← Книги сунны

Книги сунны · id 313

فضائل بيت المقدس - ابن الجوزي - ت عمرو عبد العظيم الحويني

ابن الجوزي

Полный текст (86 стр.). Показаны 17–73 · переход к 1.

стр. 17

طبعاتُ الكتاب لم يُطبَع هذا الكتابُ ـ فيما أعلم ـ سوى طبعتين، صَدَرَت أُولاهما عن دار الآفاق الجَدِيدة ببيرُوت، عام ١٩٧٩ م، بتحقيق الدُّكتور: جَبرائِيل سُليمان جبُّور ـ أُستاذُ شَرفٍ في الدَّائِرة العربيَّة في الجامعة الأمرِيكيَّة في بَيرُوت ـ، عن نُسخةٍ خطِّيَّةٍ وحيدَةٍ ناقصةٍ , وهي نُسخةُ جامعة برِنِستُون، بالولايات المُتَّحِدة الأَمرِيكيَّة. قدَّمَ للكتاب بمُقدِّمَةٍ، وتَرجَمَ للمُؤلِّف بترجمةٍ طويلةٍ استَغرَقَت ٤٠ صفحةً. أمَّا تعليقاتُهُ على النَّصِّ فكثيرةُ الأخطاء. بينما اعتمدتُ في تحقيقي لهذا الكتابِ على ثلاث نُسَخٍ خطِّيَّهٍ ـ كما سيأتي تفصيلُهُ ـ، منها النُّسخةُ التي اعتَمَدَ عليها الدُّكتُور جبُّور , ونُسختَان أُخرتان [*] كاملتان، هي نُسخَة مكتبة تشِستَربِتِي بدَبْلِن بأَيِرْلَندَا , ونُسخَة دار الكُتُب المِصريَّة. أمَّا الطَّبعةُ الثَّانية فهي ضمن مجموعٍ طبعِ دار الكُتُب العِلميَّةِ ببيرُوت، سنة ٢٠٠١ م، بتحقيقِ أبي عبدِ الرَّحمن عادلِ بنِ سعدٍ. وقد اجتهدتُ في أن أتحصَّل على نُسخةٍ منها فلم أستطع. وقد وجدتُ الدُّكتور حسام أحمد عبد الظَّاهر ذَكَرَ في كتابِهِ: «القُدس في التُّراث العربِيِّ: كشَّافٌ عامٌّ بالمخطُوطات في مكتبات العالَم» (ص:٥٢) أنَّ الدُّكتور مُحمَّد زينهم مُحمَّد عزب قد نَشَرَه بمكتبة الثَّقافة الدِّينيَّة، سنة ١٩٨٩ م. ولكنِّي كسابقتها لم أقف عليها. ولكنَّ المُحقِّق معروفٌ بطبعاتِهِ التِّجاريَّة غيرِ المُحقَّقَة.

стр. 35

البابُ الأوَّلُ في فضل الأرض المُقدَّسة قال اللهُ تعالَى: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٢١] (١). قال الزَّجَّاجُ (٢): المقدَّسَةُ: المُطهَّرَةُ. وقيل للسَّطلِ: القَدَسُ؛ لأنَّهُ يُتطهَّرُ منه (٣). وسُمِّي: بيتَ المَقدِس؛ لأنَّهُ يُتطهَّرُ فيه مِن الذُّنُوب (٤). وقيل: سمَّاها مقَّدسةً (٥)؛ لأنَّهَا طُهِّرِت من الشِّرك، وجُعِلَت مَسكَنًا للأَنبِيَاء والمُؤمِنين. وفي المُرادِ بـ «الأَرضِ المُقدَّسةِ» أربعةُ أقوالٍ:

стр. 36

أحدُهَا: [أنَّها] (١) أريحا. قاله ابنُ عبَّاسٍ (٢). قال السُّدِّيُّ (٣): أريحا هي أرضُ بَيتِ المَقدِس (٤). وقال الضَّحَّاكُ (٥): المُرادُ بهذه الأَرضِ: إِيلِيَاءُ، وبيتُ المَقدِس. وقال ابنُ قُتيبةَ (٦): وقرأتُ في مُناجاةِ مُوسَى، أنَّه قال: «اللَّهُمَّ! إنَّك اخترتَ من الأَنعامِ الضَّانيةَ، ومن الطَّيرِ الحَمامةَ، [ومن البُيوت مكَّةَ] (٧)، وإِيلِيَاءَ مِن إيلياءَ بيتِ المَقدِس (٨)». فهذا يدُلُّ على أنَّ إِيلِياءَ: الأرضُ التي فيها بيتُ المَقدِس. [وقرأتُ على شيخِنا أبي منصُورٍ اللُّغوِيِّ (٩)، قال: إِيلياءُ: بيتُ

стр. 37

المَقدِس] (١). وهو مُعَرَّبٌ. قال الفَرَزدقُ (٢): وبيتان، بيتُ الله نحنُ وُلَاتُه ... وبيتٌ بأَعْلَى إِيلِيَاءَ مُشَرَّفُ (٣) [وقال] (٤) قتادةُ (٥): الأرضُ المُقدَّسةُ: الشَّامُ كُلُّه (٦). * * *

стр. 38

البابُ الثَّاني في ذِكر الجبَل الذي عليه بيتُ المَقدِس قال أبُو هُريرَة: الزَّيتُون: طُورُ زَيتَا (١). قال قتادةُ: والزَّيتونُ: جبلٌ عليه بيتُ المَقدِس (٢). وقال أبُو زُرعةَ الشَّيبانِيُّ: رُفع عِيسَى من طُور زَيتَا (٣). ١ - أخبَرَنا أبُو المعمَّر الأَنصَارِيُّ، قال: [أنبا أبُو الحُسَين مُحمَّدُ بنُ مُحمَّد بن الفَرَّاء، قال:] (٤) حدَّثَنا عبدُ العزيز بنُ أحمدَ، حدَّثَنا أبُو بكرٍ مُحمَّدُ بنُ أحمدَ الخطيبُ، حدَّثَنا عُمرُ بنُ الفضل، ثنا أبي، ثنا الوليدُ بنُ حمَّادٍ، ثنا إبراهيمُ بنُ مُحمَّدٍ، ثنا [عَمرُو] (٥) بنُ بَكرٍ، عن ثَورِ بنِ يزيدَ، عن خالدِ بنِ مَعدانَ، عن أبي هُريرَة ﵁، قال: «أَقسَمَ رَبُّنَا بِأَربَعَةِ أَجبُلٍ، فَقَالَ: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التِّين: ١ - ٣]. ـ

стр. 39

قال: ـ التِّينُ: طُورُ زَيتَا (١) [مَسجِدُ بَيتِ المَقدِسِ] (٢). * * *

стр. 40

البابُ الثَّالثُ في [وضع] (١) بيتِ المَقدِس، وبدايةِ أمرِه ٢ - أنبَأَنَا أبُو المعمَّر المُبارَكُ بنُ أحمدَ الأنصارِيُّ، ثنا [أبُو الحُسَين] (٢) ابن الفرَّاءِ، ثنا عبدُ العزيز بنُ أحمدَ بنِ عُمَر النَّصِيبِيُّ، ثنا [أبُو بَكرٍ مُحمَّدُ ابنُ أحمدَ بنِ مُحمَّدٍ الخطيبُ] (٣)، ثنا أبُو حفصٍ عُمرُ بنُ الفضل بنِ المُهاجِرِ اللَّخْمِيُّ، حدَّثَني أبي، ثنا الوليدُ بنُ حمَّادٍ، ثنا إسحاقُ بنُ [الحَسَن] (٤) الطَّحَّانُ، ثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، حدَّثَني ابنُ لهيعَةَ، عن يزيدَ بنِ أبي حَبيبٍ، أخبَرَني عطاءُ بنُ أبي رَباحٍ، عن عائشةَ زوجِ النَّبيِّ ﵇، عن النَّبيِّ ﵇، قال: «إِنَّ مَكَّةَ بَلَدٌ عَظَّمَهُ اللهُ، وَعَظَّمَ حُرمَتَهُ، وَحَفَّهَا بِالمَلَائِكَةِ قَبلَ أَن يَخلُقَ شَيئًا مِنَ الأَرضِ يَومَئِذٍ كُلِّهَا بِأَلفِ عَامٍ، وَوَصَلَهَا بِالمَدِينَةِ، وَوَصَلَ المَدِينَةَ بِبَيتِ المَقدِسِ، ثُمَّ خَلَقَ الأَرضَ بَعدَ أَلفِ عَامٍ خَلقًا وَاحِدًا» (٥). ٣ - حدَّثَنا (٦) الوليدُ بنُ حمَّادٍ، ثنا مُحمَّدُ بنُ النُّعمان (٧)، ثنا سُليمانُ [بن عبدِ الرَّحمن،

стр. 41

نا إسماعيلُ بنُ عيَّاشٍ، عن سُليمانَ] (١) التَّيمِيِّ، عن أبي عَمرٍو الشَّيبَانِيِّ، قال: قال عليُّ بنُ أبي طالبٍ: «كَانَت الأَرضُ مَاءً، فَبَعَثَ اللهُ رِيحًا، فَمَسَحَت الأَرضَ (٢) مَسحًا، فَظَهَرَت عَلَى الأَرضِ زَبدَةٌ، فَقَسَمَهَا أَربَعَ قِطَعٍ. خَلَقَ مِن قِطعَةٍ (٣) مَكَّةَ، وَالثَّانِيَةِ: المَدِينَةَ، وَالثَّالِثَةِ: بَيتَ المَقدِسِ، وَالرَّابِعَةِ: الكُوفَةَ» (٤). ٤ - أنبَأَنَا مُحمَّدُ بنُ ناصرٍ، ثنا عبدُ الرَّحمن بنِ [أبي عبدِ الله بنِ] (٥) مَندَهْ، ثنا أبي، ثنا أحمدُ بنُ مُحمَّد بن حَكيمٍ، ثنا مُحمَّدُ بنُ النُّعمان بنِ بَشيرٍ، ثنا سُليمانُ بنُ عبدِ الرَّحمن، [و] (٦) مُحمَّدُ بنُ حربٍ، [ثنا إسماعيلُ بنُ عيَّاشٍ،] (٧) عن أبي بكرٍ ابنِ أبي مَريمَ، عن شُريحِ بنِ عُبيدٍ، عن كعبٍ، قال: «بَنَى سُليمانُ بنُ داوُد بيتَ المَقدِسِ على أساسٍ

стр. 42

قديمٍ، كما بنَى إبراهيمُ أساسَ (١) الكَعبَةِ على أساسٍ قديمٍ» (٢). قال المُصنِّف ﵁ (٣): قلتُ: وسَكَنَ الجبَّارُون الأرضَ المُقدَّسةَ، فسلَّط [اللهُ] (٤) عليهم يُوشَعَ. ثمَّ سلَّط الكُفارَ على بيتِ المَقدِس، فصيَّرُوه مَزبلةً، فأوحَى اللهُ إلى سُليمانَ، فبَنَاهُ. ٥ - أنبَأَنَا أبُو المعمَّر المُبارَكُ [بنُ أحمدَ الأَنصَارِيُّ، قال: أخبَرَنا أبُو الحُسَين مُحمَّدُ بنُ مُحمَّدٍ الفَرَّاء، قال:] (٥) ثنا أبُو مُحمَّدٍ عبدُ العزيز بنُ أحمدَ بنِ عُمَرَ المَقدِسِيُّ، [ثنا أبُو بكرٍ مُحمَّدُ بنُ أحمدَ الخطيبُ] (٦)، ثنا أبو حفصٍ عُمرُ بنُ الفَضلِ بنِ المُهاجِر اللَّخْمِيُّ، حدَّثَني أبي، ثنا الوليدُ، ثنا المُسيَّبُ بنُ واضحٍ، ثنا ابنُ المُبارَك، عن عُثمانَ بنِ عطاءٍ، عن أبيه، عن سعيدِ بنِ المُسيَّب، قال: أَمَرَ اللهُ دَاوُدَ أَن يَبنِيَ مَسجِدَ (٧) بَيتِ المَقدِسِ، قَالَ: «يَا رَبِّ! وَأَينَ أَبنِيهِ؟»، قَالَ: «حَيثُ تَرَى المَلَكَ شَاهِرًا سَيفَهُ»، ـ قال: ـ فَرَآهُ في ذَلِكَ المَكَانِ. ـ قال: ـ فَأَخَذَ دَاوُدُ فَأَسَّسَ قَوَاعِدَهُ، وَرَفَعَ حَائِطَهُ، فَلَمَّا ارتَفَعَ انهَدَمَ، فَقَالَ دَاوُدُ: «يَا رَبِّ!

стр. 43

أَمَرتَنِي أَن أَبنِيَ لَكَ بَيتًا، فَلَمَّا ارتَفَع هَدَمتَهُ؟»، فَقَالَ: «يَا دَاوُدُ! إَنَّمَا جَعَلتُكَ خَلِيفَتِي في خَلْقِي، لِمَ أَخَذتَهُ مِن صَاحِبِهِ [بِغَيرِ] (١) ثَمَنٍ؟ إِنَّهُ يَبنِيهِ رَجُلٌ مِن وَلَدِكَ»، فَلَمَّا كَانَ (٢) سُلَيمَانُ، سَاوَمَ صَاحِبَ الأَرضِ [لَهَا] (٣)، فَقَالَ لَهُ: «هِيَ بِقِنطَارٍ»، فَقَالَ سُلَيمَانُ: «قَد استَوجَبتَهَا»، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُ الأَرضِ: «هِيَ خَيرٌ أَم ذَاكَ»، قَالَ لَهُ: «[لا] (٤)، بَل هِيَ خَيرٌ»، قَالَ: «فَإِنَّهُ قَد بَدَا لِي»، قَالَ: «أَوَلَيسَ قَد أَوجَبتَهَا؟!»، قَالَ: «بَلَى! وَلَكِنْ البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَم يَتَفَرَّقَا» ـ قال ابنُ المُبارَك: هذا أَصلُ الخِيار. قال: ـ فَلَم يَزَل يُرَادُّهُ، وَيَقُولُ لَهُ مِثلَ قَولِهِ الأَوَّلِ، حَتَّى استَوجَبَهَا مِنهُ بِسَبعَةِ قَنَاطِيرَ، فَبَنَاهُ سُليمانُ، حتَّى فَرَغَ مِنهُ، وَتَغَلَّقَت أَبوَابُهُ، فَعَالَجَهَا سُلَيمَانُ أَن يَفتَحَهَا، فَلَم تَنفَتِح، حَتَّى قَالَ في دُعَائِهِ: «[اللَّهُمَّ!] (٥) بِصَلَوَاتِ أَبِي دَاوُدَ إِلَّا [تَفَتَّحَت] (٦) الأَبوَابُ»، [فَتَفَتَّحَت] (٦) الأَبوَابُ. ففرَّغَ لَهُ سُلَيمَانُ عَشرَةَ آلَافٍ مُن قُرَّاءِ (٧) بَنِي إِسرَائِيلَ، خَمسَةَ آلَافٍ بِاللَّيلِ، وَخَمسَةَ آلَافٍ بِالنَّهَارِ، لَا تَأتِي سَاعَةٌ مِن

стр. 44

لَيلٍ وَلَا نَهَارٍ، إِلَّا وَاللهُ يُعبَدُ فِيهِ (١). ٦ - وقال الوليدُ (٢): حدَّثَنا [أبُو عُميرٍ] (٣)، ثنا ضَمرَةُ، عن الشَّيبَانِيِّ، قال: أَوحَى اللهُ إلى دَاوُدَ: «إِنَّكَ لَن تُتِمَّ بِنَاءَ بَيتِ المَقدِسِ (٤)»، قَالَ: «أَيْ رَبِّ! وَلِمَ؟»، قَالَ: «لِأَنَّكَ غَمَرتَ يَدَكَ فِي الدَّمِ»، قَالَ: «وَلَم يَكُن ذَلِكَ في طَاعَتِكَ؟!»، قَالَ: «بَلَى! وَإِن كَانَ» (٥). ٧ - قال عُمرُ (٦): وحدَّثَني أبي (٧)، ثنا زكريَّا بنُ يحيَى بنِ يعقُوبَ المَقدِسِيُّ، ثنا أبُو جعفَرٍ أحمدُ بنُ عبدِ الله البَغدَادِيُّ، ثنا عليُّ بنُ عاصمٍ، ثنا الجُرَيرِيُّ، عن عبدِ الله بنِ شَقيقٍ [العُقَيليُّ] (٨)، عن كعبٍ، قال: لمَّا وَلِيَ سُلَيمَانُ أَوحَى اللهُ إِلَيهِ: «أَن ابْنِ بَيتَ المَقدِسِ»، فَبَنَاهُ، فَلَمَّا دَخَلَهُ خَرَّ سَاجِدًا شُكرًا لله ، فَقَالَ: «يَا رَبِّ! مَن دَخَلَهُ مِن خَائِفٍ فَأَمِّنْهُ، أَو مِن دَاعٍ فَاستَجِب لَهُ،

стр. 45

أَو مِن مُستَغفِرٍ فَاغفِر لَهُ»، فَذَبَحَ أَربَعَةَ آلَافِ بَقَرَةً، وَسَبعَةَ آلَافِ شَاةً، وَوَضَعَ (١) طَعَامًا، وَدَعَا بَنِي إِسرَائِيلَ إِلَيهِ (٢). وفي روايةٍ: إِنَّ اللهَ تَعالَى أَوْحَى إِلَى دَاوُدَ: «ابْنِ لِي بَيتًا»، فَبَنَى لِنَفسِهِ بَيتًا قَبلَ ذَلِكَ، ثُمَّ بَنَاهُ فَسَقَطَ. ٨ - قال أبو بكرٍ الخطيبُ المَقدِسِيُّ: وحدَّثَنا عيسى بنُ عُبيدِ الله (٣)، قال: أخبَرَني عليُّ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا مُحمَّدُ بنُ إبراهيمَ بنِ عِيسَى، ثنا مُحمَّدُ بنُ النُّعمان، ثنا سُليمانُ بنُ عبدِ الرَّحمن، ثنا أبُو عبدِ المَلِك الجَزَرِيُّ، قال: لمَّا خَلَا مِن مُلكِ سُلَيمَانَ سَنَتَين بَدَأَ في بِناءِ بَيتِ المَقدِسِ. وَكَانَ عَدَدُ مَن يَعمَلُ في بِنَاءِ بَيتِ المَقدِسِ أَلفُ رَجُلٍ، عَلَيهِم قَطعُ الخَشَبِ في كُلِّ شَهرٍ عَشرَةَ آلَافٍ. وَكَانَ عِدَّةُ الذينَ يَعمَلُونَ في الحِجَارَةِ عَشرَةُ آلَافٍ. وَكَانَ عِدَّةُ الذِينَ يَقُومُونَ عَلَيهِم ثَلَاثُ مِئَةِ أَمِينٍ. وَأَولَجَ فِيهِ تَابُوتَ مُوسَى وَهَارُونَ. وَصَلَّى فِيهِ، وَدَعَا رَبَّهُ، فَقَالَ: «يَا رَبِّ! أَمَرتَنِي بِبِنَاءِ هَذَا البَيتِ الشَّرِيفِ. يَا رَبِّ! فَلْيَكُن يَدَاكَ عَلَيهِ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ. وَكُلُّ مَن جَاءَكَ يَبتَغِي مِنكَ الفَضلَ وَالمَغفِرَةَ [وَالنُّصرَةَ] (٤) وَالتَّوبَةَ وَالرِّزقَ، فَاسَتَجِب لَهُ مِن قَرِيبٍ أَو بَعِيدٍ»، فَاستَجَابَ لَهُ رَبُّهُ ، فَقَالَ: «قَد استُجِيبَ لَكَ دُعَاؤُكَ. ـ قَالَ: ـ

стр. 46

يَا سُلَيمَانُ! قَد غَفَرتُ لِمَن أَتَى هَذَا البَيتَ لَا يَعنِيهِ إِلَّا الصَّلَاةُ فِيهِ» (١). ٩ - قال سُليمانُ بنُ عبدِ الرَّحمن (٢): حدَّثَنا الوليدُ بنُ مُحمَّدٍ، قال: سمعتُ عطاءً الخُرَاسَانِيَّ، يقُولُ: «لمَّا فَرَغَ سُلَيمَانُ بنُ دَاوُدَ مِن بِنَاءِ بَيتِ المَقدِسِ، أَنبَتَ اللهُ لَهُ شَجَرَتَينِ عِندَ بَابِ الرَّحمَةِ، إِحدَاهُمَا تُنبِتُ الذَّهَبَ، والأُخرَى تُنبِتُ الفِضَّةَ، وَكَانَ في كُلِّ يَومٍ يَنزِعُ مِن كُلِّ وَاحِدَةٍ مِئَتَي رَطلٍ ذَهَبًا وَفِضَّةً، فَفَرَشَ المَسجِدَ، بَلَاطَةَ ذَهَبٍ وَبَلَاطَةَ فِضَّةٍ، فَلَمَّا جَاءَ بُخْتَ نَصَّرَ خَرَّبَهُ، وَاحتَمَلَ مِثلَهُ ثَمَانِينَ عَجَلَةً ذَهَبًا وَفِضَّةً (٣)، فَطَرَحَهُ بُرُومِيَّةَ» (٤). قال عُلماءُ السِّير: كان بيتُ المَقدِس قد خُرِّب حتَّى صار كالمزابل، فأَمَرَ اللهُ تعالى سُليمانَ ببنائِهِ، وذلك لأربعِ سِنينَ خَلَت من مُلكِه، فبَنَاهُ في سبعِ سِنِينَ. ومِن هُبُوطِ آدمَ إلى ابتداءِ (٥) سُليمانَ ببناءِ بيتِ المَقدِسِ أربَعَةُ آلافٍ وأَربَعُ مئةٍ وسِتٌّ وسَبُعون. ١٠ - أنبَأَنَا يحيَى بنُ ثابتِ [بنِ بُندارٍ] (٦)، ثنا أبي، ثنا الحَسَنُ بنُ الحُسَين بنِ دُوْمَا،

стр. 47

ثنا مُحمَّدُ بنُ جعفرٍ البَاقِرُ (١)، ثنا الحَسَنُ بنُ عليٍّ القَطَّانُ، ثنا إسماعيلُ بنُ عيسى العَطَّارُ، ثنا أبُو حُذيفةَ إِسحاقُ بنُ بِشرٍ، ثنا أبُو إِلياسَ، عن وهبِ بنِ مُنَبِّهٍ، عن كعبٍ، قال: «إِنَّ اللهَ أَوحَى إِلَى سُلَيمَانَ: «أَنْ ابْنِ بَيتَ المَقدِسِ»، فَجَمَعَ حُكَمَاءَ الإِنسِ، وَعَفَارِيتَ الجِنِّ، وَعُظَمَاءَ الشَّيَاطِينِ، ثُمَّ فَرَّقَ الشَّيَاطِينَ، فَجَعَلَ مِنهُم فَرِيقًا يَبنُونَ، وَفَرِيقًا يَقطَعُونَ الصَّخرَ، وَفَرِيقًا يَقطَعُونَ البِنَاءَ وَالعُمُدَ مِن مَعَادِنِ الرُّخَامِ، وَفَرِيقًا يَغُوصُونَ في البَحرِ فَيُخرِجُونَ مِنهُ الدُّرَّ وَالمَرجَانَ، الدُرَّةُ مِثلُ بَيضَةِ النَّعَامِ وَبَيضَةِ الدَّجَاجِ، وَأَخَذَ في بِنَاءِ المَسجِدِ، فَلَم يَثبُت البِنَاءُ، وَكَانَ عَلَيهِ [حِينَ] (٢) بَنَاهُ دَاوُدُ، فَأَمَرَ بِهَدمِهِ، ثُمَّ حَفَرَ الأَرضَ حَتَّى بَلَغَ المَاءَ، فَقَالَ: «أَسِّسُوا عَلَى المَاءِ»، فَأَلقَوْا فِيهِ الحِجَارَةَ، وَكَانَ المَاءُ يَلفِظُ الحِجَارَةَ، فَاستَشَارَ في ذَلِكَ، فَأَشَارُوا عَلَيهِ أَن يَتَّخِذَ قِلَالًا مِن نُحَاسٍ، ثُمَّ يَملَؤُهَا حِجَارَةً، ثُمَّ يَكتُبُ عَلَيهَا مَا عَلَى خَاتَمِهِ مِن ذِكرِ التَّوحِيدِ، ثُمَّ يُلقِيهَا في المَاءِ فَيَكُونُ أَسَاسُ البِنَاءِ عَلَيهَا، فَفَعَلَ، فَثَبَتَ، وَبَنَى وَعَمَلَ (٣) بَيتَ المَقدِسِ عَمَلًا لا يُوصَفُ، وَزَيَّنَهُ بِالذَّهَبِ وَالفِضَّةِ وَالدُّرِّ وَاليَاقُوتِ وَأَلوَانِ الجَوَاهِرِ في سَمَائِهِ وَأَرضِهِ وَأَبوَابِهِ وَجُدُرِهِ، ثُمَّ جَمَعَ النَّاسَ وَأَخبَرَهُم أَنَّهُ مَسجِدٌ لله تَعَالَى، وَأَنَّهُ هُو الذِي أَمَرَ بِبُنيَانِهِ، وَأَنَّ كُلَّ شَيءٍ فِيهِ لله تَعالَى (٤)، وَأَنَّ مَن انتَقَصَهُ شَيئًا فَقَد خَانَ اللهَ (٥)، وَأَنَّهُ كَانَ قَد

стр. 48

عَهِدَ إِلَى دَاوُدَ في ذَلِكَ. ثُمَّ أَوصَى سُليمانُ بِذَلِكَ مِن بَعدِهِ، ثُمَّ اتَّخَذَ طَعَامًا، وَجَمَعَ النَّاسَ» (١). ١١ - ثنا المُبارَكُ بنُ أحمدَ، [قال: أنا مُحمَّدُ بنُ مُحمَّد بنِ الفرَّاءِ، قال: أنبَأَنَا أبُو مُحمَّد عبدُ العزيزِ بنُ أحمدَ، قال:] (٢) ثنا أبُو بكرٍ مُحمَّدُ بنُ أحمد الخطيبُ، ثنا عُمرُ بنُ الفضل، ثنا أبي، ثنا الوليدُ، [حدَّثَني أحمدُ بنُ زيدٍ الخَزَّازُ، نا رَوَّادٌ، نا صَدَقَةُ] (٣) بنُ يزيدَ، عن سعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ، عن عطيَّةَ بنِ قَيسٍ، عن عبدِ الله بنِ عَمرِو بنِ العَاصِ، [في قولِهِ تعالَى] (٤): ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد: ١٣]، قال: «هو سُورُ بيتِ المَقدِس الشَّرقِيُّ» (٥). [والله أعلمُ] (٦). * * *

стр. 49

البابُ الرَّابع في ذِكر العجائبِ التي كانت فيه ١٢ - ثنا المُبارَكُ بنُ أحمدَ، ثنا أبُو الحُسَين ابنُ الفَرَّاءِ، حدَّثَنا عبدُ العزيزِ بنُ أحمدَ، ثنا [أبُو بكرٍ مُحمَّدُ بنُ أحمدَ الخطيبُ] (١)، ثنا عُمرُ ابنُ الفَضلِ، ثنا أبي، [نا الوليدُ] (٢)، ثنا مُحمَّدُ بنُ العبَّاس، ثنا عمرَانُ بنُ مُوسَى، ثنا [البسَّامُ] (٣) بنُ داوُدَ، [حدَّثَنا أحمدُ بنُ نباتَةَ] (٤)، عن سَلَمَةَ ابنِ أبي سَلَمَةَ الأَبرَشِ، عن مُحمَّدِ [بنِ إسحاقَ] (٥)، عن أبي مالكٍ [ابنِ ثَعلَبَةَ بنِ أبي مالكٍ] (٥) القُرَظِيِّ، قال: سمعتُ إبراهيمَ بنَ طَلحةَ ابنِ عُبيدِ الله يُحَدِّثُ عن أبيه، عن جَدِّهِ يَرفَعُهُ، قال: «إِنَّ ذَا القَرنَينِ كَانَ مِن حِمَيرٍ (٦)، وَأَنَّهُ قَصَدَ بَيتَ المَقدِسِ، وَقَد خَضَعَت لَهُ المُلُوكُ، فَرَأَى في بَيتِ المَقدِسِ العَجَائِبَ التي صَنَعَها الضَّحَّاكُ بنُ قَيسٍ في الزَّمَانِ الأَوَّل. أَحَدُ تِلكَ العَجَائِبِ: أَنَّهُ صَنَعَ نَارًا عَظِيمَةَ اللَّهَبِ، فَمَن لم يُطِع (٧) تِلكَ اللَّيلَةَ أَحرَقَتهُ تِلكَ النَّارُ.

стр. 50

الثَّانِيَةُ: مَن رَمَى بَيتَ المَقدِسِ بِنُشَّابَةٍ رَجَعَت النُّشَّابَةُ عَلَيهِ. الثَّالِثَةُ: وَضَعَ كَلبًا مِن خَشَبٍ عَلَى بَابِ بَيتِ المَقدِسِ، فَمَن كَانَ عِندَهُ شَيءٌ مِنَ السِّحرِ [إِذَا مَرَّ بِذَلِكَ الكَلبِ نَبَحَ عَلَيهِ، فَإِذَا نَبَحَ عَلَيهِ نَسِيَ مَا عِندَهُ مِنَ السِّحرِ] (١). وَالرَّابِعَةُ: وَضَعَ بَابًا، مَن دَخَلَهُ إِذَا كَانَ ظَالِمًا ضَغَطَهُ ذَلِكَ البَابُ حَتَّى يَعتَرِفَ بِظُلمِهِ. وَالخَامِسَةُ: وَضَعَ عَصًا في مِحرَابِ بَيتِ المَقدِسِ، فَلَم يَقدِر أَحَدٌ يَمَسُّ تِلكَ العَصَا إِلَّا مَن كَانَ مِن وَلَدِ الأَنبِيَاءِ، وَمَن كَانَ سِوَى ذَلِكَ احتَرَقَت يَدُهُ. وَالسَّادِسَةُ: أَنَّهُم كَانُوا يَحبِسُونَ أَولَادَ المُلُوكِ عِندَهُم في مِحرَابِ بَيتِ المَقدِسِ، فَمَن كَانَ مِن أَهلِ المَملَكَةِ إِذَا أَصبَحَ أَصَابُوا يَدَهُ مَطلِيَّةً بِالدُّهنِ. وَجَعَلَ سُلَيمَانُ بنُ دَاوُدَ سِلسِلَةً مُعلَّقَةً مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرضِ لِيُبَيِّنَ المُحِقَّ مِنَ المُبطِلِ، فَالمُحِقُّ يَنَالُهَا، وَالمُبطِلُ لا يَنَالُهَا. وَأَنَّ يَهُودِيًّا استُودِعَ مِئَةَ دِينَارٍ، فَجَحَدَهَا، فَجَاؤُوا إلى السِّلسِلَةِ، وَقَد سَبَكَ اليَهُودِيُّ [الدَّنانيرَ] (٢) فَجَعَلَهَا في عَصًا، وَنَاوَلَهَا صَاحِبَ المَالِ، وَحَلَفَ: لَقَد أَعطَيتُهُ دَنَانِيرَهُ. وَحَلَفَ الآخَرُ أَنَّهُ لم يَأخُذ، فَارتَفَعَت السِّلسِلَةُ مِن ذَلِكَ اليَومِ.

стр. 51

وَجَعَلَ سُلَيمَانُ تَحتَ الأَرضِ مَجلِسًا، وَبِرْكَةً فِيهَا مَاءٌ، فَمَن وَقَعَ في المَاءِ وَكَان مُبطِلًا غَرَقَ» (١). [واللهُ أعلمُ] (٢). * * *

стр. 52

البابُ الخَامسُ في ذِكر فَضل بيتِ المَقدِس قال اللهُ : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، يعني: مسجِدَ مكَّةَ. ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾، وهو: بيتُ المَقدِس. وقيل له الأقصَى (١): لبُعد المَسافَة بين المَسجِدين. ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١]، أي: بابٌ أُجرِي حولَهُ الأنهارَ، وأُنبِتُ الثِّمارَ. وقيل: لأنَّهُ مقرُّ الأنبياءِ، ومَهبَطُ الملائِكَةِ (٢). ١٣ - ثنا أبُو المعمَّرِ، ثنا أبُو الحُسَين [ابنُ الفَرَّاء] (٣)، ثنا عبدُ العزيز [ابنُ أحمدَ النَّصِيبِيُّ] (٣)، ثنا أبُو بكرٍ مُحمَّدُ بنُ أحمدَ الخطيبُ، [قال: حدَّثَنا عُمرُ، قال: حدَّثَنا أبي، قال: حدَّثَنا الوليدُ] (٣)، حدَّثَنا إِبراهِيمُ ابنُ مُحمَّدٍ، ثنا [رَوَّادٌ] (٤)، عن سَعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ، عن عُروَة بنِ رُوَيمٍ، عن عبدِ الله بنِ مالكٍ الخَثعَمِيِّ، عن كعبٍ قال: «إِنَّ اللهَ يَنظُرُ إِلَى بَيتِ المَقدِسِ [كُلَّ يَومٍ] (٣) مَرَّتَينِ» (٥). * * *

стр. 53

البابُ السَّادسُ في فَضل زيارتِه (١) ١٤ - ثنا أبُو المعمَّر، ثنا أبُو الحُسَين [ابنُ الفَرَّاء] (٢)، ثنا عبدُ العزيزِ ابنُ أحمدَ، ثنا أبُو بكرٍ مُحمَّدُ بنُ أحمدَ الخطيبُ، ثنا عُمرُ بنُ الفضلِ، ثنا أبي، ثنا الوليدُ، ثنا عبدُ الله بنُ إبراهيمَ، عن حفصِ [بنِ عُمرَ] (٣)، عن [عبدِ الله بنِ بُرَيدَة] (٤)، عن مكحُولٍ (٥)، قال: «مَن زَارَ بَيتَ المَقدِسِ شَوقًا إِلَيهِ دَخَلَ الجَنَّةَ، وَزَارَهُ جَمِيعُ الأَنبِيَاءِ [في الجَنَّةِ] (٦)، وَغَبَطُوهُ بِمَنزِلَتِهِ مِنَ الله . وَأَيُّمَا رُفقَةٍ خَرَجُوا يُرِيدُونَ بَيتَ المَقدِسِ شَيَّعَهُم عَشرَةُ آلَافٍ مِنَ المَلَائِكَةِ، يَستَغفِرُونَ لَهُم وَيُصَلُّونَ عَلَيهِم، وَلَهُم مِثلُ أَعمَالِهِم إِذَا انتَهَوا إِلَى بَيتِ المَقدِسِ، وَلَهُم بِكُلِّ يَومٍ يُقِيمُونَ فِيهِ صَلاةَ سَبعِينَ مَلَكًا. وَمَن دَخَلَ بَيتَ المَقدِسِ طَاهِرًا مِنَ الكَبَائِرِ يَلقَاهُ (٧) اللهُ بِمِئَةِ رَحمَةٍ، مَا مِنهَا رَحمَةٌ إِلَّا وَلَو قُسِمَت عَلَى جَمِيعِ الخَلَائِقِ لَوَسِعَتهُم. وَمَن صَلَّى في بَيتِ

стр. 54

المَقدِسِ رَكعَتَينِ، يَقرَأُ فِيهِمَا: بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ (١) و: قُل هُوَ اللهُ أَحَدٌ، خَرَجَ مِن ذُنُوبِهِ كَيَومِ وَلَدَتهُ أُمُّهُ، وَكَانَ لَهُ بِكُلِّ شَعرَةٍ عَلَى جَسَدِهِ حَسَنَةٌ. وَمَن صَلَّى في بَيتِ المَقدِسِ أَربَعَ رَكعَاتٍ مَرَّ عَلَى الصِّرَاطِ كَالبُرَاقِ، وَأُعطِيَ أَمَانًا مِنَ الفَزَعِ الأَكبَرِ يَومَ القِيَامَةِ. وَمَن صَلَّى في بَيتِ المَقدِسِ سِتَّ رَكعَاتٍ أُعطِيَ مِئَةَ دَعوَةٍ مُجَابَةٍ (٢)، أَدنَاهَا بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ، وَوَجَبَت لَهُ الجَنَّةُ. وَمَن صَلَّى في بَيتِ المَقدِسِ ثَمَانِ رَكعَاتٍ كَانَ رَفِيقَ إِبرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحمَنِ. وَمَن صَلَّى في بَيتِ المَقدِسِ عَشرَ رَكعَاتٍ كَانَ رَفِيقَ دَاوُدَ وَسُلَيمَانَ في الجَنَّةِ. وَمَن استَغفَرَ لِلمُؤمِنِينَ وَالمُؤمِنَاتِ في بَيتِ المَقدِسِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كَانَ لَهُ مِثلُ حَسَنَاتِهِم، وَدَخَلَ عَلَى كُلِّ مُؤمِنٍ وَمُؤمِنَةٍ مِن دُعَائِهِ سَبعُونَ مَغفِرَةً، وَغُفِرَ لَهُ ذُنُوبُهُ كُلُّهُا (٣)» (٤). ١٥ - قال الوليدُ (٥): ثنا إبراهيمُ بنُ مُحمَّدٍ، ثنا ضَمرَةُ، عن الشَّيبَانِيِّ: أَنَّ سُلَيمانَ بنَ دَاوُدَ لمَّا ردَّ اللهُ مُلكَهُ مشَى على رِجلَيهِ من عَسقلانَ إلى بَيتِ المَقدِس في خَرقٍ عليه تواضُعًا لله (٦).

стр. 55

وكذلك رُوِّينا أنَّ النَّجاشِيَّ لمَّا غَلَب قيصرَ مشَى إلى بيتِ المَقدِس على قَدَمَيه شُكرًا لله (١). * * *

стр. 56

البابُ السَّابع في فضل الصَّلاةِ فيه ١٦ - ثنا أبو المعمَّرِ المُبارَكُ بنُ أحمدَ الأَنصَارِيُّ، ثنا أبُو الحُسَين مُحمَّدُ ابنُ مُحمَّد بنِ الفرَّاءِ، ثنا عبدُ العزيزِ بنُ أحمدَ بنِ عُمَر، ثنا أبُو بكرٍ مُحمَّدُ ابنُ الخطيبِ، ثنا عيسَى بنُ عبدِ العزيزِ الوَرَّاقُ، أخبَرَني [أبُو الحَسَن] (١) عليُّ بنُ جعفرٍ الرَّازِيُّ، [قال: حدَّثَني إبراهيمُ بنُ مُحمَّد بنِ عبدِ الصَّمَد المَقدِسِيُّ المُقرِئُ، قال: حدَّثَني الحَسَنُ بنُ الحُسَين العلَّافُ، قال: حدَّثَنا عليُّ بنُ داوُدَ، قال: ثنا شَيبانُ] (٢)، عن قتادةَ، عن أنَسٍ، قال: قال رسُولُ الله ﵇: «مَن صَلَّى بِبَيتِ المَقدِسِ خمسَ صَلَواتٍ نافِلَةٍ، كُلَّ صلاةٍ أَربعَ ركعاتٍ، يَقرَأُ في الخمسِ صلَواتٍ عَشرَةَ آلافِ مرَّةً: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٣)، فَقَد اشتَرَى نَفسَهُ مِن اللهِ ، ليس للنَّارِ عليه سُلطانٌ» (٤). ١٧ - حدَّثَنا (٥) أبُو العبَّاس أحمدُ بنُ عُمَر بنُ [مُوَيْسٍ] (٦)، ثنا أبُو مُحمَّدٍ عبدُ الله بنُ مُحمَّد بن [سَلمٍ] (٧) المَقدِسِيُّ، ثنا هشامُ بنُ عمَّارٍ الدِّمَشقِيُّ، ثنا أبُو الخطَّابِ، [نا

стр. 57

رُزَيقٌ أبُو عبدِ الله الأَلهَانِيُّ] (١)، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: قال رسُولُ الله ﵇: «صَلَاةُ الرَّجُلِ في بَيتِهِ بِصَلَاةٍ وَاحِدَةٍ. وَصَلَاتُهُ في مَسجِدِ القَبَائِلِ بِسِتٍّ وَعِشرِينَ. وَصَلَاتُهُ في المَسجِدِ يُجَمَّعُ فيه بِخَمسِ مِئَةِ صَلَاةٍ (٢). وَصَلَاتُهُ في المَسجِدِ الأَقصَى بِخَمسِينَ أَلفِ صَلَاةً. [وَصَلَاتُهُ في مَسجِدِي بِخَمسِينَ أَلفِ صَلَاةٍ] (٣). وَصَلَاتُهُ في المَسجِدِ الحَرَامِ بِمِئَةِ أَلفِ صَلَاةٍ» (٤). ١٨ - قال أبُو بكرٍ الخطيبُ (٥): ثنا عُمرُ بنُ الفضل، ثنا أبي، ثنا الوليدُ، ثنا إبراهيمُ بنُ مُحمَّدٍ، ثنا مُحمَّدُ بنُ عبد الرَّحمن، [ثنا ثَورُ بنُ يزيدَ] (٦)، عن مكحُولٍ، أنَّ مَيمُونَة سَأَلَت رسُولَ الله ﵇ عن بَيتِ المَقدِس، قال: «نِعمَ المَسكَنُ بَيتُ المَقدِسِ. وَمَن صَلَّى فِيهِ صَلَاةً بِأَلفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ»، قالت: «فمَن [لم] (٧) يُطِق ذلكَ؟»؛ قال: «فَليُهدِ لَهُ زَيتًا» (٧).

стр. 58

١٩ - ثنا ابنُ ناصرٍ (١)، ثنا عبدُ الرَّحمن بن أبي [عبدِ الله بنِ مندَه] (٢)، ثنا أبي، ثنا أحمدُ بنُ مُحمَّد بنِ إبراهيمَ، ثنا مُحمَّدُ بنُ النُّعمانِ بنِ بَشيرٍ، ثنا سُليمانُ، ثنا [أبُو] (٢) عبدِ المَلِك، عن غالبٍ، عن مكحُولٍ، عن النَّبيِّ ﵇، قال: «لا يَسمَعُ أَهلُ السَّماءِ مِن كَلَامِ بَنِي آدَمَ شَيئًا، غَيرَ أَذَانِ مُؤَذِّنِ بَيتِ المَقدِسِ» (٣). * * *

стр. 59

البابُ الثَّامنُ في ذِكر مُضاعَفة الحسَنات والسَّيِّئات فيه ٢٠ - [أنبَأَنا] (١) المُبارَكُ بنُ أحمدَ الأَنصَارِيُّ، ثنا مُحمَّدُ بنُ مُحمَّد [بن] (١) الحُسَين القَاضِي، ثنا عبدُ العزيزِ بنُ أحمدَ بنِ عُمَر، ثنا مُحمَّدُ بنُ أحمدَ (٢) أبُو بكرٍ الخطيبُ، ثنا عُمرُ بنُ الفَضلِ، ثنا أبُو الحُسَين يعقُوبُ [بنُ إسحاقَ] (٣) العَسقلانِيُّ، [قال: ثنا أبُو عُميرٍ النَّحَّاسُ، قال: ثنا ضَمرَةُ، عن اللَّيث بنِ سعدٍ] (٤)، عن نافعٍ، قال: قال ابنُ عُمَر ونحنُ في بيتِ المَقدِس: «يَا نَافِعُ! اخرُج بِنَا مِن هَذَا البَيتِ؛ فَإِنَّ السَّيِّئَاتِ تُضَاعَفُ فِيهِ كَمَا تُضَاعَفُ الحَسَنَاتُ» (٥). ٢١ - قال عُمرُ بنُ الفضل (٦): وحدَّثَني أبي، ثنا الوليدُ، ثنا إبراهيمُ، [قال: حدَّثَنا كَثيرُ بنُ الوليد، قال: حدَّثَنا أبُو هاشمٍ] (٤) إسماعيلُ بنُ عيَّاشٍ، قال:

стр. 60

سمعتُ حَرِيزَ بنَ عُثمانَ، وصَفوانَ بنَ [عَمرٍو] (١)، يقُولان: «الحَسَنَةُ في بَيتِ المَقدِسِ [بِأَلفٍ] (٢)، والسَّيِّئَةُ بِأَلفٍ» (٣). * * *

стр. 61

البابُ التَّاسِعُ في فَضلِ السُّكنَى فيه ٢٢ - ثنا أبو المعمَّرِ، ثنا أبُو الحُسَين ابنُ الفَرَّاء، ثنا عبدُ العزيز بنُ أحمدَ بنِ عُمرَ، ثنا [أبُو بكرٍ مُحمَّدُ بنُ أحمدَ بنِ مُحمَّدٍ الخطيبُ المَقدِسِيُّ] (١)، ثنا أبُو العبَّاس [أحمدُ بنُ عُمَر] (٢)، ثنا عبدُ الله بنُ مُحمَّد بنِ [سلمٍ] (٣)، ثنا هشامُ [بنُ عمَّارٍ، قال: حدَّثَنا مُحمَّدُ بنُ شُعيبٍ، عن عُثمانَ بنِ عطاءٍ، عن أبيه] (٤)، عن زيادِ بنِ أبي سَودَةَ، عن أبي عِمرَانَ، عن ذِي الأَصابِع، أنَّهُ قال: «[أَرَأَيتَ] (٥) يَا رَسُولَ اللهِ إِن ابتُلِينَا بِالبَقَاءِ بَعدَكَ، فَأَينَ تَأمُرُنَا (٦)؟»، قال: «عَلَيكَ بِبَيتِ المَقدِسِ، لَعَلَّ اللهَ يَرزُقُكَ ذُرِّيَّةً تَغدُو إِلَيهِ [وَتَرُوحُ] (٧)» (٨). ٢٣ - قال الخطيبُ المَقدِسِيُّ (٩): وحدَّثَنا نَسِيمُ بنُ عبدِ الله المُقتَدِرِيُّ، ثنا عبدُ العزيزِ

стр. 62

بنُ جعفرٍ الخُوَارَزْمِيُّ، ثنا أحمدُ بنُ الفَرَج أبو عُتبة، [قال: حدَّثَنا ضَمرَةُ بنُ ربِيعَةَ، قال: حدَّثَني الشَّيبَانِيُّ، عن عَمرِو بنِ عبدِ الله الحَضرَمِيِّ] (١)، عن أبي أُمامَةَ، أنَّ رسُولَ الله ﵇ قال: «لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِن أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الحَقِّ، لِعَدُوِّهِم قَاهِرِينَ، لا يَضُرُّهُم مَن خَالَفَهُم، حَتَّى يَأتِيَهُم أَمرُ الله وَهُم كَذَلِكَ»، قالُوا: «يَا رَسُولَ الله! وَأَينَ هُم؟»، قال: «بِبَيتِ المَقدِسِ [وَأَكنَافِ بَيتِ المَقدِسِ] (٢)» (٣). ٢٤ - قال الخطيبُ (٤): وحدَّثَنا عُمرُ بنُ الفضل بنِ المُهاجِر، ثنا أبي، ثنا الوليدُ، ثنا إبراهيمُ بنُ مُحمَّدٍ، ثنا مُحمَّدُ بنُ عبدِ الرَّحمن، عن [ابنِ جُريجٍ] (٥)، عن عطاءٍ، قال: «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَسُوقَ اللهُ خِيَارَ عِبَادِهِ إِلَى بَيتِ المَقدِسِ، وَإِلَى الأَرضِ المُقَدَّسَةِ فَيُسكِنُهُم إِيَّاهَا» (٦). ٢٥ - قال الوليدُ (٧): وحدَّثَنا مُحمَّدُ بنُ النُّعمان، ثنا سُليمانُ بنُ عبد الرَّحمنِ، ثنا أبُو عبدِ المَلِكِ الجَزَرِيُّ، عن غالبِ بنِ عُبيدِ الله، عن مكحُولٍ، عن كعبٍ، قال: قال اللهُ لبَيتِ المَقدِسِ: «أَنتِ جَنَّتِي،

стр. 63

وَقُدسِي، وَصَفوَتِي مِن بِلَادِي. مَن سَكَنَكِ فَبِرَحمَةٍ مِنِّي، وَمَن خَرَجَ [مِنكِ] (١) فَبِسَخَطٍ مِنِّي عَلَيهِ» (٢). ٢٦ - قال (٣): وحدَّثَنا الجَزَرِيُّ (٤)، عن مُقاتِلِ [بنِ سُليمانَ] (٥)، عن وَهبِ بنِ مُنَبِّهٍ، قال: «أَهلُ بَيتِ المَقدِسِ جِيرَانُ الله ، وَحَقٌّ عَلَى الله أَن لا يُعَذِّبَ جِيرَانَهُ» (٦). * * *

стр. 64

البابُ العاشرُ في أنَّه أحدُ المساجد التي تُشدُّ الرِّحال إليها ٢٧ - أخبَرَنا هبةُ الله بنُ مُحمَّد بنِ الحصينِ (١)، ثنا أبُو عليٍّ الحَسَنُ بنُ عليٍّ [بنُ المُذْهِبِ] (٢)، أخبَرَنا أحمدُ بنُ جعفرِ بنِ حمدانَ (٣)، ثنا عبدُ الله ابنُ أحمدَ بنِ حنبَلٍ، حدَّثَني أبي (٤)، حدَّثَنا يحيى، عن مُجالِدٍ (٥)، حدَّثَني أبُو الوَدَّاكِ، عن أبي سعيدٍ الخُدرِيِّ، عن النَّبيِّ ﵇، أنَّهُ قال: «لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: المَسجِدِ الحَرَامِ، وَمَسجِدِي، وَمَسجِدِ بَيتِ المَقدِسِ» (٦). * * *

стр. 65

البابُ الحادي عَشَر فِي ذِكرِ ما هُناك من قُبور الأنبياء (١)، ومِحراب دَاوُد، وعَين سُلْوان في الصَّحيحِ (٢) أنَّه لمَّا احتُضِر مُوسَى ﵈، قال: «يا رَبِّ! أَدنِنِي من الأَرضِ المُقدَّسَة رميةَ حَجَرٍ». وفي الأَرضِ المُقدَّسَة: إبراهيمُ، وإسحاقُ، ويعقُوبُ، ويُوسُفُ ﵈، [وغيرُهُم] (٣). ٢٨ - أنبَأَنَا المُبارَكُ بنُ أحمدَ الأَنصارِيُّ، ثنا أبُو الحُسَين ابنُ الفَرَّاءِ، ثنا [أبُو مُحمَّدٍ عبدُ العزيز] (٤) بنُ عُمَرَ النَّصِيبِيُّ، ثنا أبُو بكرٍ مُحمَّدُ بنُ أحمدَ الخطيبُ، ثنا أبُو حَفصٍ عُمرُ بنُ الفَضلِ بنِ مُهاجِرٍ، [قال: ثنا أبي، قال: حدَّثَنا الوليدُ بنُ حمَّادٍ، قال: حدَّثَنا هارُونُ بنُ سعيدٍ، قال:] (٥) ثنا بِشرُ [بنُ بكرٍ] (٥)، عن أُمِّ عبدِ الله (٦)،

стр. 66

عن أبيها، أنَّهُ قال: «مَن أَتَى بَيتَ المَقدِسِ فَلْيَأتِ مِحرَابَ دَاوُدَ فَلْيُصَلِّ فِيهِ، وَلْيَسبَح في عَينِ سُلوَانَ؛ فَإِنَّهَا مِنَ الجَنَّةِ» (١). ٢٩ - قال أبُو بكرٍ الخطيبُ: وحدَّثَنا عِيسَى بنُ عُبيدِ الله الوَرَّاقُ، أخبَرَني عليُّ بنُ جَعفرٍ الرَّازِيُّ، ثنا عبدُ الله بنُ مُحمَّد بن سلمٍ (٢)، ثنا عبدُ الرَّحمن بنُ إبراهيمَ، ثنا أبُو حفصٍ، عن سعيدِ بنِ عبدِ العزِيزِ، قال: «كَانَ في زَمَانِ بَنِي إِسرَائِيلَ في بَيتِ المَقدِسِ عِندَ عَينِ سُلْوَانَ عَينٌ، فَكَانَت المَرأَةُ إِذَا قَارَفَت (٣)، أَتَوْا بِهَا فَشَرِبَت مِنهَا، فَإِن كَانَت بَرِيئَةً، لَم يَضُرَّ بِهَا (٤)، وَإِن كَانَت نُطفةً، مَاتَت، فَلَمَّا حَمَلَت مَريَمُ (٥)، حَمَلُوهَا فَشَرِبَت مِنهَا، فَلَم تَزدَد إِلَّا خَيرًا، فَدَعَت اللهَ أَن لَا يَفضَحَ بِهَا امرَأَةً مُؤمِنَةً، فَغَارَت العَينُ» (٦). * * *

стр. 67

البابُ الثَّاني عَشر في ذِكر ما جَرَى على بَيت المَقدِس من النَّهبِ والخَرابِ قال اللهُ : ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾، أي: في التَّورَاة [أخبَرنَاهُم بذلك] (١)، ﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ [الإسراء: ٤]، أي: في أرضِ مِصرَ بالمَعاصِي، ومُخالَفة التَّوراةِ، وقَتلِ الأَنبِيَاء. وفي المَقتُولِ من الأَنبِياء في الفَسادِ الأَوَّلِ قولان: أحدُهُما: [زكريَّا] (٢). قالَهُ السُّدِّيُّ، عن أشياخِهِ (٣). الثَّاني: شَعْيَا (٤). فأمَّا المقتُولُ في الفَسَاد الثَّانِي، فهو: يحيَى بنُ زكريَّا (٥). قال مُقاتِلٌ: «كان بَينَ الفَسَادَينِ مِئَتَا سَنةٍ وَعَشرُ سنينَ».

стр. 68

فأمَّا سببُ قَتلِهِم زكريَّا (١): فإنَّهُم اتَّهَمُوه بمريمَ، قالوا: «منهُ حَمَلَت»، فهَرَبَ منهم، فانفَتَحَت لَهُ شَجرةٌ فدَخَلَ فيها، وبَقِىَ من ردائِهِ هدبٌ، فجاءَهُم الشَّيطانُ فدلَّهم عليه، فقَطَعُوا الشَّجَرة بالمِنشارِ وهو فيها. وأمَّا السَّبَبُ في قَتلِهم شَعْيَا (٢): وهُو أنَّهُ أُرسِل إليهم، فنَهَاهُم عن المَعاصِي. قال ابنُ إسحاقَ: «وشَعْيَا هو الذي قال لإِيلِيَاءَ ـ وهي قَريةُ بيتِ المَقدِسِ، واسمُها: أُوْرِيْ شَلِم ـ: أَبشِرِي أُوْرِيْ شَلِم! [أَبشِرِي أُوْرِيْ شَلِم! أَبشِرِي أُوْرِيْ] (٣) شَلِم! يأتِيكِ [الآن] (٤) راكبُ الحمارِ ـ يعني: عيسى ـ، ويأتيكِ بعدَهُ راكبُ البعيرِ (٥) ـ يعني: مُحمَّدًا ﵇ ـ» (٦).

стр. 69

وأقبَلَ (١) سَنْحَارِيْبُ ملكُ بابلَ، معه سِتُّ مِئةِ ألفِ رَايةً، حتَّى نزل حولَ بيتِ المَقدِس. فقال شَعْيَا لسَنْحَارِيْبَ: «إنَّ اللهَ تعالَى قد أَوْحَى إليَّ أن آمُرَك أن تُوصِي وتَستَخلِفَ»، فأقبَلَ على القِبلَةِ، فصلَّى وتضرَّع، وقال: «[يا ربَّ شَعْيَا!] (٢) زِد في عُمرِي»، فأوحَى اللهُ إلى شَعْيَا أنَّ ربَّك قد رَحِمَهُ، وقد أخَّرَ أَجَلَهُ خمسَ عشرة سنةً، وأَنجَاهُ من عدُوِّهِ، فأصبَحَ جميعُ الأعداء مَوتَى، إلَّا خمسةً من كُتَّابه (٣) وسَنْحَارِيْبَ، في أَحدِهِم بُخت نَصَّرُ، فتَرَكُوا في أعناقهم الجَوَامِعَ، وطَافُوا بهم سَبعِينَ يومًا حولَ بيت المَقدِسِ. ثمَّ آلَ الأَمرُ إلى أن قُتِل شَعْيَا. ثمَّ صار مُلكُ بيتِ المَقدِسِ والشَّام لأشناسبَ بنِ لهواسبَ (٤)، وعامِلُهُ على ذلك كُلِّهِ: بُخت نصَّرُ (٥). وأمَّا السَّبَبُ في قتلِهِم يحيى بن زكريَّا ﵈، فإنَّ مَلِكَهم أراد

стр. 70

نِكاحَ امرأةٍ لا تحلُّ له، وهَوِيَها، فنهاهُ يحيَى [عن ذلك] (١). وقال السُّدِّيُّ عن أشياخِهِ (٢): كانت بنتَ امرأتِهِ، فحَقَدَت أمُّهَا على يحيَى، فقالت لابنتها: «تزَيَّني له، فإن أرادَكِ فقُولي له: لا، إلَّا برأس يحيَى»، ففَعَلَت، فأَمَرَ به، فجِيءَ برأسِهِ، والرَّأسُ يتكلَّم، ويقُولُ: «إنَّها لا تحلُّ لك»، وما زال دمُ يحيَى يغلِي، حتَّى قُتِل عليه من بني إسرائيلَ سبعُون ألفًا، فسكن (٣). وقال ابنُ إسحاقَ (٤): لمَّا رَجَعَ بنُو إسرائيلَ مِن بابلَ إلى بيتِ المَقدِسِ، ما زالوا يُحْدِثُون الأحداثَ ويُكَذِّبُون الأنبياءَ، إلى أن بَعَثَ اللهُ زكريَّا ويحيَى وعيسَى ﵈. فبَعَثَ اللهُ عليهم بعد عيسَى مَلِكًا من مُلوكِ بابلَ، يُقال له [خُردُوس] (٥)، فدَخَلَ بيتَ المَقدِس، فوَجَدَ دمًا يغلِي، قالوا: «دمُ

стр. 71

قُربانٍ»، قال: «ويلكم! اُصدُقُوني!»، قالُوا: «دمُ نبيٍّ مِنَّا، قتلناه»، قال: «فلهذا انتَقَمَ ربُّكُم منكم» (١). قال اللهُ : ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا﴾، أي: عُقُوبَةُ أُولَى المَرَّتَين. ﴿بَعَثْنَا﴾، أي: أرسَلْنَا. ﴿عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا﴾، وفيهم خَمسةُ أقوالٍ: [أحدِها] (٢): جالُوتُ وجُنُودُهُ. ٣٠ - أخبَرَنا عبدُ الوَهَّاب بنُ المُبارَك الحافظُ، ثنا أبُو الفَضلِ بنُ خَيرُونَ، ثنا أبُو عليٍّ ابنُ شَاذَانَ، ثنا أحمدُ بنُ كاملٍ، حدَّثَني مُحمَّدُ بنُ سعدٍ، حدَّثَني أبي، عن عَمِّي، عن أبيه، عن جَدِّهِ، عن ابن عبَّاسٍ [في قولِهِ ] (٣): ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا﴾: «جَالُوتَ. فَجَاسُوا خِلَالَ دِيارِهِم، وَضَرَبُوا عَلَيهِم الخَرَاجَ وَالذُّلَّ. فَسَأَلُوا اللهَ أَنْ يَبعَثَ لَهُم مَلِكًا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ الله، فبَعَثَ اللهُ طَالُوتَ (٤). فَلَمَّا

стр. 72

أَفسَدُوا، بَعَثَ اللهُ عَلَيهِم في المَرَّةِ الأُخرَى بُختَ نَصَّرَ». والثَّاني: أنَّ الذي بُعِث في المرَّة الأُوْلَى بُختَ نَصَّرَ. قاله سعيدُ بنُ المُسيَّب (١). واختارَهُ الفَرَّاءُ والزَّجَّاجُ. والثَّالثُ: العمالقة [ـ وكانُوا كُفَّارًا ـ] (٢). قال به الحَسَنُ (٣). والرَّابعُ: سَنْحَارِيْبُ. قاله سعيدُ بنُ جُبيرٍ (٤). والخامسُ: قومٌ من أهل فارِسَ. قاله مُجاهِدٌ (٥). قال ابنُ زيدٍ (٦): «سَلَّط عليهم سَابُورَ ذَا الأكتاف من مُلُوك فارسَ» (٧). ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾، أي: ذي عِدَّةٍ (٨)، وقُوَّةٍ في القِتالِ.

стр. 73

﴿فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ﴾، [قال الزَّجَّاجُ: «طافُوا خِلالَ الدِّيارِ] (١) يَنظُرُون: هل بقى أحدٌ لم يقتُلُوه». ﴿وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾: لابُدَّ مِن كَونِهِ. ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾، حين قَتَلَ داوُدُ جالُوتَ، وعاد مُلكُهم إليهم. ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾، [أي: عددًا] (٢) [﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ﴾] (٣). وقُلنا لكم: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾، أي: وَعدُ عُقُوبةِ المرَّة الأُخرَى مِن إِفسادِكُم، وهو قتلُ يحيَى، وقَصْدُهُم عيسَى، بَعَثنَاهُم (٤). فسَلَّط اللهُ عليهم مُلُوكَ فارِسَ والرُّومَ، فقَتَلُوهم وسَبَوْهُم، وقَتَلَ بُختَ نَصَّرُ، فإنَّهُ أَخرَبَ المساجِدَ، وسَبَى الذُّرِّيَّةَ، وهم سبعُون ألف غُلامٍ. ٣١ - أخبَرَنا عبدُ الوَهَّاب الحافظُ، ثنا أبُو الفضلِ ابنُ خَيرُونَ، ثنا أبُو عليٍّ ابنُ شَاذَانَ، [أخبَرَنا أحمدُ بنُ كاملٍ] (٥)، حدَّثَني مُحمَّدُ بنُ [سعدٍ] (٦)، حدَّثَني أبي، ثنا عَمِّي، عن أبيه، عن جَدِّهِ، عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: «بَعَثَ اللهُ عَلَيهِم في المَرَّةِ الأَخِيرَةِ (٧) بُختَ نَصَّرَ،
следующие страницы →