Полный текст (1 568 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
الشيخ ملا طه بن الشيخ يحيى البزري الكردي الشافعي الدمشقي
العالم العابد، والعامل الزاهد، ناسك زمانه وتقي أوانه، ولد في العامودية بلدة من بلاد الموصل سنة ألف ومائتين وخمسين، وبها أخذ عن والده وعن غيره من شيوخ الموصل وشيوخ العمادية والسليمانية، ونهج منهج السلف وفاق في التقوى والعلم بين الخلف، وفي سنة أربع وثمانين ومائتين وألف قدم دمشق وأقام في محلة الصالحية في حارة الأكراد، ولازم المدرسة الركنية، وكان لا يخرج منها إلا لصلاة العصر في جامع بني أمية كل يوم في الوقت الأول مع الجماعة، وقصد البيت الحرام للنسك مرتين من دمشق، وكان بيني وبينه محبة قوية ومذاكرات علمية، ومطارحات أدبية ومناصحات صوفية، ومفاكهة حسنة ومعاشرة مستحسنة. وكان تقياً زاهداً ورعاً خاشعاً متنبهاً متيقظاً قليل الكلام فيما لا فائدة به، وكان من أشراف طوائف الأكراد. توفي رحمه الله تعالى سنة اثنتين وثلاثمائة وألف، ودفن بسفح قاسيون قرب قبر ابن أخته الشيخ عبد الله الكردي قرب مغارة الجوعية من جهة الغرب.
الشيخ طه بن يحيى الكردي الشافعي
العالم المشهور بكل فضل مأثور، المتحلي بحلية الفضائل والمتخلي عن الاتصاف بشيء من الرذائل.
ولد سنة ألف ومائة وست ثلاثين، وأخذ عن السيد علي بن السيد مصطفى الحريري، وعن الشيخ طاهر بن سعيد سنبل، وترقى في بديع المعارف واتصف بأكمل الحسن واللطائف. مات سنة أربع عشرة ومائتين وألف.
стр. 737
الشيخ طه بن الشهاب أحمد العطار الدمشقي الشافعي
ولد بدمشق وطلب بها مع الزهد والتقوى، والصلاح في السر والنجوى، وكان ملازماً للطريق والأذكار، وقراءة القرآن في الليل والنهار، متواضعاً عابداً سيداً ماجداً، قوالاً بالحق ملازماً للصدق، لين الجانب، له فكر في حل المشكلات ثاقب، قليل الاختلاط بين الناس، مشهوراً باللطف والإيناس، متحلياً بالورع، متخلياً عن الطمع، مات سنة ثلاث وأربعين ومائتين وألف ودفن في مرج الدحداح.
الشيخ طه بن جمعة بن مصطفى بن جمعة بن سليمان الدسوقي الشافعي
الدين الصالح المعتقد الزاهد، الورع العابد، العالم العامل، مولده بدسوق في أسواط سنة تسع وستين ومائة وألف، وخرج من بطن أمه أكمه وتنقلت به الأحوال وخرج من بلاده إلى البلاد الشامية، وتنقل من مكان إلى مكان، حتى استقر في قرية كفر كرمين بناحية جبل سمعان من أعمال حلب، واختارها وأقام بها في غار هناك، تزوره الناس ويأتونه بالنذور والذبائح على عادتهم، ويعتقدونه ويتبركون بأنفاسه ودعواته، وحصل الشفا لكثير من المرضى والزمنى على يده بإذن الله تعالى. وكان ينتسب كما ذكر هو من لفظه إلى خيزرانة بنت الشيخ موسى أخي القطب إبراهيم الدسوقي. وبالجملة فقد كان من خيار عباد الله تعالى أهل الاستقامة، ومات رحمه الله تعالى سنة ألف ومائتين و ...
стр. 738
الشيخ طه بن عبد الرسول بن أبي يزيد بن البرزنجي الشافعي الموسوي الحسيني
السيد الشريف أبو السعادة الفاضل الأديب النجيب أحد السادة الأشراف الأفاضل الأجلاء.
مولده ببرزنجه من أعمال شهرزور سنة ثمان وستين ومائة وألف، وقرأ على الأجلاء من علماء شهرزور منهم جلال الدين الكلعنبري، وأبو محمد عبد القادر الكوراني، وأولاد عمه معروف بن مصطفى البرزنجي، وعبد الكريم وعبد الرحيم ابنا أبي القاسم بن الحسن البرزنجي، وارتحل إلى بغداد وقرأ بها على أبي مهدي عيسى بن صبغة الله الحسين آبادي الماوراني، وعبد الرحمن بن فيض الله القادري نقيب الأشراف ببغداد، وأخذ عنه الطريقة القادرية، ثم دخل الموصل وقرأ بها على جرجيس الأربلي الموصلي وغيره، ثم حج وجاور في المدينة المنورة وسمع الكثير والكتب الستة في الحديث عن أبي عبد الله محمد بن محمد بن عبد الله الفاسي ثم المدني، ولازمه قدر ثلاث سنين وأجاز له بخطه، وقرأ عليه وانتفع به، ثم ارتحل إلى مصر وقرأ بها الكثير على محب الدين محمد المرتضى بن محمد الزبيدي اليمني، وأجاز له بخطه، ودخل قسطنطينية ودمشق وحلب وغيرها من البلاد، واجتمع بالعلماء والأدباء والرؤساء، وكان مستقيم الأطوار مواظباً على التقوى والعبادة آناء الليل وأطراف النهار. مات رحمه الله تعالى بعد الألف والمائتين وخمسة، ولم أقف على تعيين تاريخ موته.
стр. 739
الشيخ طه بن محمد بن طه بن أحمد العقاد الحلبي الشافعي مفتي الشافعية بحلب
العالم الفاضل. والهمام الجهبذ الكامل. والتقي الصالح. والنقي الراجح. مولده سنة تسع وخمسين ومائة وألف، واشتغل بالأخذ والتحصيل في كنف والده وانتفع به وقرأ عليه الكثير من الكتب والفنون، ولازم الشيوخ وسمع عليهم وأكثر من التلقي، وله عدة مشايخ سادة أفاضل منهم أبو سليمان صالح بن إبراهيم الجينيني الدمشقي، وأبو يحيى علاء الدين بن علي بن صادق الدغستاني. ولم يزل يترقى في الأخذ والعلوم والمعارف، إلى أن خطبته المنية بعد الألف والمائتين وخمسة.
الشيخ السيد طه الكيلاني نسبا الشمزيني الهكاري الخالدي النقشبندي
كان رحمه الله تعالى عالماً عاملاً، زاهداً عابداً، ورعاً تقياً نقياً، حسيباً شريفاً من أولاد سيدنا عبد القادر الجيلاني، وكان كثير الوعظ والتذكير، يذكر الناس بالله ويعظهم ويرشدهم ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر. وكان حسن الأخلاق طيب الأعراق، قد شغلته الطاعة عن البطالة والإضاعة، وقد أخذ الطريقة النقشية عن عمدة الزمان مولانا شيخ الحضرة خالد، ثم بعد الكمال ونوال المراد أقامه خليفة وأذن له في الإرشاد. توفي سنة ألف ومائتين و ...
стр. 740
الشيخ طه شرف الدين أبو أحمد المقري بن أبي بكر بن رجب بن أبي بكر بن حسن الحلبي الحنفي
الفقيه الصالح الدين التقي الورع الزاهد، العالم العامل الإمام الهمام النقي العابد، أحد القراء والحفاظ بحلب، ولد بها سنة ست وثلاثين ومائة وألف، وقرأ القرآن العظيم على والده، وأتقن حفظه على جماعة، منهم الزين عبد اللطيف المدني نزيل المدرسة الشرفية والجمال يوسف المصري وأبو محمد عبد الرحمن بن إبراهيم المصري، وتلاه على الشمس البصري وأبي محمد عبد الكافي بن عبد الكريم الحلبي الإمام بالجامع الأموي، وقرأ الفقيه والنحو على أبي عبد الله محمد بن إبراهيم المداري، وقرأ على أبي عبد القادر محمد بن صالح بن رجب المواهبي، وحضره في كثير من الفنون، وسمع عليه غالب الكتب مع من حضر، كالدر المختار للحصكفي والدرر وشرح الجوهرة والأشموني وابن عقيل على الألفية والجامع الصغير للسيوطي وجميع صحيح الإمام البخاري والشفا للقاضي عياض وغيره، وأخذ عنه الطريقة القادرية، وبعد موته لازم ولده أبا المواهب إسماعيل المواهبي، وحضره وسمع عليه حصة من الفنون، وسمع أيضاً حصة من الجامع الصغير على أبي عبد القادر صالح بن عبد الرحمن البانقرسي، وسمع الكتاب المذكور أيضاً على أبي محمد عبد القادر بن بشر بن عبد الحق البشري، ولازم الأشياخ واحتفل بالسماع، وكان مواظباً على قراءة القرآن العظيم ويتدارس به مع القراء ولا يغفل عن التلاوة بحقها ليلاً ولا نهاراً، وكان جميل المجالسة حسن المعاشرة، لطيف الكلام، يحب المذاكرة في الأحكام، كثير المواعظ آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، معتزلاً عن الناس إلا لما يرجع عليه منه أمراً ديني من الاجتماعات المطلوبة، والمجالس المستحسنة المرغوبة. ولم يزل على نهجه المستقيم إلى أن استضافته المنية وطلبته للدرجات العالية، وذلك بعد الألف والمائتين رحمه الله تعالى.
стр. 741
الشيخ الطيب بن الشيخ محمد المبارك الجزائري الدلسي المالكي
العالم الفاضل والهمام الكامل، عمدة زمانه ونخبة أقرانه.
ولد سنة ألف ومائتين وخمس وخمسين تقريباً ونشأ في حجر والده، فتعلم القرآن وجوده وحفظه وأتقنه، وأجاد الخط، وقرأ الفنون من العلوم على سادة أفاضل، منهم عمدة الأنام، وكعبة الإسلام، جهبذ الأفاضل، وينبوع الفضائل والفواضل، العارف بالله الأمير السيد عبد القادر الجزائري الحسني، فكنا نحضر وإياه مع من حضر كتاب الفتوحات المكية، وغيرها من كتاب السادة الصوفية، وقرأ على العالم اللوذعي، والسميدع الألمعي، شيخنا الشيخ محمد بن مصطفى الطنطاوي فنوناً متعددة، وقرأ على غيرهما من السادة المالكية، وأجازوه بالإجازة العامة. وله ذكاء وحفظ مع طلاقة لسان وطلاوة في الكلام، وحسن معاشرة ولين جانب، وخضوع ولطف وزهادة، وقناعة وجود وكرم نفس، ومهابة وقبول، وأفكار عالية وفهم جيد في كلام القوم. وفي عام اثنين وثمانين حينما شرف شيخنا الأستاذ السيد محمد الفاسي الشاذلي أخذ عنه الطريقة الشاذلية، وبعد اشتغاله مدة في الطريق أذن له في الإرشاد، وإعطاء الطريق، فأرشد وأحسن في إرشاده، وأعطى الطريق وأقام الأذكار في الليل والنهار، وأكثر من السياحة في خدمة الطريق، وانتفع منه البعيد والصاحب والرفيق، وعرف بين الناس واشتهر باللطف والإيناس.
وفي سنة ألف ومائتين وسبع وثمانين أرسله حضرة الأمير عبد القادر الجزائري مع حضرة شيخنا الطنطاوي إلى مدينة قونية لمقابلة الفتوحات المكية على خط مؤلفها العارف بالله الشيخ محي الدين العربي وقرأها مع الشيخ المذكور هناك مرتين مقابلة، وبعد مجيئهما قرأناها جميعاً على الأمير المرقوم مع التزامنا لإصلاح نسخنا على النسخة المقابلة على خط المؤلف. ومما نظمه وأسمعني إياه من لفظه:
стр. 742
سلوي عن الأحباء حرمه الحب ... فإن هجروني فالعذاب بهم عذب
وهيهات يوماً أن أميل إلى السوى ... وكيف وقلبي مدنف بهم صب
فإن حدثوا أروي الحديث بسائري ... فنعم الشفا ذكر الأحبة والطب
فلله عيش قد تقضى بقربهم ... وكأس الهنا صاف ومغنى اللقا رحب
سقوني شراب الأنس صرفاً مقدساً ... عن المزج لما أن تمزقت الحجب
فقالت سليمى قر عيناً بما ترى ... وطب في الهوى نفساً فقد حصل القرب
ألم تدر أن الوصل أضحى مقامه ... عزيزاً رفيعاً لا تطاوله الشهب
حمانا منيع دونه الحتف يا فتى ... وإن الهوى مرقاه مستوعر صعب
فكم مغرم أضحى معنى ولم يفز ... بنظرة إسعاف بها يسكن القلب
تؤجج نار الوجد بين ضلوعه ... وأجفانه مثل الغمام لها سكب
يرى روحه تنحط قدراً بلمحة ... وإن عدها يوماً لعمري هو الذنب
فمن شاء أن يحيا ويحظى بنظرة ... فبي فليمت وجداً وإلا فلا يصبو
وله نظم له حلاوة وعليه طلاوة، وله شغف كثير بالسماع والنساء لو تيسر له لدخل في كل ليلة على كاعب عذراء. ويحب التجمل في الملبس وغيره، وهو ذو تودد وتحبب كثير السؤال عن إخوانه وأخلائه وأخدانه، يعاشرهم أحسن المعاشرة، ويلاطفهم أجمل الملاطفة. ولم يزل يفحل أمره ويعظم قدره، إلى أن توفي يوم الاثنين تاسع وعشرين كانون الثاني وسادس وعشرين من شعبان عام ألف وثلاثمائة وثلاثة عشر ودفن في سطح لمزن قرب الجبل رحمه الله تعالى.
стр. 743
حرف الظاء
الشيخ ظبيان بن الشيخ يوسف بن الشيخ عبد العال بن الشيخ محمد حفيد ابن محمود المسمى براعي الغزالة المدفون بقربة جيرود " قرية من قرى دمشق الشام تبعد عنها مقدار سبع ساعات من جهة الشرق إلى شمال "
ولد بدمشق يوم الأربعاء سنة سبع عشرة ومائتين وألف، وأخذ الطريقة القادرية عن والده المذكور وعن الشيخ محمد علي أفندي الكيلاني القادري الحموي، وكان له أطوار غريبة وأحوال عجيبة، وكانت تأتي إليه النساء والرجال من كل جانب، فهذا يسأله عن تجارته، وهذا يسأله عن زوجته، وهذا يسأله عن سفرته، وهذا يسأله عن شركته، وكل واحدة من النساء تسأله عن مقصود مخصوص، وهو تارة يجيب بلسان مفهوم، وتارة يتكلم بمعنى غير مفهوم. وكان يرد عليه من المال شيء عظيم، ومن الهدايا شيء جسيم، ولا زال يعلو مقامه، ويعظم
стр. 744
احترامه، وتقصده الوزراء والوجوه والكبراء، إلى أن توفي حادي عشر رجب سنة ثمان وثمانين ومائتين وألف، ودفن في مدفنه الذي بناه لنفسه في آخر تربة باب الله رحمه الله تعالى.
الشيخ ظاهر باطن الدمشقي الصالحي
كان رجلاً شهماً ذا مروءة ظاهرة، وشهامة باهرة، وأحوال عجيبة، وأمور غريبة. وكان مشهوراً بالكرامات وخوارق العادات، مع لطافة وجمال، واستقامة تدل على حسن الحال، وهو من التغلبيين الذين لهم في الشام شهرة كبيرة، ومناقب هي بكل مدح جديرة. وكان هذا المترجم حسن المعاشرة، جميل المذاكرة، كثير الوداد، بعيداً عن المناكدة والعناد، وكان مقصوداً في تيسير الحوائج، مطلوباً في الدعاء لنوال النتائج، ليس له غلظة ولا فظاظة ولا قباحة في الكلام، ولا مسبة ولا شتم ولا ما يوجب الملام، مع أن طور الجذب يغلب عليه، والناس من كل فج تأتي إليه. مات في سنة ألف ومائتين ونيف وتسعين رحمه الله تعالى.
المرشد الكامل الشيخ ظافر بن محمد حسن بن حمزة ظافر المدني الشاذلي
منبع عين الحقيقة، ومجمع بحري الشريعة والطريقة، إنسان حدقة الفضائل، وترجمان عرفان السادة الأفاضل، وحديثة الهدي والكمال، ومعدن الجود والنوال، من أجمع ذوو التحقيق على علمه وولايته، واجتمع أهل التدقيق على كمال فهمه ودرايته، ورفع الدهر قدره فأجله، وعرف ضده فأهانه وأذله، وخدمته السيادة فكانت له عبداً، ولاحظته العناية
стр. 745
فأفرغت في رعايته جهداً. ولم يزل يتنقل مقامه، ويترقى قدره ومقامه، إلى أن دعته الحضرة السلطانية، للإقامة بمدينة القسطنطينية، وبيان ذلك على طريق الإجمال لا على التفصيل، المؤدي إلى الخروج عن المقصود وارتكاب التطويل، إنني كتبت لحضرته وهو في الآستانة العلية، أن يرسل لي ترجمته السنية، فأجاب وما ضن ومن علي بها وما من، وأنبأني بأنه ولد في شعبان المبارك سنة أربع وأربعين ومائتين وألف، بمسراته من أعمال طرابلس التي دفن بها والده المجمع على كماله من غير خلف، فنشأ في حجر والده إلى أن شب، وكان له كمن طب لمن حب، ثم قال: فعلمني القرآن إلى أن أتقنته، ثم علمني من أنواع العلوم إلى أن ظننت أن ما تعلمته أحسنته، ثم أخذ يؤدبني بآداب السنة، إلى أن وجد نفسه الشريفة لإعطائي الطريق مطمئنة، فاستخار الله واستهداه، وغب أن حصل له الإذن بما يهواه، أخذ يدي بطريق المصافحة وتلا قوله تعالى " وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم " إلى آخر الآية ثم تلا: إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله " الآية ثم لقنني لا إله إلا الله وقال لي اذكرها من غير قيد ولا عدة تتكاثر عليك الفيوضات، ويتقوى لك بفضل الله المدد. وكان ﵁ يحبني محبة كاملة زائدة عما تقتضيه شفقة الأبوة، ولا زال يؤهلني لكل أمر ذي بال، ويمدني بهمته الجامعة لأنواع الكمال، ثم ألبسني الخرقة المباركة، وهي جبة صوف من لباس المغرب، وقد ثقل علي لبسها حتى صرت أختفي من الناس مدة، إلى أن حصل لي بهمته تمام الأنس بها، ولا زالت على ظهري ثلاث سنين، ثم أمرني أن أتلون في اللباس، ثم أتيته وطلبت منه أن يلقنني الاسم الخاص، فأمهلني أياماً إلى أن تحقق مني صدق طلبي له أخذ بيدي ولقنني إياه، وقال لي اذكره يفتح الله عليك عن قريب إن شاء الله، فكنت
стр. 746
أذكره دائماً مستغرق الوقت فيه، وكلما خطر بقلبي شيء أبديته له، ولا زلت كثير الشكوى لديه، غزير التململ بين يديه، إلى أن قال لي مرة: ليس المطلوب بكثرة الأذكار والأوراد، إنما هو بنظرة الأستاذ بعين العناية والإمداد. وشكوت له مرة كثرة الوسواس والأفكار حالة الذكر، فقال لي ﵁ لا بأس عليك لأنها ترد على كل ذاكر ولا تضره. وشكوت له مرة أخرى من الوهم، فقال لي هو باطل، واستشهد لي بقول القائل:
فأفنيتها حتى فنت وهي لم تكن ... ولكنني بالوهم كنت أطالع
ثم بعد ذلك أمرني ﵁ بالسياحة إلى تونس، ثم بعد السياحة عدت إليه، فقال لي الآن صرت أخي ومريدي وابني، فأعطني حق ذلك وأنا كذلك أعطيك حق الأخوة بحيث لا أعمل شيئاً بغير استشارتك، فبكيت وبكى ﵁. وكنت في بعض الأيام جالساً عنده مع بعض خواص الإخوان، فأتاه إنسان برطبتين باكورة، فأخذهما وأطعمنيهما وقال لي انو ما شئت يحصل إن شاء الله تعالى، فبعد ذلك رأيته في منامي كأنه جالس ﵁ بقرب منهل، ومعه جمع غفير من التلامذة، وأنا من جملتهم، فرأيت أخوتي يتزاحمون على الماء، فقال رضي الله تعالى عنه: أيكم يسقي أولادي، فأردت أن أسرع لمرادي، ثم قلت هذه مزية أوثر بها التلامذة، فما قام أحد، ثم كرر القول ثانياً وثالثاً، فقمت وسقيتهم واحداً واحداً حتى رووا، فقام رضي الله تعالى عنه ودخل بي إلى محل فيه خزانة ففتحها وأخذ منها علبة، وأخرج منها وعاء فيه حلوى بيضاء، فأخذ على إصبعه وقال لي افتح فاك فناولني ذلك، فما وجدت أحلى ولا ألذ منها، وما فضل على إصبعه مسحه على صدري، فخرجت لي منه رائحة عظيمة ما رأيت أطيب منها.
стр. 747
ثم قيل إن حضرة النبي ﷺ في هذا المجلس، فطلعت، فلما انتهيت إلى المجلس وجدته نائماً وهو لابس رداء من صوف في غاية الحسن، فظهرت لي قدماه الشريفتان يعلوهما نور ساطع متصل بسقف المجلس، فقلت الصلاة والسلام عليك يا سيدي يا رسول الله صلى الله عليك وسلم، فقال وعليك السلام، وجلس متربعاً، فرأيت بجنبي أحد الأحبة، فقال ﷺ مرحباً بكم، ورفع جناحيه الكريمتين، وأشار لنا بالدخول تحت جناحه الأيمن، وضمني إلى جانبه فغشيني طيب روائحه، وأنعشني لطيف فوائحه ﷺ ، الحمد لله والشكر لله. ثم في الصباح أتيت الأستاذ رضي الله تعالى عنه وقصصت عليه ذلك، فقال لي هنيئاً لك واستوص بإخوتك خيراً فإنهم أمانة الله عندك انتهى.
ثم أنه بعد وفاة والده الأستاذ، ومرشده العمدة الملاذ، انتهت إليه رياسة الإرشاد، وطار صيته إلى أقصى البلاد، وانتفع به أهل المشرق والمغرب، ولسان العموم عن بعض فضائله يعرب. وفي سنة ثمان وستين توجه إلى الحجاز، ورجع إلى فزان وتونس سائحاً داعياً إلى الله، ثم في سنة ثلاث وثمانين توجه إلى الحجاز، ورجع إلى طرابلس الغرب، وفي سنة ثمان وثمانين عاد إلى الحجاز من طريق الآستانة العلية، وفي هذه المرة أخذ عنه الطريق حضرة السلطان الأعظم، والخاقان الأفخم، السلطان عبد الحميد خان، وذلك قبل أن يتولى أمر الملك، ثم توجه إلى طرابلس وتونس. وفي سنة إحدى وتسعين قبل خلع السلطان عبد العزيز بمدة يسير، ومن بعدها لم يأذن له السلطان عبد الحميد بالخروج من الآستانة لكثرة محبته له وأنسه بجماله واعتقاده بكماله، واجتماعه معه على الذكر والمذاكرة، وعلى المفاكهة الأدبية والمحاضرة، ولم يزل يعلو مقامه،
стр. 748
ويسمو احترامه، ولا يزال إن شاء الله في رفعة عالية ونعمة نامية. وفي عام ألف وثلاثمائة وخمسة أنشأ له حضرة السلطان المذكور داراً عظيمة مع تكية للإخوان الشاذلية، وكان يكاتبني في بعض الأحيان، ويخاطبني مع رفعة مقامه خطاب الإخوان، بعبارات فائقة، ومعان رائقة، دالة على أنه بلغ ما أراد، من العلم والعرفان والإرشاد، ومرة جاوبته عن كتاب أرسله وجعلت له هذه القصيدة مع الجواب، وهي:
ما كنت أعرف ما الهوى لولاكا ... لا والذي أولى البها أولاكا
يا فاتني كف الجفا عن مغرم ... مضنى وعامل بالجميل فتاكا
أنا ذلك الخل الوفي بعهده ... هل خلت يا بدر الدجى انساكا
ما شئت فاصنع بي فما لي ملجأ ... إلا إليك لأنني مولاكا
واهاً لمن من طرف دخل البلا ... ء لجوفه من نظرة تلقاكا
من لي بأن ترضى بروحى والحشا ... وبمهجتي يا منيتي وأوراكا
لم يثنني عنك النحول ولا الضنى ... فبما ترى عني العذول ثناكا
قد ضاق بي رحب الفضا وقد انقضى ... عمري ولم أظفر بغير جفاكا
يا عاذلي كف الملام فإن لي ... قلباً يسوم من الهوان هلاكا
أو ما دريت بأنني فيه أرى ... عذباً عذابي لا أروم فكاكا
ذلي له عز واضلالي هدى ... وأرى الملام بحبه إشراكا
أسرفت في لومي ولا أصغي ولو ... كان الحبيب بصبه فتاكا
لو شمته والشعر منسدل على ... أردافه ما كنت تنكر ذاكا
أو لو بدا فجر الهدى من وجهه ... لسلا حشاك وضل فيه حجاكا
أو لو تثنى تائهاً بقوامه ... أزرى الغصون بميله وسباكا
سلم لنا واسلم فآية حسنه ... ما زاغ عنها مبصر إلاكا
يا لائمي كن راحمي فإلى متى ... أعلي من أهواه قد ولاكا
حتى سعيت بما سعيت به ولم ... تذر العناد ولم تراع أخاكا
стр. 749
حسبي الوذ بسيد ساد الورى ... ورقى وخلف دونه الأفلاكا
حبر الهدى بحر الندى حصن الردى ... بشر ولكن أشبه الأملاكا
بدر السعادة في سماء سيادة ... فاقصده تحمد في الصباح سراكا
إن لاذ راجيه بكعبة عزه ... قالت له العليا جعلت فداكا
يمم حماه أن ترم فيض الندى ... تلقى جواداً بالمنى لباكا
يا صاحبي قم بي نؤم رحابه ... ودع السوى واغنم لديه رجاكا
هذا الهمام ابن الهمام أبو الندى ... يهدي السبيل ويرشد النساكا
هذا الإمام ابن المداني ظافر ... فاظفر به وعداه دعه وراكا
هذا هو القطب الرفيع مقامه ... حدث ولا حرج عليك بذاكا
لا عيب فيه سوى الكمال وإنه ... ذو راحة لم تعرف الإمساكا
يا سيداً ما زال طرفي يحسد السمع الذي أحياه ذكر حلاكا
أترى أفوز ببغيتي والدهر يسعدني وقبل منيتي ألقاكا
يهنيك جددت المآثر بعدما ... درست وحان هوانها لولاكا
ورعاك بالإقبال مولانا أمير المؤمنين وللصعود دعاكا
عبد الحميد مليكنا قطب الورى ... لا زال مبغضه يسوم هلاكا
عذراً لرق راق فيك مديحه ... لم يبغ غير شموله برضاكا
فاقبل فديتك من أسير عبودة ... عذراء تشدنا ببعض ثناكا
تمشي على استحيائها لقصورها ... قد أرخت طب ظافراً بمناكا
هذا وإن حضرة المترجم يحق له أن تفرد بشمائله الأسفار، ولولا الخروج عن المقصود لأطلت في ترجمته، ولكنه نظراً لأسلوب الكتاب لا بد من الاقتصار، حفظه الله على الدوام، وسهل له كل مرام، ثم أنه في سنة ألف وثلاثمائة وخمس عشرة تمرض ودعاه داعي السعود إلى جنة الخلود، ودفن في الآستانة رحمه الله تعالى.
стр. 750
حرف العين
الملا عباس الكردي الكوسنجقي النقشبندي الخالدي
نهج مناهج الفضل منذ ماز الأخماس من الأسداس، وجنح إلى صدق القول وجميل الفعل والابتعاد عن الأرجاس، فتحلى بحلية التقوى والعبادة والزهد والورع، وتخلى عن الرذائل وإيثار الزائل والولع بالطمع، فكان زاهداً تقياً، عابداً نقياً، عالماً عاملاً ورعاً فاضلاً، يحب العزلة ما أمكن، ويهوى من الناس من هو له على العبادة أعون. ولما ارتوت نفسه من أجمل النفائس، وتجردت عما يوقع في المهلكات والدسائس، رام الدخول إلى حرم المعارف، والعدول إلى طريق القوم الموصل إلى لطائف العوارف، فأخذ الطريقة النقشية، عن بحر الفيوضات الربانية، والمجد التالد ذي الفضل الزائد، مولانا شيخ الحضرة الشيخ خالد. فسلك سلوك أهل الجد والاجتهاد، إلى أن حصل له ما أحب وأراد، فلما رأى فيه الأهلية لإعطاء الطريقة العلية، أذن له بالإذن العام أن يأذن لمن شاء ورام، بالشرط المعروف والعهد الموصوف، وقد دعته المنية إلى الدار العلية سنة ألف ومائتين ونيف وأربعين. رحمه الله تعالى.
السيد عارف أفندي بن المرحوم محمد أفندي بن عثمان أفندي الجابي الحنفي الدمشقي
أحد المشهورين الأكابر، ومن عليه يدور محور المفاخر، المديد الباع الفريد الانطباع، الذي ملك زمام المحاسن، وافتخرت به السادات الأحاسن،
стр. 751
ورقى إلى ما أحبه، وتيقظ إلى ما نفعه وتنبه، فبدأ من أول أمره سابقاً، ولمن سلفه من الأفاضل لاحقاً، مع صون لسانه عن كل قبيح، وترديه بكل رداء مليح، واشتهاره بكل كمال، وانتشار ذكره باللطف والجمال، واتباعه لرغائب السنة، وانتباهه للشكر على كل نعمة ومنة، فله لعمري القدر المبرور، والفخر الذي لا تبليه الدهور.
ولد بدمشق الشام ونشأ بها في حجر والده الهمام، فرباه على الكمال والأدب، إلى أن بلغ به المنى والأرب. ثم ذهب في حياة والده إلى الآستانة العلية فمكث بها زمناً طويلاً، ونال من المراتب التي وجهت عليه قدراً جليلاً، وتولى رتبة قضاء بغداد، ثم بعد موت والده في الشام رجع إلى الشام وعاد، فأحبه الخاص والعام، وحصل له من الشهرة ما لا يرام، وفاقت معاملته، وراقت مجالسته ومنادمته، والتفتت إليه الوزراء والأعيان، وأنزلته الأكارم من العين مكان الإنسان. وله غيرة غريبة ومروءة عجيبة، وخصال نبوية وصفات مصطفوية، ومجلسه ليس فيه سوى الفوائد العلمية، والمذاكرات اللطيفة الأدبية، بلسان يتحاشى عن كل عيب، وكلام خال عن الملام والريب، يتمنى جليسه أن لا يفارقه، ويود أن يكون مدى الأيام مشاهده وموافقه، وكان من أعز الناس علي، وله التفات في جل أموره إلي، يقصدني في كل مدة، مظهراً غاية المحبة والمودة. وقرأ من الفنون عدة، باذلاً في طلبه اجتهاده وجده، إلى أن بلغ مطلوبه ونال مرغوبه. وفي ثالث يوم من جمادى الأولى قام في الصباح فصلى الفلجر، وقرأ أوراده وسأل من المولى المنان الثواب والأجر، وبعد الضحوة الكبرى حصل له نوع انحراف، إلا أنه قليل مأمول الانصراف، وبعد صلاة الظهر شرب كأس حمامه، وكان هذا اليوم من الدنيا آخر أيامه، وكان موته فجأة من غير مرض، بل دعاه داعي المنية في الحال فأسرع إلى إجابة الأمر المفترض، وذلك سنة أربع وثلاثمائة وألف، فتأسف له
стр. 752
الخاص والعام، وبادروا تشييع جنازته بكل اهتمام، رغب تغسيله وتكفينه والصلاة عليه، توجه العموم بالدعوات إليه، ثم شيع جنازته الأكابر والأعيان والأصاغر والولدان، وحينما شاهدت هذا الحال، تذكرت قول من قال:
صروف الليالي لا يدوم لها عهد ... وأيدي المنايا لا يطاق لها رد
تسالمنا سهواً وتسطو تعمداً ... فإسعافها عسف وإقصادها قصد
عجبت لمن يغتر فيها بجنة ... من العيش ما فيها سلام ولا برد
أفي كل يوم للنوائب غارة ... يشق عليها الجيب أو يلطم الخد
أرى كل مألوف يعجل فقده ... فما بال فقد الإلف ليس له فقد
مضى طاهر الأثواب والجسم والحشا ... له الشكر درع والعفاف له برد
وأبقى لنا من طيبه طيب ولده ... ينوب كما أبقى لنا ماءه الورد
فبالرغم مني أن يغيبك الثرى ... ويرجع مردوداً بخيبته الوفد
سأبكيك جهد المستطاع منظماً ... رثاك وهذا جهد من ماله جهد
لئن كنت قد أمسيت عنا مغيباً ... فقد ناب عنك الذكر والشكر والحمد
الشيخ عاشق المصري الخالدي النقشبندي
زبدة الأفاضل ونخبة الأمائل، عالم الزمان وفاضل الأوان، الصالح العامل والفالح الكامل، قد لازم حضرة مولاناة الشيخ خالد في دمشق الشام، وأدى حق الخدمة والسلوك على التمام، ثم خلفة وأذن له بالإرشاد، وهو آخر من تخلف ونال من الشيخ المراد، ولما مر الشيخ إبراهيم فصيح أفندي الحيدري في طريقه إلى الحجاز على مصر، اجتمع بالمترجم المرقوم، وذلك سنة ثمانين وألف ومائتين، وكان مستقيم الأطوار، حسن الأخلاق فصيح اللسان مشتغلاً بالطريق، متفرغاً للهداية والإرشاد، إلى أن اخترمته المنية سنة ألف ومائتين ونيف وثمانين.
стр. 753
الشيخ عبد الباسط السنديوني الشافعي الأزهري المصري
هو جواد علم لا يكبو، وحسام فضل لا ينبو، قد سبق في ميدان التقدم أقرانه، واجتلى من سعد جده قرانه، وبذل فيما يعود نفعه الرغائب، وعمت فضائله الحاضر والغائب، لم يترك طريقاً من طرق الإسعاد إلا سلكه، ولا وجهاً من وجوه الاجتهاد إلا استدركه، وأرب على من سبقه من الكرماء الأوائل، وامتد صيت ثنائه في العشائر والقبائل.
قال الإمام الجبرتي: قد أجازه أكابر المحدثين، ولازم الشيخ محمد الدفري وبه تخرج في الفقه وغيره، وأنجب ودرس وأفاد وأفتى في حياة شيوخه، وكان حسن الإلقاء جيد الحافظة، يملي دروسه على ظهر قلبه، وحافظته عجيبة الاستحضار للفروع الفقهية والعقلية والنقلية، إلى أن قال: إنه كان قليل الورع عن بعض سفاسف الأمور، وبذلك قلت وجاهته بين نظرائه. توفي رحمه الله تعالى في أول جمادى الآخرة سنة إحدى ومائتين وألف وصلي عليه بالأزهر ودفن في تربة المجاورين.
الشيخ عبد الباقي أفندي الفاروقي بن سليمان العمري حفيد أبي الفضائل علي المفتى الحنفي الموصلي عفي عنه
إمام خاض بحور الأدب أتم خوض، وتفنن في إجادة الأرب تفنن الأزهار في سرحة الروض، وخلا عن الأكفاء، وتعالى بدره عن الخفاء، وقلد جيد عصره، ووشح خود مصره، بمنثور لآل ومنظوم عقود تتزين بها تيجان الجمال، وتتحلى بها أبيات الكمال، فإنه السابق الذي لا يلحق، واللاحق الذي شمس إشراقه لا تمحق، ذو الفكرة الصافية، والمعرفة التامة الوافية، والكمالات المشهورة المعروفة، واللطافات الموصوفة.
стр. 754
ولقد أبدى من المحاسن وأبدع، وارتوى من حياض النباهة وتضلع، وسلك مسالك المعارف، وملك منها كل تليد وطارف، بعزم غير ذي كلال، وجد وجد به مكنون در الأفضال. وله الذهن الوقاد، والذكاء الذي أورده على الأدب أحسن إيراد، فمن نظمه الأنيق، وشعره الفائق الرقيق، قوله مادحاً سيدنا علي وأهل البيت ذوي المقام الجلي:
هذا الكتاب المنتقى والمجتبى ... في نعت آل البيت أصحاب العبا
بالقلم الأعلى بيمنى قدرة ... في لوح عزة بنور كتبا
لاح به فرق العلا متوجاً ... مرصعاً مكللاً مذهبا
وكمها مطرزاً مدبجاً ... وعقدها منقحاً مهذبا
فرق معناه وراق لفظه ... يحكى صفا الودق إذا ما انسكبا
ثنا إذا أنشدته له ثنى ال ... وجود عطفاً وتهادى طربا
وهي طويلة بديعة الكلام، رفيعة السبك والنظام. ومن شعره الجليل، حينما زار سيدنا إبراهيم الخليل ﷺ قوله:
زر مقاماً معظماً واتل فيه ... بعض آي من معظم التنزيل
وادخل الباب حاسر الطرف حاف ... إنه باب حطة للدخيل
وأنخ للرجا به يعملات ... موقرات بحمل وزر ثقيل
وتذلل واخضع ولذ وتوسل ... وأقل منه تحت ظل ظليل
والثم الباب بالشفاه ورصع ... أرضع في فرائد التقبيل
وانثر الدمع من شؤون عيون ... مثل نثر الجمان من إكليل
وتبرد واقصد سبيل ارتواء ... فعلى ابن السبيل قصد السبيل
تجد النار تشبه الماء برداً ... وسلاماً يطفي غليل العليل
وعليه الآثار من منجنيق ... تتراءى للعين من بعد ميل
والمياه التي تسيل فيوضا ... وانبعاث النسيم من سلسبيل
стр. 755
شهدت أنه المقام الذي قد ... كان قدماً به مقام الخليل
وبه مهده الذي قد تجلت ... فوقه هيبة المليك الجليل
فعليه من ربه صلوات ... وسلام نهديه في منديل
نسجته أيدي الملائك من رقة غزل التكبير والتهليل
ما تلا الفاروقي يا نار كوني ... بلسان التجويد والترتيل
وقال رحمه الله تعالى: قد كثر تهافت فراش مصاقع الفرقتين، على مصباح مشكوة كل بيت من هذين البيتين النيرين، على تشطيرهما وتخميسهما في نعت آل بيت سيد الثقلين، فأحببت الاقتداء بالجماعة، مع ما أنا عليه من قلة البضاعة، فشطرتهما مرة وخمستهما مرتين؛ فها هما يسطعان كالفرقدين:
يا آل من ملأ الجهات مفاخراً ... وأتى بكم للكائنات مظاهرا
وهم الذي لكم يعد نظائراً ... إن الوجود وإن تعدد ظاهرا
وحياتكم ما فيه إلا أنتم
أو ما درى إذ راح يعلن بالندا ... أن الذي هو غيركم رجع الصدى
فوجدكم سر الخليقة أحمدا ... أنتم حقيقة كل موجود بدا
وجميع ما في الكائنات توهم
وقال ﵀ مشطراً لهما:
إن الوجود وإن تعدد ظاهراً ... ما فيه غيركم لمن يتوسم
أوصح في الإمكان ثم عالم ... وحياتكم ما فيه إلا أنتم
أنتم حقيقة كل موجود بدا ... من كنز كنت وفيه أنتم كنتم
فحقيقة الأعيان أنتم عينها ... وجميع ما في الكائنات توهم
وقال ﵀ التخميس الثاني في نعت آل بيت من أنزلت عليه السبع المثاني:
يا آل طه في الكنوز ذخائراً ... كنتم وجئتم للبروز مظاهرا
стр. 756
ما لي وذي حول يردد ناظراً ... إن الوجود وإن تعدد ظاهرا
وحياتكم ما فيه إلا أنتم
في الدار ديار سواكم ما اغتدى ... مع كثرة موهومة متفردا
فمن العماء لمن بنوركم اهتدى ... أنتم حقيقة كل موجود بدا
وجميع ما في الكائنات توهم
وقال رحمه الله تعالى:
سلت لحاظك مرهفاً ... بالجفن كان مغلفا
وسطا فجاوز حده ... في القتل حتى أسرفا
ما ضر لحظك لو تأنى م لحظة وتوقفا
عن فتكه في مهجة ... ذابت عليك تلهفا
يا من لثمت لثامه ... ورشفت منه المرشفا
بفم الخيال فلا ارتوى ... قلبي ولا وهجي انطفا
وقف التصور والتأمل ... للعقول استوقفا
عن درك معناك الذي ... بالفكر لن يتكيفا
وبلمع برق الثغر كا ... د البرق أن يتخطفا
أصبحت من ظمأي إلى ... تلك الشفاه على شفا
ببيان منطقك الذي ... جعل المعاني أحرفا
وأدار فيها من لما ... ك على الندامى قرقفا
حرف تحكم في الرؤو ... س وبالعقول تصرفا
قد مازج الأرواح حت ... ى فيه ذبن تلطفا
وبعارض باللام قد ... عرفته فتعرفا
بسوى أنامل فكرتي ... نمامه لن يقطفا
وبرمح قد ثقفت ... هـ فنونه فتثقفا
стр. 757
من لينه أخشى إذا ... ما اهتز أن يتقصفا
وبواو صدغ ما على ... غير الخدود تعطفا
عطفاً على رمق امرئ ... غادرته رسماً عفا
لم يبق غير تسيسه ... وعلى النية أشرفا
رفقاً بقلب متيم ... عنه سواك قد انتفى
أشفى على خطط الهلا ... ك ومن وصالك ما اشتفى
وبليل هجرك ربما ... غفت النجوم وما غفا
أخفيت حبك برهة ... والآن قد برح الخفا
ونشرته نشر العبير ... وكان قبل ملففا
وتسامرت بين الحجو ... ن به القوافل والصفا
شغب العذول علي عندك بالسلو وأرجفا
فليكثر التعنيف من ... جهل الغرام فعنفا
لو كان يدري ما الهوى ... وهو الظلوم لأنصفا
يا أيها القمر الذي ... بغياهب الشعر اختفى
والبدر حاول أن يحا ... كي وجهه فتكلفا
لبس المحاسن واكتسى ... ثوب الجمال مفوفا
كن لي عليك مساعداً ... وعليك كن لي مسعفا
أو ما كفى ما قد جرى ... ما قد جرى أو كما كفى
وقال مبتكراً هذه الأبيات وهي من اختراعاته الغريبة:
стр. 758
علينا أهلة هذي الشهور ... غدت تحصد العمر في منجل
وداست بيادر أيامه ... بنات لياليه بالأرجل
وقد نثرته مذاري الخطوب ... كنثر الحبوب من السنبل
وقد طحنته رحى النائبات ... دقيقاً فما احتاج للمنخل
وقد عجنته بماء الصدود ... أكف القطيعة في الموصل
وقد خبزته سليمى الهموم ... بمسجور تنورها المصطلي
وقد قورته رغيفاً رغيف ... فقلنا لأم الدواهي كلي
ومر الصباح كريح الصبا ... ومنه الشمائل كالشمأل
وطار إلى ما ورا الخافقين ... يرفرف في خافقي أجدل
وضاع الشباب فرحنا عليه ... ندور من الشيب في مشعل
وقد خضبته أكف الغموم ... خضاباً إلى الحشر لم ينصل
وكان السواد قراباً له ... فصار البياض شبا المنصل
بكينا على زمن مدبر ... كما الطفل يبكي على المطفل
ولا بد من بعد هذا البكاء ... سنبكي على الزمن المقبل
تشابه ذا اليوم مع أمسه ... فقسنا الأخير على الأول
وقال ﵀:
وقاض بجور ماله من مضارع ... على أنه بالعسف أقطع من ماض
قضى ومضى لكن إلى كل غاية ... من الخزي لا يحظى بها أبداً قاض
يقولون يقضي قلت لكن بباطل ... وقالوا يقص الحق قلت بمقراض
وقال رحمه الله تعالى:
كل يوم يجرد الدهر سيفاً ... نصله الصبح والمساء قرابه
يتراءى نجاده من شعاع ... وعمود الفجر المنير نصابه
والدراري في ظهره فقرات ... فالورى مثل ذي الفقار تهابه
стр. 759
فإذا ما بدا ينضنض كالصمل ... على الخافقين سال لعابه
إنه ذلك الحسام الذي يخشى على كل من عليها ضرابه
وقال ﵀:
بي كاتب خطه المسود نسخته ... قد بيضت كل تسويد من اللمم
عوذت حاجبه مع شق قامته ... من عين حاسده بالنون والقلم
وقال مشطراً ﵀:
رسمت بمحمر البنان شقائقاً ... فزها برونقها طراز برودها
ومشت فألقت من شعاع ردائها ... في الروض مثل ورودها بخدودها
لم أدر أيهما الشقائق فانثنت ... مشغولة الأيدي بحل بنودها
ولمحت زمان النهود فبادرت ... عيني تثلث جلنار نهودها
ورمقت سطراً فوق صدر مشرق ... كنهار زورتها وليل صدودها
وبدت لتثبت بالجعود ضلالتي ... فيه حروف شهودها لجعودها
ومن نثره ما كتبه لصاحب الدولة العلامة الفاضل عبد اللطيف صبحي باشا ابن سامي باشا وكان قد أرسله إليه من دار السلام إلى الآستانة وهو: باسمك يا لطيف قسماً بمن أقسم بالصبح إذا أسفر، ما رأيت مناسبة لنسبتك أيها النسيب إليه، لكونه وأبيك السامي عليه، هو بالانتساب إليك أجدى، وبالاحتساب عليك أيها الحسيب أجدر، وأنى يتسنى له الوصول إلى حضيض سدتك القعساء، ولو طار بأجنحة النسر إلى عنان السماء، على أنه ما يتنفس إلا حسرة على انحطاطه عن علي رتبتك، ولا يتبسم إلا مسرة بما حازه من ارتباط قوي نسبك، ولا ينفلق إلا كاشفاً عن غرر محاسنك الكاشفة للكروب، ولا ينصدع إلا حاسراً عن طرر مآثرك الجاذبة للقلوب، ولا يهب سحراً نسيمه، إلا عن نفح الطيب من سجاياك، ولا يعب عبوب القلوب شميمه، إلا من عبير التعبير
стр. 760
عن مزاياك، فليمل صحائف حكمة الإشراق على الآفاق، وليتل صفائح لواقح الأنوار على الأقطار، وليشدخ بعمود من نور، يا فوخ الديجور، وليمعط بلهذم رمحه جلباب الليل إلى الذيل، وليلق ملاحفاً من ضياه على الوهاد والأعلام، ولينشر مطارفاً من سناه، على البطاح والآكام، وليلف ذنب السرحان، بين الأفخاذ والأعكان، وليسمك بكافور تباشيره سائل العلق، من عرنين الشفق، وليعطس بأنفه الأقنى الأشم العرنين، ولينعم بتشميت ذكا صباحا، وليزهى غرراً وأوضاحا، تتلألأ بها أسرة الجبين، فها أنا والنبيه غني عن التنبيه، ما وقب غاسق، وذر شارق، وعن بارق، لا زلت أدامك الله ولم أزل آن الضحى ووقت الطف، أصل االاغتباق بالاصطباح، واقطع آناء الليل وأطراف النهار، بما يديره على مسامعي من الأقداح الكبار، مفعمة بما يتسلسل سلساله من سلاف محاسن الآثار، دوراً مسلسلاً مساء، ودوراً صباح، فيأخذني الارتياح بالراح من يدي، وأكاد أن أطير من غير جناح ليناديك الندي:
وكيف يطير المرء من غير أجنح ... ولكن قلب المستهام يطير
جناب من وطئت لجانبه أيها السعد بساعد مساعدتك، وعضد معاضدتك، سبل مقاصده، وطرق مواقفه، فوطاها مولاك ومولاي، الذي ملكت عقد ولائه، فاستملك عقد ولاي، فاستحق أن يكون من الموالي العظام، الفاضل الهمام الشيخ طه، لا زال ممتطياً مما مهدت له من نجائب النجابة، وركائب الرغائب المستطابة مطاها، فإنه السابق الذي لا يلحق، واللاحق الذي لم يسبق، ولا يشق له غبار، باستطراد مساعيك في مضمار الافتخار، فما حضر في محفل بأعلام مدينة السلام حافل، ولا جالس من عنادلها مساجل، إلا وملأ أقفاص الخواص، مما يليه بهديله وترتيله، من سورة الإخلاص في محبتكم أفراحا، وأجال من جريال هاتيك
стр. 761
المعاني المروقة في أواني المباني أقداحا، ومن سني طالعه وبهي مطالعه لا برح مستديراً محور مباهاته، على قطب لسانه بأفلاك لهواته، فيطلع من كواكب المناقب، ما يزاحم النعائم في المناكب، ويملأ ضوءها ما بين المشارق والمغارب، ويشعل في مشكاة أولي البصائر والأبصار، من مصابيح خلائقك الحسان الساطعة الأنوار، ما يذكر في مجامر الضمائر، من طيب الذكر ما هو أذكى من عنبر الشجر المعطار، له في كل ديوان لسان شاكر لإحسانك، وفي كل لسان ديوان ذاكر لامتنانك، يتلو من آيات براعتك ونيلك، وبينات مجدك وفضلك، ما يقرط بدرره المسامع، وتأخذ فرائده بالمجامع، فما من ناد إلا وعطره بنفحات شذى أخلاقك الندية، ولا من واد إلا وأفعمه برشحات ندى أياديك الندية، ولا زلنا نتناول في أثناء مفاكهاته، من فواكه شهي كلماته، ما هو في أطباق كالبدور في الإشراق على خوان أخوان الصفا موضوعة، فهي كفاكهة الجنة، وله تعالى الحمد والمنة، لا مقطوعة ولا ممنوعة، ولله أبوك يا غرة جبهة المالك والمملوك، ما أسرع ما لمحته بعين عنايتك، فجعلته نصب عينك ملحوظاً برعايتك، واتخذته مستودعاً لجواهر صنائعك، مروجاً لما استصحبه من مفاخر بضائعك، وعلمت أنه ممن إذا علم أكرم، وإذا جرب قرب، وإذا اختبر ادخر، لما ظهر لك بأول وهلة من المخايل، الدالة على كرم الشمائل من الاعتدال في أحواله، والطمأنينة والتؤدة اللتان هما من بعض خلاله، لا يتطارح على زاهد فيه، ولا يظهر حرصاً على غير حريص عليه.
وليس بواقع في قدر قوم ... وإن كرموا كما يقع الذباب
وما كان سقوطه عليك وانجذابه إليك إلا كسقوط الطل على الروض المخضل، هذا وما ينقضي عجبي منه وإعجابي به وهو العندليب بل مغني اللبيب، في لحنه المعرب عن المرفوع من مقامك، والمنصوب من أعلامك، والمجرور
стр. 762
من أذيال أفضالك، والمجزوم، والمجزوم به من أجزال نوالك، بعد أن أرشت من شؤونه الخوافي والقوادم، وبللتها بعد بل الصدى بقطر الندى من هاطل وابل جودك المتراكم، كيف استطاع المطار مع الاختيار عن تلك الأوكار إلى هذه الأقطار، وخلف ما خلف من هاتيك الرياض الورقة الفضائل والحياض المتدفقة بالفواضل، وما دعاه إلى ذلك فأجاب بعد الاستئذان إلا حب الوطن الذي هو من الإيمان، والحنين إلى ما ترك في رصافة بغداد من الأولاد وأفلاذ الأكباد، ولعفاف مجبول في جبلته، وكفاف معجون في طينته، وما راعى قول من تقدم من الشعراء:
يقع الطير حيث يلتقط الحب ... ويغشى منازل الكرماء
فرجع مملوء الحقايب، مما أسديت له من غرائب الرغائب، بعد أن حصل ما كان يتوقعه من بلوغ الأمل، ولم يقنع من الغنيمة بعد الكد، وقد ساعد الجد بالقفل، وبناء على أشكال تأسيسه الرصينة البنيان، المهندسة الزوايا والأركان، في وصف رصف تلك المزايا الحسان، والسجايا السامية الشان، وضعت قواعد هذا الكلام السطحي التعبير، ورفعت أبنيته فسامتت منطقة البروج بل المحدب بالتقعير، وأنفت بوصف تلك المآثر على الأثير، فأدى فتح باب فصل الخطاب، إلى اتصال مد أطناب الإطناب، المؤذن بعدم رد الجواب، عن هذا الكتاب الكثير الإسهاب، فليسبل حضرة المولى، وهو باللطف أولى، ذيل مراحمه ولطفه، عما تداخل في هذا الكلام من العلل المفضية إلى عدم صرفه، وعلى أنه داخل في باب الوقف، وممنوع لدى المنتقد عن الصرف، فهو علا علاته موقوف عليك وقفاً مؤبداً، ومع ذكرك الجميل جيلاً بعد جيل مخلداً، والله أسأل وبنيته أتوسل أن يقيك ويبقيك خادماً لأبيك مخدوماً لبنيك، وأن لا يخليك من قرة عينك بهم وقرة أعينهم فيك، وأن يقيمك مركزاً
стр. 763
للإحاطة بمكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، وأن يديمك قطباً تدور على محور درايتك إدارة الأقاليم بالنون والقلم، والسيف والعلم، وأن يجعلك يا كريم الأب والجد مقيلاً لعثرات الكرام، وينصبك يا أيها العلم الفرد مقيلاً للعلماء الأعلام، ما نفخت أفواه المحابر وثغور الأقلام، فملأت الصحف والدفاتر مما حويته من مفاخر المآثر بمسك الختام:
سبرت بمسبار اختباري فما ارتضى ... سواك اختياري من كرام هموهم
وما سمعت أذني بغيرك من فتى ... به يبدأ الذكر الجميل ويختم
انتهى. هذا وإن للمترجم ديواناً يعبق روحه، حتى كان الزهر فوحه، توفي رحمه الله تعالى سنة ألف ومائتين وتسع وسبعين وقد أرخ المترجم وفاته ﵀ قبل موته بأبيات آخرها:
بلسان يوحد الله أرخ ... ذاق كأس المنون عبد الباقي
١٢٧٩هـ -
السيد عبد الجليل بن المرحوم الشيخ عبد السلام المدني المشهور ببرادة
عالم فاضل، وهمام إمام كامل، قد اشتهر في الناس اشتهار البدر، واستشرفت إليه النفوس استشرافها لليلة القدر، واتفق على كمال فضله الخاص والعام، وأذعن له العموم بأنه طود العلماء الأعلام، ومحور مدار
стр. 764
الأدب ولسان بلاغة العرب. قد ضاهى السماكين رفعة وقدراً، وحيرت الأفكار بدائعه فنثره كالنثرة وشعره كالشعرى، ألفاظه رقيقة كخلقه اللطيف ومعانيه حسنة وقدره منيف.
قد اجتمعت به حينما شرف إلى دمشق الشام بعد الألف وثلاثمائة بقليل، وهو من المرض سقيم وعليل، وبديهة النظر تدل على أنه استكمل من السنين، ما بين الستين إلى السبعين، فرأيت شهما جيد الكلام، رفيع المقام، جميل المقابلة، جليل المعاملة، لطيف الموانسة، شريف المجالسة، طلق اللسان، عليه مهابة وجلالة وشان. ولم يطل بقاؤه في الديار الدمشقية، بل بعد مدة قليلة توجه إلى وطنه المدينة المنورة من جهة اسكندرية، وكان قد أسمعني من نظمه ونثره ما يدل على جودة ذهنه واتساع فكره، وقد حفظت شيئاً منه وقيدته، إلا أنني ظللته بعد ذلك وفقدته، ولم أجد عندي سوى ما قرظ به على الكتاب المسمى بعلم الدين، لحضرة العالم الفاضل علي باشا مبارك ناظر الأشغال العمومية المصرية سابقاً، وهو:
ما تنسج الأيدي يبيد وإنما ... يبقى لنا ما تنسج الأقلام
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وبعد فإني تصفحت هذا الكتاب، بل العجب العجاب، الذي نسبت للشيخ علم الدين روايته، وأسندت للسائح الإنكليزي حكايته، فوجدته نزهة للناظر، وسلوة للخاطر، فيه للقلوب ارتياح، وللخواطر نشاط وارتياح، تعرب مبانيه عن لطيف معانيه، وتفصح روائع ألفاظه الرائقة عن بدائع مضامينه الفائقة، ويشهد لمؤلفه بعلو المقدار، ولمصنفه بحسن الاختيار. جمع فيه من غرائب الفنون ونقائض الجد والمجون، الضب والنون، وقرن إلى أسنى المقاصد أشرف المطالب، فصح أنه المرغوب لكل طالب، أظهر فيه ما خفي من أشرار الصنائع، وكشف عن وجه مخدرات العلوم
стр. 765
البراقع، وأضاف إلى ذلك من حكم الحكماء، ما أغفلته القدماء، ووشحه بلطائف النوادر، وما تفردت به الأواخر، وأظهرته في هذا الدور الأخير فهو مخترع لجميع المخترعات جامع، وبديع في بيان معاني المبتدعات نافع، ينتقل من فصل إلى ضده، ويحكم الوصل بما أبداه من عنده فكأنه مؤلفه المفضال يقول فيه بلسان الحال:
تصديت في إتعاب فكري لجمعه ... فجاء كتاباً في البها لا يشارك
وكنت بحمد الله فيه موفقا ... فاسمي علي في الأنام مبارك
فلله در من أنشاه، وبطراز الحسن والإحسان وشاه، فإنه أجاد، وسلك طريق السداد، وبلغ به ما فوق المراد. بلغه الله تعالى أمانيه، وكبت حاسده وشانيه، ولا زال متواصل البقا دائم الارتقا، بهجة للياليه وأيامه، يزين الوجود بآثار أقلامه، مغتنماً للثناء الجميل، والأجر الجزيل، بحرمة سيد الأنام، الذي يحسن بذكره البدر والختام، ومن نظامه:
إن كان بختي عن الدنيا تقاعد بي ... فإن لي همة من دونها القمر
وإن تك الكف عن إدراكها قصرت ... فالرجل عن دفعها ليست بها قصر
ومن بديع كلامه:
ناولت ذات البها المرآة أوهمها ... بأن فيها لها شكلاً يحاكيها
وعندما أبصرت فيها محاسنها ... جارت وصالت على عشاقها تيها
ومن كلامه الأنيق ونظامه الرقيق:
أرى كل ما تحوي مجالس أنسنا ... جنوداً لدفع الهم سلطانها الشاهي
ولا عجب إن لم تتم بدونه ... فما تم أمر للجنود بلا شاهي
ومن كلامه حينما انتصرت الدولة العثمانية على اليونان وذلك في أحد عشر تموز سنة ألف وثلاثمائة وثلاث عشرة وكان المترجم نزيل الدار العلية فقال مهنئاً ومادحاً حضرة السلطان الأعظم عبد الحميد خان، نصره الرحمن:
стр. 766
كذا فليكن ما يحرز المجد والفخر ... كذا فليكن ما يجمع الفتح والنصر
كذا فليكن ما يبلغ السؤل والمنى ... كذا فليكن ما يدرك الثأر والوتر
كذا فليكن سعي الملوك مقدساً ... يرافقه نسك ويتبعه أجر
كذا فليكن قهر الأعادي وهكذا ... تخاض المنايا والحديد لها جسر
حديث عن اليونان يضحك باكياً ... ويطرب محزوناً ويلهو به غر
أماني نفوس في الدجى حلموا بها ... وبالعكس في تعبيرها طلع الفجر
همو دبروا أمراً لأمر وفكروا ... فعاد عليهم ضلة ذلك الفكر
فعاثوا وجاسوا في البلاد بجهلهم ... وعم على جيرانهم منهم الغدر
صبرنا وكم عنهم عفونا فلم يفد ... وعن مثلهم لا يحسن العفو والصبر
فقام أمير المؤمنين لردعهم ... ببأس شديد لا يقوم له الصخر
فبادرهم منه هصور غضنفر ... كذا الليث يخشى من بوادره الهصر
مشيد أركان الخلافة فخرها ... عظيم بني عثمان يا حبذا الفخر
لقد قام في ذا العصر بالواجب الذي ... هو الفرض من غزو تباهى به العصر
فأحيا مواتاً للجهاد تقادمت ... عليه دهور لا يشاد له ذكر
وقام به في الله لله يبتغي ... مثوبته العظمى وحق له الشكر
غزاة لعمر الله قد نال خيرها ... وسالمه رغم العداة بها اليسر
بفتكته البكر التي شاع ذكرها ... وأفضل فتكات الملوك هي البكر
ليهنك يا كهف الأنام وظلهم ... فتوح به سر المحصب والحجر
وقبر لخير الخلق سر بطيبة ... وحق لهذا النصر أن يفرح القبر
فأنت ملاذ للعفاة مؤمل ... وفضلك جم لا قليل ولا نزر
ومن أين للمزن الكهنور جود من ... بكلتا يديه ديمة صوبها التبر
لك الرأي بالحزم السديد مؤيد ... تعاملهم بالمكر إن لزم المكر
فداو مريض الجهل بالحلم إن يفد ... وإلا فداء الشر يحسمه الشر
стр. 767
ورأيك سيف ما ألمت شباته ... بأمر عصى إلا استطاع له الأمر
ومن أين للسيف الحسام مضاؤه ... إذا خامر الألباب من حادث ذعر
كهانته شق سطيح بجنبها ... يحار لها زيد ويعيا بها عمرو
سمعنا بأن الجبن فيهم سجية ... ولما التقينا صدق الخبر الخبر
لقد تركوا الأوطان والأهل عنوة ... وأجلاهمو القتل المبرح والأسر
وما وقفوا في ماقط الحرب لحظة ... ولا تثبوا كلا ولكنهم فروا
وأدهم بالدهم الجياد داهمو ... فحاصوا كحمر الوحش صادفها نمر
وترحالة عنها ترحل جمعهم ... ودكدك من أنحائها السهل والوعر
وغصت غلوص بعد ذاك بريقها ... فما ساغ لولا أن تداركها البحر
ولا ريس في لا ريس بعد انهزامهم ... رئيس فهم فوضى كأنهم الحمر
ودوميكة تدعوا اتينة جهدها ... لتنجددها هيهات أشغلها عذر
وحينما كنت في الآستانة سنة ألف وثلاثمائة وخمس عشرة كان حضرة المترجم بها أيضاً، وكنت أجتمع به كثيراً وأجلو الغم بمذاكرته وبديع محاضرته. وكان متقن اللغات الثلاث متبحراً بها، فمرة تلا علينا بيتين بالفارسية وأفاد أن معناهما أن هذا العالم قبل إيجاد كان مستريحاً من النعم والنقم، وأن الله تعالى ما أوجده إلا لتحمل الألم، والأكدار والسقم، وطلب مني رد هذا المعنى إلى العربية فلم أستطع إلا موافقته ومسايرته ومطاوعته، فقلت:
كان ذا العالم في غيب العدم ... ذا هناء من نعيم أو نقم
ما براه الله إلا للعنا ... والدواهي والنواهي والسقم
وقلت أيضاً:
قد كان ذا الخلق في غيب العما عدماً ... ما شابه نعم كلا ولا نقم
وما براه إله العرش من عدم ... إلا لتنهكه الآلام والسقم
стр. 768
ونظم هذا المعنى حضرة الفاضل الكامل محي الدين باشا الجزائري شبل الأمير عبد القادر حفظه الله فقال:
قد كان هذا الخلق قبل ظهوره ... في راحة من رحمة وعناء
فأراد بارئه لسر قد خفي ... إظهاره للسقم والبلواء
وأرسلت ذلك للمترجم المومى إليه، وبعد أيام أرسل إلي كتاباً وفيه: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله يا سيدي ومنتهى أملي وهواي، لما تأملت القطعتين النفيستين، بل الدرتين بل الفرقدين النيرين، لم أستطع السكون والتمكين، حتى بادرت إلى التطفل عليهما ومزجت الغث بالثمين، وشطرتهما بما لم أرضه لهما، ثم أنه غلب علي الشره الخسيس، فلطختهما بالتخميس غير النفيس، وها هما يعثران في ذيل الخجل، والعفو منكما غاية الأمل. القطعة الأولى:
أيها السائل يا عالي الهمم ... ومريد الفهم عما قد أهم
خذ جواباً شافياً من كل هم ... كان ذا العالم في غيب العدم
ثابتاً في ذاته من القدم
ظرفه في لونه من لونه ... وصفه محتجب في صونه
قربه مندمج في بونه ... غافلاً عن كونه في كونه
ذا هناء من نعيم ونقم
ثم لما فاض بحر بالسنا ... وجرت فيه الجواري بالثنا
فلأمر يقتضيه الاعتنا ... ما براه الله إلا للعنا
ومقاساة هموم وألم
خصه باللطف من إنعامه ... وحباه بحبا إكرامه
وابتلاه رفعة لمقامه ... كي يرى الأهوال في أيامه
والدواهي والنواهي والسقم
стр. 769
وأما قطعة حضرة الأمير محي الدين باشا:
يا من تحير في الوجود ونوره ... وعناه فهم صغيره وكبيره
اسمه مقالاً كاشفاً لضميره ... قد كان هذا الخلق قبل ظهوره
في عالم الأعيان والأسماء
هو كان في العدم الممحض رافلاً ... هو كان للعلم القديم مواصلاً
ما شم رائحة الوجود ولا ولا ... متنزهاً عن كل وصف غافلاً
في راحة من نعمة وعناء
هو بالعماء الصرف منه مكتفي ... ولغيره مهما يكن لم يعرف
وله بذاك مقام عز أشرف ... فأراد باريه لسر قد خفي
إيجاده فكساه ثوب بهاء
ما كان يدري نعمة من نقمة ... كلا ولا نوراً له من ظلمة
عن نفسه من نفسه في عصمة ... لكنه جعل الإله بحكمة
إظهاره للسقم والبلواء
وللمترجم المذكور فضائل شهيرة، وشمائل بديعة كثيرة، قد شاعت في العالم شيوع البدر، وقابلتها الأفواه بالحمد والشكر.
توفي هذا المترجم المرقوم وهو راجع من مكة المشرفة إلى المدينة المنورة قبل وصوله بثلاث مراحل وحمل إلى المدينة المنور وصلي عليه بالحرم الشريف ودفن في البقيع، وذلك في المحرم الحرام سنة ١٣٢٧هـ.
السيد عبد الجليل بن السيد أحمد الحسيني الواسطي البلجرامي
عالم جل في الأنام قدره، وفاضل سار في سائر الأقطار صيته وذكره، فمن بديع نظامه، الدال على رفيع مقامه، قوله:
يا صاح لا تلم المتيم في الهوى ... هو عاشق لا ينثني عن خله
стр. 770
يأبى الدواء سقامه كعيونه ... فعلى الطبيعة يا معالج خله
ومن قوله:
حبيب قوس حاجبه كنون ... وصاديد ابن مقلة شكل عينه
لعمري أنه نص جلي ... على أن الرماية حق عينه
وله شعر رقيق، ونثر بديع أنيق، توفي سنة ألف ومائتين وواحدة.
السيد عبد الجليل بن مصطفى بن إسماعيل بن عبد الغني النابلسي
ولد سنة أربع وثمانين ومائة وألف، ونشأ في حجر والده فكان في العلم آية، وفي الآداب غاية، مع تقوى وعبادة، وأخلاق جميلة وزهادة، وعفة وديانة، وكمال وصيانة، وفضيلة مشهودة مشهورة، ومنزلة رفيعة بين الناس مذكورة، وأفعال حسنة، وأحوال مستحسنة، ومحاضرات غريبة، ومذاكرات عجيبة، لا يمله جليسه، ولا يروم فراقه أنيسه، يرى العزلة للدين أسلم، والابتعاد عن الناس أحسن وأحكم، فلله دره من فرد نادر، ناه عن المنكر والمعروف داع وآمر. ولم يزل على هذه الحالة الفاخرة، إلى أن دعاه داعي الآخرة، وذلك نهار الخميس أواخر شعبان سنة ألف ومائتين واثنتين وخمسين.
الإمام العارف بالله السيد الشيخ عبد الجواد بن الشيخ عبد اللطيف بن الحاج حسين بن الشيخ عطية بن الشيخ عبد الجواد القاياتي من أولاد الشيخ ياسين القاياتي منتهى نسبه إلى الصحابي الجليل أبي هريرة ﵁
الإمام الأمجد والبطل الأوحد، مؤيد السنة وناصر الدين، ومربي الفقراء والمريدين، من ملأت شهرته الآفاق، وحصل على كمال فضله
стр. 771
الإجماع والاتفاق، وتألفت على محبته القلوب، وزالت عن ذوي مشاهدته الهموم والكروب.
ولد في القايات سنة سبع وعشرين ومائتين وألف، ونشأ في حجر والده وبعد أن حفظ القرآن بالتجويد والإتقان، نقله والده إلى القاهرة، فأخذ العلم بها عن جماعة ذوي معرفة باهرة، منهم النور الشيخ علي البخاري الذي اشتهر في الآفاق علمه وولايته، ومعرفته بكمال الفنون ودرايته، وكان غالب أخذه عنه وجل تردده إليه، وأكثر اعتماده في مهماته عليه، وكان شيخه المرقوم يجله غاية الإجلال، ويقدمه على الواردين في الترحيب والإقبال، ويقول أنه من الأولياء، وسيكون له شأن بين العلماء. وأجازه العلماء ذوو القدر المصون، بما تجوز لهم روايته من جميع الفنون. وأخذ الطريق عن والده فجد واجتهد، وأفيضت عليه الأنوار وجذبته يد العناية والمدد، فلما أحس والده بالرحيل إلى جوار الملك الجليل، أمره بالتلقين والإرشاد والقيام بهداية العباد، فقام بإحياء تلك الشعائر أتم قيام، وبلغ به القاصدون والمريديون أتم مرام، وصار منهلاً عذباً للواردين، وملجأ وغوثاً للقاصدين، وبدراً منيراً للمسترشدين، وبحراً زاخراً للمستفيدين. وكثرت أتباعه كثرة فائقة جداً، وانتشرت مناقبه فلن تستطيع لها عدا. وشاع ذكره وعلا أمره في جميع البقاع، فكاد أن لا يخلو محل من المحلات إلا وله فيها مريدون وأتباع، وانطلقت الألسن بالثناء عليه، وكثرت وفود الوافدين إليه، حتى صارت قرية القايات، أكثر من كثير من المدن بطبقات، وكلهم ينالون منه أنواع الإجلال والكرامة، حتى كل منهم يتمنى أن يجعل في هذه القرية مقامه. وبنى لوالده المقام الأنور، والمسجد الشريف الأبهر، ورتب بالمقام ليلة الجمعة والسبت مقرأ عظيماً يحضره من أهل العلم والقرآن عدد كثير وجم غفير، ولكثرة الزوار لهذا المقام
стр. 772
الكريم، حدث يوم الجمعة بتلك البقعة سوق عظيم، وجعل بالمقام خزانة كتب من جميع العلوم، فما من كتاب إلا كاد أن يكون في قلادة هذه الخزانة من جملة المنظوم، وصار يحث الناس على تعليم الأولاد، ويساعدهم فوق المراد، حتى كثر أهل العلم والقرآن، وصار لهم بهذا المحل عز وشأن. وكان مع شغله بالإرشاد وإكرام الوافدين بالمال والزاد، وذكره وأوراده وإقباله واجتهاده، يقرأ للطلبة في كل يوم درسين مما هو للطلبة قرة عين، وكان له زيادة اعتناء بتعظيم الأشراف، حتى لو قدم لهم روحه لا يعد ذلك من الإسراف، وكان شديد الرحمة باليتامى والمساكين، والأرامل والمنقطعين، وكراماته أشهر من أن تذكر، ومناقبه لا تعد ولا تحصر.
وله من التآليف كتاب مجموع الفتاوى يشتمل على أجوبة المسائل التي سئل عنها على مذهب الإمام الشافعي ﵁. وله بعض رسائل في الانتصار لأهل الطريق في أمور أنكرت عليهم، وله كتاب في أشياء من غوامض الطريق. وجعل على ضريح والده مقصورة في غاية الانتظام، وبعد موته قد جعل الناس له ولوالده مولداً يحضره الجم الغفير من الخاص والعام. وتروج فيه البضائع وتكثر الخيرات، وتظهر فيه البركات وجميل النفحات. ومن أراد أن يرى العجب العجاب، فلينظر ما يحصل من الإكرام في هذا المولد لمن حل بهذا الرحاب.
توفي المترجم المرقوم والفرد الذي بكل فضل موسوم، ليلة الجمعة في السابع والعشرين من المحرم سنة سبع وثمانين ومائتين وألف، ودفن بجوار والده في القايات داخل المقام الأنور، وعلى ضريحه مقصورة في غاية الانتظام. وقد كتب على قبره الشريف من نظم الشيخ مصطفى حبيب العدوي:
стр. 773
أيقظ جفونك من طيب الكرى وعظ ... فليس شخص على الدنيا يمتعظ
لو كان يبقى بهذا الدهر ذو شرف ... ما مات مثل الإمام العالم الوعظ
عبد الجواد الذي أحيا النفوس بما ... أسداه من نور قلب مشرق يقظ
ضاق الفضا مذ قضى أيامه ومضى ... إلى إله كريم خير محتفظ
بشرا فالحور قد قالت مهنئة ... أرخ بدار الهدى عبد الجواد حظي
وقد مدحه الشيخ محمد شهاب بقصيدة منها:
أدر كؤوس التصابي واجل قدحاً ... وخل من في مجالي صفوها قدحا
رهاتها خمرة بكرا معتقة ... بكر بها لحديث الوجد قد شرحا
إلى أن قال:
نعم الخليفة في وجود وفي كرم ... عبد الجواد سليل السادة الصلحا
يا حسنه واصلاً كانت طريقته ... لله في الله لا في نيل ما قبحا
دلت على سره أنوار ظاهره ... والظرف يشعر بالمظروف إن نضحا
وممن رثاه أحد علماء الأزهر العالم الفاضل الشيخ علي غزال فقال:
أبدرتم العلا من أفقه نزلا ... أم كوكب السعد لما تم قد أفلا
أم حادث الدهر وافتني نوائبه ... إذ ما سمعنا به في حكمه عدلا
حيث الإمام أبو الأنوار قد غربت ... من بيننا شمسه لما قضى الأجلا
شيخ الشيوخ القياتي الذي شرفت ... به الأواخر حتى أدركوا الأولا
وأطال فيما قال مع إنه لم يذكر من شيم هذا المفضال، إلا قطرة من بحر أو ذرة من بر، وقد رثاه غيره بمراثي كثيرة، وهي في محلة موجودة وشهيرة، ولو أردنا ذكرها مع ما مدح به هذا الفاضل صفوة الأخيار، لاحتاج الأمر إلى عدة أسفار، ولكن الشمس لا تحتاج إلى مديح، والبدر غني إشراقه عن التصريح نفعنا الله به والمسلمين آمين.
стр. 774
الشيخ عبد الحليم بن مصطفى بن محمد بن خليل الشافعي العجلوني ثم الدمشقي
شيخ المحيا الشريف، والإمام الهمام ذو القدر المنيف، بركة أهل الشام ومعتقد العموم الخاص والعام، الفهامة المحقق والعلامة المدفق، والمرشد الزاهد والتقي العابد، مربي المريدين ومفيد الطالبين، بديع الزمان وعمدة ذوي العرفان، كان حسن التقرير قوي الحافظة سليم الصدر، كثير الطاعة مواظباً على الذكر.
ولد بدمشق الشام في اليوم الثامن من شهر شوال سنة خمسين ومائة وألف. ونشأ بها وأخذ عن أفاضلها وعلمائها كالشيخ العلامة أبي الفتح العجلوني وشمس الدين محمد الكزبري والشيخ أحمد البعلي والشيخ علي الداغستاني والشيخ مصطفى اللقيمي والشيخ أبي بكر القواف والشيخ أسعد المجلد والشيخ التافلاتي.
وأخذ في مصر عن الشيخ الملوي والشيخ الحفني والشيخ البراوي والشيخ عطية الأجهوري والشيخ الكامل محمد بن أبي بكر الجاويش والشيخ العيدروس وأجازوه جميعاً الإجازة العامة بجميع ما تجوز لهم روايته عن مشايخهم. وأخذ طريق المحيا عن الشيخ عبد الوهاب بن الشيخ مصطفى سوار والشيخ عيسى الشبراوي وعن الشيخ الحفني ولقنه الذكر والشهاب أحمد أبو الفوز بن العارف عبد الوهاب الشعراني وعن السيد محمد مرتضى الزبيدي وكتب له بخطه، والشيخ أحمد العروسي والشيخ أحمد الدردير المالكي الخلواتي وإبراهيم المصيلحي بن إبراهيم الشافعي إمام جامع الأزهر.
مات المترجم بدمشق الشام سنة سبع عشرة ومائتين وألف من هجرة سيد الأنام، ودفن رحمه الله تعالى في مقبرة باب الصغير، أعلى الله درجته.
стр. 775
عبد الحميد بن شاكر بن إبراهيم الزهراوي الحمصي
ريحانة الجليس وحانة الأنيس، تفرع من دوحة الرسالة والنبوة، وترعرع في روضة البسالة والفتوة، فجمع بين كرم الأصل والأخلاق، وطلع بدره في سماء المعارف وراق، واقتطف من حدائق الآداب أزهاراً، وارتشف من زلال الكمال وعلا قدراً وفخاراً، وقرن بين النسب والسيادة، وتقلد بالحسب وتحلى بالعلم والزهادة. إن تكلم أفاد وأطرب، وإن كتب أجاد وعما في ضميره أعرب، مع رقة تفوق نسيم الصبا، ولطافة ما سمع بها نجيب إلا وإليها مال وصبا. صرف نقد شبابه في الطلب والتحصيل، وأكمل مواد معلوماته نهاية التكميل، مع ذكاء عجيب وإدراك غريب، وهمة عالية ومروءة سامية، وطبع أشهى من الراح وسجع الضم تثني الملاح. ثم سافر إلى الآستانة ليقضي بها شأنه، وعينت له الدولة العالية معاش الإكرام، وأخرجته من الآستانة إلى الشام، فاختلط بعلمائها وجلس مع فهمائها، وأظهر للبعض بعض ما لديه من بديع المعاني، وأضمر بعض أشياء لا يجوز كشف سترها إلا لمعاني. وكان من دأبه إظهار الانتقاد، وعدم الميل إلى التأويل وإن ما ورد به النص عليه الاعتماد.
وقد ألف رسالة سماها الفقه والتصوف، وهي مشتملة على ثلاث رسائل ينتقد بها على كتب الفقه والأصول والتصوف، وقد زاد في اعتراضه، وحكم على كثير مما قالوه بانتقاضه، وتجاهر بهذا الأمر بين الخاص والعام، ونشر هذه الرسالة بين الأنام. فلما علم الناس بها أنكروها، واحتقروا ما اشتملت عليه وحظروها، وقام لها العلماء على قدم وساق، واتفقوا على تكفير مؤلفها من غير شقاق. ثم ذهبوا أفواجاً إلى الوالي من غير فتور، وأخبروه عن المترجم بما يكدر الخاطر ويسجر الصدور. وقالوا لقد تعدى طوره، وأشاع في الناس جوره، وأذاع الضلال ولم يخش من أمير
следующие страницы →