Полный текст (1 568 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
الإجماع والاتفاق، وتألفت على محبته القلوب، وزالت عن ذوي مشاهدته الهموم والكروب.
ولد في القايات سنة سبع وعشرين ومائتين وألف، ونشأ في حجر والده وبعد أن حفظ القرآن بالتجويد والإتقان، نقله والده إلى القاهرة، فأخذ العلم بها عن جماعة ذوي معرفة باهرة، منهم النور الشيخ علي البخاري الذي اشتهر في الآفاق علمه وولايته، ومعرفته بكمال الفنون ودرايته، وكان غالب أخذه عنه وجل تردده إليه، وأكثر اعتماده في مهماته عليه، وكان شيخه المرقوم يجله غاية الإجلال، ويقدمه على الواردين في الترحيب والإقبال، ويقول أنه من الأولياء، وسيكون له شأن بين العلماء. وأجازه العلماء ذوو القدر المصون، بما تجوز لهم روايته من جميع الفنون. وأخذ الطريق عن والده فجد واجتهد، وأفيضت عليه الأنوار وجذبته يد العناية والمدد، فلما أحس والده بالرحيل إلى جوار الملك الجليل، أمره بالتلقين والإرشاد والقيام بهداية العباد، فقام بإحياء تلك الشعائر أتم قيام، وبلغ به القاصدون والمريديون أتم مرام، وصار منهلاً عذباً للواردين، وملجأ وغوثاً للقاصدين، وبدراً منيراً للمسترشدين، وبحراً زاخراً للمستفيدين. وكثرت أتباعه كثرة فائقة جداً، وانتشرت مناقبه فلن تستطيع لها عدا. وشاع ذكره وعلا أمره في جميع البقاع، فكاد أن لا يخلو محل من المحلات إلا وله فيها مريدون وأتباع، وانطلقت الألسن بالثناء عليه، وكثرت وفود الوافدين إليه، حتى صارت قرية القايات، أكثر من كثير من المدن بطبقات، وكلهم ينالون منه أنواع الإجلال والكرامة، حتى كل منهم يتمنى أن يجعل في هذه القرية مقامه. وبنى لوالده المقام الأنور، والمسجد الشريف الأبهر، ورتب بالمقام ليلة الجمعة والسبت مقرأ عظيماً يحضره من أهل العلم والقرآن عدد كثير وجم غفير، ولكثرة الزوار لهذا المقام
стр. 772
الكريم، حدث يوم الجمعة بتلك البقعة سوق عظيم، وجعل بالمقام خزانة كتب من جميع العلوم، فما من كتاب إلا كاد أن يكون في قلادة هذه الخزانة من جملة المنظوم، وصار يحث الناس على تعليم الأولاد، ويساعدهم فوق المراد، حتى كثر أهل العلم والقرآن، وصار لهم بهذا المحل عز وشأن. وكان مع شغله بالإرشاد وإكرام الوافدين بالمال والزاد، وذكره وأوراده وإقباله واجتهاده، يقرأ للطلبة في كل يوم درسين مما هو للطلبة قرة عين، وكان له زيادة اعتناء بتعظيم الأشراف، حتى لو قدم لهم روحه لا يعد ذلك من الإسراف، وكان شديد الرحمة باليتامى والمساكين، والأرامل والمنقطعين، وكراماته أشهر من أن تذكر، ومناقبه لا تعد ولا تحصر.
وله من التآليف كتاب مجموع الفتاوى يشتمل على أجوبة المسائل التي سئل عنها على مذهب الإمام الشافعي ﵁. وله بعض رسائل في الانتصار لأهل الطريق في أمور أنكرت عليهم، وله كتاب في أشياء من غوامض الطريق. وجعل على ضريح والده مقصورة في غاية الانتظام، وبعد موته قد جعل الناس له ولوالده مولداً يحضره الجم الغفير من الخاص والعام. وتروج فيه البضائع وتكثر الخيرات، وتظهر فيه البركات وجميل النفحات. ومن أراد أن يرى العجب العجاب، فلينظر ما يحصل من الإكرام في هذا المولد لمن حل بهذا الرحاب.
توفي المترجم المرقوم والفرد الذي بكل فضل موسوم، ليلة الجمعة في السابع والعشرين من المحرم سنة سبع وثمانين ومائتين وألف، ودفن بجوار والده في القايات داخل المقام الأنور، وعلى ضريحه مقصورة في غاية الانتظام. وقد كتب على قبره الشريف من نظم الشيخ مصطفى حبيب العدوي:
стр. 773
أيقظ جفونك من طيب الكرى وعظ ... فليس شخص على الدنيا يمتعظ
لو كان يبقى بهذا الدهر ذو شرف ... ما مات مثل الإمام العالم الوعظ
عبد الجواد الذي أحيا النفوس بما ... أسداه من نور قلب مشرق يقظ
ضاق الفضا مذ قضى أيامه ومضى ... إلى إله كريم خير محتفظ
بشرا فالحور قد قالت مهنئة ... أرخ بدار الهدى عبد الجواد حظي
وقد مدحه الشيخ محمد شهاب بقصيدة منها:
أدر كؤوس التصابي واجل قدحاً ... وخل من في مجالي صفوها قدحا
رهاتها خمرة بكرا معتقة ... بكر بها لحديث الوجد قد شرحا
إلى أن قال:
نعم الخليفة في وجود وفي كرم ... عبد الجواد سليل السادة الصلحا
يا حسنه واصلاً كانت طريقته ... لله في الله لا في نيل ما قبحا
دلت على سره أنوار ظاهره ... والظرف يشعر بالمظروف إن نضحا
وممن رثاه أحد علماء الأزهر العالم الفاضل الشيخ علي غزال فقال:
أبدرتم العلا من أفقه نزلا ... أم كوكب السعد لما تم قد أفلا
أم حادث الدهر وافتني نوائبه ... إذ ما سمعنا به في حكمه عدلا
حيث الإمام أبو الأنوار قد غربت ... من بيننا شمسه لما قضى الأجلا
شيخ الشيوخ القياتي الذي شرفت ... به الأواخر حتى أدركوا الأولا
وأطال فيما قال مع إنه لم يذكر من شيم هذا المفضال، إلا قطرة من بحر أو ذرة من بر، وقد رثاه غيره بمراثي كثيرة، وهي في محلة موجودة وشهيرة، ولو أردنا ذكرها مع ما مدح به هذا الفاضل صفوة الأخيار، لاحتاج الأمر إلى عدة أسفار، ولكن الشمس لا تحتاج إلى مديح، والبدر غني إشراقه عن التصريح نفعنا الله به والمسلمين آمين.
стр. 774
الشيخ عبد الحليم بن مصطفى بن محمد بن خليل الشافعي العجلوني ثم الدمشقي
شيخ المحيا الشريف، والإمام الهمام ذو القدر المنيف، بركة أهل الشام ومعتقد العموم الخاص والعام، الفهامة المحقق والعلامة المدفق، والمرشد الزاهد والتقي العابد، مربي المريدين ومفيد الطالبين، بديع الزمان وعمدة ذوي العرفان، كان حسن التقرير قوي الحافظة سليم الصدر، كثير الطاعة مواظباً على الذكر.
ولد بدمشق الشام في اليوم الثامن من شهر شوال سنة خمسين ومائة وألف. ونشأ بها وأخذ عن أفاضلها وعلمائها كالشيخ العلامة أبي الفتح العجلوني وشمس الدين محمد الكزبري والشيخ أحمد البعلي والشيخ علي الداغستاني والشيخ مصطفى اللقيمي والشيخ أبي بكر القواف والشيخ أسعد المجلد والشيخ التافلاتي.
وأخذ في مصر عن الشيخ الملوي والشيخ الحفني والشيخ البراوي والشيخ عطية الأجهوري والشيخ الكامل محمد بن أبي بكر الجاويش والشيخ العيدروس وأجازوه جميعاً الإجازة العامة بجميع ما تجوز لهم روايته عن مشايخهم. وأخذ طريق المحيا عن الشيخ عبد الوهاب بن الشيخ مصطفى سوار والشيخ عيسى الشبراوي وعن الشيخ الحفني ولقنه الذكر والشهاب أحمد أبو الفوز بن العارف عبد الوهاب الشعراني وعن السيد محمد مرتضى الزبيدي وكتب له بخطه، والشيخ أحمد العروسي والشيخ أحمد الدردير المالكي الخلواتي وإبراهيم المصيلحي بن إبراهيم الشافعي إمام جامع الأزهر.
مات المترجم بدمشق الشام سنة سبع عشرة ومائتين وألف من هجرة سيد الأنام، ودفن رحمه الله تعالى في مقبرة باب الصغير، أعلى الله درجته.
стр. 775
عبد الحميد بن شاكر بن إبراهيم الزهراوي الحمصي
ريحانة الجليس وحانة الأنيس، تفرع من دوحة الرسالة والنبوة، وترعرع في روضة البسالة والفتوة، فجمع بين كرم الأصل والأخلاق، وطلع بدره في سماء المعارف وراق، واقتطف من حدائق الآداب أزهاراً، وارتشف من زلال الكمال وعلا قدراً وفخاراً، وقرن بين النسب والسيادة، وتقلد بالحسب وتحلى بالعلم والزهادة. إن تكلم أفاد وأطرب، وإن كتب أجاد وعما في ضميره أعرب، مع رقة تفوق نسيم الصبا، ولطافة ما سمع بها نجيب إلا وإليها مال وصبا. صرف نقد شبابه في الطلب والتحصيل، وأكمل مواد معلوماته نهاية التكميل، مع ذكاء عجيب وإدراك غريب، وهمة عالية ومروءة سامية، وطبع أشهى من الراح وسجع الضم تثني الملاح. ثم سافر إلى الآستانة ليقضي بها شأنه، وعينت له الدولة العالية معاش الإكرام، وأخرجته من الآستانة إلى الشام، فاختلط بعلمائها وجلس مع فهمائها، وأظهر للبعض بعض ما لديه من بديع المعاني، وأضمر بعض أشياء لا يجوز كشف سترها إلا لمعاني. وكان من دأبه إظهار الانتقاد، وعدم الميل إلى التأويل وإن ما ورد به النص عليه الاعتماد.
وقد ألف رسالة سماها الفقه والتصوف، وهي مشتملة على ثلاث رسائل ينتقد بها على كتب الفقه والأصول والتصوف، وقد زاد في اعتراضه، وحكم على كثير مما قالوه بانتقاضه، وتجاهر بهذا الأمر بين الخاص والعام، ونشر هذه الرسالة بين الأنام. فلما علم الناس بها أنكروها، واحتقروا ما اشتملت عليه وحظروها، وقام لها العلماء على قدم وساق، واتفقوا على تكفير مؤلفها من غير شقاق. ثم ذهبوا أفواجاً إلى الوالي من غير فتور، وأخبروه عن المترجم بما يكدر الخاطر ويسجر الصدور. وقالوا لقد تعدى طوره، وأشاع في الناس جوره، وأذاع الضلال ولم يخش من أمير
стр. 776
ولا وال. فأمر الوالي بالقبض عليه، وإحضاره لديه، وأن يجتمع المفتي والعلماء الكرام، لكي يسألوه عن قصده فيما أشاعه من غير احتشام. فلما سألوه نكل عن الجواب، وأعرض إعراض من لا يخاف ولا يهاب، فأمر الوالي في الحال بجمع الرسائل أجمع، وأرسلاه صحبته إلى المحل الأرفع، فلما وصلوا إلى الدار العلية، أسلموه إلى مدير الضبطية وكان ذلك في شهر شعبان، عام ألف وثلاثمائة وتسعة عشر من هجرة ذي المقام المصان. ثم أن هذه الرسالة وإن كان بعضها صواب، إلا أن الكثير منها لا ينبغي إذاعته بين الأحزاب، بل تدار كؤوس البحث به بين العلماء الخواص، من دون تعرض إلى امتهان وانتقاص. وإن رسالة المترجم مخصوصة بالمساوي والملام، ومقصورة على تخطئة أولئك العلماء الأعلام. فإشاعة هذه الرسالة خطأ وإن كان ظن مؤلفها جميلاً، وطبعها المقتضي لشهرتها بين معترضيها وغيرهم لا يناسب لأنه رتب أمراً جليلاً، والغريب كل الغريب أنه ما نظر إليها ناظر منصف، ولا اطلع عليها إلا متعصب مسرف. فمنهم من حكم بكفره وإبعاده. ومنهم من حكم بزندقته وعناده، ومنهم من أوجب عليه القتل، وإن وجوب ذلك مأخوذ من النقل، من قوله تعالى: " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف " والحكم عليه بالقتل لهذا الدليل لا يخلو عن اعتساف.
والحاصل أن هذه القضية كانت قضية كبرى. ولكن انصرفت بإرسال الوالي له مع بعض رسائله إلى الآستانة لينظر في أمره، فبقي بعد وصوله أشهراً في دائرة الضابطة محجوزاً عليه غير مهان، ثم بعد ذلك شملته العواطف الحميدية، والمراحم العثمانية، فأغرقته في بحر إحسانها، وكسته ثوب عفوها وامتنانها، فأبقت معاشه عليه، وردته إلى بلده مع جميل نظرها إليه،
стр. 777
ولم يزل يرفع أكف الضراعة في الدعاء لأمير المؤمنين. والحمد الله رب العالمين.
стр. 778
السلطان عبد الحميد خان بن السلطان عبد المجيد خان بن السلطان محمود خان
قال في الفتوحات الإسلامية: هو السلطان المعظم المفخم، سلطان سلاطين العرب والعجم، حائز العلم والصلاح والكرم، المتشرف بخدمة طيبة والحرم، صاحب السيف والقلم، ظل الله في العالم غياث بني آدم، نعمة الله على العباد، وفضله على الحاضر والباد، ناصر الحق والدين، مؤيد شريعة سيد المرسلين، المحفوف بالسبع المثاني، أمير المؤمنين مولانا السلطان الغازي عبد الحميد الثاني، أعز اللهم سرير الملك والخلافة بوجوده، وأعد على القريب والبعيد آثار فضله وجوده، وأنفذ في جميع البلاد رسائل أوامر وأحكامه، وانشر على البرايا ألوية عدله وأعلامه، وأيده بتأييدك وأبده بتأبيدك، واجعل سلالة تلك السلطنة العلية العثمانية مسلسلة إلى منتهى الدوران، مستمرة على مرور الليالي والأيام، باقية إلى آخر الأزمان آمين يا رب العالمين. بويع أطال الله عمره لما خلعوا أخاه السلطان مراد في ثالث شعبان سنة ثلاث وتسعين ومائتين وألف، فكانت سلطنته زينة وبهجة وسروراً، وامتد بها في مشارق الأرض ومغاربها ما ملأهما نوراً، ومما كان من الحوادث في أول ولايته أنه وقع عصيان من بعض النصارى الداخلين في رعية الدولة العالية في بلاد الروم ايلي وهم طائفة يقال لهم الهرسك فجهز عليهم مولانا السلطان المذكور جيشاً فقاتلوهم، وكانوا قوماً ضعافاً لا يحتاج الاستيلاء عليهم وقهرهم إلى كلفة ولا إلى كثرة عساكر، إلا أن الروسية تداخلت معهم وصارت تقويهم بأشياء كثيرة حتى اتسعت فتنتهم وانتشرت، وأعانهم طوائف من النصارى
стр. 779
الذين كانوا قريباً منهم، إلى أن صارت المحاربة بين الدولة والروسية وصارت تلك الطوائف من النصارى مع روسية، وساقت الدولة بهذه الفتنة العساكر الكثيرة، وأنفقت الخزائن الوفيرة، فقدر الله بانهزام جيوش الإسلام وأسر كثير منهم في بلونة وذلك بسبب محاصرة عساكر الروسية لهم في ذلك البلد، وعدم إمكان وصول الميرة إليهم لشدة البرد، وكثرة الثلج، وممن أسر من كبار عساكر الإسلام الوزير عثمان باشا الغازي قوماندان ذلك الجيش في بلونة، ثم أطلق مع كثير ممن أسروا وكان إطلاقهم بعد انعقاد الصلح وتملك الروسية كثيراً من المدائن العظام إلى أن وصلوا إلى قريب أدرنة.
والكلام على هذه الفتنة طويل قد أفرد بالتأليف، وختام الأمر أن بقية الدول توسطت في الصلح بين الدولة العلية ودولة الروسية وانعقد الصلح سنة خمس وتسعين على أن يبقى تحت يد الروسية ما تملكوه من البلاد، وأن الدولة العلية تدفع لهم غرامة الحرب وكان شيئاً كثيراً، وتبقى للدولة أدرنة وما يليها. وكان هذا الخلل إنما دخل على المسلمين بعد خلع السلطان عبد العزيز فلا حول ولا قوة إلا بالله.
وفي سنة ست وتسعين ومائتين وألف أعطت الدولة العلية جزيرة قبرس للإنكليز، على أن تكون بأديهم سنين موقتة بشرط أن يدفعوا للدولة العلية قدر الخراج الذي كان يحصل منها، وقد تكرر وضع اليد على قبرس من المسلمين والنصارى مراراً كثيرة، أولها من زمن الصحابة حين افتتحها معاوية ﵁، وبعد ذلك صار المسلمون والنصارى يتداولونها، تارة تكون بيد هؤلاء وتارة بيد هؤلاء، وفي سنة ست وتسعين ومائتين وألف خلع والي مصر إسماعيل باشا بن إبراهيم باشا بن محمد علي باشا.
стр. 780
وقد كان محمد علي باشا لما انعقد الصلح بينه وبين مولانا السلطان عبد الحميد سنة خمس وخمسين ومائتين وألف جعلت له مصر ولأولاده من بعده، فلما صارت ولايتها لإسماعيل باشا أراد حصر الولاية في أولاده ومنع إخوانه وأولاد إخوانه منها، فتوجه إلى دار السلطنة في مدة السلطان عبد العزيز سنة إحدى وتسعين ومائتين وألف فتم له مراده، وجعلوا ولاية مصر له ولأولاده الأكبر فالأكبر، وكان الصدر الأعظم في ذلك الوقت في دار السلطنة هو محمد رشدي باشا الشرواني.
ثم أن الله قضى وقدر أن عاقبة هذا الأمر الذي فعله إسماعيل باشا أول ما ظهر سوءه عليه، فإنه في سنة ست وتسعين ظهر عليه كثيرة ديون أخذها من الدول الأجنبية وأنفقها في غير حقها، فتشاور أهل الديون على أنهم يضبطون خراجات مصر ومحصولاتها لأجل استيفاء ديونهم، فلما أحس بذلك أراد أن يجعل لهم عصبية يمنعهم بها، فتداخل مع العلماء وأهل مصر وعقد بينه وبينهم عهوداً ومواثيق على أن الأمور كلها تكون بيد العلماء والأهالي وبمشاورتهم، فملا أحس الإنكليز والفرنسيس وغيرهما بانعقاد هذه العصبية سعوا في خلعه ووافقهم على ذلك مولانا السلطان عبد الحميد، فخلعوه في سنة ست وتسعين وجعلوا ولاية مصر لولده الأكبر محمد توفيق باشا عملاً بما تقرر قبل ذلك حين نفى إخوته وبنيهم من دخولهم في الولاية من بعده، وإن الولاية من بعده تكون لأكبر أولاده فأقاموا عليها ولده الأكبر وهو محمد توفيق باشا، وتوجه والده إسماعيل باشا بعائلته وبقية أولاده إلى نابولي من بلاد إيطاليا، وجعل له مرتب من محصولات مصر وخزينتها.
وفي سنة سبع وتسعين ومائتين وألف استولت دولة الفرنسيس على تونس وأعمالها بالمكر والخديعة والحيلة، فجهزت دولة الفرنسيس عساكر
стр. 781
كثيرة وأظهرت أنها تريد تأديب بعض قبائل العرب العصاة، منهم قبيلة يقال لهم الخمير في أعمال تونس، فوصلوا بعساكرهم إليهم وقاتلوهم وقهروهم ثم زحفوا بعساكرهم إلى تونس، ولم يستطع أحد أن يدفعهم إلى أن قاربوا دخول تونس، فاضطرب أهل تونس اضطراباً كثيراً، ثم عقدوا معهم صلحاً وأدخلوا طائفة من عساكرهم تونس وأبقوا الباي وهو حاكم الإقليم على ولايته بحسب الظاهر، واستولوا في الباطن على الأحكام والمحصولات والخراجات، واستقبلوا الديون التي كانت على والي تونس، وصارت الأمور كلها بأيديهم فلا حول ولا قوة إلا بالله.
وفي سنة ثمان وتسعين ومائتين وألف كانت فتنة بمصر بين والي مصر توفيق باشا وبين عرابي باشا، وكان عرابي باشا من رؤساء عساكر محمد توفيق باشا، واتسع الأمر في ذلك، فجاء الإنكليز بعساكرهم البحرية نجدة لمحمد توفيق باشا إلى الإسكندرية، وضربوا مدافعهم على الإسكندرية، وقاتلوا الذين كانوا مع عرابي باشا، وكان ذلك في شعبان ورمضان سنة تسع وتسعين، واتسع الأمر بما يطول الكلام بذكره، وكانت الغلبة لتوفيق باشا ومن معه من الإنكليز، وتملكوا الإسكندرية، وذهب عرابي باشا ومن معه إلى مصر، ثم سارت الإنكليز بعساكرهم لقتاله بمصر، والكلام على ذلك طويل، وآخر الأمر أنه انهزم عرابي باشا ومن معه، ثم دخلوا مصر وقبضوا على عرابي باشا وعلى كثير ممن كانوا معه، فقتلوا جماعة منهم ونفوا جماعة نفياً موقتاً، وجماعة نفياً مؤبداً، وصار العفو عن قتل عرابي باشا ونفوه مع بعض من كانوا معه إلى جزيرة سيلان من أعمال مليبار من بلاد الهند، وجعلوا إقامته ومن معه هناك، ورتبوا لهم مرتباً يكفيهم. واستولى الإنكليز على القطر المصري، ووضعوا عساكرهم في القلعة على صورة أنهم إنما فعلوا ذلك إعانة لمحمد توفيق باشا وأبقوه على ولايته.
стр. 782
والإنكليز مع ذلك كله يقولون ليس مرادنا الاستيلاء على مصر وإنما مرادنا الاصطلاحات والتأييد لمحمد توفيق وإذا استقامت الأمور وانتظمت أحوال مصر نخرج منها وتخرج عساكرنا.
وفي سنة سبع وتسعين ظهر رجل بالسودان يسمى محمد أحمد يقال أنه المهدي أو قائم طالب لإظهار الحق ولم يدع أنه المهدي، ويقال أنه شريف حسني، وكان قبل ظهوره مشهوراً بالصلاح ومن مشايخ الطرائق، قيل إنه على طريق الشيخ السمان، وأول ظهوره أنه لما كثرت أتباعه ومريدوه وقع اختلاف بينه وبين العساكر المصرية المتملكين للسودان عمالاً لصاحب مصر محمد توفيق باشا، ثم اتسع الأمر بينهم وبينه إلى القتال، وقاتلوه وقاتلهم مراراً، وكانت الغلبة لمحمد أحمد عليهم حتى استولى على كثير من بلاد السودان وأخرجهم منها، فلما دخل الإنكليز مصر صار الإنكليز هو الذي يجهز عليه العساكر ويقاتله بعساكر الإنكليز ومعهم عساكر مصر، ووقع بينهم وبينه وقائع كثيرة يطول الكلام بذكرها، والغلبة في تلك الوقائع كلها له عليهم، فتملك كردفان وكسلة والخرطوم وبربرة ودنقلة وغير ذلك، وقتل منهم خلقاً كثيراً لا يحصى عددهم، وكان أمره معهم عجيباً يأتون إليه بالعساكر الكثيرة، والمدافع والآلات الشهيرة التي لا يطيق أحد مقابلتها، فيقابلهم بجيوشه السودانيين وليس معهم إلا السيف والرمح والسكاكين، فيهجمون على تلك العساكر في موضعهم ومحط جيشهم ولا يبالون بمدافعهم وآلاتهم حتى يخالطوهم ويقتلوا أكثرهم من قرب طعناً بالرماح وضرباً بالسيوف والسكاكين، ويشتتون شملهم، ومنهم جماعة في براري سواكن قد ولى محمد أحمد عليهم رجلاً يسمى عثمان ذقنه، فجاء بمن معه من السودان لمحاصرة سواكن وإخراج الإنكليز والعساكر المصرية منها فخرجوا إليه بجيوشهم الكثيرة، وآلاتهم ومدافعهم الشهيرة، فهزمهم عثمان ذقنة ومن معه من السودان هزيمة بعد هزيمة، وقتل الكثير منهم حتى أنهم جاؤوه في
стр. 783
سنة ثنتين وثلاثمائة بنحو من سبعين مركباً مشحونة بالعساكر الكثيرة، والآلات والاستعدادات الوفيرة، وخرجوا لقتاله في البر قريباً من سواكن، فهزمهم وقتل أكثرهم وشتت شملهم وغنم أكثر أموالهم ودوابهم وذخائرهم وأسبابهم، وإلى هذا الوقت وهو شهر ذي الحجة من سنة ثنتين وثلاثمائة وعثمان ذقنه ومن معه من السودان في نواحي سواكن محاصرون لها، وفيها عساكر للإنكليز وصاحب مصر قيل أن جيوش محمد أحمد تبلغ ثلاثمائة ألف أو يزيدون. وأما دعوى أنه المهدي فمختلف فيها فمن الناس من يقول أنه يدعي أنه المهدي، ومنهم من يقول لم يدع أنه المهدي بل يقول أنه قائم لإظهار الحق وإقامة الشريعة وإخراج الإنكليز من مصر، والأكثر من الناس يقولون أ، هـ رجل صالح على غاية من الاستقامة، ومنهم من يقدح فيه وينسب إليه خلاف ذلك، ويقول إن جيوشه يقع منهم فساد كثير، وليس لهم غرض إلا القتل والنهب، وإنهم في استيلائهم على كردفان والخرطوم وغيرهما قتلوا خلقاً كثيراً من المسلمين، فيهم العلماء والصلحاء والنساء والأطفال، وقيل إن وقوع ذلك كان من بعض المفسدين منهم ولم يرض بذلك محمد أحمد ولم يأمر به، والله أعلم بحقيقة الحال. وقد أخبر النبي ﷺ بأن انتصار آخر هذه الأمة في آخر الزمان يكون بالسودان فيحتمل أنهم هؤلاء ويحتمل أن يكونوا غيرهم، وانتصار المسلمين بهم في آخر الزمان مأخوذ مما ذكره الخازن في تفسيره عند تفسير قوله تعالى " ثلة من الأولين وثلة من الآخرين " من سورة الواقعة فإنه قال ما نصه: ثلة من الأولين يعني من المؤمنين الذين قبل هذه الأمة، وثلة من الآخرين يعني من مؤمنين هذه الأمة، ويدل عليه ما رواه البغوي بإسناد الثعلبي عن عروة بن رويم، وقال لما أنزل الله قوله تعالى: " ثلة من الأولين وقليل من الآخرين " بكى عمر بن الخطاب رضي الله عنه
стр. 784
وقال: يا رسول الله آمنا برسول الله وصدقناه ومن ينجو منا قليل، فأنزل الله : " ثلة من الأولين وثلة من الآخرين "، فدعا رسل الله ﷺ عمر بن الخطاب وقال له: قد أنزل الله فيما قلت، فقال عمر ﵁ رضينا عن ربنا وصدقنا نبينا ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : من آدم إلينا ثلة، ومنا إلى يوم القيامة ثلة، ولا يستتمها إلا سودان من رعاة الإبل ممن قال لا إله إلا الله. ومثل ذلك في تفسير الخطيب الشربيني وفي التفسير المسمى بالدر المنثور للجلال السيوطي أن عروة بن رويم يروي هذا الحديث عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ عن النبي ﷺ أن الحديث المذكور
أيضاً رواه ابن مردويه وابن عساكر، لكن اللفظ الذي ذكره في الدر المنثور قال في آخره: وأمتي ثلة، ولن تستكمل ثلتنا حتى نستعين بسودان من رعاة الإبل ممن يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. فيحتمل أن المراد من السودان هؤلاء القائمون مع محمد أحمد وعثمان ذقنه، ويحتمل أن يكون غيرهم والله أعلم بغيبه. وكل ما أخبر به النبي ﷺ لا بد من وقوعه، وروى ابن مكرم الإفريقي في كتاب له سماه لسان العرب حديثاً لم يذكر من خرجه وقال فيه أن النبي ﷺ قال: يخرج في آخر الزمان رجل يسمى أمير الغضب، أصحابه محسرون محقرون مقصون عن أبواب السلطان ومجالس الملوك، يأتونه من كل أوب كقزع الخريف يورثهم الله مشارق الأرض ومغاربها فيمكن أنهم هؤلاء السودان القائمون مع محمد أحمد أو غيرهم. أيضاً رواه ابن مردويه وابن عساكر، لكن اللفظ الذي ذكره في الدر المنثور قال في آخره: وأمتي ثلة، ولن تستكمل ثلتنا حتى نستعين بسودان من رعاة الإبل ممن يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. فيحتمل أن المراد من السودان هؤلاء القائمون مع محمد أحمد وعثمان ذقنه، ويحتمل أن يكون غيرهم والله أعلم بغيبه. وكل ما أخبر به النبي ﷺ لا بد من وقوعه، وروى ابن مكرم الإفريقي في كتاب له سماه لسان العرب حديثاً لم يذكر من خرجه وقال فيه أن النبي ﷺ قال: يخرج في آخر الزمان رجل يسمى أمير الغضب، أصحابه محسرون محقرون مقصون عن أبواب السلطان ومجالس الملوك، يأتونه من كل أوب كقزع الخريف يورثهم الله مشارق الأرض ومغاربها فيمكن أنهم هؤلاء السودان القائمون مع محمد أحمد أو غيرهم.
مباحث في المهدي المنتظر
وقد ذكر كثير من العلماء الذين ألفوا رسائل في ظهور المهدي وعلاماته أن من علامات ظهوره خروج السودان، منهم الجلال السيوطي والعلامة
стр. 785
ابن حجر والعلامة المتقي والعلامة السيد محمد بن رسول البرزنجي في كتابه المسمى بالإشاعة في أشراط الساعة، ففي رسالة الجلال السيوطي المسماة بالعرف الوردي في علامة المهدي، حديث عن النبي ﷺ فيه: إذا خرجت السودان طلبت العرب ينكشفون حتى يلحقوا ببطن الأردن أو ببطن الأرض، فبينما هم كذلك إذ خرج السفياني في ستين وثلاثمائة راكب حتى يأتوا دمشق، فلا يأتي عليهم شهر حتى يبايعه من كلب ثلاثون ألفاً. والأحاديث التي جاء فيها ذكر السقياني كثيرة شهيرة والكلام عليها طويل، وهو يريد قتال المهدي عند ظهوره، ثم يخسف بجيش السفياني ويهلكه الله تعالى. وفي رسالة ابن حجر المسماة بالقول المختصر في أخبار المهدي المنتظر، أن من علامات ظهور المهدي ألوية قبل من المغرب، وأن خروج أهل المغرب إلى مصر من أمارات خروج السفياني، وذلك إنما يكون عند ظهور المهدي، وجه السودان بالنسبة إلى مصر مغرب، فيحتمل أنهم هؤلاء القائمون مع محمد أحمد، ويحتمل أن يكون المراد غيرهم، وكذا قوله خروج أهل المغرب إلى مصر يحتمل أن يكونوا هؤلاء لأنه يصدق على الجهة التي ظهروا منها أنها من المغرب بالنسبة لمصر، ويحتمل أن يكونوا غيرهم، والله أعلم بأسرار غيبه وأسرار أحاديث نبيه ﷺ . ومن علامات ظهور المهدي الرايات السود التي تخرج من خراسان، وجاء فيها أحاديث كثيرة، قال في الإشاعة: يمكن أنها هي التي خرجت في زمن المهدي العباسي بن المنصور، ويحتمل أنها أيضاً تخرج عند ظهور المهدي المنتظر. وفي شرح الشجرة النعمانية تبقى قوتها وسلطنتها إلى ظهور المهدي، وأنهم يكونون من أعوانه وأنصاره بأنفسهم وأموالهم وخزائنهم وعساكرهم وآلاتهم وعددهم، فيجب الدعاء للدولة العثمانية على
стр. 786
كل مسلم والذي يقاتلهم يكون باغياً خارجاً عليهم، فالواجب على كل مسلم السعي في تشييد دولتهم وتثبيت قواعدها، وإهانتهم في إظهار الشريعة وإحياء السنن وإماتة البدع، والدعاء لهم بالتوفيق، فنسأل الله تعالى أن يوفقهم لكل خير وأن يلهمهم كمال الرشد والصلاح، وكذا سائر وزرائهم وقضاتهم وعمالهم.
ثم إن هذا القائم بالسودان وهو المسمى محمد أحمد إما أن يكون باغياً خارجاً على السلطان فيجب قتاله وإن لم يدع أنه المهدي، ويمكن أن الله أقامه لإخراج الإنكليز من مصر إعانة للدولة العثمانية ولا يريد الخروج على السلطان وإنما يريد أن يكون من جملة رعايا الدولة العثمانية ثم يكون لإعانة المهدي؛ ويؤيد ذلك ما ذكره الجلال السيوطي في رسالته التي ألفها في علامات المهدي، فإنه ذكر فيها حديثاً أخرجه نعيم بن حماد عن أبي قبيل قال: يكون أمير بإفريقية اثنتي عشرة سنة ويكون بعده فتنة، فيملك رجل يملؤها عدلاً، ثم يسير إلى المهدي فيؤدي إليه الطاعة ويقاتل عنه، فيمكن أنه هو هذا الرجل المسمى محمد أحمد ويمكن أنه غيره والله أعلم بأسرار غيبه. وقيل إن الذين يشيعون أنه هو المهدي إنما هم بعض أتباعه ليرغبوا عامة الناس في اتباعه والدخول في طاعته، وأما هو فإنه لم يدع أنه المهدي، بل قال بعض من اجتمع به أنه سمع منه بلا واسطة أنه يقول: إني لست أنا المهدي المنتظر وإنما أنا قائم لإظهار الحق وإقامة الشريعة، وأما أن ثبت أنه يدعي أنه هو المهدي المنتظر فالأمر مشكل، لأن المهدي المنتظر لا يدعي أنه المهدي ولا يطلب البيعة لنفسه ولا يقاتل الناس لتحصيلها ولا يبايع إلا وهو مكروه، بل لا يبايع الناس حتى يتهددوه بالقتل وذلك أن الله يطلع بعض من اختصه من صالحي عباده وعلى علاماته، فيدلون الناس عليه فيطلبونه فيفر منهم مراراً، ثم يمسكونه ويكرهونه على البيعة ويتهددونه بالقتل،
стр. 787
ولا يكون ظهوره والبيعة له إلا والناس بلا خليفة، أخذاً من حديث: يحصل اختلاف عند موت خليفة وهو أصح حديث روي في هذا الباب، وأما الآن فالناس لله الحمد لهم خليفة وهو أمير المؤمنين مولانا السلطان عبد الحميد بن المرحوم مولانا السلطان عبد المجيد، وبيعته في أعناق المسلمين، وسلسلة سلطنته من أحسن الدول الإسلامية مقيمين للشريعة السنية، محبين للصحابة وأهل البيت، ناصرين أهل السنة المحمدية قامعين أهل البدعة الردية، فلا يجوز خلع بيعته ولا الخروج عن طاعته، ثبت الله دولته وأبد سلطنته، فمن خلع بيعته أو ترك طاعته أو خرج عليه فهو باغ معتد. وأيضاً من علامات المهدي المنتظر أن يكون من ولد فاطمة ﵂، وأن يكون ظهوره والبيعة له بمكة بين الركنين، ولا يصح أن يكون ظهوره والبيعة له بغير مكة، قال الجلال السيوطي في آخر العرف الوردي في علامات المهدي: وأما قول القرطبي أن ظهور المهدي يكون من المغرب فهو باطل، وقد تبع السيوطي على ذلك العلامة العلقمي والعلامة الصبان في رسالته التي ألفها في علامات المهدي، فكل منهما قال كما قال السيوطي، أن قول القرطبي أن ظهور المهدي يكون بالمغرب باطل، وقال بعضهم يمكن حمل كلام القرطبي على غير المهدي المنتظر، فإن كثيراً ممن ادعى نفسه أنه المهدي وكان ظهورهم بالمغرب، كمحمد بن تومرت وعبيد الله العبيدي جد ملوك إفريقية ومصر، وخلق كثير غير هذين ادعى كل واحد منهم أنه المهدي بالمغرب وغيره، وذلك لأن المهديين متعددون والمهدي المنتظر واحد، وهو الذي يكون من ولد فاطمة ويكون ظهوره بمكة، والناس بلا خليفة، ويبايع مكرهاً ولا يطلب البيعة لنفسه ولا يقاتل الناس لتحصيلها، ويكون في زمنه خروج المسيح الدجال ونزول عيسى ﵇، ويجتمع به. ومما يدل على أن المهديين متعددون والمهدي المنتظر واحد، ما ذكره العلامة ابن حجر
стр. 788
في الصواعق المحرقة لأهل الضلال والزندقة، حيث قال حاكياً لقول من قال أن المهدي من ولد العباس، وهو والد هارون الرشيد واسمه محمد المهدي بن عبد الله المنصور بناء على الأحاديث المذكور فيها أن المهدي من ولد العباس عم النبي ﷺ ، وقال: أنه من أحسن خلفاء بني العباس، وهو فيهم كعمر بن عبد العزيز في بني أمية، ثم قال ابن حجر موجهاً لقول هذا القائل: ويمكن أنه مهدي من ولد العباس وهو غير المهدي المنتظر فإن المهدي المنتظر من ولد فاطمة ﵂، ويكون في زمنه خروج الدجال ونزول عيسى ﵇ ويجتمع به، فهذه العبارة صريحة في تعدد المهديين، وجمع بعضهم بين الأحاديث التي فيها أنه من ولد فاطمة، والأحاديث التي فيها أنه من ولد العباس بطريق آخر فقال: أن المهدي المنتظر من ولد فاطمة من جهة أبيه، ومن ولد العباس من جهة أمه، بأن تكون أمه أو
أم بعض آبائه من ولد العباس، وكلام ابن حجر في رسالته التي في علامات المهدي يقتضي أيضاً تعدد المهديين وأن المهدي المنتظر واحد فإنه قال فيها: أم بعض آبائه من ولد العباس، وكلام ابن حجر في رسالته التي في علامات المهدي يقتضي أيضاً تعدد المهديين وأن المهدي المنتظر واحد فإنه قال فيها: والذي يتعين اعتقاده ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة من وجود المهدي المنتظر، وهو الذي يخرج الدجال وعيسى ﵇ في زمنه، وهو المراد حيث أطلق المهدي، وأما من قبله فليس واحد منهم هو المهدي المنتظر، ويكون قبل المهدي أمراء صالحون لكنهم ليسوا مثله، فهو الأخير في الحقيقة، وكذلك غير ابن حجر ممن ألفوا رسائل في علامات المهدي كلهم يقتضي كلامهم تعدد المهديين وأن المهدي المنتظر واحد، وإنما قالوا بذلك التعدد لأنه قيل في محمد بن الحنفية أنه المهدي، وقيل في عمر بن عبد العزيز أنه المهدي، وقيل في محمد النفس الزكية ابن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن السبط أنه المهدي، فهؤلاء أطلق على واحد منهم أنه المهدي، فيثبت بذلك تعدد المهديين قطعاً،
стр. 789
لكن ليس واحد من هؤلاء هو المهدي المنتظر، فالمهدي المنتظر واحد وهو لم يظهر إلى الآن، فيمكن حمل كلام القرطبي على غير المهدي المنتظر ممن كان خروجهم بالمغرب، ولا يمكن حمل كلامه على المهدي المنتظر لأنه إنما يظهر بمكة والناس بلا خليفة كما تقدم إيضاحه، وكذلك لا يصح قول من قال إنما يكون ظهور المهدي المنتظر من ماسة بالغمرب، فهو قال باطل لا أصل له كما نبه على ذلك العلامة ابن خلدون في تاريخه، فإنه قال: أن القول بظهوره من ماسة باطل لا أصل له، وإنما نشأ ذلك من رجل من المتصوفة خرج بالسوس الأقصى وعمد إلى مسجد ماسة وزعم أنه الفاطمي المنتظر تلبيساً على العامة هناك بما ملأ قلوبهم من الحدثان بانتظاره هنالك، وأفهمهم أن من ذلك المسجد يكون أصل دعوته، فتهافت عليه تهافت الفراش طوائف من عامة البربر، ثم خشي رؤساؤهم اتساع نطاق الفتنة فدسوا إليه من قتله في فراشه وانطفأت الفتنة. والحاصل أن الذي تقتضيه الأحاديث النبوية وصرح به العلماء أن المهدي المنتظر، إلى هذا الوقت لم يظهر، وذكروا له علامات كثيرة بعضها مضى وانقضى وبعضها باق لم يظهر، ومن أعظم علاماته أنه يصلحه الله في ليلته، وأنه من ولد فاطمة ﵂، وأنه يبايع مكرهاً لا أنه يطلب البيعة لنفسه ويقاتل الناس لتحصيلها، بل لا يبايع حتى يتهدد بالقتل، وأن ظهور البيعة له إنما تكون بمكة بين الركنين، وإن ظهوره إنما يكون عند وجود اختلاف بموت خليفة، فلا يظهر ويبايع إلا والناس بلا خليفة، فهذه الأشياء هي أقوى العلامات عليه، وله علامات كثيرة غير هذه ذكرها الذين ألفوا الرسائل في تحقيق أمره.
لكن تلك الأشياء ظنية ومختلف في كثير منها، وذلك مثل اسمه واسم أبيه وموضع ولادته ومقدار عمره وقت ظهوره، ومدة مكثه في الأرض بعد ظهوره، فكل هذه الأشياء مختلف فيها.
стр. 790
فما قيل في مقدار عمره وقت ظهوره أنه ابن أربعين، وقيل أنه ابن عشرين، وقيل أنه ابن ثمانية عشر، وقيل غير ذلك. وقيل في مدة مكثه بعد ظهوره أنها سبع سنين أو تسع سنين وقيل أنها أربعون وقيل عشرون وقيل غير ذلك. وقيل في اسمه أنه محمد وقيل أحمد، وهل هو من ولد الحسن أو الحسين أو العباس؟ وجمع بعضهم بأنه من ولد أحد الحسنين من جهة أبيه ومن ولد الآخر من جهة أمه، وفي بعض أمهاته من هي من ولد العباس. والأحاديث التي جاء فيها ذكر ظهور المهدي كثيرة متواترة، فيها ما هو صحيح وفيها ما هو حسن وفيها ما هو ضعيف وهو الأكثر، لكنها لكثرتها وكثرة رواتها وكثرة مخرجيها يقوي بعضها بعضاً، حتى صارت تفيد القطع، لكن المقطوع به أنه لا بد من ظهوره، وأنه من ولد فاطمة، وأنه يملأ الأرض عدلاً نبه على ذلك العلامة السيد محمد بن رسول البرزنجي في آخر الإشاعة. وأما تحديد ظهوره بسنة معينة فلا يصح لأن ذلك غيب لا يعلمه إلا الله، ولم يرد نص من الشارع بالتحديد، وقد ذكر كثير من المتقدمين من العلماء تحديد ظهوره في سنين عينوها بالظن والتخمين، فلم يخرج فيها فأخطأوا في ظنهم وتحديدهم، ويؤخذ من قوله ﷺ في المهدي أنه يصلحه الله في ليلته أن المهدي لا يعلم بنفسه أنه المهدي المنتظر قبل وقت إرادة الله إظهاره، ويؤيد ذلك أن النبي ﷺ وهو أشرف المخلوقات لم يعلم برسالته إلا وقت ظهور جبريل له بغار حراء حين قال له: " اقرأ باسم ربك الذي خلق " وأما قبل ذلك فكان يرى منامات كثيرة تأسيساً لرسالته وتقوية لقلبه، لكنه لم يعلم أن المراد منها تأسيس الرسالة، حتى أنه كان كلما رأى مناماً من تلك المنامات يخبر زوجته خديجة ﵁ ويشكو إليها حاله،
стр. 791
فكانت ثبته وتقول له كلاماً يقوى به قلبه كما هو موضح في كتب الحديث، فإذا كان النبي ﷺ لم يعلم بأنه رسول الله ﷺ إلا بعد ظهور جبريل ﵇ له، وقوله: " اقرأ باسم ربك " فبالأولى أن المهدي المنتظر لا يعلم بأنه المهدي المنتظر إلا بعد إرادة الله إظهاره، ولذلك يمتنع من البيعة حتى يتهدد بالقتل ويبايع مكرهاً، فهذا هو سر قوله ﷺ يصلحه الله في ليلته ليعلم من ذلك أنه لم يعلم أنه المهدي إلا وقت إرادة الله إظهاره، فكل من يدعي أنه هو المهدي المنتظر ويطلب البيعة لنفسه أو يقاتل الناس لتحصيلها فهو مخالف لما صرحت به أحاديث النبي ﷺ .
وقد ادعى هذه الدعوى كثيرون فيما تقدم من الأزمان ولم تثبت دعواهم، وكان لهم مع الخلفاء وقائع وحروب مذكورة في التواريخ، وقد جمعت أسماؤهم ووقائعهم باختصار في رسالة مستقلة، ليعلم من وقف عليها أن كل من ادعى هذه الدعوى لا تتم له إلا إذا جاءت على طبق ما أخبر به النبي ﷺ ، لأنه الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى.
وقد ذكر العلامة ابن خلدون في تاريخه كلاماً فيه فوائد تعلق بهذا البحث، فلنذكر ملخص ذلك تتميماً للفائدة، وحاصل ذلك أن الذين يدعون هذه الدعوى إما أن يكونوا موسوسين أو مجانين فلا علاج لهم إلا التنكيل بالقتل والضرب إن أحدثوا فتنة، وإلا يسخر بهم وتذاع السخرية بهم، والصفع في الطرق أو الأسواق، وإما أن يكونوا من طالبي الرياسة والملك فيجعلون هذه الدعوى وسيلة لذلك ويغفلون عما ينالهم من الهلكة وإسراع الهلاك والقتل من الملوك والسلاطين عند إحداثهم فتنة بهذه الدعوى، وقد يكون بعض من ادعى هذه الدعوى من الصالحين ويريد إظهار الحق ويتخيل له أنه هو المهدي، فيخطئ ظنه ولا يعرف ما يلزمه وما يحتاج إليه في إقامة الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
стр. 792
فإن الله لم يكتب عليه في ذلك إثارة فتنة وإنما أمره الله تعالى به حيث تكون القدرة عليه، قال ﷺ : " من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه ". وأحوال الملوك والدول قوية راسخة لا يزحزحها ولا يزلزلها ويهدم بناءها إلا المطالبة القوة التي من ورائها العصبية بالقبائل والعشائر، وهكذا كان حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في دعوتهم إلى الله تعالى بالعشائر والعصائب، وهم المؤيدون من الله تعالى بالكون كله لو شاء، لكنه إنما أجرى الأمور على مستقر العادة وإنه حكيم عليم. فإذا ذهب أحد من الناس هذا المذهب وكان محقاً قصر به الانفراد عن العصبية فطاح في هوة الهلاك، وأما إن كان من المتلبسين بذلك في طلب الرياسة فأجدر أن تعوقه العوائق وتنقطع به المهالك، لأن أمر الله لا يتم إلا برضاه وإعانته والإخلاص له والنصيحة للمسلمين، ولا يشك في ذلك مسلم ولا يرتاب فيه ذو بصيرة، وكل أمر يجتمع عليه كافة الخلق لا بد له من العصبية، وفي الحديث الصحيح: " ما بعث الله نبياً إلا في منعة من قومه " وإذا كان هذا في الأنبياء وهم أولى الناس بخرق العوائد فما ظنك بغيرهم أن لا تخرق لهم العوائد في الغلبة بغير عصبية، والغفلة عن هذا هي أكثر أحوال الثوار القائمين بتغيير المنكر من العامة والفقهاء، فإن كثيراً من المنتحلين للعبادة وسلوك طريق الدين يذهبون إلى القيام على أهل الجور من الأمراء داعين إلى تغيير المنكر والنهي عنه والأمر بالمعروف رجاء الثواب عليه من الله تعالى، فليكثر اتباعهم والمتشبثون بهم من الغوغا والدهما، ويعرضون أنفسهم في ذلك للمهالك وأكثرهم يهلكون في تلك السبيل مأزورين غير مأجورين، وكثير منهم يدعي أنه المهدي المنتظر ولم تصح دعواهم، ويتبعهم كثير من العامة والأغمار ممن لا يرجعون إلى عقل يهديهم ولا علم يقيدهم،
стр. 793
يستجيبون لكثير ممن يدعون هذه الدعوى لما اشتهر من ظهور فاطمي، ولا يعلمون حقيقة الأمر، وأكثر ما يكون ذلك في الممالك القاصية وأطراف العمران بإفريقية والسوس من المغرب، وتجد الكثير من ضعفاء البصائر يقصدون رباطاً بماسة لما كان بذلك الرباط بالمغرب من الملثمين من كدالة، واعتقادهم هو أنهم قائمون بدعوة الفاطمي يزعمون ذلك زعماً لا مستند له إلا البعد عن القاصية عن مثار الدولة وخروجها عن نطاقها، فتقوى عندهم الأوهام في ظهور الفاطمي من ذلك الموضع، لخروجه عن رتبة الدولة ومثار الأحكام والقهر، ولا محصول لديهم في ذلك إلا هذا الوهم، وقد يقصد ذلك الموضع كثير من ضعفاء العقول للتلبيس بدعوة تنشأ عن وسواس وحمق، وقد قتل الملوك والرؤساء كثيراً منهم، ثم قال: أخبرني شيخنا محمد بن إبراهيم الأربلي، قال خرج برباط ماسة لأول المائة الثامنة وعصر السلطان يوسف بن يعقوب المريني رجل من منتحلي التصوف يعرف بالتوزيري، وادعى أنه الفاطمي المنتظر، واتبعه الكثير من أهل السوس من كدالة وكزولة، وعظم أمره وخافه رؤساء المصامدة وعلماؤهم، فدس عليه السكسوي من قتله بياتاً وانحل أمره. وكذلك ظهر في غمارة في آخر المائة السابعة في عشر التسعين منها رجل يعرف بالعباس، وادعى أنه الفاطمي المنتظر، وتبعه الدهما من غمارة؛ ودخل مدينة فاس عنوة وحرق أسواقها، وارتحل إلى بلد المزمة فقتل بها غيلة ولم يتم أمره، وكثير من هذا النمط.
وأخبرني شيخنا المذكور بفرسية عن مثل هذا، وهو أنه صحب في حجه رجلاً من أهل البيت من سكان كربلا كان متبوعاً معظماً كثير التلامذة، وكان الناس يتلقونه بالنفقات في أكثر البلدان، وتأكدت الصحبة بيننا في الطريق، ثم كشف لي عن أمرهم وأنهم إنما جاؤوا من موطنهم
стр. 794
بكربلا قاصدين أرض المغرب، لإظهار دعوى أنه الفاطمي المنتظر، فلما وصل إلى المغرب وعاين دولة بني مرين، وكان أمير المؤمنين يوسف بن يعقوب في ذلك الوقت منازلاً تلمسان، فلما رأوا قوة ملكه قال ذلك الرجل لأصحابه: ارجعوا بنا فقد أزرى بنا الغلط وليس هذا الوقت وقتنا. وهذا يدل على أن ذلك الرجل استبصر بأن الأمر لا يتم إلا بالعصبية الكافية لأهل الوقت، فلما علم أنه غريب في ذلك الموطن ولا شوكة له وأن عصبية بني مرين في ذلك الوقت لا يقاومها أحد من أهل المغرب، استكان ورجع إلى الحق وأقصر عن مطامعه، وبقي عليه أن يستيقن أن عصبية الفواطم وقريش أجمع قد ذهبت لا سيما في المغرب، إلا أن التعصب لشأنه لم يترك لهذا القول، والله يعلم وأنتم لا تعلمون.
وقد كانت بالمغرب لهذه العصور القريبة نزعة من الدعاة إلى الحق والقيام بالسنة، لا ينتحلون فيها دعوة فاطمي ولا غيره، وإنما ينزع منهم في بعض الأحيان الواحد فالواحد إلى إقامة السنة وتغيير المنكر، ويعتني بذلك ويكثر تابعوه، وأكثر ما يعتنون بإصلاح السابلة، لما أن أكثر فساد الأعراب فيها لما فيها من طيب معاشهم، فيأخذون في تغيير المنكر بما استطاعوا، إلا أن الصبغة الدينية فيهم لم تستحكم، لما أن توبة العرب ورجوعهم إلى الدين إنما يقصدون به الأقصار عن الغارة والنهب، ولا يعقلون في توبتهم وإقبالهم إلى مناحي الديانة غير ذلك، لأنها المعصية التي كانوا عليها، ومنها توبتهم. ونجد ذلك المنتحل للدعوة والقائم بزعمه بالسنة غير متعمق في فروع الاقتداء والاتباع، إنما دينهم الإعراض عن النهب والبغي وإفساد السابلة، ثم الإقبال على طلب الدنيا والمعاش أقصى قصدهم، وشتان بين هذا الطالب للدنيا وبين من أراد إصلاح الخلق لكل ما يحتاجون إليه من أمر دينهم، فاتفاقهما ممتنع،
стр. 795
لا تستحكم للأول صبغة في الدين ولا يكمل له نزوع عن الباطل، ويختلف حال صاحب الدعوة معهم في استحكام دينه وولايته في نفسه دون تابعيه، فإذا هلك انحل أمرهم وتلاشت عصبيتهم.
وقد وقع ذلك بإفريقية لرجل من كعب من سليم يسمى قاسم بن مرة في المائة السابعة، ثم من بعد لرجل من بادية رياح كان أشد ديناً من الأول وأقوم طريقة في نفسه، ومع ذلك فلم يستتب أمرهما، وبعد ذلك ظهر ناس بهذه الدعوة يشتبهون بمثل ذلك ويلبسون فيها، وينتحلون اسم السنة وليسوا عليها إلا الأقل، فلا يتم لهم ولا لمن بعدهم شيء من أمرهم.
وأول ابتداء هذه النزعة في الملة ببغداد حين وقعت الفتنة بين الأمين والمأمون ابني الرشيد وقتل الأمين، وكان المأمون بخراسان فأبطأ عن مقدم العراق، وأراد انتزاع الخلافة من بني العباس ونقلها للعلويين، فجعل ولي عهده علياً الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق، فهاج من ذلك فتن كثيرة ببغداد، واجتمع بنو العباس وكشفوا وجه النكير على المأمون، وتداعوا للقيام وخلعوه وبايعوا عمه إبراهيم بن المهدي، فوقع الهرج وكثر القتل والنهب ببغداد، وانطلقت أيدي الذعار بها من الشطار والحربية على أهل العافية والصون، وقطعوا السبيل وامتلأت أيديهم من نهاب الناس، وباعوها علانية في الأسواق، ورفع أهلوها أمرهم إلى الحكام وقد ضعف أمرهم فلم ينصفوهم، فتوافر أهل الدين والصلاح وتعاقدوا على منع الفساق وكف عاديتهم.
وقام ببغداد رجل يعرف بخالد الدربوس ودعا الناس إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأجابه خلق وقاتل بهم أهل الدعارة فغلبهم، وأطلق يده فيهم بالضرب والتنكيل، ثم قام من بعده رجل آخر يعرف
стр. 796
سهل بن سلامة الأنصاري وعلق مصحفاً في عنقه ودعا الناس إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والعمل بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، فاتبعه كافة الناس من بين شريف ووضيع من بني هاشم فمن دونهم، ونزل قصر طاهر واتخذ الديوان وطاف ببغداد، ومنع كل من أخاف المارة، ومنع الخفارة لأولئك الشطار، فقال له القائم الأول وهو خالد الدربوس أنا لا أعيب على السلطان، فقال له سهل: لكني أقاتل كل من خالف الكتاب والسنة كائناً من كان، وذلك سنة إحدى ومائتين، فجهز إبراهيم بن المهدي بعد أن بايعه بنو العباس جيشاً لقتال سهل بن سلامة، فغلبه وأسره وانحل أمره سريعاً وذهب ونجا بنفسه، ثم اقتدى بهذا العمل بعده كثير من الموسوسين يأخذون أنفسهم بإقامة الحق ولا يعرفون ما يحتاجون إليه في إقامته من العصبية، ولا يشعرون بمغبة أمرهم ومآل أحوالهم. ثم ذكر كثيراً من الأحاديث التي جاءت في المهدي وضعف كثيراً منها، ثم قال: والحق الذي يتقرر لديك أنه لا تتم دعوة من الدين والملك إلا بوجود شوكة عصبية تظهره وتدافع عنه من يدفعه حتى يتم أمر الله فيه، وقد قررنا لك ذلك من قبل بالبراهين القطعية، وعصبية الفاطميين بل وقريش أجمع قد تلاشت من جميع الآفاق، ووجد أمم آخرون قد استعملت عصبيتهم على عصبية قريش، إلا ما بقي بالحجاز في مكة وينبع والمدينة من الطالبيين من بني حسن وحسين بن جعفر، منتشرون في تلك البلاد وغالبون عليها وهم عصائب متفرقة، فإن صح ظهور هذا المهدي فلا وجه لظهور دعوته إلا أن يكون منهم، ويؤلف الله بين قلوبهم في اتباعه حتى يتم له شوكة وعصبية وافية بإظهار كلمته وحمل الناس عليها، وأما على غير هذا الوجه فلا يتم ذلك لما أسلفناه من البراهين الصحيحة انتهى ما أردت نقله من كلام ابن خلدون.
стр. 797
ورأيت في كثير من الرسائل المؤلفة في شأن المهدي أنه لا يتم أمره إلا بالقيام بالشريعة الغراء، وأنه يكون على مثل ما كان عليه النبي ﷺ والخلفاء الراشدون، ويفيض الله على الخلق نوراً ببركته فيتبعونه ويقتدون به في جميع شؤونه وأفعاله وأقواله وأحواله، حتى يكون حالهم كحاله، ووصفهم كحال أصحاب النبي ﷺ ووصفهم، لأن الناس على دين ملوكهم، فإذا استقام خليفة المسلمين وصار كالخلفاء الراشدين فإنهم كلهم يستقيمون، وإذا زهد في الدنيا يزهدون، وملاك الأمر كله هو الزهد في الدنيا وعدم التبسط فيها، ومن الأمثال القديمة: الناس على دين ملوكهم، وذكروا أن السبب في هذا المثل أن الوليد بن عبد الملك بن مروان، كان مشغوفاً بتشييد البنيان، فكان الناس في زمانه ليس لهم همة إلا تشييد البنيان والقصور، وفي ذلك طول الأمل والغرور، ثم ولي بعده أخوه سليمان بن عبد الملك بن مروان، فكان مشغوفاً بكثرة الأكل وتنويع الأطعمة وتكثير الألوان، فكان الناس في زمانه يتفاخرون بالتوسعة في تنويع المأكولات ونهمكون في التلذذ بالشهوات، وفي ذلك أعظم البليات، ثم ولي بعد سليمان ابن عمه عمر بن عبد العزيز بن مروان، الملحق بالخلفاء الراشدين، فكانت همته في الاشتغال بالطاعات والعدل وإقامة الدين، فكان الناس في زمنه راغبين في فعل الطاعات مستكثرين من فعل الخيرات، فقالوا الناس على دين ملوكهم، فالخليفة الأعظم هو القدوة لجميع المسلمين، وأعظم شيء يقتدون به هو فيه، فيكون به صلاحهم وانتظام أمرهم واتفاق كلمتهم، هو الزهد في الدنيا والتناول منها بقدر الضرورة والحاجة وترك الفضول الذي لا يحصل إلا بتعب ولجاجة، فإن حب الدنيا رأس كل خطيئة وبلية، والزهد فيها أصل كل خصلة سنية، ولا يكون الزهد من العامة
стр. 798
إلا بعد زهد الخاصة، فإن الخاصة هم العمدة في ذلك، والمراد من الخاصة: الملوك والسلاطين والأمراء والقضاة والعلماء. وأولى من يطلب منه الزهد في الدنيا الخليفة الأعظم الذي أقامه الله لإصلاح أمور الدنيا والدين، وإحياء الشريعة وقتال الكفار ودفع المفسدين. قال الإمام الطرطوشي في كتابه المسمى سراج الملوك: إن الخليفة إذا عدل في بيت المال، وساوى نفسه بالمسلمين في الأخذ من بيت المال بقدر الحاجة، كان المسلمون كلهم عسكراً للإسلام.
والحاصل أنه إذا زهد في الدنيا واقتصر على قدر الحاجة والضرورة في جميع الأحوال يتبعه على ذلك الوزراء والأمراء والقضاة والعلماء وجميع الناس من الرجال والنساء والأغنياء والفقراء، فإذا حصل ذلك يسهل حينئذ إقامة الشريعة والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتصير همة الجميع متوجهة لاتحاد الكلمة والاجتماع على منهج الشرع المطهر، فتحيا بذلك السنن التي أميتت، وتزول البدع التي أذيعت، وتقبل الناس على جهاد الكفار وفعل كل الطاعات، فإن الكفار إنما تغلبوا على المسلمين بسبب رغبة المسلمين في الدنيا واقتحامهم المعاصي لتحصيلها، وإزالتها مخالفة لأغراضهم الذين هم بصددها، فلا يمكن استقامتهم على مثل ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، وما داموا لم يكونوا كذلك لا يستقيم لهم أمر، وقد صح عن سيدنا أبي بكر الصديق ﵁ أنه كان كثيراً ما يقول في خطبه ومجالسه: أن هذا الأمر لا يصلح آخره إلا بما صلح به أوله، ولا يحتمله إلا أفضلكم مقدرة وأملككم لنفسه. فهذه العبارة نص صريح في أنه لا يستقيم أمر المسلمين حتى يكونوا كما كان الصحابة ﵃، وما دام الخليفة الأعظم يتبسط في الدنيا ويأخذ من بيت المال
стр. 799
ما أراد مما زاد عن حاجته، ويتكرم في العطار بما شاء على من شاء، ولا يراعي في ذلك القواعد المشروعة، ولا يسلك مسلك الخلفاء الراشدين، فإن الناس يتبعونه فلا يمكن حصول الاستقامة لهم، ولا تتحد كلمتهم ولا ينتظم أمرهم، ولا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، بل يصيرون كلهم يطلبون الدنيا ويتلذذون بالشهوات، ويرتكبون لتحصيلها أنواع الخطيئات، لأن الله تعالى أجرى عادته بين العباد أن يكون الناس على دين ملوكهم، فهذا هو السبب في عدم اتحاد المسلمين واتفاق كلمتهم.
وأما في زمن المهدي فإنه يسلك هو مسلك الخلفاء الراشدين، ويزهد في الدنيا ولا يأخذ من بيت المال إلا بقدر الضرورة، والناس يكونون في زمنه على طريقته يفعلون كما يفعل. فظهر بهذا أنه إذا زهد الخليفة الأعظم في الدنيا وعدل في بيت المال وأخذ منه بقدر حاجته من غير زيادة له ولخدمه وأتباعه واتخذ له من الخدم الذين يقومون بخدمته بقدر الحاجة أيضاً من غير زيادة، يتبعه على ذلك كافة الوزراء والأمراء والقضاة والعلماء وجميع الأبرار والفجار، والخليفة أمين على بيت مال المسلمين لا يتصرف في شيء منه إلا بحسب المصلحة العائدة النفع على الإسلام والمسلمين، فهو مثل قيم مال اليتيم لا يتصرف إلا بالمصلحة الظاهرة، فإن كان له مال خاص به يسعف به عن الأخذ من مال المسلمين، فلا يأخذ شيئاً، وإن لم يكن له مال يأخذ بقدر الحاجة كما قال تعالى: " ومن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف " فإذا فعل ذلك اقتدى به الوزراء والأمراء والقضاة والعلماء وكافة الخلق فتتحد قلوبهم وتجتمع كلمتهم، ويقبلون على فعل الطاعات ويعرضون عن فعل السيئات، ويتركون التلذذ بالشهوات، فيتم اجتماعهم على نصرة الدين،
стр. 800
ويصيرون كلهم عسكراً لنصرة الإسلام، ويقوى عزمهم على قتال أعدائهم من القوم الكافرين. وأما إذا تبسط الخليفة في مال المسلمين، وتبعه الوزراء والأمراء والقضاة والعلماء، فلا تطيب قلوب بقية المسلمين ببذل أموالهم وأنفسهم وأولادهم في قتال الكافرين، حيث يرون ملوكهم لم يساووهم، وما كان انتصار الصحابة على القوم الكافرين وفتحهم البلاد الواسعة مع الاتحاد واتفاق الكلمة، إلا بسبب مساواة أمرائهم لهم في جميع شؤونهم، وما حصل افتراق الكلمة وعدم ائتلاف القلوب، إلا لما استبد الملوك بالأموال وتبسطوا فيها، وترفعوا على بقية المسلمين وأكثروا من المكوسات والظلم بأخذ أمواله، وصرفوها في غير مصارفها، فشق على المسلمين تميزهم عنهم وترفعهم عليهم بأموالهم التي أخذوها منهم بغير حق.
ولا يظن ظان أن الخلفاء الراشدين إنما فتحوا الأمصار وانتصروا على الكفار بكثرة الصلاة والصيام، بل إنما كان ذلك بزهدهم في الدنيا وعدم تبسطهم بها وعدلهم في بيت المال، والحرص على مساواتهم للمسلمين، فطابت قلوب بقية المسلمين فبذلوا أموالهم وأنفسهم وأولادهم وجاهدوا الكفار وفتحوا البلاد، حتى كان الغزاة يتجهزون للغزو من أموال أنفسهم ويجهزون منها غيرهم إن قدروا على ذلك، ونفوسهم طيبة بذلك، وتأبى نفوسهم أن يأخذوا من بيت المال شيئاً إذا كان لهم ما يفي بذلك، لأنهم يرون أمراءهم مساوين لهم في جميع تلك الشؤون، وإذا سلك الخليفة والأمراء والعلماء هذا المسلك يرتفع عن المسلمين المكوسات والضرائب، وينتفي عنهم جور الحكام، لأنهم إنما يجورون عليهم ليتبسطوا في أموالهم ويتلذذوا بها، وإذا ساوى الحكام رعاياهم وعدلوا في بيت المال، تسخى نفوس الأغنياء بإعطاء الفقراء ويواسونهم، وتقنع نفوس الجميع بأقل القليل، فلا يبقى في المسلمين فقير، وينقاد الناس للحق وينصفون من أنفسهم،
стр. 801
فتزول المخاصمات التي كانت بينهم وتقل مرافعاتهم إلى الحكام، ويحصل بينهم كمال المحبة والائتلاف، ويرتفع كل شقاق واختلاف، وإذا عدل الخليفة في بيت المال وسلك في ترك التبسيط في الدنيا طريق النبي ﷺ والخلفاء الراشدين، كان قدوة للمسلمين، ويكون له من الأجر مثل أجر من عمل بمثل عمله من المسلمين، وكان سبباً في اتحاد المسلمين وائتلاف قلوبهم واتفاق كلمتهم، وانتصارهم على القوم الكافرين، ويكون له في ذلك من الله الرضا والرضوان في الدنيا وجنات النعيم، وتقر بذلك عين النبي ﷺ فإنه بالمؤمنين رؤوف رحيم. ويستحيل أن يحصل لهم شيء من ذلك والخليفة لم يكن كذلك، لأنهم إنما يفعلون ما يفعل، وحالهم عن ذلك لا يتحول، والتبسط في الدنيا من أعظم أسباب الفسق الموجب للهلاك، قال تعالى: " وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا " وعدم التبسط في الدنيا هو ملاك الأمر، وليس على الخليفة في سلوك هذا الطريق مشقة ولا ضيق، ولا منع من إدراك الحق ولا تعويق، وينال بغيته من الأكل والشرب والنكاح بغاية الراحة والتلذذ.
والحاصل أن استقامة الخليفة حتى يكون كالخلفاء الراشدين في عدله في بيت المال، هو السبب الأعظم في اجتماع كلمة المسلمين واتحادهم في جميع الأحوال، وعدم عدله في بيت المال سبب للافتراق في الحال والمآل، ولو صام النهار وقام الليالي الطوال، وبدون استقامة الخليفة وعدله في بيت المال كالخلفاء الراشدين لا يرجى للمسلمين فلاح، ولا يتم لهم اتحاد ولا نجاح، أطال الله عمر هذا السلطان عبد الحميد، ونظر إليه بعين العناية والرعاية والتأييد، ووفقه وأعلى مقامه وجمل به لياليه وأيامه آمين.
стр. 802
عبد الحميد أبو الاقبال بن الشيخ عبد الغني الرافعي الطرابلسي
هو الشاب الأديب، والحسيب النسيب، قال صاحب العقود الجوهرية: ولد المترجم بطرابلس الشام سنة ١٢٧٥ هجرية، ونشأ في حجر أبيه وقرأ عليه علم الأدب والعربية والفقه، وأحرز طرفاً عظيماً من الأدب، وشعره رقيق يحتوي على كل معنى دقيق. وقد أكثر في مدح السادة الرفاعية، والسلالة الأحمدية، وبيتهم القديم في طرابلس الشام معمور بالصلحاء الكرام، والعلماء الأعلام. وقال صاحب العقود الجوهرية: رأيته وهو في خدمة والده المحترم لما دخلت إلى صنعاء اليمن، وكان إذ ذاك أبوه رئيس استئنافها، ما بين هاشمها وعبد منافها، وتكحلت أنظاري بطلعة ذلك الشيخ الأكبر، وولده المومى إليه ذي الفكر الأنور، وقد علاهما النور الفاروقي، وقضيت من زورتهما بعض حقوقي، رعاية لما بيننا من حقوق النسب، وروابط الأدب، ومن نظمه مشطراً:
سرت ناقتي ليلاً فسبحان من أسرى ... بها للحمى العالي فما أحمد السرى
أضاء له صبح الهدى منه فانبرت ... إلى الساحة القعساء والحضرة الكبرى
وحطت حمول السير مثقلة على ... حضيرة قدس يزدهي تربها التبرا
وراحت كما قد رحت ملتثماً ثرى ... أريكة باب دون جبهته الخضرا
أنخت بها والفجر سل على الدجى ... سيوفاً بقايا الشهب حليهن درا
وهي قصيدة طويلة أصلها لأبي المظفر منصور الواسطي رضي الله تعالى عنه.
стр. 803
الشيخ عبد الحميد بن الشيخ عبد الوهاب السباعي الحمصي الشافعي المفتي العام بحمص البهية
العالم العلامة، والحبر البحر الفهامة، صاحب التحقيقات الفائقة، والتدقيقات الرائقة، والمعارف العالية، والفضائل السامية، كان كثير العبادة، شهير الزهادة، عالي الهمة، طويل الباع في كشف الوقاع المدلهمة، مثابراً على العلم والعمل، حسن الظن والرجا والأمل.
تولى الإفتاء بحمص على مذهب أبي حنيفة النعمان، وإن كان شافعي المذهب لأنه لم يكن أعلم منه في المذهبين في ذلك الأوان، وكانت توليته للإفتاء بعد ذهاب شيخه الشيخ إبراهيم الأتاسي إلى طرابلس الشام، ولم
стр. 804
يزل بها مفتياً إلى أن رحل إلى الآخرة دار السلام. وبلغني من بعض العلماء والسادة الفضلاء، أنه أتى في حياته إلى حمص رجل شيعي يقال له أبو مغزالة، فنزل في أطراف حمص ليحقق آمله، وصار يدس للعوام بعض عقائد الشيعة من حيث لا يشعرون به أنه مخالف، وكان يظهر لهم التقوى والعبادة والزهادة والمعارف. إلى أن مال إليه الكثير، من غير اعتراض عليه ولا نكير، وصار الناس ينوهون بذكره، ويميلون إلى إعلاء مقامه وترفيع قدره، فأخبر الشيخ المذكور بذلك، فأحضره وسأله عن سلوكه هذه المسالك، فأنكر وتنصل عما نسب إليه، وأظهر للشيخ أنه لا يعتقد هذا المذهب ولا يعول عليه، فما زال الشيخ يلقي عليه بعض مسائل، ويتوصل إلى اختبار حاله بدقيق الوسائل، إلى أن ظهر حاله وبان، وزال إنكاره وتوهيمه وبان، فقام الشيخ في الحال وضربه، وأخرجه من بلدته وأذهبه، وأظهر للناس ما أراده من المخالفة والابتداع، فتوجه ذلك الطاغي إلى جهة بعلبك والهرمل وكان بعض أهل تلك النواحي على مذهب أهل السنة والاجتماع، فدس إليهم عقائد الشيعة المخالفين، فاتبعوه من ذلك الوقت ونشأ لهم هذا من ذلك الحين.
стр. 805
وله من المؤلفات حاشية على جمع الجوامع في مجلدين ضخمين، وفتاوى في المعاملات في مذهب السيد أبي حنيفة النعمان ﵁ في ثلاث مجلدات سماها الإقناعية، وشرح على رسالة السمرقندي في البيان، ومؤلف سماه بغية الطلاب في الرد على ابن عبد الوهاب أصل الفرقة الوهابية، توفي رحمه الله تعالى سنة العشرين بعد المائتين عن بعض ستين سنة في مدينة حلب ودفن هناك وقبره معروف.
стр. 806
السيد الشيخ عبد الخالق المعروف بابن بنت الجيزي
الأجل العمدة الشريف الصالح بن أحمد بن عبد اللطيف بن محمد تاج العارفين المصري المنتهي نسبه إلى سيدي عبد القادر الحسني الجيلي ويعرف بابن بنت الجيزي، وهو أخو السيد محمد الجيزي المتوفى قبل ذلك من بيت الثروة والعز والسيادة. تولى بعد أخيه الكتابة ببيت النقابة ومشيخة القادرية وأحسن السير والسلوك مع الوقار والحشمة، وكان إنساناً حسناً كثير الحياء منحجباً عن الناس مقبلاً على شأنه، وفيه رقة طبع مع الأخلاق المهذبة والتواضع للناس والانكسار، توفي سنة ألف ومائتين وسنة واحدة.
стр. 807
عبد الخالق بن علي المزجاجي الهندي رحمه الله تعالى
علامة التحقيق، وفهامة التدقيق، ويعسوب الأفاضل، ونخبة الأماثل، من طار في الآفاق ذكره، وانتشر في العالم مقامه وقدره. وقد مدحه بعضهم بقوله:
نيطت تمائمه عليه بمنزل ... سام بأهليه على الأبراج
أهل الشمال والفضائل والعلى ... سرج الهداية هم بنو المزجاجي
تربى في حجور الترقي، وتمسك بحبال التنزه والتوقي، وأخذ العلم عن أهله، وترقى إلى أن اعترف الكل بفضله، ومناقبه مشهورة غنية عن الإطناب، ومآثره معروفة لا تحتاج إلى الإسهاب. سمع صحيح الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري الجعفي من الإمام العلامة السيد أحمد بن محمد مقبول الأهدل، وسمع منه أيضاً صحيح الإمام مسلم بن الحجاج، وكثيراً من كتب الحديث الشريفة، وكان أثرياً على مذهب السلف يعمل بالحديث، توفي ﵀ بعد الألف والمائتين رحمه الله تعالى.
السيد الشيخ عبد الرحمن بن سليمان بن يحيى مؤلف كتاب النفس اليماني ، والروح الريحاني
الكامل الفاضل، والعالم العامل، والجهبذ الهمام، والسميدع الإمام ولد ﵀ وأحسن إليه ورعاه سنة تسع وسبعين ومائة وألف، ونشأ على بديع الاستقامة وأحسن وصف، في عيشة راضية مرضية، وهمة في تحصيل العلوم سنية، وطاعة وافية، وسريرة صافية، إلى أن صار إماماً فقيهاً، وهماماً نبيهاً، ومحدثاً مفسراً أصولياً، وتقياً نقياً صوفياً عاملاً بالحديث والقرآن، تاركاً للتقليد والأخذ بقول فلان وفلان. ولم
стр. 808
يزل مجداً مجتهداً، مكباً على القرآن والحديث وعليهما معتمداً، إلى أن مرض مرض موته، وآن أوان ارتحاله وفوته. فمات ﵀ ليلة الثلاثاء بعد العشاء الأخيرة في الحادي والعشرين من شهر رمضان سنة ألف ومائتين وخمسين، وله من العمر إحدى وسبعون سنة، وأرخ بعض الفضلاء وفاته بقوله: لينهك الفردوس مفتى الأنام.
الشيخ عبد الرحمن الروزبهاني مدرس الزاوية الخالدية في بغداد
عالم علماء العصر، وإما فضلاء مصره ذي القدر، من انعقد الاتفاق على أنه عالم الآفاق، وأقر له الورى بأن من سواه ورا، وقد نشأ في حجور المعارف إلى أن صار كنز العوارف، مع الزهد والتقوى في السر والنجوى، والتخلي عن المحارم والتحلي بالمكارم. أخذ عن سادات أهل العراق، واستجازهم فأجازوه بالإجازة العامة على الإطلاق، واستفاد فأفاد وأقبل عليه الطالبون من أقصى البلاد، ولا زال يسمو ومقامه يزكو وينمو، إلى أن اختار الآخرة على الأولى، وسار لينال من مولاه مأمولاً وذلك في بغداد دار السلام، سنة سبعين ومائتين وألف من هجرة سيد الأنام، وقد أرخ وفاته شاعر العراق، وأديبها على الإطلاق، السيد عبد الباقي العمري فقال:
стр. 809
فاز هذا الضريح فوزاً عظيما ... بتقي يحكي الملائك سيما
هو حبر وصدره الرحب بحر ... أودع الله فيه قلباً سليما
ما رأى قبل لحده الناس لحدا ... ضار كهفاً ليذبل ورقيما
بعدم أم الفضل أمست كما أنه حي أبو الفضل عاقراً وعقيما
يا لبحر منه فقدنا عبابا ... زاخراً بالندى وغيثاً عميما
فترضوا عنه إذا زرتموه ... كل يوم وسلموا تسليما
فبدار السلام قد ارخوه ... حل عبد الرحمن مثوى كريما
وأرخه المذكور ثانياً:
أنت يا قبر مركز الحسنات ... وركاز المآثر الصالحات
بك عبد الرحمن حل فحلت ... معه فيك جملة البركات
وانطوت في ثراك منه علوم ... زاخرات تربو على الصيبات
قد قضى عمره بزهد وتقوى ... وصلاة مشفوعة بصلات
ببنان البيان في البحث كم قد ... حل للطالبين من مشكلات
وبقطر العراق محور فضل ... مثله لا أتى ولا هو آت
بعده أضحت المدارس حتى ... من حلى كل الأفاضل عاطلات
رجعت مطمئنة منه نفس ... وتسامت لأرفع الدرجات
وترقى بسلم العلم ارخ ... شان عبد الرحمن للجنات
وكانت جنازته غاصة بالمشيعين، وتأسف عليه الناس أجمعين. ﵀ رحمة واسعة.
الشيخ عبد الرحمن البوصنه لي بن الشيخ أحمد المغربي الحنفي شيخ مكتب الرشدية الجقمقية في دمشق الشام
صاحب المعارف في العلوم، والسابق في ميدان التقدم في المنطوق والمفهوم، الثقة المشهور بالكمال، والهمام الموصوف بأشرف الأحوال،
стр. 810
من رقى أوج الفضل وحل بناديه وتحلى بعقود مقاصد العالم ومباديه. كان كثير العبادة مهاباً محترماً عليه جلالة ووقار، وهيبة بين الأعيان والصغار والكبار، وكان حسن الأسلوب في التعليم، صاحب معرفة في التدريب والتفهيم.
قدم من الآستانة إلى دمشق الشام سنة سبع وسبعين ومائتين وألف واستقام بها، وكان موظفاً من معارف الآستانة بأن يكون معلماً أول في مدرسة الجقمقية شمال جامع بني أمية، وكانت هذه المدرسة مكتباً مقدماً على سائر المكاتب، كما أن شيخه مقدم على سائر مشايخ المكاتب، وحصل على يديه نفع كثير للطلبة في كثير من الفنون والألسنة من تركية وعربية وفارسية، وبعد مدة وجه عليه تدريس الشفا في حقوق المصطفى ﷺ في تكية السلطان سليم خان، ولم يزل قائماً بوظائفه مع كمال الهمة وبذل الجد والاجتهاد حسب الطاقة، إلى أن توفي أواخر شهر رمضان المبارك سنة إحدى وتسعين ومائتين وألف، ودفن في مقبرة باب الصغير عند قبرة العلامة العلائي صاحب الدر رحمه الله تعالى.
الشيخ عبد الرحمن العراقي الشافعي الأشعري
قد ترجمه السيد عثمان بن سند فقال: إن المشار إليه، ممن تضرب أكباد الإبل للثم يديه، ويعول في المنقول والمعقول عليه، وهو ذو فنون كم من طيها من فنون، وإشارات لها نواظر العرفان عيون، ومحاسن يشهد بحسنها الحاسدون، وشمائل يتنافس بها المتنافسون. وآيات
следующие страницы →