← История

История · id 31372

خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى

السمهودي

Полный текст (1 302 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

تدحرج الكرة وهلك أكثرها وخلق من الناس فأنشرح صدر أبي الفتوح وذهب روعه من الحاكم لقيام عذره وفي الرياض النضرة للمحب الطبريّ أخبرني هارون أبن الشيخ عمر بن الزغب وهو ثقة صدوق مشهور بالخير والصلاح عن أبيه وكان من الرجال الكبار قال قال لي شمس الدين صواب اللمطي شيخ خدام النبيّ ﷺ وكان رجلا صالحا كثير البر بالفقراء أخبرك بعجيبة كان لي صاحب يجلس عند الأمير ويأتيني من خبره بما تمس حاجتي إليه فبينما أنا ذات يوم إذ جاءني فقال أمر عظيم حدث اليوم جاء قوم من أهل حلب وبذلوا للأمير مالا كثيرا ليمكنهم من فتح الحجرة الشريفة وإخراج أبي بكر وعمر ﵁ منها فاجأتهم لذلك فلم ألبث إن جاء رسول الأمير يدعوني فأجبته فقال يا صواب يدق عليك الليلة أقوام المسجد فافتح لهم ومكنهم مما أرادوا ولا تعترض عليهم فقلت سمعا وطاعة ولم أزل خلف الحجرة أبكي حتى صليت العشاء وغلقت الأبواب فلم أنشب إن دق عليّ الباب الذي حذاء باب الأمير أي وهو باب السلام ففتحت الباب فدخل أربعون رجلا أعدهم واحدا بعد واحد ومعهم المساحي والمكاتل والشموع وآلات الهدم والحفر قال وقصدوا الحجرة الشريفة فوالله ما وصلوا المنبر حتى ابتلعتهم الأرض جميعهم بجميع ما كان معهم فاستبطأ الأمير خبرهم فدعاني وقال يا صواب ألم يأتك القوم قلت بلى ولكن أتفق لهم كيت وكيت قال أنظر ما تقول قلت

стр. 737

هو ذاك وقم فأنظر هل ترى لهم أثرا فقال هذا موضع هذا الحديث وإن ظهر منك كان يقطع رأسك قال المطري فحكيتها لمن أثق بحديثه فقال وأنا كنت حاضرا في بعض الأيام عند الشيخ أبي عبد الله القرطبي بالمدينة والشيخ شمس الدين صواب يحكي له هذه الحكاية سمعتها من فيه انتهى وقد ذكرها مختصرة أبو محمد عبد الله بن أبي عبد الله بن أبي محمد المرجاني في تاريخ المدينة له وقال سمعتها من والدي يعني الإمام الجليل أبا عبد الله المرجاني قال سمعتها من والدي أبي محمد المرجاني سمعها من خادم الحجرة سمعتها أنا من خادم الحجرة وذكر نحو ما تقدّم إلا أنه قال فدخل خمسة عشر أو قال عشرون رجلا فما مشوا إلا خطوة أو خطوتين وابتلعتهم الأرض.

стр. 738

" الفصل الثالث عشر ". في الحريق الأوّل المستولي على ما سبق وعلى سقف المسجد وما أعيد من ذلك ثم الحريق الثاني وما ترتب عليه أحترق المسجد النبوي أوّلا ليلة الجمعة أوّل شهر رمضان سنة أربع وخمسين وستمائة أوّل الليل لدخول أبي بكر بن أوحد الفراش الحاصل الذي في الزاوية الغربية الشمالية لاستخراج قناديل لمناير المسجد وترك الضوء الذي كان في يده على قفص من أقفاص القناديل فيه مشاق فاشتعلت النار فيه وأعجزه طفؤها وعلقت ببسط وغيرها مما في الحاصل وعلا الالتهاب حتى علقت بالسقف مسرعة آخذة قبله وأعجلت الناس عن إطفائها بعد أن نزل أمير المدينة وأجتمع معه غالب أهلها فلم يقدروا على طفئها وما كان إلا أقل من القليل حتى استولى الحريق على جميع سقف المسجد وما أحتوى عليه من المنبر النبوي والأبواب والخزائن والمقاصير والصناديق ولم يبق خشبة واحدة أي كاملة وكذا الكتب والمصاحف وكسوة الحجرة الشريفة

стр. 739

قال القسطلاني وكان عليها حينئذ إحدى عشرة ستارة وأزالت النار تلك الزخارف التي لا ترضى وشوهد من هذه النار إن صفة القهر والعظمة الإلهية مستولية على الشريف والمشروف وكان هذا الحريق عقب ظهور نار الحجاز المنذر بها من أهل أرض المدينة وحماية أهلها منها لما التجئوا إلى مسجدها كما سبق فطفئت عند وصولها لحرمها وربما خطر ببال العوام إن حبسها عنهم ببركة الجوار موجب لحبسها عنهم في الآخرة مع اقتراف الأوزار فاقتضى الحال البيان بلسان الحال الذي هو أفصح من لسان المقال والنار مطهرة لأدناس الذنوب وقد كان الاستيلاء على المسجد حينئذ للروافض والقاضي والخطيب منهم وأساءوا الأدب لما ذكرناه في الأصل عن رحلة بن جبير ولذا وجد عقب الحريق على بعض جدران المسجد لم يحترق حرم النبيّ لحادث ... يخشى عليه وما به من عار لكنما أيدي الروافض لامست ... تلك الرسوم فطهرت بالنار ووجد أيضا قل للروافض بالمدينة ما بكم ... لقيادكم للذم كل سفيه ما أصبح الحرم الشريف محرقا ... إلا لبسكم الصحابة فيه

стр. 740

ولم يسلم من الحريق سوى القبة التي أحدثها الناصر لدين الله لحفظ ذخائر الحرم قال المطري مثل المصحف الشريف العثماني وعدة صناديق كبار متقدّمة التاريخ صنعت أي الصناديق بعد الثلاثمائة وهي باقية إلى اليوم وذلك لكون القبة المذكورة بوسط صحن المسجد وببركة المصحف الشريف العثماني انتهى وقضيته نسبة المصحف المذكور إلى عثمان ﵁ وقد ذكرنا في الأصل ما قيه وعمرت القبة المذكورة سنة ست وسبعين وخمسمائة قال المؤرخون وبقيت سواري المسجد قائمة كأنها جذوع النخل إذا هبت الرياح تتمايل وذاب الرصاص من بعض الأساطين فسقطت ووقع السقف الذي كان على أعلى الحجرة على سقف بيت النبيّ ﷺ فوقعا جميعا في الحجرة الشريفة وعلى القبور المقدّسة وفي صبيحة الجمعة عزلوا موضعا للصلاة وكتبوا بذلك للخليفة المستعصم بالله بن المنتصر بالله فوصلت الآلات صحبة الصناع مع ركب العراق في الموسم وابتدئ بالعمارة أوّل سنة خمس وخمسين وستمائة وقصدوا إزالة ما وقع من السقوف على القبور الشريفة قلم يجسروا على ذلك واتفق رأي الأمير منيف بن شيخة بن هاشم بن قاسم بن مهنا الحسيني مع رأى أكابر الحرم أن يطالع الإمام المستعصم بذلك فيفعل ما يصل به أمره فأرسلوا بذلك فلم يصل جوابه لاشتغاله وأهل دولته بإزعاج

стр. 741

التتار لهم واستيلائهم على أعمال بغداد في تلك السنة فتركوا الردم على حاله ولم ينزل أحد هناك زاد المجد اللغوي ولم يجسر أحد على التعرض لهذه العظيمة التي دون مرامها تزل الأقدام ولا يتأتى من كل أحد بادئ بدء الدخول فيه والأقدام انتهى وكنت أتعجب من ذلك وأرى أنّ الأدب والتعظيم في المبادرة لإزالة ذلك وظننته يزال من غير ارتكاب سوء أدب وصنعت فيه تأليفا حتى اتفقت العمارة المتقدّم ذكرها فلما نفضوا الموضع المنشق من الحائز الظاهر ظهر إنّ حصة ما بين الحائزين من الهدم نحو القامة فعلت عذر أهل ذلك الزمان ووجه توقفهم ولذا لم أحضر إزالة ما في جوف الحجرة الشريفة بعد الاستخارة وقد اقتضى كلام المطري ومن تبعه إنهم أعادوا سقف الحجرة على رؤوس سواري المسجد وأعادوا الشباك على الحائز الظاهر إلى ذلك السقف فصار سقف المسجد سقف الحجرة وقد قدّمنا في الفصل العاشر ردّه لمشاهدتنا لسقف الحجرة أسفل السقف المذكور على جدارها الداخل ويتصل أيضا بالخارج من المشرق والمغرب وسقفوا في سنة خمس وخمسين المذكورة الحجرة الشريفة وما حولها إلى الحائط القبلي وإلى الحائط الشرقي إلى باب جبريل ومن

стр. 742

المغرب الروضة جميعها إلى المنبر ثم دخلت سنة ست وخمسين وستمائة فكان في الحرّم منها وقعة بغداد واستيلاء التتار عليها مع ما أسلفناه في العاشر من الباب الأوّل فوصلت الآلات من صاحب مصر المنصور نور الدين علي بن المعوايبك الصالحي ووصل أيضا آلات من صاحب اليمن المظفر شمس الدين يوسف بن المنصور عمر بن علي بن رسول فعمدوا إلى باب السلام ثم عزل صاحب مصر في ذي القعدة سنة سبع وخمسين وتولى مكانه مملوك أبيه المظفر سيف الدين قطز المعزي واسمه الأوّل محمود بن ممدود أمه أخت السلطان جلال الدين خوارزم شاه وأبوه أبن عمه أسر عند غلبة التتار فبيع بدمشق ثم بمصر وتملك في ثامن عشر القعدة من سنة سبع وفي شهر رمضان من سنة ثمان أعز الله الإسلام على يده بوقعة عين جالوت ثم قتل بعد الوقعة بشهر وهو داخل إلى مصر وكان العمل في المسجد تلك السنة من باب السلام إلى باب الرحمة ومن باب جبريل إلى باب النساء وتولى مصر آخر تلك السنة الظاهر ركن الدين بيبرس الصالحي البندقداري فحصل منه اهتمام بأمر المسجد فجهز الآلات وثلاثة وخمسين صانعا وما يمونهم وأنفق عليهم قبل سفرهم وأرسل معهم الأمير جمال الدين محسن الصالحي وغيره ثم صار يمدّهم بالآلات والنفقات فعمل في أيامه باقي سقف المسجد من باب الرحمة إلى شمالي المسجد ثم إلى باب النساء وكمل سقف المسجد كما كان قبل الحريق سقفا فوق سقف إلا السقف الشمالي فإنه جعل

стр. 743

سقفا واحدا ولم يزل المسجد على ذلك حتى جدد السقف الغربي والسقف الشرقي اللذان عن يمين صحن المسجد وشماله في أوائل دولة الناصر محمد بن قلاوون الصالحي فجعلا سقفا واحدا يشبه الشمالي وذلك في سنتي خمس وست وسبعمائة ثم أمر الناصر المذكور سنة تسع وعشرين وسبعمائة بزيادة رواقين متصلين بمؤخر المسقف القبلي فاتسع سقفه بهما وعم نفعهما إذ صار سبعة أروقة وكان خمسة كالشمالي كما صرح به أبن جبير والشمالي اليوم أربعة فزادوا منه رواقا في صحن المسجد لما نقصوا منه الرواقين المذكورين ثم حصل في هذين الرواقين خلل فجدّدهما الأشرف برسباي سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة على يد مقبل القديدي من مال جوالي قبرس وكانا سقفا واحدا نسبة الشمالي والشرقي والغربي أيضا موازيا للسقف الأسفل من المسقف القبلي والأعلى مرتفع هناك نحو القامة وكان يدخل لما بين سقفيه من باب هناك يلي سقف الرواقين المذكورين وجدد الأشرف أيضا شيئاً من السقف الشامي مما يلي المنارة السنجارية ثم جدد الظاهر جقمق كثيرا من سقف مقدّم المسجد من الروضة وغيرها في سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة وفيما قبلها على يد الأمير بردبك الناجي وغيره ثم جدد سلطان زماننا الأشرف قايتباس جانبا من السقف الشرقي بعد هدم عقوده التي تلي صحن المسجد وما يلي المنارة الشامية الشرقية من سوره إلى طرف دكاك المسقف الشامي ثم أعيد ذلك سنة تسع وسبعين وثمانمائة بعد تفويض العمارة للشمس بن

стр. 744

الزمن ثم في سنة إحدى وثمانين ورد متولي العمارة المذكور فجدّد كثيرا من السقف الأعلى بمقدّم المسجد من الروضة وما يليها وكان مولعا بالتغيير والتبديل فأتخذ عقودا من الآجر على رؤوس السواري التي عليها السقف الأسفل موضع العبارات التي كان السقف الأعلى موضوعا عليها ولم يبال بارتفاع تلك الجهة التي عمرها على ما حولها من السقف الأعلى وجدّد أيضا سقف الرواق الذي يلي الأرجل الشريفة في المشرق وسقف رواق باب جبريل ﵇ والسقف الأسفل في موقف الزائرين وشيئاً مما حوّل الحجرة الشريفة داخل المقصورة وشيئاً من المسقف الشامي وغيره مع إعارة الحجرة المتقدّم ذكرها وإبدال ما كان عليها من السقف بقبة لطيفة أسفل سقف المسجد المحاذي للقبة الكبرى المعروفة بالزرقاء مع التغيير الآتي فيها ثم أحترق المسجد النبوي ثانيا في الثالث الأخير من ليلة الثالث عشر من شهر رمضان عام ست وثمانين وثمانمائة وقد قام رئيس المؤذنين شمس الدين بن الخطيب يهلل بالمنارة الشرقية اليمانية المعروفة بالرئيسية مع بقية المؤذنين وقد تراكم الغيم وحصل رعد قاصف فسقطت صاعقة أصاب بعضها هلال المنارة الرئيسية فسقط شرقيّ المسجد له لهب كالنار وأنشق رأس المنارة وتوفى الرئيس لحينه صعقا وأصاب ما نزل من الصاعقة سقف المسجد الأعلى عند المنارة المذكورة فعلقت النار فيه وفي السقف الأسفل ففتحت أبواب المسجد

стр. 745

ونودي بأن الحريق في المسجد فأجتمع أمير المدينة قسيطل بن زهير الجمازي وأهل المدينة بالمسجد كلهم وصعد أهل النجدة بالمياه لطفئ النار وقد التهبت آخذة في الشمال والمغرب فعجزوا عن طفئها وكادت تدركهم فهربوا ونزلوا بما كان معهم من الحبال لاستقاء الماء إلى شمالي المسجد وسقط بعضهم فهلك ولجأ بعضهم مع من حالت النار بينه وبين الأبواب إلى صحن المسجد ومات في هذا الحريق المذكور زيادة على عشرة أنفس وعظمت النار جدّا واستولت على سائر سقف المسجد وما فيه من خزائن الكتب والربعات والمصاحف غير ما بادروا بإخراجه وغير القبة التي بالصحن وذلك كله في نحو عشر درج وصار المسجد كبحر لجيّ من نار ترمي بشرر كالقصر ويسقط شررها على بيوت الجيران فلا يؤذيها وأخبرني أمير المدينة الزيني قسيطل إن شخصا من العرب الصادقين رأى قبل ذلك بليلة إن السماء فيها جراد منتشر ثم عقبته نار عظيمة فأخذ النبيّ ﷺ النار وقال أمسكها عن أمتي وأخبرني جماعة إنهم شاهدوا أشكال طيور بيض يحومون حول النار كالذي يكفها عن بيوت الجيران مع هرب كثير منهم لما رأوا تساقط الشرر وخرج بعضهم من باب المدينة لعظم ما شاهدوه من الهول وظنوا إنهم أحيط بهم ولم أشهد ذلك لأني سافرت إلى مكة للاعتمار مستهل رمضان المذكور وتركت كتبي بخلوة كنت أقيم بها بمؤخر المسجد فاحترقت

стр. 746

وقد عوضها الله مع ما منّ به من السلامة وبرد الرضا ثم لما أصبحوا ابدءوا بطفئ ما سقط على القبة اللطيفة التي جعلت بدلا عن سقف الحجرة الشريفة وكان الذي سقط عليها حريق القبة الزرقاء الظاهرة بالسقف الأعلى ورصاصها وسقف المسجد الأسفل الذي كان بين القبتين والشباك الذي بأعلى الحائز المتقدّم ذكره ولم يصل إلى جوف الحجرة الشريفة شيء من هدم هذا الحريق نحمد الله تعالى لسلامة القبة السفلى المذكورة وعدم تأثير النار فيها مع ما سقط عليها مما هو كأمثال الجبال مع إن بعضها من الحجر الأبيض الذي يسرع تأثره بالنار وقد أثرت هذه النار في أحجار الأساطين وهي من الأسود حتى تهشم بعضها وتفتت وعدّة ما سقط منها مائة وبضع وعشرون أسطوانة ومنّ الله تعالى أيضا بسلامة الأساطين الملاصقة للحجرة الشريفة وأحترق المنبر وصندوق المصلى الشريف وما يعلوه من الأخشاب والمقصورة التي كانت حول الحجرة الشريفة وسقطت أكثر عقود المسجد التي تلي صحنه وعلو المنارة الرئيسية ثم كتبوا لسلطان زماننا الأشرف قايتباي بذلك ونظفوا مقدّم المسجد ونقلوا هدمه إلى مؤخره وعمل في ذلك أمير المدينة وقضاتها وعامة أهلها حتى النساء والصبيان تقربا إلى الله تعالى وفي ذلك كله عبرة تامة وموعظة عامة أبرزها الله تعالى للإنذار فخص بها حضرة النذير ﷺ وقد ثبت إن أعمال أمته تعرض عليه فلما ساءت منا

стр. 747

الأعمال المعروضة ناسب ذلك الإنذار بإظهار عنوان النار المجاري بها في موضع عرضها وأنا في وجل مما يعقب ذلك حيث لم يحصل الاتعاظ والانزجار قال تعالى (وما نرسل بالآيات إلا تخويفا) وقال تعالى (ذلك يخوّف الله به عباده يا عباد فاتقون) ومن العجيب إنه لم يتأت إخراج ردم هذا الحريق من مؤخر المسجد حتى حضر الحجاج من سائر الآفاق فشاهدوا هذه العبرة العظيمة ورأوا ما أجتمع من آثارها كالآرام والتلول الجسيمة ثم بالقعدة الحرام قبيل دخول الحجاج مكة من العام الثاني أرسل الله سيلا عظيما بمكة ملأ ما بين الجبلين وعلا جدار أبواب المعلاة وأرتفع في جوف الكعبة أزيد من قامة وهدم دورا كثيرة وذهب فيه من الأموال والأنفس ما لا يحصيه إلا الله تعالى ووجد تحت الردم المسجد الحرام فقط عند تنظيفه نحو ثمانين نفسا وقيل مائة ولم أقف في سيول الجاهلية والإسلام على مثله ولم يتأت إخراج ذلك الردم بعد جمعة بالمسجد كالأردام حتى قدم الحجاج وشاهدوا هذه الآية أيضا ولما وصل القاصد إلى مصر المحروسة وأتصل علم حريق المسجد بسلطانها الأشرف عظم عليه ذلك ورأى إن في تأهيل الله له لعمارة وذلك مزيد التشريف وكمال التعريف فاستقبل أمر العمارة بهمة تعلوا لهم العلية ورسم بأبطال عمائره المكية وبتوجيه شاهدها الماليفي سنقر الجمالي

стр. 748

صحبة الحاج الأوّل بزيادة على مائة من أرباب الصنائع وكثير من الحمير والجمال ومبلغ عشرين ألف دينار وشرع السلطان في تجهيز الآلات والمؤن حتى كثرت في الطور والينبع والمدينة الشريفة ثم جهز متولي العمارة السابقة الشمس بن الزمن أثناء ربيع الأوّل في ركب صحبته أكثر من مائتي جمل ومائة حمار وأزيد من ثلاثمائة صانع وصارت أحمال المؤن متواصلة قل أن تنقطع برا وبحرا وقطعوا من أخشاب الدوم والشجر من جهات المدينة شيئاً كثيرا واستقبلوا أمر العمارة بجدّ واجتهاد وهدموا المنارة الرئيسية إلى أساسها وهدموا من سور المسجد أوّلا من ركن المنارة التي بباب السلام في المغرب إلى آخر جدار القبلة ثم ما يليه من المشرق إلى باب جبريل وخرجوا بالجدار هناك في المشرق كما سبق في الحادي عشر وأعادوا ذلك ووسعوا المحراب العثماني وسقفوا مقدّم المسجد سقفا واحدا بعد أن قصروا أساطينه وجعلوا عليها عقودا من الآجر فوقها أخشاب السقف وكانت الأساطين قبل واصلة إلى السقف كهيئة أساطينه اليوم في المسقف الغربي والشرقي والشامي لأن تلك العقود التي سبق إن متولي العمارة جعلها بمقدّم المسجد بين السقفين تساقطت عند الحريق على الأساطين فهشمتها وأفسدت الكثير منها وجعلوا على المحراب العثماني قبة على عقود الأساطين بعد أن قرنوا إلى كل أسطوانة ثانية وجمعوا في بعضها بين خمس أساطين وأزالوا أسطوانة كانت بين الأسطوانة التي إليها المصلى النبوي وبين المحراب العثماني وجعلوا على ما يحاذي الحجرة الشريفة وما حوله قبة عظيمة على دعائم بأرض المسجد بدلا عن القبة التي كانت بسطح المسجد كما

стр. 749

سبق آخر الحادي عشر وأبدلوا بعض الأساطين مما حول مقصورة الحجرة بدعائم عظيمة ولم يبالوا بما حدث بسبب ذلك من التنسيق هناك وجعلوا السقف عقودا فيما بين هذه القبة وبين جدار المسجد الشرقي وكذا ما أتصل بها في الشام إلى محاذاة المتهجد الشريف وكذا ما بينها وبين جدار القبلة وجعلوا في هذه الناحية قبة لطيفة وحولها ثلاث أخر ألطف منها أيضا تسمى مجاريد وجعلوا بين هذه العقود وبين المنارة الرئيسية باذهنجا للضوء والهواء وكان باب المنارة بالمغرب فنقلوه إلى الشام وأحدثوا أمامه أربع درج بأرض المسجد وأفردوا محل الباب الأوّل بخزانة للخطيب وكان جلوسه إلى أن يخرج للخطبة في الإعصار الخالية هناك مع وجود باب المنارة وقد أعاد المقرّ الشجاعي شاهين الجمالي عند تجديد المنارة المذكورة بابها إلى محله الأوّل وأبطل تلك الدرج المحددة جزاه الله تعالى خيرا واتخذوا أيضا قبتين أمام باب السلام من داخله وبنوا الباب المذكورة بالرخام الأبيض والأسود وزينوه كثيرا وكذا زينوا القباب المذكورة وخفضوا أرض مقدّم المسجد حتى ساوت أرض المصلى النبوي واتخذوا له محرابا في دعامة ابتنوها في محل الصندوق الذي كان هناك قديما وزخرفوه بالرخام الملوّن وكذا المحراب العثماني وزادوا في رخامه من جنبيه بأعلى الوزرة على ما كان أوّلا وأعادوا

стр. 750

ترخيم الحجرة وغيرها واتخذوا المقصورة على ما سبق في الحادي عشر واتخذوا المنبر ودكة المؤذنين من رخام كما سبق وجعلوا فيما يلي باب الرحمة وباب النساء إلى مؤخر المسجد دكتين إحداهما بالمسقف الشرقي والأخرى بالمسقف الغربي وجعلوهما أخفض من الدكاك الشامية يسيرا ولا ذكر لهذه الدكاك الشامية في كلام الأقدمين والظاهر إنها حدثت في عمارة الحريق الأوّل كما حدث هاتان في عمارة الثاني وكنت قد توجهت لزيارة والدتي وأهلي فرجعت آخر عام سبع وثمانين وثلاثمائة فوجدتهم فرغوا من مقدّم المسجد وجانب من غيره ثم هدموا من جدار المسجد من المغرب ما بين منارة باب السلام إلى باب الرحمة وأستبدل متولي العمارة ما يحاذي ذلك من الرباط المعروف بالحصن العتيق بباب السلام وما في شاميه من المدرسة الجوبانية والدار التي كانت تعرف بدار الشباك بباب الرحمة لاتخاذ مدرسة ورباط السلطان الأشرف أعز الله أنصاره وأعلى في سلوك العدل منارة وأتخذ في هذا الجانب فتحات كثيرة في ثلاث طبقات عدّتها ثلاثون فتحة إلا أن الفتحات الثلاث التي تلي باب السلام جعلوها في الحاصل الذي كان هناك وبه باب خوخة الصدّيق وأبوابها الثلاثة نافذة في المسجد وجعلوا الفتحة الخامسة من باب السلام باب ينفذ إلى المسجد يتوصل منه إلى المدرسة المذكورة وجعلوا على الفتحات التي على الطبقة الثالثة العليا شبكة من شريط النحاس لأنها جعلت لمجرد الضوء وكان متولي العمارة قد أتخذ مثل

стр. 751

ذلك بالجدار القبلي لعزمه على جعل المدرسة هناك ثم صرف الله عزمه إلى هذه الناحية فسدّ تلك الفتحات إلا ما يحاذي القبة المتخذة للمحراب العثماني فجعل لها قمريات من الزجاج وشبكات من شريط النحاس وكذا جعل لفتحات أحدثها في الجدار الشرقي أيضا وشرع السلطان أيده الله وسدّده في تعويض ما فات من المصاحف والربعات والكتب وبعث بطائفة من ذلك على يدي ولما قارب المسجد التمام شرعوا في المدرسة والرباط المذكورين وجعلوا بذلك منارة تلي باب الرحمة وشرعوا أيضا في رباط بدل رباط الحصن العتيق وحمام قبالته بناحية ميضاة باب السلام وفي عمارة سبيل وطاحون وفرن ومطبخ للجشيشة ووكالة ذات حواصل في الدور التي اشتروها قبل ذلك من دور العياسا وما يليها في القبلة من أجل السماط الذي أراد السلطان إجراءه بالمدينة الشريفة وهو أمر لم يسبق إليه على هذا الوجه وأتخذ لذلك أوقافا عظيمة متحصل ريعها من الحب سبعة آلاف أردب وخمسمائة أردب ورسم بأبطال مكوس المدينة وعوض أميرها ألف أردب تحمل له في كل سنة إلى ينبع وكملت سقف المسجد كلها أواخر شهر رمضان عام ثمان وثمانين وثمانمائة وتمت عمارته عقب ذلك وفي عام تسع وثمانين بعث السلطان جماعة من الدهانين لمحو ما بلغه من تساهل متولي العمارة في استعمال النيلة في بعض السقف وإبداله باللازورد وجهز معهم أساقيل لذلك فنصبوه وأصلحوه وتغير خاطره على متولي

стр. 752

العمارة بسبب ذلك وغيره ثم جهز المقرّ الأشرف البدري أبا البقاء بن الجيعان أسبغ الله عليه النعم وحفظه من النقم في ركب مع جماعة من خواصه فقدم سابع القعدة الحرام من العام المذكور معه كتب كثيرة في العلوم جعلت وقفا بالمدرسة الأشرفية وآلات السماط من القدور وأحمال كثيرة من الدقيق والحب وبنيتا آلات العمارة صحبها من الينبيع مما جهز في المراكب الشريفة فقرّر أمر السماط لكل نفر في الشهر سبع أردب مصري وذلك خمسة أمداد بمدّ المدينة اليوم وسوّى في ذلك بين الصغير والكبير والحرّ والرقيق فيعطي كل شخص على عدد عياله ما ذكر وجعل للآفاقيين لكل نفر رغيفين وما يكفيه من طعام الجشبشة وأحسن النظر في أمر المعامير وأزاح ما كانوا يتشكون منه وأخبرني بعض المباشرين لهذه العمارة قبل تمامها أنّ المصروف فيها حينئذ بثمن الآلات والبهائم يزيد على مائة وعشرين ألف دينار ثم بعد تمامها بلغ السلطان ما سبق من أمر النية وميل المنارة الرئيسية فأنتخب المقرّ الشجاعي شاهين الجملي وفوّض إليه شيخة الخدام وينظر المسجد والسماط فقدم المدينة الشريفة موسم عام واحد وتسعين وثمانمائة وأحسن النظر في ذلك كله ولما هدم المنارة ظهر أن الخلل كان لعدم المبالغة في حفر أساسها فحفره إلى الماء وأتخذ لها أحجارا سودا متقنة وأحكم بناءها مع السحن الفائق ومزيد الارتفاع كما سبق وهدم أعالي القبة وأعاده على ما سبق في الحادي عشر مع إحكامه لتربيعه سقف مقدّم المسجد والزيادة الآتية في مشهد سيدنا حمزة ﵁ وغير ذلك ثم في أوائل الثامن والعشرين من صفر سنة ثمان وتسعين وثمانمائة سقطت صاعقة ثانية على المنارة الرئيسية المتقدّم ذكرها فأسقطت قبتها وجانبا كبيرا من دورها الأوّل الذي يقوم عليه المؤذن مع اتخاذ من الأحجار المنحوتة الضخمة وسقط جانب من ذلك على ما يليه من سترة المسجد ونفذ بعضها من أحد المحاريب الذي عن يمين موقف الزائر تجاه الوجه الشريف وشوهد ضوء نارها بذلك المحل المنيف مع الأحجار الساقطة وقد ذكرت طرفا من سر تكرّر سقوطها بهذه المنارة في المجموع الحاوي لما وقع لنا من الفتاوى ثم أعاد المقرّ الشجاعي ما انثلم من المنارة والسترة في عامه بأمر السلطان الأشرف جزاه الله خير الجزاء وجعل ثوابه على ذلك من أوفر الأجزاء ومن تأمّل ما سبق من العمل عقب الحريق الأوّل وطول مدّته وأحاط علما بما أسلفناه عن سلطان زماننا الأشرف في عمارته حكم بقينا بعلوّ همته وفخار منقبته ومرتبته وقد ذكرنا ماله بالحجاز الشريف من الآثار الجميلة وبعض مناقبه الجليلة في الأصل فراجعه ومن أعظمها أجراء عين عرفة وعمل السماط المتقدّم شكر الله صنيعه وحصنه من أعدائه بحصونه المنبعةمدينة اليوم وسوّى في ذلك بين الصغير والكبير والحرّ والرقيق فيعطي كل شخص على عدد عياله ما ذكر وجعل للآفاقيين لكل نفر رغيفين وما يكفيه من طعام الجشبشة وأحسن النظر في أمر المعامير وأزاح ما كانوا يتشكون منه وأخبرني بعض المباشرين لهذه العمارة قبل تمامها أنّ المصروف فيها حينئذ بثمن الآلات والبهائم يزيد على مائة وعشرين ألف دينار ثم بعد تمامها بلغ السلطان ما سبق من أمر النية وميل المنارة الرئيسية فأنتخب المقرّ الشجاعي شاهين الجملي وفوّض إليه شيخة الخدام وينظر المسجد والسماط فقدم المدينة الشريفة موسم عام واحد وتسعين وثمانمائة وأحسن النظر في ذلك كله ولما هدم المنارة ظهر أن الخلل كان لعدم المبالغة في حفر أساسها فحفره إلى الماء وأتخذ لها أحجارا سودا متقنة وأحكم بناءها مع السحن الفائق ومزيد الارتفاع كما سبق وهدم أعالي القبة وأعاده على ما سبق في الحادي عشر مع إحكامه لتربيعه سقف مقدّم المسجد والزيادة الآتية في مشهد سيدنا

стр. 753

حمزة ﵁ وغير ذلك ثم في أوائل الثامن والعشرين من صفر سنة ثمان وتسعين وثمانمائة سقطت صاعقة ثانية على المنارة الرئيسية المتقدّم ذكرها فأسقطت قبتها وجانبا كبيرا من دورها الأوّل الذي يقوم عليه المؤذن مع اتخاذ من الأحجار المنحوتة الضخمة وسقط جانب من ذلك على ما يليه من سترة المسجد ونفذ بعضها من أحد المحاريب الذي عن يمين موقف الزائر تجاه الوجه الشريف وشوهد ضوء نارها بذلك المحل المنيف مع الأحجار الساقطة وقد ذكرت طرفا من سر تكرّر سقوطها بهذه المنارة في المجموع الحاوي لما وقع لنا من الفتاوى ثم أعاد المقرّ الشجاعي ما انثلم من المنارة والسترة في عامه بأمر السلطان الأشرف جزاه الله خير الجزاء وجعل ثوابه على ذلك من أوفر الأجزاء ومن تأمّل ما سبق من العمل عقب الحريق الأوّل وطول مدّته وأحاط علما بما أسلفناه عن سلطان زماننا الأشرف في عمارته حكم بقينا بعلوّ همته وفخار منقبته ومرتبته وقد ذكرنا ماله بالحجاز الشريف من الآثار الجميلة وبعض مناقبه الجليلة في الأصل فراجعه ومن أعظمها أجراء عين عرفة وعمل السماط المتقدّم شكر الله صنيعه وحصنه من أعدائه بحصونه المنبعة

стр. 754

" الفصل الرابع عشر " فيما احتوى عليه المسجد من الأروقة والأساطين والذرع والحواصل ونحوها وتحصينه ومصابيحه وتخلقه وأجماره تقدّم أنّ المسقف القبلي كان خمسة أروقة بين المشرق والمغرب ثم أستقرّ بعد زيادة الرواقين بمؤخره سبعة وأنّ الشامي كان خمسة أيضا كما صرّح به أبن جبير فنقص منه رواق زيد في صحن المسجد والمسقف الشرقيّ ثلاثة أروقة من القبلة إلى الشام والمسقف الغربي أربعة أروقة كذلك وبه صرّح أبن عبد ربه ثم أبن جبير وكذا هو اليوم وسبق في الثامن ما كان المسجد عليه من الزينة بالرخام والفسيفساء والتذهيب وغيره وعدد أساطين المسجد مائتان وست وسبعون أسطوانة على ما ذكره أبن زبالة بما في جدار القبر وهو ستة وقد اختبرت ذلك قبل التغيير المتقدّم من متولي العمارة مع إسقاط ما زيد في المسقف القبلي وهو عشرون أسطوانة للرواقين وزيادة ما نقص من الشام وهو عشرة فلم يخالف ذلك سوى أسطوانة واحدة وسببه أنّ المسقف الشرقي ثلاثة صفوف كل صف من جدار القبلة إلى جدار الشام ثمان وعشرون أسطوانة فكان أبن زبالة ومن تبعه عدوها كذلك وقد أنكشف لنا من شهود باطن الحجرة إنّ الصف الأوسط سبع وعشرون فقط لأن كمال عدّته يتوقف على وجود أسطوانة في

стр. 755

ساحة الحجرة بين الأسطوانة التي سبق إدخالها في جدار الحجرة الشامي وبين الأسطوانة الظاهر بعضها في الحائز من جهة القبلة كما أوضحنا في الأصل وذكر أبن زبالة كما سبق إنّ ذرع مقدّم المسجد اليوم بين المشرق والمغرب مائة وخمسة وستون ذراعا وعرضه من مؤخره بينهما مائة وثلاثون ذراعا وطوله من اليمن إلى الشام مائتان وأربعون ذراعا اه وحررت ذرعه فكان عرضه من مقدّمه مائة ذراع وسبعة وستين ذراعا وعرضه من مؤخره مائة وخمسة وثلاثين ذراعا وكان طوله من القبلة إلى الشام مائتي ذراع وثلاثة وخمسين ذراعا وذكر أبن النجار في ذرعه نحوه وطول صحنه بين القبلة والشام مائة ذراع واثنان وخمسون ذراعا وعرضه خمسة وتسعون ذراعا بتقديم التاء الفوقانية على السين وإذا أضفت للطول ما تحرر انتقاصه منه للرواق وهو نحو عشرة أذرع قرب مما ذكره أبن زبالة في ذرعه والتفاوت لاختلاف الذرعة ونحوه وسبق في التاسع ذكر منائر المسجد وذرعها فراجعه وذكر أبن زبالة ويحيى أن بصحن المسجد أربعة وستين بالوعة عليها أرحاء ولها صمائم من حجارة يدخل الماء من خلالها ولا يظهر به اليوم غير

стр. 756

بالوعة واحدة لها فوهتان عند الحجرين المتقدّم ذكرهما في حدود المسجد لعلو الأرض الآن كما كانت عليه قرب القامة كما سبقت الإشارة إليه وذكر أبن زبالة تسع عشرة سقاية كانت بصحن المسجد في زمنه في صفر سنة تسع وتسعين ومائة قال أبن النجار عقب ذكره وأما الآن فليس في المسجد سقاية إلا في وسطه قلت وقد ذكرها أبن فرحون وإنها كانت متقدمة على النخيل بصحن المسجد بناها بعض مشايخ الحرم ونصب بها مواجير للماء ومصرفا مرخما ثم كثر شرها وصار يدخلها من يتوضأ فيها وربما أزال فيها الأذى من استقرب المدى فأزيلت عن اجتماع من القاضي شرف الدين الأميوطي والشيخ ظهير الدين وذكر أبن النجار أيضا البركة ذات الدرج التي كانت بصحن المسجد غربي النخيل ينبع الماء من فوّارة في وسطها من العين عملها بعض

стр. 757

أمراء الشام واسمه شامة وقال المطري إنه كان يتوضأ منها فحصل بذلك انتهاك حرمة المسجد فسدت لذلك اه قال أبن النجار وعملت أمّ الخليفة الناصر لدين الله سقاية كبيرة أي للوضء فيها عدّة من البيوت أي الأخلية وفتحت لها بابا إلى المسجد في الحائط الذي يلي الشام اه وبالمسجد من الحواصل القبة التي بصحنه وسبق ذكرها في الفصل قبله وأمام كل من المنارات الأربع خزانة يتوصل منها إلى المنارة وبجانب باب الغربية الشمالية خزانة لطيفة ثم حاصلان كبيران وبجانب باب الشرقية الشمالية خزانتان وحاصل وبين باب جبريل وباب النساء خزانة قال أبن جبير إنها من أعواد وهي اليوم من بناء وإلى جانبها صندوق يوضع فيه ما يستخرج من القبة من زيت الوقود وفي غربي المسجد الحاصل الذي كان بابه في محاذاة خوخة الصدّيق ﵁ وكانت شارعة في رحبة القضاء وجعل فيه اليوم ثلاثة أبواب شارعة في المسجد تلي باب السلام كما سبق ويطاف لإخراج الناس من المسجد بعد عشاء الآخرة بفوانيس ستة رتبها شيخ الخدّام شبل الدولة كافور المظغري الحريري وكان الطواف قبله بشعل من السعف يجرون بها في المسجد ثم يلقونها خارجه وبصحن المسجد أربع مشاعل تشعل في ليالي الزيارات المشهورة

стр. 758

وما علمت أوّل من أحدثها وبالمسجد سلاسل كثيرة للقناديل عملت بعد الرحيق والمرتب للوقود منها يزيد وينقص لما لا يخفي والنخيل التي بصحن المسجد ذكرها أبن جبير في رحلته وغرس أكثرها شيخ الخدّام عزيز الدولة وكان ذلك لم ينكر عليه خوفا من لسانه وتعظيما لشأنه ولم يزل المسجد النبوي بإمام واحد يصلي يا لمقام النبوي إلا في أيام الموسم فبالمحراب القبلي حتى سعى بعض الأتراك في اتخاذ إمام حنفي بعد الستين وثمانمائة في دولة الأشرف إينال. وأما تحصيب المسجد ففي سنن أبي داود عن أبي الوليد قال سألت أبن عمر عن الحصباء التي في المسجد فقال مطرنا ذات ليلة فأصبحت الأرض مبتلة فجعل الرجل يأتي بالحصباء في ثوبه فيبسطه تحته فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة قال ما أحسن هذا

стр. 759

ولأصحاب السنن عن أبي ذر مرفوعا إذا قال أحدكم إلى الصلاة فإنّ الرحمة تواجهه فلا يمسح الحصباء وليحيى عن عبد الحميد بن عبد الرحمن الأزديّ قال قال عمر أبن الخطاب حين بنى مسجد رسول الله ﷺ ما ندري ما نفرش في مسجدنا فقيل له أفرش الخصف والحصر قال هذا الوادي المبارك فأني سمعت رسول الله ﷺ يقول العقيق واد مبارك قال فحصبه عمر بن الخطاب رضي الله عنه

стр. 760

ولأبن زبالة عن أبن عمر ﵁ قال قدم سفيان بن عبد الله الثقفي على عمر بن الخطاب ومسجد رسول الله ﷺ غير محصوب فقال ما لكم واد فقال عمر ﵁ بلى قال فاحصبوه منه فقال عمر أحصبوه من هذا الوادي المبارك يعني وادي العقيق قال المطري رمل المسجد أي الذي يحصب به يحمل من وادي العقيق من العرصة التي تسيل من الجماء الشمالية إلى الوادي وليس بالوادي رمل أحمر غير ما يسيل من الجماء وهو رمل أحمر يغربل ثم يفرش في المسجد اه. وأمّا مصابيح المسجد فقيل أوّل من علق المصابيح بالمسجد عمر بن الخطاب لما جمع الناس في التراويح على إمام واحد وروى القرطبي في تفسيره عن أبي هند قال حمل تميم الداري من الشام إلى المدينة قناديل وزيتا ومقطا فلما انتهى إلى المدينة وافق ذلك ليلة الجمعة فأمر غلاما يقال له أبو البراد فقام فبسط المقط وعلق القناديل وصب فيها الماء والزيت وجعل فيها الفتل فلما غربت الشمس أمر أبا الراد فأسرجها وخرج رسول الله ﷺ إلى المسجد فإذا هو بها تزهو

стр. 761

فقال من فعل هذا قالوا تميم الداري يا رسول الله فقال نورت الإسلام الحديث. وأمّا تخليق المسجد فلأبي داود عن أبن عمر ﵁ بينا رسول الله ﷺ يخطب يوما إذ رأى نخامة في قبلة المسجد فنغيظ على الناس ثم حكها وأحسبه قال فدعا بزعفران فلطخها به وقال إنّ الله قبل وجه أحدكم فلا يبزقن بين يديه ولأبن شبة بسند جيد عن أبي الوليد قال قلت لأبن عمر ما بدء الزعفران يعني في المسجد فقال رأى رسول الله ﷺ نخامة في المسجد فقال ما أقبح هذا من فعل هذا فاء صاحبها فحكها وطلاها بزعفران فقال رسول الله ﷺ هذا أحسن من ذاك

стр. 762

ورواه يحيى إلا إنه قال ما كان بدء هذه الصفرة في القبلة فذكره وزاد فسارع الناس إليه فكان هذا بدأه وسيأتي في مسجد بني حرام من الفصل الرابع في الباب الخامس إنه أوّل مسجد خلق وقول جابر فمن هناك جعلتم الخلوق في مساجدكم وإنّ المطري وهم فجعله مسجد القبلتين وقول جابر فيما روى أبن شبة كان أوّل من خلق المسجد ورزق المؤذنين عثمان ﵁ محمول على إنه رتب له ذلك ونقل أبن زبالة عن أبن عجلان إنّ عمر بن عبد العزيز كتب إلى عامله على المدينة أن لا يخلق إلا القبلة وأن يغسل الأساطين قال فلم تكن الأساطين تخلق في سلطانه ثم ذكر قدوم الخيزران سنة سبعين ومائة وأمرها بتخليق المسجد مع ما قدّمناه في تخليق القبر الشريف.

стр. 763

وأمّا أجمار المسجد فليحيى عن محمد بن إسماعيل عن أبيه أنه قدم على عمر بن الخطاب ﵁ بسفط من عود فلم يسع الناس فقال عمر ﵁ أجمروا به المسجد لينتفع به المسلمون فثبتت سنة في الخلفاء إلى اليوم يؤتى كل عام بسفط من عود يجمر به المسجد ليلة الجمعة ويوم الجمعة عند المنبر من خلفه إذا كان الإمام يخطب وله عن عبد الله بن محمد بن عمار عن جدّه فقال أتى عمر بن الخطاب بمجمرة من فضة فيها تماثيل من الشام فدفعها إلى سعد جدّ المؤذنين وقال أجمر بها في الجمعة وفي شهر رمضان قال فكان سعد يجمر بها في الجمعة وكانت توضع بين يدي عمر بن الخطاب ﵁ حتى قدم إبراهيم بن يحيى ومحمد بن العباس المدينة سنة ستين ومائة فأمر بها فغيرت وجعلت ساذجا وهي اليوم بيد مولى المؤذنين قال أبو غسان هم دفعوها إليه انتهى ولأبن زبالة عن نعيم المجمر عن أبيه إنّ عمر ﵁ قال له تحسن أن تطوف على الناس بالجمرة تجمرهم قال نعم فكان عمر يجمرهم يوم الجمعة وفي مسند أبي بعلي عن أبن عمر إنّ عمر ﵁ كان يجمر مسجد

стр. 764

رسول الله ﷺ كل جمعة ولأبن ماجه عن واثلة بن الأسقع ﵁ إنّ النبي ﷺ قال جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وشراركم وبيعكم وخصوماتكم ورفع أصواتكم وإقامة حدودكم وسل سيوفكم واتخذوا على أبوابها المظاهر وجمروها في الجمع ولأبن أبي عدي الحافظ من حديث عليّ بن أبي طالب ﵁ قال صليت العصر مع عثمان أمير المؤمنين ﵁ فرأى خياطا في ناحية المسجد فأمر بإخراجه فقيل له يا أمير المؤمنين إنه يكنس المسجد ويغلق الأبواب ويرش أحيانا فقال عثمان ﵁ أني سمعت رسول الله ﷺ يقول جنبوا صناعكم مساجدكم قلت ومن المنكرات تساهل بعض ولاة العمارة في إستعمال النشارين والنجارين والحجارين بالمسجد النبوي لعمل آلاته واكتساب أولئك بذلك مع ما يتولد عنه من القمامات والدق العنيف مع إمكان عمل ذلك خارجه ونقله إليه مصنوعا وقد كانت عائشة ﵁ تسمع الوتد أو المسمار يضرب في بعض الدور المطيفة بالمسجد فترسل إليهم لا تؤذوا رسول الله ﷺ وما عمل عليّ مصراعي داره إلا بالمصانع توقيا لذلك وفي خبر رواه المقدسي في كتابه مثير الغرام عن كعب الأحبار إنّ سليمان ﵇ قال للعفريت الذي أحضره لقطع الرخام لعمارة بيت المقدس هل عندك حيلة أقطع بها الصخر فإني أكره صوت الحديد في مسجدنا هذا والذي أمرنا الله به هو الوقار والسكينة الخبر الذي أوردناه في الأصل والله الموفق ولأبن أبي شبة إنّ النبي ﷺ كان يتبع غبار المسجد بجريدة وللبلاذري عن أبي سعيد مولى أبي أسيد قال كان عمر بن الخطاب يعمر في المسجد بعد العشاء فلا يرى أحد إلا أخرجه إلا رجلا قائما يصلي فمرّ بنفر من أصحاب رسول الله ﷺ فيهم أبيّ بن كعب فقال من هؤلاء قال أبيّ نفر من أهلك يا أمير المؤمنين قال ما خلفكم بعد الصلاة قالوا جلسنا نذكر الله فجلس معهم ثم قال لأدناهم خذ في الدعاء فدعا فاستقراهم رجلا رجلا حتى انتهى إليّ فقال هات فحصرت وأخذني الكل فقال قل ولو أن تقول اللهم أغفر لنا اللهم ارحمنا ثم اخذ عمر في الدعاء فما كان أحد أكثر دمعة ولا أشد بكاء منه ثم قال تفرقوا الآن. بها في الجمعة وفي شهر رمضان قال فكان سعد يجمر بها في الجمعة وكانت توضع بين يدي عمر بن الخطاب ﵁ حتى قدم إبراهيم بن يحيى ومحمد بن العباس المدينة سنة ستين ومائة فأمر بها فغيرت وجعلت ساذجا وهي اليوم بيد مولى المؤذنين قال أبو غسان هم دفعوها إليه انتهى ولأبن زبالة عن نعيم المجمر عن أبيه إنّ عمر ﵁ قال له تحسن أن تطوف على الناس بالجمرة تجمرهم قال نعم فكان عمر يجمرهم يوم الجمعة وفي مسند أبي بعلي عن أبن عمر إنّ عمر ﵁ كان يجمر مسجد رسول الله ﷺ كل جمعة ولأبن ماجه عن واثلة بن الأسقع ﵁ إنّ النبي ﷺ قال جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وشراركم وبيعكم وخصوماتكم ورفع أصواتكم وإقامة حدودكم وسل سيوفكم واتخذوا على أبوابها المظاهر وجمروها في الجمع ولأبن أبي عدي الحافظ من حديث عليّ بن أبي طالب ﵁ قال صليت العصر مع عثمان أمير المؤمنين ﵁ فرأى خياطا في ناحية المسجد فأمر بإخراجه فقيل له يا أمير المؤمنين إنه يكنس المسجد ويغلق الأبواب ويرش أحيانا فقال عثمان ﵁ أني سمعت رسول الله ﷺ يقول جنبوا صناعكم مساجدكم

стр. 765

قلت ومن المنكرات تساهل بعض ولاة العمارة في إستعمال النشارين والنجارين والحجارين بالمسجد النبوي لعمل آلاته واكتساب أولئك بذلك مع ما يتولد عنه من القمامات والدق العنيف مع إمكان عمل ذلك خارجه ونقله إليه مصنوعا وقد كانت عائشة ﵁ تسمع الوتد أو المسمار يضرب في بعض الدور المطيفة بالمسجد فترسل إليهم لا تؤذوا رسول الله ﷺ وما عمل عليّ مصراعي داره إلا بالمصانع توقيا لذلك وفي خبر رواه المقدسي في كتابه مثير الغرام عن كعب الأحبار إنّ سليمان ﵇ قال للعفريت الذي أحضره لقطع الرخام لعمارة بيت المقدس هل عندك حيلة أقطع بها الصخر فإني أكره صوت الحديد في مسجدنا هذا والذي أمرنا الله به هو الوقار والسكينة الخبر الذي أوردناه في الأصل والله الموفق ولأبن أبي شبة إنّ النبي ﷺ كان يتبع غبار المسجد بجريدة وللبلاذري عن أبي سعيد مولى أبي أسيد قال كان عمر بن الخطاب يعمر في المسجد بعد العشاء فلا يرى أحد إلا أخرجه إلا رجلا قائما يصلي فمرّ بنفر من أصحاب رسول الله ﷺ فيهم أبيّ بن كعب فقال من هؤلاء

стр. 766

قال أبيّ نفر من أهلك يا أمير المؤمنين قال ما خلفكم بعد الصلاة قالوا جلسنا نذكر الله فجلس معهم ثم قال لأدناهم خذ في الدعاء فدعا فاستقراهم رجلا رجلا حتى انتهى إليّ فقال هات فحصرت وأخذني الكل فقال قل ولو أن تقول اللهم أغفر لنا اللهم ارحمنا ثم اخذ عمر في الدعاء فما كان أحد أكثر دمعة ولا أشد بكاء منه ثم قال تفرقوا الآن.

стр. 767

" الفصل الخامس عشر " في أبواب المسجد وخوخاته وما يميزها من الدور المحاذية لها وشرح حال الدور المحيطة به الذي تلخص من كلام ابن زبالة أن الذي أستقر عليه المسجد في عدد الأبواب بعد زيادة المهدي عشرون بابا بخوخة أبي بكر ﵁ لأنها كما سيأتي جعلت شارعا في رحبة القضاء وأنه كان به أربعة أبواب أخرى ليست عامة للناس كانت مما يلي القبلة أحدها باب يدخل منه الأمراء من ناحية دار مروان وهي دار الإمارة إلى المقصورة وهذا قد سدّ قيما وكان في قبلة المسجد خلاف ما اقتضاه كلام المطري من أنه لم يكن في قبلة المسجد باب سوى خوخة آل عمر الآتية لأن ابن زبالة نقل أن مروان جعل الباب المذكور في القبلة ثم خشي منعه فجعل بابا على يمينك حين تدخل ثم قال أخشى أن أمنع المسجد فجعل الباب الثالث أي اللاصق بباب السلام من خارجه موضع السقاية التي هناك. ثانيها باب عن يمين القبلة في المغرب داخل المقصورة يدعى باب زيت القناديل ذكروا أن مروان عمله أي عند بناءه داره ثم لما زيد

стр. 768

في المسجد نقل حتى سدّ محله بحائط منار باب السلام الغربي كما سبق في التاسع. ثالثها باب عن يسار القبلة في محاذاة الباب قبلة يدخل منه للمقصورة من موضع الجنائز أي بجدار المنارة الشرقية هناك. رابعها خوخة آل عمر ذات السرب تحت المقصورة قلت ولم يزل على هذا السرب باب في الرواق المتوسط بين الروضة والرواق القبلي يفتح في زماننا في أيام الموسم لتحصيل شئ شبيه بالمكس يأخذه من كان بيده مفتاحه ممن يدخل لزيارة تلك الدور التي اختلفوا تسميتها بدور العشرة وغير ذلك ويقع به اختلاط النساء بالرجال وغيره من المناكر ما لا يوصف فأمر السلطان الأشرف قايتباي جنبه الله الردى وأنار له سبيل الخير والهدى بسدّه وتعويض من كان بيده المفتاح عما كان يحصل له بسببه صرّة في الذخيرة فسدّ من خارج المسجد وردم من داخله حتى ساوى أرض المسجد

стр. 769

وذلك في سنة ثمان وثمانين وثمانمائة وقد شرحنا ذلك في الأصل في فصل مستقل وفصل أبن زبالة أبواب المسجد العشرين فقال ثمانية من ناحية المشرق وثمانية من ناحية المغرب منها الخوخة التي يقال لها خوخة الصدّيق ومما يلي الشام أربعة انتهى وقال أبن النجار وأمّا أبواب المسجد فكانت بعد زيادة المهدي وذكر تسعة عشر بابا غير باب خوخة الصدّيق وذكر ما سيأتي في مواضعها فقول المطري ومن تبعه لما بنى الوليد بن عبد الملك المسجد وسعه جعل له عشرين بابا وذكروا الأبواب الآتية بعينها مع الخوخة المذكورة وهم كما أوضحناه في الأصل ولنذكر ما قالوه في بيان الأبواب

стр. 770

العشرين الأوّل وهو مبتدأ المشرق مما يلي القبلة عند موضع الجنائز باب عليّ كما صرّح به أبن النجار أخذا من كلام أبن زبالة ويحيى كما أوضحناه في الأصل وجعل المطري ومن تبعه الذي بعده أوّل هده الجهة وأنّ هذا ثان لقولهم إنه سمى بذلك لكونه في محاذاة بيت عليّ وهو متأخر عن بيت النبي ﷺ ويحتمل أنّ بيت عليّ كان ينعطف في المشرق على الحجرة الشريفة فيحاذي هذا الباب وقد سدّ عند تجديد الجدار الشرقيّ وجعل مكانه شباك يقف الإنسان خارجه فيرى الحجرة النبوية الثاني باب النبي ﷺ سمى بذلك لقربه من حجرته لا لكونه دخل منه إذ لا وجود له في زمنه وقد سدّ أيضا عند تجديد الحائط الثالث باب عثمان ﵁ وهو الباب الذي وضع قبالة الباب الذي كان يدخل منه النبيّ ﷺ ولذا أطلق عليه في رواية ليحيى باب النبيّ ﷺ وسمى بما سبق لمقابلته لدار عثمان بن عفان وسيأتي إنها كانت من الطريق التي تسلك إلى البقيع عن يسار الخارج من هذا الباب إلى الطريق التي في شامي المدرسة الشهابية

стр. 771

وفي طبقات أبن سعد أن النبيّ ﷺ خطها لعثمان ﵁ لما أقطع الدور قال ويقال إنّ الخوخة التي في دار عثمان اليوم وجاه باب النبي ﷺ التي كان رسول الله ﷺ يخرج منها إذا دخل بيت عثمان انتهى والذي يقابل هذا الباب اليوم من دار عثمان رباط أنشأه الجواد جمال الدين محمد بن أبي المنصور الأصفهاني وزير بني زنكي وقفه على فقراء العجم وجعل فيه تربة لها شباك لجهة الشباك المتقدّم ذكره في الأوّل ولما توفى في السجن وكان بينه وبين أسد الدين شيركوه عم صلاح الدين بن أيوب عهد من مات قبل صاحبه حمله صاحبه الحي للمدينة دفع أسد الدين للشيخ أبي القاسم الصوفي مالا صالحا فحمله إلى الحرمين ومعه جماعة يقرؤن بين يدي تابوته فلما كان بالحلة أجتمع الناس للصلاة عليه فإذا شاب قد أرتفع على موضع عال ونادى بأعلى صوتهرمين ومعه جماعة يقرؤن بين يدي تابوته فلما كان بالحلة أجتمع الناس للصلاة عليه فإذا شاب قد أرتفع على موضع عال ونادى بأعلى صوته سرى نعشه فوق الرقاب وطالما ... سرى جوده فوق الركاب ونائله يمرّ على الوادي فتثنى رماله ... عليه وبالنادي فتثنى أرامله

стр. 772

فلم ير باكيا أكثر من ذلك اليوم ثم وصلوا به إلى مكة فطافوا به حول الكعبة وصلوا عليه عندها ثم إلى المدينة فصلوا عليه ودفنوه بتربته سنة تسع وخمسين وخمسمائة وكان له آثار جميلة سيما بالحرمين الشريفين وعمل سور المدينة الآتي ذكره وفي قبلة رباطه من دار عثمان أيضا ﵁ تربة أسد الدين شيركوه حمل إليها من مصر هو وأخوه نجم الدين أيوب والد صلاح الدين بعد موتهما سنة ست وسبعين وخمسمائة وبقية دار عثمان ﵁ في القبلة بيت إلى جنب هذه التربة موقوف على الخدام ويعرف هذا الباب بباب جبريل أيضا وكأنه لما ورد من إنّ جبريل ﵇ في غزوة بني قريظة أتى على فرس عليه اللامة حتى وقف بباب المسجد عند موضع الجنائز وقال أبو غسان علامة مقام جبريل ﵇ الذي يعرف به اليوم إنك تخرج من الباب الذي يقال له باب آل عثمان فترى على يمينك إذا خرجت من ذلك الباب على ثلاثة أذرع وشبر وهو من الأرض على نحو ذراع وشبر حجرا أكبر من الحجارة التي بها جدار المسجد وأشار أبن زبالة لنحو هذا ثم قال

стр. 773

ومقام جبريل يمناه داخل في المسجد. الرابع باب ريطة بفتح الراء ابنة أبي العباس السفاح كان يقابل دارها وهي اليوم مدرسة للحنفية بناها باركوش أحد أمراء الشام وعمل بها مشهد أنقل إليه من الشام ودار أبي بكر الصديق ﵁ التي مات بها في شرقيها كما سيأتي ويعرف هذا الباب بباب النساء وعمر بن الخطاب هو الذي أحدثه سمى بذلك لقول عمر ﵁ لو تركنا هذا الباب للنساء فلم يدخل منه أبن عمر حتى مات رواه أبو داود وغيره مع ردّ رفع ذلك للنبي ﷺ .

стр. 774

الخامس كان يقابل دار أسماء بنت الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس وفي موضعها اليوم رباط للنساء وقد سدّ هذا الباب عند تجديد الحائط الشرقي من المنارة الشرقية الشمالية إليه أيام الناصر لدين الله سنة تسع وثمانين وخمسمائة. السادس كان يقابل دار خالد بن الوليد ﵁ وموضعها رباط السبيل الذي للرجال ومعها في شمالية دار عمر وبن العاص كما سيأتي وقد أنشأ هذا الرباط والذي قبله القاضي كمال الدين أبو الفضل محمد بن عبد الله الشهرزوري. السابع كان يقابل زقاق المناصع الذي بين دار عمرو بن العاص وأبيات الصوافي وهو اليوم ينفذ إلى دار الحسن بن علي العسكري المعروفة بحوش الحسن وكان نافذا للمناصع خارج سور المدينة وفي محل أبيات الصوافي رباط

стр. 775

الرجال الذي أنشأه القاضي الفاضل محي الدين عبد الرحمن اللخمي البيساني وما في شاميه من دار الرسام. الثامن كان يقابل أبيات الصوافي أي جانبها الذي به اليوم دار الرسام الذي وقفها الشيخ صفي الدين اللامي على أقاربه ثم على الفقراء وفي شاميها الباب الذي يدخل منه إلى رباطي النخلة وهما رباطا اللامي وهذا الباب آخر أبواب جهة المشرق وعبر المطري ومن تبعه عن هذا الباب بكونه في مقابلة أبيات الصوافي وقال في الباب قبله المقابل لزقاق المناصع إنّ زقاق المناصع بين دار عمرو بن العاص ودار موسى بن إبراهيم المخزومي ولم أر لدار موسى هذه ذكرا فيما كان مطيفا بالمسجد من الدور في هذه الجهة بل المذكور فيها أبيات الصوافي فهذه الدار من جملتها. التاسع كان دبر المسجد وهو أول أبواب جهة الشام مما يلي المشرق يقابل دار حميد بن عبد الرحمن بن عوف التي كان عبد الرحمن ينزل بها ضيفان
следующие страницы →