Полный текст (676 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
لصفرتها. وقد يكون اللون العاجيّ في البشر خلقة لا لعلة. وقد أخذ هذا المعنى بعض المحدثين، أنشده الجاحظ:
بيضاءُ صفراءُ قد تنازعتها ... لونان من فضَّةٍ ومن ذهبِ
فقد بين إرادته وخبَّر عن خلقة لن تتغير لعلة أوجبتها. ومن جعل الحياء علةً للصفرة فقد أحال، والسارق الصحيح المعنى أولى من السارق العليل المعنى.
وبعد هذا بيتان رعد فيهما وبرق، ويقال أرعد وأبرق، وهما موجودا المعنى في قول جهم بن خلف:
وأضحتْ ببغدانَ في منزلٍ ... له شُرفاتٌ دوينَ السَّما
وجيشٌ ورابطةٌ حولهُ ... غِلاظُ الرِّقابِ كأُسدِ الشَّرَى
بأيديهمُ مُحدثاتُ الصِّقالِ ... سُريجيةُ يختلينَ الطُّلى
ومثله:
وكيف بها والعار والنَّارُ دونها ... وآسادُ غيلٍ زأرها ووعيدُها
стр. 247
وبيتا المتنبي:
عدويَّةٌ بدويَّةٌ من دُونها ... سلبُ النُّفوسِ ونارُ حربٍ تُوقدُ
وهواجلٌ وصواهلٌ ومناصلٌ ... وذوابلٌ وتوعُّدٌ وتهدُّدُ
وليس هذا مما يُعبأ باستخراج سرقته، ولكننا نعني بما عني به. وبينا هو في ذكر مرضه يقول:
أبرحْتَ يا مرَضَ الجُفون بمُمرضٍ ... مَرِضَ الطَّبيبُ له وعيدَ العُوَّدُ
حتى خرج خروجا غير مليح ولا متقارب ولا متناسب إلى قله:
فلهُ بنو عبد العزيزِ بن الرِّضا ... ولكلٍّ ركبٍ عيسُهُمْ والفدفدُ
وما أشبه هذا بقوله:
جَلَلاً كما بي فليكُ التَّبرجُ ... أغذاءُ ذا الرَّشأِ الأغنِّ الشِّيحُ
فبينا هو يشكو تباريحه إذ صار عن غذاء الرشأ ما هو. وقد قيل للعجاج: ليهنك ما يقول رؤبة من جيد الشعر. قال نعم ولكني أقول البيت
стр. 248
وأخاه وهو يقول البيت وابن عمه. وهذا الكلام الذي قاله لا يشبه ابن عم البيت ولا يستحق اسم جار قريب. وما أفرح بهذا الخروج ولا استحسنه.
وقال المتنبي: مَنْ في الأنام من الكرامِ ولا تَقُل مَنْ فيك شأمُ سِوى شُجاع يُقْصدُ هذا بيت لا يوجب أن لا يكون في الكرام أحد غير شجاع وهو مأخوذ من قول للأعرابي:
والله ما ندري إِذا ما فاتنا ... طلب لديك من الذي يتطلبُ
ولقَدْ ضَربنا في البلادِ فلمْ نَجد ... أحدُ سواك إلى المكارم ينسب
فأصبرْ لعادتنا التي عودتنا ... أو لا فأرشدنا إلى من نذهبُ
فذكر البدوي أنه لم يجد أحداً إلى المكارم غيره وهو معنى أبي الطيب وهما يدخلان في قسم المساواة: وقال المتنبي:
أعْطى، فقلْتُ: لجُودِهِ ما يُقْتنى ... وسطا، فقلتُ: لسيفه ما يُولَدُ
الصفة في هذا البيت أن يقول:
أعطى، فقلت لكفه ما يقتنى ... وسطا، فقلت لسيفه ما يولد
стр. 249
أو أن يقول:
لجوده ما يقتنى وسطا ... فقلت: لسيفه ما يولد
فيأتي باسم مع اسم، أو بمصدر مع مصدر وهو ينظر إلى قول أبي تمام في عجزه:
لَمْ تَبْقَ مشركةٌ إلاّ وقد عَلمتْ ... إِنْ لم تَتبْ أنَّهُ للسَّيْف ما تلدُ
ولكن لأبي الطيب زيادة في صدر البيت يرجح بها فهو أولى بما أخذ.
وقال المتنبي:
وتحيَّرتْ فيه الصّفاتُ لأنَّها ... ألفتْ طَرائِقهُ عليْها تَبْعُدُ
هذا من قول البحتري:
كيف نثني على) ابن يُوسف (لا كي ... ف سرى مَجْدُهُ ففات الثناء
ولم يخبر أبو الطيب إلا بتخير الصفات قد يهتدي إلى وصفه بعد حيرتها، والبحتري خبر عن فوت ما فيه وأنه لا يمكنه فهو أحق لرجحان لفظه على لفظ من أخذ عنه.
وقال المتنبي:
في كُلِّ مُعْتركٍ كُلى مَفْريَّةٌ ... يَذممنَ مِنْهُ ما الأسنَّةُ تَحْمَدُ
وليس للأسنة منفعة في قرى الكلى توجب حمداً وكان يجب أن يقول) يذمم من فعل القنا ما يحمد (لأن الحمد يقع من الطاعن بالأسنة، وينظر إلى هذا قول) ديك الجن (:
стр. 250
بكرت عَواذله وجاءَ عفاته ... فرأيت مَحمود الندَى مَذْمُوما
وهذا مما احتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه وقد أوقع الحمد والذم هاهنا على من يقع الحمد والذمّ منه، والكُلى والأسنة لا يقع منهما ذلك. فتقسيمه، أعني الديك، أوضح وكلامه أرجح وهو أولى بما قال. وقال المتنبي:
أسدٌ، دمُ الأسدِ الهزبرِ خضابُهُ ... موتٌ، فريصُ الموتِ منه ترعَدُ
فمما يشبه صدره صدر هذا البيت قول الخليع الحراني:
عطاءٌ علمتُهُ ذوي العطايا ... أسودٌ غُذِّيَت بدمِ الأُسودِ
هذا البيت يقارب صدر بيت أبي الطيب، وعجزه يشبه قول علي بن محمد البصري:
والليلُ يعلمُ أنِّي ما هممتُ بهِ ... إلا ومنّي قُلوبُ الجِنِّ ترتعدُ
فادّعى البصري مُمكناً في الجنّ لأن الله تعالى قد خبّر عن استماع الجن القرآن، وسماهم نفرا. وإذا كانت لهم أسماه كانت لهم قلوب يرعدها الخوف على وجه المبالغة. وأبو الطيب صيّر الموت، هو عرض، جسما، وصيّر له فريصاً فأحال. ولكنه قد أورد اللفظ الطويل في الموجز القليل، وأتى بيته نائباً عن بيتين فهو
стр. 251
بالاختصار أولى بما أخذ.
وقال المتنبي:
ما منبحٌ مُذْ إلا مقلةٌ ... سهدتْ ووجهُكَ نومها والإثْمدُ
ينظر إلى قول أبي تمام:
إليك هتكنا جُنْحَ ليلٍ كأنَّما ... به اكتحلتْ عينُ البلادِ بإثمدِ
فجعل المتنبي مقلةً، نومها وإثمدها وجهه، وأبو تمام جعل للبلاد عيناً وجعل لها من سواد الليل إثمدا. فالألفاظ متقاربة وإن كانت المعاني مختلفة.
وقال المتنبي إثر هذا:
فالليلُ مُنذُ قدمتَ فيها أبيضٌ ... والصُّبحُ منذُ رحلتَ عنها أسودُ
قال أبو تمام:
وكانتْ وليسَ الصُّبحُ فيها بأبيضٍ ... فعادت وليس الليل فيها بأسودِ
فهذا أخذ فاضح وغصب واضح، لا يليق بمن أخذه أن يقول ما أعرف أبا تمام. وقد ساواه في المبنى والمعنى فالمسلوب أولى بسلبه.
وقال المتنبي:
ما زِلتَ تدنُو وهي تعلُو عِزَّة ... حتى توارى في ثراها الفرقدُ
أخذه من قول الديك:
فيا قبرَهُ جُدْ كُلَّ قبرٍ بجُوده ... وفيكَ سماءٌ ثرَّةٌ وسحائبُ
فإنك لو تدري بما فيكَ من عُلىً ... علوتَ فغابتْ في ثراكَ الكواكبُ
стр. 252
وهذا يدخل في باب المساواة، والسابق أولى به.
وقال المتنبي:
أرضٌ لها شرفٌ، سواها مثلُها ... لو كان مثلُكَ في سواها يُوجَدُ
نبهه البحتري على هذا:
والبيتُ لولا أنّ فيه فضيلةً ... يَعْلُو البيوت بِفضْلها لم يُحْججِ
وقال المتنبي:
أبْدى العُداةُ بك السُّرور كأنهُمْ ... فرحوا وعِنْدهم المُقيمُ المُقعِدُ
قال ابن الرومي:
يهش لذكراكَ العدوّ، وإِنَّه ... ليضمر في الأحشاءِ ناراً تسعَّرُ
وهما تساويا في المبنى والمعنى فالأول أحق به.
وقال المتنبي:
قطّعتهُمْ حسداً أراهُمْ ما بهمْ ... فَتقطَّعوا حسداً لمن لا يحْسُدُ
هذا البيت يحتمل معنيين، أحدهما أنهم لما رأوا ما حل بهم التقطع
стр. 253
بالحسد تقطعوا حسداً كمن عدم الحسد فإن كان أراد هذه فمن قول البحتري أخذه:
وملأت أحشاء العدو بلابلاً ... فأرتد يحسد فيك من له يحسد
فكرم البحتري أوضح وهو يساويه في المبنى والمعنى والسابق أولى بما قال. وإن كان أراد أنهم تقطعوا حسداً للممدوح الذي لا يحسد أحداً فقد أنشد الأخفش:
فحسبني أني لست مثرياً وإن ... كنت ذا عدم ويحسدني المثري
وقال المعوج:
تنبت على غمر عداه ولم يمت ... حسين بن يحيى من عداه على غمر
وكلا البيتين أعذب من بيتي أبي الطيب ولفظه أخفى وأصعب وكذلك بيت البحتري أعذب من كلامه فهم أولى بما قالوا منه.
وقال المتنبي:
حتى انثنوا ولو أنّ حرّ قلوبهم ... في قلب هاجرة لذاب الجلمد
أخذه من قول جرير:
تكلفني هواجر دونهم ... تكاد الحصى من جمنهن يذوب
وقال ابن المعتز:
стр. 254
واليوم تجري بالآكام ... سراته والصخر ذائب
وقال ابن المعتز أيضاً:
ويوم تظلّ الشمس توقد ناره ... تكاد حصى المعزاء منه تذوب
ولكن في بيت أبي الطيب زيادة من تشبيه) حرّ قلوبهم (بحر هاجرة يذوب منها الجلمد فهو أرجح بزيادة التشبيه واستعارة) القلب () للهاجرة (فهو أحق بما أخذ.
وقال المتنبي:
بَقيتْ جُموعهم كأنَّكَ كُلّها ... وَبقيت بَينهمُ كأنَّكَ مُفْرَدُ
قال أبو تمام:
بَيتُ المَقامِ يَرى القَبيلةَ واحداً ... ويُرى فَيحْسَبُه القَبيلُ قبيلا
فأبو الطيب جعل جموعهم كانفراده، وأبو تمام جعل جموعهم كوحدته ووحدته كأجماعهم، فالمعنى واحد، وقال أبو تمام أيضاً:
لَوْ لم يَقُدْ جَحفلاً يوم الوغى لغدا ... من نفسه وَحْدها في جَحْفل لَجِبِ
стр. 255
وقد أخذ معناهما ابن الرومي فقال:
بَلْ لَوْ توحّدْت دون الناس كُلّهمُ ... كُنْت الجميع وكانوا كالمواحيدِ
فخبر ابن الرومي أنك لو توحدت كنت جميعاً ولم يخبر عنه أنه يرى الجميع كالواحد، ففي كلام أبي تمام زيادة يستحق بها بيته، وأبو تمام مخبر محقق وأبو الطيب استعمل) كأن (فصار تشبيهاً والتحقيق أبلغ في المدح من التشبيه فالمحقق أولى بما قال ممن أخذ منه.
وقال المتنبي:
لهفان يستوبي بك الغضب الوَرى ... لَوْ بم يُنهْنهكَ الحجا والسُّؤدَدُ
) يستوبي (من الوباء وكان ينبغي أن يكون مهموزاً ولكنه أستعمل طرد القياس في ترك الهمز وأبدل الهمزة ياء على غير قياس.
وقال المتنبي:
كُنْ حيثُ شئتَ تسر إِليكَ ركابُنا ... فالأرضُ واحدةٌ وأنْتَ الأوْحَدُ
قال أبو المعتصم:
صِرْ من الأرض حيث شِئت ... فَجسمي صائرٌ قلبهُ بحيث يصيرُ
فذكر أبو الطيب مصير ركابه إليه، وذكر أبو المعتصم أن جسمه صائر قلبه إلى حيث يصير وقد يصير إليه من ليس صائراً إليه إنما يقصده راغباً وراهباً فهو أرجح من مصير ركابه إليه فقد رجح على أبي الطيب فصار أولى بما قال.
وقال المتنبي:
فصن الحسام ولا تُذله فإِنَّهُ ... يَشْكو يَمينكَ والجَماجِمُ تَشْهَدُ
стр. 256
معناه أنه يضرب به في غير حقه فينبغي أن يصونه إلى أن يضرب به في حقه، وهو يقرب في ذكر شهادة الجماجم من معنى أبي تمام:
قَضى من سَند بايا كُلّ نَحْبٍ ... وأرْشقَ والسيوفُ مِن الشُّهُودِ
وقال المتنبي:
يبس النّجيعُ عليه وَهْوَ مُجَّرّد ... من غِمدهِ فكأنَّما هُوَ مُغْمَدُ
قال البحتري:
سُلبوا، وأشرقت الدماءُ عليهم ... مُحْمَّرةً فكأنَّهم لم يُسلَبُوا
وهذا يدخل في توليد معان مستحسنات في ألفاظ مختلفات وذكر أبو العباس النامي في رسالة له في عيوب شعر أبي الطيب أن قوله.
رَيّانَ لو قَذفَ الَّذي أسْقيتَهُ ... لجرى من المُهجات بَحْر مُزْبِد
أنه مسروق من قول البحتري:
صَديْان من ظمأ الحقودِ لو أنّهُ ... يُسْقي جَميعَ دِمائهم لمْ يَنْقَعُ
فهذا يخبر عن ريان لو مج جميع شربه) تجري من المهجات بحر مزيد (، وهذا يخبر عن صديان لو شرب جميع دمائهم لم يروِ صداه وهذا ضد المعنى ولو أدخل هذا في قسم المعكوس من الشيء إلى ضده لكان أليق ولو قال هذا
стр. 257
الكلام من لم يعرف الشعر رواية ولم ينتقده دراية لقبح فكيف بشاعر يوازن بشعره شعره ويطاول بقدره قدره.
وقال المتنبي:
ما شاركتُه منّية في مُهْجةٍ ... إلاّ وشفرتُهُ على يدها يَدُ
ينظر إلى قول أبي العتاهية:
فإِذا أضرم حرباً كان في ... مهج لا لقوم شريكاً للقدرْ
وقال المتنبي:
إنَّ العطايا والرزايا والقنا ... حُلفاءُ طيء غوّروا أوْ أنجَدوا
جعل هذا أبو الطيب خبراً عنهم، وجعله ابن أبي زرعة أمراً فقال:
حالفَ السيفُ والسنان على الدهرِ ... عَسى أنْ تدلك الأيامُ
وقال المتنبي:
منْ كل أكبر من جبالِ تهامةٍ ... قَلْباً، ومن جود الغوادي أجْوَدُ
стр. 258
هذا متداول وقد أحسن الديك الأقسام وأجاد النظام بقوله:
كالأُسدِ بأساً والبدور إضاءةً ... والمزن جوداً والجبال حُلوما
وهذا التقسيم أرجح لفظاً فصاحبه أولى به لزيادته في الأوصاف وذكر أبو العباس النامي المصيصي في قول أبي الطيب في رسالته:
أنَّا يكونُ أبا البريَّة آدمٌ ... وأبوك والثقلان أنْتَ مُحَمدُ
قال أبو العباس: بعد إيراد هذا البيت يخاطب أبا الطيب فأين ذهبت وفي أي ضلالة همت ومن أي قليب جهالة اغترفت هذا النوع الذي أكثرت العجب به هو الذي أكثر التعجب منك فلم يرد على بيت أبي الطيب شيئاً من غير إيضاح العتب من قوله.
قال أبو محمد: وفي البيت كلفة وليس بلفظ مطبوع ولا ملتذاً لمسموع في إعرابه مطعن وتقديره كيف يكون آدم أبا البرية وأبوك محمد وأنت الثقلان ففصل بين المبتدأ الذي هو) أبوك (وبين الخبر الذي هو) محمد (بالجملة، هذا قول بعض النحويين ويجوز عندي أن يكون مراده:) أنى يكون أبا البرية آدم وأبوك
стр. 259
محمد (مبتدأ وخبر،) والثقلان أنت (عطف على المبتدأ وهذه تعقيدات يحتمل ورود مثلها لبدوي لا يعرف الاختيار ويستعمل وجوه الاضطرار فأما المحدث المطبوع فلا عذر له في أن لا يأخذ من الكلام جوهره ويصطفي من متخيره.
وختم القصيدة بقوله:
يَفْنى الكلامُ ولا يحُيط بفضلكُمْ ... أيحيط ما يَفنى بما لا يَنْفدُ
هذا مأخوذ من قول القائل:
لَنْ ينفد الكلم المثنى عليك به ... ما قِيل منْ كرم أو ينفد الكلَم
قال ابن الرومي:
لَمْ يفنِ ما ف ... يك، بَلْ الكلام
فخبر أن ما فيه من الفضائل لم يفن ولكن فني الكلام فجعل) لنفاد كرمه نهاية من نفاد الكلام وابن الرومي خبر أنه لم يفن ما فيه ولكن فني الكلام (فهذا أبلغ من الأول وهو أخصر. وقال البصير:
مدحت الأمير الفتح طالبُ عُرفَهُ ... وهل يستزاد قائل وهو راغبُ
فأفنى فنونَ الشعر وَهي كثيرةٌ ... وما فنيت آثارُهُ والمناقبُ
وقول ابن الرومي:) بل الكلام (اختصار يفوق فيه غيره وكلام المتنبي
стр. 260
أشرح وفي لفظه جزالة فهو بعد ابن الرومي أحق بما قال، وقد ملح القائل بقوله:
بأبي شكري قليلُ ... وأياديك كثيرة
لمْ يقل فيك لساني ... قَطْ فاستوفى ضميره
ويتلو هذه القصيدة أبيات أولها:
لَيسَ الغليل الذي حُماه في الجسدِ ... مثل الغليل الذي حماهُ في الكبدِ
أقسمت ما قتل الحمّى هوى ملك ... قبل الأمير ولا اشتاقت إلى أحدِ
فلا يلمها رأت شيئاً فأعجبها ... فعاودتك ولو ملك لمْ تَعد
أما البيت الأول من هذه الأبيات فإنه يريد أنه من حمى الأمير محموم الكبد فهذا يشبه قول القائل:
قَدْ قلت للدهر على أنني ... أناس أن يرجع عن ظلمه
أسقمتَ من أهوى وعاقبتني ... حكمت في الحبِ سوى حلمه
فقال لم تفهم وكل امرئ ... آفته النقصان من فهمه
قد نلت من قلبك لما أشتكى ... أضعاف ما قد نلت من جِسمه
وهذا الشعر لولا سؤالات فيه وجوابات لكان البيت الأخير أحسن من قول أبي الطيب، فأما قوله: أقسمت ما قتل الحمى..... البيت فالحمى عرض يستولي على الأجسام، والعبارة عن الأعراض بالقتل والشوق فاسدة، وأما قوله:
فلا يلمها رأت شيئاً فأعجبها ... فعاودتك ولو ملك لم تعد
الحمى تعاود من الأجسام ما لا يعجب ولا يستحسن كمعاودتها المعجب المستحسن فقد صارت عليه معلولة، فأما قول القائل:
стр. 261
حمّاك خماشة حماك عاشقة لَوْ ... لمْ تكن هكذا ما قبلتْ فاكا
فله في قوله في الحمى خماشة وعاشقة أصح من علة أبي الطيب لأن الناس يشبهون آثار ما تبقيه الحمى من آثارها في فم المحموم بالتقبيل فيحسن أن يعبر عن الحمى بالتخميش والعشق لأن التقبيل موضوع لمن هذه صفته من العاشق والمعشوق فكلام هذا القائل أملح وعليه أرجح وهو أولى بما قال.
ويتلوها أبيات أولها:
أهْوِنْ بطول الثواء والتَّلف ... والسِّجْنِ والقيْدِ يا أبا ذُلَفِ
قال فيها:
غَيْر اختيارٍ قبلْتُ برّكَ بي ... والجوع يُرضى الأُسود بالجيفِ
هذا يقرب من قول ابن أبي عيينة:
ما كنت إِلاَّ كلحْم مَيْتٍ ... دعا إلى أكْلِهِ اضْطِرَارُ
ويقارب هذا قول ابن المعتز:
стр. 262
خُذْ ما أتاكَ من اللئا ... مِ إذا نأى أهْلُ الكَرَمْ
فالليثُ يفترس الكلا ... ب إِذا تعذرتِ الغَنمْ
وقد أخذ هذا المعنى الخليع الحماني وكان قد خرج في سفر له فقطع عليه الطريق فرجع إلى ناحية فيها بعض الأمراء من التنوخيين وكان جائعاً عارياً راجلاً فوقف بين يديه فأنشده:
أنا شاكرٌ أنا ناشرٌ أنا ذاكرٌ ... أنا راجلٌ أنا جائعٌ أنا عارُ
هي ستة فكن الضمين لنصفها ... أكن الضمين لنصفها بعيار
أجمل وأطعِمْ وأكسي ولك الوفا ... عِنْد اختيار مَحَاسنِ الأخبارِ
والعارُ في مدحي لغيرك فاكفني ... بالجود منك تعرّضي للعارِ
والنارُ عندي كالسؤال فهل ترى ... أن لا تكلفني دُخول النارِ
стр. 263
فحمله وكساه وأطعمه وخرج من عنده فلقيه بعض أهله فقال أيرضى لنفسك أن تقبل عطاء التنوخي فقال:
وَقالوا قَدْ قَتلت جَدّي تنوخ ... فقلتُ الليث يَفْترس الكَلابا
إِذا أبيضَ الحِسام فَحلّ عَنْه ... يصيبُ الضريبة ما أصابا
وأجود هذه الأبيات قول ابن أبي عيينة وهو أولى به من غيره المنية في معنى الجيف والجوع يرضى بها والمضطر صفة تقع بالإنسان والأسود فما عم جميع المضطرين كان أرجح من تخصيص الأسود بالجوع وذكر السجن فقال:
كُنْ أيّها السِّجنُ كيف شئت فَقَدْ ... وطّنْتُ للموت نَفْس مُعْتَرِفِ
لو كان سُكناي فيك مَنْقصةً ... لمْ يكن الدّرّ ساكِنَ الصَّدفِ
стр. 264
فالبيت المتقدم من قول كثير:
فقلتُ لها يا عَزَّ كلُّ مُصيبةٍ ... إِذا وطّنتْ يوماً لها النَّفْسُ ذَلَّتِ
وهذا يدخل في باب المساواة وقوله: لمْ يكُنْ الدرّ ساكن الصَّدفِ مأخوذ من قول أبي هفان:
تَعَجبتْ درّ من شَيبي فَقلتُ لها ... لا تَعْجبي فطلوع البْدر في السُّدف
وَزادها عجباً أنْ رُحْتُ في سَملٍ ... وما دَرتْ درّ أنّ الدّرّ في الصدفِ
ويلي هذه الأبيات قصيدة أولها:
أيا خَدَّدَ الله وَرْدَ الخُدُود ... وَقَدَّ قُدودَ الحسانِ القُدُود
ورد الخدود هو حمرتها والتحديد للخد يكون لا للحمرة وكان ينبغي أن يقول ألا خدود الله الخدود والمليح فيها قول محمد بن يحيى الأسدي:
حادثات الفراق كُل أوانٍ ... مُولعات بالمستهام العميد
كَمْ قلوبٍ قَدْ أحرقْت في صدورٍ ... وخدود قَدْ غادرتْ في خدودِ
هذه المجانس المليح وقد دعا أبو الطيب على أحبابه دعاه على أعدائه بأن يخدد الله خدودهم ويقد قدودهم والقد القطع طولاً والقط القطع عرضاً وليس الدعاء بمثل هذا من شأن شعر المحدثين اللطاف العشاق الظراف ولعل مثل هذا أن يرد في شعر من غلبت عليه عنجهية الإعراب ويكون ذلك خارجاً عن الرقة والصواب كقول كثير:
رَمى الله في عَينْي بُثينَة بالقذى ... وفي الغُر من أنيابها بالقَوادحِ
стр. 265
وهذا مما عيب به مع تقدمه، فأما المتأخرون فيقولون كما قال الديك:
كيفَ الدّعاءُ على مَنْ خان أو ظلما ... ومالكي ظالمٌ في كُلّ ما حَكما
لا واخذ الله من أهْوى بجفوَتِهِ ... عنّي ولا أقتصّ لي منه ولا ظَلما
فهذا تجنب الدعاء على الظالمين لأن مالكه محبوبه متهم ويسأل الله أن لا يقتصّ له منهم ولا ينتقم.
قال أبو محمد: وقد سلكت أنا هذا المسلك فقلت:
فَهمٌ غالط منى فَهِمَا ... جاءني يسألُ عما عَلمَا
مُقْسم ما بلغتهُ علّتي ... كاذبُ والله فيما زعما
كيف لم يبلغه عن سقمي ... وهو المهدي إليّ أسقّما
رزق المظلوم منا رحمة ... ثم لا أدعو على من ظلما
قال أبو محمد: وقد قلت في معناه أيضاً:
إنْ كنتَ تعلمُ ما بي ... وأنتَ بي لا تُبالي
فصارَ قَلبكَ قَلْبي ... وصِرت في مثل حَالي
بلْ عِشْتَ في طيب عَيشٍ ... تقيك نَفسي وَمالي
دَعوْتُ إذْ ضاق صدري ... عليك ثُم بَدَالي
стр. 266
فهذا مذهب العشاق وإشفاق الرفاق ومثل هذا قول الرشيد في الفضل بن الربيع:
يعز عليّ بأن أراك عليلاً ... أو أن يكون بِكَ السّقام نَزيلا
فَرددت أني مالك لِسلامتي ... فأغيرها لك بكرةً وأصيلا
فتكون تشفى سالماً لِسَلامتي ... وأكون دُونك للسّقام بَدِيلا
ويروى للواثق:
لا بِك السّقم ولكنْ حَلّ بِي ... وبأهلي وأمي وأبي
قيل لي إنك صَدعت فَما ... خَالطت سمعي حتى ديربي
وقال آخر:
فَقْلتُ للسّقم عُدْ إلى بدني ... إنساً بشيء يكون مِنْ سَنيك
وقال آخر:
قد سرني أنهم قد سرهم سقمي ... فازددت سقماً ليزدادوا به فرحا
стр. 267
هذا المذهب المعتاد فأما أن يقول العاشق لمعشوقه:) خدَّد الله خدك وقدَّ قدّك وأعمى بصرك وطمس حسنك (فهذه دعوات المستضعف من المظلومين على الأعداء القاهرين لا على الأحباب المعشوقين وقد عد الناس جريراً من الجفاة لقوله.
طوقتك صائدةُ القُلوب وليس ذا ... وَقْتَ الزَّيارةِ، فارجعي بِسَلامِ
وقد اتبع هذا الجفاء بجفاء مثله فقال في خروجه أعني المتنبي:
فكانَتْ وكُنْتَ فداءَ الأمير ... وزَالَ من نِعْمةٍ في مَزيدِ
ومما لم يسبق إليه أن جعل محبوبه فداء الأمير الذي رغب إليه وأظنه قال هذه القصيدة أول زمان عشقه قبل أن يرق.
وقال المتنبي:
لَقْد حالَ بالسّيف دُون الوعيد ... وحَالتْ عَطاياه دُون الوعُود
وهو من قول البحتري:
تمضي المنايا داركا ثُم يُتبعُها ... بيضَ العطايا ولمْ يُوعد ولم يِعِدِ
والمعنى المعنى وهو يدخل في باب المساواة.
وقال المتنبي:
فأنجُمُ أموالِهِ في النُّحوسِ ... وأنجم سُؤاله في السُّعودِ
صدر هذا البيت لفظ ينظر من مثله في أن يجعل أمواله منحوسة وإن كان
стр. 268
مراده تفريقها وتبديدها، وأحسن من هذا قول أبي تمام:
طَلعتْ نُجومك للخليفة أسعدا ... وعلى ابن ميخائيل كُن نَحوسا
وكقوله أيضاً:
رَأى بابكُ منه التي طَلَعتْ لَهُ ... بنحسٍ وللدِّين الحَنيفِ بأسعَدِ
فجعل النحوس لعدوه والسعود له ولدينه وليس في الحالتين لفظ يكره سماعه ولا وقوعه وهو في اللفظ الراجح على لفظ من أخذ عنه وصاحبه أحق به.
وقال المتنبي:
ولَوْ لمْ أخف غَير أعدائه ... عَلْيه لبشّرتُهُ بالخُلُودِ
يشبه قول القائل:
زَعم الفرزدق أنْ سيقتلُ مَرْبعاً ... أْبشِرْ بطولِ سلامةٍ يا مَرْبَعُ
وبعد هذا البيت:
стр. 269
رمَى حَلبا بنواصي الخُيُولِ ... وسُمْر يُرقنَ دماً في الصَّعيدِ
الصعيد: الأرض التي لم يخالطها سبخ، وقال ثعلب: هي الأرض التي فيها رفعة. قال أبو محمد: فإن كان مراده أن الرماح تريق السلام فيما سمي صعيداً خاصة فليس كذلك يريق الدم في أصناف الأرضين عبر الصعيد وإن كان عبّر عن الصعيد بالأرض أي أرض كانت، فما أفاد فائدة لأن الدم إذا أريق ما يقع إلا على الأرض وهذا من الحشو المذموم.
وقال المتنبي:
وبيضٍ مُسافرةٍ ما يُقم ... ن لا في الرقابِ ولا في الغُمُودِ
قال أبو تمام:
فَلاَ تَطلبُوا أسيافَهُمْ في جُفُونِهم ... فَقدْ أسكنتْ بين الطُّلى والجَماجمِ
) فأبو تمام يمنع من كونها في غمودها في حال ويجعل سكناها بين الطلى والجماجم (وأبو الطيب يذكر أنها لا تقيم في الغمود ولا في الرقاب فتكون مرة كذا ومرة كذا وقد قال أبو الطيب في قصيدة له:
إلى الهامِ تُصْدر عَنْ مِثْلِهِ ... تَرى صدراً عنْ وُرودٍ وُروُدا
يقول إن سيوفه تصدر عن هام إلى هام فكان صدرها ورود فهي لا تبرح بين الهام وهو معنى أبي تمام بعينه فما لا يبرح الهام والطلى أمدح مما يكون في الغمد وقتاً ثم ينتقل إلى الهام والطلى وكلام أبي تمام أرجح ووصفه وأمدح فهو أحق بقوله ممن أخذ منه، وقال ابن الرومي:
стр. 270
ما ضم سيفاً لنا غمد ولا برحتْ ... ضَريبتاه من الأعناق والجزرِ
يخبر أنه لا يضم سيفه ودعا بأن لا يبرح ضريبتاه من الأعناق والجزر وخبر بالبأس والكرم جميعاً فرجح لفظه على لفظ أبي تمام فاستحق ما أخذ.
وقال المتنبي:
يُروَن من الذُّعْرِ صَوتَ الرياحِ ... صَهيل الجيادِ وخَفْقَ البُنُودِ
هذا في معنى قول جرير:
تَركوك تَحْسِبُ كل شَيء بَعْدَهم ... خَيلاً تشدّ عليكمُ ورَجالا
وقول جرير أبلغ لأنه جعل كل شيء يخيفهم وخصّ أبو الطيب الرياح فهذا أرجح.
وقال المتنبي:
سَعوا للمعالي وهُمْ صبيةٌ ... وسادُوا وجادُوا وهُمْ في المُهُودِ
وهذ) ا (مبالغة مستحيلة غير ممكنة لأن السيادة وقود العساكر لم يكن قط لمن هو في المهد، وإنما كان في المسيح ﵇ كلام في المهد خرج به عن عادة البشر لتظهر المعجزة في نبوته.
وأما قول ابن بيض:
بَلغت لعشر مَضتْ مِنْ سَنيك ... ما يبلغُ السيد الأشيب
وقال البحتري:
قَدْ أكمل الحلمَ واشتدَّتْ شكيمتُهُ ... على الأعادي ولْم يَبْلغْ مدى الحُلُم
стр. 271
فقد وسعا ما كان يبعد فهو إلى الإمكان أقرب من ذكر عدة السنين ومن سبق بلوغ الحلم، وقد تمكن مع زائد الفضل وإفراط النبل أن يكون في صبي من التمييز بازاء ما هو في شيخ هو دونه في الفضل وقال سوار بن أبي شراعة:
تَعرف السؤدد في مَولدِهم ... وتراهُ سيداً إن أيفعا
ومعرفة السؤدد بظهور صحة التمييز في الطفل وما يخالف به أشكاله من الصبيان فإذا أيفع كان سيداً على مذهب ابن بيض والبحتري، فأما إطلاق السيادة على الأطفال وقود الجيوش فمحال واضح وكذب فاضح وعلى كراهية العلماء المبالغة المستحيلة فأصحاب الأبيات التي قبله أصح معنى وأحق بما أخذ منهم.
وقال المتنبي:
أمالِكَ رّقِي ومن شأنُهُ ... هبات اللُّجَين وعْتقُ العَبيدِ
لو قال:) من شأنه هبات التضار لنا والعبيد (.
كان أمدح لأن الذهب واهبه أسمح من واهب الفضة لنفاسته وارتفاع قيمته وإلا من فساده إذا أكثر) وعتق العبيد (يستعاض عليه بالأجر في الآخرة والواهب العبيد منهم ليوصف بالجود لا ليعاض عرضاً يصل إليه) من (منفعته.
стр. 272
يليها أبيات:
أجابه منه للضبّ الش ... اعر بها حين هَجاه الضبّ
أيها أتاك الحمام فاحت ... رمك غير سفيه عليك مِنْ شتمك
ولا فائدة فيها فيطلب لها استخراج سرقه، وقال فيه أيضاً:
أي شعرٍ نَظرتْ فيه لضبّ ... أوحد ماله على الدهر عونُ
يقول فيها:
يا لك الويل ليس يعجز م ... وسى رجل حشو خلده فرعونُ
هذا معنى ينظر إلى قول أبي نولس:
فإِن يكن باقي إفك فرعون ... فيكم فإِنّ عصى موسى بكف خَصيب
стр. 273
وقال ابن الحاجب:
وإذا المرء فرعنته لهاة ... كنت موسى فرعون ذي الأوتادِ
وقال المتنبي:
أنا في عينيك الظلام كَما ... أنّ بياض النهار عَندك جُون
وهذا يشبه بيتاً لابن الرومي من أبيات يذكرها لجودتها وهي:
بحقهم إن باعدوني وقربوا ... سواي، وتقريبُ المباعد أوجبُ
رأى القوم لي فضلاً يعاريه نقصهم ... فمالوا إلى ذي النقص، والشكل أقربُ
بهائم لا تصغي إلى شدو مَعْبدٍ ... وأمّا على جافي الحداء فَتطربُ
خَفافيش أغشاها نهار بضوئِه ... ولاءمها قطع من الليل غيهبُ
فشبههم بالخفافيش التي من شأنها أن لا تبصر بالضوء ويكون بصرها في الظلام وخبر أبو الطيب أنه عين الهجو ظلام كما أن النهار عنده أسود ولم يذكر العلة الموجبة لذلك فكلام من جعل المهجّوين مثالاً صحيحاً أرجح كلاماً وأولى بما قال.
стр. 274
يليها أبيات أولها:
أبا عَبْد الإِلهِ مُعاذُ أنّي ... خَفي عَنْك في الهيجا مَقامي
يقول فيها:
أمثلي تَأخُذُ النكباتُ مِنه ... ويجزعُ من مُلاقاة الحِمام
وليس هذا من المعاني البديعة ولا الألفاظ الرفيعة ولكنه إذا أخذه أوجب علينا إخراج أصله وهذا من قول أبي هفان:
أمثلي يخوف بالنائباتِ ... ويَخشى بوائق صرف الزمنِ
стр. 275
أذاقني الله مُر الهَوى ... وأدخلني في حرامي إذن
فزاد على أبي الطيب بما يزيل الشك في مخافته وبالغ حتى سخف لفظه.
وقال المتنبي:
ولَوْ برز الزمان إليّ شخصاً ... لخضّبَ شَعْرَ مفرقه حُسامي
هذا من قول دريد:
لَوْ مُثّل الحتف لَهُ قرناً لما ... صدّتْهُ عنه هَيبةٌ ولا انثنى
ومعنى) ابن (دريد لا يفيد غير أَلاَّ نهاب شخص الموت لو مثل له وقول أبي الطيب أحسن عند مدح من المبالغة لأنه شرط يخصب مفرقه بحسامه فأبو الطيب أولى بما أخذ.
وقال المتنبي:
وما بَلَغتْ مشيتَها الليالي ... ولا سارتْ وفي يَدِها زمامي
قال البحتري:
لَستُ الذي إنْ عارضتهُ مُلمَّةٌ ... ألقى إلى حُكم الزَّمان وفوَّضَا
يليها أبيات أولها:
أنا عين المسوّد الجحجاحِ ... هَيّجتني كلابُكُمْ بالنُّباحِ
стр. 276
ولو قال:
أنا عين الصارم الكلاح ... هيجتني كلابكم بالنباحِ
واحتمل غثاثة الكلاح كان بالمعنى أوقع أن يجعل نفسه ليثاً ويجعلهم كلاباً تنبحه والأبيات فارغة.
قال ابن المعتز:
سَمع الليث نباحاً منكمْ ... فَلهُ في وسطِ الغابةِ زارُ
يليها أبيات أولها:
ألذّ من المُدامِ الخندريسِ ... وأحلى مَنْ مُعطاةِ الكُئُوسِ
مُعطاة الصَّفائحِ والعَوَال ... وإقحامي خميساً في خَميسِ
هذا شعر يحتاج أوله إلى ما بعده وهو معيب عند الشعراء يسمى التضمين وذلك أن يبتدئ معنى في بيت لا يتم إلا بالبيت الثاني، وقد قال إسحاق بن خلف ما فيه التضمين والمعنى:
لَسلُ السيوف وشقُّ الصُّفوف ... وخوضُ الحُتوف، وضربُ القُللْ
ألذّ من المسمعاتِ القيان ... وحُث المدامة في يوم طَلْ
ولا فرق بين المبنى والمعنى فهو داخل في قسم المساواة والأول أحق بما قال.
стр. 277
وقال المتنبي:
وموتي في الوغَى عيشي لأني ... رأيتُ العيش في أربِ النفوسِ
صدره من قول أبي تمام:
يَستعذبونَ مناياهُمْ كأنَّهمُ ... لا ييأسوُنَ من الدنيا إذا قُتِلوا
ولأبي تمام فيه زيادة يرجح بها، وتمام البيت من قول الأحوص:
فما العيشُ إلا ما تَلذُّ وتَشتهي ... وإنْ لامَ فيه ذو الشَّنان وفَنّدا
ولكن أبا الطيب قد أختصر الطويل في الموجز القليل فاستحق ما قال.
يليها أبيات وهما:
إذا ما سربْتَ الخمْرَ صرفاً مُهنّأ ... شربنا الذي من مثله شرب الكَرْمُ
ألا حَبّذا قَومٌ نداماهم القنا ... يُسقونها) رياً (وساقيهم العزْمُ
أما ما ذكره من شرب الشارب الخمر فإنه يشرب من مثل ما شرب الكرم فإنه نسي قوله:
فإن تكُنْ تغلِبُ الغلباءُ عُنصرها ... فإِنَّ في الخمر معنى ليس في العِنَبِ
стр. 278
فجعل العنب لا يلحق الخمر فكيف يجعل ذلك مثل الماء وهل للماء تسخية البخيل وتشجيع الجبان وزوال الهموم وصحة الجسم هذه فضائل لا توجد في الماء فكيف يكون الشرب للخمر كالشرب للماء، وقد خبر الله عنها بمنافع لولا التحريم ما تركت فقد ماثل بين شيئين مختلفين وبينهما فرق لا يخيل.
ويلي ذلك أبيات أولها:
لأحبَّتي أن يَمْلَئوا ... بالصّافياتِ الأكْوُبا
وهي أبيات فارغة ما أظنه أثبتها إلا ليدل على شجاعته وليس) له (مما يطلب له استخراج سرقة.
وبعد ذلك بيتان:
أما تَرى ما أراهُ أيُّها الملِكُ ... كأنّنا في سماءٍ ما لها حُبُك
ما لذكر الحبك هاهنا فائدة غير إتمام القافية.
وقال المتنبي:
الفَرْقدُ أبنكَ والمصباحُ صاحبُهُ ... وأنْتَ بَدْرُ الدُّجى والمجْلسُ الفَلكُ
وهذا التشبيه من قول ابن الجهم:
كأنَّهُ وولاةُ الأمر تَتْبعُهُ ... بَدْر السماءِ تليه الأنجمُ الزّهُرُ
ولا زيادة لأبي الطيب فيه غير صفة المجلس وقد أشار له إلى هذه الزيادة أبو نواس في قوله:
стр. 279
مضى أيْلولُ، وارتفعَ الحُرورُ ... وأخْبتْ نارها الشِّعرى العبُورُ
فقوما فالقحا خمراً بماء ... فإِنّ نتاج بينهما السّرُورُ
نتاجٌ لا تدرُّ عليه أمٌّ ... بحمْل لا تعدّ له الشُّهورُ
إِذا الكاساتُ كرّتْها علينا ... تكوَّنَ بينَها فلكٌ يدُورُ
تسير نجومه عجلاً وريثاً ... مُشرّقةً وأحياناً تَغُورُ
إِذا لم يجرهِنَّ القُطْبُ مِتْنا ... وفي دَوْراتهِنَّ لنا نَشُورُ
فشبه دوران الكؤوس على الندامى بفلك دائرة الكؤوس نجومه فإلى هذا ذهب أبو الطيب وقول أبي نواس ينبه عليه وإن كان في معنى غيره فهو من قسم استخراج معنى من معنى احتذى عليه وإن فارق ما قصد به إليه وبالجملة فقد زاد علي بن الجهم زيادة في كلامه هي من تمامه فهو أحق بما أخذ وقال ابن أبي فنن:
بَنوك نجوم بهم يقتدى ... سبيل الرشادِ وأنْتَ القمرُ
وقال بعد ذلك بيتين في نائم أنشده شعره وهما:
إِنَّ القوافي لمْ تُنمكَ وإِنَّما ... مَحقتْكَ حتى صدت ما لا يُوجدُ
стр. 280
خبرنا بوجود بعده عدم ثم خبر أن له أذناً وفماً فدل على وجود فناقض والمعنى في هذا أنك نمت عند الإنشاد وإنما تشكى منها إذا هجاها غماً فأما إذا أسمع شعراً قصد به غيره فلم يمحقه ويسكره، وهذا معنى نبه عليه أبو تمام بقوله:
عِنْدي من الأيَّام ما لَو أنهُ ... بإِزاء شارب مُرقد ما غَمَّضا
فأبو تمام يذكر أنه لو شرب المرقد ما غمض وأبو الطيب يذكر أنه نام حتى كأنه شارب مرقد، فكلام أبي تمام أشد مبالغة وأرجح معنى وقد أتى ابن الرومي في معنى قول أبي الطيب:) حتى صرت ما لا يوجد (بقوله:
وإنّ كنت لا أهجوك إلا كحالم ... يَرى ما يراهُ النائمون فَيهجرُ
لأنك معدوم الوجود وإنما ... يرينيك ظني ريثما أتدبرُ
стр. 281
فخبر عن عدمه ثم احتاط وقال:
فإِن كُنتَ شيئاً ثابتاً فهباءةٌ ... تضاءل في عينِ اليقين وتصغرُ
كأنه جعله معدوماً ثم رآه مهجواً ومخاطباً فعلم أن ذلك لا يقع على معدوم فجعله شيئاً حقيراً كالهباء صغيراً.
وقال المتنبي بيتين:
كتِمْتُ حُبّك حتى مِنْك تكرمةً ... ثمَّ استوى فيك إسراري وإعِلاني
كأنَّه زاد حتى فاض في جسدي ... فصار سُقْمي به في جسم كتماني
فخبر أنه قد استوفى فيه إسراره وإعلانه حتى كأنه زاد ففاض وضعف كتمانه حتى صار حبه في جسم كتمانه الضعيف على وجه الاستعارة وفيه تكلف.
وبعدهما بيتان أولهما:
وأخٍ لنا بَعث الطّلاقَ أَلِيَّةً ... لأُعَلِّلَنَّ بهذه الخرطوم
فهذا فارغ، وقال يليه:
فَجعلتُ رَدّي عِرْسَهُ كفارةً ... عَنْ شُربها وَشربْتُ غير أثيمٍ
ففقه أبو الطيب في هذا البيت فقهاً غير إسلامي لأنه ذكر أن حالفاً حلف عليه بالطلاق ليشربن الخمر فشربها وجعل رده عرسه وإليه كفارة ذنبه في معصية كان اجتناب الحالف عليها واجتناب ما نهى الله عن شربه أولى بمذهب المسلمين.
ويليها قصيدة أولها:
أظَبيةَ الوحْشِ لولا ظَبيةُ الأنَسِ ... لما غَدوْتُ بجَدّ في الهوى تَعِسِ
стр. 282
قال فيها:
ولا سَقيتُ الثَرى والمُزْنُ مُخْلفُهُ ... دَمْعاً ينشفهُ من لَوْعةٍ نَفسي
قال الخُبزأرزي:
وكذاك نيرانُ القلوب إذا الْتظَتْ ... يوماً تُنشِّفُ في العُيون الماءَ
وقال آخر:
لَولا الدُّموعُ وفيضهن لأحْرقَتْ ... أرضَ الوداعِ حَرارةُ الأكبادِ
فساوى الخبزأرزي المتنبي في معناه من نشف ماء العيون بنار القلوب في بيته مطابقة من النار والماء ليس في بيت أبي الطيب والبيت الثالث جعل فيض الدموع سبباً منع من الإحراق فهو أقل مبالغة. ويقرب من هذا قول الحصني:
وكنتُ أرجّي الدمع أنْ يطفئ الأسى ... فَغالبهُ نِيران تُوقد في صَدْري
وقال المتنبي:
ولا وقفْتُ بجسْمِ مُسْي ثالثةٍ ... ذي أرْسُمٍ درس في الأرسم الدُّرُسِ
قال العكوك:
خَلَّفتني نِضْو أحزانٍ أُعالجُها ... بالجزع أنْدبُ في أنْضاء أطْلالِ
فجعل نصفه) نضو أحزان (يندب في أنضاء أطلال وهو مثل قوله:) ذي أرسم درس في الأرسم الدرس (.
стр. 283
وأملح من الجميع قول الديك:
أنضاءُ طلّتْ دَمْعهُمْ أطْلالهمْ ... فتخالهُمْ بين الرَّسُومِ رُسُوما
في هذا البيت تجنيس مليح وتشبيه من رسوم أجسام برسوم أطلالهم فهذا البيت يزيد على بيت العكوك ويرجح لفظه فهو أولى به من أبي الطيب.
وقال المتنبي:
ما ضاقَ قبلك خَلخالٌ على رشاءٍ ... ولا سمعتُ بديباجٍ على كَنسِ
) الكنس (جمع كانس مثل غائب وغيب ولو قال:) على كانس (وأفرد على مقصده شخصاً كان أحسن والذي قاله يحسن على مذهب من قال من أهل اللغة: كنس وكناس ومعنى هذا البيت أن ساق الظبي دقيق فلا يضيق فيه خلخال وأن الديباج على الهودج مثل الديباج على كنس الظبي أي هذا مخالف لسائد الظباء الوحشية كما قال ابن دريد:
أعَنِ الشمسِ عشاءً ... كشفت تلك السّجوف
أمْ على ليتي غزال ... علقت تلك الشّنوف
ومثله لآخر:
ظبي أتاكَ مُعطراً ... والظبي لا يتعطرُ
стр. 284
فكلهم يعرب بصفات لا تكون للظباء الوحشية.
وقال المتنبي:
مِنْ كل أبيْض وضّاحٍ عمامَتُهُ ... كأنَّما اشْتملتْ نوراً على قَبسِ
هذا يساوي قول ابن قيس) الرقيات (:
إِنّما مُصْعب شهابٌ من اللّ ... هـ تجلّتْ عن وجهه الظّلمْاءُ
وقال المتنبي:
أكارمٌ حَسَدَ الأرضَ السماء بهم ... وَقصّرت كل مِصْرٍ عن طَرابلُسِ
فقال:) قصرّت (والفعل للكل ولكنه أراد الجماعة كما تقول:) جاءت كل صاحبة لك (كأنك قلت صواحبك كلهنّ.
وبعد ذلك قصيدة أوّلها:
هَذِي بَرزْت لنا فهجتَ رسيسا ... ثُمّ انصرفت وما شَفيتْ نَسيسَا
стр. 285
حذف حرف النداء من المبهمات لحن عند البصريين لأنه لا إعراب له يدل على إرادتك كما يدل قولك:) زيد أقبل (على المحذوف وهو من المبهمات التي لا إعراب لها لا يدل على مرادك) ويشكل (ولا يجوز إلا في رواية شاذة غير موثوق بها ولا معمول عليها.
وقال المتنبي:
إِنْ كُنْت ظاعِنةً فإِنَّ مدامِعي ... تكفي مَزاركُمُ وتُرْوي العِيسا
من قول علي بن هشام:
ويا أخا الذود طال الظمأ بها ... لا تعرف الري من جذب وأقتار
قف بالعطاش على عيني ومحجرها ... نرو العطاش بماء سافح جار
следующие страницы →