبل التكون كائن ... يحذر البحر صولة الجزر لكن غارة المد غارة شعواء نلت فضلاً أبا تراب فأقصى ... كل فضل عم الوجود وخصا وبيوم الحساب لا يستقصى ... ربما رمل عالج يوم يحصى لم يضق في رماله الإحصاء ولو أن الأقلام كل نبات ... ومياه البحار حبر دواة ضقن عما أظهرت من خارقات ... وتضيق الأرقام عن معجزات لك يا من إليه ردت ذكاء منهجاً للهدى خلقت قديماً ... جئت تهدي عمياً وتشفي سقيما فاتخذناك هادياً وحكيماً ... يا صراطاً إلى الهدى مستقيما وبه جاء للصدور الشفاء شدت في ذي الفقار للدين أصلاً ... فتسامى قدراً وعزَّ زجلا وعلى ما أسست قولاً وفعلاً ... بني الدين فاستقام ولولا ضرب ماضيك ما استقام البناء أنت والحق دمتما بوفاق ... أنت يوم اللقا عن الحوض ساق أنت ذاك الكرار يوم سباق ... أنت للحق سلم ما لراق يتأتى بغيره الارتقاءُ فيك خير الأنام أوتي سؤلاً ... مثل ما أوتي ابن عمران قبلا يا أبا شُبَّر وقد صح نقلاً ... أنت هارون والكليم محلا من نبيٍّ سمعت به الأنبياء

стр. 698

قل تعالوا ندعو بمحكم ذكر ... لك فخر بها علا كل فخر أنا ادري وجملة الخلق تدري ... أنت ثاني ذوي الكسا لعمري أشرف الخلق من حواه الكساء كنت في جيب الغيب معنى يصان ... حين لا أعصر ولا أحيان أيقل الأسرار منك مكان ... ولقد كنت والسماء دخان ما بها فرقد ولا جوزاء بك ليل العماء بلالي ... فاستضاء الوجود من ظلمة الغي درة كنت والجواهر لا شي ... في دجى بحر قدرة بين بردي صدف فيه للوجود الضياء نقطة فرغت وليس وعاء ... ملئت حكمة ولا إملاء أنت باء لها العباء غطاء ... لا الخلا يوم ذاك فيها خلاء فيسمي ولا الملاء ملاء خبر جاءنا بذا مأثور ... وحديث مسلسل مشهور عنعنته عن الصدور صدور ... قال زوراً من قال ذلك زور وافترى من يقول ذاك افتراء قصب السبق في مقام كريم ... حزتها من لدن حكيم عليم أنت يا من سبقت في تقديم ... آية في القديم صنع قديم قاهر قادر على ما يشاء هل " أتى " في سواك ذكر حكيم ... لك في نص آية تعظيم

стр. 699

أو لم يغن من له الجهل خيم ... نبأ والعظيم قال عظيم ويل قوم لم يغنها الأنباء خصك الله من لدنه بمفخر ... في مرايا العقول لا يتصور كنت في غابة الهوية حيدر ... لم تكن في العموم من عالم الذر وينهى عن العموم النهاء إنما الناس إن نظرت معادن ... فرقها في تفاضل متباين خلني من دفائن وضغائن ... معدن الناس كلها الأرض لكن أنت من جوهر وهم حصباء كم قضينا من نشر تلك المطاوي ... عجباً يوقع النهى في مهاوي ولقد صح إذ سبرنا الفحاوي ... شبه الشكل ليس يقضي تساوي إنما في الحقائق الاستواء لم ينل نجم الأرض مهما تزيا ... مثل نجم السما مكاناً عليا فاتحاد الألفاظ لم يغن شياً ... لا تفيد الثرى حروف الثريا رفعة أو يعمه استعلاء روضة أنت للعقول ودوح ... يجتني من طوباك رشد ونصح ومتى هب من عبيرك نفح ... شمل الروح من نسيمك روح حين من ربه أتاه النداء طالما للأملاك كنت دليلاً ... ولناموسهم هديت سبيلا يوم نادى رب السماء جبرئيلا ... قائلاً من أنا فروى قليلا وهو لولاك فاته الاهتداء لك شكل نتيجة للقضايا ... لك قلب للعالمين مرايا

стр. 700

لك فعل حوى رفيع المزايا ... لك اسم رآه خير البرايا مذ تدلى وضمه الإسراء فوعاه بالحس حداً ورسماً ... حيث ساوى معناه منك مسمى قبل عرض الأسماء اسماً فاسماً ... خط مع اسمه على العرش قدما في زمان لم تعرض الأسماء إثر هذا أبدى عوالم ملك ... فاطر الأرض والسماوات حبك وأناط البروج فيها بسلك ... ثم لاح الصباح من غير شك وبدا سرها وبان الخفاء فقضاها مسبب الأسباب ... نوبة للأرحام والأصلاب وجرى ما جرى بأم الكتاب ... وبرى الله آدماً من تراب ثم كانت من آدم حواء وللمترجم قصائد كثيرة، ومدائح شهيرة، قد تناولتها بالقبول يد الأكابر، وشهد لها بالفضل كل ناثر وشاعر. مات المترجم ﵀ سنة ألف ومائتين وإحدى وستين. الشيخ صالح اليافي أحد المجاورين في المدرسة الباذرائية الشافعي الخلوتي كان إماماً بارعاً عابداً، وصالحاً تقياً زاهداً، قد اشتغل في الإرشاد وربى المريدين وأفاد، وكان مستمراً على هذه الحالة الحسنة، والمنقبة المستحسنة. وله تأليفات عديدة، وتقييدات مفيدة، منها مختصر التفسير ومنها الحكم في كلام القوم. وكان على طريق السادة الصوفية، والقادة الخلوتية. توفي سنة خمسين ومائتين وألف ودفن في مرج الدحداح وقبره معروف.

стр. 701

الشيخ صالح السيوطي الدشمقي الحنبلي مفتي الحنابلة في دمشق وابن مفتيها ولد بدمشق ونشأ بها، وأخذ عن علمائها، إلى أن صار من الأعلام والفضلاء الكرام، وتولى نظارة جامع بني أمية. وكان ذا هيبة ووقار، محترماً مبجلاً معظماً بين الأخيار. مات ﵀ في جمادى الأولى سنة سبع وأربعين ومائتين وألف، ودفن في مرج الدحداح عند أسلافه. الشيخ صالح المعروف بابن شمس وهو صالح بن يوسف بن أحمد بن إبراهيم بن شمس الدمشقي الشافعي الأشعري كان أحد الأفراد الفضلاء، وأوحد السادة الأمجاد النبلاء، له من التحقيق الحظ الأوفر، ومن التدقيق النصيب الذي لا يحصر، مع هيبة ووقار، ورفعة ذات اشتهار. أخذ عن العلماء الدمشقيين الأعلام، وحضر دروسهم إلى أن بلغ جل المرام، ثم أفاد بعد أن استفاد، وبلغ الطلبة به كل مراد. وهو من بيت مجد قديم، ليس فيهم قبيح ولا ذميم. مات في دمشق سنة سبع عشرة ومائتين وألف ودفن في مقبرة الشيخ ارسلان. الشيخ صالح بن محمد بن خليل بن صالح بن خليل الدمشقي الشافعي الشهير بالقزاز ولد بدمشق ونشأ بها، وكان عالماً عاملاً وفقيهاً فاضلاً، ورعاً زاهداً وناسكاً عابداً، من مشاهير العلماء وأفاضل الفضلاء.

стр. 702

أروي مذهب الشافعي عن والدي عنه بسنده المتصل إلى صاحب المذهب، وهو من أجل شيوخ والدي. وقد أخذ عن كثيرين من أجلهم الشمس محمد الكزبري والشهاب أحمد العطار والسليمي الشيخ علي والشيخ أبي الفتح وغيرهم من الأجلاء. وكان كاتباً ذا خط جميل مع غاية السرعة، وكاد إذا رقم كتاباً كبيراً أن لا تجد فيه تحريفة من أوله إلى آخره توفي بدمشق سنة أربعين ومائتين وألف ودفن في باب الصغير قرب قبر سيدنا الصحابي الجليل أوس ﵁. الشيخ صالح بن محمد بن عبد الرحمن السفرجلاني الشافعي الدمشقي شيخ الطريقة الشاذلية السفرجلانية ولد بدمشق سنة ثمان وأربعين ومائة وألف، وعاش مائة وسبع سنين. وكان ذا دين وصلاح وتقوى ونجاح، وعبادة وفلاح وزهادة ورباح، مات ﵀ سنة ألف ومائتين وخمس وخمسين. الشيخ صالح بن يوسف الدمشقي الحنفي الشهير بالعش الأخ الصالح والعابد الفالح، كان من إخواننا في الأخذ على القطب الشهير السيد محمد الفاسي المكي. واشتغل عليه في طريق الشاذلية وحصل له

стр. 703

بذلك تنوير عظيم، وكان قبل ذلك قد أخذ على الشيخ محمد مهدي الطريقة الخلوتية. وكان من أهل العلم والصلاح لطيفاً جميلاً حسن المعاشرة، له معرفة بالموسيقى وتقسيم الأنغام، وله محفوظية لطيفة من كلام القوم. وكان محبوباً عند الناس، وكان فقيراً قنوعاً عفيفاً متواضعاً، كثير الزيارة لمشاهد الأنبياء والأولياء، كثير التردد إلى الاخوان. مات بدمشق في عشرين من شعبان سنة اثنتين وتسعين ومائتين وألف، ودفن في مقبرة باب الصغير عند قبر سيدنا بلال بن رباح الحبشي. الشيخ صالح عابدين بن السيد عبد العزيز السيد أحمد بن السيد عبد الرحيم بن السيد نجم الدين بن السيد محمد صلاح الدين الشهير بعابدين بن السيد نجم الدين بن السيد علي بن السيد محمد كمال بن السيد تقي الدين المدرس ابن السيد مصطفى الشهابي بن السيد حسين بن رحمة الله بن أحمد بن علي بن أحمد بن محمود بن أحمد بن عبد الله بن عز الدين عبد الله بن قاسم بن حسن بن إسماعيل بن حسين النتيف بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الأعرج بن الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر بن الإمام زين العابدين بن الإمام الصحابي الجليل الحسين بن السيد البتول فاطمة الزهراء بنت حضرة النبي ﷺ وعلى ذريته ذوي القدر الأفخم. ولد ﵀ بدمشق ونشأ على الطاعة والعبادة، وكان من أهل التقوى والصلاح والزهادة، والكشف والشهود والدراية، وكثرة الذكر الموجبة لكمال العناية. وله مزايا كثيرة، وخوارق عادات شهيرة، وكان شغله في الدنيا التعلم والتعليم والتفهم والتفهيم، والإقبال على مولاه، والسعي في تحصيل رضاه، وكان قد بشر زوجة السيد عمر أخيه حين كانت حاملة بالمرحوم السيد محمد عابدين، وسماه بهذا الاسم وهو في بطن

стр. 704

أمه. ولما وضعت المرقوم أمه صار يأخذه المترجم عمه ويضعه في حجره ويقول له أعطيتك عطية الأسياد في رأسك، وكان الأمر كذلك فإن سيرة المرحوم السيد محمد عابدين وما حصله من الشهرة والمنقبة والفضل لا تخفى على أحد. مات هذا المترجم رحمه الله تعالى سنة ثلاث ومائتين وألف ودفن بباب الصغير قرب مقام العلائي صاحب الدر. الشيخ صالح بن سلطان بن محمد بن سلطان بن حسين الحلبي الشافعي العالم الفاضل، البارع الكامل، النحوي المتقن واللبيب المتفنن، أحد العلماء الأجلاء، وأوحد الذوات الفضلاء، مولده بحلب سنة سبع وخمسين ومائة وألف، ونشأ في حجر جده لكثرة أسفار أبيه، وقرأ القرآن على الشمس محمد المصري في مكتب السخانة. وكان جده من تلامذة أبي عبد القادر محمد بن صالح المواهبي الملازمين له، فانتفع بآدابه ووعظه، وكان يحفظ الكثير من لفظه، ولما توفي جده المرقوم كان عمر المترجم أربع عشرة سنة، فكانت أمه تحثه على طلب العلم وتدعو له دائماً بالفتوح، ومهما دخل عليه شيء من المال يشتري به أوراقاً مخرمة من فنوف العلم من سق الجمعة ويطالع بها، وحفظ القرآن العظيم على شيخه النجم محمد الفتياني، وأخذ بعض العلوم عن الشيخ عبد الهادي المصري، والشيخ عبد القادر الديري، والشيخ أبي اليمن تاج الدين محمد بن طه العقاد، وعلى الشيخ عثمان بن عبد الرحمن العقيلي، وعلى أبي زكريا يحيى بن محمد المسالخي، وعلى الشيخ قاسم بن علي المغربي التونسي، وعلى أبي جعفر منصور بن مصطفى السرميني الحلبي، وعلى أبي محمد عبد الرحمن بن إبراهيم المنيلي، وعلى الشيخ عبد الكريم الشراباتي، وعلى الشيخ محمد بن صالح المواهبي، وعلى الشيخ خليل بن عبد القادر المدني، وعلى أبي عبد الله

стр. 705

محمد بن أحمد المكتبي، وأبي عبد الله محمد بن محمد الأريحاوي، وأبي محمد مصطفى بن أبي بكر الكوراني، ومصطفى بن عبد القادر الملقي، فاستفاد منهم وأفاد، وقام بوظيفة العلم والعمل فوق المراد. وقرأ على المذكورين النحو والصرف والمعاني والبيان، والمنطق والتوحيد والفقه وأصوله، والحديث وأصوله، والتفسير وبقية الفنون بكمال الإتقان، وأجازوه جميعاً بالإجازة العامة، وممن أجازه أبو الفيض محمد المرتضى به محمد الزبيدي اليمني نزيل مصر، والشهاب أحمد بن محمد الدردير المالكي، وأبو الصلاح أحمد بن موسى العيدروس اليمني، ومحمد كمال الدين بن مصطفى البكري الصديقي، وغيرهم واشتهر وفاق وملأت شهرته الآفاق. وكان ينظم الشعر قليلاً ومن نظمه: الراحمون لمن في الأرض يرحمهم ... من في السماء كما قد جاء في الخبر إن ترحموا ترحموا من ربكم ولكم ... جزيل حظ من المختار من مضر ومن نظمه أيضاً: بحمى رسول الله كن متمسكاً ... واعكف بساحة فضله ونواله واطرح وساوسك التي لك أشغلت ... وادخل حماه واستتر بظلاله فهو الذي لولاه ما خلق امرؤ ... والدهر لم يسمح لنا بمثاله وهو الذي فيه العصور تباشرت ... وكذا القصور تزينت لوصاله وهو الذي يهدي الأنام بهديه ... وبفعله وبحاله وبقاله كشف الدجى بضيائه وجماله ... والى العلا سراً رقى بكماله إن رمت تنجو ناده يا من أتى ... الذكر الحكيم بمدحه ودلاله يا أفضل الرسل الكرام وغوثهم ... فاشفع لعبد تائه بضلاله
следующие страницы →