(سورة البقرة: ٢٠٨) ، وقال عن منهج هذا القرآن العظيم ورسوله الكريم ﷺ : ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ - يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦] (سورة المائدة: ١٥ - ١٦) ، وقال جل شأنه في سياق آيات القتال: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنفال: ٦١] (سورة الأنفال: ٦١) ((فأمر الله المسلمين بأن لا يأنفوا من السلم، وأن يوافقوا من سأله منهم)) (١) لأنه أصل منهج الرسالة الخاتمة.
[نبذ مظاهر الفرقة والخروج على الجماعة]
نبذ مظاهر الفرقة والخروج على الجماعة عادة القرآن في روافد البناء التحذير مما يهدمه، لذلك جاءت الآيات الكثيرة موجهة إلى لزوم الجماعة وطاعة ولاة الأمر ومشددة النهي عن الاختلاف ومفارقة الجماعة، ومن الآيات الواردة في ذلك قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]
стр. 247
(سورة النساء: ٥٩) ، وقوله سبحانه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ - وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ - وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٣ - ١٠٥] (سورة آل عمران: ١٠٣ - ١٠٥) .
وقوله سبحانه (وَلَا تَفَرَّقُوا) في الآية المذكورة تأكيد لما تضمنه الأمر بالاعتصام، والتذكير بنعمة الله فيها اشتمل على تصوير لحالة الناس التي كانوا عليها قبل الرسالة المحمدية، وفيه تنفير من العودة إلى تلك الحالة الشنيعة بعد أن أفاء الله عليهم بنعمة الإسلام الذي كان سبب نجاتهم من تلك الحالة، وذلك حث على إجابة أمره تعالى إياهم بالاتفاق (١) .
стр. 248
[الخاتمة]
الخاتمة بعون من الله وتوفيق تم إنجاز هذا البحث المختصر، المتضمن الإشارة إلى إبراز بعض لمحات منهج القرآن الكريم في البناء التربوي الأخلاقي والاجتماعي، والتنويه بالوسائل الكفيلة بتفعيل التعاليم التربوية ذات الطابع الإصلاحي من خلال القرآن الكريم.
وقد اشتمل على دراسة موجزة تناولت مفهوم التربية القرآنية، والتربية الأخلاقية التي تهتم بتنشئة الإنسان وتكوينه متكاملا من الجانب الخلقي، بحيث يصبح مفتاحا للخير ومغلاقا للشر في كل الظروف والأحوال، وقد وكّد أن التربية الأخلاقية إحدى الدعائم الأساسية في بناء الفرد المسلم، إذ هي عملية تؤدي إلى بناء فكر وفعل أخلاقي بما حوته من وسائل كفيلة يمكن من خلالها تطبيق دستور الأخلاق في القرآن الكريم، وهذه الوسائل تؤول إلى مجموعتين:
وسائل دافعة ووسائل مانعة، أما الوسائل الدافعة فهي التي تنمي الاستعداد النفسي لفعل الخيرات مثل القدوة الصالحة والموعظة والصحبة، والمجموعة الثانية هي الوسائل المانعة وهي التي تحول بين المرء ورغبته في سيئ الأخلاق، وتعطل إرادته واستعداده من الوقوع فيها ومن بين تلك الوسائل المانعة الاعتبار والترهيب والعقوبة، ولقد عني هذا البحث ببيان بعض تلك الوسائل من خلال القرآن الكريم.
كما تضمن هذا البحث دراسة عن شيء من لمحات الجانب التربوي الاجتماعي في القرآن الكريم، وتناول بيان بعض تلك الملامح على وجه
стр. 249
الإيجاز، ومنها ركيزة التسامح، إحدى خصائص دين الإسلام، وبين أن التسامح وما يدور في فلكه من الاتحاد والإنصاف والمواساة والمحبة والصلة والنصح وحسن المعاملة، من الأخلاق الاجتماعية التي تحتاج إلى تربية وتنشئة، ولقد تكفل القرآن الكريم ببيانها بيانا شافيا أوضح الله فيه المحجة للأمة، وجعله نظاما اجتماعيا حضاريا للعالمين.
ومن تلك الركائز ترسيخ مفاهيم السلام الاجتماعي وهو السمة البارزة لهذا الدين، ومنها نبذ مظاهر الفرقة والخروج على الجماعة، فكل ذلك مما جاءت آيات القرآن الكريم لتؤكده في الجانب التربوي الاجتماعي. ومن ثم انتهى البحث إلى جملة من النتائج، ومن أهمها ما يلي:
* القرآن الكريم يحوي منهجا تربويا كاملا صالحا لكل عصر وجيل، ومنهج التربية القرآنية هو أكمل المناهج وأصلحها للبشرية ولا توازن تربيته بغيره من التربيات.
* أن علاج الانحرافات البشرية يكمن في منهج القرآن الكريم وحده، وما عداه من المناهج البشرية مهما بلغت من العمق والإبداع، فستظل عاجزة عن معالجة يصدق عليها وصف الكمال، لأن ذلك ليس إلا لله سبحانه خالق كل شيء وهو بكل شيء عليم.
* دراسة القيم التربوية في القرآن الكريم، وإبراز منهج الوسطية فيه، بحاجة إلى بحوث كثيرة جدا في جميع مجالات الحياة.
стр. 250
* أن القرآن العظيم قد زود نظامه الأخلاقي بقاعدة تربوية غاية في الكمال، وقد انتظم في هذه القاعدة جملة من الوسائل الكفيلة بتفعيل التعاليم الأخلاقية، وإيجاد العلاج والحلول المناسبة لكل انحراف أو تسيب في الأخلاق، ومعنى هذا أنها ذات طابع إصلاحي ودعوي، فالحاجة إلى إبرازها وإعمالها ضرورة اجتماعية.
* العقوبة أحد المقاصد التي جاء القرآن الكريم ليؤكد عليها ضمن أجزيته الإصلاحية، لذلك نجد أن الدعوة إلى التوبة تعقب ذكر تلك العقوبات لتفتح طريقا إلى العودة.
* أن معاقبة الغلاة والمبتدعة، إحدى وسائل العلاج التي تضمنتها آيات الحدود والقصاص والتعزير. وبعد، فما كان في هذا البحث من صواب فمن فضل الله وتوفيقه، وما كان فيه من خطأ أو خلل فأستغفر الله.
стр. 251
[مراجع البحث]
مراجع البحث * أحكام القرآن، ابن العربي، محمد بن عبد الله، تحقيق علي محمد البجاوي، بيروت، دار المعرفة.
* إحياء علوم الدين، أبو حامد الغزالي، محمد بن محمد، دار المعرفة.
* الأخلاق بين النظرية والتطبيق، د. عبد الراضي محمد عبد المحسن، القاهرة، كلية دار العلوم، ١٤١٧ هـ.
* الأخلاق والسير في مداواة النفوس، ابن حزم، علي بن أحمد، تحقيق د. الطاهر أحمد مكي، مصر، دار المعارف، ١٩٨١ م.
* أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، محمد الطاهر بن عاشور، عناية محمد الطاهر الميساوي، الأردن، دار النفائس، ١٤٢١ هـ.
* بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، الفيروزآبادي، محمد بن يعقوب، تحقيق الأستاذ محمد النجار، بيروت، المكتبة العلمية.
* تفسير التحرير والتنوير، محمد الطاهر بن عاشور، تونس، الدار التونسية، ١٩٨٤ م.
* الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، محمد بن أحمد، بيروت، دار إحياء التراث العربي.
* خلق المسلم، محمد الغزالي، دمشق، دار القلم، الطبعة (٣) ١٤٠٣ هـ.
* دستور الأخلاق في القرآن، د. محمد عبد الله دراز، تعريب د. عبد الصبور شاهين، بيروت، الطبعة (٦) مؤسسة الرسالة، ١٤٠٥ هـ.
* دور التربية الأخلاقية الإسلامية في بناء الفرد والمجتمع والحضارة الإنسانية، د. مقداد يالجن، بيروت، دار الشروق، ١٤٠٣ هـ.
стр. 252
* العين، الخليل بن أحمد الفراهيدي، تحقيق د. مهدي المخزومي ود. إبراهيم السامرائي، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ١٤٠٨ هـ.
* لسان العرب، ابن منظور، محمد بن مكرم، بيروت، دار صادر.
* مجموع فتاوى ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، جمع عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مكة المكرمة، الرئاسة العامة لشؤون الحرمين، ١٤٠٤ هـ.
* المحرر الوجيز، ابن عطية، عبد الحق بن عطية، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، تحقيق عبد الله الأنصاري وزملائه، الدوحة ١٣٩٨ هـ.
* المسند، أحمد بن حنبل، محقق بإشراف د. عبد الله التركي، بيروت، مؤسسة الرسالة، ١٤١٣ هـ.
* مشكلة الغلو في الدين في العصر الحاضر، د. عبد الرحمن بن معلا اللويحق، ١٤١٩ هـ.
* معالم التنزيل، البغوي، الحسين بن مسعود، تحقيق محمد النمر وزملائه، الرياض، دار طيبة، ١٤٠٩ هـ.
* معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، أحمد بن فارس، تحقيق عبد السلام محمد هارون، القاهرة، الخانجي، الطبعة (٣) ١٤٠٢ هـ.
* مفاتيح الغيب، فخر الدين الرازي، محمد ضياء الدين عمر، دار الفكر، الطبعة (٣) ١٤٠٥ هـ.
* المفردات في غريب القرآن، الراغب الأصفهاني، الحسين بن محمد، تحقيق محمد سيد كيلاني، بيروت، دار المعرفة.
* مقاصد الشريعة، محمد الطاهر بن عاشور، عناية محمد الطاهر الميساوي، الأردن، دار النفائس، ١٤٢١ هـ.
стр. 253
[أثر معلم القرآن في تربية طلابه على الاعتدال]
[مقدمة]
المحور الرابع
استثمار تعليم القرآن في ترسيخ الوسطية ومعالجة الغلو أثر معلم القرآن في تربية
طلابه على الاعتدال
للدكتور عبد الله بن علي بصفر
стр. 254
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فقد من الله علينا سبحانه وأكرمنا بأن جعلنا مسلمين، وأكرمنا بالهداية إلى منهاجه المستقيم، ووعد من تمسك به منا بالفوز والفلاح دنيا وأخرى. قال سبحانه: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ - يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦] (المائدة: ١٥ - ١٦) .
وقد جعل الله هذه الأمة خير الأمم، وآتاها من المناهج والشرائع خيرها وأبقاها، فكانت هي الأمة الوسط من بين الأمم.
قال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] (البقرة: ١٤٣) .
وجاءت النصوص الكثيرة في كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ تأمرنا بالاستقامة على هذا المنهج الوسط، والذي لا انحراف فيه ولا شطط، وتنهانا عن الجنوح عنه، أو الميل عنه لسواه، سواء كان ذلك بغلو أو جفاء.
стр. 255
وفي عصرنا الحاضر فشت ظاهرة الغلو في الدين، والفهم السقيم لنصوصه وتعاليمه، وتطاير شرر ذلك، واستفحل خطره وضرره؛ فكان لزاما على رجالات الأمة كلهم؛ علماء ودعاة، ومفكرين وأدباء، وأئمة وخطباء. . . وغيرهم؛ كان لزاما على الجميع أن يتكاتفوا، لدراسة هذه الظاهرة، ومعرفة أسبابها ودوافعها؛ ثم المشاركة في علاجها وقلع جذورها من بيننا.
وقد دعيت للمشاركة في ندوة بعنوان (أثر القرآن الكريم في تحقيق الوسطية ودفع الغلو) ، وكان الفرع الذي طلب مني الكتابة فيه هو: (أثر معلم القرآن في تربية طلابه على الاعتدال) ، ولم يكن بد من الاستجابة لذلك على الرغم من كثرة الأشغال، وضيق الوقت؟ فكانت هذه الأوراق، التي أسأل الله أن ينفع بها، وأن تكون فاتحة الباب لدراسات أشمل وأعمق في الموضوع ذاته. والحمد لله أولا وآخرا.
стр. 256
[أولا المعلم القدوة]
أثر معلم القرآن في تربية طلابه على الاعتدال إن للمعلم عموما، ومعلم القرآن خصوصا؛ الأثر البالغ في توجيه طلابه، والتأثير عليهم سلبا كان أو إيجابا، فالطالب إذا أحب معلمه جعله قدوته الحية، ومثله الأعلى، وقلده في كل ما يأتي ويذر من الأقوال والأفعال، بل: والأفكار والاعتقادات. . وهذا واقع ملموس مشاهد بما يغني عن إيراد أمثلة وشواهد عليه، ولذا أدخل مباشرة في موضوع بحثنا وهو: (أثر معلم القرآن في تربية طلابه على الاعتدال) فأقول:
أولا: المعلم القدوة من البدهيات المعروفة للجميع، أن: (فاقد الشيء لا يعطيه) ، وأن: (كل إناء بما فيه ينضح) ، فإذا أردنا من المعلم أن يربي طلابه على الاعتدال فكرا وسلوكا، فلا بد أن يكون المعلم نفسه كذلك؛ وأن يكون هو نفسه قدوة لطلابه، ومثالا حيا لمظاهر الوسطية والاعتدال في دينه ودنياه.
ومما يدلل على أهمية كون المعلم قدوة ما يأتي:
(١) أن المثال الحي، والقدوة الحسنة، يثيران في نفس الطالب قدرا كبيرا من الإعجاب والاستحسان والتقدير والمحبة، فيميل إلى الخير، ويتطلع لمراتب الكمال، ويسعى لتقليد ذلك المثال، والعمل بمثل عمله ليرتقي في درجات الكمال.
(٢) أن القدوة الحية، المتصفة بالوسطية والاعتدال؛ تعطي الطلاب قناعة بأن التوسط والاعتدال، وعدم الغلو والإفراط، أو الجفاء
стр. 257
والتفريط؛ كل ذلك من الأمور الممكنة التي هي في متناول القدرات الإنسانية، وشاهد الحال أقوى وأبلغ من شاهد المقال.
(٣) أن الطلاب بالنسبة لمعلمهم؛ بل: والمدعوين بالنسبة للداعية، والمرءوسين بالنسبة لرئيسهم، كل أولئك ينظرون إلى معلمهم أو رئيسهم أو الداعية فيهم نظرة دقيقة متفحصة، هي أشبه بالرقابة المجهرية، وهم في ذلك يجعلونه محلا للاتباع والاحتجاج في جليل أمره وحقيره، مما يحتم عليه أن يكون - ولو في الظاهر - قدوة حسنة، ومثالا للكمال والوسطية والاعتدال.
(٤) أن مستويات الفهم للكلام عند الناس متفاوتة، ولكنهم يستوون أمام الرؤية بالعين المجردة، فإيصال المعلومة عن طريق الفعل أبلغ بكثير، وأقوى في التأثير من مجرد القول.
ومما يدل على ذلك ما أورده البخاري في صحيحه باب: الاقتداء بأفعال النبي ﷺ ثم ساق الحديث: « (اتَّخَذَ النَّبِيُّ ﷺ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ، فَاتَّخَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَ مِنْ ذَهَبٍ) ، فقال النبي ﷺ : (إِنِّي اتَّخَذْتُ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ) فَنَبَذَهُ وَقَالَ: (إِنِّي لَنْ أَلْبَسْهُ أَبَدًا) ، فَنَبَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ» .
قال ابن بطال: (فدل ذلك على أن الفعل أبلغ من القول) (١) .
وتأمل ما حصل في غزوة الحديبية عندما كان النبي ﷺ وأصحابه محرمين بالعمرة، وردهم المشركون عن البيت، وأمر النبي ﷺ أصحابه بالتحلل من عمرتهم، وتأخر الصحابة في تنفيذ الأمر رجاء
стр. 258
أن يؤذن لهم في القتال، وينصروا على المشركين، ومن ثم يكملوا عمرتهم.
فدخل النبي ﷺ على أم سلمة ﵂، وعليه أمارات الحزن والغضب، بسبب تأخر الصحابة عن الاستجابة لأمره، فأشارت عليه أم سلمة ﵂ بقولها: اخرج إليهم، واذبح واحلق.
وما أن فعل الرسول ﷺ ذلك ورآه الصحابة؛ إلا وتتابعوا مسرعين في تنفيذ أمره، والاقتداء بفعله.
فهذا المثال وغيره كثير في السنة يدلك على أهمية القدوة الحسنة، وكيف أن لها أعظم الأثر في الاستقامة وسلوك طريق الجادة.
(٥) أنه ورد في الحديث بيان العقوبة الشديدة التي تلحق من يأمر الناس بالخير وينسى نفسه؛ ففي حديث أنس ﵁ مرفوعا:. «أتيت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار، كلما قرضت وفت، فقلت: يا جبريل! من هؤلاء؟ قال: خطباء أمتك الذين يقولون ما لا يفعلون، ويقرءون كتاب الله ولا يعملون به» (١) .
وهذا مما يدلك على خطورة القدوة وعظيم أثرها، فإن انحراف الداعية والمعلم وغيرهما - من الذين هم موضع قدوة - سبب في انحراف كل من تأثروا بهم، أو سمعوا منهم، وتلقوا عنهم.
стр. 259
(٦) أن جميع الأنبياء والمرسلين عليهم صلوات الله وسلامه، كانوا قدوة حسنة لأقوامهم، ولهذا قال شعيب ﷺ لقومه: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨] (هود: ٨٨) .
ولأجل هذا الذي تقدم وغيره، ينبغي على المعلم - إن أراد أن يؤثر في طلابه حقا أن يكون هو نفسه قدوة حية لهم في الوسطية والاعتدال، والرحمة واللين، والحكمة وجمال الأخلاق والطباع.
[ثانيا التوجيه المباشر والغير مباشر]
ثانيا: التوجيه بنوعيه المباشر وغير المباشر (١) التوجيه المباشر: وهو ما يقوم به المعلم من النصيحة المباشرة لطلابه، وشرح وسطية هذا الدين لهم، وتحذيرهم من الغلو أو الإجحاف. . ووعظهم بسلوك الطريق المستقيم. . إلخ.
وهنا ينبغي على المعلم أن يستغل المناسبات والفرص، ويوجه طلابه من خلالها ففي أثناء التسميع مثلا؛ أو تصحيح مقرر الحفظ أو المراجعة.
وكلما مر الطالب على آية من الآيات التي تدعو للوسطية والاعتدال، وتنهى عن الجنوح والغلو - وما أكثرها -؛ فإن على المعلم أن يستغل ذلك الموقف، ببيان معنى الآية، والانطلاق من خلالها لعرض سماحة الإسلام، ووسطيته، وكمال منهجه وتمامه، ورحمته بالناس وحرصه عليهم. . إلخ.
ومن أمثلة تلك الآيات:
إلى غير ذلك من الآيات.
(٢) التوجيه غير المباشر: ويكون بوسائل وأساليب يصعب حصرها؛ فليس هو الخطاب المباشر للطالب من أستاذه ومعلمه؛ سواء بوعظ أو نصيحة أو تعليم، لا؛ وإنما هو أسلوب مختلف تماما: فقد يكون عن طريق الصحبة والمخالطة، وقد يكون عن طريق قصة تذكر فيها إشارة لموضع الخلل وعلاج له، وقد تكون عن طريق التعريض والتلميح من بعيد: (ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا) ، وقد يكون بالكناية أو المداراة أو غيرها من أساليب لا حصر لها.
والتوجيه غير المباشر أبلغ بكثير جدا من التوجيه المباشر، إذا أحسن استغلاله وتطبيقه؛ وسبب ذلك: أن الطالب يشعر أنه اكتسب هذه المعلومة أو هذه الخبرات أو المعارف باستقلالية تامة، من غير إلزام من أحد أو إكراه، إنه يشعر بحريته التامة في التعلم والاكتشاف؛ فلا يشعر باستعلاء من أحد بفضل علم أو تقدم خبرة عليه.
فالتوجيه غير المباشر يتخطى ويتفادى التصادم مع كثير من العقبات النفسية المختلفة، وذلك أن إحساس النفس بالاستقلالية والاستعلاء، لا تسمح في كثير من الأحيان بقبول توجيه مباشر آت من الآخرين. ولنأخذ أمثلة لذلك من العهد النبوي، فقد كان النبي ﷺ كثيرا ما يعالج بعض الأخطاء عن طريق التعريض دون التصريح بفاعل الخطأ، أو
стр. 262
النصح المباشر له.
فمثلا: عندما جاء النفر الثلاثة وسألوا عن عبادة النبي ﷺ فكأنهم تقالوها، وقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل ولا أنام، وقال الآخر: لا أتزوج النساء، وقال الثالث: أصوم ولا أفطر، أو: لا آكل اللحم. وعلم النبي ﷺ بمقالتهم، فقام ﷺ وخطب الناس وقال: «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا، أما إني أتقاكم لله وأخشاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأتزوج النساء؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني» (١) .
فانظر كيف عالج النبي ﷺ ؛ المعلم الأول هذا الجنوح إلى الغلو، بذلك الأسلوب الحكيم، والتوجيه غير المباشر، وفيه من الفوائد إضافة إلى ما تقدم ذكره: أنه علاج ليس لأولئك النفر الثلاثة فحسب، وإنما علاج لظاهرة الغلو التي قد تكون موجودة عند آخرين، لكنهم لم يأتوا لبيت النبوة، ولم يتحدثوا بما في نفوسهم كما فعل أولئك النفر الثلاثة؛ فكون التوجيه جاء عاما، وعلى الملأ، وبتوجيه غير مباشر دون تعرض للأشخاص؛ كل ذلك جعله من أبلغ وسائل العلاج وأفضله، وأعلاه وأتمه.
ومن أمثلة ذلك: وصاله ﷺ الصيام في رمضان، ولشدة محبة أصحابه له وتأسيهم بفعله، واصل بعضهم الصيام كذلك. فلما علم النبي ﷺ بذلك قال: «ما بال رجال يواصلون، إنكم لستم مثلي. أما والله! لو تماد لي الشهر لواصلته وصلا يدع المتعمقون تعمقهم» (٢) .
стр. 263
ومن أمثلة ذلك أيضا: ما روته أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: رخص رسول الله ﷺ في أمر فتنزه عنه ناس من الناس. فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فغضب، حتى بان الغضب في وجهه ثم قال: «ما بال أقوام يرغبون عما رخص لي فيه؛ فوالله لأنا أعلمهم بالله، وأشدهم له خشية» (١) .
والأمثلة من السنة غير هذا كثيرة جدا، وفيما ذكرناه كفاية لكل عاقل لبيب أريب.
[ثالثا اليقظة والمتابعة]
ثالثا: اليقظة والمتابعة فالمعلم يجلس مع طلابه لفترات ليست قليلة كل يوم، لا سيما في المراكز الصباحية لتحفيظ القرآن، والتي قد تصل ساعات جلوس المعلم فيها مع طلابه إلى ٦ أو ٧ ساعات، وهنا يجب على المعلم أن يكون ملما بأحوال طلابه، عارفا لطباعهم وسلوكياتهم، مراقبا لما يصدر منهم من أقوال وأفعال؛ يقظا لكل ما قد يطرأ عليهم من تغيرات سواء في أقوالهم أو أفعالهم أو سلوكياتهم.
فالغلو أو التفريط لا يحصل للطالب فجأة، وإنما يتدرج معه بسبب مفاهيم خاطئة ترد على ذلك الطالب تباعا؛ فعلى المعلم أن يتابع طلابه ويراقبهم.
وعندما يرى أي جنوح عن الوسطية والاعتدال، سواء إلى الغلو والإفراط أو حتى إلى الجفاء والتفريط.
فعندها عليه أن يبادر بالعلاج المناسب، سواء بتوجيه غير مباشر كما تقدم، أو بالنصح
стр. 264
والتوجيه المباشر، وبيان الخطأ وعلاجه. . أو حتى بعزل ذلك الطالب عن بقية زملائه في حال تعذر العلاج، وكونه مؤثرا على باقي زملائه.
[رابعا صفات ينبغي للمعلم أن يتصف بها]
رابعا: صفات ينبغي للمعلم أن يتصف بها وهذه الصفات لا بد من التحلي والاتصاف بها، من قبل المعلم؛ إذا أراد أن يكون له تأثير على طلابه في تربيتهم على الوسطية والاعتدال؛ وكذا علاجه لأي جنوح إلى الغلو أو التفريط من قبلهم.
وبقدر اتصافه بتلك الصفات، أو إهماله لذلك، يكون نجاحه أو إخفاقه في مهمته، وأهم هذه الصفات هي:
(١) الإخلاص لله تعالى: فالإخلاص هو رأس الأمر وعموده وأساسه، وهو روح الأعمال، وسر قبولها، وبه يكون عون الله وتوفيقه للعبد، وقد قال الله : ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] (المائدة: ٢٧) . وقال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] (البينة: ٥) .
وقديما قالوا: (إذا خرج الكلام من اللسان لم يتجاوز الآذان، وإذا خرج من القلب دخل القلب بلا استئذان) .
وقالوا: (إنما يعطى الناس على قدر نياتهم) .
يقول ابن القيم ﵀: (وقد جرت عادة الله التي لا تبدل، وسنته التي لا تحول، أن يلبس المخلص من المهابة والنور والمحبة في قلوب
стр. 265
الخلق، وإقبال قلوبهم إليه ما هو بحسب إخلاصه ونيته ومعاملته لربه، ويلبس المرائي اللابس ثوبي الزور من المقت والمهانة والبغضة ما هو اللائق به، فالمخلص له المهابة والمحبة، وللآخر المقت والبغضاء) (١) .
(٢) الصبر وسعة الصدر: وذلك يحتاجه كل مسلم في علاقاته مع الناس كل الناس؛ لكن حاجة المعلم الذي يريد تربية طلابه على الاعتدال، وعلاج الغلو فيهم، حاجته إليه آكد وأشد. وذلك أن تغيير الأفكار أصعب من نحت الأحجار، وهذا واقع ملموس ومشاهد، فعلى من يعالج أي انحراف أن يصبر على المُعَالَج؛ وما قد يصدر عنه من اجتهادات غريبة، وآراء عجيبة؛ ربما يستاء من مجرد سماعها؛ فعليه أن يصبر، ويتمالك نفسه، ويوسع صدره، ثم يفند تلك الآراء والاجتهادات بالحجج الدامغة، والأدلة القاطعة، في هدوء لا انفعال فيه، وسكينة لا حدة معها ولا غضب.
ثم إنه من الممكن أن يمتد لسان ذلك الغالي المنحرف بالسوء - حتى على معلمه وأستاذه -، فعندها يتأكد الصبر، حتى لا يضيع علاجه سدى؛ فينبغي للمعلم أن يصبر ولا يقابل الإساءة بمثلها، لأنه إنما يعمل للعلاج وإزالة الداء، لا للصراع والهجاء.
فعلى المعلم أن يتحلى بالرفق والأناة والحلم، فلا يعنف ما وجد للرفق سبيلا؛ وذلك أن من ابتلي بانحراف؛ غلو أو غيره من الأمراض الفكرية، إنما هم جزء من مجتمعنا، وعلى المعلم أن يأخذ بأيديهم بكل رفق وحلم، وأناة ولين.
وليتأمل قوله سبحانه لموسى وهارون: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى - فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٣ - ٤٤] (طه ٤٣، ٤٤) .
ولئن كان مثل ذلك في حق الطاغية الكافر، الذي ادعى لنفسه الربوبية والإلهية من دون الله؛ فلأن يكون الحلم والخطاب اللين مع إخواننا من باب أولى، وهذا هو منهج النبي ﷺ ، وتلك هي طريقته في دعوته وعلاجه للمشكلات، وتقويمه لكل انحراف أو اعوجاج.
(٤) التعامل بروح الأبوة والأخوة: وينبغي للمعلم كذلك أن يتصف في علاجه لظاهرة الغلو خصوصا، وتعامله مع طلابه عموما، بروح الأبوة المشفقة، والأخوة الحانية، إذ ظاهرة الغلو غالبا ما تستشري بين الشباب خاصة، وهم يتسمون بالحماسة والاندفاع.
فعلى من يتصدى لعلاجهم وتوجيههم أن يكون رقيقا في معاملته، لطيفا في أسلوبه وكلامه، فلا يعنف، ولا يتهكم، ولا يسخر، ولا يسفه، بل يوضح الحقائق، ويزيل اللبس، ويجيب عن الشبهة والإشكال، على ذلك بالحسنى؛ بل: بالتي هي أحسن. فلا يهجم هجوم عدو، ولا يطعن
стр. 268
طعنات مبغض، بل يسعى سعي الوالد المحب والأخ الشفيق؛ لإنقاذ ابنه أو أخيه من الغرق.
(٥) المعايشة للأحداث، وفقه الواقع: وعلى المعلم إن أراد أن يكون ذا تأثير إيجابي على طلابه؛ أن يكون فقيها بواقعه، مدركا لأحداثه الجارية ووقائعه، متحركا مع الناس في الميدان، مخالطا للشباب ومحتكا بهم؛ عارفا بآمالهم وآلامهم، مشاهدا لأفعالهم وتصرفاتهم.
فإنه من خلال ذلك الاحتكاك وتلك المعايشة؛ يدرك المحاسن والفضائل فيزيدها وينميها، ويشجع أصحابها، ويدرك الأخطاء والسلبيات، فيصلحها ويقومها، ويوجه أصحابها وينصحهم بتركها.
فلا يكفي أن يتعرف المعلم على المشكلة من الصحف أو المجلات، أو الإذاعة أو التلفاز، أو غير ذلك من وسائل الإعلام؛ أو حتى سماعها من فلان وفلان من الناس، ثم يقوم بإسقاط ما سمعه على طلابه، ومعاملتهم بحسبه؛ إن هذا خطأ فاحش في معالجة الأمور.
بل لا يكفي أن يراقب مشكلة ما ظهرت له عن بعد، لا؛ بل لا بد من معايشة أصحاب المشكلة، والاحتكاك بهم، ومن ثم معرفة حقيقة ما هم عليه من أخطاء، وما استحدثوه من سلبيات، ثم علاجها بالطريق الأمثل.
(٦) الإنصاف والعدل: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥]
стр. 269
(النساء: ١٣٥) .
وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٢] (الأنعام: ١٥٢) . فعلى المعلم أن يكون عادلا فيما يقرره ويحكم به.
أما إن لم يكن المعلم عادلا ومنصفا، وتحامل على طرف دون طرف، ومال مع المائلين، وتأثر بسلطان الترغيب أو الترهيب؛ فعندها: لن يجدي علاجه، ولن يكون له أي تأثير على من انحرف أو جنح إلى الغلو.
وقد قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨] (المائدة: ٨) .
(٧) أن يكون محلا للثقة: وعلى المعلم أن يكون محل ثقة طلابه، واطمئنانهم إليه؛ وإذا لم تتوافر الثقة في المتصدي للعلاج فلن يصغي إليه أحد، ولن يجدي كلامه، ولن يكون له أي تأثير يذكر على طلابه.
стр. 270
ومن أهم الأمور التي تستدعي الثقة فيه ما يلي: - أن يكون سليم العقيدة نقيا من البدع والخرافات.
- أن يكون حسن الخلق، متواضعا لطلابه.
- أن يكون قوي الشخصية؛ لا تقعده رهبة، ولا تغريه رغبة.
- أن يكون قدوة حسنة في بيته وعمله وشأنه كله؛ عاملا بما يدعو إليه.
- أن يكون عالما حسن الفهم ورعا تقيا.
وعندما يستجمع المعلم دواعي الثقة، ينشأ عند طلابه الاطمئنان إليه، وإلى ما يقوله ويدعو إليه، فيتأثرون حينئذ به، ويستجيبون لما يدعوهم إليه بقوله أو بفعله.
[خامسا أمور أخرى تعين المعلم في تربية طلابه على الاعتدال]
خامسا: أمور أخرى تعين المعلم في تربية طلابه على الاعتدال وثمة أمور أخرى ينبغي على المعلم مراعاتها، إن أراد أن يكون له الأثر البالغ في تربية طلابه على الوسطية والاعتدال، وعلاج ما قد يطرأ عليهم من غلو أو إجحاف.
ومن هذه الأمور: - التدرج في العلاج، وتقديم الحلول والبدائل، وإزالة الشبهات.
- بيان محاذير وعيوب الغلو، ومنها: التقصير في حقوق أخرى، وأن الفطرة البشرية لا تطيق الاستمرار على هذا الغلو.
- الدعوة للاتعاظ بمن سبق من الأمم.
- الزجر عن سبيل الغلو والبراءة منه: «فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» .
стр. 271
- تصحيح المفاهيم، وبيان السبيل القويم، والصراط المستقيم؛ فالخشية والتقوى تحصل بالتوازن، لا بالمبالغة في أمر وإهمال أمور.
هذا ما يسر الله لي، والله أسأله أن يرزقني وكل مسلم الإخلاص والمتابعة في كل أمورنا؛ وأن نكون من أهل الوسطية والاعتدال. آمين.
стр. 272
[مؤسسات تعليم القرآن الكريم وأثرها في نشر الوسطية]
[مقدمة]
المحور الرابع
استثمار تعليم القرآن في ترسيخ الوسطية ومعالجة الغلو مؤسسات تعليم القرآن الكريم
وأثرها في نشر الوسطية
للدكتور أحمد بن موسى السهلي
стр. 273
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حمدا لمن خلق الإنسان في أحسن تقويم، وزينه بحلية التكريم وميزه بالعقل، فتأهل لحمل الأمانة، واضطلع بالأعباء التكليفية، لأنها علة خلقه على ظهر الأرض، ليعبد الله وحده ويقوم بأمره، فسبحانه تقدست أسماؤه أنقذ البشرية من دركات الشقاء، وأوحى إلى عبده ما أوحى، أنزل عليه الفرقان فيه تبيان كل شيء، فهو منهج ينتظم شؤون الحياة، وله الحكمة البالغة، وهو أهل الثناء الحسن. وصلاة وسلاما على من حلى التنزيل جيده، بعقد المدح في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] وتحدث هو عن رسالته فقال: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ» (١) فهو الرحمة المهداة، المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله الأطهار، وصحابته الغر الميامين الأبرار، ومن اقتفى أثرهم بإحسان ما ارتفع إلى السماء أذان، وما لهج بكلمة التوحيد مسلم. أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
стр. 274
ثم إن هذه العجالة تجري في ميدان الوسطية في الإسلام، وتميط اللثام عن أثر مؤسسات تعليم القرآن في نشر الوسطية.
كما اقتضى المقام افتتاحها بتبيان معنى الوسطية، ومدلولات أضدادها، ولمحة عجلى عن الغلو، متوخيا طريقة الإيجاز، متنكبا عن منهج الإطناب، وإلى المولى سبحانه أضرع أن يهدينا لأقوم سبيل.
هذا وإن من تمام الإفادة أن نقدم بين يدي ذلك خطة موجزة للبحث وتشتمل على فصلين:
فصل تمهيدي ويشتمل على ما يلي: * بين يدي البحث.
* التعريف بالقرآن.
* الحياة مع القرآن.
* من مقاصد القرآن.
الفصل الثاني: موضوع البحث - الفرع الرابع: (مؤسسات تعليم القرآن الكريم وأثرها في نشر الوسطية) منبثق من المحور الرابع (استثمار تعليم القرآن في ترسيخ الوسطية ومعالجة الغلو) .
* أهمية البحث.
* أهل القرآن وصفاتهم.
стр. 275
* أهداف البحث.
* وقفة مع عنوان البحث.
* الواقع يتحدث.
* المدلول اللغوي والشرعي للوسطية.
* مؤسسات تعليم القرآن وأثرها في نشر الوسطية.
* الإسلام وسط بين جميع الملل.
* تفاقم ظاهرة الغلو في الدين في عصرنا الحاضر.
* من مظاهر الغلو والتكفير.
* نتائج التكفير.
* لمحة عن علاج الغلو.
* الالتزام بمذهب السلف.
стр. 276
[التعريف بالقرآن]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بين يدي البحث * القرآن هو كلام الله تعالى تكلم به حقيقة بحروفه ومعانيه، منزل غير مخلوق، سمعه جبريل من رب العزة والجلال، وسمعه الرسول ﷺ من جبريل ﵇، وسمعه الصحابة من رسول الله ﷺ .
* القرآن كتاب هذا الدين الخالد الدين الإسلامي - الدين الحق الذي ارتضاه الله ولا يقبل غيره: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥]
* القرآن هو روح هذا الدين وباعثه وحارسه وراعيه، هو بيانه وترجمانه، هو دستوره ومنهجه، هو المرجع للأمة الإسلامية أولا وآخرا.
* القرآن يستمد المسلم منه التوجيه في هذه الحياة.
* القرآن هو زاد المسلم في هذه الحياة وهو حياة الإنسان.
* القرآن هو النور الذي يضيء للمسلم ويبين له كيف يسير في الحياة الدنيا: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٢]
[الحياة مع القرآن]
الحياة مع القرآن * الحياة مع القرآن، هي حياة مع الله يناجي القارئ ربه ﷻ ويردد كلامه وهو لا يخلق على كثرة الرد ويتدبر يقوى الإيمان ويزداد ويفتح الله للمتدبر آفاقا رحبة ورؤية صادقة في التعامل مع الكون والحياة وخالقهما.
* الحياة مع القرآن حياة راقية، ومعية خاصة: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]
* الحياة مع القرآن نعمة من أعظم النعم، ينعم بها الله ﷻ على عبد من عبيده - لا يعرف هذه النعمة حق المعرفة إلا من ذاقها.
* الحياة مع القرآن هي السعادة المنشودة والكنز المفقود والفيض الإلهي الغامر، والسكينة والطمأنينة: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]
* تلاوة القرآن وتدبره ومصاحبته تري العبد حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية في آن واحد: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨] ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٣٦]
* الحياة مع القرآن تعرف من خلالها قيمة الإنسان وتكريم الله له وأنه مخلوق مهم في هذا الوجود، كيف خلقه؟ ولماذا خلقه؟ وما هي مهمته على الأرض؟ ولماذا كرمه؟
стр. 279
* الحياة مع القرآن تصل المؤمن بنسبه العريق ورابطته الإيمانية بذلك الموكب الإيماني الفريد، أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام نوح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وموسى وعيسى ومحمد ﷺ .
* الحياة مع القرآن حياة مع الكون كله، حياة مع النفس الإنسانية ومساربها وأدغالها، كنودها وضعفها وعجلتها ونسيانها وجحودها وجزعها: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣]
* الحياة مع القرآن حياة مع الإيمان، مع العلم تعلمك أن لكل شيء حكمة، وقد تنكشف لك وقد تغيب عنك ولكل شيء قدر: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]
* الحياة مع القرآن تعلم العبد أن الخير كله فيما يختاره الله، لا فيما يختاره الإنسان لنفسه، وأن مشيئة الله فوق كل مشيئة: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦] ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠]
* الحياة مع القرآن - حياة مع الله يزداد بها التالي إيمانا وخشوعا وثقة بالله وحسن توكل عليه، ويفوز المتقي بمعية الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] وقوله:
стр. 280
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢]
* الحياة مع القرآن تربية وتزكية وتهذيب أخلاق، وسلامة صدر، وطمأنينة نفس وقرب من الله ومناجاة له: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢] ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨] ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٢١] ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ - تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٢٦ - ٢٧]
[مقاصد القرآن]
مقاصد القرآن إن للتنزيل الحكيم مقاصد وأهدافا ومن أهمها:
١ - تحقيق العبودية لله سبحانه وحده لا شريك له.
٢ - ثبوت رسالة الرسول ﷺ وأنها امتداد للرسالات السابقة والدعوة واحدة فكلهم يقول ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]
* التوجيه المتكرر إلى عدم متابعة اليهود والنصارى ومحاولة إرضائهم: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٢٠]
[أهمية البحث]
أهمية البحث إن مكانة القرآن الكريم من الأمة المحمدية - أمة الإسلام - مكانة الرأس من الجسد فهو عزها ومجدها ورمز شخصيتها وسر بقائها أمر الله أمة الإسلام على لسان رسولها أن تتمسك بالقرآن لأنه شرفها وذكرها بين الأمم، فقال تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ - وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: ٤٣ - ٤٤]
стр. 283
هذا القرآن يتضمن التكاليف الإلهية فيجب تنفيذها حسب الاستطاعة: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] ويجب البعد عن المنهيات جميعها لقول الرسول ﷺ : «وَمَا نُهِيتُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا» .
لقد سعدت الإنسانية كلها وليس المسلمون فقط بهذا الكتاب، بل أصبح العرب رعاة الشاة والبعير قادة البشرية وساستها، ولما ضعف الأخذ بالقرآن في أمة القرآن واستسلموا لتهديد العدو وذابوا في المجتمعات والسياسات غير الإسلامية نخر الفساد في جسم الأمة الإسلامية وأصبحت على شفا جرف على حافة الهاوية.
نحتاج إلى دعوة صادقة إلى القرآن بحذافيره لنعيد للعالم كله الأمن والطمأنينة والسعادة والسكينة النفسية، فالقرآن هو القرآن، وسنة الرسول ﷺ وسيرته العطرة بين أيدينا ولم يغب عنا سوى شخصية الرسول ﷺ ، والله يعلم ما كان وما سيكون، فقد أكمل الدين وهو يعلم أن بقاء شخصية الرسول ﷺ ليست شرطا لنشر الدين والتمسك به - لأن الله كتب في أزله أن للرسول أجلا محدودا وأن على أمة القرآن أن تأخذ الراية بعد نبيها بالحكمة والموعظة الحسنة، وتسير على نهج المعلم الأول ﷺ .
* أهل القرآن هم خير أمة أخرجت للناس: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]
* أهل القرآن هم المصطفون من خير أمة - اصطفاهم رسول الله ﷺ بقوله: « (خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ) » رواه البخاري.
هذه الخيرية باقية بالشرط المذكور في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٠]
* أهل القرآن هم أهل الله وخاصته كما وصفهم رسول الله ﷺ هم الأمة الوسط الشهداء على الناس: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]
* أهل القرآن وصفهم الله: (أنهم رحماء بينهم) .
* أهل القرآن هم من شرح الله صدره للإسلام فهم على نور من ربهم: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢]