Полный текст (1 568 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
الشيخ صالح السيوطي الدشمقي الحنبلي مفتي الحنابلة في دمشق وابن مفتيها
ولد بدمشق ونشأ بها، وأخذ عن علمائها، إلى أن صار من الأعلام والفضلاء الكرام، وتولى نظارة جامع بني أمية. وكان ذا هيبة ووقار، محترماً مبجلاً معظماً بين الأخيار. مات ﵀ في جمادى الأولى سنة سبع وأربعين ومائتين وألف، ودفن في مرج الدحداح عند أسلافه.
الشيخ صالح المعروف بابن شمس وهو صالح بن يوسف بن أحمد بن إبراهيم بن شمس الدمشقي الشافعي الأشعري
كان أحد الأفراد الفضلاء، وأوحد السادة الأمجاد النبلاء، له من التحقيق الحظ الأوفر، ومن التدقيق النصيب الذي لا يحصر، مع هيبة ووقار، ورفعة ذات اشتهار. أخذ عن العلماء الدمشقيين الأعلام، وحضر دروسهم إلى أن بلغ جل المرام، ثم أفاد بعد أن استفاد، وبلغ الطلبة به كل مراد. وهو من بيت مجد قديم، ليس فيهم قبيح ولا ذميم. مات في دمشق سنة سبع عشرة ومائتين وألف ودفن في مقبرة الشيخ ارسلان.
الشيخ صالح بن محمد بن خليل بن صالح بن خليل الدمشقي الشافعي الشهير بالقزاز
ولد بدمشق ونشأ بها، وكان عالماً عاملاً وفقيهاً فاضلاً، ورعاً زاهداً وناسكاً عابداً، من مشاهير العلماء وأفاضل الفضلاء.
стр. 702
أروي مذهب الشافعي عن والدي عنه بسنده المتصل إلى صاحب المذهب، وهو من أجل شيوخ والدي. وقد أخذ عن كثيرين من أجلهم الشمس محمد الكزبري والشهاب أحمد العطار والسليمي الشيخ علي والشيخ أبي الفتح وغيرهم من الأجلاء. وكان كاتباً ذا خط جميل مع غاية السرعة، وكاد إذا رقم كتاباً كبيراً أن لا تجد فيه تحريفة من أوله إلى آخره توفي بدمشق سنة أربعين ومائتين وألف ودفن في باب الصغير قرب قبر سيدنا الصحابي الجليل أوس ﵁.
الشيخ صالح بن محمد بن عبد الرحمن السفرجلاني الشافعي الدمشقي شيخ الطريقة الشاذلية السفرجلانية
ولد بدمشق سنة ثمان وأربعين ومائة وألف، وعاش مائة وسبع سنين. وكان ذا دين وصلاح وتقوى ونجاح، وعبادة وفلاح وزهادة ورباح، مات ﵀ سنة ألف ومائتين وخمس وخمسين.
الشيخ صالح بن يوسف الدمشقي الحنفي الشهير بالعش
الأخ الصالح والعابد الفالح، كان من إخواننا في الأخذ على القطب الشهير السيد محمد الفاسي المكي. واشتغل عليه في طريق الشاذلية وحصل له
стр. 703
بذلك تنوير عظيم، وكان قبل ذلك قد أخذ على الشيخ محمد مهدي الطريقة الخلوتية. وكان من أهل العلم والصلاح لطيفاً جميلاً حسن المعاشرة، له معرفة بالموسيقى وتقسيم الأنغام، وله محفوظية لطيفة من كلام القوم. وكان محبوباً عند الناس، وكان فقيراً قنوعاً عفيفاً متواضعاً، كثير الزيارة لمشاهد الأنبياء والأولياء، كثير التردد إلى الاخوان. مات بدمشق في عشرين من شعبان سنة اثنتين وتسعين ومائتين وألف، ودفن في مقبرة باب الصغير عند قبر سيدنا بلال بن رباح الحبشي.
الشيخ صالح عابدين بن السيد عبد العزيز السيد أحمد بن السيد عبد الرحيم بن السيد نجم الدين بن السيد محمد صلاح الدين الشهير بعابدين بن السيد نجم الدين بن السيد علي بن السيد محمد كمال بن السيد تقي الدين المدرس ابن السيد مصطفى الشهابي بن السيد حسين بن رحمة الله بن أحمد بن علي بن أحمد بن محمود بن أحمد بن عبد الله بن عز الدين عبد الله بن قاسم بن حسن بن إسماعيل بن حسين النتيف بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الأعرج بن الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر بن الإمام زين العابدين بن الإمام الصحابي الجليل الحسين بن السيد البتول فاطمة الزهراء بنت حضرة النبي ﷺ وعلى ذريته ذوي القدر الأفخم.
ولد ﵀ بدمشق ونشأ على الطاعة والعبادة، وكان من أهل التقوى والصلاح والزهادة، والكشف والشهود والدراية، وكثرة الذكر الموجبة لكمال العناية. وله مزايا كثيرة، وخوارق عادات شهيرة، وكان شغله في الدنيا التعلم والتعليم والتفهم والتفهيم، والإقبال على مولاه، والسعي في تحصيل رضاه، وكان قد بشر زوجة السيد عمر أخيه حين كانت حاملة بالمرحوم السيد محمد عابدين، وسماه بهذا الاسم وهو في بطن
стр. 704
أمه. ولما وضعت المرقوم أمه صار يأخذه المترجم عمه ويضعه في حجره ويقول له أعطيتك عطية الأسياد في رأسك، وكان الأمر كذلك فإن سيرة المرحوم السيد محمد عابدين وما حصله من الشهرة والمنقبة والفضل لا تخفى على أحد. مات هذا المترجم رحمه الله تعالى سنة ثلاث ومائتين وألف ودفن بباب الصغير قرب مقام العلائي صاحب الدر.
الشيخ صالح بن سلطان بن محمد بن سلطان بن حسين الحلبي الشافعي
العالم الفاضل، البارع الكامل، النحوي المتقن واللبيب المتفنن، أحد العلماء الأجلاء، وأوحد الذوات الفضلاء، مولده بحلب سنة سبع وخمسين ومائة وألف، ونشأ في حجر جده لكثرة أسفار أبيه، وقرأ القرآن على الشمس محمد المصري في مكتب السخانة. وكان جده من تلامذة أبي عبد القادر محمد بن صالح المواهبي الملازمين له، فانتفع بآدابه ووعظه، وكان يحفظ الكثير من لفظه، ولما توفي جده المرقوم كان عمر المترجم أربع عشرة سنة، فكانت أمه تحثه على طلب العلم وتدعو له دائماً بالفتوح، ومهما دخل عليه شيء من المال يشتري به أوراقاً مخرمة من فنوف العلم من سق الجمعة ويطالع بها، وحفظ القرآن العظيم على شيخه النجم محمد الفتياني، وأخذ بعض العلوم عن الشيخ عبد الهادي المصري، والشيخ عبد القادر الديري، والشيخ أبي اليمن تاج الدين محمد بن طه العقاد، وعلى الشيخ عثمان بن عبد الرحمن العقيلي، وعلى أبي زكريا يحيى بن محمد المسالخي، وعلى الشيخ قاسم بن علي المغربي التونسي، وعلى أبي جعفر منصور بن مصطفى السرميني الحلبي، وعلى أبي محمد عبد الرحمن بن إبراهيم المنيلي، وعلى الشيخ عبد الكريم الشراباتي، وعلى الشيخ محمد بن صالح المواهبي، وعلى الشيخ خليل بن عبد القادر المدني، وعلى أبي عبد الله
стр. 705
محمد بن أحمد المكتبي، وأبي عبد الله محمد بن محمد الأريحاوي، وأبي محمد مصطفى بن أبي بكر الكوراني، ومصطفى بن عبد القادر الملقي، فاستفاد منهم وأفاد، وقام بوظيفة العلم والعمل فوق المراد. وقرأ على المذكورين النحو والصرف والمعاني والبيان، والمنطق والتوحيد والفقه وأصوله، والحديث وأصوله، والتفسير وبقية الفنون بكمال الإتقان، وأجازوه جميعاً بالإجازة العامة، وممن أجازه أبو الفيض محمد المرتضى به محمد الزبيدي اليمني نزيل مصر، والشهاب أحمد بن محمد الدردير المالكي، وأبو الصلاح أحمد بن موسى العيدروس اليمني، ومحمد كمال الدين بن مصطفى البكري الصديقي، وغيرهم واشتهر وفاق وملأت شهرته الآفاق. وكان ينظم الشعر قليلاً ومن نظمه:
الراحمون لمن في الأرض يرحمهم ... من في السماء كما قد جاء في الخبر
إن ترحموا ترحموا من ربكم ولكم ... جزيل حظ من المختار من مضر
ومن نظمه أيضاً:
بحمى رسول الله كن متمسكاً ... واعكف بساحة فضله ونواله
واطرح وساوسك التي لك أشغلت ... وادخل حماه واستتر بظلاله
فهو الذي لولاه ما خلق امرؤ ... والدهر لم يسمح لنا بمثاله
وهو الذي فيه العصور تباشرت ... وكذا القصور تزينت لوصاله
وهو الذي يهدي الأنام بهديه ... وبفعله وبحاله وبقاله
كشف الدجى بضيائه وجماله ... والى العلا سراً رقى بكماله
إن رمت تنجو ناده يا من أتى ... الذكر الحكيم بمدحه ودلاله
يا أفضل الرسل الكرام وغوثهم ... فاشفع لعبد تائه بضلاله
стр. 706
إن الخطايا أثقلتني سيدي ... يا خير من يولي الغنى لعياله
وله من قصيدة:
رشأ غزا قلبي بسهم جفونه ... وسبى اصيحابي بسحر عيونه
وسطا بقد مزري سمر القنا ... وحمى حماه بفتكه وشؤونه
والليث يحمي شبله بزئيره ... أو ما ترى لا يمتطى لعرينه
وله قصائد قليلة لأنه كان لا يعتني بالشعر كثيراً لعدم فراغه من الإقراء والتدريس، والشعر يحتاج إلى إقبال كثير عليه. ولم يزل المترجم على حالة صالحة وهمة راجحة، إلى أن اختار الآخرة على الأولى، فأقبل على مولاه ناجياً لا مخذولاً، وذلك سنة ألف ومائتين وقبل العشرين.
الشيخ صالح الفلاني العمري المدني المربي المالكي بن محمد بن نوح بن عبد الله بن عمر بن موسى بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن عبد الله بن عمر بن علي بن محمد بن أحمد بن عمر بن محمد بن محمد بن الحافظ عليم الأندلسي الشاطبي بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن القاسم بن خلف بن برهان بن إدريس بن عامر بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عمر بن علي بن أبي بكر بن سالم بن عبد الله بن عمر بن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵃.
ولد سنة ست وستين ومائة وألف ثم أقبل نحو الطلب وتمسك بأذيال الأدب، فهو عالم المدينة النبوية، وفاضل البقعة الحجازية، وعمدة الأفراد الأعيان، ونخبة الذين يشار إليه بالبنان، الجامع بين
стр. 707
العلم والعمل، والنائل من الفضائل فوق ما يتعلق به الأمل، فهو الفاضل الذي إذا أعمل أسمر يراعه في بطون الكواغد، أرى جميل الآثار من فوائد العوائد وعوائد الفوائد، كيف لا وهو المتمكن من العلوم، والمتوطن لإبراز الصواب من خزانة المنطوق والمفهوم، فلا ريب أنه البديع بيانه، والرفيع القدر مقامه وشأنه، ومن تشير الأصابع لفضله، والألسن تعلن بأن الكمال لا ينكر على أهله. وقد أحسن في الأدب كل الإحسان، وأتى بما تضعه العيون مكان الإنسان، فلله فضله ودره حيث قلد جيد الآداب لؤلؤه الثمين ودره، وخلب الألباب سحره، وملك مجامع القلوب نظمه ونثره، فمن بديع نظامه، ورفيع كلامه، مخاطباً به العلامة السيد عمر المدرس المدني الداغستاني، معرضاً له بالإقبال على زاد الآخرة والإعراض عن عرض الإماني:
يا ويح مبتاع الضلالة بالهدى ... فلسوف يندم يوم يؤخذ بالنواصي
ما همه إلا لقاء كواعب ... عرب تميس كأنها القضي النواضر
للنقص في الدنيا يسوء وإنما ... حسناته عند الحسا هي النواقص
لم يدر أن لا بد يوماً أن يرى ... في آلة حدباء تندبه النوادب
فيكون وهو بحالة لم ينتفع ... ببكا البواكي بل ولا نوح النوائح
فدع التكاسل واستعد محاذراً ... بغت المنون وما ينوب من النوائب
واذكر إلهك بكرة وعشية ... واشكر له وصل الفرائض بالنوافل
واعبده واتقه ولا تكفر به ... وافعل أوامره ولا تأتي النواهي
واسأله لا تسأل سواه فإنه ... من فيض أبحر جوده ترجى النوائل
وارغب إليه وعذ به متوقعاً ... فرجاً إذا نزلت بساحتك النوازل
فأجابه المرسول إليه على أسلوبه
يا فاضلاً حاز العلوم وسيداً ... أبدى نظاماً حسنه راق النواظر
стр. 708
نظماً بليغ اللفظ فيه الاكتفا ... حقاً لمن يبغي الغرائب والنوادر
كالروض في نسماته وبهائه ... منها تفوح لمن يقابلها النوافح
فيه الأزاهر من نصائحه لمن ... رام انتفاعاً من لطائفه النوافع
يحتاج قارئها البكاء لذنبه ... حتى ينوح منه تمتلئ النواحي
لله درك يا فصيحاً بالغاً ... أبدى بقوة فهمه الكلم النواصح
نسخت بدائعك اللطائف نظمنا ... لله ما أحلى بدائعك النواصع
وحويت ما لم تحوه الأدباء من ... لفظ تفوق بها على نسج النواسج
فلك الفصاحة والبلاغة كلها ... عضيت من عزوم عليها بالنواسج
لا زلت في روض السعادة راتعاً ... تجنى بسعدك منها الأثمار النواسق
أأخذ عن الشيخ محمد المسوني والشيخ محمد سعيد سفر وغيرهما. وأعلى أسانيده من طريق شيخه ابن سنه (بكسر السين وتشديد النون المفتوحة) المعمر مائة وخمسين سنة، عن الشريف محمد بن عبد الله عن محمد بن اركماش الحنفي عن الحافظ ابن حجر العسقلاني بأسانيده المشهورة. مات المترجم المرقوم في المدينة المنورة عام ثمانية عشر ومائتين وألف ودفن بها رحمه الله تعالى.
الشيخ صالح بن الشيخ محمد الدسوقي الأصل الدمشقي الولادة والمنشأ الشافعي
عالم فاضل، ونحرير عامل، له في الولاية القدم الراسخ، وفي أنواع العلوم المقام الشامخ، ساد على أهل زمانه، وفاق أجلاء عصره وأوانه،
стр. 709
ومن غريب ما وقع في مدته، ونسب تداركه إلى حضرته، أنه كان له تلميذ يقال له الشيخ قاسم الحلاق، وكان من أنبه تلامذته على الإطلاق، وكان له حجرة في جامع السباهية في محلة الدرويشية، قد انقطع بها للعلم والعبادة، وطلب النجاح والسعادة، ثم أنه في ليلة معلومة، كان مدعواً بعد العشاء في أعزومة، وبعد نصف الليل قد حضر، وكانت الليلة ليلة أربعة عشر، فدخل الجامع وأغلق الباب، بعد أن ودع الرفقة والأحباب، فوضع بعض ثيابه في حجرته، ودخل الخلاء لقضاء حاجته، ثم خرج وجلس على حجر أمام البركة حصة من الزمان، لكي يأخذ حظه بشرب قليل من الدخان، وكان إشراق البدر في كمال، والوقت في غاية الاعتدال، وهو قد أفرغ عليه السرور والبسط والحبور، فلم يمض عليه حصة قلية، إلا وقد أقبلت نحو هرة جميلة، وصارت تتلمس بثيابه، وتدور حول جنابه، وهو يأنس بها وينظر إليها، ويلمس بيده عليها، حتى ارتقت على صدره وعضت أنفه، كأنها تريد قطعه وقطفه، فلطمها لطمة قوية، كادت تذيقها كؤوس المنية، فوثبت إلى طرف البركة وحملقت إليه، حتى خاف أن تسطو عليه، فبادر الذهاب، ودخل الحجرة وقفل الباب، ولونه قد انشحب وفؤاده قد اضطرب، وأعضاؤه ترتعد
стр. 710
ارتعاد المحموم، كأنه دنا أجله المحتوم، فما مضى برهة، إلا سمع كلاماً من خارج الحجرة، فأصغى بسمعه لذلك، فسمع رجلاً يقول والله لأذيقنه غصص المهالك، أين هو لأذيقه النكال والجحيم، قالت هو في هذه الحجرة مقيم. فقام الشيخ وقد عدم الاقتدار، وأخذ يجمع متاع الحجرة باليمين واليسار، ويضع جميع ذلك وراء الباب، وجعل ذلك لمنع دخول من سمعه من أكبر الأسباب، فما رأى إلا يداً قد امتدت إلى داخل الحجرة وفتحت الأقفال، ودفعت جميع ما كان وراء الباب بغاية الاستعجال، ثم فتح الباب ودخل، وقال يا بنتي أهذا الذي حصل منه ما حصل، فقالت نعم يا مولاي، هذا الذي ضربني وأوهن قواي، فقال اصبري وانظري إليه، وتأملي ما يجري عليه. ثم أمر بجماعة فأحضروا بين يديه، فصار يضرب أعناقهم واحداً بعد واحد، وينظر إلى الشيخ ويلقي القتلى عليه، حتى امتلأت الحجرة ولم يبق بها مكان، قال لابنته: ما تريدين أن أفعل الآن؟ فاقترحي علي، واتركي الأمر إلي. فقالت: يا أبت يكفيه ما وقع الآن، وإن عاد باء بالنكال والخسران. ثم آب من حيث حضر، والشيخ قد غاب عن إدراكه وصار حاله عبرة لمن اعتبر، فلما علا النهار تفقدوه، فلم يقعوا عليه ولم يجدوه، فنظروا من خصاص الباب إليه، فوجدوه ملقى وإشارات الموت عليه، فاختلعوا الباب في الحال، بعد أن كسروا الأقفال، واحتملوا الشيخ إلى بيته وهو عن إدراكه ذهلان كأنه في بحران، فحضر عنده شيخه المترجم إلى بيته وهو عن إدراكه ذهلان كأنه في بحران، فحضر عنده شيخه المترجم ذو القدر المصون، وعلق عليه تميمة وقرأ عليه شيئاً من الكلام القديم ذي السر المكنون، فقام في الحال، كأنما نشط من عقال. وكانت تعاوده هذه البنت من بعيد وتقول له ارم الحجاب وإلا قتلتك من غير ارتياب، فيشكو لشيخه فيقول له إياك أن تسايرها في ذلك، فتوقعك في الشدائد
стр. 711
والمهالك، وما دامت التميمة عليك، لا قدرة لها على الوصول إليك.
توفي ﵁ سنة ست وأربعين ومائتين وألف في المدينة المنورة ودفن بمقبرة بقيع الغرقد (بالغين المعجمة) قال في المختار بقيع الغرقد مقبرة بالمدينة المنورة.
الشيخ صالح بن حيدر الكردي الأصل والشهرة الاشكتي الشافعي
إمام له في العلوم أطول باع، وهما قد اتفق الجل على فضله بلا نزاع، قد تفرد في زمنه بكمال التحقيق، وتوحد بصواب الفهم وسداد التدقيق.
ولد بدمشق الشام سنة ثلاث وخمسين ومائة وألف ونشأ بها، وجد واجتهد في طلب العلوم، إلى أن برع في فني المنطوق والمفهوم، وكان إماماً في الحديث وأصوله، وحصل من علم التصوف والحقائق على مطلوبه ومأموله، وله في كل فن كمال المعرفة والإدراك، ولم يكن له عن الإفادة والاستفادة فكاك، وكان أحد أفاضل الشام الموصوفين، ومن أجل نبلائها وأجلائها المعروفين، إذا رآه الإنسان أجله وهابه، وأعلى قدره وأعظم جنابه، قد أخذ عن الشيخ أحمد العطار، وعن العلامة العلواني عمدة الأمصار، وعن الشيخ محمد العاني، والشيخ علي الداغستاني والشيخ محمود الكردي العمدة الفاضل، والشيخ عبد الرحمن الكردي
стр. 712
ذي الأخلاق والشمائل، والشيخ علي كزبر والحفني والملوي والبراوي، وعن الفاضل الشيخ سالم الحفناوي، وأخذ الطريقة العلية النقشية عن الجليل المحترم المعظم الشهاب الأيوبي الرحمتي، وكان له في الطريق يد عليا، وهمة سامية كبرى، مات رحمه الله تعالى سنة ثماني عشرة ومائتين وألف، طيب الله ثراه آمين.
الشيخ صالح السقطي الدمشق الصالحي الشافعي بن الشيخ عبد الغني بن الشيخ عبد القادر السقطي
الأديب الكامل، والفقيه الفاضل، والبارع الأوحد، والهمام المفرد.
ولد بصالحية دمشق عام ألف ومائتين واثنتي عشر، وقرأ على والده وعلى والدي، وعلى العلامة الشيخ سعيد الحلبي، وعلى الشيخ أحمد بيبرس. وولي خطابة جامع الحنابلة بصالحية دمشق وخطابة السليمية، وتوفي سنة خمس وأربعين ومائتين وألف ودفن عند أسلافه بقاسيون.
الشيخ صالح الدمشقي الحنفي أمين فتوى دمشق الشام المعروف بابن أياس
فخر العلماء العاملين، وصدر الفقهاء والمحدثين، رحلة الطالبين، وخاتمة المحققين.
ولد بدمشق سنة تسع وسبعين ومائة، وأخذ عن السيد شاكر العقاد المعروف بمقدم سعد العمري، وعن العلامة الشيخ محمد الكزبري، وعن الشهاب المنيني، وولي خطابة جامع قلعة دمشق المنسوب لأبي
стр. 713
الدرداء حينما كانت سكناً لبعض الدمشقيين، ثم انتقل من القلعة وسكن بمحلة الشاغور، وتصدر لإفادة الطالبين، وولي أمانة الفتوى بدمشق أيام مفتيها المولى أسعد أفندي البكري الصديقي، ولم تطل المدة حتى توفي في سنة إحدى وخمسين ومائتين وألف، ودفن بسفح قاسيون قرب مقبرة بني السقطي رحمه الله تعالى.
الشيخ صالح بن سعيد بن أحمد الدمشقي الحنفي المعروف بالأسطواني
ولد بدمشق سنة عشر ومائتين وألف ونشأ بها، وقرأ على الأفاضل، وكان صالحاً لطيفاً متواضعاً لين الجانب حسن الأخلاق مواظباً على صلاة الجماعة لا يشغله عنها شاغل، وتولى خطابة الجامع الأموي فخطب مدة ثم فرغها على ولده راغب أفندي. مات صاحب الترجمة عاشر ربيع الآخر سنة ألف ومائتين وأربع وتسعين ودفن في مقبرة الذهبية في الدحداح.
الشيخ صالح بن المرحوم الشيخ أحمد بن المرحوم الشيخ سعيد المنير
الدمشقي الشافعي من طائفة ذات حسب ونسب وجاه عظيم وعلم وأدب، وكان المترجم من أحسنهم لطفاً، وأجملهم نباهة وظرفاً. قرأ
стр. 714
على والده مدة مديدة، وأخذ عنه فنوناً عديدة، وقرأ على الشيخ سليم العطار، وغيره من السادة الأخيار، ثم قرأ على شيخنا الشيخ محمد الطنطاوي حتى فاق وظهر شأنه، ورجح في العلم ميزانه، وسما ذكره ونما قدره، وطلبته الطلبة من كل جانب، ومالت إليه أعناق الرغائب، وله درس جامع بين العشاءين في جامع بني أمية، في التفسير الشريف وما شاكه من المقاصد العلية، وكأنه مكانه الذي يجلس فيه للتدريس يناديه، رغماً عن أنس حاسده ومعاديه:
قلدت من المنظوم لا بخسا ... جيد الفضائل عقدا قط ما لبسا
وصغت منثوره تاجاً علا وغلا ... قدراً وسعراً ولا والله ما وكسا
هات الحديث عن السادات متصلا ... ثم اروه عالي الإسناد لا حبسا
стр. 715
وتوجه مراراً إلى الدار العلية، والعاصمة الإسلامية، وفي المرة الأولى وجهت عليه باية أزمير المجردة، وفي المرة الثانية وجهت عليه باية ادرنه المجردة أيضاً، ثم إنه كان قد وقع بينه وبين أخيه شقيقه عارف أفندي مباغضة أوجبت مرافعة بينهما في الحكومة، فما زال يتفاقم الأمر بينهما إلى أن ذهب المترجم في المرة الأخيرة إلى الآستانة لأجل تتميم دعواه مع أخيه، فطلبته المنية، إلى السعادة الأبدية، وذلك سنة ألف وثلاثمائة وإحدى وعشرين ودفن في مقبرة الآستانة.
الشيخ صالح بن محمد سعيد بن حماد المدني الخطيب
الأديب الذي حاكى نظمه الدرر، واللبيب الذي لآلئ نثره كلها غرر، قد انفرد في فن المحاضرة، وانتهى إليه علم حسن المذاكرة، قد أخذ عن أفاضل الشيوخ وشيوخ الفضائل، وأذعن له الخاص والعام بأنه من السادة الأفاضل، وكان مثابراً على القراءة والإقراء، وأجازه شيوخ عصره ووصفوه بأوصاف الفضلاء البلغاء، وأذنوا له بالإفادة والتدريس، وبالإفتاء على مذهب سيدنا محمد بن إدريس، لما رأوا من تحقيقه وجودة فهمه وتدقيقه، وقد نظمه صاحب اللآلي الثمينة، في سلك تراجم أدباء المدينة، فقال فيه يصف حاله ويذكر أدبه وكماله: مبدي الكلمات الرائقة، التي هي بالحسن للقلوب شاثقة، والنظم النفيس، الذي ليس لجناسه جنيس، والنثر الذي يلمه بنان الأفهام في أطباق مجامع القلوب، وتشرب الأرواح طرباً منه راح معان في كأس الأبداع مصبوب، مع صدق لهجته ووضوح محجته، وانتشار فضل أأشرقت كمل بدوره، وذكاءه أناله من العلم عرائس خدوره، وحسن معاملات وأخلاق تشهد له بأنه الإمام الهمام الفيلق الغيداق. فمما أبدته خزائن أذهانه من جملة كلمه وعقيانه، مجيباً عن القصيدة التي مدحه بها عمر أفندي المدرس:
стр. 716
تجلت لنا ذات السنا المتألق ... تميد بقد بالملاحة مشرق
بأبهى محيا زانه در مبسم ... تحيي بأشهى من حميا مروق
تتيه دلالاً في حلي وحلة ... وتزهو جمالاً قد حلا بترقرق
رشيقة شكل زينت بمحاسن ... بديعة حسن أتقنت بتأنق
ترق بظرف تسترق به النهى ... وترنو بطرف للقلوب مفوق
شمائلها سلاماً رق معنى لسامع ... وأبدت كلاماً دق معنى لذائق
فهمت بها لما فهمت خطابها ... وقابلتها مذ أقبلت بتشوق
وقبلتها حباً لها وقبلتها ... وأمهرتها روحي وجسمي وما بقي
ولم لا ومهديها السراج ضياؤنا ... أخو الفضل بل رب الكمال المحقق
مجيد لأفراد المناقب أجمعا ... مجيد إلى أعلى المراتب مرتقي
همام له الباع الطويل تفضلا ... يفيض به من بحره المتدفق
أديب أريب لا يجارى بحلبة البديع وفي الإبداع أبرع مفلق
فيا بارعاً وشى الطروس بنثره ... ونظم كما الدر النضيد المنسق
ومن سخرت أعلى المعاني له متى ... دعاها أجابته بغير تعوق
أتت بنت فكر منك تخطب خطة ... يضيق نطاق عن نداها ومنطقي
ولولا الحيا من وجه جاك سيدي ... مطلت بها فالمطل حيلة مملق
فدونكها خجلاء عطا فحلها ... بحلي قبول بالتفضل أليق
ودم وابق واسلم في هناء وغبطة ... برغم حسود لا يغيظك أحمق
ولم يزل هذا المترجم مستوياً على عرش أدبه، متصاعداً في ترقيه نحو بلوغ أربه، إلى أن قصد الدار الآخرة، وسكن غرفته السامية الفاخرة، وذلك في أوائل القرن الثالث عشر رحمه الله تعالى.
стр. 717
الشيخ صالح بن أحمد بن موسى بن أبي القاسم المغربي المالكي الخلوتي الشهير بالسمعوني
العلم الفرد في العلوم والمعارف، والأوحد المقصد في بدائع اللطائف والطرائف، من اشتهر بالعبادة والطاعة، وعرفه الناس بالزهادة والقناعة. ولد في جزيرة وغليس من أعمال الجزائر الغربية سنة أربعين ومائتين وألف، ونشأ بها وأخذ عن علمائها الكرام، وجهابذتها الفخام، واستقام بها اثنتين وعشرين سنة وهو مجد في طلب العلوم الشرعية، ومجتهد في تحصيل العلوم النقلية والعقلية. ثم لما أخذت الدولة الفرنسية الجزائر، وتعطلت المساجد والمنابر والمنائر، هاجر المترجم إلى دمشق الشام، وذلك سنة أربع وستين ومائتين وألف من هجرة سيدة الأنام، فجعلها محل إقامته، وموطن راحته وكرامته. وأخذ عن علمائها العظام أنواع الفضائل، إلى أن صار معدوداً من الأفاضل. وله منظومة في فقه السادة المالكية، وقد كتب عليها حاشية جليلة جلية، وله شرح على رسالة في علم الميقات، قد جمع فيه ما نثرته يد الشتات، وله تاريخ على طريق الرمز والإيماء والإشارة، وصل فيه لقدوم محمد رشدي باشا الشرواني الوزير الأعظم الذي كان قد تولى الصدارة، وله فيه أسلوب عجيب، وطريق نادر غريب. وكان صالحاً تقياً وفالحاً تقياً، رفيع المقام وافر الاحترام، مقبلاً على الله مدبراً
стр. 718
عما سواه، جميل المقال جليل الخلال، لم يزل على حاله، متخلياً من الدهر عن أوحاله، إلى أن خطبته دواعي المنية، إلى دار الآخرة العلية، وذلك لثلاث بقين من شهر جمادى الآخرة سنة خمس وثمانين ومائتين وألف، دفن في مقبرة باب الصغير، قرب قبر المرحوم العلامة الشيخ محمد الكزبري رحمه الله تعالى.
السيد صالح أفندي بن السيد عبد القادر أفندي بن السيد أحمد بن السيد حسن بن السيد مصطفى بن السيد عبد الرحمن بن السيد إسماعيل بن السيد محب الدين الحصني الحسيني
المعروف بابن تقي الدين، فهو الحسيب الذي لا ريب أنه من أشرف العناصر محسوب، والنسيب الذي هو إلى أعظم الأكابر منسوب، من سلسلة تسلسلت إلى أشرف إنسان، وارتقت إلى مكان قيل فيه ليس في الإمكان أبدع مما كان. قد ارتفع شرفه على كاهل الفخار، واستوى سؤدد مجده على ذروة المدار، فلله دره من أديب طاف حول كعبة لطفه ذوو الأدب، وأريب سعى بين مروة سنائه وصفا صفائه ذوو الأرب، قد أينع زهر كماله في حدائق الفضائل، وأشرق بدر جماله فاهتدى به أولو الوسائل.
ولد في دمشق الشام، دار آبائه وأجداده السادة الكرام، وذلك سنة ثلاث وخمسين ومائتين وألف، ونشأ في حجر والده المعروف بكل كمال ولطف، ثم بعد أن قرأ القرآن العظيم وجوده، صرف همته إلى الخط فنال منه أحسنه وأجوده، ثم حضر دروس العلماء، ولازم مجالس الفضلاء، فأتقن العلوم العربية، واجتهد في تحصيل العلوم الشرعية، إلى أن بلغ مناه،
стр. 719
وحاز على ما تمناه، وأجازه علماء زمانه بالإجازة العامة، وكتبوا له ما يدل على كمالاته التامة، وتقدم لدى أهل زمانه، وتسامى مقامه بين أقرانه، ثم سار إلى الآستانة دار السلطنة العثمانية فاستقام بها مدة، ثم سار إلى الحجاز لقضاء الفريضة الإسلامية، وبعد أداء فريضة الحج الشريف بالتمام، توجه لزيارة جده المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام. ثم بعد مدة توجه إلى الدار الدمشقية، فاستقام بها مدة ثم رحل منها إلى الدار العلية، فجعلها مجل تجارته، وموطن إقامته، وفي سنة أربع وتسعين ومائتين وألف وجهت عليه نقابة القدس الشريف، وقد أناب من قام عنه بهذا المنصب المنيف، ودخل في سلك المناصب العلمية، إلى أن وصل إلى باية بروسه السنية، من البلاد الخمس الموصلة للحرمين، وعين السعادة ملاحظة له بما تقر به العين، ولم يزل ملازماً على الأدب والخضوع، والتذلل والعبادة والخشوع، وزيارة الصالحين وحب المساكين، ومساعدة ذوي المقاصد، والإكرام لكل قاصد. وله هيئة حسنة ومعاشرة مستحسنة، وتقوى وعبادة وقناعة وزهادة، وفي شهر ربيع الأول سنة ألف وثلاثمائة وسبع، وجهت عليه نقابة أشراف الشام، فمكث بها سنتين وفي الثالثة توجه إلى الحجاز الشريف والحرم السامي ذي القدر المنيف، وبعد أداء النسك والعبادة، دعاه إلى دار الآخرة داعي السعادة، فكانت وفاته في شهر ذي الحجة الحرام سنة ألف وثلاثمائة وعشر من هجرة سيد الأنام.
стр. 720
الشيخ صبغة الله أفندي بن إبراهيم بن حيدر الحيدري مفتي الشافعية في بغداد
الحجة البالغة، والمحجة النابغة، والكعبة المحجوجة، والروضة المبلوجة، نقطة كرة العراق، " وفارس " ميدان جولان السباق، وعمدة الأحكام الشرعية، ونخبة السادة الشافعية.
ولد سنة ألف ومائة وإحدى وستين بماوران واسمه تاريخه، ونشأ في العلم والطاعة، وبرئ من الكسل والإضاعة، وأخذ عن مشايخ عصره، وأئمة مصره، مع الهمة والاجتهاد، إلى أن بلغ رتبة الترجيح والانتقاد، فأجازه الأفاضل، وشهدوا له بالفضائل، وعاملوه معاملة الشيوخ، ذوي القدم الثابت على ذروة الرسوخ، مع الزهد والورع، والبعد من المصانعة والطمع. كيف لا وهو ابن من رقى وعلا، وساد في جميع أطوار جميع الملا، علي ابن عم سيد الورى من تقدم في مقام القرب والناس ورا، فهذا هو الشرف الأعلى، والمجد الذي هو بكل مديح أولى، ثم انتقل من بلده ماوران إلى دار السلام بغدان، فاشتهر بها أمره، وعلا قدره وطار في الآفاق ذكره، وعرفت قدره الوزراء، والعلماء والفضلاء، وتولى إفتاء السادة الشافعية في مدينة العراق السنية، فكان للحق ناصراً، وللباطل حاسراً، وللمحق وزيرا، وللمبطل نذيرا. وكان ذا أخلاق حسنة، وصفات مستحسنة، وقد أخذ الطريقة النقشية العالية،
стр. 721
عن قطب العرفان ذي المعارف السامية، مولانا الشيخ خالد، حباه الله من فضلة القدر الزائد، فأحسن في سيره، وتقدم من أرباب الطريق على غيره، ولم يزل مثابراً على العلم والعمل، إلى أن وافاه الأجل، سنة ألف ومائتين ونيف وعشرين.
الشيخ صديق بن علي المزجاجي الزبيدي الحنفي
ولد سنة ألف ومائة وتسع وخمسين تقريباً ثم أتقن كتب الحديث والفقه الحنفي وسافر للدرس والتدريس إلى " مخا " ثم رجع إلى " صنعا ".
قال صاحب البدر الطالع: ووصل إلي ولم أكن قد عرفته قبل ذلك ولا عرفني، وجرت بيني وبينه مذاكرات في عدة فنون، ثم خطر ببالي أن أطلب منه الإجازة فعند ذلك الخاطر طلبها مني، فكان ذلك من المكاشفة، فأجزت له وأجاز لي وكان إذ ذاك سنه فوق خمسين سنة، وعمري دون الثلاثين، ثم ما زال يتردد إلي وفي بعض المواقف بمحضر جماعة وقعت بيني وبينه مراجعة في مسائل، وأكثرت الاعتراض في مسائل من فقه الحنفية وأوردت الدليل، وهو يتمحل في الجواب لما يوافق الحنفية وينتصر لهم، فلما خلوت به قلت له أصدقني هل ما تبديه في المراجعة تعتقده اعتقاداً جازماً فإن مثلك في علمك بالسنة لا يظن به أنه يؤثر مذهبه الذي هو محض الرأي في بعض المسائل على ما يعلمه
стр. 722
صحيحاً ثابتاً عن رسول الله ﷺ ؛ فقال لا أعتقد صحة ما يخالف الدليل وإن قال به من قال ولا أدين الله بما يقوله أبو حنيفة وأصحابه إذا خالف الحديث الصحيح، ولكن المرء يدافع عن مذهبه. مات في حدود ألف ومائتين وأربعين انتهى. ولله در أبي عبد الله محمد بن علي الصوري يذكر الحديث وأهله فقال وأحسن المقال:
قل لمن عاند الحديث وأضحى ... عائباً أهله ومن يدعيه
أبعلم تقول هذا أبن لي ... أم بجهل والجهل خلق السفيه
أيعاب الذين هم حفظوا الدين من الترهات والتمويه
وإلى قولهم وما قد رووه ... راجع كل عابد وفقيه
وهل لا يعاب على قوم تركوا الحديث والعمل بما فيه، وتمسكوا بأقواله تناقضه وتنافيه، قال بعض الأفاضل:
رفض السنة قوم فتنوا ... علموا الباطل وانقادوا إليه
ورجال لم يخونوا عهدهم ... صدقوا ما عاهدوا الله عليه
صديق خان أبو الطيب بن حسن بن علي بن لطف الله الحسيني القنوجي البخاري
فاضل حظة من المعرفة وافر، وكامل وجه أمانيه طلق سافر،
стр. 723
ما زال من الرفعة في أعذبها شرعة، ومن الحظوة في أسوغها جرعة، له في الخلق والخلق من الرضوان روضان، وفي النثر والنظم من المرجان مرجان، فهو عقد نبلاء الأفاضل، وبيت قصيد ذوي الفضائل، من طار صيت علاه وحلاه في الأقطار، وتطاولت إليه الأبصار من الأمصار، فلا ريب أنه فرد العصر في كل فضيلة، وفهد ذوي القدر للوقوف على حقيقة كل مقصد ووسيلة، وقد ترجمه بعض السادة الأفاضل، فذكر بعض ماله من الفضائل، فقال: هو السيد الإمام العلامة الملك المؤيد من الله الباري، أبو الطيب صديق بن حسن بن علي بن لطف الله الحسيني القنوجي البخاري، المخاطب بالنواب عالي الجاه أمير الملك خان بهادر، أدامه الله تعالى بالعلا والتفاخر. من ذرية السبط الأصغر الشهيد الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه.
وله في شهر جمادى الأولى في التاسع عشر منه يوم الأحد في سنة ثمان وأربعين ومائتين وألف هجرية ببلدة قنوج المحمية، " بكسر القاف وفتح النون المشددة وسكون الواو على زنة سنور " وعليه من السيادة العليا والسعادة العظمى مخايل، ومن السؤدد والشرف براهين ودلائل. فربي في مهد الآداب والشمائل الجميلة، وتعلق من حال صباه بالخصال المرضية والخلال الجليلة، وكان من أجل ما أنعم الله به عليه أن صرفه برحمته الخاصة عن الاشتغال بمحدثات العلوم التي جدواها قليل، والخوض في مبتدعات الرسوم التي عدواها جليل، وقد أجزل له المنة، وكشف الله به عن الحقيقة الشرعية كل دجنة، ووفقه لتفسير كتابه العزيز وحبله المتين، ودراسة سنة نبيه المأمون الأمين، فاشتدت رغبته فيها وتطلعه إليها، واستئناسه بها وإدامة النظر في كتبها، واطلاعه على ثناياها،
стр. 724
وتفحصه عن خباياها، حتى رزقه الله حظاً صالحاً ومقاماً في الأنام راجحاً ناجحاً، وهو ي ذلك أخذ بحجزة الأتباع، شديد التوقي من نواشط الرأي والابتداع " النواشيط: جمع ناشط وهو الثور الوحشي يخرج من أرض إلى أرض "، فنمي بذلك علمه، وتوفر من القبول سهمه، وجرى بالخير التام والثناء الحسن على ألسنه المتبعين اسمه:
نوابنا الصديق نابغة الزمن ... يطوى به الذكر الجميل وينشر
وكان أخذه هذا العلم الشريف وانتفاعه فيه عن أكابر ممن أدركهم من محدثي اليمن الميمون وعلماء الهند، ولما حصلت له الإجازة المعتبرة من مشايخ السنة، وأسود غابات الحديث شداد المنة، شمر عن ساق الجد والهمة، لجمع الأحكام التي نقطت بها أدلة الكتاب وحجج السنة، من غير تعصب لعالم من أهل العلم ومذهب من المذاهب، وألف في كل باب من أبواب الشريعة الحقة الصادقة المحمدية ما لم يؤلف مثله لهذا العهد الأخير، وانتفع به أجيال من الناس كثير، وسارت بمؤلفاتهه الركبان إلى أقطار الأرض هندها وشامها ويمنها، ومصرها ورومها، وحجازها وشرقها وغربها، وذلك من فضل الله تعالى، وكان فضل الله عليه كبيرا. ثم أن الله خوله من المال الكثير، ومن علي بالحكم الكبير، والأولاد السعداء والنسب الحميد، والحسب المزيد، ما يقصر عن كشفه لسان اليراع، ولو كشف عنه الغطاء ما ازداد الواقف عليه إلا يقيناً وإن أنكرته بعض الطباع، وهو الذي يقول لأخلاقه مقتدياً بأسلافه بفم الحال ولسان المقال: " اعملوا آل داود شكراً وقليل من عبادي الشكور " " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار "
стр. 725
وقد طعن الآن في عشر الخمسين من العمر المستعار، مع ما هو مبتلى به من سياسة الرياسة وفقد الأحبة والأنصار، وكثرة الأعداء الجاهلين بالقضايا والأقدار، والمرجو من رب العالمين، أن يجعله ممن قال فيهم " وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة من الصالحين " والحمد لله الذي جعله محسوداً لا حاسداً، وصابراً شاكراً ولم يجعله فظاً غليظ القلب معانداً، ولله در الحسد ما أعدله بدأ بصاحبه فقتله.
وهذه أسماء كتبه المؤلفة على ترتيب حروف المعجم المطبوعة في مطبعة رياسة بهوبال المحمية، وغيرها من البلدان العظام، ويزيد الله في الخلق ما يشاء وهو المتفضل ذو الإنعام.
حرف الألف
أبجد العلوم، إتحاف النبلاء المتقين بإحياء مآثر الفقهاء المحدثين بالفارسي، الاحتواء في مسئلة الاستواء، الإدراك في تخريج أحاديث در الأشراك، الإذاعة لما كان وما يكون بين يدي الساعة، أربعون حديثاً في فضائل الحج والعمرة، إفادة الشيوخ في معرفة الناسخ والمنسوخ فارسي، الاكسير في أصول التفسير فارسي، إكليل الكرامة في تبيان مقاصد الإمامة، الانتقاد الرجيح في شرح الاعتقاد الصحيح.
حرف الباء الموحدة بغية الرائد في شرح العقائد فارسي، البلغة في أصول اللغة، بلوغ السول من أقضية الرسول.
حرف التاء الفوقية تميمة الصبي في ترجمة الأربعين من أحاديث النبي ﷺ .
стр. 726
حرف الثاء المثلثة ثمار التنكيت في شرح أبيات التثبيت فارسي.
حرف الجيم الجنة في الأسوة الحسنة بالسنة.
حرف الحاء المهملة حجج الكرامة في آثار القيامة فارسي، الحرز المكنون من لفظ المعصوم المكنون، حصول المأمول في علم الأصول، الحطة في ذكر الصحاح الستة، حل الأسئلة المشكلة.
حرف الخاء المعجمة خبيئة الأكوان في افتراق الأمم على المذاهب والأديان.
حرف الدال المهملة دليل الطالب إلى أشرف المطالب فارسي.
حرف الذال المعجمة ذخر المحتي في آداب المفتي حرف الراء المهملة رحلة الصديق إلى البيت العتيق. الروضة الندية شرح الدرر البهية. رياض الجنة في تراجم أهل السنة.
حرف الزاي حرف السين المهملة السحاب المركوم في بيان أنواع الفنون وأسماء العلوم، وهو القسم الثاني من هذا الكتاب. سلسلة العسجد في ذكر مشايخ السند فارسي.
стр. 727
حرف الشين المعجمة شمع انجمس في ذكر شعراء الزمن فارسي.
حرف الصاد المهملة حرف الضاد المعجمة ضالة الناشر الكئيب في شرح النظم المسمى بتأسيس الغريب.
حرف الطاء المهملة حرف الظاء المعجمة ظفر اللاضي بما يجب في القضاء على القاضي.
حرف العين المهملة العلم الخفاق في علم الاشتقاق. العبرة بما جاء في الغزو والشهادة والهجرة. عون الباري بحل أدلة البخاري أربع مجلدات.
حرف الغين المعجمة غصن البان المورق لمحسنات البيان. غنية القاري في ترجمة ثلاثيات البخاري.
حرف الفاء فتح البيان في مقاصد القرآن في أربع مجلدات. فتح المغيث بفقه الحديث. الفرع النامي من الأصل السامي فارسي.
حرف القاف قصد السبيل إلى ذم الكلام والتأويل. قضاء الرب في مسئلة النسب. قطف الثمر في عقائد أهل الأثر.
حرف الكاف كشف الالتباس عما وسوس به الخناس في الرد على الشيعة باللسان الهندي.
стр. 728
حرف اللام لف القماط على تصحيح ما استعمله من الأغلاط. لقطة العجلان مما تمس إلى معرفته حاجة الإنسان.
حرف الميم مثير ساكن الغرام إلى روضات دار السلام. مراتع الغزلان في تذكار أدباء الزمان. مسك الختام شرح بلوغ المرام، باللسان الفارسي. منهج الوصول إلى اصطلاح أحاديث الرسول، باللسان الفارسي.
حرف النون نيل المرام في تفسير آيات الأحكام.
حرف الواو الوشي المرقوم في بيان أحوال العلوم المنثور منها والمنظوم، وهو القسم الأول من هذا الكتاب.
حرف الهاء هداية السائل إلى أدلة المسائل، بالفارسي.
حرف الياء يقظة أولي الاعتبار فيما ورد في ذكر النار وأصحاب النار. هذا ما وقع في الماضي وإلى الآن في الزيادة والتوجه إلى تصنيف كتب شتى. وفي الحقيقة أن مثله لا يكون في هذا الزمن، مع ما هو فيه من الامتحان، وقد آن أن نقبض جواد القلم عن الطراد في وصفه، فإن الكلام فيه بحر تيار وعباب زخار، وفيما ذكرنا كفاية لأولي الألباب، والله الموفق لإصابة الصواب.
стр. 729
تتمة
إن هذا السيد المترجم، والأستاذ السند المعظم، توجه في شهر شعبان سنة خمس وثمانين ومائتين وألف إلى بيت الله، فقدم مكة المكرمة وجدد عهداً بالركن والحطيم، وتنسم من عرف عرفات وتمتع من أرج ذاك النسيم، ثم شد الرحال إلى زيارة السيد المصطفى قطب دائرة الكمال، فزار المرقد النبوي الأنور ثم مرقد الآل الأطر، وتمتع بزيارة من سلف، ممن لهم كمال الفضل والشرف، ثم عاد إلى محروسة بهوبال المحمية، فاستقبلته خلافة الهند السامية البهية، حيث أنه تزوج بوالية مملكتها وحامية حوزتها، المزرية طلعة كمالها بشرف الشمس والقمر، والمستوية حامية إمارتها على عرش الظفر، تاج الهند المكلل، وطراز المجد الرفيع الأول، نواب شاه جهان بيكم، أحسن الله إليها وتفضل وأنعم، وفسح في حياتها وبارك لها وعليها في أوقاتها.
فجلس هذا المترجم مجلس الخلافة في الأمور الدولية، وقام مقام السيدة المشار إليها في إنفاذ الأوامر السنية، وانتفع الناس بجوده وبذله، وعلمه وحكمه وفضله، وعاد إلى مملكته ماء الشبيبة بعد المشيب، وظهر غصنها الذابل في نضرة الرطيب، وغدا بردها البالي قشيبا، وأصبح جدبها الماحل خصيبا، وارتفعت بها قصور العلم بعدما كانت رسوماً عافية، واستبانت معالم الفضل بعد ما كانت إغفالاً خافية. وذلك لأنه كان ملياً بالعلوم، متضلعاً منها بالمنطوق والمفهوم، مجتهداً في إشاعتها، مجدداً لإذاعتها، مع كونه يرى ذاته الشريفة كآحاد المسلمين، ويتواضع مع كل واحد من الناس لله رب العالمين، ويتحاشى كماله عن الدنيا وزخارفها، ويتجافى بقلبه عن مراقيها ومعاطفها، وأحيا السنن الميتة في ذلك المكان، بالأدلة البيضاء من السنة والفرقان، فهو سيد علماء الهند في زمانه،
стр. 730
وابن سيدهم الذي برع فضلاً في عصره وأوانه، فخضعت له النواصي، وشهد بكماله الداني والقاصي، ولم يزل يزيد علوم الشريعة بهاء ونضارة، ويفكك عقود أكمامها بأحسن عبارة وألطف إشارة، واشتد اشتغاله بها تصنيفاً وتأليفاً، وطالت يده البيضاء في بنيانها ترصيصاً وترصيفا، ولم يزل مقامه يسمو، وقدره يعلو وينمو، إلى أن دعاه الداعي لدار جزائه، ولحصوله على غاية مرامه ونهاية منائه، وذلك سنة ألف وثلاثمائة ونيف.
стр. 731
حرف الطاء
السيد الشيخ طاهر بن محمد الأنباري
كان فاضلاً نبيهاً، وعالماً متفنناً فقيهاً، لازم السيد سليمان الأهدل، وقرأ عليه تفسير البيضاوي والبغوي وحصل له فتوح عظيم في سائر العلوم، وتخرج عليه عدة علماء محققين. ومن كلامه: اللبيب من إذا سبقه الناس بالعلم سبقهم بالعمل، وإذا سبقوه بالعمل سبقهم بالإخلاص لله ، وإذا سبقوه بالإخلاص سبقهم بالثبات على ذلك إلى الممات. وكمال الإنسان في ثلاثة أمور: علوم يعرفها، وأعمال يعمل بها، وأحوال تترتب على علومه وأعماله:
العلم ليس بكاف ربه شرفاً ... إن لم يكن عمل ما فيه تلبيس
لو كان بالعلم من دون التقى شرف ... لكان أفضل خلق الله إبليس
توفي ﵁ سنة ألف ومائتين و ...
الشيخ طاهر بن سعيد المعروف بسنبل الدمشقي
من العلماء المعروفين، والأعيان المشهورين، ولد بدمشق سنة ألف ومائة وخمسين تقريباً، ونشأ بها وقرأ على أخيه الشيخ محمد وعلى والده وغيرهما، حتى برع وفاق واشتهر في الآفاق، وكان ناهجاً منهج الزهادة والتقوى والعبادة. مات ﵀ عام ألف ومائتين وثمانية عشر.
стр. 732
طاهر أفندي مفتي دمشق الشام بن عمر أفندي الخربوتلي الحنفي الدمشقي
ولد في خربوت سنة خمس عشرة ومائتين وألف، ثم قدم مع والده إلى دمشق وتوطن بها، وحضر مجلس العلم لدى أفاضلها وأعلام علمائها، كالشيخ شاكر مقدم سعد، والشيخ عبد الرحمن الكزبري، والشيخ سعيد الحلبي وغيرهم. وكان كوالده صالحاً عابداً زاهداً متقشفاً في الدنيا مقبلاً على الآخرة، وصار من المتقدمين في الفقه في مذهب أبي حنيفة، وكان أبوه قد وجهت عليه إمامة محراب الحنفية في جامع بني أمية، فانتقلت إليه بعد موت والده. ثم وجهت عليه أمانة فتوى دمشق الشام أيام مفتيها حسين أفندي المرادي، وبعد موت حسين أفندي وجهت رتبة إفتاء الشام على ولده علي أفندي المرادي، وبعد أشهر حضر علي أفندي لدى والدي وطلب منه أن يستعفي له من الإفتاء واعتذر بأنه رأى رؤيا أزعجته كثيراً، وقال له لا أخرج من دارك حتى تخلصني من منصب الإفتاء، ولم يمكن تنزيله عن هذا الخاطر، وكان الوالي في ذلك الوقت سعيد باشا صهر السلطان محمود وكان من الصالحين، وكان المشير علي الأوردي الهمايوني الخامس أمين باشا، وكان رئيس المجلس الكبير عثمان بك وكان صاحب الحل والعقد، وكل منهم كان له مع والدي غاية المحبة وكانوا في كل أيام يحضرون عند والدي، فلما لم يمكن مضي علي أفندي في منصب الإفتاء وأصر على ذلك مع شدة الهلع، تكلم والدي في أمره فقال له عثمان بيك لا بأس بذلك، لكن بشرط أن يكون الإفتاء لك، فقال له أنا أسعفي عن غير وأقبل لنفسي لا يمكن ذلك، فقال له هذا منصب علم وأمانة، ولا نجد الآن موافقاً من كل الوجوه في هذا
стр. 733
القطر سواك، فقال له أنا أريد منصباً لا أعزل منه، فقال له أستحضر لك براءة من السلطان في توجيه الإفتاء عليك وعلى أولادك من بعدك، فقال له ما قصدت هذا، إنما قصدت أنه إذا أراد السلطان عزلي لا قدرة لأحد على إبقائي، وأنا عندي منصب لا يعزلني منه أحد وهو منصب العلم فلا أختار غيره عليه، على أني لا آمن على نفسي، وهذا منصب خطر، وإن عزمتم علي في ذلك يكون سبباً لقطع سبب الوصلة بيني وبينكم. فلما ظهر عليه التغير كثيراً، اضربوا صفحاً عن التكلم معه في هذا الخصوص، وتفرقوا ثم اجتمعوا بعد ذلك، وانعقد إجماعهم مع أهل البلد على وضع صاحب الترجمة، لأمانته وتخرجه في مسائل المذهب وخدمته لأمانة الفتوى مدة طويلة، وجلس لمسائل الناس في مدرسة الجقمقية شمالي جامع بني أمية، ثم بعد مدة قد انتقل إلى مكان آخر قد أعد للإفتاء، ولم يزل مفتياً إلى أن وقعت في الشام حادثة النصارى سنة سبع وسبعين ومائتين وألف، نفي مع من نفي من أعيان الشام وعلمائها إلى قلعة الماغوصة تابع جزيرة قبرص، واستقام بها مدة هو والشيخ عبد الله الحلبي، وأحمد أفندي الحسيبي، وعمر أفندي الغزي، وعبد الله بيك العظم، ومحمد بيك العظمة ومن معهم، واستقاموا بها مدة سنتين فصدرت الإرادة السنية بنقلهم إلى إزمير، واستقاموا بها ثلاث سنين، ثم طلبوا إلى دار الخلافة العلية، فرفع عنهم الحجر وصدر الأمر بإطلاقهم إلى أوطانهم، وأنعم على المترجم بقضاء مولوية ازمير مع نيابة بني غازي تابع طرابلس الغرب، فاستقام هناك سنتين، ثم عاد لدار الخلافة فوجهت عليه نيابة خربوت، فمكث بها سنتين ثم وجه عليه نيابة حماة مرتين، ثم قدم دمشق وبها استقام إلى أن توفي نائب محكمة الباب محمد أفندي الجوخدار سنة ١٢٩٨، وجه والي ولاية سوريا أحمد حمدي باشا النيابة المذكورة على المترجم، وكان القاضي في ذلك الوقت عبد الله أفندي بن مصطفى أفندي حقي، وما زال نائباً في المحكمة المرقومة إلى أن توفي سنة ثلاثمائة وألف، ودفن في مقبرة باب الصغير رحمه الله تعالى.
стр. 734
الشيخ طاهر بن إبراهيم بن سعد بن عواد الحموي الشافعي البصير
شيخ القراء بحماة الحافظ الكبير والمقرئ الشهير، والفاضل الفقيه والكامل النبيه، مولده سنة ثلاث وأربعين ومائة وألف، وقرأ القرآن العظيم وحفظه على أبي عبد الله محمد بن علي الدمشقي من طريق حفص، وعلى أبي إسحق إبراهيم بن عباس بن علي الدمشقي، وحفظ الشاطبية والرائية وطيبة النشر وشروحها والجزرية، وقرأ التمهيد في التجويد، وابن القاصح شرح الشاطبية، والهمداني والنكت والدرة لابن الجزري، وابن المصنف شرح الطيبة وغيرها من الشروح والمتون، البعض مع الحفظ والبعض قراءة وسماعاً، واشتغل بتحصيل الفنون والعلوم، وقرأ على جماعة، وأخذ الفقه والعربية عن فرج الله الحموي وأبي الصدق يوسف الفقيه وأبي محمد عبد الله الحواط وشمس الدين محمد بن أحمد شهاب الدين الديري نزيل دمشق، وقرأ المنطق والمعاني والبيان والتوحيد على الإمام الكبير عليم الله بن عبد الرشيد اللاهوري الهندي نزيل دمشق، وأبي محمد أحمد بن عبيد الله العطار الدمشقي، وسمع الحديث وغالب كتب الصحاح على تاج الدين محمد بن طه العقاد الحلبي، ومحمد بن الناقلاتي المغربي، وأبي عبد الله محمد بن محمد الحكيم اللاذقي، وسراج الدين عمر بن إبراهيم إسماعيل الكيالي الأدلبي وأبي الحسن علي بن عبد الكريم الأرمنازي الشافعي وأجاز له غالب شيوخه ومهر وتفوق وأتقن وحفظ واستفاد وأفاد وشهد له شيوخه بالنبل والتفوق. وكان من مشاهير القراء بالديار الشامية وألف بالقراءات كتاباً سماه الفوائد. وكانت وفاته بعد الألف والمائتين وخمسة رحمه الله تعالى.
стр. 735
الشيخ طاهر العقري الخالدي النقشبندي
العالم التقي والمرشد النقي، خلاصة الأكابر، ونخبة الأفاخر، نشأ بصحبة الأفاضل إلى أن صار من ذوي الفضائل، ثم أخذ الطريق ونهج مناهج أهل التحقيق، وأخذ عن المرشد الكامل الشيخ خالد شيخ الحضرة، وبعد اشتغاله مدة خلفه خلافة عامة حيث تأهل للخلافة، ولم يزل مشتغلاً في الإرشاد إلى أن استكمل الأجل الميعاد، وذلك سنة ألف ومائتين و ...
الشيخ طاهر بن إبراهيم بن حسن الكوراني ثم المدني
وهو من رجال أصفى الموارد، فهو ذو الوصف الحسن والفصاحة واللسن، فلا ريب أنه الجهبذ الذي علت به كلمة الإسناد، وزخر به العلم الحديثي وزاد، وأمد بإملائه الصدور بالإرشاد والإمداد، وصعد إلى ذروة منة لا ترتقى، وأبرز من أحواله المستصفى والمنتقى، وميز بنقده التام رجاله، وعاناه والشيب ما شاب قذاله، وقفا والده فيه حتى صارت به بيضا لياليه، كيف وقد أملى مجالس حديثية، تكاد تكون عسقلانية وإن كانت مدنية، واستمدت الأذهان من تقريره، ولباب تنقيح تدقيق تحريره، ما هو الروض وزهره.
стр. 736
الشيخ ملا طه بن الشيخ يحيى البزري الكردي الشافعي الدمشقي
العالم العابد، والعامل الزاهد، ناسك زمانه وتقي أوانه، ولد في العامودية بلدة من بلاد الموصل سنة ألف ومائتين وخمسين، وبها أخذ عن والده وعن غيره من شيوخ الموصل وشيوخ العمادية والسليمانية، ونهج منهج السلف وفاق في التقوى والعلم بين الخلف، وفي سنة أربع وثمانين ومائتين وألف قدم دمشق وأقام في محلة الصالحية في حارة الأكراد، ولازم المدرسة الركنية، وكان لا يخرج منها إلا لصلاة العصر في جامع بني أمية كل يوم في الوقت الأول مع الجماعة، وقصد البيت الحرام للنسك مرتين من دمشق، وكان بيني وبينه محبة قوية ومذاكرات علمية، ومطارحات أدبية ومناصحات صوفية، ومفاكهة حسنة ومعاشرة مستحسنة. وكان تقياً زاهداً ورعاً خاشعاً متنبهاً متيقظاً قليل الكلام فيما لا فائدة به، وكان من أشراف طوائف الأكراد. توفي رحمه الله تعالى سنة اثنتين وثلاثمائة وألف، ودفن بسفح قاسيون قرب قبر ابن أخته الشيخ عبد الله الكردي قرب مغارة الجوعية من جهة الغرب.
الشيخ طه بن يحيى الكردي الشافعي
العالم المشهور بكل فضل مأثور، المتحلي بحلية الفضائل والمتخلي عن الاتصاف بشيء من الرذائل.
ولد سنة ألف ومائة وست ثلاثين، وأخذ عن السيد علي بن السيد مصطفى الحريري، وعن الشيخ طاهر بن سعيد سنبل، وترقى في بديع المعارف واتصف بأكمل الحسن واللطائف. مات سنة أربع عشرة ومائتين وألف.
стр. 737
الشيخ طه بن الشهاب أحمد العطار الدمشقي الشافعي
ولد بدمشق وطلب بها مع الزهد والتقوى، والصلاح في السر والنجوى، وكان ملازماً للطريق والأذكار، وقراءة القرآن في الليل والنهار، متواضعاً عابداً سيداً ماجداً، قوالاً بالحق ملازماً للصدق، لين الجانب، له فكر في حل المشكلات ثاقب، قليل الاختلاط بين الناس، مشهوراً باللطف والإيناس، متحلياً بالورع، متخلياً عن الطمع، مات سنة ثلاث وأربعين ومائتين وألف ودفن في مرج الدحداح.
الشيخ طه بن جمعة بن مصطفى بن جمعة بن سليمان الدسوقي الشافعي
الدين الصالح المعتقد الزاهد، الورع العابد، العالم العامل، مولده بدسوق في أسواط سنة تسع وستين ومائة وألف، وخرج من بطن أمه أكمه وتنقلت به الأحوال وخرج من بلاده إلى البلاد الشامية، وتنقل من مكان إلى مكان، حتى استقر في قرية كفر كرمين بناحية جبل سمعان من أعمال حلب، واختارها وأقام بها في غار هناك، تزوره الناس ويأتونه بالنذور والذبائح على عادتهم، ويعتقدونه ويتبركون بأنفاسه ودعواته، وحصل الشفا لكثير من المرضى والزمنى على يده بإذن الله تعالى. وكان ينتسب كما ذكر هو من لفظه إلى خيزرانة بنت الشيخ موسى أخي القطب إبراهيم الدسوقي. وبالجملة فقد كان من خيار عباد الله تعالى أهل الاستقامة، ومات رحمه الله تعالى سنة ألف ومائتين و ...
стр. 738
الشيخ طه بن عبد الرسول بن أبي يزيد بن البرزنجي الشافعي الموسوي الحسيني
السيد الشريف أبو السعادة الفاضل الأديب النجيب أحد السادة الأشراف الأفاضل الأجلاء.
مولده ببرزنجه من أعمال شهرزور سنة ثمان وستين ومائة وألف، وقرأ على الأجلاء من علماء شهرزور منهم جلال الدين الكلعنبري، وأبو محمد عبد القادر الكوراني، وأولاد عمه معروف بن مصطفى البرزنجي، وعبد الكريم وعبد الرحيم ابنا أبي القاسم بن الحسن البرزنجي، وارتحل إلى بغداد وقرأ بها على أبي مهدي عيسى بن صبغة الله الحسين آبادي الماوراني، وعبد الرحمن بن فيض الله القادري نقيب الأشراف ببغداد، وأخذ عنه الطريقة القادرية، ثم دخل الموصل وقرأ بها على جرجيس الأربلي الموصلي وغيره، ثم حج وجاور في المدينة المنورة وسمع الكثير والكتب الستة في الحديث عن أبي عبد الله محمد بن محمد بن عبد الله الفاسي ثم المدني، ولازمه قدر ثلاث سنين وأجاز له بخطه، وقرأ عليه وانتفع به، ثم ارتحل إلى مصر وقرأ بها الكثير على محب الدين محمد المرتضى بن محمد الزبيدي اليمني، وأجاز له بخطه، ودخل قسطنطينية ودمشق وحلب وغيرها من البلاد، واجتمع بالعلماء والأدباء والرؤساء، وكان مستقيم الأطوار مواظباً على التقوى والعبادة آناء الليل وأطراف النهار. مات رحمه الله تعالى بعد الألف والمائتين وخمسة، ولم أقف على تعيين تاريخ موته.
стр. 739
الشيخ طه بن محمد بن طه بن أحمد العقاد الحلبي الشافعي مفتي الشافعية بحلب
العالم الفاضل. والهمام الجهبذ الكامل. والتقي الصالح. والنقي الراجح. مولده سنة تسع وخمسين ومائة وألف، واشتغل بالأخذ والتحصيل في كنف والده وانتفع به وقرأ عليه الكثير من الكتب والفنون، ولازم الشيوخ وسمع عليهم وأكثر من التلقي، وله عدة مشايخ سادة أفاضل منهم أبو سليمان صالح بن إبراهيم الجينيني الدمشقي، وأبو يحيى علاء الدين بن علي بن صادق الدغستاني. ولم يزل يترقى في الأخذ والعلوم والمعارف، إلى أن خطبته المنية بعد الألف والمائتين وخمسة.
الشيخ السيد طه الكيلاني نسبا الشمزيني الهكاري الخالدي النقشبندي
كان رحمه الله تعالى عالماً عاملاً، زاهداً عابداً، ورعاً تقياً نقياً، حسيباً شريفاً من أولاد سيدنا عبد القادر الجيلاني، وكان كثير الوعظ والتذكير، يذكر الناس بالله ويعظهم ويرشدهم ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر. وكان حسن الأخلاق طيب الأعراق، قد شغلته الطاعة عن البطالة والإضاعة، وقد أخذ الطريقة النقشية عن عمدة الزمان مولانا شيخ الحضرة خالد، ثم بعد الكمال ونوال المراد أقامه خليفة وأذن له في الإرشاد. توفي سنة ألف ومائتين و ...
стр. 740
الشيخ طه شرف الدين أبو أحمد المقري بن أبي بكر بن رجب بن أبي بكر بن حسن الحلبي الحنفي
الفقيه الصالح الدين التقي الورع الزاهد، العالم العامل الإمام الهمام النقي العابد، أحد القراء والحفاظ بحلب، ولد بها سنة ست وثلاثين ومائة وألف، وقرأ القرآن العظيم على والده، وأتقن حفظه على جماعة، منهم الزين عبد اللطيف المدني نزيل المدرسة الشرفية والجمال يوسف المصري وأبو محمد عبد الرحمن بن إبراهيم المصري، وتلاه على الشمس البصري وأبي محمد عبد الكافي بن عبد الكريم الحلبي الإمام بالجامع الأموي، وقرأ الفقيه والنحو على أبي عبد الله محمد بن إبراهيم المداري، وقرأ على أبي عبد القادر محمد بن صالح بن رجب المواهبي، وحضره في كثير من الفنون، وسمع عليه غالب الكتب مع من حضر، كالدر المختار للحصكفي والدرر وشرح الجوهرة والأشموني وابن عقيل على الألفية والجامع الصغير للسيوطي وجميع صحيح الإمام البخاري والشفا للقاضي عياض وغيره، وأخذ عنه الطريقة القادرية، وبعد موته لازم ولده أبا المواهب إسماعيل المواهبي، وحضره وسمع عليه حصة من الفنون، وسمع أيضاً حصة من الجامع الصغير على أبي عبد القادر صالح بن عبد الرحمن البانقرسي، وسمع الكتاب المذكور أيضاً على أبي محمد عبد القادر بن بشر بن عبد الحق البشري، ولازم الأشياخ واحتفل بالسماع، وكان مواظباً على قراءة القرآن العظيم ويتدارس به مع القراء ولا يغفل عن التلاوة بحقها ليلاً ولا نهاراً، وكان جميل المجالسة حسن المعاشرة، لطيف الكلام، يحب المذاكرة في الأحكام، كثير المواعظ آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، معتزلاً عن الناس إلا لما يرجع عليه منه أمراً ديني من الاجتماعات المطلوبة، والمجالس المستحسنة المرغوبة. ولم يزل على نهجه المستقيم إلى أن استضافته المنية وطلبته للدرجات العالية، وذلك بعد الألف والمائتين رحمه الله تعالى.
следующие страницы →