Полный текст (1 302 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
قال الزين المراغي وفتح الكوة عند الجدب سنة أهل المدينة حتى الآن يفتحون كوة في سفل قبة الحجرة أي القبة الزرقاء المحترقة في زماننا يفتحونها من جهة القبلة وإن كان السقف حائلا بين القبر الشريف وبين السماء قلت وسنتهم اليوم فتح الباب المواجه للوجه الشريف من المقصورة المحيطة بالحجرة الشريفة والاجتماع هناك ثم إن الشجاعي شاهين الجمالي لما بنى أعالي القبة الخضراء الآتي ذكرها في الفصل بعده اتخذ في ذلك كوة عليها شباك حديد ثم فتح كوة في محاذاتها بالقبة السفلى المتخذة بدل سقف الحجرة الشريفة الآتي ذكرها في الثاني عشر وجعل على هذه الكوة شباكا أيضا وجعل على هذا الشباك بابا يفتح عند الاستسقاء للجدب " وأما صفة القبور الشريفة بالحجرة المنيفة " فقد اختلف فيها على نحو سبع كيفيات ذكرناها في الأصل بأدلتها والذي عليه الأكثر أن قبر النبي ﷺ أمامها إلى القبلة مقدما أي لجدار القبلة كما سيأتي ثم قبر أبي بكر ﵁ حذاء منكبي رسول الله ﷺ وقبر أبي بكر ﵁ حذاء منكبي رسول الله ﷺ وقبر عمر ﵁ حذاء منكبي أبي بكر ﵁ وهذه صفتها
стр. 702
ونقل المراغي أن رزينا ويحيي جزما بهذه الصفة وهو كذلك في كلام رزين رواها عن عبد الله ابن محمد بن عقيل في خبره المتقدم في انهدام حائط الحجرة وأما يحيي فقال في كتابه حدثنا هارون بن موسى قال سمعت أبي بكر عن نافع بن أبي نعيم وغيره من المشايخ ممن له سنّ وثقة وذكر ما تقدم وفي النسخة التي رواها ابنه طاهر عند تصوير القبور الشريفة كذلك وقال إنها صفة القبور الشريفة فيما وصف بعض أهل الحديث عن عروة عن عائشة ثم ذكر صفة أخرى رواها ابن زبالة عن القاسم بن محمد ذكرناها في الأصل وأرجح ما روى عن القاسم بن محمد ما رواه أبو داود الحاكم وصحح إسناده عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق قال دخلت على عائشة ﵁ فقلت لها يا أمته اكشفي لي عن قبر النبي ﷺ وصاحبيه فكشفت عن ثلاثة قبور ولا مشرفة ولا لاطئة مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء زاد الحاكم فرأيت رسول الله ﷺ مقدما وأبا بكر رأسه بين كتفي النبي ﷺ وعمر ﵁ رأسه عند رجلي النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 703
قال ابن عساكر وهذه صفته وليحيي عن إسماعيل بن أبي أويس عن أبيه وإسماعيل صدوق أخطأني أحاديث من قبل حفظه وأبوه صدوق يهم وبقيه رجاله ثقات عن عمرة عن عائشة ﵂ وصفت لنا قبر النبي ﷺ وقبر أبي بكر وقبر عمر ﵁ وهذه القبور في سهوة في بيت عائشة ﵂ رأس النبي ﷺ مما يلي المغرب وقبر أبي بكر ﵁ عند رأسه عند رجلي النبي ﷺ وقبر عمر ﵁ خلف النبي ﷺ وبقي موضع قبر وهذه صفة قبورهم علة ما وصف ابن أبي أويس عن يحيي بن سعيد وعبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة ﵁ قال ابن عساكر بعد رواية ذلك من طريق ابن زبالة وهذه صفته
стр. 704
قلت ويردها ما ثبت في الصحيح من أن الذي بدت قدمه عند هدم الجدار إنما هو عمر لأن الجدار المنهدم هو الشرقي ولو صحت هذه الرواية لكان البادي قدم أبي بكر ﵁ وأشهر الروايات الأولى والثانية صححها الحاكم كما سبق فهاتان الروايتان أرجح مما ورد في ذلك وبقية الروايات تركناها لضعفها وقد اشتملت رواية أبي داود والحاكم على أن القبور الشريفة لم تكن مسنمة ولأبن زبالة عن عائشة ﵂ ربع قبر النبي ﷺ وجعل رأسه مما يلي المغرب وأما ما في الصحيح عن سفيان التمار أنه رأى قبر النبي ﷺ مسنما زاد أبو نعيم في المستخرج وقبر أبي بكر وعمر كذلك فلا يعارض ما سبق لأن سفيان ولد في زمن معاوية ﵁ فلم ير القبر أول الأمر فيحتمل كما قال البيهقي أن القبر تسنم لما سقط عنه الجدار ولذا روى يحيي عن عبد الله بن الحسين قال رأيت قبر النبي ﷺ مسنما زمن
стр. 705
الوليد بن هشام ويدل لما سبق من
بقاء قبر عرض عائشة ﵁ علي عبد الرحمن بن عوف حين نزل به الموت أن يدفن عند النبي ﷺ وصاحبيه كما رواه ابن شبة وكذا ما روى من أذنها للحسن ﵁ ومنع بني أمية له وكان قولها لأبن الزبير كما في الصحيح لا تدفني معهم ادفني مع صواحبي بالبقيع زاد الإسماعيلي وكان في بيتها موضع قبر لا ينافيه إرسال عمر ﵁ يسألها أن يدفن مع صاحبيه وقولها كما في الصحيح كنت أريده لنفسي فلأوثرنه اليوم على نفسي لاحتمال أن الذي آثرت به هو ما يقرب من قبريهما فلا ينفي وجود مكان آخر ولذا جاء في رواية أن موضع القبر الباقي في السهوة الشرقية قال سعيد بن المسيب فيه يدفن عيسى بن مريم ﵇ والسهوة قيل كالصفة وقيل شبه المخدع والخزانة وللترمذي من طريق أبي مودود عن عثمان بن الضحاك عن محمد بن يوسف عن عبد الله بن سلام عن أبيه عن جده قال مكتوب في التوراة صفة محمد وعيسى بن مريم يدفن معه قال فقال أبو مودود قد بقى موضع قبر قال الترمذي حديث غريب وفي بعض النسخ حسن غريب وهكذا قال عثمان بن الضحاك المعروف الضحاك بن عثمان اه ولفظ الطبراني في روايته يدفن عيسى بن مريم ﵇ مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر ﵁ فيكون قبرا رابعا وفيه عثمان بن الضحاك وثقة ابن حبان وضعفه أبو داود وقد أخرجه أبو ذر الهروي في كتاب السنة له من طريقه ثم أخرج عقبة من طريق حماد عن أيوب قال قيل لعمر بن عبد العزيز لو أتيت المدينة وأمت بها فإن مت دفنت في الرابع مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر فقال والله لأن يعذبني الله بكل عذاب إلا النار أحب إليّ من أن يعلم أني أرى نفسي لذلك أهلا وليحيي بن النجار عن كعب الأحبار قال ما من فجر يطلع إلا نزل سبعون ألفا من الملائكة حتى يحفون بالقبر يضربون بأجنحتهم ويصلون على النبي ﷺ حتى إذا أسوا عرجوا وهبط مثلهم فصنعوا مثل ذلك حتى إذا انشقت الأرض خرج في سبعين ألفا من الملائكة ﷺ وفي صحيح الدرامي نحوه وبوّب عليه باب ما أكره الله به نبيه ﷺ بعد موته ورواه البيهقي ورواه أيضا في شعبه. ﵁ علي عبد الرحمن بن عوف حين نزل به الموت أن يدفن عند النبي ﷺ وصاحبيه كما رواه ابن شبة وكذا ما روى من أذنها للحسن ﵁ ومنع بني أمية له وكان قولها لأبن الزبير كما في الصحيح لا تدفني معهم ادفني مع صواحبي بالبقيع زاد الإسماعيلي وكان في بيتها موضع قبر لا ينافيه إرسال عمر ﵁ يسألها أن يدفن مع صاحبيه وقولها كما في الصحيح كنت أريده لنفسي فلأوثرنه اليوم على نفسي لاحتمال أن الذي آثرت به هو ما يقرب من قبريهما فلا ينفي وجود مكان آخر ولذا جاء في رواية أن موضع القبر الباقي في السهوة الشرقية قال سعيد بن المسيب فيه يدفن عيسى بن مريم ﵇ والسهوة قيل كالصفة وقيل شبه المخدع والخزانة
стр. 706
وللترمذي من طريق أبي مودود عن عثمان بن الضحاك عن محمد بن يوسف عن عبد الله بن سلام عن أبيه عن جده قال مكتوب في التوراة صفة محمد وعيسى بن مريم يدفن معه قال فقال أبو مودود قد بقى موضع قبر قال الترمذي حديث غريب وفي بعض النسخ حسن غريب وهكذا قال عثمان بن الضحاك المعروف الضحاك بن عثمان اه ولفظ الطبراني في روايته يدفن عيسى بن مريم ﵇ مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر ﵁ فيكون قبرا رابعا وفيه عثمان بن الضحاك وثقة ابن حبان وضعفه أبو داود وقد أخرجه أبو ذر الهروي في كتاب السنة له من طريقه ثم أخرج عقبة من طريق حماد عن أيوب قال قيل لعمر بن عبد العزيز لو أتيت المدينة وأمت بها فإن مت دفنت في الرابع مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر فقال والله لأن يعذبني الله بكل عذاب إلا النار أحب إليّ من أن يعلم أني أرى نفسي لذلك أهلا وليحيي بن النجار عن كعب الأحبار قال ما من فجر يطلع إلا نزل سبعون ألفا من الملائكة حتى يحفون بالقبر يضربون بأجنحتهم ويصلون على النبي ﷺ حتى إذا أسوا عرجوا وهبط مثلهم فصنعوا مثل ذلك حتى إذا انشقت
стр. 707
الأرض خرج في سبعين ألفا من الملائكة ﷺ وفي صحيح الدرامي نحوه وبوّب عليه باب ما أكره الله به نبيه ﷺ بعد موته ورواه البيهقي ورواه أيضا في شعبه.
стр. 708
" الفصل الحادي عشر " فيما جعل علامة لتمييز جهتي الرأس والوجه الشريفين ومقام جبريل ﵇ من الحجرة الشريفة وتأزيرها بالرخام وكسوتها وتخليقها والمقصورة التي أديرت عليها والقبة المحاذية لها بأعلى سطح المسجد الشريف النبوي
وأما علامة جهة الرأس الشريف فصندوق مصفح بالفضة بأصل الأسطوانة اللاصقة بحائز القبر الشريف عند نهاية الصفحة الغربية منه مما يلي القبلة في صف أسطوانة السرير وأسطوانة التوبة ولو أعلم ابتداء حدوثه واقدم من ذكره ابن جبير في رحلته وكانت قبل الحريق الأول عام ثمانين وخمسمائة وقال أنه قبالة رأس النبي ﷺ قلت وفيه تجوز فقد ظهر لنا أنه في محاذاة الجدار والداخل القبلي واللحد الشريف إلى الجدار المذكور كما سيأتي والأصل في ذلك ما روى جعفر بن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جده ﵁ أنه كان إذا جاء يسلم على النبي ﷺ وقف عند الأسطوانة التي تلي الروضة أي وهي المتقدمة ثم يقول ههنا رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 709
والمراد منه ما قدمناه وكان فوق هذا الصندوق قائم من خشب يحيط بما ظهر من الأسطوانة إلى رأس أعلى رخام الحجرة مختم مصفح بصفائح الفضة المموهة فلما أحترق مع الصندوق في الحريق الثاني أعيد الصندوق وجعل موضع القائم رخام كتب فيه البسملة والصلاة والتسليم على النبي ﷺ وغير ذلك وأما علامة الوجه الشريف فمسمار فضة بينه وبين ابتداء الصفحة الغربية نحو خمسة أذرع والمذكور في كلام الأقدمين التعليم يجعل القنديل على الرأس قال ابن أبي مليكة إذا جعلت القنديل على رأسك والمرمرة المدخولة في جدار القبر قبالة وجهك استقبلت وجه النبي ﷺ قال المطري هذا كان قبل احترق المسجد فإنه يقابل الوجه الشريف غير قنديل واحد ولما جدد جعل هناك عدة قناديل وإنما العلامة اليوم مسمار فضة في رخامة حمراء اه وهو يوهم حدوث التعليم بذلك بعد الحريق وليس كذلك فقد ذكر العليم به ابن النجار فقال عقب نقل كلام ابن أبي مليكة وهناك اليوم علامة
стр. 710
واضحة وهي مسمار فضة في حائط الحجرة إذا قابله الإنسان كان القنديل على رأسه فيقابل وجه النبي ﷺ وقال ابن الجوزي في مثير العزم الساكن وثم ما هو أوضح علما من القنديل وهو مسمار صفر في حائط الحجرة إذا حاذاه القائم كان القنديل فوق رأسه وكذا قال ابن جبير في رحلته وكل هؤلاء كانوا قبل الحريق واقتضى كلام الغزالي إلى أن الواقف تحت القنديل يكون بينه وبين السارية التي عند رأس القبر عند زاويته الغربية وهي أسطوان الصندوق نحو أربعة أذرع فهو قريب مما سبق في محل المسمار المذكور وقال الأقشهري أنه سقط سنة عشرين وسبعمائة ولم يرد إلى موضعه إلا في رجب عام أربع وعشرين وسبعمائة " قلت " وقد أخرج في زماننا عند ترخيم الحجرة الأولى وأعيد إلى محله مع مسمار في أول الصفحة القبلية ومسمارين آخرين في طرف الصفحة الغربية أحدثها متولي العمارة ابتدعا منه ثم أزال الحريق الحادث في زماننا ذلك ثم أعيد المسمار والنذور فقط إلى محله في الترخيم المتجدد بعد حريق زماننا وفي كلام يحيي ما يوهم أن محل الوجه الشريف بقرب الأسطوانة جدار الحائز وبينها وبين المسمار المذكور نحو ثلاثة أذرع ومشاهدة الحجرة من داخلها قاضية برد ذلك وتشبيك باب المقصورة القبلي الذي أحدثه متولي العمارة ضيق قد يمنع مشاهدة المسمار إلا بتأمل يشغل القلب فإنه في
стр. 711
مقابلة الصرعة الثانية مما يلي المشرق فمن حاذاها كان محاذيا للمسمار المذكور وهو مموه بالمذهب ثم أن المقرّ الشجاعي شاهين الجمالي أبدل الباب المذكور بشباك نحاس فأتضح به شهود المسمار المذكور لمن أراده وأما مقام جبريل ﵇ فعند مربعة القبر كما سبق فيها وكان هناك مسمار فضة في منحرف المربعة إلى الزاوية الشمالية من حائز الحجرة علامة عليه ذكره المراغي وكأنه سقط ولم يعد وقد ذكر ابن جبير في رحلته هذا المحل من الحجرة قال وعليه ستر مسبل يقال أنه مهبط جبريل ﵇ اه وقد ترجم ابن شبة لمقام جبريل ﵇ ثم ذكر ما سيأتي عنه في باب جبريل وسقط من النسخة التي وقعت لنا بقية الكلام فيه وسنذكر من كلام ابن زبالة هناك ما يحتمل أنه يريد به هذا المحل وأما تأزير الحجرة الشريفة بالرخام فلم يذكره بالرخام فلم يذكره ابن زبالة لكن ذكر يحيي ما حاصله أن حجرا كان لاصقا بجدار القبر قريبا من المربعة كان النبي ﷺ يصلي إليه إذا دخل إلى فاطمة أو فاطمة ﵁ وقال علي بن موسى الرضا أن فاطمة ولدت
стр. 712
الحسن والحسين رضي
الله عنه على ذلك الحجر قال يحيي ورأيت الحسين بن عبد الله إذا أشتكى شيئاً من جسده كشف الحصى عنه فمسح به ذلك الموضع ولم يزل ذلك الحجر نراه حتى عمر الصانع المسجد ففقدناه عند ما أزرا اقبر الرخام قال راوي كتاب يحيي الصانع هذا هو إسحاق بن سلمة كان المتوكل وجه به على عمارة المدينة ومكة " قلت " خلافة المتوكل هذا سنة أثنين وثلاثين ومائتين وتوفى سنة سبع وأربعين فتأزير الحجرة إنما كان في زمنه والظاهر أنه فرش أيضا الرخام الذي حول الحجرة بالأرض لما ذكر من كشف الحصى عن الحجر المذكور وللتبرك به قال ابن النجار ثم في خلافة المقتفي سنة ثمان وأربعين وخمسمائة جدده جمال الدين الأصفهاني وزير بني زنكة وجعل الرخام حولها قامة وبسطة " قلت " يذكر أحد من المؤرخين من جدده بعد ذلك والظاهر أنه جدد بعد الحريق الأول وقد جدد في زماننا في دولة الأشرف قايتباي مرتين الأولى سنة إحدى وثمانين وثمانمائة قبل حريق زماننا بعده سنة سبع وثمانين وثمانمائة وكل ما يوجد اليوم من الرخام بالحجرة وغيرها قد جدد في العمارة الثانية ولم يكن بعد الحريق الأول بجدار المسجد القبلي رخام سوى المحراب
стр. 713
العثماني ويسير من جنبتيه وفي دولة الظاهر جقمق جعل فيه وزرة كاملة بين المنارتين الشرقية والغربية وزادوا في العمارة الثانية ترخيم المنارة الشرقية وشيئاً مما بعدها في المشرق وترخيم باب السلام وعمل المنبر ودكة المؤذنين من الرخام وترخيم الدعائم المحدثة حول الحجرة الشريفة وأما كسوة الحجرة الشريفة فلم يتعرض لها ابن زبالة ولا يحيي مع ذكر ابن زبالة لكسوة المنبر وجعل السترة على أبواب المسجد وقال ابن النجار بعد ذكر ترخيم الحجرة وإدارة الأصفهاني للشباك المتقدم على حائزها وتحتيمه بالصندل والأبنوس ولم تزل الحجرة على ذلك حتى عمل لها الحسين بن أبي الهيجاء صهر الصالح وزير الملوك المصريين ستارة من الدبيقي الأبيض وعليها الطروز الجامات المرقومة وخيطها وأدار عليها زنارا من الحرير الأحمر مكتوبا عليه سورة يس وأراد تعليقها على الحجرة فمنعه قاسم بن مهنى أمير المدينة قال حتى نستأذن المستضيئ بأمر الله فبعث إلى العراق يستأذن فجاءه الأذن فعلقها نحو العامين ثم جاءت من الخليفة ستارة من الأبريسم البنفسجي عليها الطراز والجامات المرقومة وعلى طرازها أسم المستضيئ بأمر الله فشيلت لك ونفذت إلى مشهد علي بالكوفة وعلقت هذه عوضها فلما ولي الناصر لدين الله نفذ ستارة أخرى من الأبريسم
стр. 714
الأسود فوق تلك فلما حجت الحاجة أم الخليفة وعادت إلى العراق عملت ستارة كالتي قبلها ونفذتها فعلقت على هذه ففي يومنا على الحجرة ثلاث ستاير بعضهن على بعض انتهى وظاهره أن ابن أبي الهيجاء أول من كسا الحجرة لكن قال رزين في ضمن خبر عن محمد بن إسماعيل ما ألفضه فلما كانت ولاية هارون الرشيد وقدمت معه الخيزران أمرت بتخليق مسجد رسول الله ﷺ وتخليق القبر وكسته الزنانير وشبائك الحرير اه وفي العتبية مسجد لمالك أنه ينبغي أن ينظر في قبر النبي ﷺ كيف يكسون سقفه قثيل يجعل عليه خيش فقال وما يعجبني الخيش فإنه ينبغي أن ينظر فيه انتهى وفي عشر الستين وسبعمائة أشترى السلطان الصالح إسماعيل بن الناصر محمد قرية من بيت مال المسلمين بمصر ووقفها على كسوة الكعبة المشرفة في كل سنة وعلى كسوة الحجرة والمنبر في كل خمس سنين مرة وذكره التقي
стр. 715
الفاسي والزين المراغي إلا أنه قال في كسوة الحجرة في كل ست سنين مرة تعمل من الديباج الأسود مرقوما بالحرير الأبيض ولها طراز منسوج بالفضة المذهبة دائر عليها الكسوة المنبر فإنها بتفصيص أبيض انتهى والعادة قسم الكسوة العتيقة عند ورود الجديدة والحكم فيه كحكم كسوة الكعبة وقد قال العلائي أنه لا تردد في جواز قسمتها لأن الوقف عليها كان بعد استقرار العادة بذلك والعلم بها وأما تخليق الحجرة الشريفة وكذا المسجد فقال لبن زبالة قدمت الخيزران سنة سبعين ومائة فأمرت بمسجد النبي ﷺ يخلق وولى ذلك من تخليقه مؤنسة جاريتها فقام إليها إبراهيم بن الفضل مولى هشام بن إسماعيل فقال هل لكم أن تسبقوا من بعدكم وأن تفعلوا ما لم يفعله من كان قبلكم قالت مؤنسة وما ذاك قال تخلقون البركة ففعلوا وإنما كان يخلق منه ثلثاه أو أقل وأشار عليهم فزاد في خلوق أسطوانة
التهوية والأسطوانة التي هي علم عند مصلى النبي ﷺ فخلقوهما حتى بلغوا بهما أسفلهما وزادوا في الخلوق في أعلاهما انتهى وقد ترك أمر الخلوق في زماننا
стр. 716
وأما معاليق الحجرة الشريفة ألت تعلق حولها من قناديل الذهب والفضة ونحوهما فلم أقف على ابتداء حدوثها إلا أن ابن النجار قال في سقف المسجد الذي بين القبلة والحجرة رؤس الزوار إذا وقفوا أي وهو من داخل المقصورة اليوم معلق نيف وأربعون قنديلا كبارا وصغارا من الفضة المنقوشة والساذجة وفيها اثنان من بلور وواحد من ذهب وقمر من فضة مغموس في الذهب وهذه متنفذ من البلدان ومن الملوك وأرباب الحشمة انتهى وعمل من ذكر مستمر بذلك وإذا كثرت رفع بعضها ووضع بالقبة التي وسط المسجد فأجتمع شئ كثيرة فأتفق في سنة إحدى عشر وثمانمائة أن فوض الناصر فرج لحسن بن عجلان الحسني سلطنة الحجاز كله والنظر في إمرة المدينة وكان أميرها جماز بن هبة الجمازي فاقتضى رأي حسن تولية ثابت بن نغير المنصوري فيرافق المراسيم له بذلك ولم يصل الخبر إلا بعد وفاة ثابت فأظهر جماز العصيان وجمع المفسدين وأباح بهب بعض بيوت المدينة ثم كسر باب القبة وأخذ جميع ما فيها وأحضر السلم لإنزال قناديل الحجرة وكسوتها فصرفه الله عن ذلك ثم أرتحل على جمال السواني وزنة ما أخذ من قناديل الفضة سبعة وعشرون قنطارا وخوشخانات مختومة يقال إنها ذهب وصندوقان ذهبا ويقال أنه دفن غالب ذلك ثم قتل سنة اثنتي عشرة وثمانمائة فلم يعلم مكان ذلك ثم تجدد بالحاصل المذكور أشياء فأخذ
стр. 717
منها الأمير عزيز بن هيازع بن هبة الجمازي سنة أربع وعشرين وثمانمائة جانبا من ذلك زاعما على سبيل القرض فأمتحن بعض قضاة المدينة بسببه ثم حمل عزيز للقاهرة محتفظا به ومات بها مسجونا ثم لم تزل هذه القناديل في زيادة حتى عدا برغوث بن بتسيرين حريس الحسيني ودبوس بن سعد الحسيني الطفيلي على طائفة من المعلق منها حول الحجرة الشريفة في الجمعة سنة ستين وثمانمائة صارا يدخلان من دار الشباك التي موضعها اليوم سبيل المدرسة الأشرفية بباب الرحمة وكانت خالية فيتسوّر جدار المسجد ثم يدخلان من بين سقفي المسجد إلى هناك فأخذ أشياء كثيرة ولم يطلع إلا بعد مدة ثم أمسكا وقتلا بعد استرجاع طائفة من ذلك ثم بلغنا أن متولي العمارة الشمس بن الزمن حسن للسلطان الأشرف حمل ما أجتمع من ذلك بالقبة إلى مصر وصرفه في مصالح المسجد فحمل جانب منه قبل الحريق الثاني وقد ألف السبكي تأليفا سماه تنزل السكينة على قناديل المدينة وذهب فيه إلى جوازها وقفها وعدم جواز صرف شئ منها لعمارة المسجد وقد لخصناه في الأصل مع مباحث حسنة فراجعه ومن أحسن ما رأيت من معاليق الحجرة قنديلا من فولاذ كبيرا حسن
стр. 718
التكوين محزما مكفتا بذهب يضيء إذا أسرج فيه وعليه مكتوب أن الناصر محمد بن قلاوون علقه بيده هناك وكان بالقبة فعلقه الشجاعي الجمالي قبالة المصلى النبوي وأما المقصورة التي أديرت على الحجرة الشريفة وبيت فاطمة ﵁ بين الأساطين فقد أحدثها السلطان الظاهر ركن الين بيبرس وذلك أنه لما حج سنة سبع وستين وستمائة أراد جعلها من دربزين خشب فقاس ما حول الحجرة الشريفة بيده وقدره بحبال وحملها معه وعمل الدرابزين وأرسله سنة ثمان وستين وأداره عليها وعمل ثلاثة أبواب قبليا وشرقيا وغربيا نصبه بين الأساطين التي تلي الحجرة الشريفة إلا من ناحية الشام فإنه زاد فيه إلى متهجد النبي ﷺ وكان ارتفاعه نحو القامة فزاد عليه العادل زين الدين كتبغا سنة أربع وتسعين وستمائة شباكا دائرا عليه ورفعه حتى وصله بسقف المسجد ثم زيد لهذه المقصورة باب رابع شامي بطرف صحن المسج عند زيادة الرواقين بمؤخر السقف القبلي سنة تسع وعشرين وسبعمائة في دولة الناصر ثم أحدث أما هذا الباب من جهة الصحن سقف لطيف نحو ستة أذرع يحيط به رفوف وبسط بأرضه الرخام سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة في دولة
стр. 719
الظاهر جقمق ثم أحترق ذلك كله في الحريق الثاني عام ست وثمانين وثمانمائة فجعلوا بدل الناحية القبلية منها شبابيك نحاس وعلى أعلاها شبكة من شريط النحاس كالزردبين أخشاب متصلة بالعقود المحدثة هناك محيطة بالحجرة الشريفة وعلى كل شباك شبكة من الشريط أيضا لمنع الحمام وجعلوا لبقيتها من جهة الشام وما أتصل بها من المشرق والمغرب مشبكا من الحديد
المشاجر وبأعلاه شريط النحاس أيضا وجعلوا أبوابها من الحديد المشاجر أيضا إلا القبلي فمن سياج مشبك ثم أبدل بشباك نحاس كما سبق وأحدثوا مشبكا من الحديد المشاجر أيضا لم يكن قبل ذلك متوسطا بين مشبك الحجرة الشامي وما يقابله فاصلا بين الرحبة التي خلف مثلث الحجرة الشريفة وبينها وبها بعض المثلث المذكور وبه بابان أحدهما عن يمين المثلث والآخر عن يساره فصار ما خلف الحجرة من بيت فاطمة ﵁ كأنه مقصورة مستقلة يدخل منه إلى مقصورة الحجرة والظاهر أن هذا الموضع من بيت فاطمة ﵁ كان به مقصورة قبل الحريق الأول لأن ابن النجار قال كما سبق في بيت فاطمة ﵁ أن حوله اليوم مقصورة وفيه محراب وهو خلف حجرة النبي ﷺ انتهى فهذا مستند الظاهر ركن الدين فيما أحدثه وإن كان وسع الدائرة فقال المطري وظن الملك الظاهر أن ما فعله تعظيما للحجرة الشريفة فحجر طائفة من الروضة مما يلي بيت النبي ﷺ ومنع الصلاة فيها مع ما ثبت من
стр. 720
فضلها فلو عكس ما حجره وجعله خلف بيت النبي ﷺ من الناحية الشرقية وألصق الداربزين بالحجرة مما يلي الروضة أخف ولم يبلغني أحد من أهل العلم والصلاح ممن حضر ولا منمنم رآه بعد تحجيره أنكر ذلك أو تفطن له وألقى له بالا وهذا من أهم ما ينظر فيه قال الزين المراغي عقبه أن للظاهر سلفا في ذلك وهو ما حجره عمر بن عبد العزيز على الحجرة من جهة الروضة لكنه قليل انتهى وهو غلط لما قدمناه في حدود المسجد النبوي وغيره من أن عمر ترك من الحجرة طائفة زادها في المسجد من تلك الجهة ولو سلم ما ذكره فذاك لمصلحة حفظ القبر وأيضا ألف بناءه بناء الكعبة ولئلا يتأتى استقباله وهذه المقصورة بضدّ ذلك وقال البدر بن فرحون أن سيدي العارف بالله تعالى الشيخ عليا الواسطي بعث إلى الملك الناصر يقول له أنا أضمن لك على الله تعالى قضاء ثلاث حوائج إن قضيت لي حاجة واحدة وهي إزالة هذه المقصورة فبلغه ذلك فتوقف ولن يفعل قال البدر بن فرحون وليته فعل لأنها حجرت كثيرا من الروضة وطائفة من المسجد انتهى
стр. 721
وقال المجد اللغوي عقبة أن ذلك موجه غير أن أحد الأبواب مفتوح دائما لمن قصد الدخول لصلاة أو زيارة وإنما التعطيل من كسل المصلين " قلت " وما ذكره صحيح بالنسبة إلى زمنه فإن الباب المذكور كان مفتوحا حتى في أيام الموسم كما ذكره العز بن جماعة في منسكه محاولا غلقه في تلك الأيام فقط لأن المحل يصير مأوى بأولادهن الصغار وربما قدروا هناك قال وقد كلمت الناصر في ذلك فسكت ولم يجبني بشيء انتهى وقد حدث بعد غلق الأبواب كلها في الموسم وغيره ولا يمكن الدخول للزيارة إلا من له وجاهة أو يتوقع منه دنيا فيدخل ليلا فتحقق التعطيل وأزيد منه وحرم الناس التبرك بما سبق مما في جوف هذه المقصورة وكان ذلك في دولة الأشرف برسباي بسعي نجم الدين بن حجي في ذلك لما ولى ديوان الإنشاء وأنكر عليه الولي أبو زرعة العراق وكان شيخنا شيخ الإسلام ففيه العصر الشرف المناوي يقول تلك البقعة من المسجد بلا شك فإن كان وجود القذر بها مقتضي لصونها بالغلق والتعطيل فليغلق المسجد بأجمعه واختصاص ما يقرب من المحل الشريف بمزيد التعظيم يكفي فيه الجدران هناك قلت وقد نشأ عن تأييد هذه المقصورة اشتهارها بالحجرة الشريفة ويظن من لا علم له بالتأريخ إنها ليست من المسجد ثم الطامة الكبرى وهو ما ابتناه متولي العمارة بأرضها من الدعائم العظيمة للقبة الآتي ذكرها بعد تصريحي بأن
стр. 722
ذلك غير جائز فزعموا أنهم يجعلونها على رؤوس السواري كالأولى من غير انتقاص للأرض ثم لم يفوا بذلك لما جبل عليه متولي العمارة سامحه الله تعالى وأما قبة الحجرة الشريفة المحاذية لها بأعلى سطح المسجد تكييزا لها فلم تكن قبل حريق المسجد الأول ولا بعده إلى دولة المنصور قلاوون الصالحي بل كان قديما حول ما يوازي الحجرة في سطح المسج حظير من آجر مقدار نصف قامة تمييزا لها عن بقية سطح المسجد حتى كانت سنة ثمان وسبعين وستمائة فعمل هناك قبة مربعة من أفلها مثمنة من أعلاها أخشاب أقيمت على رؤس السواري المحيطة بالحجرة الشريفة في صف أسطوان الصندوق وسمر عليها ألواح من خشب ومن فوقها ألواح الرصاص وفي أسفلها طاقة يبصر الناظر منها سقف المسجد الأسفل الذي كان به الطابق وعليه المشمع وكان حول
هذه القبة بالسطح الأعلى ألواح رصاص مفروشة فيما قرب منها ويحيط بها وبالقبة درازبين من الخشب جعل مكان حظير الآجر وتحته أيضا السقفين شباك خشب يحكيه وكان المتولي لعملها الكمال أحمد بن البرهان الربعي ناظرقوص ذكره في الطالع السعيد قال وقصد خيرا وتحصيل ثواب وقال بعضهم أساء الأدب بعلوا النجارين ودق الحطب قال وفي تلك السنة حصل بينه وبين بعض الولاة كلام كثير فوصل مرسوم بضرب الكمال فضرب فكان من يقول أنه أساء الأدب يقول أن هذا مجازاة له وأدره الأمير علم الدين الشجاعي وخرب داره وأخذ رخامها وخزائنها ويقال أنها بالمدرسة المنصورية انتهى وجددت القبة الشريفة المذكورة أيام الناصر حسن محمد بن قلاوون فاختلت الألواح الرصاص من موضعها فخشوا من الأمطار فجددت أيضا وأحكمت أيام الأشرف شعبان بن حسين بن محمد سنة خمس وستين وسبعمائة وأصلح فيها متولي العمارة شيئاً في عمارته الآتية في الفصل بعده ثم احترقت في حريق المسجد الثاني فاقتضى رأي متولي العمارة سنة سبع وثمانين وثمانمائة اتخاذها في العلو وأن تكون من آجر وأن يؤسس لها دعائم عظام بأرض المسجد وعقود حولها فأتخذ هذه الدعائم التي في موازاة الأساطين التي إليها المقصورة السابقة وأبدل بعض الأساطين بدعائم وأضاف إلى بعضها أسطوانة أخرى وقرن بينهما وحصل فيما بين جدار المسجد الشرقي وبين العائم المحدثة هناك ضيق فهدم الجدار الشرقي هنالك إلى باب جبريل وخرج بالجدار في البلاط ناحية موضع الجنائز نحو ذراع ونصف وأحدث دعامتين عن يمين مثلث الحجرة ويساره الأولى منهما في المحل الذي سبق في الرابع إن الناس يحترمونه ويقال أن قبر فاطمة الزهراء به فبدا لحد القبر وبعض عظامه أخبرني بذلك جمع شاهدوه ثم لما تمت هذه القبة تشققت أعاليها فرمت فلم ينفع الترميم فيها لخسة مؤنتها فقوض الأشرف قايتباي أعز الله أنصاره وأعلى في سلوك العدل منارة للشجاعي شاهين الجمالي النظر في ذلك وفي المنارة الرئيسية السابق ذكرها في الثامن وولاه شيخ الخدام وناظر الحرم فاقتضى الرأي بعد مراجعة أهل الخبرة هدم المنارة كلها وهدم أعالي هذه القبة واختصار يسير منها فأتخذ أخشابا في طاقاتها وأتخذ سقفا هناك يمنع ما يسقط عند الهدم بالحجرة الشريفة ثم هدم أعاليها وأعاد بناءه مع الأحكام بحيث أتخذ في بنائها الجبس الأبيض حمله معه من مصر فجاءت متقنة وأتخذ أساقيل شرقيّ المسجد لصعود العمال في عمارتها وعمارة تلك المنارة ولم تنتهك حرمة المسجد في دعة وسكون وكان العمارة ليست به وكان في زمن غيره كالسوق ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء وكان ذلك في عام اثنتين وتسعين وثمانمائة. لسطح الأعلى ألواح رصاص مفروشة فيما قرب منها ويحيط بها وبالقبة درازبين من الخشب جعل مكان حظير الآجر وتحته أيضا السقفين شباك خشب يحكيه وكان المتولي لعملها الكمال أحمد بن البرهان الربعي ناظرقوص ذكره في الطالع السعيد قال وقصد خيرا وتحصيل ثواب وقال بعضهم أساء الأدب بعلوا النجارين ودق الحطب قال وفي تلك السنة حصل بينه وبين بعض الولاة كلام كثير فوصل مرسوم بضرب الكمال
стр. 723
فضرب فكان من يقول أنه أساء الأدب يقول أن هذا مجازاة له وأدره الأمير علم الدين الشجاعي وخرب داره وأخذ رخامها وخزائنها ويقال أنها بالمدرسة المنصورية انتهى وجددت القبة الشريفة المذكورة أيام الناصر حسن محمد بن قلاوون فاختلت الألواح الرصاص من موضعها فخشوا من الأمطار فجددت أيضا وأحكمت أيام الأشرف شعبان بن حسين بن محمد سنة خمس وستين وسبعمائة وأصلح فيها متولي العمارة شيئاً في عمارته الآتية في الفصل بعده ثم احترقت في حريق المسجد الثاني فاقتضى رأي متولي العمارة سنة سبع وثمانين وثمانمائة اتخاذها في العلو وأن تكون من آجر وأن يؤسس لها دعائم عظام بأرض المسجد وعقود حولها فأتخذ هذه الدعائم التي في موازاة الأساطين التي إليها المقصورة السابقة وأبدل بعض الأساطين بدعائم وأضاف إلى بعضها أسطوانة أخرى وقرن بينهما وحصل فيما بين جدار المسجد الشرقي وبين العائم المحدثة هناك ضيق فهدم الجدار الشرقي هنالك إلى باب جبريل وخرج بالجدار في البلاط ناحية موضع الجنائز نحو ذراع ونصف وأحدث دعامتين عن يمين مثلث الحجرة ويساره الأولى منهما في المحل الذي سبق في الرابع إن الناس يحترمونه ويقال أن قبر فاطمة الزهراء به فبدا لحد القبر وبعض عظامه أخبرني بذلك جمع شاهدوه ثم لما تمت هذه القبة تشققت أعاليها فرمت فلم ينفع الترميم فيها لخسة مؤنتها فقوض الأشرف قايتباي أعز الله أنصاره وأعلى في سلوك العدل منارة للشجاعي شاهين الجمالي
стр. 724
النظر في ذلك وفي المنارة الرئيسية السابق ذكرها في الثامن وولاه شيخ الخدام وناظر الحرم فاقتضى الرأي بعد مراجعة أهل الخبرة هدم المنارة كلها وهدم أعالي هذه القبة واختصار يسير منها فأتخذ أخشابا في طاقاتها وأتخذ سقفا هناك يمنع ما يسقط عند الهدم بالحجرة الشريفة ثم هدم أعاليها وأعاد بناءه مع الأحكام بحيث أتخذ في بنائها الجبس الأبيض حمله معه من مصر فجاءت متقنة وأتخذ أساقيل شرقيّ المسجد لصعود العمال في عمارتها وعمارة تلك المنارة ولم تنتهك حرمة المسجد في دعة وسكون وكان العمارة ليست به وكان في زمن غيره كالسوق ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء وكان ذلك في عام اثنتين وتسعين وثمانمائة.
стр. 725
" الفصل الثاني عشر " في العمارة المتجدّدة بالحجرة الشريفة وإبدال سقفها بقبة لطيفة تحت سقف المسجد ومشاهدة وضعها وتصوير ما أستقر عليه أمرها
لما أنهى لسلطان زماننا الأشرف قايتباي احتياج المسجد النبوي إلى العمارة وفوّض للشمس بن الزمن النظر في ذلك عام أحد وثمانين وثمانمائة قبل الحريق الثاني اقتضى رأيه تجديد رخام الحجرة الشريفة وقد ذكرناه فيما سبق فأصلح أصل أسطوان الصندوق بعد نزع ست حرزات منه كانت متشققة وأبدلها بست خرزات نقضوها من أسطوان بمسجد قباء ثم لما قلعوا رخام الصفحة الآخذة من زاوية حائز عمر بن عبد العزيز الشمالية إلى الصفحة الشرقية مع ما يليها من صفحة المشرق وكان هناك انشقاق قديم كان يظهر في الحائز المذكور عند رفع الكسوة وقد سدّ الأقدمون خلله بالآجر وأفرغوا فيه الجص وبيضوه بالقصة ثم أنشق البياض من رأس الوزرة الرخام إلى رأس الجدار فقشروا عنه البياض وأخرجوا ما في خلله من الجص والآجر فظهر من خلله بناء الحجرة المربع جوف الحائز المذكور من عند ملتقى حائطه الشامي مع المشرقي وظهر فيه شق أيضا عند ملتقى الجدارين المذكورين تدخل اليد فيه قديم أيضا سدّه الأقدمون ثم أتسع فعقد متولي العمارة مجلسا جوف المقصورة عند الجدار المذكور في ثالث عشر شعبان ونصب أساقيل هناك واستحضرني فحضرت بعد الاستخارة فوجدت الأمر قد أتفق عليه وتحرّر أنّ
стр. 726
سبب انشقاق الجدار الظاهر انشقاق الجدار الداخل وميله نحوه واد عام الأقدمين الداخل بأخشاب بين الداخل والخارج عند رأسهما من المشرق فمال الجدار الظاهر لذلك فرجح عندي رأي أبن عباس في الكعبة حيث أشار بترميمها ورأيت أن ما يطلب هنا من الأدب أوجب فحاولت إدعام البناء المذكور وقلت إنه لا يفعل هنا إلا ما دعته الضرورة إليه في الحال فلم أوافق عليه وقال الزكوي قاضي الشافعية سامحه الله تعالى لمتولي العمارة سرح العمال من الغد للهدم ثم بلغني إنهم ألقوا في ذهن متولي العمارة أني حريص على تفويته كون المنقبة في هذه العمارة تكون له فشرعوا في صبيحة رابع عشر شعبان في هدم الموضع السابق من الحائز الظاهر فهدموا من ملتقى الصفحتين الشرقية والشمالية التي تليها خمسة أذرع على نحو أربعة أذرع من الأرض إلى أعلى الحائز فظهر هدم الحريق الكائن بين الجدارين وظهر فيه أطراف خشب كثيرة سلمت من الحريق ثم نظف ذلك وكان أمرا مهولا نحو القامة لم يتأت إزالته إلا بالعتل والمساحي فبلغوا في تنظيفه الأرض الأصلية وبها حصباء حمراء ثم ظهر إنها مبنية بحجارة مجدولة بها والبيت الداخل مربع بأحجار سود على ما سبق في وصفه ولا باب فيه وخلف جداره الشامي أسطوان في صف مربعة القبر بعضها داخل فيه ثم عزم متولي العمارة على هدم هذا الجدار الشامي من البناء الداخل فبدأ برفع سقف الحجرة ثم أفاض في عقد قبة بدل سقف الحجرة على جدرانها فكرهت ذلك لعلمي بأنه يجر إلى هدم
стр. 727
غالب جدران الحجرة وفيه الاتساع فيما ينبغي الاقتصار فيه على قدر الضرورة فأجمع أمره على عمل القبة فهدم الجدار الشامي والشرقي إلى الأرض وكذا نحو أربعة أذرع من القبلي مما يلي المشرق وكذا من الغربي مما يلي الشام وهدموا من علو ما بقى منهما نحو خمسة أذرع ووجدوا في الغربي وما يليه من القبلي والشامي دون الشرقي وما يليه منهما بعد هدم السترة المبنية على سقف الحجرة المجدّد بعد الحريق وسترة السقف المحترق بين فصوص الأحجار وأعلاها مع رأس الجدر المذكورة لبنا غير مشوي طول اللبنة منه أرجح من ذراع وعرضها نصف ذراع وسمكها ربع ذراع وطول بعضه وعرضه وسمكه واحد وهو نصف ذراع والظاهر إنه لما بنيت الحجرة بالأحجار المنقوشة لقصد الأحكام وأرادوا أن لا يخلو بناؤهم من بركة اللبن الذي كان في بنائها الأوّل فوضعوه بين الأحجار المبنية بالقصة ولم يحصل الخلل إلا في الناحية الخالية منه وهي الشرقي وما يليه من القبلي والشامي وشاهد الحال في هذه الناحية يقتضي تجدّدها على ما قدمناه في العاشر ولما بلغوا بهدم الجدار الشامي نحو الأرض شرعوا في تنظيم الردم السائر للقبور الشريفة فمكثوا فيه يوما كاملا مع كثرتهم حتى ملؤا الحجرة فيما بلغني وتجنبت حضور ذلك خوفا من الوقوع في سوء الأدب ووضعوا هذا الردم بزاوية المسقف الغربي مما يلي طرف المسقف الشامي المسمى بالدكاك وبنى عليه متولي العمارة دكة بارزة هناك وفي صبيحة اليوم الثاني بعث إليّ متولي العمارة ألا تشرف بمشاهدة وضع الحجرة
стр. 728
الشريفة فحثني داعي الشوق إلى الإجابة وبلغ الوجد مني
مبلغا أتم نصابه ولله در القائل أتم نصابه ولله در القائل
ولو قيل للمجنون أرض أصابها ... غبار ثرى لبلى لجدّ وأسرعا
فتوجهت مستحضرا عظيم ما توجهت إليه ومتوقع المثول ببيت أوسع الخلق كرما وعفوا وذلك هو المعوّل عليه ولله در القائل
عصيت فقالوا كيف تلقى محمدا ... ووجهي بأثواب المعاصي مبرقع
عسى الله من أجل الحبيب وقربه ... يداركني بالعفو فالعفو أوسع
وسألت الله تعالى أن يمنحني حسن الأدب في ذلك المحل العظيم ويلهمني ما يستحقه من الإجلال والتعظيم وأن يرزقني منه القبول والرضا ولتجاوز عما سلف ومضى فاستأذنت ودخلت من مؤخر الحجرة ولم أتجاوزه فشممت رائحة عطرة ما شممت مثلها قط فلما قضيت من السلام والتشفع والتوسل الوطر متعت عيني من تلك الساحة بالنظر لا تحف بوصفها المشتاقين وأنشر من طيب أخبارها في المحبين فإذا هي أرض مستوية ولا أثر للقبور الشريفة بها وبوسطها موضع فيه ارتفاع يسير توهموا إنه القبر النبوي فأخذوا من ترابه للتبرك فيما زعموا لجهلهم بأخبار الحجرة الشريفة فقد قال الشافعيّ ردّا على من قال إن النبيّ ﷺ أدخل قبره معترضا هذا من فحش الكلام في الأخبار لأن قبر رسول الله ﷺ كان قريبا من الجدار وكان للحد تحت الجدار أي جدار القبلة فكيف توضع الجنازة على عرض القبر حتى صار معترضا انتهى
стр. 729
وفي تحفة أبن عساكر عن جابر ﵁ رش قبر النبيّ ﷺ وكان الذي رش على قبره بلال بن رباح بقربة بدأ من قبل رأسه حتى انتهى إلى رجليه ثم ضرجه بالماء إلى الجدار ولم يقدر على أن يدور من الجدار لأنهم جعلوا بين قبره وبين حائط القبلة نحوا من سوط وفي طبقات أبن سعد عن محمد بن عبد الرحمن عن أبيه قال سقط حائط قبر النبيّ ﷺ في زمن عمر بن عبد العزيز وهو يومئذ على المدينة في ولاية الوليد فكنت في أوّل من نهض فنظرت إلى قبر النبي ﷺ فإذا ليس بينه وبين حائط عائشة إلا نحو من شبر فعرفت إنهم لم يدخلوه من قبل القبلة وفي خبر عبد الله بن عقيل في قصة سقوط الجدار عند أبن زبالة ويحيى إن عمر بن عبد العزيز قال لمزاحم لما دخل كيف ترى قبر النبي ﷺ قال متطأطأ قال فكيف ترى قبر الرجلين قال مرتفعين قال أشهد أنه رسول الله ﷺ وقد قدمنا ما شاهدناه من وصف الحجرة وذرعها في العاشر والتفاوت بين داخل أرض الحجرة وما حول الحائز الظاهر من أرض المسجد نحو ثلاثة أذرع وآثار الردم الذي أخرج في الجدران نحو ثلاثة أذرع في بعض المواضع وفي بعضها نحو ذراعين ثم شرعوا في إعادة بناء الحجرة في سابع عشري شعبان فاقتضى رأيهم إدخال الأسطوانة الملاصقة لجدار الحجرة الشامي خلفه في عرض ذلك الجدار فزادوا في عرضه من الرحبة التي هناك وجعلوه
стр. 730
متفاوت العرض فأسسوا عرض ما يلي المشرق منه إلى نهاية محاذاة الأسطوانة التي أدخلوها نحو ثلاثة أذرع وما يلي المغرب منه دون ذلك بنحو نصف ذراع فصارت الجهة الأولى بارزة على الثانية في الرحبة التي هناك كما سيأتي تصويره وعقدوا قبوا على نحو ثلث الحجرة الذي يلي المشرق والأرجل الشريفة ليتأتى لهم تربيع محل القبة المتخذة على بقية الحجرة من المغرب لأن الحجرة مستطيلة بين المشرق والمغرب كما يعلم مما سبق في ذرعها وأدخلوا ما كان بين الجدار الداخل والخارج من المشرق في عرض حائط القبو المذكور إلى نهاية ارتفاعه وكذا فعلوا فيما كان بين الجدار القبلي الداخل والخارج سدوه أيضا حتى لم يبق حول البناء الداخل فضاء إلا من جهة الشام وصار علو القبو المذكور أعني سطحه وما أتصل به مما كان بين الجدارين في المشرق فضاء أيضا بين القبة وبين الجدار الظاهر في المشرق والجدار الظاهر في القبلة واتخذوا له سترة من الشام وعقدوا القبة على جهة الرؤوس الشريفة بأحجار منحوتة من الأسود وكملت من الحجر الأبيض وارتفاع القبة من أرض الحجرة إلى محل هلال القبة ثمانية عشر ذراعا وربع ذراع ومن أرض الحجرة إلى رأس القبو الذي بنى عليه جانب القبة الشرقي نحو أثنى عشر ذراعا وجعلوا على رأس جدار القبة الشامي بناء يسيرا مما بقى من اللبن الذي تقدّم وجوده فيما هدم من الحجرة وكان كثيرا فأخذ أكثره وذكر لي متولي العمارة إنه جعل الميزاب الذي وجد بالحجرة من عرعر
стр. 731
وقد أحترق بعضه في حرق هذا البناء وتركوا في نحو وسط هذا الجدار خوخة فلما لم يبق إلا هي أدخلوا منها شيئا كثيرا من حصباء عرصة العقيق التي يفرش بها المسجد بعد أن غسلوها لتوضع على محل القبور الشريفة وكنت قد ذكرت لهم إن القبر الشريف يلي جدار القبلة كما سبق وإنه يستنبط مما سبق في كون المسمار من الجدار الظاهر في محاذاة الوجه الشريف إن ابتداء القبر الشريف من المغرب
على نحو ذراعين من الجدار القبليّ الداخل لأنا إذا أسقطنا عرض الجدار بين الغربيين أعني الداخل منهما والخارج وهو نحو ثلاثة أذرع كان الباقي مما بين المسمار وطرف الصفحة الغربية نحو الذراعين فاستحسنوا ذلك وتولى الدخول ووضع الحصباء على القبور الشريفة أبن أخي متولي العمارة وصهره زوج أخته فوضعوا الحصباء على المحل المذكور وأخذوا بالصفة المشهورة في كيفية القبور الشريفة من كون رأس أبي بكر خلف منكب رسول الله ﷺ ورأس عمر خلف منكب أبي بكر ﵁ فوضعوا الحصباء لهما كذلك وكان صهر متولي العمارة حنفيا فجعلها مسنمة وأكثروا في ذلك المحل من البخور بالعود والعنبر وغيرهما من أنواع الروائح وعرف المحل الشريف على ذلك كله راجح فائح ولله در القائللى نحو ذراعين من الجدار القبليّ الداخل لأنا إذا أسقطنا عرض الجدار بين الغربيين أعني الداخل منهما والخارج وهو نحو ثلاثة أذرع كان الباقي مما بين المسمار وطرف الصفحة الغربية نحو الذراعين فاستحسنوا ذلك وتولى الدخول ووضع الحصباء على القبور الشريفة أبن أخي متولي العمارة وصهره زوج أخته فوضعوا الحصباء على المحل المذكور وأخذوا بالصفة المشهورة في كيفية القبور الشريفة من كون رأس أبي بكر خلف منكب رسول الله ﷺ ورأس عمر خلف منكب أبي بكر ﵁ فوضعوا الحصباء لهما كذلك وكان صهر متولي العمارة حنفيا فجعلها مسنمة وأكثروا في ذلك المحل من البخور بالعود والعنبر وغيرهما من أنواع الروائح وعرف المحل الشريف على ذلك كله راجح فائح ولله در القائل
بطيب رسول الله طاب نسيمها ... فما المسك ما الكافور ما المندل الرطب
وألقى جماعة من الناس أوراقا كتبوا فيها التشفع بالحبيب الشفيع ﷺ ومآرب سألوها ثم سدّوا الخوخة المذكورة ونصبوا بأعلى القبة هلالا من نحاس أصفر
стр. 732
يقرب من سقف المسجد فإن القبة المذكورة تحته ثم سدوا ما هدموه من الجدار الظاهر وأنا حاضر وحضرت في بعض بناء الحجرة متبركا بالعمل فيه ولم أحضر غير ذلك طلبا للسلامة وأنشدت في ذلك المحل الشريف قصيدتي التي تطفلت بها على واسع كرم الجناب الرفيع الحبيب الشفيع الحال بهذا الحمى المنيع التي أوّلها
قف بالديار لحيّ في ذرى الحرم ... وحيّ هذا المحيا من ذوي أضم
وكان ختم هذا البناء في يوم الخميس سابع شوّال عام أحد وثمانين وثمانمائة وصرفوا في ذلك وفي غيره من عمارة المسجد وترخيم الحجرة الشريفة وإعادة منارة مسجد قباء بعد سقوطها وبعض سقفه وإحكام مصرف مياه الأمطار التي كانت تجتمع حول المسجد وتسييرها إلى سروب وسنح عين الأزرق مالا جزيلا وقد صوّرنا ما استقرّ عليه الأمر في هيئة الحجرة المنيفة والقبور الشريفة بها وجعلنا صورة الحائز الظاهر بالأحمر والبناء الداخل بالأسود وجعلنا خطا لرأس القبر وخطوطا لما جعل عليه وعلى ما يحاذيه من الجدارات لأركان القبة فلا يتوهم إن ذلك بأرض الحجرة الشريفة
стр. 733
" خاتمة فيما نقل من عمل خندق مملوء من الرصاص حول الحجرة الشريفة وما ناسب سببه " قال الجمال الأسنوي في رسالة له في منع الولاة من استعمال النصارى إن الملك العادل نور الدين الشهيد رأى النبيّ ﷺ في نومه في ليلة ثلاث مرات وهو يشير إلى رجلين أشقر بن ويقول أنجدني أنقذني من هذين فأرسل إلى وزيره وتجهزا في بقية ليلتهما على رواحل خفيفة في عشرين نفرا وصحب مالا كثيرا وقدم المدينة في ستة عشر يوما فزارا ثم أمر بإحضار أهل المدينة بعد كتابتهم وصار يتصدّق عليهم ويتأمل تلك الصفة إلى أن انفضت الناس فقال هل بقى أحد قالوا لم يبق سوى رجلين صالحين عفيفين مغربيين يكثران الصدقة فطلبهما فرآهما فإذا هما الرجلان اللذان أشار إليهما النبيّ ﷺ فسأل عن منزلهما فأخبرانهما في رباط بقرب الحجرة فأمسكهما ومضى إلى منزلهما فلم ير إلا خيمتين وكتبا في الرقائق ومالا كثيرا فأثنى عليهما أهل المدينة بخير كثير فرفع السلطان حصيرا في البيت فرأى سردابا محفورا ينتهي إلى صوب الحجرة فارتاعت الناس لذلك وقال لهما السلطان أصدقاني وضربهما ضربا شديدا فاعترفا إنهما نصرانيان بعثهما سلطان النصارى في زي حجاج المغاربة وأمالهما بأموال عظيمة ليتحيلا في الوصول إلى الجناب الشريف ونقله وما يترتب عليه فنزلا بأقرب رباط وصارا يحفران ليلا ولكل منهما محفظة جلد والذي يجتمع من التراب يخرجانه في محفظتيهما إلى البقيع بعلة الزيارة فلما قربا من الحجرة الشريفة أرعدت السماء وأبرقت
стр. 734
وحصل رجيف عظيم فقدم السلطان صبيحة تلك الليلة فلما ظهر حالهما بكى السلطان بكاء شديدا وأمر بضرب رقابهما فقتلا تحت الشباك الذي يلي الحجرة الشريفة ثم أمر بإحضار رصاص عظيم وحفر خندقا عظيما إلى الماء حول الحجرة الشريفة كلها وأذيب ذلك الرصاص ومليء به الخندق فصار حول الحجرة الشريفة كلها سورا رصاصا إلى الماء انتهى وأشار المطري لذلك مع مخالفة في بعضه ولم يذكر أمر الرصاص فقال ووصل السلطان نور الدين محمود زنكي بن آقسنقر في سنة سبع وخمسين وخمسمائة إلى المدينة بسبب رؤيا رآها ذكرها بعض الناس وسمعتها من الفقيه علم الدين يعقوب بن أبي بكر المحترق أبوه ليلة حريق المسجد عمن حدثه من أكابر من أدرك إن السلطان المذكور رأى النبيّ ﷺ ثلاث مرات في ليلة وهو يقول في كل مرة يا محمود أنقذني من هذين لشخصين أشقرين تجاهه فاستحضر وزيره قبل الصبح فذكر ذلك له فقال هذا أمر حدث بالمدينة النبوية ليس له غيرك فتجهز على عجل بمقدار ألف راحلة وما يتبعها حتى دخل المدينة على حين غفلة من أهلها ثم ذكر قصة الصدقة وإنه لم يبق إلا رجلان مجاوران من أهل الأندلس نازلان في الناحية التي قبلة حجرة النبي ﷺ عند دار آل عمر المعروفة بدار العشرة فجدّ في طلبهما فلما رآهما قال للوزير هما هذان فسألهما عن حالهما فقالا جئنا للمجاورة فقال أصدقاني وعاقبهما فأقرا إنهما من النصارى وإنهما وصلا لكي ينقلا من
стр. 735
بالحجرة الشريفة باتفاق من ملوكهم ووجدهما قد حفرا تحت الأرض من تحت حائط المسجد القبلي وهما قاصدان لجهة الحجرة يجعلان التراب في بئر عندهما في البيت فضرب أعناقهما عند الشباك الذي شرقي الحجرة خارج المسجد ثم أحرقا بالنار آخر النهار وركب السلطان متوجها إلى الشام انتهى ونقل أبن النجار في تاريخ بغداد وقوع ما يقرب من ذلك وهو إن بعض الزنادقة أشار على الحاكم العبيدي صاحب مصر بنقل النبي ﷺ وصاحبيه من المدينة إلى مصر وقال متى تم لك ذلك شدّ الناس رحالهم من أقطار الأرض إلى مصر وكان منقبة لسكانها فأجتهد الحاكم في مدّة وبنى بمصر
حائزا وبعث أبا الفتوح إلى نبش الموضع الشريف فلما وصل إلى المدينة وجلس بها حضر جماعة المدنيين وقد علموا ما جاء فيه وحضر معهم قارئ يعرف بالزلباني فقرأ في المجلس وإن نكثوا إيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم إلى قوله إن كنتم مؤمنين فماج الناس وكادوا يقتلون أبا الفتوح ومن معه وما منعهم من السرعة إلى ذلك إلا أن البلاد كانت لهم فلما رأى أبو الفتوح ذلك قال لهم الله أحق أن يخشى والله لو كان على من الحاكم فوات الروح ما تعرضت للموضع وحصل له من ضيق الصدر ما أزعجه وكيف نهض في هذه المخزية فما أنصرف النهار حتى أرسل الله ريحا كادت الأرض تزلزل من فوقها حتى درجت الإبل بأقتابها والخيل بسروجها كما تدحرج الكرة وهلك أكثرها وخلق من الناس فأنشرح صدر أبي الفتوح وذهب روعه من الحاكم لقيام عذره وفي الرياض النضرة للمحب الطبريّ أخبرني هارون أبن الشيخ عمر بن الزغب وهو ثقة صدوق مشهور بالخير والصلاح عن أبيه وكان من الرجال الكبار قال قال لي شمس الدين صواب اللمطي شيخ خدام النبيّ ﷺ وكان رجلا صالحا كثير البر بالفقراء أخبرك بعجيبة كان لي صاحب يجلس عند الأمير ويأتيني من خبره بما تمس حاجتي إليه فبينما أنا ذات يوم إذ جاءني فقال أمر عظيم حدث اليوم جاء قوم من أهل حلب وبذلوا للأمير مالا كثيرا ليمكنهم من فتح الحجرة الشريفة وإخراج أبي بكر وعمر ﵁ منها فاجأتهم لذلك فلم ألبث إن جاء رسول الأمير يدعوني فأجبته فقال يا صواب يدق عليك الليلة أقوام المسجد فافتح لهم ومكنهم مما أرادوا ولا تعترض عليهم فقلت سمعا وطاعة ولم أزل خلف الحجرة أبكي حتى صليت العشاء وغلقت الأبواب فلم أنشب إن دق عليّ الباب الذي حذاء باب الأمير أي وهو باب السلام ففتحت الباب فدخل أربعون رجلا أعدهم واحدا بعد واحد ومعهم المساحي والمكاتل والشموع وآلات الهدم والحفر قال وقصدوا الحجرة الشريفة فوالله ما وصلوا المنبر حتى ابتلعتهم الأرض جميعهم بجميع ما كان معهم فاستبطأ الأمير خبرهم فدعاني وقال يا صواب ألم يأتك القوم قلت بلى ولكن أتفق لهم كيت وكيت قال أنظر ما تقول قلت هو ذاك وقم فأنظر هل ترى لهم أثرا فقال هذا موضع هذا الحديث وإن ظهر منك كان يقطع رأسك قال المطري فحكيتها لمن أثق بحديثه فقال وأنا كنت حاضرا في بعض الأيام عند الشيخ أبي عبد الله القرطبي بالمدينة والشيخ شمس الدين صواب يحكي له هذه الحكاية سمعتها من فيه انتهى وقد ذكرها مختصرة أبو محمد عبد الله بن أبي عبد الله بن أبي محمد المرجاني في تاريخ المدينة له وقال سمعتها من والدي يعني الإمام الجليل أبا عبد الله المرجاني قال سمعتها من والدي أبي محمد المرجاني سمعها من خادم الحجرة سمعتها أنا من خادم الحجرة وذكر نحو ما تقدّم إلا أنه قال فدخل خمسة عشر أو قال عشرون رجلا فما مشوا إلا خطوة أو خطوتين وابتلعتهم الأرض. ئزا وبعث أبا الفتوح إلى نبش الموضع الشريف فلما وصل إلى المدينة وجلس بها حضر جماعة المدنيين وقد علموا ما جاء فيه وحضر معهم قارئ يعرف بالزلباني فقرأ في المجلس وإن نكثوا إيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم إلى قوله إن كنتم مؤمنين فماج الناس وكادوا يقتلون أبا الفتوح ومن معه وما منعهم من السرعة إلى ذلك إلا أن البلاد كانت لهم فلما رأى أبو الفتوح ذلك قال لهم الله أحق أن يخشى والله لو كان على من الحاكم فوات الروح ما تعرضت للموضع وحصل له من ضيق الصدر ما أزعجه وكيف نهض في هذه المخزية فما أنصرف النهار حتى أرسل الله ريحا كادت الأرض تزلزل من فوقها حتى درجت الإبل بأقتابها والخيل بسروجها كما
стр. 736
تدحرج الكرة وهلك أكثرها وخلق من الناس فأنشرح صدر أبي الفتوح وذهب روعه من الحاكم لقيام عذره وفي الرياض النضرة للمحب الطبريّ أخبرني هارون أبن الشيخ عمر بن الزغب وهو ثقة صدوق مشهور بالخير والصلاح عن أبيه وكان من الرجال الكبار قال قال لي شمس الدين صواب اللمطي شيخ خدام النبيّ ﷺ وكان رجلا صالحا كثير البر بالفقراء أخبرك بعجيبة كان لي صاحب يجلس عند الأمير ويأتيني من خبره بما تمس حاجتي إليه فبينما أنا ذات يوم إذ جاءني فقال أمر عظيم حدث اليوم جاء قوم من أهل حلب وبذلوا للأمير مالا كثيرا ليمكنهم من فتح الحجرة الشريفة وإخراج أبي بكر وعمر ﵁ منها فاجأتهم لذلك فلم ألبث إن جاء رسول الأمير يدعوني فأجبته فقال يا صواب يدق عليك الليلة أقوام المسجد فافتح لهم ومكنهم مما أرادوا ولا تعترض عليهم فقلت سمعا وطاعة ولم أزل خلف الحجرة أبكي حتى صليت العشاء وغلقت الأبواب فلم أنشب إن دق عليّ الباب الذي حذاء باب الأمير أي وهو باب السلام ففتحت الباب فدخل أربعون رجلا أعدهم واحدا بعد واحد ومعهم المساحي والمكاتل والشموع وآلات الهدم والحفر قال وقصدوا الحجرة الشريفة فوالله ما وصلوا المنبر حتى ابتلعتهم الأرض جميعهم بجميع ما كان معهم فاستبطأ الأمير خبرهم فدعاني وقال يا صواب ألم يأتك القوم قلت بلى ولكن أتفق لهم كيت وكيت قال أنظر ما تقول قلت
стр. 737
هو ذاك وقم فأنظر هل ترى لهم أثرا فقال هذا موضع هذا الحديث وإن ظهر منك كان يقطع رأسك قال المطري فحكيتها لمن أثق بحديثه فقال وأنا كنت حاضرا في بعض الأيام عند الشيخ أبي عبد الله القرطبي بالمدينة والشيخ شمس الدين صواب يحكي له هذه الحكاية سمعتها من فيه انتهى وقد ذكرها مختصرة أبو محمد عبد الله بن أبي عبد الله بن أبي محمد المرجاني في تاريخ المدينة له وقال سمعتها من والدي يعني الإمام الجليل أبا عبد الله المرجاني قال سمعتها من والدي أبي محمد المرجاني سمعها من خادم الحجرة سمعتها أنا من خادم الحجرة وذكر نحو ما تقدّم إلا أنه قال فدخل خمسة عشر أو قال عشرون رجلا فما مشوا إلا خطوة أو خطوتين وابتلعتهم الأرض.
стр. 738
" الفصل الثالث عشر ". في الحريق الأوّل المستولي على ما سبق وعلى سقف المسجد وما أعيد من ذلك ثم الحريق الثاني وما ترتب عليه
أحترق المسجد النبوي أوّلا ليلة الجمعة أوّل شهر رمضان سنة أربع وخمسين وستمائة أوّل الليل لدخول أبي بكر بن أوحد الفراش الحاصل الذي في الزاوية الغربية الشمالية لاستخراج قناديل لمناير المسجد وترك الضوء الذي كان في يده على قفص من أقفاص القناديل فيه مشاق فاشتعلت النار فيه وأعجزه طفؤها وعلقت ببسط وغيرها مما في الحاصل وعلا الالتهاب حتى علقت بالسقف مسرعة آخذة قبله وأعجلت الناس عن إطفائها بعد أن نزل أمير المدينة وأجتمع معه غالب أهلها فلم يقدروا على طفئها وما كان إلا أقل من القليل حتى استولى الحريق على جميع سقف المسجد وما أحتوى عليه من المنبر النبوي والأبواب والخزائن والمقاصير والصناديق ولم يبق خشبة واحدة أي كاملة وكذا الكتب والمصاحف وكسوة الحجرة الشريفة
стр. 739
قال القسطلاني وكان عليها حينئذ إحدى عشرة ستارة وأزالت النار تلك الزخارف التي لا ترضى وشوهد من هذه النار إن صفة القهر والعظمة الإلهية مستولية على الشريف والمشروف وكان هذا الحريق عقب ظهور نار الحجاز المنذر بها من أهل أرض المدينة وحماية أهلها منها لما التجئوا إلى مسجدها كما سبق فطفئت عند وصولها لحرمها وربما خطر ببال العوام إن حبسها عنهم ببركة الجوار موجب لحبسها عنهم في الآخرة مع اقتراف الأوزار فاقتضى الحال البيان بلسان الحال الذي هو أفصح من لسان المقال والنار مطهرة لأدناس الذنوب وقد كان الاستيلاء على المسجد حينئذ للروافض والقاضي والخطيب منهم وأساءوا الأدب لما ذكرناه في الأصل عن رحلة بن جبير ولذا وجد عقب الحريق على بعض جدران المسجد
لم يحترق حرم النبيّ لحادث ... يخشى عليه وما به من عار
لكنما أيدي الروافض لامست ... تلك الرسوم فطهرت بالنار
ووجد أيضا
قل للروافض بالمدينة ما بكم ... لقيادكم للذم كل سفيه
ما أصبح الحرم الشريف محرقا ... إلا لبسكم الصحابة فيه
стр. 740
ولم يسلم من الحريق سوى القبة التي أحدثها الناصر لدين الله لحفظ ذخائر الحرم قال المطري مثل المصحف الشريف العثماني وعدة صناديق كبار متقدّمة التاريخ صنعت أي الصناديق بعد الثلاثمائة وهي باقية إلى اليوم وذلك لكون القبة المذكورة بوسط صحن المسجد وببركة المصحف الشريف العثماني انتهى وقضيته نسبة المصحف المذكور إلى عثمان ﵁ وقد ذكرنا في الأصل ما قيه وعمرت القبة المذكورة سنة ست وسبعين وخمسمائة قال المؤرخون وبقيت سواري المسجد قائمة كأنها جذوع النخل إذا هبت الرياح تتمايل وذاب الرصاص من بعض الأساطين فسقطت ووقع السقف الذي كان على أعلى الحجرة على سقف بيت النبيّ ﷺ فوقعا جميعا في الحجرة الشريفة وعلى القبور المقدّسة وفي صبيحة الجمعة عزلوا موضعا للصلاة وكتبوا بذلك للخليفة المستعصم بالله بن المنتصر بالله فوصلت الآلات صحبة الصناع مع ركب العراق في الموسم وابتدئ بالعمارة أوّل سنة خمس وخمسين وستمائة وقصدوا إزالة ما وقع من السقوف على القبور الشريفة قلم يجسروا على ذلك واتفق رأي الأمير منيف بن شيخة بن هاشم بن قاسم بن مهنا الحسيني مع رأى أكابر الحرم أن يطالع الإمام المستعصم بذلك فيفعل ما يصل به أمره فأرسلوا بذلك فلم يصل جوابه لاشتغاله وأهل دولته بإزعاج
следующие страницы →