Полный текст (676 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
من المبالغة الحلوة، وقول مسلم:
يجودُ بالنفسِ إن ظنّ الجوادُ بها ... والجودُ بالنّفسِ أقْصى غاية الجودِ
ومعناه أنه لو سأله أن يهب له نفسه لدفع ما يخافه عليها لبذل ذلك له، وهذا من صفات الكرام الشجعان ومن هذا قول القائل:
ولو لمْ يكنْ في كفّه غير نَفْسه ... لجادَ بها فَلْيتّقِ اللهَ سائِلُهْ
هذا مذهب حسن يقول: لو كانت نفسه مما يجوز أن تكون في كفه لتعوده بذل ما في كفه وسبيل لإجرائها مجرى الموهوبات ولم يخرج عن عادته إلى المنع فهي مبالغة مليحة، فأما سؤاله أن ينقسم بين السائلين فقد دخل عليه ضرر، ألا ينتفعان به وإطلاق اللفظ في قول مسلم أنه يجود بنفسه في المكارم والمعالي واكتساب الشكر وبقاء الذكر أحسن من قول أبي الطيب) يكاد (.
وقال المتنبي:
مِنْ بعد ما صِيغَ مِنْ مواهبه ... لمنْ أحبَ الشّنوف والخَدمُ
فتخصصه من أحبَ بالشنوف والخدم ولم يجعل ذلك عاماً، فيه بعض النحل ولعله قصد أن يهب من يحبه أبو الطيب ما يصاغ منه الشنوف والخدم حتى افتقر الممدوح، فلو سألتماه عطاء كان ينقسم بينهما وجملة هذا المعنى لا خير فيه.
وقال المتنبي:
بنو العفرني محطة الأسَد ال ... أُسد ولكن رِماحُها الأجَمُ
قال العكوك:
стр. 352
كأنّها والرّماحُ شابكةُ ... أسْدٌ عليها أظلَّتِ الأجَمُ
فالمعنى والمبنى متساويان، وقال أبو تمام:
آسادُ موتٍ مخدراتٌ مالها ... إِلاّ الصّوارِمَ والقَنا آجامُ
وقال المتنبي:
قومٌ بُلوغ الغُلامِ عندهَمُ ... طعْنُ نُحور الكُماةِ لا الحُلُمُ
قال أبو دلف:
علامةُ القومِ في بُلوغهِمُ ... أنْ يرضعوا السيفَ هامةَ البطلِ
وقال يحيى بن زيد بن علي:
خَرجْنا نقيمُ الدّين بَعْد أعْوجاجهِ ... سوياً ولمْ نخرُجْ لكسب المالِ
إِذا أحكم التَّنزيلُ والحِلْمُ طفلنا ... فإِن بلوغَ الطّفلِ ضرُب الجَماجمِ
وهذا يدخل في قسم المساواة.
وقال المتنبي:
стр. 353
كأنّما يولدُ النّدى مَعَهمْ ... لا صِغر عاذر ولا هَرمُ
هذا ينظر إلى قول أبي تمام:
أنا ابن الذينَ أستُرضعَ المجد فيهمُ ... وربّى فيهمْ فهو ناشٍ ويَافعُ
قال يزيد بن محمد المهلبيّ:
قومٌ يسرون ما يولونَ من حُسن ... حتى كأنّهمْ إِنْ أحسنوا احْترموا
فبيت أبي الطيب فيه صفتان وتطبيق إن كان أراده فقد قصد فيه لأن ضد الكشف التغطية والكتمان للإعلان وبيت المهلبي وإن كانت فيه صفة واحدة فقد زاد في كلامه ما هو من تمامه فزيادة الصفة بالزيادة في المعنى، فهو أحق بما قال.
وقال المتنبي:
تظن من فَقْدِكَ اعْتدادهُمُ ... أنّهمُ أنْعموا وما عَلِمُوا
هذا إن شاء مدخل أن يدخله في الهجاء أدخله لو كان قال إنهم قد نسبوا الذي فعلوا في غير هذه القافية لأصاب فأما توهمه أنّهم أحسنوا وما علموا فقد جوّز عليهم فساد الحسن وبلادة الذّهن في قلة علمهم بما صنعوا، ويدخل ذلك في
стр. 354
قول أبي القاسم الأعمى في الحسن بن وهب يهجوه:
إِنّ ابن وهب مُحيل في تناهيه ... ما كانَ يدري أأعطى المال أم حَرما
لكنّها خطرات مِنْ وساوسه ... يُعطي ويمنع لا بخلاً ولا كرما
والجيد الذي قد يحترز منه قول منقذ بن عبد الرحمن الهلالي:
لا تنكرن في صنيعةٍ سَلَفَتْ ... مِنكَ وإنْ كُنت لَست تُنكرها
عند امرئ أنْ تَقول إنْ ذكرت ... يوماً من الدهر لست أذكرها
فإِن أحياها أماتها و ... إن منّ بها يكدّرها
ويقرب من قول الخريمي:
زادَ معروفك عِنْدي عظماً ... أنّهُ عِندكَ مَستورٌ حقيرُ
تَتناساهُ كأنْ لمْ تأتهِ ... وهو عند الناسِ مَشْهورٌ خَطيرُ
стр. 355
أمر الهلالي بأن لا يظهر تلك الصنيعة وإن كنت ذاكراً لها من طريق الكرم والأدب، ولم يطلق عليهم أنّهم قلة يحسنون ولا يعلمون. وقال الخريمي: أنت تتناسى المعروف كأنك لم تأته تناسياً لأنه يأتي الجميل ولا يعلم وإذا كان معنى المتقدم أصح وأرجح فهو أولى بما قال وسبق إليه.
وقال المتنبي:
أو حلفوا بالغُموس واجْتهَدوا ... فقولهم:) خابَ سَائلي (القَسمُ
المليح من هذا البيت أن الغموس من الإيمان وهي التي تغمس صاحبها في الإثم أن يقول:) خاب سائلي (وهذا المعنى موجود في قول الأشتر:
وفَرتُ وفري وانحرْفتُ عن العُلا ... فلقيتُ أضْيافي بوجْهٍ عَبُوسِ
إِنْ لمْ أشُنَّ على ابن هندٍ غارةً ... لم تخلُ يوماً من ذهاب نفوسِ
خيلاً كأمثالِ السعالي شُزباً ... تعدو ببيضِ في الكريهةِ شُوسِ
حمى الحديدُ عليهمْ فكأنَّهمْ ... لمعانُ برقٍ أو ضياءُ شُموسِ
فقسمه في هذا الضروب من المكارم أرجح من قسم من مدحه أبو الطيب في الكرم.
وقال المتنبي:
стр. 356
أو شَهِدوا الحرب لاقحاً أخَذوا ... من مُهجِ الدارعِينَ ما احْتَلموا
وهذا يقرب من قول ابن المعتز في كلاب الصيد:
إِنْ أطلقت من قدِّها لم ترها ... إِلاّ وما شاءت من الصيدِ لَها
وقال المتنبي:
تُشْرق أعراضُهُمْ وأوجههُمْ ... كأنّها في نُفوسِهمْ شِيَمُ
يشبه قول الحسين بن دعبل:
أما تَرى غرة النيروز مشرقةً ... كأنَها بعض ما تُسديه مِنْ كَرمِك
وقال المتنبي يصف البحيرة:
فهي كماويَّةٍ مطوّقةٍ ... جُرّد عنها غَشاؤها الأدمُ
стр. 357
هذا مولد من قول بعض الأعراب:
كأنّ هُلاله مرآة قَين لَها ... شطرُ يلوحُ مِن الغلافِ
وهذا من استخراج معنى من معنى أحتذي عليه، وإن فارق ما قصد به إليه، شبه أبو الطيب البحيرة بالمرآة، والروض بغشاء الأديم، وشبه هذا الهلال الذي هو دون كمال ببعض امرأة تبدت من غلافها، وكلاهما تشبيه حسن.
وقال المتنبي:
أبا الحسين أستمعْ، فمَدحكمُ ... في الفعلِ قَبْل الكلامِ مُنْتظِمُ
هذا من قول ابن الرومي:
لو سكتَ المادحونَ لأجتلب ... المدحُ له نفسه ولا انْتظما
وهذا يدخل في قسم المساواة.
وقال المتنبي:
أعِيذكُم من صُروفِ دَهْركُم ... فإِنَّه في الكِرامِ مُتَّهَمُ
قال ابن أبي فنن:
أودى الزمان بإِخواني ومزّقهم ... إِنَّ الزمانَ على الإِخوانِ مُتّهمُ
وقال الحصني:
ما زلتُ قيه لريب الدهر متهماً ... إِنَّ الزمانَ على الأحرارِ مُتهَمُ
وبيت الحصني أملح الأبيات لأنه قد ردّ أعجاز الكلام على صدوره
стр. 358
والأحرار أرجح من الإخوان) والكرام أرجح منهما (فهو أرجح كلام منهما وأولى بما سبق إليه.
يليها قصيدة أوّلها:
دمع جرى فقضى في الرّبع ما وجبا ... لأهله وشفى أنّاً ولا كربا
سرق هذا البيت من الوائلي وكانت معاملته متصلة في أخذ معانيه وذلك قوله:
سأشكر الدمع إنّ الربع كان له ... حقٌّ فقام له عند نَواجيه
وقال المتنبي:
عجباً فأذهبَ ما أبقى الفراقُ لنا ... من العُقُول وما ردَّ الَّذي ذَهَبا
ما طلب الباقي لم يردّ الماضي، وفي هذا الشعر شبيه بما أنشد فيه أبي ﵀ قال: أنشدنا أبو الحسن جحطة وهو:
يا كبدُ أفنى الهوى جَلهاً ... مِنهُ بالذاعِ وإحراقِ
стр. 359
حتّى إِذا أنفسها ساعة ... كَرتْ يدُ البينِ على الباقيِ
وكأن البين أخذ ما بقي فيها يقارب المعنى والكلام أعذب من الكلام وإن كان أبو الطيب قد اختصر وجاء ببيتين في بيت واحد فنحن نجعل عذوبة اللفظ بازاء الاختصار والسابق أولى به وقال المتنبي:
سَقيتُه عبراتٍ ظَنّها مطراً ... سَوائلاً من جُفُونٍ ظَنَّها سُحُبا
الربع لا ظن له ولا يقين استعارة والمعنى من قول أبي تمام:
مطرٌ من العبرات خَدِّي أَرضُهُ ... حتَّى الصَّباحِ ومقلتاي سَماؤُه
فذكر الدموع وموقعها، وأين تقع، فَوَفّى الكلام أقسامه، ولم يذكر أبو الطيب إلا العبرات والجفون الذي يدل على المورد ولم يذكر المصدر وهذا ذكر المورد والمصدر فرجح وزاد في المعنى ما هو من تمامه.
وقال المتنبي:
ناءيتُه فَدنى، أدْنيتُه فَنأى ... جَمَّشتُهُ فَنبا، قَبلته فأبَى
قوله:) قبلته فأبى (إنما كان يجب أن يقول أردت تقبيله فأبى فيشتق وقوع الفعل للإباء، ولو قال قائل وقع يريد الضرب فأمتنع لم يكن كلام له حقيقة إنما الكلام أريد ضربه فأمتنع ولكنه على المجاز والتسامح يجوز وقد قال ابن بسام:
стр. 360
فأشربُ على الوردِ مِنْ وَرديةٍ عَب ... قتْ كأنّها خَدُ ريمٍ ريْمَ فأمتنعا
فقد أجتمع في هذا البيت مجانسة مليحة وألفاظ صحيحة فهو أرجح كلاماً من كلامه.
وقال المتنبي:
هامَ الفؤادُ بأعرابيةٍ سكنتْ ... بيتاً من القلبِ لمْ تحدد لهُ طُنُبا
أما معنى: سكنت بيتاً من القلب فكثير، من ذلك قول أبي تمام:
متى أنتَ عن ذُهْلِيّةِ الحَيِّ ذاهِلُ ... وصَدْركَ مِنْها مُدَّة الدَّهْرِ آهِلُ
فخبر عن سناها صدره وقال الآخر:
شطَتْ منازلُ مَنْ في القلبِ منازله ... وحلّ في كبدي ما لشيب أحْمِلهْ
ظَبيٌ تسبّب لي هجراً بلا سببٍ ... قَدْ حرم الله ما مني يحلَلهْ
هذا هو المستعمل فأما بيت من) في (القلب بلا طنب فغير مفيد.
وقال المتنبي:
مظلومةُ القدّ في تَشبيهه غُصناً ... مظلومةُ الرّيق في تَشبيههِ ضَرَبا
مظلومة لفظة مليحة، وقد قلت أنا في معناها:
تجاوزَ الإِسرافَ في ظْلمهِ ... حتى لقدْ هَمَّ بإِسْرافهِ
стр. 361
فثغرهُ مظلومٌ مِسواكهِ ... وَخصره مظلومٌ أردافهِ
مِنْ ظْلمه جار على نَفْسِه ... كيف أرجِّي حُسْنَ إِنصافهِ
وقد قال ابن الجهم:
إِذا نَحْنُ شبَّهناك بالبدر طالعاً ... بَخسناكَ حظّاً أنت أبهى وأجْملُ
ونظلمُ إنْ قسناك بالليثِ مرّةً ... فإِنّكَ أحمى للحريمِ وأبْسَلُ
وقال آخلا:
قالت ظلوم وما جارتْ ولا ظلمت ... إنّ الذي قاسني بالبدر قد ظلما
وهذا البيت فيه من أسمها وفعلها مجانسة مليحة أو قد حشا البيت حشواً حسناً من قوله:) ما جارت ولا ظلمت (وهذا من الحشو السديد في المعنى المفيد وشاعره أحق به.
وقال المتنبي:
بيضاءَ تُطمعُ فيما تحت حُلَّتِها ... وعزَّ ذلك مطلوباً إِذا طَلبا
هذا يشبه قول القائل:
سألتكَ حاجة فَأَجَبْتَ عنها ... بأسرع ما يكون من الجوابِ
فلما رمتها رمت الثريا ... وأبعدُ ما يكون من السحابِ
وهذا المعنى غير أن المتنبي قد جاء باللفظ الطويل في الموجز القليل
стр. 362
فهو أحق به ويشبه هذا أيضاً.
تحسبن من لين الحديث ذوائباً ... ويصدهن عن الخنا الإِسلام
وهذا البيت يدخل في قسم التساوي.
وقال المتنبي:
كأنّها الشّمسُ يُعيي كفَّ قابضِهِ ... شُعاعُها، ويراه الطَّرف مُقْتربا
هذا مأخوذ من جماعة منهم ابن أبي عيينة قال:
فقلتُ لأصحابي هي الشمس ضَوؤها ... قريبٌ ولكن في تناولها بُعْدُ
وقال آخر:
فأضحت مكان الشمس يقرب ضوؤها ... ويا بعدها عن ملمس المتناول
وقال المتنبي:
هي الشُمس يغشاني سُناها وَضوؤها ... ويعجز لمسي حين يطلبُها لمسي
стр. 363
وقال البحتري:
دانٍ على أيدي العُفاةِ وشاسعٌ ... عن كل ندٍّ في الورى وضريب
كالبدر أفرط في العلوّ وضوؤُه ... للعُصبة السارينِ جدُّ قريبُ
وأعاد المعنى فقال:
دنوت تواضعاً، وبعدت قَدْراً ... فشأناك: أنحدار وأرتفاعُ
فذاك الشمس تُبعدُ أن تُسامى ... ويدنو الضوء مِنْها والشُّعاعُ
وجميع هؤلاء في المعنى أشعر منه لأن جميعهم جعل القرب للضوء والشعاع والبعد للجرم يقرب ضوؤها ويبعد لمسها والضوء عرض والشمس جرم لا يقع إلا على الأجسام، وأبو الطيب تعجب من عجز القابض شعاعها، ومن توهم أن الشعاع مما يمكن قبضه فهو مختل وهذا من رجحان كلام المسروق منه على كلام من أخذ عنه.
وقال المتنبي:
مَرّتْ بنا بين تربيها فقلت لها ... من أين جَانَسَ هذا الشَّادِنُ العَربَا
سؤاله لها: من أين جانس هذا الغزال العرب يشبه قول الحسين العرجي:
بالله يا ظبيات القاع قلن لنا ... ليلاي مِنْكنَّ؟ أمْ ليلى من البَشرِ
стр. 364
ثم أتبع أبو الطيب بقوله:
فاستضحكت ثم قالت كالمغيث يرى ... ليث الشَّرى وهو من عجلٍ إِذا انتسبا
هذا من الخروج المليح إلى ما أراد من المديح ولا تعرفه الأعراب إنما قولها دع ذا وامدح فلاناً وقد تقدم أمثلته من أشعار المحدثين يساوي هذا.
وقال المتنبي:
لو حلَّ خاطرهُ في مقعدٍ لمشى ... أو جاهلٍ لصحا أو أخْرسٍ خطبا
أما صدره فينظر إلى قول القائل:
ومقعدُ قومٍ قد مشى من شرابنا ... وأعمى سقيناه مليّاً فأبصرا
فقوله:) أو جاهل لصحا (كان ينبغي أن يقول أو سكران لصحا أو جاهل لعقل فأما قوله:) أو أخرس خطبا (فكلام بليغ لأنه لو قال: أو أخرس نطق كان جيداً فأما خطب فنهاية لأنه ليس كل ناطق خطيباً وهذا المعنى موجود في قول ابن الرومي:
دعا الناس حتى أسمع الصمَّ لفظه ... وأنْطق حتى قال فيه الأَخارسُ
وهذا البيت قد شتت شمله من فرق جمعه على بيتين أحدهما المتقدم، وهو:) لو حل خاطره في مقعد لمشى (
стр. 365
والثاني بيت له آخر آخره) وأسمعت كلماتي من به صمم (فصار مقسم الجملة وإن كان لأبي الطيب بالخطابة زيادة يستحق بها المعنى.
وقال المتنبي:
إِذا بدا حجبت عينيك هيبته ... وليس يحجبه ستر إِذا احتجبا
ذكر أنه يحجب العيون عن رؤيته بالهيبة ولا يحجبه الحجاب لنور وجهه وقد قال مسلم:
حجبُ العيون فما يكادُ يبينه ... مِنْ وجههِ الإِهلال والتكبيرُ
فما زاد عن ذكر الهيبة، ولأبي الطيب رجحان يذكر معنى النور، وقد ولد هذا البحتري فقال: فأراني دونه الحجاب فما تستر عنهم آلاءه حجبه فالبحتري يقول: إنه محتجب غير محتجب الآلاء، وذكر أبو الطيب أنّه محجوب بالهيبة غير محجوب لنور وجهه فهذا من استخراج معنى من معنى أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه وقال المتنبي:
بياضُ وجٍ يريكَ الشمس كالحةً ... ودرُّ لفظٍ يريك الدُّرَّ مخْشَلبا
стр. 366
جعل أبو الطيب كلام العامة لغة وأصلاً يبني عليه ويستند إليه أي عربي عرف المخشلب قط وفي أي شعر ورد الفصيح أو مولد حتى يجيز له.
وقال المتنبي:
عُمْرُ العدوّ إِذا لاقاهُ في رهجٍ ... أقلُّ من عُمْرِ ما يحوي إِذا وهَبَا
هذا بيت كثير الحشو لأنه إذا ذكر اللقاء فقد وجب أن يقل عمره إذا لاقى الممدوح وكان في رهج أو ضده، وجعل عمر ماله قليلاً بشرط وهو أن يهب وكان إمساكه عن أن يقول إذا وهب أعمّ وأتمّ لأنه يدل على بقاء ما يحويه كل زمان وعلى ضيّة في كل أوان إلا في الحين الذي يسخ له أن يهبه فهذا حشو غير مفيد ولا معنى سديد، والمعنى موجود في قول الوائلي:
إِنْ سمته كفر نعمى لا بقيتُ إِذاً ... إِلاّ بقاءَ لُهاهُ أو مُحَاربه
стр. 367
اللهم لا يكون إلا من مال فكأنّه قال: إلاّ بقاء ماله أو محاربه. فقد جمع المعنيين في عجز بيته فصار بالاختصار أولى بما قال.
وقال المتنبي:
تَوقَّه فمتى ما شئت تبلوَهُ ... فكُنْ مُعَاديهُ أو كُنْ لَهُ نَشَبا
هذا تكرير لمعنى الوائلي وفيه إلمام بقول مسلم:
تَظّلمَ المالُ والأعداءُ من يدهِ ... لا زالَ للمالِ والأعداءِ ظلاّما
وقال أبو نواس:
ليتَ من كان عَدُوي ... كانَ لإِْبراهيمٍ مالا
هذا المعنى يقارب قول مسلم غير أن في بيت أبي نواس ضعفاً في نظامه وركاكة في كلامه، وبيت أبي الطيب أجزل وأفصح وأوفى وأرجح.
وقال المتنبي:
تَحْلو مذاقتُهُ حتى إِذا غَضَبا ... حالتْ فلو قطرتْ في الماءِ ما شَرِبا
جعل المذاقة تقطر وهي من عذوبة ألفاظه وهذا من الاستعارات وهو يشبه القائل:
стр. 368
لو أنْ ما تبتلني الحادثاتُ به ... يصبُّ في الماءِ لم يشرب من الكَدرِ
وقال ابن الرومي:
حلا لشفاه الذائقين وأنَّهُ ... على لَهواتِ الآكلين لَعلْقَمُ
وقال المتنبي:
وتغبطُ الأرضَ منها حيثُ حلَّ به ... وتحسدْ الخَيْلُ منها أيَّها رَكِبا
عجزه عن قول علي بن الجهم:
وتَطْربُ الخيلُ إِذا ما علا ... مُتونَها، فالخيلُ تَسْتبشرُ
ونظر صدره إلى قول أبي تمام:
مَضى طاهرُ الأثوابِ لم تَبْق روضةٌ ... غداة ثَوى إِلاّ اشْتَهت أنّها قَبْرُ
غير أن أبا الطيب اختصر في بيت ما ورد في بيتين فهو بالاختصار أولى، وقال ابن دريد:
ومَنْ له تَخْشع الملوك ومَنْ ... تزهى به الخيلُ حين يركبُها
وقال المتنبي:
وكُلمّا لقي الدِّينارُ صاحِبُه ... في مِلْكه افْترقا من قبل يَصْطحبا
هذا يدل على أن الممدوح لا يجتمع عنده مال يجود به حمله إنما يفرق ديناراً دينارا وإنما يفرق
стр. 369
ديناراً دينارا لأن الدينار يفارق صاحبه قبل الصحبة، والعجيب أنه خبر بلقاء الدينار للدينار وسماه صاحباً له، واعلم بافتراق بتقدم الصحبة، وكيف يسمى صاحباً من لم يصحب وكيف يجتمع اللقاء والفراق في حال واحدة، وأصح من هذا قول مسلم:
تأتي البُدور فتُقنيها ضائِعُه ... وما يُدنّسُ منها كَفُّ مُنْتقِد
لا يعرف المال إِلا عند ناقله ... ويوم يجمعه للنِّهْبِ والبرد
وواهب البدور المجتمعة أجود من واهب الدينار بعد الدينار وقد دلّ بقوله:) لا يدنس منها كف منتقد (، لأنه إنما يأمر بنقدها ليخبرها وهي عند مجيئها توهب فلا معنى لنقده وزاد) بأنه (بقوله: -) لا يعرف المال إِلا عند ناقله (.
وذكر أنه يجمعه ليبدده فذهب إلى معنى قول ابن الجهم:
ولا يجمعُ الأموالَ إِلاّ لبذْلِها ... كما لا يُساق الهَدْيُ إِلاّ إلى النحر
وقال النضر بن جؤيه:
قالتْ طريفةُ ما تبقى دَرَاهِمُنَا ... وما بنا سَرفٌ فيها ولا خُرُقُ
إِنّا إِذا اجتمعتْ يوماً دَراهُمنا ... ظلّت إلى طُرقِ المعروفِ تَسْتَبِقُ
فذكر اجتماعاً يقع بعده تفريق وذكر أنها تستبق إلى طرق المعروف فاحتاط لأنها قد تنصرف في تبذير وشهرة محرمة ولم يحتط أبو الطيب فكلام ابن جؤية أرجح فإن قال قائل قد قال بعد هذا:
стр. 370
ما يسكنُ الدرهمُ المنقوش صُرَّتنا ... إلا يمرُّ عليها ثُمّ ينطلقُ
قيل له قد خبر عن الدرهم أنه قد يسكن صرته فقد قارب معنى أبي الطيب لأنه يريد الجنس لقول العرب قل الدينار والدرهم في أيدي الناس فيكتفي بالواحد الدليل على جنسه من الجمع فهذا مراده، فإن قال قائل: كيف يكثر عندهم ما ليس في صرّتهم، قيل لهم جمع المال في الصرار يصلح للاقتناء وإنما يريد أن المال إذا جاءهم فرّقوه لوقته قبل ذلك.
وقال المتنبي:
مالٌ كأنَّ غُرابُ البينِ يَرقُبهُ ... فكلّما قيلَ هذا مُجتدٍ تَعبا
قال بعض النحويين المحققين بتفسير كلام أبي الطيب: إن معنى هذا البيت أن غراب البين متصل الصياح كاتصال عطاء هذا الممدوح وليس النحو من صناعة الشعر، وإنما يقع على معاني الشعر فطن الذهناء وتستخرجه قرائح العقلاء كما قلت أنا في بعض النحويين:
عليك بالنحو لا تعْرضْ لصنْعِتنا ... فإِنَّ شِعْركَ عِنْدي أشْهَرُ الشُّهرِ
لوْ كان بالنّحو قولُ الشَّعرُ مكتسباً ... كانَ الخليلُ به أحْظى من البشرِ
وإنما أراد أبو الطيب: أنّ غراب البين إنما ينعب لفراق، فإذا رأى الغراب
стр. 371
مجتدياً علم أنّ أبياته سبب لفراق المال فنعب لذلك، وليس ما ذهب إليه النحوي بشيء.
وقال المتنبي:
هَزّ اللّواءَ بَنُو عجلٍ به فَغَدا ... رأساً لهمْ وغدا كلٌّ لهُمْ ذَنبا
هذا من قول الحطيئة:
قومٌ هم الأنفُ والأذنابُ غيرهُمُ ... فَمِنْ يساوي بأنفِ الناقةِ الذَّنبَا
قال أبو دلف:
لا تحسبيني ذَنباً لِمَنْ غلب ... نَحنُ رؤوس الناسِ والناسُ ذَنْبُ
وقال ابن الرومي:
قومٌ هم الرأس إذ حسّادهم ذنبٌ ... ومن يُمثّلُ بين الرأْس والذنب
وكل هذه المعاني متساوية.
وقال المتنبي:
مُبرقعي خَيلهم بالبيضْ مُتّخذي ... هامِ الكُماةِ على أرماحِهم عَذَبا
يشبه قول أبي تمام:
مِنْ كلّ ذي لِمّةٍ غَطَّتْ ضفائرُها ... صَدر القناةِ فقد كادت تُرى عَلما
فشبه الضفائر المنشدة بالعلم وأحتاط بأن قال: كادت وأما إلهام نفسها فلا تشبه العذب
стр. 372
وقال ابن الرومي:
تطيرُ عليه لحيةٌ منه أصبحتْ ... لهُ رايةٌ يهدى بها الجيْش مطْردُ
فالضفائر واللحى أشبه بالأعلام والمطارد من إلهام.
وقال ابن المعتز:
ويجعلُ هامات أعدائِهِ ... قلانس يُلبسهُنَّ الرِماحا
وما في تشبيهه بعد وجميع هذه التشبيهات أصح وأرجح من تشبيهه وهم بالمعنى أحقّ.
وقال المتنبي:
مراتبُ صعدتْ والفكرُ يتبعُها ... فجازَ وهو على آثارها الشُّهبا
يقرب منه ابن الرومي:
وسمت هِمّتي فجاوزت العُي ... وق بعداً، وجازت العيّوقا
ويقرب منه قول البصير:
سَما بالأمير الفتح بيت مُشيد ... له فَوق أفلاك النجوم مَراتِبُ
стр. 373
وقال المتنبي:
محامدٌ نزفت شعري ليملأها ... فآل ما امتلأت مِنهُ ولا نضبَا
هذا يقرب منه وينظر إليه قول أبي تمام:
فلو كان يفنى الشّعر أفناه ما قرتْ ... حياضُكَ مِنهُ في العُصُور والذواهبِ
ولكنَّه صوب العُقول إذا انجلت ... سَحائبُ منهُ أعقبتْ بِسحائبِ
وقال ابن الرومي:
أصبحتَ بحر سماحٍ غير منتزفٍ ... لاقاه بحرُ ثناءٍ غير منترفِ
وما عبر عنه بأن نزف فقد نضب أو قارب النضوب، فهي عبارة رديئة.
وقال المتنبي:
مكارمٌ لك فُتّ العالمين بها ... مَنْ يستطيعُ لأمرٍ فائتٍ طلبا
ينظر إلى قول البحتري:
أيها المُبتغي مساجلةَ) الفت ... ح (تَبغيتَ نيلَ ما لا ينَال
стр. 374
وقال المتنبي:
بِكل أشعث يلقى الموتَ مُبْتَسماً ... حتّى كأنَّ لهُ في قتله أربا
هذا مثل قول أبي تمام:
يَستعذبونَ مناياهُم كأنَّهم ... لا ييأسونَ من الدُّنيا إذا قُتِلوُا
وقال الوائلي:
تأتي الوغى عجلاً كأنَّك تبتغي ... طُولَ البقاءِ من الفناء الأَعجل
فبيت أبي تمام وبيت المتنبي يدخلان في قسم التساوي، فأما قول الوائلي فذكر أنه يأتي الوغى كأن له طيب بشيء وأعذبه عنده من البقاء الفناء الأعجل فكلامه أرجح فهو أولى بما أخذ منه.
يليها قصيدة أولها:
فُؤادٌ ما تسليّه المُدامُ ... وعمرٌ مثلُ ما تهبُ اللئامُ
عجز هذا البيت من قول البحتري:
أرى غفلة الأيام إعطاءَ مانعٍ ... يصيبك أحياناً، وحلْمَ سَفيه
) فإعطاء مانع، مثل قوله: ما تهب اللئام، وقد قال جحظة:
يا ذل عرسة لنا بطعامٍ ... وشرابِ نزر كنيل البخيل
стр. 375
والبحتري أحق بالمعنى بزيادته تشبيهاً فقد زاد في كلامه ما هو من تمامه بقوله:) حلم سفيه (فصار أحق بقوله.
وقال المتنبي:
ودهرٌ ناسهُ ناسٌ صِغارٌ ... وإن كانت لهم جُثثٌ ضِخَامُ
قال الحصني:
إذا اعترضوا فأجسامٌ ضِخام ... وإن عجموا فأخلاقٌ صِغارُ
ولا فرق بينهما في مبنى ولا معنى فالأول أحق بقوله.
وقال المتنبي:
وما أنا منهم بالعيش فيهم ... ولكن مَعدنُ الذَّهبِ الرَّغامُ
أخذه من قول علي بن بسام:
إذا ما المرء كانَ له خصالٌ ... تزينه وترقعُ منه عرضه
فَليس يصبر إن لم يعتقله ... فيزرعُ من ذوي الأحساب عضه
فأصل المعدنِ المطلوب صَخرٌ ... وفيه عروقه ذهبٌ وفضه
فالذهب معدنه الصخر لا التراب فقول علي بن محمد بن بسام أصح ولكن قول أبي الطيب أخصر.
وقال المتنبي:
ُأرانبُ غير أنهمُ ملوكٌ ... مفتحةٌ عيونهُمُ نِيامُ
هذا معنى فتحه أبو تمام بقوله:
انقطعت هاجعهُمْ وهل يغنيهُمُ ... سهرُ النواظِرِ والعيونُ نِيامُ
стр. 376
ويشبه قول القائل:
وخبرني البوابُ أنّك نائمٌ ... ولكن إذا استيقظت أيضاً فنائِمُ
وقال المتنبي:
خليلكَ أنتَ، لا من قلت خِلّي ... وإن كثر التجملُ والكلامُ
يقرب من قول القراطيسي:
وما أحد يكون أشد نُصحاً ... علمت مكانه مني لنفسي
وكلام المتنبي فيه شرح واضح ولفظ راجح فهو أولى بما أخذ.
وقال المتنبي:
ولو حِيز الحِفاظُ بغيرِ عقل ... تجنب عُنقَ صيقلِهِ الحُسامُ
يقول أبو الطيب: لو كان السيف بغير عقل له حفاظ لوجب أن يتوقى عنق صيقله لأنه هو الذي أرهفه وصيّره قاطعاً ولوجب أن يحفظ الصقل عنايته لجماله وتزينيه ولكنه لا يحفظ ذلك لكونه غير عاقل وإنما جعله تشبيهاً للإنسان الذي هو غير عاقل وقد أشار له إلى هذا المعنى ابن الرومي فقال:
قد يميط القذى عَنْه ويعض ... منا وليس في السيفِ عفو من صياقله
стр. 377
وقال المتنبي:
وشبهُ الشيء منجذب إليه ... وأشبُهنا بدنيانا الطَّغامُ
هذا يقرب من قول القائل:
دنيا تحيدُ عن الكرام وتنثني ... نحو اللئيم الساقط الوغَد
إن ساعدته فإِنّها أهل لهُ ... والقردُ مسلوك مع القرد
فكلام المتنبي جزل وهذا الكلام رذل فهو أحق بالبيت.
وقال المتنبي:
ولو لمْ يَعل إلا ذو مَحلٍّ ... تعالى الجَيشُ وانَحطّ القَتَامُ
هذا المعنى لم يبلغني من أين أخذه ولكن فتحه له ابن الرومي بقوله:
يا زماناً أحكامَهُ ... فَسروج الخيلِ تَعلوُها اللُّبودُ
وقد أكثر ابن الرومي في ارتفاع الوضيع وانحطاط الرفيع فمنه قوله:
دهرٌ علا قدرُ الوضيع بِه ... وغَدا الشريفُ يحطه شرفُهْ
كالبحر يرسبُ فيه لؤلؤه ... سِفلاً، ويعلو فوقه جِيفُه
وقال أيضاً:
طارَ قومٌ بخفَّة الوزنِ حتّى ... لحقوا رفعةً بقاب العقابِ
стр. 378
ورسا الراجحونَ من جلّة النا ... سِ رُسُوّ الجبال ذات الهضابِ
لا وما ذاك للئام بفخرٍ ... لا، ولا ذاك للكرامِ بعابِ
هكذا الصخر راجح الوزن راسٍ ... وكذا الذُّر شائل الوزن هاب
جيف أنتنت فأضحت على الل ... جة والدر تحتها في حجاب
وغثاء علا عباباً من اليمّ ... وغاص المرجانِ تحت العبابِ
وجميع هذا من قول بعض العربيات:
قل للذي بصروف الدّهر غيرنا ... ما عاند الدهر إلاّ من له خَطَرُ
إنْ كان قدْ نشبت أيدي الزمان ... بنا ومسنا من تناهي صَفوه كدرُ
فقد نرى البحر تعلو فوقه جيفٌ ... ويستقر بأقصى قعره الدررُ
وفي السماء نجوم ما لها عددٌ ... وليس يكسفُ إلاّ الشمس والقمرُ
وبيت أبي الطيب من قسم ما احتذى عليه وإن فارق ما قصد به إليه.
وقال المتنبي:
إذا كانَ الشّباب السكر والشَّي ... بُ هُمّاً، فالحياةُ هي الحِمامُ
стр. 379
هذا بيت بني على صيغة بيت البحتري:
أبْرحَ العيشُ فالمشيبُ قذى في ... أعيُنِ البيض، والشَّبابُ جَمَالُ
وهو يساويه والبحتري بالتقدم أولى وأحق.
وقال المتنبي:
بأرض ما اشتهيتُ رأيتُ فيها ... فَليسَ يَفوتها للإّكِرَامُ
يقرب من قول فضيل الأعرج:
دُور تحاكي الجنان حُسناً ... لكن سُكانها خِساسُ
متى أرى الجيد ساكنيها ... وفي دهاليزها التِراس
وكلام أبي الطيب أجزل.
وقال المتنبي:
بِها الجبلان من فخرٍ وصخرٍ ... أنافا: ذا المغيث، وذا اللهام
هذا من الخروج المليح إلى ما أراد من المديح ولولا ما تبع هذا البيت كان قد هجا الممدوح لما قدم في البيت الأول الذي قبله من عوز الكرام بهذه الأرض ولكنه أحتاط في مدحه بقوله:
وليستْ من مواطنِهِ ولكن ... يَمُّر بها كما مَر الغمام
стр. 380
أخذه من أبي تمام في قوله:
إن حنَّ نجدٌ وأهلوه إليك فقد ... مررتَ فيه مرور العارضِ الهطل
فقد زاد أبو تمام في كلامه ما هو من تمامه لأن الغمام قد يمكن أن تزيد سرعته في المضي وهذا مرور العارض الهطل يريد أنه إحياء من مرّ به بجوده الكثير فهو أرجح وأحق به.
وقال المتنبي:
سَقى الله ابن مُنجيةٍ سَقاني ... بِدَرٍّ ما لراضعه فِطامُ
هذا من قول ابن الرومي:
وقالوا ما فَواصِلهُ فقلنا ... عطاء ما لراضعه فِطَامُ
فهذا يقارب اللفظ المدعى هو معناه معاً، فهو أقبح أقسام السرقات.
وقال المتنبي:
تَلَذُّ لهُ المروءةُ وهي تُؤذي ... ومَنْ يعشقُ يَلذّ لَهُ الغَرامُ
وأتبعه:
تعلّقها هَوى قَيسٍ لليلى ... وواصلها فليس به سقامُ
وهذا كلام مستوفي الأقسام مليح النظام أخبرنا بالتذاذه بالمروءة التي يثقل حملها على الناس وشبه ذلك بالتذاذ العاشق الغرام وذكر أن تعلقه لها قيس لليلى وهي في نهاية التعلق بها وذكر أنّ مواصلته لها تؤمنه السقام الذي يقع من المقاطعة. وقد قال ابن الرومي:
عشق العلا وعشقتهُ فكأنَّما ... وافى هوى لبنى هوى ابن ذَريح
стр. 381
وقال ابن الرومي أيضاً:
أتحجبُ عنّي عشرة قد ومقتها ... فشوقي إليها شَوق قيس إلى ليلى
فالتشبيه كالتشبيه ولكنه زاد بقوله وواصلها فليس له سقام زيادة استحق بها المعنى.
وقال الخليع الحراني.
ما زال يوعدك التعشق لِلعُلى ... والمجد منية عروة بن حزام
هَب ذاك أغرمهُ الفراق فأنت لم ... أو المجد خدنك كنت خدن غرام
معنى هذا الكلام أن العشق إذا كان غراماً كان سقاماً إنما يحدث عن مقاطعة ويقول له فأنت مواصل فمن أين أتاك الغرام، وبالجملة فكلام المتنبي أرجح من جميع هذا كله وهو أحق بما) أخذ (.
وقال المتنبي:
يَروعُ ركانة، ويذوبُ ظرفاً ... فما تَدري: أشيخٌ أن غُلامُ؟
هذا يحسن أن يقال: لو كان كل شيخ ركيناً وكل غلام ظريفاً وإلا احتاج إلى أن يستظهر نبغت فيقول ما يدري أشيخ ركين أم غلام ظريف وقد أتى بهذا المعنى أبو تمام فقال:
غلامٌ حوى في أريحه دَهره ... ذكاءُ الفتى الزاكي وأبهةُ الكهل
فاحتاط على الفتى الزاكي ولم يحتط في الكهل، وقال ابن الرومي:
هو كهل الكهول حزماً وعزماً ... وهو ظرفاً يدعي فتى الفتيان
فاحتاط في الأمرين جميعاً بأن جعله كهل الكهول وفتى الفتيان وشرح
стр. 382
ولم يدع بقية قوله:
فتى ... إذا شِئت لا جهلاً ولا سفهاً كهلاً إذا شئت لا شيباً ولا جلحا
فتاهُ شرخ شبابي وكهله ... حلم، إذا شالَ حلم ناقص رجحا
وقال آخر:
وفتيانيهُ الظرفاءِ فيه ... وأبَّهة الكبير بغيرِ كبر
وجميع معانيهم أو في من معنى المتنبي، وفي البيت الأخير من لفظ الكبير والكبر مجانسة وزيادة من قول قائله هي من تمامه، وقد قال ابن الرومي:
نهتُ جَهلي نها وشيبتني ... لهاه فها أنا الشيخ الغلامُ
وقال المتنبي:
وقبضُ نوالِهِ شرفٌ وعزٌّ ... وقبضُ نوالِ بعض القومِ ذَامُ
أخذه من قول أبي خالد المهلبي:
شرفٌ للشريف مِنكَ نوالٌ ... رُبّ نيلٍ تعافهُ الأحرارُ
المعنى متساو ولأبي خالد زيادة في قوله:) للشريف (لأنه أبلغ في المدح لأنه قد يأخذ نواله وضيع فلا ينقصه أخذ ما أخذ، وقد أتى بهذا المعنى أبو تمام فقال:
تُدعى عطاياهُ وفراً وهي إن شُهرتْ ... كانت فخاراً لمن يعفوُهُ مؤتنقا
стр. 383
ما زلتُ منتظراً أعجوبةً عنفاً ... حتى رأيتُ نوالاً يقتضي شرفاً
فالبيتان مشتملان على معنى واحد من أنّ نواله شرف ولم يخبرنا عن نوال غيره واستوفى أبو الطيب في بيته معنى البيتين فهو أحق بما أخذ.
وقال المتنبي:
أقامت في الرّقاب لهُ أيادٍ ... هي الأطواقُ والناسُ الحمام
قال أبو تمام:
مِنَنٌ منكَ في رقابِ أُناسٍ ... هي فيها أبقى من الأطواقِ
معنى أبي تمام: أنّ بقاء منن الممدوح كبقاء الأطواق في رقاب الحمام غير أنه ذكر الأطواق واكتفى بذلك عن ذكر الحمام فكان أبو الطيب أشرح كلاماً، وقد قال علي بن محمد بن بسام:
أبا علي لقد طوقتني نعماً ... طوقُ الحمامةِ لا تبلى على القدم
فهو يساوي أبا الطيب، وقال محمد بن حازم يصف أبياته:
стр. 384
وهًنّ إذا وسمتُ بهن قوماً ... كأطواق الحمائم في الرُقابِ
وهنّ وإن أقمت مسافراتٌ ... تهاداها الرّواة مع الرّكابِ
وهذا النوع مما أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه.
وقال المتنبي:
إذا عد الكرامُ فتلكَ عِجْلٌ ... كما الأنواءُ حينَ تُعدُّ عامُ
وهذا كما قال ابن الرومي:
جمعن العُلا بالجودِ بعد افتراقها ... إلينا كما الأيام يَجمعها الشهرُ
فهذا من قسم ما أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه.
وقال المتنبي:
ولو يمّمتهُمْ في الحشر تَجدو ... لأعطوك الذي صَلّوا وصامُوا
يقال جداه تجدوه، وفي هذا المعنى قول أبي تمام:
ولو قصرتْ أموالهُ عن سماحةٍ ... لقاسم من يجدوه شطر حَياتهِ
فإِنْ لم يجد في شركة العُمر حيلةً ... وجاز له الإِعطاء من حسناتهِ
لجادَ بها من غير كفرٍ لربّهِ ... وآساهُمُ في صَومهِ وصلاتِهِ
فالمعنى المعنى ولكنه في تطويل وتضمين وبيت أبي الطيب قد جمع الطويل في الموجز القليل فهو أحق بما أخذ وإن كان قد أطلق عليهم السماحة بصلاتهم وصيامهم فهي مبالغة يمكن الطعن عليهم بها لأنها تدل على سماحهم بأديانهم واحتاط أبو تمام فقال:) من غير كفر لربه (فدّل على صحة الدين والجود معاً.
وقال المتنبي:
فإِن حلموا فإنّ الخيل فيهم ... خفافٌ والرّماحُ بها عُرامُ
стр. 385
قصد الحلم السفه والجهل وضد الحلم عند أبي الطيب الخفة وليس كذلك إلا على التسامح في العبارة والمجازفة في الاستعارة ولو قال:
فإِن ثَقلوا فإِنّ الخيل فيهم ... خِفافٌ والرّماحُ بها عُرامُ
كان قد طابق بين الثقل والخفة والذي قاله أبو تمام:
عَليه مُطعن بطل حليم ... سَفيه السيف ذُو رُمحٍ جَهولُ
فجعل الحلم للرجل والسفه للسيف، والجهل للرمح ووفى مطابقته أقسامها ورجح كلامه فهو أحق بما سبق إليه.
وقال المتنبي:
نُصرّعهُمْ بأعيننا حياءً ... وتنبوُ عن وجوههِم السّهامُ
فتصريعهم بالحياء حسن، نبوّ السهام عن وجوههم بلا علة توجيه إلاّ صلابة بشراتهم فهذا في الهجاء أدخل لما قال بعض الشعراء:
اللؤمُ أَكرمُ من وبرٍ ووالدِهِ ... واللّؤمُ أكرمُ من وبرٍ وما ولدا
لو أنّ حافرَ برذوني كأوجههمْ ... بني الزواني لما أنعلتهُ أبدا
فأما قول ابن الرومي:
فتى يتقي لحظَ العيون ويرعوي ... ويغشى رماح الحظّ مُشتبكات
أخذه من العكوك في قوله:
فتى يتقي مأثور ما يتقي الفتى ... ويغشى المنايا والرماح دَواني
فالمعنيان يدلان على أن القوم ممدوحون بالحياء والشجاعة فأما نبو السهام
стр. 386
عن وجوههم فلا نصيب له في المدح، وينظر إلى قول العكوك وابن الرومي قول أبي دلف:
نحنُ قومٍ تذيبنا الحدقُ النحل ... على أننا نذيبُ الحديدا
لا نصدّ الوجوه من خشية الناس ... ونخشى من الغواني الصدودا
وهذا من قسم ما أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه.
وقال المتنبي:
قبيلٌ أنت أنت وأنت منهم ... وجدّك بِشرٌ الملكُ الهُمامِ
فذكر أنه على شرفه واحد منهم وهو على الانفراد قبيلٌ وحده، وأحسن من هذا قول ابن الرومي:
قالوا أبو الصقر من شَيبان قُلت لهم ... كلا لعمري ولكن مِنه شيبان
وكم أبٍ قد علا بأبن ذرى شرفٍ ... كما علا برسول الله عدنان
تَسمو الرجال بآباء وآونة ... تَسمو الرجال بأبناء وتزدان
جعل شيبان منه ولم يجعله منهم ذهاباً به عن الإضافة إلى أحد وذكر أنها على ارتفاعها ترتفع به، وأبو الطيب إضافة إليهم وابن الرومي أرجح كلاماً وأبلغ في معناه فهو أحق بقوله.
وقال المتنبي:
لقد حسنتُ بك الأيام حتى ... كأنّك في فم الزَّمنِ ابتسامُ
стр. 387
يشبه قول ابن الرومي:
قعدت بِك الدنيا وما ظلمت ... مفترة عَنْ كل مبتسم
وقال البحتري:
فأبقَ أنساً لهُ فما ضحِكَ الدَّه ... رُ إلينا إلاّ وعَنْكَ إفترِارُهْ
وقال ابن الرومي أيضاً:
أناسٌ إذا دهرٌ تبسم ضاحكاً ... فعنهم وعن آبائهم يبتسمُ
فذكر الابتسام ولم يذكر فماً وهي استعارة يجوز فيها أن يراد بها بهجة الدهر وبشاشته، وأبو الطيب جعل للدهر فماً وشبه بابتسامة فحقق المعنى وملح فرجع كلامه.
ويتلو هذه قصيدة أولّها:
لجنّيةٍ أم غادةٍ رُفِعَ السجفُ ... لوحشية؟ لا. ما لوحشيةٍ شَنْفُ
стр. 388
معلوم أن هذا الكلام سؤال متباله يسأل من أي الجنسين هي، وهو يعلم أنها بشر ولا أعلم من خبره أنّ الجن لأحسن منظراً من الأنس حتى يسأل من أي الجنسين هي، فأما قوله:) لوحشيّة؟ لا ما لوحشية شنف (.
فمستعمل من ذلك قول أبي تمام:
لم يُخطك الجيدُ مِنْ غَزال ... لو عطّلوه من السحابِ
فأنكر هذا الشنف كما أنكر هذا السحاب، وقد أنشدني أبي ﵀ قال: أنشدنا ابن دريد:
أعنْ الشّمس عشاءً ... كشفَتْ تلك السجوفُ
أمْ على لبتي غزال ... عُلّقت تلك الشُّنوفُ
فسأل هل كشف السجوف عن الشمس، وهل تعلق الشنوف على لبتي الغزال لتشابه المعنيين عنده، فهو تباله مليه مع علم ليدل على قوة الشبه بين المشتبهين، والقرط ما كان في شحمة الأذن من أسفل، والشنف ما كان في حياز الأذن من فوق.
وقال المتنبي:
وخُيِّلَ مِنها مرطُها، فكأنَّما ... تَثنّى لنا خوطُ ولاحَظنا خِشْفُ
فتخيل مرطها إياها يعمل لها حركة في قدها يشبه بها الخوط ولا عمل لتخييل مرطها في لحظها وهذه صفات متداولة منها قول ابن الرومي:
стр. 389
إن أقبلتْ فالبدر لاح، وإنْ مشتْ ... فالغصنُ مال، وإن رنت فالرّيمُ
فإن كان الناظر في كتابنا يحتسب بهذه الشبهات المتداولات المستعملات فبيت ابن الرومي لا مطعن في أقسامه، وأبو الطيب لم يذكر في شعره غير لحظها وقدها وذكر ابن الرومي وجهها وقدّها ولحظها فكلامه أرجح وهو أولى بما سبق إليه.
وقال المتنبي:
زيادةُ شيبٍ وهي نقص زيادتي ... وقوةُ عشقٍ وهي من قُوّتي ضَعفُ
صدره من قول عبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي:
الشوقُ يزدادُ كُلَّ يومٍ ... إليك والجسمُ في انتقاصِ
ومثله قول القائل:
زيادةُ عمر المرء نقص حياته ... فَما عجب من نُقصانِه من تَمامه
ويقرب منه قول البحتري:
أدلّةُ المرء أيّامٌ عددنَ لهُ ... يرينهُ الفضل تقويماً وإرشاداً
وقدْ يُطالبن ما قدّمنَ من سلف ... فيه وينقصهُ الفضل الذي ازدادا
وينظر إلى قوله قول ابن الحاجب:
أكرهُ الموت والزيادة في أيام ... عمري نقصان عُمر السواد
وقد أتفق لأبي الطيب من ذكر الزيادة والنقصان والقوة والضعف ما صار به
стр. 390
أجود صنعة بالزيادة في كلامه ما هو من تمامه وهذه معان تدخل في قسم المساواة.
وقال المتنبي:
هراقَتْ دمي من بي من الوجد ما بها ... من الوجد بي والشوق لي ولها حَلفُ
هذا يشبه قول الشاعر:
وجدتُ بي ما وجدتُ بها ... فكِلانا مغرمٌ دَنِفُ
وعلى الأيام مظلمتي ... هلْ من الأيام منتصفُ
وقال المتنبي:
ومَنْ كلما جرّدتها من ثيابها ... كَساها ثياباً غيرها الشّعرُ الوحفُ
من بلغ إلى تجريد محبوبه من ثيابه فقد بلغ نهاية مناه وبغية هواه فلم يهرق دمه، فأما المعنى فقد قال أبو تمام:
من كلّ فتنانة تَردّى ... بِثوبِ فينانها الأثيثِ
فقد تساوى المعنى ولكن أبا الطيب أكثر إبانة وأرجح بالإبانة والجزالة فهو أحق بالمعنى.
وقال المتنبي:
وقابلني رُمّانتا غُصن بانةٍ ... يميلُ به بدرٌ ويمسكُهُ حِقْفُ
إضافته الرّمانتين إلى غصن البانة يدل على أنّ أغصان ألبان من ثمرها الرمان، وقد عرفنا مقصده إنما شبه الثديين بالرمانتين وقدها بالغصن وأرانا جمع حلقها غرائب لا تجتمع ولا تقع إلا فيه ولو أمكنه أن يقول:) رمانتان في غصن بانة (
следующие страницы →