Полный текст (676 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
أوقع اللفظ على استحقاقه في استعمال الأضداد، ومحمود تساهل في ذلك، فرجح كلام المتنبي، واستحق ما أخذ، فأما قول أحمد) بن (أبي طاهر:
متى ما زاد عمرك كان نقصاً ... ونُقصانُ الحياة مع التَّمامِ
فالنقص والتمام ضدان وقد استوفى معنى بيت أبي الطيب في صدر بيته، وعجزه زيادة في المعنى ما هو من تمامه ومثله قول أبي المعتصم:
كمالُ المرء نقصٌ في قواه ... ونقصُ المرءِ من بعد الكمالِ
وهو يشبه بيت أحمد بن أبي طاهر سواء، وهذا يدخل في قسم المساواة وللسابق فضل السبق.
وقال المتنبي:
جَزى الله المسير إليه خيراً ... وإنْ تَرك المطايا كالمزادِ
المزاد: يكون فيها الملاى الجديد فيكون التشبيه يدل على الصلابة والسمن وقلة الكد وليس هذا مراده لأنه لا يوجب على الممدوح ذماً ما في قصده لأنه ما كد إليه راحلة ولا جهد نفسه في إتيانه وقد تكون فارغة يابسة فيشبه الهزلي من الإبل ولكنه ما أتبع هذا بنعت يفسر إرادته، والجيد قول بعض الأعراب:
كأنّها والشوكُ كالشنان ... تَميسُ في حلةِ أرجوانِ
стр. 317
فالشنان: القرب البالية جمع شنّة فدل بمعنى الشنان على بلاها وهزالها فرجح لفظه على لفظ أبي الطيب.
وقال المتنبي:
فَلمْ تلق ابن إبراهيم عنسى ... وفيها قُوتُ يومٍ للقُدادِ
هذا معنى ينظر إلى قول الحطيئة:
سناماً ومحضاً أنبتا اللحم فاكتستْ ... عظامُ امرئ ما كان يَشبع طائرهُ
أي لو وقع عليه طائره ما كان يشبع طائره من لحمه فجعل الناقة مكان الرجل وجعل القداد مكان الطير وهذا من استخراج معنى من معنى احتذى عليه وإن فارق ما قصد به.
وقال المتنبي:
وأبعدَ بعدنا بعد التَّداني ... وقرّب قُربنا قُرب البِعادِ
معناه وأبعد بعدنا مثل بعد التداني وأقرب قربنا مثل قرب البعاد كان
стр. 318
بيننا أي قربني إليك بحسب ما كان بيننا من البعد فهذا كما قلنا إنما يشبه كلام أهل علم الباطن) خذني مني وغيبني عني حتى لا أبقى أنا بلا أنا (وهذا مما لا يلتمس له استخراج سرقة وإنما فسرت لك معناه لئلا تسمع تهويلاً فتتوهم أن له محصولاً.
وقال المتنبي:
فلما جئته أعلى مَحلّي ... وأقعدني على السّبعِ الشّدادِ
قد ألمّ بمعنى زهير:
لو كَانَ يقعد فَوقَ الشمسِ من كرمٍ ... بآبائهم أو مجدهم قَعدوا
فزهير أحترس وقال:) لو جاز أن يقعد قوم بحسب أو مجد فوق الشمس لقعدوا وأبو الطيب حقق جلوسه على السبع الشداد فليس هذا في قدرة الممدوح فكان زهيراً بالاقتصاد في المحال ورجحان لفظه على لفظ من أخذ عنه أحق بما قال.
وقال المتنبي:
تَهلَّل قبل تَسليمي عَليهِ ... وألقىَ كيسهُ قبل الوِسادِ
أما ذكر التهلّل فلا أعرف فيه أحسن من قول زهير:
تراهُ إذا ما جئته متهلّلاً ... كأنَّك تعطيه الذي أنت سائلُه
وذلك أنه قد عرف مقدار تهلله لأنه قد يتهلل المعطي ولا يبلغ تهلل
стр. 319
المعطي ما يفرح به وذكر الكيس واللقاء به ليس مدح فأخر ولا يبلغ نهاية المدح بالجود لأنه قد يلقي كيساً ليس فيه ما يغني المعطى ولا يفقد المعطي والبدرة أولى من الكيس بإغراق في المدح وخبر أنه ألقى الكيس وأتبعه وساداً فخبر عن الممدوح بالسخاء وإكرام عفاته فكأنه ينبه على المعنى بقول أبي الهندي:
سألناهُ الجزيلَ فما تلكى ... وأعطى فَوقَ منيتنا وزادا
وأحسن ثم أحسنَ ثم عُدنا ... فأحسنَ ثم عُدتُ له فعادا
مراراً ما قصدت إليه إلا ... تَبسَّم ضاحكاً وثنى الوسادا
فذكر معاودته مراراً والتكرم يكون مع كثرة المعاودة غير مأمون وخبر ببشاشة وإفراط هشاشة، فإن قال قائل شرط أبو الطيب إلقاء الكيس قبل الوساد والإكرام أولى بالتقديم وقد خبر أبو الهندي بأنه أعطاه فوق منيته وذلك مما يتسع الظن في كثرته وأنه عاوده دفعات فكلامه يفيد معاني من كرمه يرجح بها على أبي الطيب.
وقال المتنبي:
стр. 320
وأنّكَ لا تجودُ على جَوادٍ ... هباتُكَ أن يلقب بالجوادِ
هذا من ألفاظه التي تحتاج إلى تفسير فإذا فسرت قلت فائدة مسبوكها ومعناه هباتك لا تجود على أحد بأن يلقب جواداً ولو قال أن يسمى بالجواد كان أحسن من قوله) أن يلقب (.
وقال المتنبي:
كأنَّ الهامَ في الهَيجا عيُونٌ ... وقَدْ طُبعتْ سُيوفكَ من رقادِ
فسر هذا بعض النحويين فقال: إن معناه أن سيوفك تألفها الهام كما تألف العيون الرقاد، وهذا ضعف في النقد وخروج عن القصد لأن الهام تكره السيوف ولا تألفها قال أبو محمد: وهذا الكلام يحتمل معنيين أحدهما أن لا يقدر الهام على الامتناع من سيوفك كما لا تمنع العيون دخول الرقاد عليها أحبته أو كرهته والآخر أن يكون أراد موقع سيوفك في هامهم كموقع الرقاد في المقل يريد إمّا بطلان الحس والغيبة بها أو يريد حسن وقعها كوقع الرقاد في العيون كقول الأول:
فكأنما وقع السيوف بهامهم ... خَدرُ المنية أو نعاس الهاجع
стр. 321
يقرب منه قول أبي نواس:
ولها دَبيبُ في العظامِ كأنَّهُ ... أخذ النعاسِ، وقبضهُ بالمفصلِ
وكلام أبي نواس يشبه نعنى الأول إذ ليس يمتنع العقل ولا المفصل لمن عمل النعاس فيهما وأخذه إياهما لأنه فعل للطبيعة يدخل عليهما من حيث لا يمتنع.
وقال المتنبي:
وقَدْ صُغتَ الأَسنَّة من هُمومٍ ... فما يخطُرنَ إلا في فُؤادِ
يجوز الكسر والضم في الطاء من) يخطرن (ومن أراد الرماح كسر، وهو ينظر إلى قول أبي تمام:
كأنّه كان تربَ الحبِّ مُذْ زمنٍ ... فليس يُعجزه قلبُ ولا كَبد
وقد أخذ أبو الطيب هذا المعنى أخذاً جلياً واضحاً قبيحاً ومن ذلك قول بعض بني عبد شمس:
стр. 322
الطاعنُ الطعنة النَّجلاء عن عرضٍ ... أثر الكتيبة يُرميه ويرميها
بلهذمٍ من همومِ النفسِ صيغتهُ ... فليس ينفكُّ يجري في مَجاريها
وكلام الشمسي مساو لكلامه في معناه فالأول أحق بما قال.
وقال المتنبي:
ويْومَ جلبتَها شُعثَ النَّواصي ... مُعَقّدة السَّبائبِ للطِّرَادِ
هذا بيت لا معنى فيه فيطلب له استخراج سرقة وإنما ذكرناه للضمير الذي لم يجر له ذكر ولكنه ذكر من الهيجاء والرماح ما يدل على حضور الخيل فاستعمل الإيجاز والاختصار واكتفى بعلم المخاطب وهو مذهب صحيح قد ورد في القرآن والشعر ففي القرآن قوله تعالى:) حتى توارت بالحجاب (و) كل من عليها فانٍ (ولم يجر للشمس ولا للأرض ذكر وفي الشعر قال حميد بن ثور أول قصيدة:
وأدماء منها كالسَّفينة تضحتْ ... به الحَمل حتى زاد عشراً عَديدُها
فقال منها يريد ناقة وأضمرها لعلم المخاطب.
وقال المتنبي:
وَحام بِها الهلاكُ على أناسٍ ... لهمْ باللاَّذقيةِ بَغيُ عادِ
قال ابن الجهم:
أعطاكَ يا ابن أبي داود رُتبةً ... فجريت في ميدانِ أحمر عَادِ
стр. 323
وهذا يدخل في باب التساوي.
وقال المتنبي:
لقُوكَ بأكبدِ الإِبلِ الأبايَا ... فسقتهم وَحدُّ السَّيق حَادي
هذا البيت جيد الصنعة لأنه ما خرج عن ذكر الإبل وسوقها وحدائها فلم يخرج عما يتبع بعضه بعضاً ويلتقي بمعناه لفظه وهو ينظر إلى قول البحتري:
فدعوتهم بظُبا الصَّفيح إلى الرَّدى ... فأتوكَ طُرّأ مُهطعين خُشُوعَاً
ولغيره:
لما التووا بمقاده عَنْ سُبلهِ ... أخذ المقادةِ عن ظباه حِدادِ
وقال المتنبي:
فَما تَركوا الإمارةَ لاختيارٍ ... ولا انتحلوا ودادكَ مِنْ وِدَادِ
ثم قال:
ولكنْ هبَّ خوفكَ في حشاهُمْ ... هُبوبَ الريحِ في رجل الجرادِ
هذا البيت تفسير لِما تقدم وهو موجود المعنى في بيت شريف وذلك قوله:
ذلها أظهرَ التودد منها ... وبها مِنكمْ كزء المَواسي
стр. 324
فمن بلغ مراده في بيت وأتى في عجز بيته بتشبيه صحيح كان أحق بما قال ممن عمل بيتين تفسيرهما في الثالث بعدهما واستعار استعارة غير صحيحة لأن الخوف عرض والهبوب لا يصح إلا من جسم والمعنى موجود في قول القائل:
تَولوا حزاناً مُدبرين كأنّهم ... جَراد شمال كية وابلِ القَطَرِ
فهذا شبه جواهر بجواهر وقال الحطيئة:
ونحنُ إذا ما الخيل وافت كأنّها ... جراد زفت أعجازه الرّيح منتشر
ومثله قول مسلم:
ما كان جَمعهم لمّا لقيتهُمُ ... إلا كمثل جراد ريعُ مُنجفَلِ
وكل ذلك أصح معنى من معنى بيت أبي الطيب وأرجح لفظاً وهم أحق بما قالوا.
وقال المتنبي:
وماتوا قَبْلَ مَوتهم فَلمَّا ... مننتَ أعدتُهمْ قبل المَعادِ
ينظر إلى قول أبي تمام:
مَعادُ البعث معروفٌ ولكنْ ... ندى كفَّيك في الدُّنيا معادي
وقد أتبع أبو تمام هذا بمثله فقال:
مَعادُ الورى بَعد الممات وجوده ... مَعادُ لنا قبل الممات ومَرجعُ
وهذه معان تدخل في قسم التساوي.
وقال المتنبي:
غَمدْتَ صوارماً لو لم يتوبوا ... مَحوتهُمْ بها مَحو المِدَادِ
стр. 325
وقد أتى بهذا اللفظ أبو تمام فقال:
محوٌ من البيض الرّقاق أصابَهُ ... فَعفاهُ لا محوٌ من الأحوالِ
ومحو المداد أصل الكلام ومحو الأحوال استعارة والمعنى مساو.
وقال المتنبي:
وما الغضبُ الطّريفُ وإن تَقَّوى ... بمنتصف من الكَرمِ التِّلادِ
ليس الغضب ضد الكرم، وإنما ضده اللؤم ولو قال:) من الحلم التلاد (كان في الصنعة أجود ويقوى لفظه هجيته ضاق عطته عن أملح منها.
وقال المتنبي:
فلا تغررك ألسنةُ مَوال ... تُقبلهُنّ أفئدة أعادي
فهذا يشبه قول القائل:
وأبلغ مُصعباً عني رسولاً ... وهل يجد النصيح بكل وادِ؟
تعلم أن أكثر من بكا فيّ وإن ... ضحِكوا إليك هُمْ الأعادي
وقال ابن المعتز:
عرفت أخلاء هذا الزمان ... فأكثرت بالهجر منهم نصيبي
فكلهم إن تأملته صديق العتاب عدوّ المعيب.
стр. 326
وهذه الأبيات تتساوى والسابق بها أولى.
وقال المتنبي:
وكُنْ كالموتِ لا يرثى لباكٍ ... بكى منه ويروى وهو صَادِ
ينظر إلى قول لقيط:
لا حرثَ يشغلهم بلْ لا يرون لكمْ ... مِنْ دون نَبضتكم رياً ولا شبعا
وقال المتنبي:
فإِنَّ الجُرحَ ينفر بعد حينٍ ... إذا كانَ البِناءُ على فسادِ
هذا من قول البحتري:
إذا ما الجُرح ذم على فسادٍ ... تبيّن فيه تفريطُ الطبيب
هما متساويان والأول أحق بقوله.
وقال المتنبي:
فإِنّ الماءَ يجري من جَمادٍ ... وإنَّ النَّار تخرجُ مِنْ زنادِ
أما صدره فيشبه قول ابن الرومي:
يا شبيه البدر في الحس ... ن وفي بعد المنالِ
جد فقد تتفجر الصخ ... رة بالماءِ الزلالِ
стр. 327
وأما عجزه فمن قول ابن الجهم:
والنارُ في أحجارِها مخبوءةٌ ... لا تُصطلى إنْ لم تُثرها الأزندُ
وتمثل المأمون:
أنا النار في أحجارها مسكنة ... متى ما يهجها قادح تتصرمُ
ويدخل في معنى هذا قول أبي تمام:
أخرجتموه بكره من سجيته ... والنارُ قد تتنضى من ناضر السَلمِ
وقد جمع أبو الطيب في بيته معنيين وأختصر وجاء باللفظ الطويل في الموجز القليل فهو أحق بما أخذ.
وقال المتنبي:
وكيفَ يبيت مضطجعاً جبان ... فرشت لجنبهِ شوكَ القْتَادِ
ما كان يجب أن يطلق أسم الجبن على أعدائه فيوثق تأثيره منهم وليس شوك القتاد في المراقد مما يخص الجبان الشهر به دون الشجاع، فأما التشبيه فمستعمل فمنه قول ابن مناذر:
كأنّ عوائدي مِنْ بعد هذء ... العيون فَرشنني شوك القتادِ
стр. 328
ومثله قول أبي تمام:
إني بعلتك أعتللت ... فمفرشتي شوكُ القتادِ
وهذا المعنى كثير الاستبدال متواتر الاستعمال لا يعبأ بسرقته ولكن أبا الطيب لا يحقر شيئاً من المعاني فيلزمنا أن نعبأ بما عني به لئلا يتوهم متوهم أن الغامض أوردناه والمكشوف جهلناه.
وقال المتنبي:
ترى في النّوم برمحك في كُلاهُ ... ويخشى أن تراه في السُهادِ
أحسن من هذا قول أشجع:
وعلى عدُوّك يا ابن عمِّ مُحمّدٍ ... رَصدان: ضوءُ الصًّبحِ والإِظلامُ
فإذا تنبهَ رعَتهُ وإذا غَفا ... سَلَّتْ عليه سيوفك الأحلامُ
وقد ألمَّ بهذا أبو تمام في قوله:
إنْ يَنتبه ترتعدْ فَرائصه ... ويهتجدْ بعجلة عن حِلمه
وقال المتنبي:
أشرتَ أبا الحُسينِ بمدح قَومٍ ... نزلتُ بهم فَسرتُ بِغير زادِ
يقرب من قول ابن عيينه:
نَزلتُ عليهم ورحلتُ عَنْهم ... فكان صُدودهم نُزلي وزادي
وقول ابن أبي عيينه أهجا لأنه ذكر أنه راح منهم بغير زاد وهذا ذكر أنهم
стр. 329
زودوه الصدود فخبر بمنع البشر والزاد فصار كلامه أرجح في الهجاء فهو أولى بقوله.
وقال المتنبي:
وَظنُّوني مدحتهُمُ قَديماً ... وأنت بما مَدحتهُمُ مُرادي
قال كثير:
متى ما أقلُ في آخر الدَّهر مدحةٍ ... فَما هي إلا لابن لَيلى المكرَّمِ
قال أبو نواس:
إذا نحن أثنينا عليك بصالحٍ ... فأنت كما نثني وفوق الذي نثني
وإنْ جَرت الألفاظ يوماً بمدحةٍ ... لغيرك إنساناً فأنت الذي نعني
فقوله:) إنساناً (حشو لأن المدح لغيره مفهوم أنه إنسان.
وقال الديك:
ونَمدحُ أقواماً ما سِواكَ وإنما ... إليك نُسدِّيه وفيك نزخرفه
فلكثير فضل السبق والديك يساوي أبا الطيب بغير زيادة فالسابق أولى من السارق.
وقال ابن الرومي:
ومَا قِيلَ فِيه من مديحٍ فإِنَّه ... مَديحك، والنياتُ نَحوك عُمَّدُ
وقال المتنبي:
وإني عنك بعد غدٍ لغادٍ ... وقلبي عن فنائِكَ غير غادِ
стр. 330
يشبه قول الخبزأرزي:
أنا غائبٌ والقلبُ عندكَ حاضِرُ ... سافرتُ عنكَ وما الفؤاد مُسافرُ
وقال المتنبي:
مُحبّك حيثما اتجهتْ ركابي ... وضيفُكَ حيثُ كنتُ مِنَ البِلادِ
هذا من قول أبي تمام:
وما سافرت في الآفاق إلا ... ومن جَدواكَ راحِلتي وزادي
ومنه قول أبي تمام أيضاً:
مُقِيمُ الظنِّ عِندكَ والأماني ... وإن قَلقتْ ركابي في البلادِ
يليها قصيدة أوّلها:
مُلِثَّ القَطرِ أعطشها رُبُوعاً ... وإلا فأسقِها السَّمّ النقيعا
من شأن منازل الأحباب أن يدعى لها بالترويض والبهجة كقول أبي تمام:
يا دارُ درَّ عليكِ أرهامُ النّدى ... واهترَّ روضك في الثرى فَتزادا
стр. 331
وقال مخلد الموصلي:
يا منزلاً ضنّ بالسَّلامِ ... سُقيتَ صوباً من الغَمامِ
لمْ يترك المُزن منك إلا ... ما تركَ السقمِ من عظامي
وما سبق أحد أبا الطيب إلى الدعاء على منازل الأحباب بالعطش ولا من عادة السحاب سقيا السم ولا السم مما يدعى به على الجمادات ولو قال: أمطرها حجارة تهدمها وأرسل عليها صواعقاً تحرقها مما يجوز مثله أن يقع من السحاب لكان أحسن في الدعاء عليها ولما أغرب في الدعاء عليها جاء بعذرٍ أشبه شيء باستئناف ذم وقال:
أسائلها عن المتدَيّريها ... فَلا تَدري ولا تُذري دُموعا
فجعل ذنبها أنها لا تذري الدموع وقد دعا البحتري على نفسه باللوم في سؤال ما لا يستجيب فقال:
وسألتُ ما لا يستجيبُ فكنتُ ... في استخباره كمجيب من لَمْ يَسلْ
فعذر المنازل ولا نفسه والعاقل أولى باللوم مما لا يعقل، وألزمها أبو الطيب الجواب وأذرى الدموع وذلك تكليف غير ممكن فلما امتنع عليه منها ما لا يمكنها دعا عليها بما قد سمعت وإنما وقف الناس بالمعاني وبكوا رسوم الديار، وتغير الآثار إما لإظهار وفاء لمن كان بها أو أعثار بخرابها وانقلاب الدهور وتغير العصور فإما أن يسألوها لتجيب وإلا اغتاظوا فدعوا عليها، فهذا تخيل فاسد ومعنى بارد.
وقال المتنبي:
لحاها الله إلا ماضيَيْها ... زمان اللهو والخود الشموعا
стр. 332
ماضيها كان يوجبان الدعاء عليها بالسقيا والنضرة والالتفاف بالخضرة والزهرة أما سمع قول البحتري:
وإذا ما السحاب كان ركاماً ... فسقى بالرباب دار) الرباب (
وكمثل الأحباب ... لو يعلم العا ذل عندي منازل الأحباب
فإن كان كما قال البحتري فقد دعا أبو الطيب على أحبابه بالعطش والسم النقيع فهذه معان أقل تأملها ونقدها.
وقال المتنبي:
منعّمةٌ، ممنعّةٌ، رداحٌ ... يكلفُّ لفظها الطَّيرَ الوُقوعا
هذا يشبه قول ابن رومي:
مَديحٌ إذا ما الطير مَرْت مَرت رعالها ... بمنشده ظلت هُناكَ تكفكِفُ
والمبنى والمعنى متساويان لأن لفظ المحبوبة التي ذكر أنها تكلف لفظها الطير الوقوع يشبه لفظ المنشد لهذا الشعر الذي ذكره ابن الرومي وهما يدخلان في قسم المساواة، والذي على هذا المعنى قول كثير:
وأدنيتني حتى إذا ما سبتني ... بقولٍ يُحلّ العُصَم سَهْل الأباطح
توليت عني حين لا لي حيلة ... وخلفتَ ما خلفت بين الجوانح
стр. 333
وقد أخذ هذا المعنى ابن دريد فقال:
لو ناجَتْ الأعصمَ لأنحطَّ لها ... طَوع القيادِ من شَماريخ الذُّرى
وقوله:) طوع القتاد (أحسم من قول: أبي الطيب:) يكلف لفظها الطّير الوُقُوعا (لأن من كلف ليس كمن فعل أفعاله طوعاً ولا يتوهم الضعيف النقد باختلاف الجنسين) العصم، والطير (أن هذا ليس من هذا فإنه منه وهو من توليد كلام من كلام لفظهما مفترق ومعناهما متفق فكلام من أخذ المتنبي أرجح من كلامه فهو أولى بقوله.
وقال المتنبي:
يُرفّع ثَوبها الأرداف عنها ... فَيبقى مِنْ وشاحيها شسوعا
) شسوع (بعيد وهو لفظ غير عذب وأحسن من هذا قول رجل من كلب:
أبتِ الغلائل والثدي لِقميصها ... مَس البطونِ وأنْ تَمسّ ظُهوُرا
وإذا الرياح برتجهن تعطرت ... نبهن حاسدة وهَجْن غُيورا
وقال المتنبي:
إذا ماست رأيتَ لها أرتجاجاً ... لهُ لَولا سواعدُها نَزُوعا
الهاء تعود على الثوب في) له (وتقدير الكلام رأيت لها ارتجاجاً نزوعاً له لولا سواعدها وما أدري كيف ينزع ارتجاجها قميصها عنها أما لهذا القميص طوق أم ليس لها عنق يمنعها من خروجها من قميصها وقد وافى الناس بلولا في هذا الموضع فكان أحسن وأدنى إلى الإمكان، فقال ابن المعتز:
стр. 334
يكاد يجري من القميص من ال ... نعمة لولا القميص يمسكه
فذكر نعمة يكاد يجري من أجلها فيمسكه القميص وقال في صفة فرس:
يكاد يخرج من أهابه ... إذا بدا السوط له لولا اللبيب
فجعل اللبيب يمسكه من أن يطير ويخرج من أهابه كما جعل القميص يمسك الإنسان، من أن يخرج من قميصه فأما أن ينزع قميصها ارتجاجها لولا سواعدها فبعيد وأما ما قيل في هذه المعاني قول أبي الشيص:
لولا التمنطقُ والسّوار معاً ... والحجلُ والدملوج في العضدِ
لتزايلت من كلّ ناحيةٍ ... لكن جعلن لها على عمدِ
وقال المتنبي:
تألّم دَرزهُ والدّرز لينٌ ... كما يتألَّمُ الغَضْبَ الصَّنيعا
فخبر بتألمها في الدّرز، وهو لين يريد رقتها ونعمتها وأول من فتح هذا المعنى امرئ القيس فقال:
من القاصرات الطّرف لو دبّ مُحولٌ ... من الدَّر فوق الأتبِ مِنها لأثرا
стр. 335
والذر أخف وزناً على الجسم من درز القميص فإذا أثر في الجسم كان أبلغ وصفاً من أبي الطيب وله فضل السبق وقد أخذه القائل فقال:
لو يَدبُّ الحَوليُّ مِنْ ولد الذَّ ... رّ عليها لأندبتها الكُلومُ
والخارج أبلغ من المؤثر في حسنها فذلك أبلغ من قول أبي الطيب وأرجح لفظاً.
وقال المتنبي:
ذراعاها عَدُوَّا دُملجيْها ... يَظنُّ ضَجِيعُها الزَّندَ الضجيعا
لو ضاجع الفيل ما كان يجب أن يتخيل أن زنده ضجيع له وهذه مبالغة مع استحالتها غثة.
وقال المتنبي:
كأنَّ نِقَابها غيْمٌ رقيقٌ ... يُضيء بمنعه البَدْرَ الطُّلوعا
سرقه من قول بشار:
بَدا لكَ ضَوءُ ما انتقبت عليهِ ... بَدُوّ الشَّمس من خَلل الغَمامِ
فقال أبو الطيب يضيء لمنعه البدر الطلوع، والغمام لا يمنع البدر الطلوع بل يمنعه الظهور وهو طالع تحت الغمام وهي عبارة غير طائلة وفيها تسامح وكلام بشار أحسن كلاماً لأنه خبر بضوء نقابها من نور وجهها، وشبه وجهها بالشمس والنقاب بالغمام وقد وفى كلامه أقسامه، فكلام بشار أرجح وهو أولى بشعره.
وقال المتنبي:
أقُولُ لها اكشفي ضُرّيَ وقُولي ... بأكثر من تدَللها خُضُوعا
стр. 336
خاطبها يقول) أكثر من تدللها خضوعاً (يريد أن خضوعي أكثر من تدللها ولو كان لتدللها خضوع لكان قد أوقع الكلام موقعه ووضعه بموضعه، فإذا لم يكن ذلك وإنما شبه كثرة خضوعه بكثرة تدللها وكان يجب أن يقول تمثيلاً: وخضوع قولي أكثر من تدللها، فيكون الاعتماد على كثرة الخضوع المشبه بكثرة تدللها.
وقال المتنبي:
أخفتِ الله في إحياءِ نفسٍ ... متى عُصي الإِلهُ بأن أطيعا
يشبه قول الخبزأرزي:
ما حَرامُ إحياءُ نفسٍ ولكن ... قَتلُ نفسٍ بغير نفسٍ حَرَامُ
هذا يناسب قول أبي الطيب وقول الخبزأرزي أسهل كلاماً وأعذب نظاماً فهو أحق بمعناه.
وقال المتنبي:
غَدا بِك كلُّ خِلْوٍ مُستهاماً ... وأصبحَ كلُّ مَستُورٍ خَليعا
ليس هذا مما يلتمس له استخراج سرقة ولكن ذكرته لفساد صنعته لأن ضده المملوء لا المستهام والخليع ضد الناسك المستور ولو قال:
غَدا بك كلّ خلوٍ في اشتغال ... وأصبح كلُّ ذي نَسك خليعا
كان أجود لصنعته وكان طباقاً حسناً.
وقال المتنبي:
بَعيدُ الصَيتِ مُنبثُّ السّرايا ... يشيب ذكرهُ الطفل الرَّضِيعا
هذا كثير ولا يحقر أخذ شيء من المعاني فلا نحقر نحن إيرادها فمن ذلك قول بعض الأعراب:
стр. 337
وما شيبتني كبرة غير أنّني ... لدهرٍ لهُ رأس الوليدِ يَشيبُ
وقال إبراهيم بن المهدي:
إلا شغلتنا عنك يا أرو نكبة ... يَشيبُ لها قَبل الفطام وليدها
وقد يفارق الوليد الفطام والرضاع ويسمى وليداً فإبراهيم بن المهدي قد ضيق القول بقوله: قبل الفطام وليدها.
والرضيع أشد مبالغة والمعنيان متساويان فأبن المهدي أحق بشعره.
وقال المتنبي:
يَغضُّ الطّرف مِنْ مكرٍ ودهي ... كأنَّ به وليس به خشُوعا
من قول ابن الرومي:
ساهٍ وما تتقى سقطتهُ ... داهٍ وما يُنْطوي منهُ على ريبِ
فَدَهْيُهُ للدواهي الرُّبد يدرؤها ... وسهوه عن عُيوبِ الناسِ والغَيبِ
وقد قسم تقسيماً رجح به كلامه.
وقال المتنبي:
قُبولك مِنَّهُ مَنٌّ عليه ... وإلا يبتدئ يَرهُ فظَيِعا
صدره من قول أبي تمام:
يعطي ويشكُرُ مِنْ يأتيه يسألُهُ ... فَشكُرهُ عِوَضٌ، ومالُهُ هَدرُ
فصدر بيت أبي تمام كصدره، وباقيه عبارة غثة يسقط دون ما سرقت منه
стр. 338
ونصف بيت أبي تمام الثاني مفيد من تمام الأول فهو أرجح بذلك.
وقال المتنبي:
لهونِ المال أفرشَهُ أديماً ... وللتَّفْريقِ يكرهُ أن يضيعا
أي لهوانه عليه يبسط تخته أنطاعاً ليهينه على عفاته وطالبي عرفه، وقوله:) للتّفريق يكره أن يضيعا (أي لأنه يكره ضياع المال ليس لادخاره لنفسه ولكنه يجمعه ليفرقه كما قال ابن الجهم:
ولا يَجمعُ الأموال إلا لبذلَها ... كما لا يساقُ الهَدْيُ إلا إلى النحرِ
فخبر بنظير خبر أبي الطيب بكلام سهل ولفظ جزل ثم مثل المال بالهدي الذي يعنى بسوقه إلى النحر فزاد في كلامه ما هو من تمامه واستحق ابن الجهم شعره على من أخذ عنه.
وقال المتنبي:
إذا مدّ الأميرُ رقابَ قَومٍ ... فما لكرامةٍ مدّ النُّطُوعا
أنه لا يمد رقاب من يقتله لكرامة بل لهون كما أفترش المال أديماً فالمال ليفرقه والرقاب ليقطعها وهذه معان كان اطراحها أصلح له.
وقال المتنبي:
فليس بواهب إلا جزيلاً ... وليس بقاتلٍ إلا قريعا
стр. 339
يشبه معنى قول مسلم:
حَذار من أسدٍ ضرغامةٍ بطلٍ ... لا يولغُ السيف إلا هامةَ البطَلِ
فقد خبر أبو الطيب بخبرين من المدح عن الممدوح فخبر بالسخاء والشجاعة فزاد على مسلم ورجح كلامه فصار أولى بما أخذ.
وقد حكى أنّه كان في عسكر الأمين حبشي بأبيات ويرمي بمقلاع معه يخاطب بالأبيات طاهر بن الحسين ويقول:
دُونك الرمية يا طاهر ... مِنْ كفِ ابن حبيش
حَبشي يَقتِل الناس ... على قطعة خيش
مرتد بالشمس راض ... بالمنى من كلّ عيش
يَحمِلُ الحملة لا يق ... تل إلاّ رأس جيش
فلم يخبر إلا بقتله رأس الجيش ولأبي الطيب ورود معنيين من المدح يستحق على الشاعرين ما قالا لأنه أختصر معناهما في بيت واحد.
وقال المتنبي:
وليس مُودِّبا إلا بنصلٍ ... كَفى الصّمصامةُ التَّعبَ القطيعا
نبهه على هذا المعنى شريف بقوله:
فضع السيف وأرفع السوط حتّى ... لا ترى فَوق ظَهرِها أمويا
وقال المتنبي:
عليٌّ ليس يمنع مِنْ مجيءٍ ... مبارزَهُ ويمنعُهُ الرُّجُوعا
стр. 340
هذا من قول الفضل بن العباس الخزاعي:
لا يمنعُ الواردين الورد ما نَهلوا ... إلى اللقاء ولكنْ يمنع الصَدرا
وهذا يدخل في المساواة.
وقال المتنبي:
على قاتل البطل المُفدى ... ومُبدلُهُ من الزرد النجيعا
قوله) المفدى (ضيق عطن عن كلمة أجود منها ولو كانت المفدى في معشوق كان أولى منها في شجاع.
وقال المتنبي:
إذا أعوج القنا في حامِليهِ ... وجازَ إلى ضُلوعهم الضُّلُوعا
معنى) حامليه (: المطعونين وقال أبو الطيب بقول: كنت قلبه وأشبه في ضلوعهم الضلوعا والمحدث الذي ذكره البحتري والبيت الذي قيل له قوله:
في مأزقٍ ضنك تخالُ به القنا ... بين الضلوع إذا انحنين ضُلوعا
стр. 341
وأما تقبل حكاية أبي الطيب إذا لم يسرق من البحتري إلا هذا البيت وأما سرقته منه أكبر من العذر وأشد تواتراً من ذنوب الدهر ولكن أخذ منه كما عود الله وظن ذلك قد خفي فما خوطب عليه علم أنه بيت منكشف وما يأمن أن بيته على استشفاف شعره فيؤخذ فيه كثير فرجع عنه وغيره بما لا فائدة فيه إذ ليس غريباً من فعل القنا أن يجوز من جنب إلى جنب آخر، وكلام البحتري أرجح وهو أولى بما قال.
وقال المتنبي:
ونالت ثأرها الأكباد منهُ ... فأولتهُ اندقاقاً أو صُدُوعا
هذا كلام ينقض بعضه بعضاً بينا هو يخبرنا بجوازه من الضلوع إلى الضلوع وما كان بهذه الصنعة فهو سالم غير مندق ولا متصدع إذ أخبرنا أن الأكباد نالت ثأرها منه باندقاقه وانصداعه فإذا اندق وانصدع لم ينفذ إلى الضلوع التي بعدها والعجب أن هذا القنا صادم عظام الأضلاع فلم يصدعه ولم يدقه وجازها فلما صار إلى الأكباد الرطبة التي تلين ملاقاتها عليه اندق وأنصدع ولو تأتى له أن يقول:) ونالت ثأرها الأيدي) من (الأكباد (لجاز أن يلحقه ذلك من مصادمة الأيدي إياها وهذا من قوله للتخريف وقلة التأمل.
وقال المتنبي:
وإن ماريتني فأركب حِصاناً ... وَمَثِّلْهُ تخرّ لهُ صَريعا
فقوله:) أركب حصاناً (من أغث عبارة كأنه لا يخر له صريعاً إلا فارس على فرس ولو رآه راجل ما خَرَّ له إلا أن يحتج محتج فيقول: إذا كانت هذه حال الفارس غنينا عن ذكر حال الراجل، وقد يكون الراجل أشجع من الفارس وأقتل للفرسان وهذه معان غير مستعملات وكلام ناقص ألما ولو قال فمثله يخر له صريعاً من غير ذكر ركوب الحصان كان أحسن وأعم للفارس والراجل وأحسن
стр. 342
من كلامه قول أبي تمام:
وإلا فأعلمهُ بأنك ساخطٌ ... ودعهُ فإنَّ الخوفَ لا شكَّ قاتلُه
فإن قلت ببيت أبي تمام في الخوف وهذا في الهيبة قلنا كلاهما غرضان يفعلان فعلاً واحداً، وكلام أبي تمام بغير حشو وهذا من استخراج معنى من معنى احتذى عليه وإن فارق ما قصد به إليه.
وقال المتنبي:
فَصَيَّرَ سَيْلُهُ بلدي غديراً ... وصَيَّر خيرُهُ سنتي ربيعا
نحا نحو الخبزأرزي:
فضيفُهُ في ربيعٍ طولُ مدّتهُ ... وجارهُ كلّ حين منهُ في رَجَبِ
فجعل ضيفه في ربيع من جوده طول زمانه وجعل جاره كل حين منه في رجب أراد في حمى من طالب الثأر لأن العرب في الجاهلية كانت لا تقاتل في الأشهر الحرم ولا تسقك دماً فكلام الخبزأرزي أرجح لأنه جمع بين الجودة والأمن في الخبر عن ممدوحه، وأبو الطيب ما خبر إلا عن سخاء الممدوح فقط.
وقال البحتري:
стр. 343
وكمْ لبستُ الخفض في ظلّهِ ... عُمري شبابٌ، وزماني ربيعُ
وهذا تقسيم مليح جاء فيه بمعنيين مفيدين كما جاء الخبزأرزي بهما، فهو أولى بالمعنى منه، وقال أبو هفان في ذكر الربيع:
لربيعِ الزّمانِ في الجَوْل وَقْتٌ ... وابن يَحْيى في كُلّ وقتٍ رَبيعُ
وقال المتنبي:
أمنسيَّ السكون وَحَضْرموتا ... وَوالدتي وكِنْدَةَ والسَّبيعا
حصول والدته بين هذه القبائل غير مستحسن وكان ينبغي أن لا يخرج عن ذكر قبيلة مكان والدته والمعنى الذي قصده غير مفصح عن إرادته لأنه لم يذكر السبب في نسيانه من نسي.
وقال البحتري:
جَفُوتُ الشَّأمَ مُرتبعي وأنسي ... وعلْوةَ جَنتي وهوى فُؤادي
ومِثلُ نَداكَ أذْهلني حبيبِي ... وأكسبني سُلّواً عنْ بِلاَدي
стр. 344
فبيّن سبب نسيانه وخبرنا عن سلوانه فأوضح وأرجح فهو أولى بقوله.
وقال المتنبي:
إِذا ما لمْ تُسِرْ جيشاً إِليهمْ ... أسبرْتَ إلى قُلوبِهم الهُلُوعا
هذا يقرب من قول أبي تمام:
لمْ يسر يوماً ولمْ ينهدْ إلى بلدٍ ... إلاّ تقدّمهُ جيشٌ من الرُّعبِ
وهذا يدخل في قسم المساواة.
وقال المتنبي:
رَضُوا بك كالرضى بالشَّيبِ قسراً ... وقد وخَطَ النَّواصي والفُرُوعا
أما صدر هذا البيت فجيّد المعنى، وهو ينظر إلى قول مخلد الموصلي:
أراكمْ تنظرونَ إِليَّ شُرزاً ... كما نظرتْ إلى الشيبِ الملاحِ
تَحدون العيونَ إليَّ شُزراً ... كأنّي في عيونكمْ السماحِ
وعجزه حشو لأن المعنى: رضوا بك كالرضى بالشيب فلو ظهرت منه شيبة واحدة لمقتها من يلحظها وقد قال بشار:
يَحبوني ودّي كأنّي ... شيبةٌ بين فروقه
ولا فرق بين شيبة وشيب، وإنما كانت الشيبة بحدوثها بعد أن لم تكن أشد ترويعاً.
وقال المتنبي:
فَلا عزلٌ وأنتَ بلا سلاحٍ ... لِحاظك ما يكونُ به مَنيعا
стр. 345
أي فلا عزل بك وأنت بغير سلاح لأنك بلحاظك منيع، وهذا لفظ قصير عن إرادة قائلة وهو مأخوذ من قول بعض الموسوسين وهو مجنون ديرزكى:
لحظاتُ طرفك في الوغَى ... تُغْنِيكَ عَنْ سل السيُوف
وعَزيمُ رأيك في النُّهى ... يَكْفيكَ عاقبة الصُّرُوفِ
وسُيولُ كفّك في الوَرى ... بَحْرٌ يفيضُ على الضَّعيف
ذكر عن أبي نواس أنه قال: مدحت الرشيد بقصيدة فقصدته لأنشده إياها فوجدته راكباً فاعترضته فإذا بمجنون ديرزكا قد أخذ بلجامه ثم أنشده الأبيات المقدم ذكرها ثم قال له أعطني ألف درهم فقال له الرشيد: ما تصنع بها فقال: أكل بها زبداً وتمراً فأمر بدفعها إليه فرجعت والله عن إنشاده لأنه لم يكن في شعري ما يفي بأبيات المجنون.
وقال المتنبي:
لو استبدغْتَ ذهْنكَ من حُسامٍ ... قَددْتَ به المغافِر والدُّرُوعا
هذا ينظر إلى قول القائل: -
نظرتُ إليها نظرة لو حشوتها ... سَرابيلَ أبدانِ الحديد المُسَرّدِ
لقضتْ حَواشِيها وذابتْ بحرِّها ... ولانتْ كما لانتْ لَداود في اليدِ
стр. 346
قال أبو محمد: هذا مما أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه.
وقال المتنبي:
وَهَبْكَ سَمحْتَ حتى لا جَوادٌ ... فكيفَ علوْتَ حتّى لا رَفيعا
قوله: وهبك سمحت حتى لا جواد لم أستغرب ألا يكون جواد يقاس به ولم يجوز أن يكون رفيع أرفع منه وسبب رفعته ما خبرنا به بأنه لا جواد يشاركه في جوده. ويليها قصيدة أولها:
أحقُ عافٍ بدمعِكَ الهممُ ... أحْدثُ شَيء عَهداً بها القِدَمُ
ينظر إلى قول البحتري:
بكى آماله لمَّا رآها ... عِياناً وهي دراسةُ الرُّسُومِ
يقول فيها:
إِني وإنْ لمتُ حاسديَّ فما ... أنكُرُ أني عُقوبةٌ لهُمُ
هذا يشبه قول أبي زرعة:
ومالتْ حسادُ الأميرِ وقَدْ رأوا له ... فوق أعناقِ المكارمِ معرْسا
وقال المتنبي:
وكيفَ لا يحسدُ إمرؤ عَلَمٌ ... لَهُ على كُل هامةٍ قَدَمُ
معناه موجود في قول ابن دريد:
والناسُ فوق رؤوسهم أقدامنا ... لا ينطبقُ الأقوام ما لمْ تَنْطِقُ
стр. 347
فجاء في صدر البيت بالمعنى وجاء في عجزه بخبر يدل على الهيبة فقد رجح كلامه بزيادة على المتنبي فهو أحق بشعره.
وقال ابن دريد:
وعامر أوطأ هَاماتِهم ... أخمص مِلك فرعه الأطول
قال ابن المعتز:
أسلم وعشْ أبداً وغِظْ ... حسداً وَبِهَامِ مَنْ عاديت فأنتَعِل
وهذه معان يتساوى في المبنى والمعنى فالسابق أحق بها.
وقال المتنبي: كفاني الذّمَّ أنّني رجُلٌ أكرمُ مالٍ ملكتُهُ الكَرمُ هو مأخوذ ممن قال:
ليس لي مالٌ سوى كَرمي ... فيهِ ليأمن مِنْ العدمِ
وهذا البيت من أبيات أذكرها بجملتها لجودتها تلي البيت الأول:
لا أقولُ اللهُ يظلمني ... كيف أشْكو غير مُتهمِ
قنعتُ روحي بما رزقت ... وتمطتْ في العُلا هِمَمي
ولبستُ الصبرَ سابغة ... فَهي من قُرني إلى قدمي
هذا كلام مليح لو لم يكن في الأحسن الاستعارة في) تمطت في العلا هممي (وقد أتى ببيت أبي الطيب في مصراع وزاد في كلامه ما هو من تمامه فهو أحق بما قال.
وقال المتنبي:
يَجْني الغنى للئام لو عَقَلُوا ... ما ليْس يَجْني عليهم العَدمُ
لو أمكنه على في أول البيت لكان أحسن ليعتدل الكلام في النصفين
стр. 348
والمعنى من قول الحصيني:
وما الفقرُ بالإِقلالِ إنْ كنت قانعاً ... ولكنْ شحَّ النفس عندي هو الفقرُ
فمعنى بيت أبي الطيب أن جناية الغنى عليهم أكثر من جناية الفقر وفسّر العلّة في ذلك فقال:
همُ لأموالهم وليس لَهم ... والعارُ يبقى والجرحُ يَلْتئمُ
معناه أنهم يخدمون أموالهم ولا ينتفعون منها لبخلهم فكأنها ليست لهم ويبقى عليهم العار وهو الجرح الذي لا التئام له، وقد جاء مراده في بيتين فأما قوله:) والعار يبقى والجرح يلتئم (فمأخوذ من قول امرئ القيس:
ولوْ عن نثا غيره جَاءني ... وجرحُ اللّسانِ كجرح اليَدِ
فتبعه الحطيئة فقال:
وجرحُ السيفِ ينمى ثُمَّ يعفو ... وجرح الدهرِ ما جرح اللسانِ
وقال صالح بن جناح:
стр. 349
فإِنك ما يخرج لسانك لا تعدْ سل ... يماً وما يجرجُ بكفّك يَسلَمُ
ولصالح أيضاً:
إِنَّ جرح القول لا يبرأ وقَدْ ... يَبرأ الكلمُ إِذْ السيفُ جرح
وجميع هذه الأبيات أحسن صنعة من بيته لأن جميعها سمي القول فيه جرحاً ثم شبه جرحاً بجرح أحدهما حقيقة والآخر استعارة، وأبو الطيب ذكر العار ولم يذكر جرحاً فصنيعتهم أجود.
وقال المتنبي:
ويعرف الأمر قَبْلَ موقعه ... فما لهُ بعَدَ فعله نَدَمُ
هذا من قول إسحاق بن إبراهيم الموصلي:
بصيرُ بعورات العواقبِ لا يرى ... على سقطةٍ من رأيه متندّما
أسكن عورات ضرورة، وقال أبو تمام:
وكمْ من يدٍ أسديتها وملمةٍ ... فرجتَ فلم يقرع بها سنُّ نادمِ
وال ابن الرومي:
لك الرأي إِنْ تُورده لا تلفْ نادماً ... يعض على إصداره باباهِم
بيت إسحاق هو بيت أبي الطيب مبنى ومعنى من غير زيادة وأبو تمام يخبر عن كرم وشجاعة وجزالة رأي وليس في بيت أبي الطيب غير جزالة رأيه فيما يفعل فهو يعرف الشيء قبل ركوبه فلا يندم فهو أحق بالزيادة، وابن الرومي يساوي
стр. 350
أبا الطيب وله من ذكر الإيراد والإصدار طباق له به فضل وقد شرك البحتري ابن الرومي في الطباق والمعنى فقال:
مُدبرُ رأيٍ ليس يوردُ عَزْمَهُ ... فيقرعَ في إِيرادهِ سنَّ نادِمِ
وقال المتنبي:
يُرعيكَ سمعاً فيه استماعٌ إلى الدَّا ... عي وفيه عَنْ الخنا صَمَمُ
هذا من قول القائل:
غائبُ السمعِ إذا قِيلَ خَنا ... وإِذا ناداهُ عافٍ سَمِعا
ولإسحاق بن إبراهيم:
إِنْ ذكر الخير عِنْدهم إِذْ ... نواله وفيهمُ عن الخَنا صَممُ
وقال ابن الحاجب:
أصمُّ عَنْ عذل عاذليه فأمّا ... عَنْ سؤالِ العافيّ فغير أصمّ
فهذه معان متساوية لا زيادة في شعره عليها والسابق أحق بها.
وقال المتنبي:
ملتُ إِلى منْ يكادُ بينكما ... إِنْ كنتما السائلين يَنقسمُ
هذا كلام قليل الإفادة ناقص عن الإرادة ابتدأ بيته لم يجد لصاحبيه قبل ذلك ذكر وذكر أنه ينقسم إن كنتما السائلين ولو نكر السائلين كان أطبع في الشعر وكان يجب أن يقول إن كنتما سائلين في انقسامه فهو ينقسم وليس هذا
стр. 351
من المبالغة الحلوة، وقول مسلم:
يجودُ بالنفسِ إن ظنّ الجوادُ بها ... والجودُ بالنّفسِ أقْصى غاية الجودِ
ومعناه أنه لو سأله أن يهب له نفسه لدفع ما يخافه عليها لبذل ذلك له، وهذا من صفات الكرام الشجعان ومن هذا قول القائل:
ولو لمْ يكنْ في كفّه غير نَفْسه ... لجادَ بها فَلْيتّقِ اللهَ سائِلُهْ
هذا مذهب حسن يقول: لو كانت نفسه مما يجوز أن تكون في كفه لتعوده بذل ما في كفه وسبيل لإجرائها مجرى الموهوبات ولم يخرج عن عادته إلى المنع فهي مبالغة مليحة، فأما سؤاله أن ينقسم بين السائلين فقد دخل عليه ضرر، ألا ينتفعان به وإطلاق اللفظ في قول مسلم أنه يجود بنفسه في المكارم والمعالي واكتساب الشكر وبقاء الذكر أحسن من قول أبي الطيب) يكاد (.
وقال المتنبي:
مِنْ بعد ما صِيغَ مِنْ مواهبه ... لمنْ أحبَ الشّنوف والخَدمُ
فتخصصه من أحبَ بالشنوف والخدم ولم يجعل ذلك عاماً، فيه بعض النحل ولعله قصد أن يهب من يحبه أبو الطيب ما يصاغ منه الشنوف والخدم حتى افتقر الممدوح، فلو سألتماه عطاء كان ينقسم بينهما وجملة هذا المعنى لا خير فيه.
وقال المتنبي:
بنو العفرني محطة الأسَد ال ... أُسد ولكن رِماحُها الأجَمُ
قال العكوك:
стр. 352
كأنّها والرّماحُ شابكةُ ... أسْدٌ عليها أظلَّتِ الأجَمُ
فالمعنى والمبنى متساويان، وقال أبو تمام:
آسادُ موتٍ مخدراتٌ مالها ... إِلاّ الصّوارِمَ والقَنا آجامُ
وقال المتنبي:
قومٌ بُلوغ الغُلامِ عندهَمُ ... طعْنُ نُحور الكُماةِ لا الحُلُمُ
قال أبو دلف:
علامةُ القومِ في بُلوغهِمُ ... أنْ يرضعوا السيفَ هامةَ البطلِ
وقال يحيى بن زيد بن علي:
خَرجْنا نقيمُ الدّين بَعْد أعْوجاجهِ ... سوياً ولمْ نخرُجْ لكسب المالِ
إِذا أحكم التَّنزيلُ والحِلْمُ طفلنا ... فإِن بلوغَ الطّفلِ ضرُب الجَماجمِ
وهذا يدخل في قسم المساواة.
وقال المتنبي:
стр. 353
كأنّما يولدُ النّدى مَعَهمْ ... لا صِغر عاذر ولا هَرمُ
هذا ينظر إلى قول أبي تمام:
أنا ابن الذينَ أستُرضعَ المجد فيهمُ ... وربّى فيهمْ فهو ناشٍ ويَافعُ
قال يزيد بن محمد المهلبيّ:
قومٌ يسرون ما يولونَ من حُسن ... حتى كأنّهمْ إِنْ أحسنوا احْترموا
فبيت أبي الطيب فيه صفتان وتطبيق إن كان أراده فقد قصد فيه لأن ضد الكشف التغطية والكتمان للإعلان وبيت المهلبي وإن كانت فيه صفة واحدة فقد زاد في كلامه ما هو من تمامه فزيادة الصفة بالزيادة في المعنى، فهو أحق بما قال.
وقال المتنبي:
تظن من فَقْدِكَ اعْتدادهُمُ ... أنّهمُ أنْعموا وما عَلِمُوا
هذا إن شاء مدخل أن يدخله في الهجاء أدخله لو كان قال إنهم قد نسبوا الذي فعلوا في غير هذه القافية لأصاب فأما توهمه أنّهم أحسنوا وما علموا فقد جوّز عليهم فساد الحسن وبلادة الذّهن في قلة علمهم بما صنعوا، ويدخل ذلك في
стр. 354
قول أبي القاسم الأعمى في الحسن بن وهب يهجوه:
إِنّ ابن وهب مُحيل في تناهيه ... ما كانَ يدري أأعطى المال أم حَرما
لكنّها خطرات مِنْ وساوسه ... يُعطي ويمنع لا بخلاً ولا كرما
والجيد الذي قد يحترز منه قول منقذ بن عبد الرحمن الهلالي:
لا تنكرن في صنيعةٍ سَلَفَتْ ... مِنكَ وإنْ كُنت لَست تُنكرها
عند امرئ أنْ تَقول إنْ ذكرت ... يوماً من الدهر لست أذكرها
فإِن أحياها أماتها و ... إن منّ بها يكدّرها
ويقرب من قول الخريمي:
زادَ معروفك عِنْدي عظماً ... أنّهُ عِندكَ مَستورٌ حقيرُ
تَتناساهُ كأنْ لمْ تأتهِ ... وهو عند الناسِ مَشْهورٌ خَطيرُ
стр. 355
أمر الهلالي بأن لا يظهر تلك الصنيعة وإن كنت ذاكراً لها من طريق الكرم والأدب، ولم يطلق عليهم أنّهم قلة يحسنون ولا يعلمون. وقال الخريمي: أنت تتناسى المعروف كأنك لم تأته تناسياً لأنه يأتي الجميل ولا يعلم وإذا كان معنى المتقدم أصح وأرجح فهو أولى بما قال وسبق إليه.
وقال المتنبي:
أو حلفوا بالغُموس واجْتهَدوا ... فقولهم:) خابَ سَائلي (القَسمُ
المليح من هذا البيت أن الغموس من الإيمان وهي التي تغمس صاحبها في الإثم أن يقول:) خاب سائلي (وهذا المعنى موجود في قول الأشتر:
وفَرتُ وفري وانحرْفتُ عن العُلا ... فلقيتُ أضْيافي بوجْهٍ عَبُوسِ
إِنْ لمْ أشُنَّ على ابن هندٍ غارةً ... لم تخلُ يوماً من ذهاب نفوسِ
خيلاً كأمثالِ السعالي شُزباً ... تعدو ببيضِ في الكريهةِ شُوسِ
حمى الحديدُ عليهمْ فكأنَّهمْ ... لمعانُ برقٍ أو ضياءُ شُموسِ
فقسمه في هذا الضروب من المكارم أرجح من قسم من مدحه أبو الطيب في الكرم.
وقال المتنبي:
следующие страницы →