Полный текст (676 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
حمرة، وهذا رأي البصريين وما ورد ما قاله أبو الطيب إلا في بيتين شاذين غير مأخوذ بهما ولا معول عليهما فأحدهما) من قول الراجز (:
جاريةٌ في درْعها الفضفاض ... أبيض من أخت بني إِباضِ
والآخر:
إذ الرّجالُ شَتوا وأشتدَّ أكلهُمُ ... فأنْتَ أبيضهُمْ سربال طَبّاخِ
هذا حال الإعراب وأما المعنى فأخذه من قول أبي تمام:
لَهُ مَنْظرٌ في العَينِ أبيض ناصِعُ ... ولكّنهُ في القلب أسودُ أسْفَعُ
стр. 212
وقال ديك الجن:
نباتُ في الرؤوس لهُ بَياض ... ولكنْ في القلوبِ لَهُ سَواد
وقد سلم البيتان من اللحن ولم يعد ما حسن الكلام فلفظهما أرجح والسابق أولى بما قال.
وقال المتنبي:
بحُبّ قاتِلتي والشيب تَغْذَيتي ... هواي طفلاً وشَيبْي بالغ الحُلمِ
تقرب ألفاظه من قول أبي علي البصير:
وتَمتعتُ شبابي كلهُ ... وغذائي بالهوى قبل الحلمِ
وقال المتنبي:
وما أمرّ برسم لا أسائلُهُ ... ولا بذات خمار لا تُريقُ دَمي
هذا العموم في لفظه بمسائلة كل رسم وإراقة كل ذات خمار دمه لا أحبه قد يمكن أن يكون الرسم لغير محبوب ويكون ذات خمار مشينة أو عجوزاً فيصير حفاظه في القياس شبهاً بالوسواس.
وقال المتنبي:
تَرْنو إليّ بعين الظّبي مُجْهشةً ... وَتَمْسح الطّلَّ فَوْقَ الوَرْدِ بالعنم
وهذا تشبيه أبي نواس:
стр. 213
يا قمراً أبصرت في مأتمٍ ... يَنْدبُ شَجْواً بَين أتْرابِ
يَبْكي فيذْري الدُّرَّ مِنْ عينه ... وَيلطُمُ الورْدَ بِعُنَّابِ
جعل مكان الطل الدرّ وكلاهما يراد الدموع والعناب مكان العنم والورد بازاء الورد فلا زيادة له على أبي نواس غير أن الطلّ يقع على الورد ويخضر العناب بحيث يخضر الورد من البساتين والدارسين من جنس الأزهار والأثمار فجمع بين أنواع متجانسة ولقائل أن يقول ذكر الدّر هاهنا بمنزلة عين الظبي وأنقطع الكلام ثم عطف ما يتجانس على مثله فالأول أحق به.
وقال المتنبي:
أبديتَ مِثْلَ الذي أبْديتُ من جزعٍ ... ولمْ تُجنّي الذي أجنيتَ من ألمٍ
وهو من قول أبي نواس:
زعمتم بأنَّ البين يْحزنكُمْ نعم ... سيُحزنكُمْ علْمي ولا مثل حزْننا
وفي كلام أبي الطيب جزالة يفضل أبا نواس ورجح كلامه على كلامه فهو ولى بما أخذ.
وقال المتنبي:
أرى أناساً ومحصولي على غنمٍ ... وذكر جودٍ ومحصولي عَلى كَلمِ
أما صدر هذا البيت فمن قول أبي تمام:
لاَ يَدْهمَّنكَ مِنْ دهمائهمْ عَدَدُ ... فإِنَّ جُلَّهُمُ بل كُلَّهُمْ بَقَرُ
стр. 214
وأما عجزه فمن قول أبي تمام:
مُلْقَى الرَّجاءِ ومُلْقى الرَّحْلِ في نفرٍ ... الجُودُ عِنْدهمُ قَولُ بلا عَمَلِ
مثله للقائل:
جاءني الصك بالشعر ولكن ... لمْ أحْصِل سِوى استماعُ الكلام
فالمعنى يساوي المعنى ولكن قد استوفى اللفظ الطويل في الموجز القليل وأتى في بيت واحد فصار أحق بذلك من الأول: وقال المتنبي:
وَرُبَّ مالٍ فقيراً من مُروتّهِ ... لَمْ يُثر مِنها كما أثْرى من العَدَمِ
هذا من قول البحتري:
إِذا المرْءُ له يحصل غِناهُ ذَرِيعةً ... إلى سُؤْدُد فأعدد غِنَاه من العدْمِ
ومعنى البحتري أوضح لفظاً وأرجح.
وقال المتنبي:
سَيصحبُ النَّصْلُ مِنّي مثل مضربه ... وتتجلى خبرتي عن صِمّة الصِّممِ
فائدة هذا البيت أن النصل قد صحب منه مثله فهذا موجود في قول مسلم:
стр. 215
أتتكَ المطايا تبقى بمطيةٍ ... عَليها فتىً كالنَّصْلِ يَصْحبه النَّصْل
وهذا مما يدخل في قسم المساواة والسابق به أولى به من السارق.
وقال المتنبي في الخيل:
فالطعنُ يُحْرِقها، والزَّجْرُ يُقلقُها ... حتى كأنَّ بها ضَرْباً من اللَّممِ
قال البحتري في فرس:
وتظنُّ رَيْعَانَ الشَّباب يَروُعُهُ ... من نشوة أو جنَّة أو أفكَلِ
فجمع البحتري أوصافاً متقاربة ومعان متناسبة لم تحصل لأبي الطيب منها غير صفة واحدة فكلام البحتري أرجح وهو أولى بما قال.
وقال المتنبي:
تُنْسى البلاد يروق الجو بارِقَتي ... وتكتفي بالدَّمِ الجاري مِنَ الديمِ
وهذا البيت رديء الصنعة إنما يكتفي بالشيء عن الشيء إذا ساواه، والديم لا تكفي البلاد بالدم عنها لأن الأرض لا تشرب الدم ولا تنبت عنه فليس تشبيهه تشبيهاً صحيحاً.
وقال المتنبي:
стр. 216
إِنْ لم أدعك على الأرماحِ سائلة ... فلا دُعيتُ ابن أُمّ المجدِ و) الكرم (
هذا يقرب من قول ابن دريد:
خَيْرُ النفوس السّائلاتُ جَهْرةً ... على ظُبات المُرْهفاتِ والقَنَا
يتلوها أبيات أولها:
أبا سَعيدٍ جنّبِ العتابا ... فَرُبّ رائي خطاءٍ صَوَابا
يقرب هذا من قول منصور النمري:
لعلَّ له عُذراً وأنْتَ تَلُومُ ... وكم لائم قَدْ لام وهو مُلِيمُ
وليس في هذه الأبيات معنى رائق ولا لفظ فائق وكذا أكثر مقاطعه لا يلحق بقصيدة وقد رغب عن أشياء من شعره لا يستحق الرغبة عنها وأثبت أشياء لا فائدة فيها لغرض له وافقه لا لحسن الشعر.
ويليها أبيات أولها:
شَوْقي إِليْكَ نفى لذيذَ هُجُوعي ... فارقتني فأقامَ بين ضُلُوعي
ليس في هذا الكلام معنى غير المطابقة بين المفارق والمقيم وذلك موجود في قول البحتري:
رَحلَ الظاعِنونَ عَنّك وأبقَوْا ... في حَواشي الأحْشَاءِ حُزْناً مُقِيمَا
стр. 217
وهذا يدخل في باب المساواة، والسابق أولى به من اللاحق.
وقال المتنبي:
ما زِلتُ أحْذر مِنْ وداعِكَ جاهداً ... حتى اغتدى أسفي عَلى التَوْديع
معنى هذا البيت: أني كنت أحذر الفراق فلما وقع البعد أسفت على التوديع لما نلت فيه من اللذة والعناق كما قال أبو تمام:
منْ يكنْ يَكْره الفراق ... فإِني أشْتهيه لموضعِ التسليم
إِنّ فيه اعتناقه لوداع ... وانتظار اعتناقه لقدومِ
وكلام أبي تمام أشرح ومعناه أرجح فهو أولى بما أخذ عنه.
وقال البحتري:
أُحاذرُ البينَ من أجل النوى ... طوراً وأهواه من أجل الفراقِ
ويلي ذلك أبيات أولها: أيَّ مَحلّ أرْتقي؟ أيَّ عظيمٍ أتَّقِي؟
وكُلُّ ما قَدْ خِلَق ... الله وما لمْ يَخْلُقِ
مُحْتقرٌ في هِمَّتي ... كَشعْرةٍ في هِمَّتي كَشعْرةٍ في مَفْرِقي
هذه أبيات فيها قلة ورع أحتقر ما خلق الله وقد خلق الأنبياء والملائكة والصالحين وخلق الجن والملوك والجبارين وهذا تجاوز في العجب الغاية ويزيد على النهاية وقد تهاون بما خلق وما لم يخلق فكأنه لا يستعظم شيئاً مما خلق الله الذي جميعه عنده كشعرة في مفرقه.
стр. 218
وهذا مما لا أحب إثباته في ديوانه لخروجه عن حد الكبر إلى حد الكفر.
ويلي هذا مقطوع أوله: أنا عاتب لتغيبك متعجب لتعجبك قال فيها: إذ كنت حين لقيتني متوجعاً لتغيبك وقال أبو تمام:
وولهتُ إِذ رُمَّتْ رِكابُكَ للنَّوى ... فكأَنِني مُذْ غِبتَ عَنِّي غائِبُ
وما فيها غير قوله:
فَشغلت عَنْ رد السلام ... وكان شغلي عنك بك
وبعدها أبيات فارغة أولها:
أرى الشطرنج لو كانت رجالا ... تهز صفائحاً وقتاً طوالا
стр. 219
ومثلها لا يشتغل بها، وبعدها بيت منفرد وهو:
إِذا لمْ تَجدْ ما يَبْتُرُ الفقْرَ قاعداً ... فَقُم فأطلب الشَّيء الَّذي يبتر العُمرا
وهذا بيت جيد وفيه مطابقة بين القيام والقعود وفيه من ترديد اللفظ في يبتر ما يستحسن ولكن لا أحب لشاعر قادر على الكلام محكم في النظام أن يعمل بيتاً مفرداً بغير ثانٍ فإذا فعل هذا فينبغي أن يكون البيت باهراً ومعناه نادراً كما حكي عن الرقاشي أنه قال:
لَوْ قيل من رجلٍ طالتْ بلبته ... لاستعجلت غيرتي حتى أقول أنا
قال بعض الأدباء: لقيته فقلت له ما أحسن ما قلت لو جئت له بثان قال: فعمل نحو الأربعين بيتاً ليس فيها بيت يلحقه ثم قال:
وَلوْ قضى حزناً مستهتر كَلف ... لكنتَ أول محزون قَضى حُزْنَا
وما كان يعجزه مع قدرته على أن الشعر أن يكون لهذا البيت أبيات تليه في معناه ومن مفردات قوله:
في الصدقِ مندوحة عن الكذب ... والجدُّ أولى بِنا من اللعبِ
стр. 220
هذا فارغ ولو جاء بقصيدة مثله لوجب طرحها.
وقال بعده:
أنْصُرْ بجودكَ ألفاظاً تركتُ بها ... في الشَّرق والغربِ من عاداك مكبوتا
فَقَدْ نَظرتُكَ حتى حانَ مُرْتحلٌ ... وذا الوداعُ فَكُنْ أهلاً لما شِيتا
معناه فكن أهلاً لما تنبئت من الإحسان أو ضده وقد قيل فيمن هو في هذا المعنى فيمن هو أرفع بدراً ممن مدحه أبو الطيب وهو طاهر بن الحسين ما هو أكثر تهدداً وأعظم توعداً قال فيه ابن الجهم:
أ) طاهرُ (إنّي عنْ خُراسان راحل ... ومُسْتَخبر عنها فما أنا قائِلُ
أأهجوك أمْ أثني عليك فأيما ... تخيرتَ أهْدَته إِليك المحافِلُ
وقال ابن الجهم في مثله:
عِنْدي خِيارات فأختر والخيار ... لِمَنْ في مثل رأيك إِلا يقبلُ الغبنا
واعلمْ بأنَّكَ ما أسْديت مِنْ ... حَسن إِليّ أو شي وقتك الثمنا
فقد خبر أبو الطيب في قوله ما شئت ولكنه كلام مجمل غير مشروح ولعلي شرح واضح وإن طال فكلاهما محسن وبازاء المختصر المشروح وإذا جعلنا التطويل بازاء المشروح دخل هذا الشعر في باب المساواة ولو شاء الناظر فيها لأدخلها في قسم نقل الطويل الكثير إلى الموجز القصير فصار أبو الطيب أرجح كلاماً من غيره.
ويلي هذين البيتين قصيدة أولها:
стр. 221
أشى الرقيبَ فَخانتْهُ ضمائرهُ ... وغيَّضَ الدَّمْعِ فأنهلّتْ بَوادِرُهُ
وكاتم الحُبّ يوم البين مُنْتهكٌ ... وصاحبُ الدَّمْعِ لا تَخْفى سَرائرُهُ
هذا معنى مستعمل لا يعبأ بمثله ولكنه لم يحقره فأوجب أن يقول أخذ هذا من بيت أنشده المبرّد:
وأظهرت الدموع هَوىً مصوناً ... ولمْ نر فاضحاً مِثْل الدموع
وقال المتنبي:
نُعْجٌ محاجرُهُ، دُعْجٌ نَواظِرُهُ ... حُمْرٌ غَفائِرُهُ، سُودٌ غدائِرُهُ
جاء أبو الطيب بحمر غفائره بين صفات الخلق ولو كانت خضر العقائر أو صفراؤها لم يفد ذلك إلا إفادة الخمر ولو قال بيض ترابيه، سود غدائره طابق بين البياض والسواد وكان البيت كله في صفات الخلق لكان أحسن.
وقال المتنبي:
أعارني سُقْم عَينيهِ وَحمّلني ... مِن الهوى ثِقْلَ ما تحوي مآزرُهُ
قال الخبزأرزي:
وأسقمني حَتّى كأني جُفُونُه ... وأثْقلني حتى كأني رَوَادِفُه
وكلام أبي الطيب أرطب ومعناه أعذب فهو أولى بما أخذ.
وقال المتنبي:
يا منْ تَحكَّمَ في نَفْسي فَعذبني ... ومَن فُؤادي على قَتْلي يُضَافرُهُ
بِعَودة الدَّولةِ الغَرَّاء ثانيةً ... سَلوتُ عنك ونامَ اللَّيلَ ساهِرُهُ
стр. 222
بيتاً يخبرنا بمضافرة قلبه على قتله إذ خبّر بعودة الدولة للممدوح بسلو حادث ونوم عمّن يحب، وليس هذا يسلي الحب إنما يسلي بموت مؤنس أو فراق طويل وهذا كثير فمنه قول مسلم:
يُضافره قَلْبي عليَّ جَهالةً ... ويوشك يسلو حبّه ثم يَنْدِمُ
وقال ابن الأحنف:
قَدْ صِرتُ عبداً لأذني من ... يلوذ بكم فيما مضى مولى مواليك
قلبي محبٌ لكم راضٍ بفْعلكم ... أستروق الله قلباً لا يحابيك
وهذا يدخل في نقل الطويل الكثير إلى الموجز القصير وهو كله في نصف بيت لأبي الطيب وهو: ومن فؤادي على قتلي يضافره.
فهذا أولى بما أخذ.
وقال المتنبي:
مِنْ بَعْد ما كانَ لَيْلِي لا صَباحَ لَهُ ... كأنَّ أولَ يَوْمِ الحَشْرِ آخرُهُ
وهذا من قول ابن أبي الحرث:
كمْ ليلةٍ قَيل لا صباحَ لها ... أحببتها قابضاً على كَيدي
وقال الحماني:
يا ساعةَ البين أنْبري فكأنَّما ... واصلتْ ساعاتُ القيامةِ طُولا
стр. 223
وقال ابن الرومي:
وكأنَّ ليلته عليَّ طُولها ... باتتْ تَمّحضُ عنْ صباح الموقفِ
وكل هذه المعاني داخلة في قسم المساواة.
وقال المتنبي:
قَدْ اشْتكتْ وحْشةَ الأحْياءِ أرْبُعُهُ ... وخبّرتْ عَنْ أسى الموْتى مَقابِرُهُ
العبارة عن الموتى بالأسى محال، وأحسن من قوله قول البحتري:
تحمّلَ عنه ساكتوهُ فجاءةً ... فعادتْ سواءً دُورُهُ ومَقابرُهُ
وقال المتنبي:
دَخَلتْها وشعاعُ الشَّمْسِ مُتَّقِدٌ ... ونورُ وجْهِكَ بين الخلق باهرُهُ
وليس هذا مما يعبأ ولكنه مأخوذ من قول البحتري:
والشَّمسُ ماتِعةٌ توقَّدُ بالضُحى ... طَوْراً ويُطْفئها العجاجُ الأكْدَرُ
حَتَّى طلعْتَ بضوءِ وجْهكِ فانْجلى ... ذاك الدُجى وانجابَ ذاك العَثيرُ
قد جمع أبو الطيب اللفظ الطويل في الموجز) فهو أحق بما أخذ (.
وقال المتنبي:
стр. 224
في فَيْلق من حديدٍ لَوْ قَذَفْتَ به ... صَرْفَ الزَّمانِ لما دارَتْ دَوائِرُهُ
ينظر إلى قول أبي تمام:
أمطرتهُمْ عزماتٍ لو رَميْتَ بها ... يومَ الكَريهةِ رُكنَ الدَّهْرِ لانْهدا
ولفظه من لفظ أبي العتاهية:
وأخلاقٌ تَركْنَ الدَّهر ... لا تعدو دَوائرُهُ
وقال المتنبي:
تَمْضي المواكبُ والأبصارُ شاخِصةٌ ... منها إلى المَلكِ الميْمُون طائِرُهُ
وليس هذه المعاني مما يشتغل بإخراج السرقة فيها ولكن قد استحسن أخذها فحسبنا أن يظنّ بنا ظانٍ أنّا لم يعلم أصولها فيعبر عنها بجهلها فضلاً عن إغفالها فاحتطنا بذكرها، وهذا يدخل في قسم باب المساواة.
وقال المتنبي:
قَدْ حِزنَ في بَشر في تاجه قَمَرٌ ... في درْعه أسدٌ تدمي أظافرُهُ
هذا من قول أبي نواس:
وإذا مج الفتى علقماً ... وتراءى الموت في صُورْهِ
راحَ في ثيني مفاضَتهِ ... أسد يدْمي شبا ظُفُرْهِ
كلام أبي نواس أجزل غير أن أبا الطيب جمع صفات لم يجمعها أبو
стр. 225
نواس فبازاء جزالة لفظ أبي نواس ما جمعه أبو الطيب من متفرق الصفات حتى دخل ذلك في قسم المساواة.
وقال المتنبي:
حُلْوٍ خَلائِقُهُ شُوْسٍ حقائِقُهُ ... تُحْصى الحَصَى قبل أن تُحصى مآثِرُهُ
قال ديك الجن:
نغدو على سيّدنا نحصي الحصى عدداً ... في الخافقين ولا تحصى فَواضِلُه
جمع بيت ديك الجن في بعض بيت أبي الطيب وهذا يدخل في نقل اللفظ الطويل في الموجز القليل، وقال ابن دريد:
يُحْصى الحَصى والثُرى ونائله ... لا يتعاطا أدناه من حَسِبا
وقال المتنبي:
تَضيقُ عن جيشه الدُّنيا فلو رحُبت ... كصدْره لَمْ تَبنْ فيها عساكِرُهُ
هذا كقول أبي تمام:
وَرْحب صَدْرٍ لو أنّ الأرضَ واسعةً ... كرحبه لم يضقْ عن أهله بلدُ
وهذا مما يدخل في باب المساواة.
وقال المتنبي:
تحْمي السُّيوفُ على أعدائه مَعَهُ ... كأنَّهُنَّ بنُوهُ أوْ عشائِرُهُ
قال أبو تمام:
فإِنَّ المنايا والصَّوارم والقَنا ... أقاربُهُمْ في الرّوع دُون الأقاربِ
стр. 226
وهو ينظر إليه، وفي معنى قول أبي الطيب قول أبي تمام أيضاً:
كأنّها وهي الأرواح والغةٌ ... وفي الكُلى تَجِدُ الغَيْظ الذي نَجِدُ
وقال ابن المعتز:
يَغضبُ الدَّهر لغضبه ... فكأنَّ الدَّهرِ مِنْ نفرهِ
وهذا مما أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه.
وقال المتنبي:
إِذا انتضاها لحرْبٍ لمْ يدع جسداً ... إلاّ وباطنُهُ للعين ظاهِرُهُ
هذا مأخوذ من قول ابن الخطيم:
ملكتُ بها كَفّي فأنْهرتُ فَتْقها ... يرى قائمٌ من خَلفِها ما وراءها
وهذا يدخل في باب المساواة.
وقال المتنبي:
فَقَدْ تَيقّنّ أنّ الحقَّ في يَدِهِ ... وَقَدْ وثَقْنَ بأنّ اللهَ ناصرُهُ
والمليح قول أبي تمام:
ما إِنْ يخافُ النصر من أيّامِهِ ... أحَدٌ تَيَّقنَ أنّ نَصْراً ناصرُهُ
ففي هذا البيت تجنيس من ذكر النصر الذي هو مصدر، والنصر الذي هو اسم فقد زاد لفظه ورجح فصار أبو تمام به أحق.
وقال المتنبي:
стр. 227
فخاضَ بالسَّيفِ بحْر الموت خَلْفُهمُ ... وكانَ مِنْهُ إلى الكَعْبينِ زاخرُهُ
وقال أبو تمام:
وقَدْ علم القِرْنُ المُساويك أَنَّهُ ... سَيَغْرقُ في البحر الذي أنْت خَائِضُ
ولم يفد أبو الطيب بأن خبّر عنه بخوض بحر الموت خلفهم فإن بحر الموت لم يجاوز يعني الخائض زاخره، وأبو تمام ذكر أنه خاض ما غرق فيه مساويه، ولم يخبر أبو الطيب بذلك فقد رجح كلام أبي تمام وأستحق المعنى.
وقال المتنبي:
حتّى انْتهى الفرسُ الجاري وما وَقَعتْ ... في الأرضِ من جيف القتلى حوافرُهُ
قال محمد بن علي الجواليقي:
بينا يَرى فارساً على فرسٍ ... إِذْ صار نعلاً لموطئ الفرس
فالإشارة واحدة إلى معنى مساو فهو يدخل في باب المساواة.
وقال المتنبي:
لا يخْبرُ النَّاسُ عظماً أنت كاسِرُهُ ... ولا يهيضُونَ عظماً أنْتَ جابرُهُ
قال البحتري:
كسرْتُم كسر الزُّجاجةِ بَعْدَهُ ... ومَنْ يَجْبرُ الوهي الَّذي أنْتَ كاسرُهُ
стр. 228
وقال البحتري:
رُبّ عظم قَدْ هَضته كان ذا جبرٍ ... وعظمٌ منعته أن يهاضا
وفي البيت الأول من قول البحتري تمثيل للكسر بالزجاجة التي لا جبر لها وجعل الممدوح ممن لا يجبر وهي كسره، ومثل ذلك قول القائل:
لا يجْبرُ النّاسُ عَظْمَ ما كَسرُوا ... ولا يهيضُونَ عظم ما جَبرُوا
وهذه أبيات متقاربات المباني والمعاني تدخل في المساواة.
ويتلوها قصيدة أولها:
عَزيزٌ أسىً من داؤُهُ الحدقُ النُّجلُ ... عَياءً به ماتَ المُحبّون مِنْ قَبْلُ
هذا يقرب من قول ابن المعتز.
يا مَنْ يَلومُ على الهوى ... دَعْني فذا داءٌ قديمُ
هذا أرق وأعذب من بيت أبي الطيب وإن كان معناهما غير غريب وهذا من نقل العذب من القوافي إلى المستكره الجافي.
وقال المتنبي:
ومَنْ شاءَ فَلْينظُرْ إليَّ فمنظري ... نذيرٌ إلى مَنْ ظنّ أنّ الهوى سَهْلُ
يقرب هذا من قول محمد بن عبد الملك الزيات:
مَنْ سَرهْ أنْ يرى مَيت الهوى ... دنفاً، فليستدل على الزيات وليقف
стр. 229
وقال آخر:
من رآني فلا بد تمن لحظاً ... وليكن في جنبيه سامريا
وكلها مبانيها ومعانيها متساوية والسابق أحق بما قال.
وقال المتنبي:
جَرى حُبّها مَجْرى دمي في مَفاصلي ... فأصْبحَ لي عَنْ كل شُغْلٍ بها شُغْلُ
أما صدر هذا البيت فمن قول أبي الشيص:
أما وحرمة كأسٍ ... من المدامِ العتيقِ
وعقدُ نحرٍ بنحرٍ ... ومزجُ ريقٍ بريقِ
ولقد جرى الحبُّ منّي ... مجرى دمي في عروقي
وقال المجنون:
وَشُغلتُ عَنْ فهم الحديث سوى ... ما كانَ منك فأهانهِ شُغْلي
وأديم نحو محدي ليرى ... أنْ قد فهمت وعندكم عَقْلِي
وقال البحتري:
وألحاظ عَيْنٍ ما عَلِقْنَ بِفارغٍ ... فَخلينه إلا وهنّ له شُغْلُ
وقال المعرج:
يكبرن من شوق الذي كُلَّ شوقةٍ ... ويجعلن شغلاً لأمرٍ ما له شُغْلُ
стр. 230
ولولا أن هذا البيت معلم الظرفين مسروق النصف لم ينفرد فيه بمعنى ولا زيادة لدخل في جملة ما نقل من اللفظ الطويل إلى الموجز القليل لأنه قد جمع ألفاظ بيتين في بيت ولكنه مسلوب فينبغي أن يغفر له باختصاره ذنب سرقته.
وقال المتنبي:
ومِنْ جَسدي لمْ يترُكِ السّقْمُ شعرةً ... فما فَوْقها إِلاّ وفيها لهُ فعْلٌ
أخذ هذا من المسلمي:
لم يتق من بدني جُزء عِلمتُ به ... إِلاّ وقدْ حلَه جُزء من الحزنِ
وينظر إلى هذا بيت ثاني:
دعيني جهاراً إلى حُبها ... ولمْ تدر أني لها أعْشقُ
فقمتُ وللسَّقم من مَفْرقي ... إلى قدمي ألسن يَنْطِقُ
وبيت المسلمي تقرب صنعته من صنعة بيته وكلام المسلمي بالعذوبة أرجح فهو أولى بما أخذ.
وقال الديك:
تراكَ يظن فيه مَقر عضو ... ببيتٍ ومَا تغمده سِقامُ
وقال المتنبي:
إِذا عَذَلُوا فيها أجَبْتُ بأنّةٍ ... حُبَيِّبتا قَلْباً فؤاداً هَيا جُمْلُ
هذا ترفق جاف متكلف ومتفاصح متعجرف وليس هذا مما يطلب له استخراج سرقة.
وقال المتنبي:
كأنَّ رقيباً منك سدّ مسامعي ... على العَذْل حتَّى ليس يَدْخُلُها العَذْلُ
стр. 231
إعادة العذل هاهنا مرتين قبيح في الكلام جائز في الشعر أنشدنا في مثله أبو بكر بن سيار النحوي قال: أنشدناه أبو جعفر أحمد بن محمد بن النحاس:
لعمرك ما معن بتارك حقّه ... ولا منسئ معن ولا متيسر
فأعاد معناً مرتين والأجود ترك إعادته وهو مسروق من قول مسلم:
مللتُ من العُذّال فيها فأطرقَتْ ... لهم أذُنٌ قَدْ صَمّ مِنْها المسامعُ
ومن قول أبي العتاهية:
أريح حب الصبي عن بصري ... وسد سمعي عن الملامات
وليس في هذه الأبيات فائدة أكثر من أنّ القوم قد أخبروا أنهم لا يسمعون العذل في محبهم وقد زاد أبو العتاهية عليهم بالعمى والصمم وذلك يدخل في باب المساواة وإن كان كلام مسلم أجزل.
وقال المتنبي:
كأنَّ سُهادَ الليلَ يَعْشُق مُقْلتي ... فبينهما في كل هَجْرٍ لَنا وَصْلُ
وهذا يحتاج إلى شرح كاف يجب أن يقول:
سُهادَ العينِ تَعشق مُقلتي ويفرق ... مَعشوقتي فإِذا هجرت أغتنم وصلي في عينيها
وقال المتنبي:
стр. 232
أحِبُّ التي في البدْر منها مشابه ... وأشكو إِلى مَنْ لا يُضابُ لَه شَكْلُ
جاء في هذا البيت بما يشكل وخبر بحبه من يشبه البدر وخبر عن شكوى إلى من لا شكل له كان يشكو حاله إلى الممدوح فحسن وإن كان يشكو محبوبته إلى ممدوحه فقد أساء وأبتذله كما أبتذله أبو نواس في قوله:
سأشكو إلى الفضل بن يحيى بن خالدٍ ... هواكَ لعلّ الفَضْلَ يجمعُ بيننا
وما فرحت بالمبتدئ فكيف بالمقتدي.
وقال المتنبي:
إِلى سَيِّدٍ لو بشّر اللهُ أمّةً ... بغير نبيّ بَشّرَتْنا به الرُّسْلُ
ينظر معناه إلى قول ابن الرومي:
فَلوْ نزلتْ بعد النبيين سورة ... إِذا نزلتْ في مدحه سُوراتُ
وقد بشرنا رسول الله ﷺ بالمهدي وليس بنبي.
وقال المتنبي:
إلى القابضِ الأرْواح والضّيْغم الذي ... تُحدّثٌ عن وقْعاته الخَيلُ والرَّجْلُ
والصحيح عن وقعاته - بفتح القاف والتسكين - من مألوف ضروراته.
وقال المتنبي:
إلى ربّ مالٍ كلما شَتَّ شَمْلُهُ ... تجمع في تشتيته لِلْعُلا شَمْلُ
стр. 233
قال أبو تمام:
لَهُ كلّ يَوْمٍ شَمْلُ مجدٍ مؤلّفٍ ... وَشممّلُ ندىً بينَ العفاةُ مَشتّتِ
وليس يزيد بيت أبي الطيب على هذا في مبنى ولا معنى فهو أحق للسبق، وقال أبو تمام:
قَومُ إِذا فَرقوا شَمْل اللهى جَمعوا ... شَمْلُ العُلى وإِذا لمْ يرضهم قُمْتُ
فقد أتى بمعنى مستوفى وأتى بزيادة في آخر البيت فصار أحق بما أخذ منه بزيادة لفظه على لفظ من أخذ عنه، وقد أخذ منه هذا البحتري فقال:
ومعالٍ أصارها لاجتماعٍ ... شَمْلُ مالٍ أصارهُ لافْتِراقِ
قال بعض الأعراب:
أعاذلني لَومي البخيل على البخلِ ... ولا تكثري لَوْم البذولِ على البذلِ
ذريني وهذا المجد أجمع شمله ... ويصبحُ مالي وهو مفترق الشملِ
وهو من التساوي. وقال المتنبي:
همَّامٌ إِذا ما فارقَ السيف غِمْدَهُ ... وعايَنْته لم تدْرِ أيّهُما النَّصْلُ
стр. 234
وقال الحماني:
إِنّي وقومي منْ إحسان قومهم ... كمسجد الخيف مِنْ بحبوحة الخيف
ما علقَ السيف مِنا بابن عاشرة ... إِلاّ وهمّتُه أمضى من السيفِ
وأوضح من هذا قوله أيضاً:
تستأنس الضيف في أبياتنا أنساً ... فليسَ يعلم خلق أينا الضيف
والسيف إِنْ قستَهُ يوماً بناشئنا ... في الروع لم تَدرْ عزماً أينا السيف
فليس في بيت الحماني حشو لأن الناشئ مفيد أن عزمه في حال الحداثة التي يطعن على أهلها بها لأن جهلها معذور وعلمها محقور بمنزلة السيف مضاء قوله في الروع أيضاً مفيد لأنه يسلب المحتنكين عزائمهم وحديث فراق السيف غمده وذكر المعاتبة حشو مذموم وما زاد عليه في المعنى ولا المبنى فصاحب البيت أحق به.
وقال المتنبي:
стр. 235
على سابحٍ موج المنايا بنحره ... غداةَ كأنَّ النَّبْل في صَدْره وبلُ
قال محمد بن الحسن الأسدي المعرج في جيش: في ذي صهيل ونبله من نبله فقد أتى المعرج باللفظ الطويل في الموجز القليل فهو أحق بما قال.
وقال المتنبي:
إِذا قيل رفْقاً قال للحِلْم مَوْضِعٌ ... وَحِلْمُ الفتى في غيرِ مَوْضِعه جَهْلُ
أصل هذا من قول الأول:
وبعضُ الحلم عِند الجَهْ ... ل للذَّلَّةِ إذْعانُ
وقال ابن الرومي:
حليمٌ إذا ما الظلم أحمد عبه ... وآل إلى العُقبى التي هي أسلمُ
جَهول على الأعداء جهل ركانه ... يُداوي بها جهل الجهولِ فيحسمُ
وقد طول ابن الرومي وزاد في الشرح وما زاد على إيراده معنى أبي الطيب.
وقول الآخر:
جَهول إِذا أزرى التحكم بالفَتَى ... حليمٌ إذا أزرى بذي الحسب الجهلُ
стр. 236
ومعنى هذا يوافق معنى بيت أبي الطيب بغير زيادة فهو يدخل في باب المساواة.
وقال المتنبي:
وَلوْلا تولي نفسه حَمْل حلْمه ... عنْ الأرض لانهدَّتْ وناءَ بها الحِملُ
قد خبر في البيت الأول أنه قد يفارق الحلم لموضع إصلاح نفس الجاهل لجهله الذي يكف الجاهل عن الطمع فيه ثم أفرط في وصف حلمه بعد ذلك والمعنى الصحيح ما قال البحتري:
مَعْشر أمسكَتْ حلومُهم الأر ... ضَ، وكادتْ من عزِّهم أنْ تَميدا
وهذا الكلام يرجح على كلام أبي الطيب بالإخبار عن سكونها بهم وميدها بغيرهم. وقال المتنبي:
تَباعدت الآمالُ عنْ كل مَقْصدٍ ... وضَاقَ بها إِلاّ إلى بابهِ السُّبْلُ
قال العكوك:
إِليه سبيل الناسِ في كُلِّ وجهةٍ ... ولو فقدوها ما اهتدوا لسبيلِ
وقال مسلم:
من كلِّ حيٍّ وإن أثروا وإن شرفوا ... إليكَ من كل أرضٍ منهجُ الطُّرُقِ
стр. 237
وقال أشجع:
بسطتْ يداهُ رجاءَ سائلهِ ... فجرتْ إليه بأهلها السُّبُلُ
ذكر أبو الطيب أن الآمال عن كل مقصد تباعدت وضاقت بها إلا إلى بابه السبل. فكأن قاصديه مضطرون لتعذر الكرام، تضييق الغرض إليه لطلب ما عنده ومسلم يقول: إن المثري والشريف وغيرهما إليه راغبون في كل أرض، فكلامه أرجح من كلام من أخذ عنه. وذكر أشجع أنه بسط رجاء آمليه فجرت إليه بأهلها السبل. وقد يكون ذلك من اتساع المطالب واتجاه المكاسب لزيادته على غيره في الجود. وكلٌّ أحسن تحلصا منه وأرجح مدحا، فهم أولى بما سبقوا إليه.
وقال المتنبي:
ونادى النَّدى بالنائمين عن السُّرى ... فأسمعهم: هبُّوا فقد هلك البُخلُ
هذا ينظر إلى قول أبي نواس:
إذا ضنّ ربُّ المال ثوَّبَ جودهُ ... بحيٍّ على مال الأمير وأذناَ
ولابن الرومي في معناه:
ثوَّبَتْ بي إلى عليَّ معالي ... يهِ فلبَّيْتُ أول التثويبِ
وقال أبو العتاهية:
إذا أُسمي المهديُّ نادتْ يمينهُ ... ألا من أتاني زائراً فله الحُكمُ
стр. 238
وهذه أبيات متقاربات تدخل في باب المساواة، وإن كان أبو الطيب أوضح كلاماً منهم. وفي قوله:) فأسمعهم (مقاربة للفظ ابن الرومي في قوله:) فلبيت (.
وقال المتنبي:
وحالتْ عطايا كفَّهِ دون وعدهِ ... فليس له إنجازُ وعدٍ ولا مَطْلُ
قال البحتري:
حيثُ لا تدفع الحقوقَ المعاذي ... رُ ولا يسبقُ العطايا السُّؤالُ
فقوله:) لا يسبق العطايا السؤال (هو بيت أبي لطيب، وفي صدره معنى يرجح عليه به.
وقال البحتري أيضا:
رَطْبُ الغمامِ إذا ما استمطرتْ يدُهُ ... جاءت مواهبه قبلَ المواعيدِ
وقال ابن الرومي:
وكثيراً ما كان يفعلُ ما يح ... سنُ من غيرِ أن يُقدمُ وعدا
وقال أبو المعتصم:
الفعلُ قبل القول من عاداته ... والعُذرُ من قبل النَّوالِ الأعجلِ
وأجود من هذا قول أشجع:
стр. 239
يَسْبقُ الوعد بالنَّوال كما يس ... بقُ برق العيون صَوْبَ الغَمامِ
بيت ابن الرومي الأوّل معناه أنّ العادة تقتضي أن السؤال قبل العطاء وإذا لم يسبق السؤال العطاء فكأنه قبل أن يسل أعطى، والإعطاء من غير وعد قد يمكن أن يكون بعد سؤال وتقدم الرفد قبل الوعد أفضل، فكلام البحتري أمدح وكذلك البيت الثاني له وكذلك بيت ابن الرومي وبيت أبي المعتصم يسوغ فيه أن يسبق النوال السؤال والوعد.
وقد قال ابن المعتز:
سَبق المواعِد والمطالَ عطاؤه ... فأتى رجاء الراغبين سَرِيعا
وقد قال ابن الحاجب:
سَبَقتْ وعدُ عطاياه فاعت ... ضت بها من يُشْبه الوعد نَقْدا
وقال أيضاً:
كَرم أبطلَ المواعيد ... بالمطلِ فأضحى وما لهُ موعود
هذه معان متقاربات، إلا أن أشجع قد زاد عليهم بتشبيه مليح من البرق الذي يتقدم الغمام وكلها تقارب باب المساواة أو تدخل فيه لقلة تفاضلها.
стр. 240
وقال المتنبي:
فأقرب من تحديدها رَدُّ فائتٍ ... وأيْسرُ منْ إحصائها القطْرُ والرّمْلُ
أخذه من قول مسلم:
لَهُ سطواتٌ غبّها الحلْمُ بينها ... فَوائِدُ يُحصي قَبْلَ إِحْصائِها الرَّمْلُ
فإن قلت جمع أبو الطيب بين تشبيهين من) القطر (و) الرَّمْلُ (قلنا إن احتسبت له هذه الزيادة، فقد قال عبد الصمد:
الرمل يفنى ولا تَفنى مكارمُه ... والقطرُ يُحْصى ولا تُحصى عَطاياه
وأبو الطيب يقول) ردّ فائت (قد دل على مقصده وكلما يمتنع عد فائتة وكذا يمتنع عدا القطر والرمل فيه فجعل عدهما ممتنعاً، ومسلم قال:) يحصى قبل إحصائها الرمل (وإذا عد الرمل قبل إحصاء سطواته وفوائده جعل عده ممكناً بعد ذلك لأنّ أبا الطيب وعبد الصمد جعلا ما أمتنع عندهما فناؤه وبعد في ظنونهما إحصاؤه فيمكن الفناء والإحصاء لهما وعطاياه لا يمكن ذلك فيهما، فهو أبلغ مدحاً وأولى بما قال: وقال المتنبي:
وما تَنْقمُ الأيام ممن وجُوهُها ... لأْخمَصه في كل نائبةٍ نَعْلُ
معناه مأخوذ من قول كثير:
стр. 241
وطئت على أعناق ضمرة كلها ... بأخمص نَعلي واتخذتمْ نَعْلا
وفي صدر بيت أبي الطيب مطعن وما في بيته ما يزيد معناه على معنى كثير، فكثير أحق بما قال.
وقال المتنبي:
كَفى ثعلاً فخراً بأنّكِ مِنْهُم ... ودهْرٌ لأن أمسيْتَ من أهْلِهِ أهْلُ
معناه: ودهر أهل لأن أمسيت من أهله. والدهر مرفوع بفعل مضمر يدلّ عليه أول الكلام كأنه قال: وليفخر دهر. وهذا أكثر ما يمكن الاحتجاج له إذ لا مرفوع هاهنا يعطف عليه، ولا وجه لرفعه بالابتداء إلا على حذف الخبر، والفعل أقوى. والاحتجاج له ضعيف لأنه جاء إما من ضعف علم أو تكلف إعراب
стр. 242
ليجيب بهذا الجواب. ومثل هذا من المحدثين قبيح.
وقال المتنبي:
فما بفقيرٍ شامَ برقَكَ فاقةً ... ولا في بلادٍ أنت صيِّبُها محلُ
قال مسلم:
ما ضرَّ أرضاً كنت فيها نازلاً ... يا زيدُ حقاً أنَّها لا تُمطرُ
فأتى أبو الطيب من ذكر البرق والصَّيب والمحل بجنس يتقارب. وذكر مسلم من النزول في الأرض ما ليس من جنس المطر. وقال:) يا زيدُ حقاً (فحشّى البيت بقوله) حقاً (. فكلام أبي الطيب في الصنعة أحسن وأرجح وهو أولى بما أخذ.
ويتلوه قصيدة أولها:
اليومَ عهدُكُمُ فأينَ الموعدُ ... هيهاتَ ليس ليومِ عهدكمُ غدُ
هذا معنى نبهه عليه قول ابن الرومي:
يا سيدي أنجزَ جَرٌّ ما وعدْ ... لم يكن ليومه في الوعدِ غدْ
وهذا يدخل في باب المساواة.
وقال المتنبي:
إنّ التي سفكتْ دمي بجفُونها ... لم تدرِ أنَّ دمي الذي تتقلدُ
стр. 243
هذا من قول النابغة:
في إثر غانيةٍ رمَتْكَ بسهمها ... فأصابَ قلبكَ غير أن لم تقصدِ
لعل أن التي سفكت دمه لم تدر بسفكه، وأصابت هذه قلبه من غير أن تقصد له. فالمعنى لا يزيد على المعنى، وهو داخل في باب المساواة والأل أحقّ بما قال. وقال ابن أبي فتن:
أذاهبةٌ نَفْسُ المُتَيَّمِ ضيعةً ... وقاتلُها لم يَدْرِ ما صَنَعَ السَّهْمُ
وقال المتنبي:
قالت وقد رأت اصفراري من به ... وتنهدَّتْ فأجبتُها المتَنَهِّدُ
يقرب هذا من قول ديك الجن:
مَرّت فقلت لها: تحية مُغرمٍ ... ماذا عليك من السلام فَسلمي
قالت: لمن تعني؟ فطرفك شاهد ... بنحول جسمك قلت: للمتكلم
فتبسمت فبكيتُ، قالت: لا تُرع ... فلعلّ مِثْل هواك بالمبتسّم
стр. 244
قلتُ: اتفقنا في الهوى فزيارةً ... أو موعداً قبل الزيارة قَدّمي
فتضاحكت خجلاً وقالت: يا فتى ... لو لم أدعك تنامُ، بي لم تَحلمِ
قوله:) قال (لمن تعني في معنى بيت أبي الطيب لكن هذا كلام أعذب ولفظ يبعد من قوله: من به وكم بين قوله:) للمتكلم (وقوله:) فأجبتها المتنهّد (وهذا يدخل في نقل العذب من القوافي إلى المستكره الجافي والأول أحق به فكأني بمتتبع العيب يقول أراد بيتاً فأورد أبياتاً يستغنى عن ذكر جميعها ولسنا نعمل هذا في كل ما نريده من السرقات ولكن إذا ورد الشعر الفصيح والمعنى المليح أوردناه بكماله عمداً، وقصدنا ذلك قصداً لأن موضوع الكتاب الفائدة فإن خرجنا عن الغرض وأفدنا القارئ فيه فقد بلغنا المقصد المطلوب وجمعنا له المحبوب وإيراد الخبر النادر والمعنى الباهر يؤمن قارئ الكتاب من الملل علماً بمحبة النفس للاستطراف والنقل فهذا ما حقنا أن نعاب به ثم نرجع إلى موضع التأليف.
قال المتنبي:
فَمضتْ وقد صبغ الحياءُ بياضَها ... لَوْني كما صَبغ اللُّجيْنَ العَسْجَدُ
لأبي الطيب مذهب في الحياء ينفرد به لأنه القائل:
سَفرتْ وَبرْقَعها الحياءُ بِصُفرةٍ ... ستَرتْ محاجرها ولمْ يكُ بُرْقُعا
فكأنه لا يفرق بين تأثير الوجل وتأثير الخجل ونسي قول جالينوس:) الحمرة حادثة عن الخجل والصفرة حادثة عن الغم والوجل (فإن أراد مذهب الفلاسفة فهذا مذهبهم وإن أراد مذهب الشعراء فقد قال ابن المعتز:
стр. 245
يا مَنْ يجودُ بموعدٍ من وصله ... ويصد حين يقول أين الموعدُ
ويظلُّ صبّاغ الحياء بوجهه ... تعباً يعصفر تارةً ويورِّدُ
وقال ابن دريد:
يَصفر وَجْهي إِذا بَصَرتْ ... به خوفاً ويحمر خده خجلا
حتّى كأن الذي بوجنته ... من دم وجهي إِليه قَدْ نقلا
قال الخبزأرزي:
خجل الحبيب من الع ... تابِ فورّد الخد الخجلْ
فحسبت منه غضبا ... فقطعت ذلك بالقبلْ
ما لي وما بعتاب من ... لو شاء يقتلني فعلْ
فقد خالف أبو الطيب مذهب الفلاسفة والشعراء ومشاهدة العيان ومع إحالته فقد سرق المعنى من قول ذي الرمة:
كحلاءُ في برجٍ صفراء في نعجٍ ... كأنّها فضة قَدْ مسها ذهب
فإن توهم متوهم ناقص الفطنة أن علينا في قول ذي الرمة حجة لأبي الطيب فليس كما توهم. لأن ذا الرمة وصفها بصفة ثابتة عليها ولم يجعل الحياء سبباً
стр. 246
لصفرتها. وقد يكون اللون العاجيّ في البشر خلقة لا لعلة. وقد أخذ هذا المعنى بعض المحدثين، أنشده الجاحظ:
بيضاءُ صفراءُ قد تنازعتها ... لونان من فضَّةٍ ومن ذهبِ
فقد بين إرادته وخبَّر عن خلقة لن تتغير لعلة أوجبتها. ومن جعل الحياء علةً للصفرة فقد أحال، والسارق الصحيح المعنى أولى من السارق العليل المعنى.
وبعد هذا بيتان رعد فيهما وبرق، ويقال أرعد وأبرق، وهما موجودا المعنى في قول جهم بن خلف:
وأضحتْ ببغدانَ في منزلٍ ... له شُرفاتٌ دوينَ السَّما
وجيشٌ ورابطةٌ حولهُ ... غِلاظُ الرِّقابِ كأُسدِ الشَّرَى
بأيديهمُ مُحدثاتُ الصِّقالِ ... سُريجيةُ يختلينَ الطُّلى
ومثله:
وكيف بها والعار والنَّارُ دونها ... وآسادُ غيلٍ زأرها ووعيدُها
стр. 247
وبيتا المتنبي:
عدويَّةٌ بدويَّةٌ من دُونها ... سلبُ النُّفوسِ ونارُ حربٍ تُوقدُ
وهواجلٌ وصواهلٌ ومناصلٌ ... وذوابلٌ وتوعُّدٌ وتهدُّدُ
وليس هذا مما يُعبأ باستخراج سرقته، ولكننا نعني بما عني به. وبينا هو في ذكر مرضه يقول:
أبرحْتَ يا مرَضَ الجُفون بمُمرضٍ ... مَرِضَ الطَّبيبُ له وعيدَ العُوَّدُ
حتى خرج خروجا غير مليح ولا متقارب ولا متناسب إلى قله:
فلهُ بنو عبد العزيزِ بن الرِّضا ... ولكلٍّ ركبٍ عيسُهُمْ والفدفدُ
وما أشبه هذا بقوله:
جَلَلاً كما بي فليكُ التَّبرجُ ... أغذاءُ ذا الرَّشأِ الأغنِّ الشِّيحُ
فبينا هو يشكو تباريحه إذ صار عن غذاء الرشأ ما هو. وقد قيل للعجاج: ليهنك ما يقول رؤبة من جيد الشعر. قال نعم ولكني أقول البيت
стр. 248
وأخاه وهو يقول البيت وابن عمه. وهذا الكلام الذي قاله لا يشبه ابن عم البيت ولا يستحق اسم جار قريب. وما أفرح بهذا الخروج ولا استحسنه.
وقال المتنبي: مَنْ في الأنام من الكرامِ ولا تَقُل مَنْ فيك شأمُ سِوى شُجاع يُقْصدُ هذا بيت لا يوجب أن لا يكون في الكرام أحد غير شجاع وهو مأخوذ من قول للأعرابي:
والله ما ندري إِذا ما فاتنا ... طلب لديك من الذي يتطلبُ
ولقَدْ ضَربنا في البلادِ فلمْ نَجد ... أحدُ سواك إلى المكارم ينسب
فأصبرْ لعادتنا التي عودتنا ... أو لا فأرشدنا إلى من نذهبُ
فذكر البدوي أنه لم يجد أحداً إلى المكارم غيره وهو معنى أبي الطيب وهما يدخلان في قسم المساواة: وقال المتنبي:
أعْطى، فقلْتُ: لجُودِهِ ما يُقْتنى ... وسطا، فقلتُ: لسيفه ما يُولَدُ
الصفة في هذا البيت أن يقول:
أعطى، فقلت لكفه ما يقتنى ... وسطا، فقلت لسيفه ما يولد
стр. 249
أو أن يقول:
لجوده ما يقتنى وسطا ... فقلت: لسيفه ما يولد
فيأتي باسم مع اسم، أو بمصدر مع مصدر وهو ينظر إلى قول أبي تمام في عجزه:
لَمْ تَبْقَ مشركةٌ إلاّ وقد عَلمتْ ... إِنْ لم تَتبْ أنَّهُ للسَّيْف ما تلدُ
ولكن لأبي الطيب زيادة في صدر البيت يرجح بها فهو أولى بما أخذ.
وقال المتنبي:
وتحيَّرتْ فيه الصّفاتُ لأنَّها ... ألفتْ طَرائِقهُ عليْها تَبْعُدُ
هذا من قول البحتري:
كيف نثني على) ابن يُوسف (لا كي ... ف سرى مَجْدُهُ ففات الثناء
ولم يخبر أبو الطيب إلا بتخير الصفات قد يهتدي إلى وصفه بعد حيرتها، والبحتري خبر عن فوت ما فيه وأنه لا يمكنه فهو أحق لرجحان لفظه على لفظ من أخذ عنه.
وقال المتنبي:
في كُلِّ مُعْتركٍ كُلى مَفْريَّةٌ ... يَذممنَ مِنْهُ ما الأسنَّةُ تَحْمَدُ
وليس للأسنة منفعة في قرى الكلى توجب حمداً وكان يجب أن يقول) يذمم من فعل القنا ما يحمد (لأن الحمد يقع من الطاعن بالأسنة، وينظر إلى هذا قول) ديك الجن (:
стр. 250
بكرت عَواذله وجاءَ عفاته ... فرأيت مَحمود الندَى مَذْمُوما
وهذا مما احتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه وقد أوقع الحمد والذم هاهنا على من يقع الحمد والذمّ منه، والكُلى والأسنة لا يقع منهما ذلك. فتقسيمه، أعني الديك، أوضح وكلامه أرجح وهو أولى بما قال. وقال المتنبي:
أسدٌ، دمُ الأسدِ الهزبرِ خضابُهُ ... موتٌ، فريصُ الموتِ منه ترعَدُ
فمما يشبه صدره صدر هذا البيت قول الخليع الحراني:
عطاءٌ علمتُهُ ذوي العطايا ... أسودٌ غُذِّيَت بدمِ الأُسودِ
هذا البيت يقارب صدر بيت أبي الطيب، وعجزه يشبه قول علي بن محمد البصري:
والليلُ يعلمُ أنِّي ما هممتُ بهِ ... إلا ومنّي قُلوبُ الجِنِّ ترتعدُ
فادّعى البصري مُمكناً في الجنّ لأن الله تعالى قد خبّر عن استماع الجن القرآن، وسماهم نفرا. وإذا كانت لهم أسماه كانت لهم قلوب يرعدها الخوف على وجه المبالغة. وأبو الطيب صيّر الموت، هو عرض، جسما، وصيّر له فريصاً فأحال. ولكنه قد أورد اللفظ الطويل في الموجز القليل، وأتى بيته نائباً عن بيتين فهو
следующие страницы →