← Тараджим

Тараджим · id 31371

حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر

عبد الرزاق البيطار

Полный текст (1 568 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

يا خليلي وما لي أن أرى ... بعد ذاك الصدع للشمل التئاما احسب العام لديكم ساعة ... وأرى بعدكم الساعة عاما لم يدم عيش لنا في ظلكم ... أي عيش قبله كان فداما حيث سالمنا على القرب النوى ... وأخذنا العهد منها والذماما ورضعنا من أفاويق الطلى ... وكرهنا بعد حولين الفطاما أترى أن الهوى ذاك الهوى ... والندامى بعدنا تلك الندامى كلما هبت صبا قلت لها ... بلغيهم يا صب نجد سلاما وبنفسي ظالم لا يتقي ... حوبة المضنى ولا يخشى أثاما ما قضى حقاً لمفتون به ... ربما يقضي وما يقضي مراما لو ترشفت لماه لم أجد ... في الحشا ناراً ولو شبت ضراما ولأطفأت لظى نار الجوى ... ولعفت الماء عذباً والمداما شد ما مر جفا مستعذب ... من عذابي فيه ما كان غراما إلى آخرها وهي طويلة وقال: وظبي دعتني للحروب لحاظه ... وهيهات من تلك اللحاظ خلاص تصدى لحرب المستهام وما له ... سوى اللحظ سهم والنقاب دلاص فلما أجلت الطرف أدميت خده ... وأدمى فؤادي والجروح قصاص ومن قوله: وأقمار غربن فليت شعري ... إلا بعد الغروب لها طلوع أمرت القلب أن يسلو هواها ... على مضض ولكن لا يطيع وما أشكو الهوى لو أن قلبي ... تحمل بالهوى ما يستطيع وقال: وغادة لو بروحي بعت رؤيتها ... لكنت والله فيها غير مغبون

стр. 842

ما البدر والغصن أحلى من شمائلها ... كأنها من بنات الحور والعين وقال: أنعم علي بشيء أستعين به ... على المسير لعل الله يشفيني أقضي بنعماك أوقاتاً أعيش بها ... وأن أمت فهي تكفيني لتكفيني وقصائده كثيرة وأشعاره شهيرة، رحمة الله عليه وعلى والدينا ووالديه. عبد الغفور الكردي الكركوكي النقشبندي الخالدي العالم المحقق والفاضل المدقق، كنز المعارف ومدار اللطائف، وقطب الإرشاد ومنهج الصواب والسداد. أخذ عن شيوخ زمانه وعمدة وقته وأوانه، وأفاد واستفاد وكان للمريدين أحسن مراد. ثم أخذ الطريق عن علامة الدنيا ومرشدها مولانا الشيخ خالد، وبعد أن رأى فيه كمال الاستعداد أذن له بإعطاء الطريق والإرشاد، فاشتغل بالطريق على العهد الوثيق، وحصل منه النفع وعرف بالكمال بين الأنام. وكانت وفاته ﵀ بعد الألف والمائتين والأربعين. عبد الغفور الخالدي الشاهدي البغدادي العالم الفقيه والولي المرشد الكامل النبيه، العارف بالله والمستغرق في حب مولاه، صاحب الأنفاس القدسية والمعارف الأنسية، مربي السالكين ومفيد الواصلين، فإنه سلك أولاً على يد السيد عبيد الله الحيدري فلما دخل دائرة الكمال واستوى في تربيته على دائرة الاعتدال، خلفه حضرة مولانا خالد خلافة مطلقة وذلك حين عود الأستاذ المرقوم من البلاد الهندية، إلى البلاد العراقية، سنة ست وعشرين ومائتين وألف. وأذن له بالإرشاد في مدينة بغداد. ولهذا المترجم كرامات وخوارق عادات، قد ذكر بعضها صاحب المجد التالد. توفي المترجم سنة ألف ومائتين ونيف وثلاثين غالباً.

стр. 843

الشيخ عبد الغني بن محمد هلال مفتي السادة الشافعية بمكة المكرمة الإمام المتحلي بحلية الكمال، والمحتوي على أفضل الشمائل وأجمل الخلال. وكان معروفاً بالعبادة والتحقيق والزهادة والتدقيق، واليد الطولى في المعارف والفهم العالي في عويصات العوارف. ولد بمكة المكرمة ونشأ بها وأخذ عن علمائها وحضر مجالس فضلائها، ومن أجلهم عمه السيد سعيد سنبل والعلامة الشيخ عمر باعلوي سبط العلامة البصري، وبرع في العلوم وفاق في معرفة المنطوق والمفهوم، وتولى إفتاء السادة الشافعية وأخذ عنه فضلاء السادة الحجازية، توفي ليلة الخميس لثلاث مضين من شعبان المعظم سنة اثنتي عشرة ومائتين وألف رحمه الله تعالى. الشيخ عبد الغني بن عبد القادر الشهير كأسلافه بالسقطي الدمشقي الصالحي الشافعي، من الشيوخ المتقدمين في الفضل والعلوم، والأفراد المعروفين بجولان ميدان المنطوق والمفهوم. زينة العباد من العباد، وصفوة الزهاد والسادة الأمجاد. ولد سنة خمس وستين ومائة وألف، ونشأ في حجر والده المذكور وأخذ عنه وعن الشهاب أحمد المنيني، وعن العلامة الشيخ علي السليمي الصالحي، ودرس في السليمية وكان تقياً صالحاً ونقياً في العبادة ناجحاً، وقد قرأ والدي عليه أكثر الفنون، وحصل له به الفضل المصون، ومن جملة ما قرأ عليه مؤلفات القاضي زكريا الأنصاري، وأجازه بسند مذكور فيه رجاله بتواريخهم إلى القاضي المرقوم، فأحببت ذكره كذلك تتميماً للفائدة أقول: يروي والدي المولود سنة ١٢٠٦ والمتوفى سنة ١٢٧٢

стр. 844

وقد عاش ٦٦ سنة عن شيخه الشيخ عبد الغني المرقوم المولود سنة ١١٦٥ والمتوفى سنة ١٢٤٦ وعاش ٨١ سنة عن الشهاب أحمد المنيني ولد سنة ١٠٨٩ وعاش ٨٣ سنة ومات سنة ١١٧٢ عن الشيخ عبد الغني النابلسي ولد سنة ١٠٥٠ وعاش ٩٣ سنة ومات سنة ١١٤٣ عن النجم الغزي الدمشقي ولد سنة ٩٧٧ وعاش ٨٤ سنة ومات سنة ١٠٦١ عن والده البدر الغزي ولد سنة ٩٠٤ " ١٤ ذي القعدة " ومات سنة ٩٨٤ عن شيخ الإسلام القاضي زكريا الأنصاري ولد سنة ٨٢٥ وعاش ١٠١ سنة ومات سنة ٩٢٦ وبهذا السند بعينه يروى تأليف ابن حجر الهيثمي المكي ولد سنة ٩٠٩ وعاش ٦٥ سنة ومات سنة ٩٧٤ ويروى مؤلفات الشمس الرملي بهذا السند إلى النجم الغزي التهاوي عن الرملي ولد الرملي سنة ٩١٤ وعاش ٩٠ سنة وتوفي سنة ١٠٠٤ ويروى بالسند المرقوم للبدر الغزي عن السيوطي: تأليفات السيوطي ولد السيوطي سنة ٨٤٩ وعاش ٦٣ سنة وتوفي سنة ٩١٢ وبالسند المرقوم إلى البدر الغزي عن الشهاب الرملي الكبير توفي سنة ٨٥٧ ويروى كتب العارف بالله الشيخ محي الدين العربي عن الشهاب المنيني، عن العارف بالله الشيخ عبد الغني النابلسي، وأبي المواهب الحنبلي، عن النجم الغزي، عن البدر الغزي، عن القاضي زكريا الأنصاري، عن أبي الفتح المراغي، عن القطب إسماعيل الجبرتي، عن القطب الواني، عن الشيخ الأكبر قدس الله سره، ورضي الله عنهم أجمعين. الشيخ عبد الغني بن محمد شريف بن أبي المعالي محمد الغزي العامري الدمشقي ولد بدمشق في شهر ربيع الأول سنة خمس وسبعين ومائة وألف،

стр. 845

ونشأ في حجر والده المرقوم المولود سنة خمسين ومائة وألف، والمتوفى سنة ثلاث ومائتين وألف، والمدفون في مرج الدحداح. وقرأ المترجم على سادات عظام وعلماء كرام، إلى أن صار من أعلم علماء الديار الدمشقية. وتولى من بعد والده إفتاء الشافعية. وهذه الوظيفة قد تورثوها عن آبائهم إلى الجد الأعلى الشهاب أحمد الغزي المولود في غزة سنة ستين وسبعمائة، وتوفي في دمشق الشام يوم الخميس سادس شوال سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة، وكانت وفاة صاحب الترجمة عاشر ربيع الثاني سنة ألف ومائتين وست عشرة، ودفن في مرج الدحداح رحمه الله تعالى. الشيخ عبد الغني السادات الدمشقي الحنفي الإمام الكامل والعمدة الفاضل، زين العلماء وصفوة الفضلاء، له تقييدات لطيفة ورسائل شريفة. مات سنة خمس وستين ومائتين وألف ودفن في الدحداح. وكان له أخذ عن سيدي الوالد، وله عليه اعتماد زائد. ولما ألف رسالته في حكم الحائط المشترك أرسل هذه الأبيات لسيدي الوالد ضمن مكتوب طويل محتو على نثر بديع جميل، ويطلب منه أن يقرظ له على الرسالة المرقومة، ونص الأبيات: أرجوك يا بهجة الأيام مبتغياً ... أسامة الطرف في تنميقها الحسن فإن ترى حسناً فالحسن وصفكم ... فطرزوا حسنها بالمنطق اللسن لا غرو إن كسيت ثوب الجمال إذاً ... وقد هدى بسناها حائد السنن لا زال منك يراع الحسن ينشر في ... أسماعنا لؤلؤ الألفاظ بالسكني ما دبج الروض من حب الغمام وما ... قد غردت صادحات الطير في فنن وللمترجم رسائل كثيرة وقصائد وأبيات شهيرة، وأبحاث لطيفة

стр. 846

وتحقيقات طريفة. وكان تقياً عابداً نقياً زاهداً، جميل العبارة والتقرير حسن الأسلوب والتعبير. قرأ على المشايخ العظام كالشيخ عبد الرحمن الكزبري، والشيخ حامد العطار، والشيخ عبد الرحمن الكردي، والشيخ صالح القزاز، وغيرهم من السادات الأفاضل ذوي الفضائل والفواضل، وانتفع وحقق واجتهد ودقق، ونوع الأسباب في إفادة الطلاب، غير أن زمانه قد عانده وخالفه وما ساعده، فلذلك قصر به جواد التقديم، عن الوصول إلى مراتب ذوي الرفعة والتكريم، وكان أخبرني من كان يعرف حقيقة أطواره، ولم يخف عليه شيء من ظواهره وأسراره، بأن السبب الكبير في هذا التأخير، كونه ألف رسالة في تكفير أبوي النبي ﵊، وظن أن ذلك إنما يوجب له الكرامة والاحترام، وما عرف أنه لو لم يفعل لكان أولى، أو لو انتصر لهما لكان قدره عند السيد الأعظم أعلى، أعاذنا الله من كل بلوى وأحسن إلينا وإليه في السر والنجوى آمين. ومن نظمه البديع الشاهد له بالمقام الرفيع، قوله يمدح الوزير علي باشا المعزول عن بغداد: علوت لمجد فوق ما أنت آمله ... وفزت بإقبال لك العز حامله لك السعد ما هذا العلو لمبتغ ... سواكم وما في الدهر شهم يحاوله يميناً بعلياكم لقد حزت في الورى ... مقاماً على الجوزاء تعلو منازله

стр. 847

بنيت من العز المنيع دعائماً ... وقمت على بحر تفيض سواحله أبيت " وبيت الله " ذما وسبة ... وحزت نوالاً فوق ما أنت نائله شرعت من المعروف فينا شرائعاً ... بها البطل الكرار تحيا فواضله أقام بها راجيك يبسم ضاحكاً ... ينال من الخيرات ما هو آمله وقمت بإحياء الوزارة حاملاً ... لسيف غدت للنصر تعزى حمائله زرعت من الألفاظ روض محاسن ... لنا أثمرت در المعاني خمائله يرى منك في الهيجاء بأس وشدة ... وفي غيرها لطف تروق محامله رؤوف بأحوال الرعية منصف ... رحيم إذا المظلوم عزت وسائله أهنيه بالشام المنيرة منصباً ... يطرزه السعد المبين تكامله له منصب من بعدها مصر غانماً ... ومن بعدها يشتد بالختم كاهله شهامة كسرى في سخاوة حاتم ... من المهد عنه قد حكتها قوابله أتى شامة البلدان فاخضر عيشها ... وأصبح منها الغصن يحلو تمايله متى ذكرت في الحي أوصاف وصفه ... يفوح به نشر من المسك شامله فأضحى كروض البان فاح عبيره ... نسيم الربا أخلاقه وشمائله مهاب جسور لا يسمى مهابة ... وإن كان شعري قد حكته أوائله إلى هنا ما وجدته من هذه القصيدة. وله قصائد كثيرة ومقاطيع بالمدح جديرة، ﵀ وأعلى علاه، وجعل الجنة مثواه، وأعطاه مراده في الآخرة ومناه. ومن نثره ما كتبه لوالدي رحمهما الله تعالى بطلب به منه أن يقرظ له على رسالة كان ألفها فأرسل له هذه العبارة وهي: سيدي المحترم دام بالنعم وسيع الرحاب والحمى والحرم، ما انهلت صيبات سوابغ الديم. قد تعود الداعي المتطفل على ساحة الفضل والرحاب من علي القدر والعز العريض والجناب، أن تشرفوا رسائله بسلاسل سطور ألفاظكم العنبرية، وتشنفوا المسامع بدرركم الجوهرية، وأن تلبسوها قباب الإحسان

стр. 848

وتجلبوها بجلباب الامتنان، وتحلوها بسوار القبول وتقرطوها بقرط المعقول والمنقول. وتقرظوها بتقرير نظركم الاكسير، فيكون لها سير الشمس في المسير، وتصيغوا لها خلخال الجمال والبها، وتحلوا جبينها الأغر بعقود تجلت للمحاسن بها، وتوشحوها بنطاق الدلائل، وترشحوها بسلاسل السطور العنبرية والجدايل، وتكونوا أبا عذرها نصراً وفتحا وتذبون عن عرضها المصون سبة وقدحا، ذب الغيور عن الحرم، وذلك من محض الفضل والكرم، ولا تدعوا فيها للملام والمذمة غصة ونزهوها كالعروس على منصة. وقد علم القوم أنكم لا تأخذكم في الله لومة لائم، ولا ترنم طير على غصن الهوى حائم، فمنوا جنابكم كما هو عادتكم الجميلة العميمة وأحاسن محاسن أخلاقكم الكريمة، وليس عليكم في ذلك ضير " ولباس التقوى ذلك خير " ولئن منعتم ذلك لخاطر الغير وحاشا لباس تقواكم، فعندنا شاهدا عدل خطكم الشريف ولفظكم الجزل، كيف وقد قام بصدق الحديث الدليل والله يدعو إلى الحق ويهدي إلى السبيل. فكنت كما كنت سابقاً، بلسان بلبل الحق ناطقاً، وحنانيك البدار البدار، فإني قد لبست ثوب الانكسار، وتقمصت بثوب البهار، وابتهلت بظلمي للأخذ بالثار بالواحد القهار. والآن قد قمت للإهاب للسفر بعصا الترحال، والحروب سجال. والله يعز بوجودكم الدين المحمدي والإسلام، وسلام الله عليكم ورحمته ممزوجاً بمسك الختام. الشيخ عبد الغني بن طالب بن حمادة بن إبراهيم بن سليمان الميداني الحنفي بحر علم لا يدرك غوره، وفلك فضل على قطب المعارف دوره، لم يقنع بالمجاز عن الحقيقة، حتى تبوأ البحبوحة من تلك الحديقة.

стр. 849

ولديه من المعلومات ما يشق على القلم حشره، ويتعسر على الألسنة نشره، وتأليفاته التي يحق لرائيها أن ينافس بها ويفاخر، محشوة من الفوائد بما يعقل الأفكار ويقيد الخواطر. ولد في الشام في الميدان سنة ألف ومائتين واثنتين وعشرين، وربي في حجر والده، ثم بعد تمييزه قرأ القرآن، ثم طلب العلم الشريف بكل جد واجتهاد، فقرأ على الشيخ عمر أفندي المجتهد وعلى الشيخ سعيد الحلبي وعلى الشيخ عبد الغني السقطي وعلى السيد محمد عابدين وعلى الشيخ عبد الرحمن الكزبري وعلى الشيخ أحمد بيبرس وعلى والدي الشيخ حسن البيطار، فإنه لازمه ملازمة المرضعة للرضيع، وكان يكثر المديح في حقه لدى كل رفيع ووضيع، ولما طلب منه الإجازة حضرة المحترم السيد سلمان أفندي القادري نقيب بغداد كتب له بها أسماء مشايخه المرقومين، ولما ذكر والده قال وكان جل انتفاعي به. وكان ذا زهد وتقوى وعبادة في السر والنجوى، وهمة عالية ومروءة سامية، ولسان على الذكر دائب، وشهرة قد سارت في المشارق والمغارب، ومنزلة في القلوب حميدة وعقيدة في كماله وحيدة، له من المؤلفات: الشرح المسمى باللباب على متن القدوري وقد طبع مرتين لكثرة طالبيه، وشرح المراح في علم الصرف، وشرح رسالة الطحاوي في التوحيد، ورسالة وشرحها في الرسم، ورسالة سماها إسعاف المريدين لإقامة فرائض الدين وقد شرحها ولده الشيخ إسماعيل، وسل الحسام على شاتم دين الإسلام، ورسالة في صحة وقف المشاع، ورسالة في مشد المسكة، ورسالة في رد شبهة عرضة لبعض الأفاضل، ورسالة سماها كشف الالتباس في قول البخاري قال بعض الناس. وله نظم ونثر يفوق اللآلي والدر، فمما نظمه قصيدته التي مدح بها أستاذه الوالد التي صدرها بقوله: لمحررها عبد الغني يمدح فيها جناب شيخه وقدوته

стр. 850

العالم الرباني والوالد الروحاني، من تفاخرت به الأقطار، سيدي الشيخ حسن بن إبراهيم البيطار ويهنيه بوصوله بالسلامة من الرحلة الحجازية إلى وطنه دمشق المحمية، دام كما رام والسلام: ومضت بروق الحي في الظلماء ... سحراً أهاجت لاعج الأحشاء ونضت سيوف الهند في إبراقها ... فهمت عيون مدامعي بدماء ما شمتها إلا وملت ترنماً ... كتمايل النشوان بالصهباء وشفت فؤاد المستهام من الضنى ... نعم الدواء يكون إثر الداء وفكرت عهداً قد مضى فينا سقى ... عهدي القديم به غمام بكاء زار الحبيب ونوره متشعشع ... يمحو ظلام الليل الليلاء لما بدا أنشدت في تلك الربى ... شق الصباح غلالة الظلماء نادمته والشوق بين جوانحي ... أذكى لهيب الوجد والأهواء في ليلة جنت فأنور بدرها ... يحكي محيا مرتع البلغاء من قد رعى حب القلوب وقد حوى ... روض الربيع معنبر الأرجاء المرتقي رتب الفضائل والعلا ... فيها ارتقى للذروة العلياء اللوعذي الألمعي ومن غدا ... علم العلوم ومرجع العلماء المفرد العلم الذي آثاره ... دلت عليه بأصدق الأنباء إن قيل من هذا الذي تعني فقل ... من مدحه فرض على الشعراء الفاضل النحرير بدر قد سما ... " حسن " ولكن سيد الحسناء ميداننا بقدومه قد فاخرت ... أمثالها فيه مع الندماء صدر الشريعة والحقيقة والتقى ... من قلبه كالدرة البيضاء من أتقن المعقول والمنقول وافتخرت به شام على الزوراء مغني اللبيب فكفه قطر الندى ... ومطول التمداح فيه شفائي قد قام في ذكر الإله ملاحظاً ... بسوابغ الآلاء والنعماء بطريقة الصديق قد يروي الظما ... بخلوص صدق ساعة الظلماء كهف ترى النجباء في أعتابه ... تأتي له بالنظم والإنشاء

стр. 851

لا عيب فيه غير أن نظامه ... خلب العقول ببهجة وسناء وجميع من في الكون من عشاقه ... في الدين والدنيا من السعداء فجعلته بين البرية حليتي ... هو ملجأ الفقراء والغرباء لا زال كالبيت الحرام محرماً ... عند استلام الركن والإيماء والعذر لا يخفى فإني مادح ... يأتي إلى أعتابكم بعناء متخلصاً من بطؤه متشفعاً ... بالهاشمي وسيد الشفعاء المجتبى المختار من كل الملا ... وهو الذي قد خص بالإسراء صلى عليه الله ربي دائماً ... ما ناح قمري على الورقاء وعلى قرابته الذين تقدسوا ... والآل مع أصحابه النجباء من بعد مختتم أتى تاريخها ... أمواج كافور سرت كرباء سنة ١٢٤٢ ومن نثره ما كتبه لوالدي حين كان في الحجاز سنة ألف ومائتين واثنتين وأربعين: غب إهداء سلام تنطبق كلياته وجزئياته على قضايا الأشواق، وتثبت مقدماته من الأشكال ما يعجز عن وصفه خاصة الرسم والحد من الاشتياق، نخص بذلك جناب سيدنا ذي القضية الموجهة إلى كل مجد، الحملية على مقدمات العز المعدولة عن العكس والطرد، حضرة مولانا الشيخ حسن البيطار، لا برح لواء فضله منشوراً في الآفاق والأمصار، ولا زال قدره بالرفعة مشفوعاً، ومقامه الأسمى على عاتق الجوزاء محمولاً وموضوعاً، وعدوه عقيماً عن بلوغ الآمال، ذميماً على ممر الأيام والليالي إلى آخره. ومن كلامه في مدح الذات المحمدية، ذات الصفات الأحمدية: هما مقلتي طير على البان ساجع ... وتغريده المسموع للقلب صادع كأن صروف الدر القته بالنوى ... فناح على إلف له وهو خاضع

стр. 852

فقلت له يا طير قطعت مهجتي ... وهيمت مضنى وهو بالحب والع وذكرتني يوماً رمى القلب في الغنا ... ومن لي وقلبي في جوى الحب واقع فهاك حديثاً عن حقيق محبتي ... تسلسله عني دموع هوامع فقد رمقت عيني لوامع ظبية ... لها برق وجه في دجى الشعر لامع وحاجبها قد فاق حسناً وثغرها ... فريد نظام للفرائد جامع ولما بدت للصب ماست وقد رنت ... فما البرد ما الأغصان ما الريم راتع وفي البعد عنها واسع الأرض ضيق ... وفي القرب منها ضيق الأرض واسع وكل محب ما اهتدى بجمالها ... فذاك كذوب في الضلالة واقع إليها جميع الحسن يعزى أصالة ... وحسن سواها في البرية تابع إلى أن قال: إذا أقبلت فالشمس تسجد هيبة ... وإن خطرت فالغصن في الروض راكع ولي مخلص من صدها بتشفعي ... إليها بمن لي في القيامة شافع فلولاه لم نعرف لدين ولا تقى ... ولولاه لم يوجد مدى الدهر طالع ولا عيب أن قيل الغنيمي مادح ... رسول إله عبده فيه طامع فذاك عبيد للغني ومن له ... سواه إذا اشتدت عليه الموانع وله قصائد كثيرة، وفضائل معروفة شهيرة، وخيريات حسنة وتعميرات مستحسنة. وكانت الناس تأتيه بالهدايا وتقصده بعظيم الوصايا، وقد جدد عمارة الجامع الذي بجانب داره في الميدان في محلة ساحة السخانة وأنشأ له منارة عظيمة متينة. وبالجملة والتفصيل، قد كان شهماً ما له من مثيل، وقد اتسع جاهه وكثر في الناس ثناؤه، وخالطت هيبته القلوب فكان لها أجل مطلوب ومرغوب. ولم يزل على استقامته في طاعته وعبادته، وإفادته لطالبه ووارده، وإحسانه لراغبه وقاصده، إلى أن سجع على دوحه حمام الحمام، ودعاه إلى الرحلة داعي الأنام. فتوفي رحمه الله تعالى رابع

стр. 853

ربيع الأول سنة ألف ومائتين وثمان وتسعين. ولقد صلي عليه في جامع الدقاق بإمامة ولده الفاضل الشيخ إسماعيل، قدمه للإمامة شيخنا الفاضل الطنطاوي، وكان لجنازته مشهد قد غص به واسع الطريق، ودفن في تربة باب الله في أسفل التربة الوسطى من جهة الشرق، وطلب مني ولده أن أنظم له أبياتاً تكتب على القبر فقلت: همام فاضل شهم إمام ... جليل ذو مقامات شريفة ثوى في رمسه فاعجب لرمس ... حوى بحراً شمائله منيفة فوا أسفا قضى عبد الغني ... سريعاً نحبه ونحا حليفة ربيع الفضل حياً في ربيع ... بروح وارتياح مستضيفة بكاء قد أتى تاريخه زد ... لقد ماتت علوم أبي حنيفة الشيخ عبد الغني أبو محمد عز الدين بن علي بن صلاح ابن أحمد الحلبي الحنفي الحسيني العالم الأستاذ والفاضل الملاذ، والفقيه الصالح والنبيه الفالح، ولد سنة ألف ومائة وثلاثين واجتهد في الطلب والتفت إليه، وأقبل بجده واجتهاده عليه، وسمع وقرا وفهم ودرى، وأخذ عن جماعة ذوي فضالة وبراعة، منهم أبو عبد القادر صالح بن عبد الرحمن البانقوسي، فتفقه عليه وأخذ عنه الحديث، وقرأ على والده أبي محمد عبد القادر البصير، وحضر كثيراً من دروس أبي محمد مصطفى بن عبد القادر الملقي ولازمه مدة وانتفع به، وسمع من أبي العدل قاسم بن محمد النجار الجامع الصغير في الحديث. وأخذ الطريقة القادرية عن أبي عبد القادر محمد بن صالح بن رجب المواهبي، والطريقة الرفاعية عن أبي الحسن علي الصعيدي المصري، والطريقة الشاذلية عن أبي محمد عبد الوها بن أحمد الأزهري البشاري المصري، والطريقة

стр. 854

السعدية عن العماد إسماعيل السعدي. وكان حريصاً على الاستفادة والإفادة، كثير التقوى والعبادة، وفي آخر أمره انقطع إلى الذكر والإرشاد وأقبل عليه المريدون من كثير من البلاد، فانتفع به كثير من الناس، ولم يزل على صلاحه وتقواه وعبادته ودعايته إلى الله، إلى أن دعته المنية، إلى المنازل العلية بعد الألف والمائتين وخمسة ﵀. أخي وشقيقي الشيخ عبد الغني بن المرحوم الشيخ حسن بن الشيخ إبراهيم بن الشيخ حسن بن الشيخ محمد البيطار العالم الذي هو بكل وصف جميل متخلق، والعامل الذي هو بكل خلق كريم متحقق، روضة الفضل التي أشرقت أنوارها، ودوحة المجد التي أينعت ثمارها، وسماء العلم الذي تنورقت مشارقه ومغاربه، وأمطرت بالمعارف والعوارف سحائبه، سلك منذ نشأ منهج العلم والعمل، وملك من الكمالات ما يتعلق به الأمل، وقادته يد المعالي إلى الفضائل، وألبسته حلل المآثر وكسته أعلى الشمائل. ولد سنة أربعين ومائتين وألف، ونشأ في حجر والده، ثم بعد

стр. 855

قراءة القرآن الشريف حفظه مع الشاطبية على شيخ القراء في الديار الشامية الشيخ أحمد الحلواني، بالروايات السبع مع غاية الإتقان والتجويد، ثم قرأ على والده مدة من كتب النحو والصرف والفقه والحديث والتفسير والتوحيد والمنطق والمعاني والبيان والبديع، وحضر الكتب العظيمة كالتحفة لابن حجر والبخاري بطرفيه رواية ودراية والإحياء للغزالي وللخطيب التفسير والمختصر للسعد والمواهب اللدنية وغير ذلك. وقرأ أيضاً على الشيخ عبد الرحمن الكزبري والشيخ سعيد الحلبي وعلى الشيخ سليم العطار وعلى الشيخ عبد الغني الميداني وعلى الشيخ عبد القادر الخطيب وعلى غيرهم من العلماء الأعلام والسادات العظام؛ وأخذ طريق السادة الشاذلية على المرشد الكامل السيد محمد المغربي الفاسي واشتغل به كثيراً، ودأب على مطالعة كتب القوم إلى أن طالع الفتوحات المكية مع الفهم من ابتدائها إلى انتهائها، مع ترك الانهماك على الدنيا، والزهد فيما يؤدي إلى تحصيلها، وليس له شغل سوى الإفادة والاستفادة وما يوجب له التقدم الأخروي، متباعداً عن الشهوات النفسانية، كثير التحرز مما يوجب الملام عند الله، مستقيم لأطوار، يحب العزلة عن سوى الكمل الأخيار، كثير المذاكرة، جميل المحاضرة، لطيف العبارة خصوصاً في علم الإشارة، إن حضر في جمعية لا يتكلم غالباً إلا في المسائل العلمية. قد اجتمعت معه حينما كنت مشتغلاً بترجمته، وذكر شمائله وحليته، فسألني وإن كنت لا أصلح للسؤال، وأعلم أنه مستو على درجة الكمال، عن قول السيد أحمد بن إدريس: لو أطال الله عمر رجل من زمن أبينا آدم إلى قيام الساعة وهو يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله، ورجل قال لا إله إلا الله محمد رسول الله في كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله، مرة واحدة، في القيمة يسبق ذاك! ما المقصود من هذه العبارة، هل

стр. 856

هي على ظاهرها أم سلك فيها مسلك الحقيقة والإشارة؟ فطال بيننا الكلام، في هذا المقام، إلى أن قال لي: إن بعض الناس وقع من هذه العبارة في التباس، فبعضهم أنكرها وبعضهم توقف في المقصود منها وأمرني أن أكتب عليها ما يزيل حجاب الاعتراض عنها، فامتثلت أمره، وأجللت بالقبول قدره، وقلت مستعيناً بالله معتمداً على فضله وعلاه، مستمداً من فيضه العميم، أنه رؤوف رحيم: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي جازى عباده عن ذكرهم بذكره، ورغبهم في السؤال والدعاء بأمره، فأطمع المطيع والعاصي والداني والقاصي، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء وخيرة الأصفياء، وعلى آله والتابعين، وأصحابه السابقين الأولين، ما ذكر الله ذاكر وشكره على قبوله شاكر. أما بعد فيقول سيدي الشيخ الإمام أحمد بن إدريس المغربي الحسني نسباً الإدريسي من ذرية سيدنا إدريس بن عبد الله قدس الله روحه ونور مرقده وضريحه: لو أطال الله عمر رجل من زمن أبينا آدم إلى قيام الساعة وهو يقول " أي بلسانه مع تصديق جنابه لكثرة الأجر والثواب والخلاص من سوء العذاب " لا إله إلا الله محمد رسول الله بدون أن يكون مستغرق القلب بالله، متخلياً عن شهود ما سواه، بل قلبه مشغول بالأمور الدنيوية، وفكره محصور بالأحوال الدنية، قد استولى على قلبه الحجاب، على سبيل الاستيعاب، فلم يبق مع ذلك لديه مطمع لتجلي الحقائق فيه، لعدم نورانيته بتراكم ظلم الحجب على عين بصيرته، لم يطلب من ذكره مع الحجاب سوى الأجر والثواب، قد غفل عن السير في مناهج الوصول، وظن أن حالته هي المنى والمأمول، مع أن أهل الله ما ألقوا نفوسهم في المهالك، وسلكوا أصعب المسالك، وفعلوا الفرائض والنوافل وذكروا الله في البكر والأصائل، إلا ليكشف لهم الحجاب ويشهدهم بعين قلوبهم

стр. 857

رب الأرباب، فيتمتعون بوصال المحبوب، ويحوزون على المنى والمرغوب، فهذا السائر الكامل الذي لم يكن سيره طلباً لثواب، ولا رهبة من عقاب، بل كان سيره في مقامات السائرين إلى رب العالمين. وهذه المقامات ثلاثة: مقام الإسلام ومقام الإيمان ومقام الإحسان، وإنما انحصرت مقامات السائرين إلى الله تعالى في هذه الثلاثة، لأن الإنسان لما كان من مبدأ ظهوره في النشأة الدنيوية الحسية إلى أن يبلغ مبلغ التمييز والعقل، إنما كان الغالب عليه أحكام الطبع والجهل بمبدئه ومعاده، عاملاً بحكم طبعه وهواه ومراده، فعندما عقل وأحس بالمبدأ والمعاد وأخذ في السير من طبعه إلى ربه بحكم شرعه، إما أن يكون في مبدأ هذا السير مع غلبة حكم الطبع وغلبة اقتضاء النفس الملهمة فجورها، فهو في مقام الإسلام، وهذا مقام الذي قال لا إله إلا الله محمد رسول الله من زمن سيدنا آدم على الفرض إلى يوم القيامة. وإما أن يكون في وسطع وذلك بظهور أحكام الروح الروحانية على أحكام الطبع والنفس حتى تصير مقتضيات الأمور الحسية والإرادات الطبيعية والجهالات النفسية، مقهورة تحت روحانيته، ومقتضاها من الإرادات العقلية والإدراكات العلمية، فهو في مقام الإيمان الذي هو مقام قبول الروح لما غاب عن الحس، وهو مقام غربة النفس. وإما أن يكون في آخر سيره من نفسه إلى ربه فهو في مقام الإحسان، وذلك بأن يخلص من الاعتدال، لاستغنائه بالشهود عن الاستدلال، ولخلاصه من شتات الأسفار، بالحصول في محل القرار، فاتحدت العين بالعين، وزال الأين من البين، فحينئذ أفناه التوحيد عن توحيده، وجرده الوجود عن تجريده، فانطمست عين تكثيره في تفريده، وأشرقت شمس واحديته في تعديده، قد وحد الحق ذاته عنه، وأوصل بصفة البقاء إليه بعد الفناء لطيفة منه، فصح فيه قول من قال: توحيده إياه توحيده ... فهو الواحد الموحد لنفسه

стр. 858

تعالت واحديته سبحانه ... عن التوحيد بالتوحيد في قدسه وهذا هو المراد بقول سيدي أحمد بن إدريس: ورجل أي آخر قال لا إله إلا الله محمد رسول الله في كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله مرة واحدة في القيمة يسق ذاك لأنه قالها في حضرة الشهود حين انمحت الذات بالذات، والصفات بالصفات، وغابت العين بالعين وزال التعبير بالاثنين، حينئذ ما قالها إلا الله، ولا نطق بها سواه، وصح له أنه نطق بالكلمة الكريمة في كل لمحة ونفس، لأن ذلك وما فوقه لم يخرج عن كونه من الوسع الإلهي الذي هو عبارة عن التجلي بجميع المظاهر الوجودية والوجوبية والإمكانية والصورية والمعنوية والحكمية والأثرية والعينية والعلمية والفرضية والقولية والفعلية والحسية والتنزيهية والتشبيهية فكان عين جميع ذلك من وجه واحد من كل الوجوه، وكان غير ذلك جميعه من وجه واحد من كل الوجوه، فهو الواسع الذي قبل الضدين وتجلى بالوصفين، وكان عين الشيء وخلافه وتقيد فهو مقيد وانطلق فهو منطلق، وتقيد في الانطلاق وانطلق في التقييد فصدقت عليه جميع الاعتقادات، ووقعت عليه جميع العبارات، كلت الألسن عن حصر ما هو عليه، وانحسرت العقول السليمة عن الوصول إليه، أحاط الكون عدماً ووجوداً، ولم يحط الكون به، ووسع الأشياء كلها علماً وعيناً وذاتاً وصفات ولم يسعه شيء. أما قوله في الحديث القدسي ما وسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن، فهذا الوسع عند المحققين إنما هو عبارة عن قبول القلب للألوهية من حيثه

стр. 859

لنفسه على أنه الله، وهذا المعنى لا يتسع له شيء من المخلوقات سوى قلب الإنسان الكامل لأنه مظهر الذات، وما سواه فمظاهر الأفعال والأسماء والصفات، والإنسان الكامل ولو عرف أنه هو الله وتحقق بما تحقق به من الأسماء والصفات، فإنه لا يبلغ غاية الكنه الذاتي ولا يستوفيه بوجه من الوجوه، ولهذا قال الصديق الأكبر: العجز عن درك الإدراك إدراك، وقال سيد المقربين وخاتم المرسلين: لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك وقال تعالى " وما قدروا الله حق قدره " يعني المقربين والكمل المحققين من الأنبياء والمرسلين من دونهم من الأنبياء والصديقين وسائر عباد الله المؤمنين والكافرين، بل هو فرق ما عرفوه وقدره فوق ما قدروه ووراء ما دروه. فائدة في معنى " لا إله إلا الله " ليكون السالك عند قولها ملاحظاً لذلك، أي لا مستغن عن كل ما سواه ومفتقر إليه كل ما عداه، إلا الله تعالى، ولا شك عند العقلاء جميعاً أن الوجود الواحد الحق مستغن عن كل ما سواه من صور العالم ومقاديرها، وتعينات أرواحهم ونفوسهم، وأشباحهم وجميع أحوالهم، لأنه الوجود المطلق حتى عن قيد الإطلاق، وجميع العوالم مفتقرة إليه لتظهر به وتتعين فيما هي متعينة به، وهذا معنى وحدة الوجود وهو معنى الكلمة الطيبة. عائدة لا بد للمريد السالك إن كان مراده الوصول، إلى مراتب أهل الحصول،

стр. 860

من الاشتغال بالذكر دائماً بأي نوع كان من الأذكار، وأعلاها الاسم الأعظم وهو قولك الله الله لا يزيد عليه شيئاً، لأن الله ما وصف بالكثرة شيئاً إلى الذكر، وما أمر بالكثرة من شيء إلا من الذكر، فقال " والذاكرين الله كثيراً والذاكرات " وما أتى الذكر قط إلا بالاسم " الله " خاصة معرى عن التقييد فقال: " اذكروا الله ذكراً كثيراً " وما قال بكذا وقال: " ولذكر الله أكبر " ولم يقل بكذا وقال: " واذكروا الساعة حتى لا يبقى على وجه الأرض من يقول: الله الله " فما قيده بأمر زائد على هذا اللفظ لأنه ذكر الخاصة من عباده الذين يحفظ الله بهم عالم الدنيا وكل دار يكونون فيها، فإذا لم يبق في الدنيا منهم أحد لم يبق للدنيا سبق حافظ يحفظها الله من أجله، فتزول وتخرب. وكم من قائل الله الله باق في ذلك الوقت لكن ما هو ذاكر بالاستحضار الذي يستحضره أهل الله، فلهذا لم يعتبر اللفظ دون الاستحضار، فعلم من ذلك أن المريد لا ينتفع بأي ذكر كان إلا مع استحضار المعنى. والأدب الذي ذكره أهل الله في رسائل السلوك من التقوى والطاعة والعبادة والعمل بما في الكتاب والسنة وغير ذلك من المجاهدات. وصل اعلم أن الطرق شتى، ولكل طريق مرشدون يدلون الناس على الطريق الموصل إلى الله ليسلكوه، ومن المعلوم أن المرشد لا بد أن يكون على طريقة النبي ﷺ من كونه يخاطب الناس على قدر أحوالهم، فيخاطب المبتدي بما لا يخاطب به السالك. ويخاطب مريد السلوك بما لا يخاطب به مريد البركة والثواب، وله أساليب متعددة في دعاية الخلق إلى الله، لأن

стр. 861

أكثر النفوس لها ميل إلى الدنيا والراحة من تكلف مشقات العبادة، ولا تهوى أن تعمل عملاً إلا بجائزة يسهل عندها القيام بالعمل، وإن الشيخ أحمد بن إدريس كان من كبار السادة المرشدين، والقادة الداعين إلى الله والمنشدين، فأتى لهم بهذه الصيغة التي تقتضي زيادتها الأخيرة زيادة ثواب لقائلها مرة، على من يقولها طول عمره من غير هذه الزيادة. وليس مقصوده اقتصار القائل على مرة في تحصيل مراده، بل مراده أن يقول للناس في ترغيبهم إذا كان قولها مرة لها من الثواب ذلك فما بالك بالذي يلازم عليها آناء الليل وأطراف النهار، فحينئذ يلازم الإنسان على تلاوتها والحجب تتمزق شيئاً بعد شيق حتى يقع الشهود القلبي، فإذا حصل الشهود استغنى عن الذكر بمشاهدة المذكور، فلو ذكر العبد ربه في تلك الحضرة كان غير عارف بالأدب كما أن من كان بين يدي السلطان لا يناسبه تكرار اسمه جهراً على التوالي، بل ربما نسبوه إلى الجنون وأخرجوه من حضر السلطان لقلة أدبه، وكيف يكون منه ذلك وقد فني عن شهود السوى بحصوله في مقام الشهود، وقد ارتقى بفنائه عنه إلى مقام الوجود، فأي شيء له حينئذ وجود مع الله حتى ينفيه بتوحيده؟ ومن المعلوم أن النفي فرع الثبوت، وقد شهد هذا الكامل حينئذ أن الوجود لله وحده لا شريك له، وأن ما سواه ما شم رائحة الوجود أصلاً. مهم نقل أهل الشرع أنه لو قال إنسان لا إله إلا الله ألف مرة من غير أن يكررها وإنسان آخر قالها ألف مرة بالفعل هل يكونان متساويان؟ فأجابوا بأن كلاً منهما حصل العدد غير أن الذي قال ذلك مرة واحدة حصل له هذا العدد من غير مضاعفة، والذي كررها العدد المعلوم حصل له العدد مضاعفاً، وأمر المضاعفة شيء موكول علمه إلى الله ،

стр. 862

فلا يمكن إدخاله تحت حصر مخصوص، وقد علمت أن أهل الله لا يسألون عن ثواب ولا عن عقاب، بل مرادهم الوصول إلى حضرة الحكيم الوهاب، فرضي الله عنهم ورضوا عنه، ومن عليهم بما طلبوه جوداً وكرماً منه. نسأل الله أن يمن علينا بالمرام، وأن ينعم من فضله بحسن المبدأ والختام. وإلى هنا كان انتهاء الكلام بإذن الملك العلام، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين وعلى آله وأصحابه والتابعين إلى يوم الدين. حررت غرة محرم الحرام سنة خمس وثلاثمائة وألف، وتوفي هذا الأستاذ والأخ الملاذ، ليلة الثلاثا مساء سابع عشر رجب الفرد عام خمسة عشر وثلاثمائة وألف ودفن في تربة باب الله رحمه الله تعالى. الشيخ عبد الغني البقاعي الشافعي القادري الدمشقي المعروف بكل معروف والموصوف بكل فضل موصوف، كان من العلماء والسادة الفضلاء، مع عبادة وتقوى ومجاهدة في الله في السر والنجوى، وزهد وصيانة، وكمال وأمانة، وقدر وعلا، ورفعة بين الملا، واعتقاد في قلوب الناس. وكان جميل المعاشرة حسن الإيناس، وله كرامات شهيرة وخوارق كثيرة. توفي في دمشق الشام ثامن عشر ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين ومائتين وألف رحمه الله تعالى. الشيخ عبد الفتاح بن عبد الله بن صالح الكردي الشافعي الدمشقي بقية السلف الصالح، ونخبة الخلف الناجح. أخذ عن أبيه وغيره من السادة الكرام، والقادة العلماء الأعلام، مات حادي عشر رجب سنة خمس وخمسين ومائتين وألف.

стр. 863

عبد الفتاح بن أحمد بن الحسن الجوهري الشافعي الأزهري عالم أذعن له في العلوم العقلية والنقلية كل فاضل، وقال العارف بمراتب علمه لمن حاول تناولها: أين الثريا من يد المتناول، كان نزعة الأبصار ولمحة البصائر، وكعبة الأبرار ونفحة الأكابر، وملجأ المتعلم والمستفيد، وأول متصدر يستفاد منه فيفيد، أضاءت الدنيا بأنوار علومه، وتزينت بدرر منثوره ومنظومه. ولد سنة إحدى وأربعين ومائة وألف ونشأ في حجر والده، وحضر دروس العلامة الملوي وبعض دروس أبيه وغيره، ولم يكن معتنياً بإظهار جلالة العلم ولم يلبس لباس الفقهاء، بل كان يعاني التجارة والكسب. ولما توفي أخوه الأكبر الشيخ أحمد وقع الاتفاق على جلوسه في مكانه وإقرائه الدروس والتفاته للطلبة، وتقدم أمره وراج قدره، واستعت دنياه. ولم يزل حتى حصلت حوادث الفرنساوية في مصر، فصادرته فرنسا وأخذت منه خمس عشر ألف ريال فرنساوي، فعظمت همومه وتفاقمت غمومه، وسافر إلى بلدة جارية في التزامه يقال لها كوم النجار، فأقام بها أشهراً ثم ذهب إلى شيبين الكوم بلدة أقاربه، وأقام بها إلى أن مات رحمه الله تعالى سنة خمس وعشرة ومائتين وألف، وذلك بعد وفاة أخيه الشيخ محمد بنحو خمسة أيام، ودفن هناك في قرية شيبين. الشيخ عبد الفتاح العقري النقشبندي الخالدي المرشد الولي الفقيه العابد، والمقصد التقي الناسك الزاهد، صاحب الهمم العلية، والأخلاق المرضية، كان من أهل الاستقامة في التقوى منقطعاً إلى الله في السر والنجوى، أخذ الطريقة النقشبندية الخالدية فأحسن بها الاشتغال وقام على ساق الخدمة بها في الأيام والليالي، ثم لما رآه حضرة الأستاذ مولانا

стр. 864

خالد قد استعد للإرشاد وصار عنده أهلية الدعوة إلى المراد، خلفه خلافة مطلقة يعطي الطريق لمن أراد من ذوي الهمة والاستعداد. وكان رحمه الله تعالى حسن الأخلاق صافي السريرة متواضعاً متذللاً كثير الخدمة هاضماً لنفسه. توفي رضي الله تعالى عنه بعد الألف والمائتين والخمسين. الأمير الكبير السيد عبد القادر بن محي الدين الجزائري المغربي هو الهمام الكامل العارف، والإمام المتحلي بأعلى العوارف، الراسخ القدم في العلم الإلهي والكاشف عن أسرار الحقائق حتى شهدها كما هي، قد حل من طرف الفضل في سواده، وتبوأ من صدر الشرف أوج فؤاده، فمحامده تملأ المجامع والمسامع، ومناقبه تنير المطالع وتقف عندها المطامع، فلا ريب أنه مفرد الزمان القائم مقام الجمع، المستجمع لصفات الكمالات الإنسانية لدى كل منطق وسمع، فهو البحر الذي سارت فيه سفن الأذهان فلم تدرك قراره، وعجزت أفكار النظراء وألباب البلغاء عن أن يخوضوا تياره. ما برز جواد علمه في ميدان البحث إلا وازدان على قاص ودان، ويقال لمن سأل عن حقيقة حاله ليس الخبر كالعيان. وأما جوده فهو القطر الذي عم الفجاج نتاجه، والبحر الذي طاولت الأبراج أمواجه. فلله دره من كامل قد استدارت منطقة المجد حول قطب سيادته، واستنارت كواكب المعالي الزاهرات بأضواء شمس سعادته. فهذا الذي تقتبس من مشكاته أنوار التقوى والصلاح، وتختلس من جانب طوره أطوار النجاة والنجاح. وحل من الشرف في طالع سعوده، واستوى على ذروة الغرف المشيدة لبذل نداه وجوده، وشهرته قد فاقت ضوء المصباح والصباح، وسيرته قد رقت فهي لسامعها الراح

стр. 865

المباح. ولا غرو فهو فرع الشجرة الطيبة المنابت، قد ثبت أصلها وزاحمت أغصانها الثوابت، تسامت بالنسبة إلى شرف النبوة أعاليها، واخضرت بماء الفتوة أدواح معانيها ومعاليها: كل المفاخر والمناقب جمعت ... فيه على الإطلاق والتقييد والمجد مقصور عليه أثيله ... والعز تحت ظلاله الممدود تلقى برؤيته المنى أو ما ترى ... عنوانه بجبينه المسعود لو تشعر الدنيا لقالت إن ذا ... مضمون أشعاري وبيت قصيدي ومع ذلك فهو فارس ميدان اليراع والصفاح، وليث الرماح الخطية والأقلام الفلاح. فهو لعمري الموصوف حقاً ببسط الكف ما أعرض يوماً عن بذل المعروف ولا كف. فهيهات أن يصفه الواصف وإن أطال الكلام، أو أن يحكيه العارف وإن ملأ بطون الدفاتر وبرى ألسنة الأقلام. وأما ذكر نسبه الموصول بأشرف نبي وأجل رسول، فهو التقي العابد والغازي المجاهد، الأمير عبد القادر المغربي الجزائري بن السيد محيي الدين بن السيد المصطفى بن السيد محمد بن السيد المختار بن السيد عبد القادر بن السيد أحمد المختار بن السيد عبد القادر بن السيد أحمد المعروف بابن حذه مرضعته بن السيد محمد بن السيد عبد القوي بن السيد علي بن السيد أحمد بن السيد عبد القوي بن السيد خالد بن السيد يوسف بن السيد أحد بن السيد بشار بن السيد محمد بن السيد مسعود بن السيد طاووس بن السيد يعقوب بن السيد عبد القوي بن السيد أحمد بن السيد محمد بن السيد إدريس الأصغر بن السيد إدريس الأكبر بن السيد عبد الله بن السيد الحسن المثنى بن السيد الحسن السبط بن السيد علي بن أبي طالب

стр. 866

وفاطمة الزهراء بنت سيد العالمين، وإمام الأنبياء والمرسلين، محمد ﷺ وشرف وعظم وكرم: نسب كأن عليه من شمس الضحى ... نوراً ومن فلق الصباح عمودا وقد نظم هذا النسب الشريف صاحب المقام العالي المنيف السيد محمود أفندي حمزة مفتي دمشق الشام رحمه الله تعالى فقال: يا حبذا الوعد والإنجاز يصحبه ... حاشا علاكم بأن الخلف يعقبه حيا فأحيا ظنوناً غير نائية ... لولاه كانت قضت مما تراقبه وافى البشير به والفكر في قلق ... والقلب في حرق هم يقلبه والجفن في أرق والعين في غرق ... والصبر في فرق كرب يداعبه ومذ تفوه قام الحزن مرتحلاً ... عنا بعسكر لوم لست أنحبه وباشر البشر في ضرب الخيام على ... قاع السرور فكم ذا كنت أرقبه فالحمد لله حيث الفضل في ملك ... مسلسل الأصل يعلو حين تنسبه العالم العامل الغازي أخو ورع ... الزاهد المنتقى للخير ينتبه السيد الفرد عبد القادر الحسني ... من سيفه ملك الإفرنج يرهبه نجل المحقق محيي الدين سيدنا ... من ضاء من علمه شرق ومغربه ابن الإمام الهمام المصطفى كرماً ... من كل محمدة في الكون تطربه ابن الممجد ركن العز أوحدهم ... محمد من غدا في الحمد مذهبه ابن الهمام هو المختار قدوتنا ... عند الثريا مقاماً كنت تحسبه ابن السميدع عبد القادر الورع المز ... دان بالقدر رفعاً لست تنصبه ابن الشريف هو المختار أحمد من ... فعل المحامد والإحسان مشربه ابن الممجد عبد القادر الحسن ال ... أخلاق فوق الدراري كان مطلبه ابن المسمى بحذه عند نسبتهم ... أخدوده واصل لله راكبه

стр. 867

ابن التقي الذي سموه أحمد من ... وسائط الحمد للتوفيق تجذبه ابن الذي مر في عز وفي شرف ... محمد من لذيل الفخر يسحبه ابن المسمى بعبد للقوي لما ... أبداه في دين مولاه تصلبه ابن الكريم علي من سما عظماً ... حتى غدا في علاه البدر يرقبه ابن الجواد العفيف السمح أحمد من ... أعي اليراع لفضل فيه حاسبه وهو ابن عبد القوي الله سدده ... قواه في ضمن تقواه تقربه ابن الذي خلد الفردوس خالدهم ... فالحور في روضة الرضوان تخطبه ابن السمي إلى الصديق يوسف من ... قميصه من عفاف قد جاذبه ابن الهمام جليل القدر أحمد من ... ساد المعالي بطرق المجد يركبه ابن المبجل بشار الكرام ومن ... سمت لدى الخلق بالبشرى مراتبه ابن المكرم فرع المجد واحده ... محمد من صفات الحمد تصحبه ابن المهذب مسعود الطوالع من ... في الشرق والغرب لا يخشى تحجبه ابن المفاخر طاووس بنسبته ... إلى المعالي ولا عجب يصاحبه ابن المسمى إلى يعقوب سيدنا ... من صبره لم تضق فيه مذاهبه ابن الشديد لأمر الله قدوتنا ... عبد القوي فذا يحلو تعصبه ابن الكريم المفدى ذاك أحمد من ... ركن المعالي به تسمو جوانبه ابن المعظم نسل الملك قسوره ... محمد من سمت فينا رغائبه ابن المتوج تاج الملك في رحم ... إدريس أصغرهم تزهو كتائبه ابن المسمى بإدريس المليك فكم ... خاض المفاخر فيه الدهر أشهبه ابن المكمل عبد الله كاملهم ... من حصر أوصافه يعيي تطلبه ابن الإمام المثنى فضله حسن ... من جمع إحسانه ما لست أكتبه وهو ابن سبط الرسول المنتقى حسن ... من كان سيده المختار ناسبه وهو ابن فاطمة الزهراء سيدة النساء ... طراً كما الأخبار تعربه وهي ابنة الخاتم الهادي محمدنا ... من شرف السلك في الأنساب كوكبه

стр. 868

صلى عليه مع التسليم خالقنا ... ما ضاء في العالم العلوي موكبه والآل والصحب ما أرخت أي وطر ... يا حبذا الوعد والإنجاز يصحبه ولد ﵁ وأرضاه في القيطنة من أعمال معسكر بالمغرب الأوسط يوم الجمعة الثالث والعشرين من رجب سنة اثنتين وعشرين ومائتين وألف من الهجرة النبوية، ونشأ رحمه الله تعالى في حجر والده إلى أن شب بالعفة والصيانة والطاعة والأمانة مرضي الحال محمود الأقوال والأفعال، مشهوراً بين أقرانه بالجد والاجتهاد دائباً على المطالعة والحفظ والرياضة والانفراد، قد ظهرت عليه من صغره لوائح الفلاح، وتقلد منذ تمييزه بمقاليد الصلاح والنجاح، وأخذ الفقه عن والده عمدة المحققين إمام الكل في الكل السيد محيي الدين، والفقه وغيره عن غيره من العلماء والسادة القادة الفضلاء، ثم رحل للطلب إلى هوران، فأخذ عن علمائها ذوي الإتقان. وكان يحفظ أكثر البخاري متضلعاً باللغة العربية، وله بذلك وبغيره اليد العلية، ولم يزل يكرع من شراب العلم كؤوساً روية، ويلبس للجولان في ميدان القيام بأنواع العبادات دروعاً قوية، وعين الرعاية ترعاه وتساعده على ما قصده وعناه، ويد الرفعة تشير إليه وتطرح تقاليد السعادة بين يديه، إلى أن صار عين زمانه وحدقة إنسان عصره وأوانه، وقد افتخر به من خلف على من تقدم من الأعلام وسلف، ومع ذلك فكان ذا شجاعة علوية، وأخلاق وأوصاف محمدية. ولما قصد حضرة والده البلاد الحجازية، أخذه معه للتشرف بتلك الأماكن والأخذ عن ذوي المراتب الألمعية، فمشى مع والده براً إلى تونس، ثم ركب معه البحر إلى الإسكندرية، ومنها سار إلى مصر ثم إلى السويس فركب معه إلى جدة ومنها إلى مكة، فحج مع والده وزار واعتمر وأدى بقية المناسك

стр. 869

كما أخبر النبي وأمر، ثم سار معه إلى المدينة المنورة، فزار قبر جده الشريف وصلى بالمسجد النبوي المنيف، ثم سار معه إلى دمشق الشام، فأقام بها مدة وأخذ عن علمائها السادة الأعلام، كما أخذ عن أهل غيرها ممن مر عليهم في طريقه، غير أنه قد استقام في دمشق الشام مدة، قد بذل بها في طريق النقشية اجتهاده وجده، ثم سار إلى مدينة بغداد لزيارة السيد عبد القادر الجيلاني كعبة الإسعاد، فتكمل بهذه الرحلة، ونال ممن اجتمع بهم من ذوي الفضل كل نحلة، ولبس الخرقة القادرية من يد الأستاذ نقيب الأشراف وخليفة السيد عبد القادر سيدي السيد محمود القادري ذي الفضل الباهر، ثم رجع إلى مكة المشرفة مرة ثانية فحج وزار وتبرك بتلك الآثار السامية، ثم رجع مع والده إلى الأوطان وحالها مضمحل معدوم الراحة والأمان، وقد طال عليهم الأمد وتوالى عليهم الكرب والنكد، وتطاولت إليهم يد الأجانب، وأحاط بهم الهم والغم من كل جانب، وكثر بينهم الفساد وانحازت طوائفهم نحو التخالف والعناد، فتارة يرون كف العدو فرضاً، وتارة يحارب بعضهم بعضاَ، وقد يئسوا من نجدة الدولة العثمانية التي لها عليهم السيادة الحقية، وظهر لهم عجز جارهم سلطان المغرب الأقصى، وبحر الفتن لديهم لا تحد أمواجه ولا تحصى، فاجتمع العلماء والأشراف وأعيان القبائل من العرب وذوي الإنصاف، وقدموا على حضرة والد المترجم السيد محيي الدين وألزموه إما أن يقبل بيعتهم على الملك لنفسه وإما أن يقبلها لولده المترجم المرقوم، ولم يقبلوا له من اعتذار بل أصروا عليه غاية الإصرار، فنظر في هذا الأمر فوجد الاهتمام به واجباً، وقد خطبته هذه الإمارة ولم يكن لها طالباً. بيد أنه لا يقدر على القيام بها بنفسه لكبر سنه وعجزه، فاختار لها ولده المترجم المذكور ذا الفضل الباهر والمشهور، حيث أنه بلغ أشده ونال من الكمال حده، وترشح للإمامة وتأهل لها، حتى لم تكن تصلح

стр. 870

إلا له ولا يصلح إلا لها، لما كان محتوياً عليه من علو الهمة واستقامة الأطوار، وقوة الملكة وتحمل المكاره وحسن الاصطبار، والشجاعة والعلم والسماحة والحلم، والقوة والعزم والإزماع والحزم، والنباهة والتيقظ والمواراة من المخاوف والتحفظ، والعبادة والتقوى في السر والنجوى، إلى غير ذلك من أنواع الفضائل وبديع الشمائل، التي لا بد للملك منها ولا غنى له عنها. فلما علموا من والده الشريف الإجابة ورأوا ما عند المترجم من البسالة والنجابة، نادى المنادون بلا توان باجتماع الأكابر والأعيان. فاجتمع العلماء والأشراف، وأهل الصولة من الأطراف، وكان اجتماعهم بوادي فروحه من غريس فجلس سيدي المترجم تحت دردارة هناك عظيمة، وتقدم والده إليه فبايعه ثم بايعه الناس بيعة عميمة. وفي الحال لقبه والده بأمير المؤمنين ناصر الدين، وكانت هذه البيعة خصوصية في محل معلوم، لكنه لما تسامع خبرها حضر إليه الناس من كل جانب وبايعه العموم، حتى أنه لم يبق أحد ممن لم يحضر إلا وقد صدق على بيعته واتقاد لسلطنته وإمرته، وكان ذلك سنة ألف ومائتين وثمان وأربعين، فأسس ربوع الخلافة والسلطان، وشيد أركان دولته برفع الظلم وهدم جدار الطغيان، ثم قامت الحروب بينه وبين الفرنسيس على ساق، واتسع الخرق وقوي الشقاق، ولم يزل يصول عليهم ويوجه سهام الموت الأحمر إليهم، إلى آخر تلك القصة، التي لا يساعدنا الاختصار على ذكر تفصيلها. وقد ألف سعادة ولده الأمير السيد محمد باشا كتاباً مستوفى في ذلك ذكر فيه ترجمة حاله مفصلة من ابتدائها إلى انتهائها. وكتب المؤرخ الفاضل الشيخ محمد بيرم التونسي في كتابه صفوة الاعتبار، فقال: اعلم أن الدولة الفرنساوية لما ترقت في المعارف لا سيما في الأعصر الأخيرة لازمها حب الظهور، وعدم تحمل الهوان، وكانت الدولة العثمانية في شغلها الشاغل من أعمال الينكشارية وحروب الروسية وثورات اليونان وطغيان ولاة الأقاليم وعدم امتثالهم للأوامر، وكان والياً على الجزائر، حسين باشا وكان مستبداً ظلوماً مرتشياً قليل التدبر، وحصل منه إهانة لقنصل فرانسا، وذلك على ما في تاريخ ابن الضياف أن أحد التجار اليهود الأغنياء الجزائريين الملقب ببقرى أبو جناح، له خطلة مالية مع تجار من الفرانسيس، وتداعوا في خسائر من الجهتين، وانتصر حسين باشا لرعيته بالإلحاح على قنصل فرانسا في إنصافه، وآل الأمر إلى صلح يدفع على مقتضاه التجار الفرنساويون إلى التاجر الجزائري مالاً عظيماً وافراً، وأضمر حسين باشا أخذ المال لنفسه لما رآه ذريعاً وراجعاً لرعيته، وتلك كانت من عادته المألوفة له عن أمثاله. ولما قرب دفع المال وإذا بتجار أخر فرنساويين قاموا على بقرى المذكور بدين أوقفوا عليه المال الذي يريد قبضه، فتكدر حسين باشا لذلك كدراً عظيماً وطلب من القنصل رفع الإيقاف، وقال: إن أرباب الدين الفرنساويين يتبعون ذمة المديون بعد قبضه المال، حيث أنه لا حق لهؤلاء الطالبين في المال الذي يدفعه الفرنساويون، فامتنع من ذلك القنصل مستنداً إلى أن المال مال المديون والغرماء حقه عليهم، فحجزوا على المال لاستيفاء حقهم منه، وكان الديون قد دبر هذه الحيلة خوفاً على ماله من الهلاك باستيلاء الباشا عليه، فأعرض الباشا عن القنصل، وكاتب دولة فرنسا فأرسلت الدولة المكتوب بعينه إلى القنصل وأمرته بالجواب عنه، فذهب القنصل عند الباشا لمآرب أخر، فخطابه الباشا في استبطاء جواب مكتوبه الذي أرسله لدولة فرانسا، فقال له القنصل إن المكتوب أرسلته الدولة إلي وأمرتني بالجواب عنه، فسأل عن سبب عدم إجابة الدولة له، فأجابه بما فهم منه احتقاره، وكانت بيد الباشا منشة يطرد بها الذباب فضرب بها وجه القنصل وطرده، وبقي آسفاً على ما فاته من مال بقرى. ثم أن فرانسا تهددت الوالي المذكور على إهانة نائبها، وألحت عليه بأن يطلب منها الرضى ويعترف بالخطأ فأبى وأصر على غلطه، مع أن الدولة العثمانية والدول الأجانب وخواص الأعالي قد حسنوا ذلك له، ودولته أمرته أمراً قطعياً بذلك فأبى، وقد كانت فرانسا في شغل من داخليتها في ذلك الوقت لأن ذلك كان أثر حرب نابليون الأول، وكانت أيضاً متوقية المشاحنة مع العرب ومع الدولة العثمانية، حتى رضيت فرنسا بأن يكلف الباشا أي إنسان كان في باريس بطلب الترضية لكي تندفع هذه المعرة، ولا تلحقه هو مذلة بإرسال أحد من متوظفيه إلى " القنصلاتو " ولا إلى باريس، وكان قصدها بذلك اجتناب الحرب ما أمكن لاشتغالها بحروبها وأحزابها الداخلية، فأصر الوالي على رأيه، وأرسلت فرانسا أسطولها وحاربت بلد الجزائر، واستولت عليها، وحمل ذلك الوالي إلى باريس، ثم مات في إسكندرية. هـ بأمير المؤمنين ناصر الدين، وكانت هذه البيعة خصوصية في محل معلوم، لكنه لما تسامع خبرها حضر إليه الناس من كل جانب وبايعه العموم، حتى أنه لم يبق أحد ممن لم يحضر إلا وقد صدق على بيعته واتقاد لسلطنته وإمرته، وكان ذلك سنة ألف ومائتين وثمان وأربعين، فأسس ربوع الخلافة والسلطان، وشيد أركان دولته برفع الظلم وهدم جدار الطغيان، ثم قامت الحروب بينه وبين الفرنسيس على ساق، واتسع الخرق وقوي الشقاق، ولم يزل يصول عليهم ويوجه سهام الموت الأحمر إليهم، إلى آخر تلك القصة، التي لا يساعدنا الاختصار على ذكر تفصيلها. وقد ألف سعادة ولده الأمير السيد محمد باشا كتاباً مستوفى في ذلك ذكر فيه ترجمة حاله مفصلة من ابتدائها إلى انتهائها. وكتب المؤرخ الفاضل الشيخ محمد بيرم التونسي في كتابه صفوة الاعتبار، فقال: اعلم أن الدولة الفرنساوية لما ترقت في المعارف لا سيما في الأعصر

стр. 871

الأخيرة لازمها حب الظهور، وعدم تحمل الهوان، وكانت الدولة العثمانية في شغلها الشاغل من أعمال الينكشارية وحروب الروسية وثورات اليونان وطغيان ولاة الأقاليم وعدم امتثالهم للأوامر، وكان والياً على الجزائر، حسين باشا وكان مستبداً ظلوماً مرتشياً قليل التدبر، وحصل منه إهانة لقنصل فرانسا، وذلك على ما في تاريخ ابن الضياف أن أحد التجار اليهود الأغنياء الجزائريين الملقب ببقرى أبو جناح، له خطلة مالية مع تجار من الفرانسيس، وتداعوا في خسائر من الجهتين، وانتصر حسين باشا لرعيته بالإلحاح على قنصل فرانسا في إنصافه، وآل الأمر إلى صلح يدفع على مقتضاه التجار الفرنساويون إلى التاجر الجزائري مالاً عظيماً وافراً، وأضمر حسين باشا أخذ المال لنفسه لما رآه ذريعاً وراجعاً لرعيته، وتلك كانت من عادته المألوفة له عن أمثاله. ولما قرب دفع المال وإذا بتجار أخر فرنساويين قاموا على بقرى المذكور بدين أوقفوا عليه المال الذي يريد قبضه، فتكدر حسين باشا لذلك كدراً عظيماً وطلب من القنصل رفع الإيقاف، وقال: إن أرباب الدين الفرنساويين يتبعون ذمة المديون بعد قبضه المال، حيث أنه لا حق لهؤلاء الطالبين في المال الذي يدفعه الفرنساويون، فامتنع من ذلك القنصل مستنداً إلى أن المال مال المديون والغرماء حقه عليهم، فحجزوا على المال لاستيفاء حقهم منه، وكان الديون قد دبر هذه الحيلة خوفاً على ماله من الهلاك باستيلاء الباشا عليه، فأعرض الباشا عن القنصل، وكاتب دولة فرنسا فأرسلت الدولة المكتوب بعينه إلى القنصل وأمرته بالجواب عنه، فذهب القنصل عند الباشا لمآرب أخر، فخطابه الباشا في استبطاء جواب مكتوبه الذي أرسله لدولة فرانسا، فقال له القنصل إن المكتوب أرسلته الدولة إلي وأمرتني

стр. 872

بالجواب عنه، فسأل عن سبب عدم إجابة الدولة له، فأجابه بما فهم منه احتقاره، وكانت بيد الباشا منشة يطرد بها الذباب فضرب بها وجه القنصل وطرده، وبقي آسفاً على ما فاته من مال بقرى. ثم أن فرانسا تهددت الوالي المذكور على إهانة نائبها، وألحت عليه بأن يطلب منها الرضى ويعترف بالخطأ فأبى وأصر على غلطه، مع أن الدولة العثمانية والدول الأجانب وخواص الأعالي قد حسنوا ذلك له، ودولته أمرته أمراً قطعياً بذلك فأبى، وقد كانت فرانسا في شغل من داخليتها في ذلك الوقت لأن ذلك كان أثر حرب نابليون الأول، وكانت أيضاً متوقية المشاحنة مع العرب ومع الدولة العثمانية، حتى رضيت فرنسا بأن يكلف الباشا أي إنسان كان في باريس بطلب الترضية لكي تندفع هذه المعرة، ولا تلحقه هو مذلة بإرسال أحد من متوظفيه إلى " القنصلاتو " ولا إلى باريس، وكان قصدها بذلك اجتناب الحرب ما أمكن لاشتغالها بحروبها وأحزابها الداخلية، فأصر الوالي على رأيه، وأرسلت فرانسا أسطولها وحاربت بلد الجزائر، واستولت عليها، وحمل ذلك الوالي إلى باريس، ثم مات في إسكندرية. فداء الجزائر قد ابتدأ منذ انخرم أمر الينكشارية في القسطنطينية التي هي مقر الدولة العامة، ونشأ عنه ما نشأ من فساد الإدارة والولاة، إلى أن أصيبت عدة جهات وباء حسين باشا بالخزي، وأثم الظلم والخراب والتهور الذي كان أعظم النكبات، وانتقلت حالة الجزائر بل وحالة السياسة في شطوط إفريقية الشمالية إلى طور آخر انتهى. وكان مبدأ استيلاء فرانسا على الجزائر سنة ست وأربعين ومائتين وألف،

стр. 873

في مدة كارلوس العاشر ملك فرانسا، وتمكن الفرانسيس أولاً من القاعدة وما حولها، لكن بقية الجهات أصروا على الامتناع من الطاعة لفرانسا، لأنها إنما أرادت الانتقام من الوالي حسين باشا وقد حصل، فالجهات الشرقية من القطر انفرد بالحكم فيها الحاج أحمد باي قسنطينة، والجهات الجنوبية والغربية تشتت تحت رؤساء القبائل، ورام الفرنساويون محاولة تطويعهم بالرفق بأن يتولى الأمر في وهران والي تونس، بإرسال أحد عائلته أو أحد متوظفيه، فأرسل والي تونس واحداً من جهته ومعه شرذمة من الحرس، فلم ينفذ أمره في مدين وهران فضلاً عن خارجها، فرجع من حيث أتى. ثم أجمعت الجهات الغربية والجنوبية على مبايعة الرجل الوحيد سلالة النسل المطهر الأمير السيد عبد القادر الجزائري بن محي الدين الحسني، وقام لله حق القيام وصحبته النصرة الإلهية في كثير من الوقائع، إلى أن كان في بعضها ما هو خارق للعادة من الكرامات، كطفر فرسه الأزرق به ستين متراً وحين أحاطت به العساكر الفرانساوية كالحلقة، وراموا مسكه باليد فطفر به فرسه على رؤوس العساكر وأسلحتهم ذلك المدى ونجا راكضاً إلى منعته، ودام محارباً لهم نحو سبع عشرة سنة، واستقامت له حكومة ضرب فيها السكة باسمه وأنشأ المدافع والبنادق ونفذ أمره وخشيته فرانسا، وأرسل إلى الحاج أحمد باي ليتحدا ويكونا يداً واحدة، فامتنع تجبراً وطغياناً، وكان ذلك سبباً لتأخر أمره وحطته وغدره، وتنكيس أعلامه واستيلاء الفرانساوية على ما كان تحت أحكامه. وبقي الأمير السيد عبد القادر مدافعاً ومهاجماً إلى أن سولت الغلطات النفسانية المخالفة للديانة الإسلامية لسلطان المغرب الاتحاد مع الفرنسيس على محاربة الأمير السيد المشار إليه، وقطع عنه سلطان المغرب خط التجائه إلى جهات الصحراء، فاضطر

стр. 874

حضرة الأمير إلى التسليم للفرنسيس، بعد المشاورة مع وكلائه ووزرائه وأمرائه، حيث سدت المناهج والمسالك وعز الخلاص، ولات حين مناص: إذا لم تكن إلا الأسنة مركباً ... فما حيلة المضطر إلا ركوبها فأرسل المترجم رسوله إلى قائد الفرنساويين بالميل إلى التسليم، على شروط أرسلها له في رقيم، فقبلها القائد وأظهر الفرح، وزال عنه الغم والترح، ووجه إلى المترجم هدية ذات شان، مفيدة للتودد والأمان، وصدق له على عهده، وأظهر له من الاحتفال غاية جهده. ثم بعد أيام نزل بعائلته ومن معه من خاصته في البارجة الحربية إلى أن وصل إلى دينة أمبواز وبداخلها صرايا عظيمة حصينة، فوضع المترجم بها هو ومن معه، وكان ذلك في شعبان سنة ألف ومائتين وأربع وستين، ثم نقل الأمير منها إلى مدينة بوردو، ثم إلى مدينة نانت، ولما فصل رئيس جمهورية فرانسا وتولاه البرنس لويس نابليون، فاجتهد غاية الاجتهاد وسلك مناهج السداد، في تخليص الأمير من سجنه، وتسريحه إلى مكان يحول بينه وبين كدره وحزنه، فلم يزل يوجه إليه الرسائل، ويعمل في الحضور لديه الوسائل، إلى أن توجه نابليون إلى امبواز، ووعده بالوفاء بالعهد على الحقيقة لا المجاز، وقال له إنك بعد أيام تكون في باريز عاصمة ملكنا، ويكون لك كمال القدر عندنا، وكان قد أقام في امبواز أربع سنوات، فما مضى قليل من الأيام إلا وجاء الأمر بحضور الأمير إلى باريز بالجلالة والاحترام، فدخل في موكب لم يكن لغيره، وساق الله إليه جميل بره وإحسانه وخيره. ولم يزل في عز واحترام وجلالة وإعظام. يدور حيث شاء ويجتمع مع الأكابر والعظماء، إلى أن صدر الأمر من الذات الإمبراطورية بتسريح

стр. 875

حضرته الآستانة العلية، وذلك في ربيع الأول سنة تسع وستين ومائتين وألف، فسافر هو ومن معه إلى الآستانة ولا يمر في طريقه على بلدة إلا ويتلقاه أهلها بالحبور وغاية السرور إلى أن وصل إلى الآستانة دار الخلافة العثمانية، واجتمع بأمير المؤمنين مولانا السلطان عبد المجيد فأجله وعظمه وأكبره واحترمه، وقال له أنت صاحب الرأي في سكناك في أل محل شئت من الممالك العثمانية والبلاد الإسلامية، فخرج من عنده حامداً شاكراً، داعياً له بدوام السعادة أولاً وآخراً، وأنشأ هذه القصيدة وقدمها لحضرته العالية السعيدة، وهي: الحمد لله تعظيماً وإجلالا ... ما أقبل اليسر بعد العسر إقبالا والشكر لله إذ لم ينصرم أجلي ... حتى وصلت بأهل الدين إيصالا وما أتت نفحات الخير ناسخة ... من المكاره أنواعاً وأشكالا وامتد عمري إلى أن نلت من سندي ... خليفة الله أفياء وأظلالا فالله أكرمني حقاً وأسعدني ... وحط عني أوزاراً وأثقالا قد طال ما طمحت نفسي وما ظفرت ... لكن للوصل أوقاتاً وآجالا اسكن فؤادي وقر الآن في جسدي ... فقد وصلت بحزب الله أحبالا هذا المرام الذي قد كنت تأمله ... هذا مناك فطب حالاً بما آلا وعش هنيئاً فأنت اليوم آمن من ... حمام مكة إحراماً وإحلالا فأنت تحت لواء المجد مغتبطاً ... في حضرة جمعت قطباً وأبدالا وته دلالاً وهذا العطف من طرب ... وغن وارقص وجر الذيل مختالا آمنت من كل مكروه ومظلمة ... فبح بما شئت تفصيلاً وإجمالا هذا مقام التهاني قد حللت به ... فارتع ولا تخش بعد اليوم أنكالا وابشر بقرب أمير المؤمنين ومن ... قد أكمل الله فيه الدين إكمالا عبد المجيد حوى مجداً وعز علاً ... وجل قدراً كما قد عم أفضالا

стр. 876

كهف الخلافة كافيها وكافلها ... من لا عهدنا له في القرن أمثالا يا رب فاشدد على الأعداء وطأته ... واحفظ حماه وزده منك إجلالا واظهرن حزبه في كل متجه ... وسددن منه أقوالاً وأفعالا وابسط يديه على الغبراء قاطبة ... وذللن كل من في لأرض إذلالا فالمسلمون بأقصى الغرب طامحة ... أبصارهم نحو يرجون إقبالا كم خائف يرتجي أمناً بسطوته ... وحائر يرتجي للحزن تسهالا فرع الخلافة وابن الأكرمين ومن ... شادوا عرا الدين أركاناً وأطلالا كم أزمة فرجوا كم غمة كشفوا ... كم فككوا عن رقاب الخلق أغلالا هم رحمة لبني الإيمان سائرهم ... هم الوقاية أسواء وأهوالا أنصار دين النبي بعد غيبته ... في نصره بذلوا نفساً وأموالا قد خصهم ربهم في خير منقبة ... ما خص صحباً بها قبلاً ولا آلا كم حاول الصحب والآل الكرام لها ... والله يختص من قد شاء إفضالا ما زال في كل عصر منهم خلف ... يحمي الشريعة أقوالاً وأفعالا حتى أتى دهرنا في خير منتخب ... من آل عثمان أملاكاً وأقيالا قد كنت مضمر خفض ثم أكسبني ... رفعاً وقد عمني جوداً وأفضالا وبالإضافة بعد القطع عرفني ... وقد نفى عني تصغيراً وإعلالا هذا وحق علاه منتهى أملي ... قد حط عني بمحض الفضل أثقالا لا زال تخدمه نفسي وأمدحه ... مستغرق الدهر أبكاراً وآصالا أهدي مديحي وحمدي ما حييت له ... أفادني أنعماً جلت وإقبالا جزاه عني إله العرش أفضل ما ... جازى به محسناً يوماً ومفضالا ولم تزل الباخرة واقفة على الآستانة عشرة أيام، وهو في كل يوم يزور الكبراء والعظماء والوكلاء ويزورونه، وقد كفله السلطان عبد المجيد

стр. 877

حينما طلبت دولة فرانسا من السلطان المومى إليه أن يكفله، وبعد أن استقام عشرة أيام، والطعام في كل يوم يأتيه من السرايا إلى الباخرة، توجه إلى بروسة فدخلها يوم الاثنين السابع من ربيع الثاني سنة ١٢٦٩ وتلقاه واليها خليل باشا صهر الذات الشاهانه ومعه العلماء والوزراء والكبراء، ثم أنه لم يستقر به الأمر أياماً حتى جاء عنده خليل باشا بأمر السلطان المعظم يخبره بأن مراد الدولة العلية أن تعين له معاشاً يكفيه مع الاتساع هو ومن يلوذ به، فسر المترجم بذلك، ووجه لأمير المؤمنين ما يليق من الدعوات، غير أنه اعتذر بأن إمبراطور فرنسا قد عين له ما يكفيه ويكفي من معه، وأما حضرة أمير المؤمنين فإن ما أسداه إليه من كفالته عند فرنسا فإنها هي المنة التي لا تقابلها منة، حيث أنه لولاها لم يتيسر له الخروج من بلاد فرنسا. ثم أنه لما رأى ما عرا هذه المدينة من كثرة الزلازل، ورأى أن جماعته قد ضاقت صدورهم من الإقامة بها، وقد تحسن عندهم تبعاً لسعادة الأميرة الرحلة إلى دمشق الشام، فسافر إلى الآستانة أول ذي الحجة سنة إحدى وسبعين ومائتين وألف، ثم إلى باريز فتلقاه الإمبراطور ورجال الدولة بكل عظمة وإجلال، ثم رجع إلى الآستانة وقدم الاستئذان من الباب العالي بالرخصة له أن يرحل إلى دمشق الشام، فصدرت أوامر الدولة العلية لمحمود نديم باشا والي دمشق بالاستعداد لقدومه، وإعداد محل لائق به. ثم أن الأمير المرقوم غب حضور الإذن رجع إلى بروسة، وفي خامس ربيع الثاني خرج منها بمن معه وكانوا مائتين نفس فركب بهم باخرة فرنساوية إلى بيروت، فاستقبله الخاص والعام واهتزت لقدومه أنحاء الشام، وبقي قليلاً من الأيام ثم رحل ودخل الشام، وكان قد خرج للقائه أهل البلد، ولا يبعد أن يقال ما شذ منهم أحد،

стр. 878

فتألف الكبير والصغير وشملهم بامتنانه وبشره الغزير، ثم بعد أن استراح من السفر وزال عنه النصب والكدر، توجه إلى بيت المقدس للزيارة الشريفة، وكان ذهابه من طريق صفد، وإيابه من طريق حوران، تتميماً للزيارات الواقعات في الطريقين وذلك سنة ١٢٧٣. وبعد ذلك في رمضان من تلك السنة، قرأ في المدرسة الأشرفية المشهورة بدار الحديث الواقعة في العصرونية صحيح الإمام الحافظ المجتهد أبي عبد الله البخاري، وكان ختامه في اليوم الرابع والعشرين من شوال سنة أربع وسبعين ومائتين وألف. وفي نصف ذي الحجة الحرام سنة ألف ومائتين وست وسبعين حينما وقعت الحادثة الكبرى في نصارى الشام، وكان قد تعدى عليهم بعض الأشقياء المتوحشين فقتلوا وأضرموا النيران في أملاكهم ونهبوا متاعهم، فحصل من الأمير المرقوم ما يدل على كمال غيرته ومروءته وتمدنه من خلاصهم والإحسان إليهم، وبذل كمال المعروف، وقد كافأه حضرة أمير المؤمنين السلطان عبد المجيد خان بالكتاب الذي أرسله إليه بخطاب التفخيم والاحترام، مع النيشان المجيدي من الرتبة الأولى، وتواردت عليه كتابات بقية الملوك مع النياشين ذوات الفخر والقدر. وتفصيل ذلك مذكور في كتاب مناقب المترجم من تأليف ولده المحترم سعادة محمد باشا الذي سماه بالكوكب الزاهر، في أخبار الأمير عبد القادر. وفي سنة سبع وسبعين ومائتين وألف توجه إلى حمص وحماه وغيرهما بقصد الزيارة للمشاهد العظيمة، ولما وصل إلى حماة ونزل في طيارة بني الكيلاني، ورأى الناعورة أنشد:

стр. 879

وناعورة ناشدتها عن حنينها ... حنين الحوار والدموع تسيل فقالت وأبدت عذرها بمقالها ... وللصدق آيات عليه دليل الست تراني ألقم الثدي لحظة ... وادفع عنه والبلاء طويل وحالي لحال العشق بات محالفاً ... يدور بدار الحب وهو ذليل يطأطئ حزناً رأسه بتذلل ... ويرفع أخرى والعويل عويل وفي أول رجب سنة ألف ومائتين وتسع وسبعين توجه إلى الحجاز من جهة البحر، فنزل من بيروت إلى الإسكندرية ثم إلى مصر، بكل عز وإكرام، ثم إلى مكة، وبعد أيام أخذ الطريقة الشاذلية عن العارف بالله الشيخ محمد الفاسي واختلى مدة في غار حراء فبلغ مطلوبه ونال مرغوبه، وفتحت له كنوز الأسرار وكشف له عن رموز الستار، وبرقت له البوارق ووردت عليه الواردات من المنهل الرائق، وبعد خروجه من غار حراء، توجه إلى الطائف الشريف فمكث هناك نحو ثلاثة أشهر، وهو على اشتغاله واجتهاده في الطريق، ونظم هناك قصيدته التي يذكر بها بدايته ونهايته، ويمدح بها شيخه ويذكر خلافته وولايته، وأولها: أمسعود جاء السعد والخير واليسر ... وولت جيوس النحس ليس لها ذكر إلى أن قال: أتاني مربي العارفين بنفسه ... ولا عجب فالعسر من بعده يسر وأعني به شيخي الإمام وعدتي ... لهيبته تغضي له الأسد والنمر محمد الفاسي له من محمد ... كمال الرضى والحال والشيم الغر أبو حسن لو قد رآه أحبه ... وقال له أنت الخليفة يا بحر إلى آخرها، وهي طويلة ذكر بها أسراراً وأموراً تدل على بعض ما حصل له من الفتح الرحماني والكشف الصمداني.

стр. 880

وفي أول يوم من جرب سنة ثمانين ومائتين وألف، توجه إلى المدينة المنورة من طريق جدة، فدخلها في اليوم السادس والعشرين من جرب، واستقبله أشرافها وحكامها وعلماؤها، ثم بعد مدة طلب من حضرة الهمام الشريف صاحب المقام المنيف السيد أحمد أسعد أن يهيء له محلاً يختلي فيه للعبادة مدة، فهيأ له المحل الذي كان لسيدنا الصديق قدس الله سره وبابه من المسجد الشريف، فاختلى فيه شهرين، وحصل له ما حصل ووصل إلى ما إليه وصل، ولم يزل في المدينة الشريفة والبلدة المنفية، إلى أن حضر ركب الشام فتوجه معه إلى مكة والبلد الحرام، وبعد إتمام حجه توجه إلى جده في الرابع عشر من ذي الحجة الحرام، وفي التاسع عشر ركب في الوابور المصري، ولم يزل تستقبله الولاة والكبراء والعلماء والوزراء، إلى أن دخل دمشق الشام، في التاسع عشر من المحرم سنة اثنتين وثمانين ومائتين وألف فاستقبله الخاص والعام، فقابلهم كعادته بالبشر والسرور والفرح والحبور، وبعد استراحته من رحلته وسياحته سنة اثنتين وثمانين ومائتين وألف، عزم على السفر إلى الآستانة لزيارة الخليفة الأعظم والسلطان الأفخم، مولانا السلطان عبد العزيز خان، فقابلته الدولة بما لاق وعاملته بما اشتهر في الآفاق، وأتاه حضرة الصدر الأعظم من طرف أمير المؤمنين بالنيشان العثماني من الرتبة الأولى، وكان إذ ذاك مسند الصدارة العظمى حضرة فؤاد باشا. وفي تلك الأيام قدم المترجم الرجا والشفاعة لحضرة أمير المؤمنين في تسريح الذوات الشاميين المنفيين إلى قبرص وردس فقبلت شفاعته وخرج الأمر العالي
следующие страницы →