← Общие книги

Общие книги · id 31448

بحوث ندوة أثر القرآن في تحقيق الوسطية ودفع الغلو

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (327 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

٣ - أن الدين عند الله الإسلام، ولا يقبل الله دينا غيره: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] ٤ - ثبوت اليوم الآخر والجزاء والحساب والثواب والعقاب بالأدلة والبراهين فيجب الإيمان بذلك. ٥ - يهدي الخلق ويخرجهم من الظلمات إلى النور: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [إبراهيم: ١] ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٢] * من مقاصد القرآن وجوب تحكيمه في جميع شؤون الحياة: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ - أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٤٩ - ٥٠]

стр. 282

﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] * التوجيه المتكرر إلى عدم متابعة اليهود والنصارى ومحاولة إرضائهم: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٢٠] [أهمية البحث] أهمية البحث إن مكانة القرآن الكريم من الأمة المحمدية - أمة الإسلام - مكانة الرأس من الجسد فهو عزها ومجدها ورمز شخصيتها وسر بقائها أمر الله أمة الإسلام على لسان رسولها أن تتمسك بالقرآن لأنه شرفها وذكرها بين الأمم، فقال تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ - وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: ٤٣ - ٤٤]

стр. 283

هذا القرآن يتضمن التكاليف الإلهية فيجب تنفيذها حسب الاستطاعة: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] ويجب البعد عن المنهيات جميعها لقول الرسول ﷺ : «وَمَا نُهِيتُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا» . لقد سعدت الإنسانية كلها وليس المسلمون فقط بهذا الكتاب، بل أصبح العرب رعاة الشاة والبعير قادة البشرية وساستها، ولما ضعف الأخذ بالقرآن في أمة القرآن واستسلموا لتهديد العدو وذابوا في المجتمعات والسياسات غير الإسلامية نخر الفساد في جسم الأمة الإسلامية وأصبحت على شفا جرف على حافة الهاوية. نحتاج إلى دعوة صادقة إلى القرآن بحذافيره لنعيد للعالم كله الأمن والطمأنينة والسعادة والسكينة النفسية، فالقرآن هو القرآن، وسنة الرسول ﷺ وسيرته العطرة بين أيدينا ولم يغب عنا سوى شخصية الرسول ﷺ ، والله يعلم ما كان وما سيكون، فقد أكمل الدين وهو يعلم أن بقاء شخصية الرسول ﷺ ليست شرطا لنشر الدين والتمسك به - لأن الله كتب في أزله أن للرسول أجلا محدودا وأن على أمة القرآن أن تأخذ الراية بعد نبيها بالحكمة والموعظة الحسنة، وتسير على نهج المعلم الأول ﷺ .

стр. 284

[أهل القرآن صفاتهم وأخلاقهم] أهل القرآن صفاتهم وأخلاقهم * أهل القرآن لهم أخلاق راقية وعقول مستنيرة ونفوس أبية ووجوه وضيئة خاشعة راكعة ساجدة هم عباد الرحمن: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا - وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا - وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا - إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا - وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا - وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا - يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا - إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا - وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا - وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا - وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا - وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا - أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا - خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا - قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣ - ٧٧]

стр. 285

* أهل القرآن هم خير أمة أخرجت للناس: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] * أهل القرآن هم المصطفون من خير أمة - اصطفاهم رسول الله ﷺ بقوله: « (خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ) » رواه البخاري. هذه الخيرية باقية بالشرط المذكور في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٠] * أهل القرآن هم أهل الله وخاصته كما وصفهم رسول الله ﷺ هم الأمة الوسط الشهداء على الناس: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] * أهل القرآن وصفهم الله: (أنهم رحماء بينهم) . * أهل القرآن هم من شرح الله صدره للإسلام فهم على نور من ربهم: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢]

стр. 286

* أهل القرآن: هم الذين يتغنون به ويتلونه حق تلاوته، هم أصحاب التجارة الرابحة يوم القيامة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ - لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٢٩ - ٣٠] قال عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما - مبينا أخلاق أهل القرآن -: (من جمع القرآن فقد حمل أمرا عظيما، لقد أدرجت النبوة بين كتفيه إلا أنه لا يوحى إليه، فلا ينبغي لحامل القرآن أن يغضب مع من يغضب، ولا يجهل مع من يجهل لأن القرآن في جوفه) (١) . قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: (ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس مفطرون، وبورعه إذا الناس يخلطون، وبتواضعه إذا الناس يختالون، وبحزنه إذا الناس يفرحون وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخوضون) (٢) .

стр. 287

ويتحدث الآجري في كتابه القيم أخلاق أهل القرآن فيقول (١) (فأول ما ينبغي له: أن يستعمل تقوى الله في السر والعلانية، باستعمال الورع في مطعمه ومشربه ومسكنه وملبسه. وأن يكون بصيرا بزمانه وفساد أهله فهو يحذرهم على دينه، وأن يكون مقبلا على شأنه مهموما بإصلاح ما فسد من أمره حافظا للسانه مميزا لكلامه إن تكلم تكلم بعلم إذا رأى الكلام صوابا وإن سكت سكت بعلم إذا كان السكوت صوابا. قليل الخوض فيما لا يعنيه يخاف من لسانه أشد مما يخاف من عدوه يحبس لسانه كحبسه لعدوه ليأمن من شره وشر عاقبته. قليل الضحك مما يضحك منه الناس إن مر بشيء مما يوافق الحق تبسم. يكره المزاح خوفا من اللعب، فإن مزح قال حقا، باسط الوجه طيب الكلام، لا يمدح نفسه بما فيه، فكيف بما ليس فيه، يحذر نفسه أن تغلبه على ما تهوى مما يسخط مولاه. لا يغتاب أحدا، ولا يحقر أحدا ولا يسب أحدا ولا يشمت بمصيبة، ولا يبغي على أحد ولا يحسده ولا يسيء الظن بأحد إلا لمن يستحق.

стр. 288

قد جعل القرآن والسنة والفقه دليله إلى كل خلق حسن جميل، حافظا لجميع جوارحه عما نهي عنه. إن مشى مشى بعلم وإن قعد قعد بعلم، يجتهد ليسلم الناس من لسانه ويده ولا يجهل، وإن جهل عليه حلم، لا يظلم وإن ظلم عفا، لا يبغي وإن بغي عليه صبر، يكظم غيظه، ليرضي ربه ويغيظ عدوه متواضع في نفسه إذا قيل له الحق قبله، من صغير أو كبير، يطلب الرفعة من الله لا من المخلوقين، ماقت للكبر، خائف على نفسه منه) اهـ. هذه هي أخلاق أهل القرآن استقوها من كتاب ربهم الفرقان وسنة نبيهم المأمور بالبيان، صاحب الخلق العظيم والسيرة العطرة والشمائل الكريمة والصفات الحميدة ﷺ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠] العدل ضد الظلم، والإحسان ضد الإساءة، وإيتاء ذي القربى ضد القطيعة، والمنكر ضد المعروف، والفحشاء ضد العفة، والبغي ضد طاعة ولي الأمر المسلم، وهي تشير إلى حرمة الخروج على ولي الأمر المسلم، فأهل القرآن أصحاب رسالة في الحياة، هي رسالة رسولهم محمد ﷺ يتأسون به في دعوته فهو أسوتهم وقائدهم كتاب ربهم الذي حفظوه بقوله لهم: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤]

стр. 289

وقوله: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣] وقوله: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣] منهجهم الصبر ويدفعون السيئة بالحسنة ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٦] هذا مع الكفار لا المناوئين للدعوة فكيف مع المسلم!!! . والرسول ﷺ القدوة يقول: «الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ» ويقول: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ» . إذا إخافة المسلمين ليست من أخلاق أهل القرآن، فمن هنا جاء هذا البحث للتذكير بأهمية هذا الأمر ووسطية أهل القرآن. [أهداف البحث] أهداف البحث ١ - تذكير أهل الصحوة الإسلامية بأخلاق أهل القرآن وأن أهل القرآن هم أتباع الأنبياء، هم الأمة الوسط، هم أصحاب العدل والرحمة والرفق والتيسير والتسامح والتعاون على البر والتقوى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحرص على هداية الناس والبعد عن الخروج على أئمة المسلمين وعدم تكفير المسلمين، وهم أهل الإيمان يعلمون علم اليقين أنه يزيد

стр. 290

بالطاعة وينقص بالمعصية، فيجب أن يتحلوا بعقائد السلف الصالح من الصحابة الكرام، وتابعيهم بإحسان. ٢ - بيان صفات أهل القرآن وأخلاقهم. ٣ - أن أهل القرآن أمة متميزة ميزها رسول الله ﷺ بقوله: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهَ» ومما لا شك فيه أن أهل القرآن متميزون بسمتهم وسلوكهم، متميزون في دراستهم وتفوقهم على أقرانهم هم الأمة الوسط ليس بين بقية الأمم فحسب بل هم النخبة في الأمة الإسلامية عموما وهم أهل العدل والقسط. ٤ - إبراز محاسن أهل القرآن على غيرهم لأنهم هم المنفذون لقول الله تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الزخرف: ٤٣] وبقوله: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤] فهم الفائزون بالتلاوة والتطبيق. ٥ - إجلال أهل القرآن وإكرامهم أن الله أكرمهم في الآخرة بدخولهم ودخول والديهم الجنة، فهم أهل الله وخاصته فيجب إجلالهم واحترامهم. [وقفة مع عنوان البحث] وقفة مع عنوان البحث مؤسسات تعليم القرآن الكريم هي: تلك المؤسسات القرآنية والمعاقل الإيمانية والصروح الإسلامية التي يلتقي فيها المؤمنون الصادقون لحفظ كلام الله تعالى وكتابه الفرقان، سواء أكان اللقاء في

стр. 291

المسجد أم في تلك الدور المخصصة لحفظ كتاب الله تعالى - كمدارس تحفيظ القرآن والمعاهد العلمية والكليات القرآنية. [مؤسسات تعليم القرآن] مؤسسات تعليم القرآن ١ - المسجد: هو مشرق الإيمان ومأرزه وينبوع الهدى والرحمة ومنارة الحق ومكان ذكر الله تعالى، ومأوى الصالحين وجامعة المؤمنين الموحدين، يلتقي فيه المؤمنون على مختلف أعمارهم لتلاوة كتاب ربهم ومناجاته وعبادته بشتى أنواع العبادات من تلاوة وصلاة وحفظ للقرآن ودعاء، فالمسجد الركيزة الأولى لبناء مجتمع مؤمن راسخ الإيمان، قد هذبه القرآن وأثر في سلوكه جعله معتدل الطبع والمزاج، قوي الإيمان بربه ملتزما بشرعه مترسما خلق نبيه - صاحب الخلق العظيم - حلما وأناة ورحمة وعدم فظاظة، فالحلقات القرآنية المنتشرة في المساجد دليل ساطع على العناية بكتاب الله تعالى، والمسجد هو المحضن الإيماني لهذه الحلقات بعد محضن الوالدين في البيت فهو المدرسة الأولى، لما قدم رسول الله المدينة كان أول شيء قام به هو بناء المسجد لما للمسجد من أهمية في تعليم القرآن مصدر التشريع والهداية، ومحضن التربية الإيمانية ومكان التلقي والقدوة - وموضع الذكر بجميع صنوفه من صلاة وتسبيح وتلاوة قرآن: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ - رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٦ - ٣٧]

стр. 292

[النور: ٣٦ - ٣٧] . بل كان المسجد وسيظل جامعة إيمانية ومعهدا علميا ومدرسة تربوية وصالة اجتماعات ومجلس شورى تخرج منه جيل فريد في تاريخ الإسلام جيل الوسطية، أدى المسجد رسالته في عهد النبوة وقام بدور شمولي لجميع جوانب الحياة الإسلامية ومنه ظهرت الوسطية وعقيدة الإسلام الصافية وأخلاقه العظيمة. ٢ - من المؤسسات التعليمية مدارس تحفيظ القرآن الكريم والمعاهد العلمية والكليات الشرعية الدعوية، فهي بيئة تربوية متخصصة مختارة، الأصل فيها أن تقوم بدور تعليمي وتربوي فهي مكملة لرسالة المسجد وما تقوم به من التربية والتعليم لا يستطيع الأبوان أن يقوما به. [الواقع يتحدث] الواقع يتحدث قامت الجمعيات الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم في المملكة العربية السعودية بدور بناء في إكمال المسيرة التعليمية بل في تأسيسها حيث ربطت الناشئة بكتاب ربها الذي هو سر بقائها وقد وصفه السلف بقولهم: « (فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى

стр. 293

الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين والذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسن ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثر الرد ولا تنقضي عجائبه، وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا - يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ [الجن: ١ - ٢] من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم) » (١) . أعادت حلقات القرآن الكريم في المسجد إلى الأذهان حياة الرعيل الأول في حب القرآن وتعلمه ونفذت قول الرسول ﷺ : « (خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ) » رواه البخاري. فحققت الخيرية في هذه الأمة وجددت رسالة المسجد في الإسلام بفتح أبوابه للذاكرين بشتى صنوفهم لكي تنجو الأمة من الوعيد: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٤] فكانت الجمعيات الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم في المملكة مؤهلا مهما لإكمال الرسالة التعليمية تأهيلا علميا للمعاهد والمدارس والجامعة، ومدخلا واسعا لتحقيق الخيرية التي وعد بها الرسول ﷺ

стр. 294

ووسيلة عظمى تشرح رسالة الإسلام وتحقيق الوسطية عمليا بالسلوك العملي والخلق الإسلامي والالتزام الشرعي، والبعد عن الغلو والتنطع، وبالمقابل البعد عن الذوبان في الحياة الغربية بحيث يمثل الوسطية لا إفراط ولا تفريط، قال ﷺ : «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ» (١) «بَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا» (٢) «إِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ» (٣) . ثم جاءت مدارس وزارة التربية والتعليم والمعاهد العلمية لتحقيق أهداف التعليم العام وذلك ضمن برامجها وسياستها التعليمية، وأنظمتها التربوية ليتحقق من خلالها تحقيق الوسطية لهذه الأمة وقد أشار إلى هذا ما جاء في السياسة التعليمية في المملكة العربية السعودية عن أهدافها من خلال نظرتها للحياة وانطلاقا من تصوراتها التعليمية المنبثقة من عقيدتها السلفية التي تعتقدها ودينها الإسلامي الذي تدين الله به عقيدة وعبادة وخلقا وشريعة وحكما ونظام حياة شامل. فالسياسة التعليمية جزء من هذا المبدأ حيث جاء في الباب الأول من السياسة التعليمية في المملكة - كما نص عليه في الباب الأول: الأسس العامة التي يقوم عليها التعليم: (تضمن هذا الباب أن السياسة العامة التي تقوم عليها التربية والتعليم تنبثق من الإسلام

стр. 295

الذي تدين به الأمة عقيدة وعبادة وخلقا وتشريعا ونظاما متكاملا للحياة) . الباب الثاني: اشتمل على غاية التعليم وأهدافه العامة، فهم الإسلام فهما صحيحا متكاملا وغرس العقيدة الإسلامية ونشرها وتزويد الطالب بالقيم والتعاليم الإسلامية، وبالمثل العليا واكتساب المعارف والمهارات المختلفة وتنمية الاتجاهات السلوكية لبناء وتطوير المجتمع اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وتهيئة الفرد ليكون عضوا نافعا في بناء مجتمعه) (١) . فمن هنا يأتي التلاحم والتأهيل بين الجمعيات الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم لإكمال رسالة التعليم العام بصقل الشباب وتربيته على الفضيلة والقيم والمثل العليا وصياغته صياغة إيمانية ليكون مؤمنا مسلما مواطنا صالحا مصلحا في أمته ومجتمعه وهذا هو الغرض من الحلقات القرآنية لتحقيق الوسطية المنشودة (٢) . [الغرض من مؤسسات تعليم القرآن الكريم] الغرض من هذه المؤسسات - مؤسسات تعليم القرآن الكريم إن الغرض من هذه المؤسسات تحقيق الغاية التي من أجلها خلقت البشرية - ألا وهي العبودية الحقة لله تعالى وحده لا شريك له -

стр. 296

فهي غاية الوجود الإنساني على ظهر هذه الأرض المشار إليها بقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] وحقيقة الاستخلاف أن يكون هناك عبد يعبد الله تعالى وحده لا شريك له على وفق ما شرع الله يتقرب إليه بكل قول وعمل، ينظم للعبد حياته، فمن هذه الغاية الشريفة وبهذا يعرف الإنسان مكانته في الكون وعلاقته به، فإذا خرج مقصد العلم عن هذه الغاية فالمتعلم والعالم على خطر. فرسالة الجمعيات الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم مكملة لرسالة المؤسسات التعليمية الأخرى في المملكة، وبذلك تحقق أهداف رسالة الإسلام من العلم وإخراج جيل مسلم ناصح لربه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم - وهو ما يطلق عليه بلغة العصر - المواطن الصالح - والإنسان الصالح. والمؤسسات التعليمية تعمل لهذا الغرض كما جاء في مواد نظام السياسة التعليمية في المملكة - ولا يمكن أن يتحقق الهدف من التعليم في نوعية واحدة من نوعيات التعليم لكن بالتنوع والتعاون في تنفيذ المهمات التعليمية يستطيع أهل العلم والفكر والثقافة تحقيق الغرض من العلم ومن أهمه تربية الناشئة على الإيمان بالله والشعور

стр. 297

برقابته وهذا ما يسمى بالوازع الديني، فسيكون رادعا عظيما لهذا الشاب عن الشرور والآثام والجرائم والتفجيرات والمخدرات والسرقات والخطف والزنا والاغتيالات. . إلخ، لأنه عندما يربى من خلال كتاب الله تعالى على أن يعلم كيف جاء إلى هذه الدنيا وما الغاية من ذلك وإلى أين المصير وماذا بعد المصير حينما يربى الناشئ أن الله يراه ومطلع عليه ويراقب حركاته وسكناته وأنه غدا سيحاسبه على مثاقيل الذر إن خيرا فخير وإن شرا فشر، وأن الله لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، ولا تخفى عليه خافية لأنه يعلم الجهر وما يخفى وأنه يراه أينما حل وأينما ذهب يتوقف عن الفساد في الأرض، فمن لم يؤمن هذا الإيمان فلن يردعه عن ارتكاب الجرائم والتعدي على حقوق الناس وحرماتهم وإخافتهم رادع: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [هود: ٥] هذه بعض مقاصد المؤسسات القرآنية. [المدلول اللغوي والشرعي للوسطية] المدلول اللغوي والشرعي للوسطية (الوسطية) من المصادر الصناعية صار بعد زيادة الياء المشددة والتاء المربوطة دالا على مجموع السمات الخاصة بهذا اللفظ (١) .

стр. 298

ويطلق الوسط في لغة العرب على معان: فوسط الشيء ما بين طرفيه قال الشاعر: إذا رحلت فاجعلوني وسطا ... إني كبير لا أطيق العندا (١) والوسط الخيار، ومنه قول زهير بن أبي سلمى: وهم وسط يرضى الأنام بحكمهم ... إذا نزلت إحدى الليالي العظائم أي هم خيار، فلذا كانت أحكامهم محل الرضى. ومنه قول أبي بكر في وصف المهاجرين يوم السقيفة: (هم أوسط العرب دارا) (٢) يقصد بذلك بيان خيريتهم وفضلهم. وبهذا المعنى جاء تفسير الآية: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] ففي صحيح البخاري وغيره (٣) عن أبي سعيد الخدري مرفوعا: «يجاء بنوح يوم القيامة، فيقال: هل بلغت؟ فيقول: نعم يا رب، فتسأل أمته هل بلغكم؟ فيقولون: ما جاءنا من نذير. فيقول: من شهودك؟ فيقول محمد وأمته، فيجاء بكم فتشهدون ثم يقرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] قال: عدلا ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] » .

стр. 299

ووسطية الإسلام من أبرز السمات التي يلوح فضلها في سائر تشريعاته الحكيمة، فقد كرم الله أمة محمد ﷺ أنهم وسط في الملل والنحل جعل الله دينهم - الدين الإسلامي وسطا بين الإفراط والتفريط، أو بين الغلو والتقصير، وتظهر وسطية أمة الإسلام فيما يلي: - في عقيدة المسلمين في أنبياء الله ورسله وعباده الصالحين - فهم لم يغلوا فيهم غلو النصارى الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم، ولم يجفوا فيهم كما جفت اليهود فكانوا يقتلون الأنبياء بغير حق، ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس، وكلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم كذبوا فريقا وقتلوا فريقا. أما أمة محمد ﷺ فآمنوا برسل الله جميعا، وعزروهم ووقروهم، وأحبوهم، ولم يعبدوهم، ولم يتخذوهم أربابا، وآمنوا بجميع الكتب المنزلة على الرسل والأنبياء فكانوا بذلك وسطا. * والدين الإسلامي وسط أيضا في الموقف من الإنسان فمقام الإنسان الذي كرمه الله وفضله على كثير من خلقه فهم يكرمون الإنسان لكنهم لم يؤلهوه كما صنعت بعض المذاهب والمعتقدات والتصورات ولم يحقروه ويهينوه - فالإسلام وسط بين حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية وبين خصائص الألوهية وخصائص العبودية. بينما تقول الكنيسة بألوهية المسيح ﵇ على اختلاف المذاهب الكنسية - كما أن المذاهب

стр. 300

والفلسفات الأوربية وما قام عليها من مناهج التفكير لما أعلنت رفعة الإنسان ومقامه جعلت ذلك على حساب إيمانها بألوهية الرب . * والإسلام وسط في العمل للدنيا والآخرة، وفي عقيدة الإسلام يعتقد أن كلا منهما عبادة لله تعالى وتحقيق لغاية الوجود الإنساني ضمن شروط معينة، بينما تأرجحت المذاهب الأخرى بين الاهتمام بالنواحي المادية الذي يظهر في المدنية الغربية الحديثة، وأصبح معبودها هو المال والقوة والرفاهية والرقي المادي - وبين الإزراء بهذا الرقي المادي والمتاع الدنيوي كما هو الشأن في المذاهب التي تدعو إلى الرهبنة وتعذيب الجسد من أجل الروح وتهذيبها للوصول إلى مرحلة الفناء، أما الإسلام فيقول الله تعالى ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١] وقوله: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٧٧] * الإسلام وسط في التشريع بين اليهودية والنصرانية - اليهود الذين حرموا على الله تعالى أن ينسخ ما يشاء ويمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء. . . وبين النصارى الذي أجازوا لأكابر علمائهم وعبادهم أن يشرعوا بالتحليل والتحريم من دون الله تعالى.

стр. 301

* الإسلام وسط في الأخلاق والسلوك فقد جاءت الشريعة الإسلامية وسطا بين الإفراط والتفريط في الالتزام الأخلاقي، وبين الجنوح إلى المثالية الخيالية، فهي لا تترك الحياة كلها للمشاعر والضمائر ولا للترف والميوعة والهوى والشهوة المحرمة فيعصف بها في تيارات الشهوات المحرمة والخلاعة والمجون، ولكن الدين الإسلامي يهذب السلوك ويرفع الضمير ويرتقي بالمشاعر ويعمر القلب بالتقوى والشعور برقابة الله تعالى تأسيا بالنبي ﷺ الذي وصفه ربه بأنه على خلق عظيم، وهكذا نجد الإسلام وسطا في جميع العلاقات الإنسانية فردية كانت أو اجتماعية بل جميع المصالح الذاتية والاجتماعية (١) . * الإسلام وسط في أعمال الخير والمصالح يقول العز بن عبد السلام رحمه الله تعالى: (فصل في الاقتصاد في المصالح والخيور. . . . . . . . . والاقتصاد رتبة بين رتبتين ومنزلة بين منزلتين والمنازل ثلاثة: التقصير في جلب المصالح، والإسراف في جلبها، والاقتصاد بينهما قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩] قال حذيفة بن اليمان ﵁: (الحسنة بين السيئتين)

стр. 302

ومعناه: إن التقصير سيئة والإسراف سيئة والحسنة ما توسط بين الإسراف والتقصير، وخير الأمور أوسطها. فلا يكلف الإنسان نفسه من الطاعات إلا ما يطيق المداومة عليه، ولا يؤدي إلى الملالة والسآمة، ومن تكلف من العبادة مالا يطيق فقد تسبب إلى تبغيض عبادة الله إليه ومن قصر عما يطيق فقد ضيع حظه مما ندبه الله إليه وحثه عليه. . وقد نهى رسول الله ﷺ عن التنطع في الدين وقال: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ» إلى أن قال: (وعلى الجملة فالأولى بالمرء أن لا يأتي من أقواله وأعماله إلا بما فيه جلب مصلحة أو درء مفسدة مع الاقتصاد المتوسط بين الغلو والتقصير) (١) . فالإسلام يصطفي المنهج الوسط في معالجة شؤون الحياة كلها، لذلك فهو وسط بين انحرافين، وخيار بين اتجاهين، بريء من وصمة الغلو الذي ما خالط شيئا إلا شانه، وما دخل أمرا إلا أفسده. وصفت مشاربه من كدر التفريط ووباء التقصير الذي هو مستنقع آسن وهذا ما أشارت إليه سورة الفاتحة في قوله سبحانه: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ - صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧] فأمرنا بالابتهال إليه، واستمناح النهج السوي منه سبحانه والهداية إليه. وهذا الصراط المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، هو الوسط

стр. 303

بين طرفي الإفراط والتفريط في كل الأخلاق وفي كل الأعمال) (١) فاقتضت حكمة التشريع أن نكرر هذا الدعاء المشير إلى الوسطية في اليوم والليلة سبع عشرة مرة، لنستمسك بهدي الله تعالى، وتكون أعمالنا وفق قوانين الوسطية، السليمة من داء الابتداع والاختراع، فالسنن الشرعية نجوم تهدي في ظلمات التحير، والمبتدعات ظلمات تحير معتنقها. وكأن النجوم بين دجاها ... سنن لاح بينهن ابتداع وكما كانت الوسطية من أبرز خصائص أمة الاستجابة جعلت علة لتكليف الأمة بالشهادة على الأمم ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] والشهادة لا تقوم إلا بالعدل ولا تقبل إلا من عدل (٢) ويسر الإسلام وسماحته ورفع الحرج عن أتباعه ودعوته إلى مكارم الأخلاق من الظهور بحيث لا تحتاج إلى مزيد بيان، بل إن صاحب الخلق العظيم ﷺ قال: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ» (٣) . وإنما الوسطية في الإسلام قطب رحى العدل لأنها متمخضة عن الاعتصام بالكتاب والسنة والالتزام بمنهج أهل السنة والجماعة قولا وعملا واعتقادا ذلك

стр. 304

لأن جميع التشريعات الإلهية المنتظمة لكافة شؤون الحياة تتجلى فيها مظاهر الوسطية في أبهى حللها وأسمى معانيها. ومن جانب الإفراط والتفريط فقد اهتدى لأن الحق وسط بين هذين وهو حسنة بين سيئتين. ولذا حارب الدين الإسلامي الغلو فأمر بالاستقامة وحذر من تعدي الحدود وتجاوز الوسطية، فمتعدي الحدود ظالم والمنحرف عن نهج الاستقامة طاغ والغلو في الدين نهج الضالين من النصارى ومن حذا حذوهم. والمتنطعون من الهالكين، فعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ» قَالَهَا ثَلَاثًا أخرجه البخاري ومسلم وغيره (١) . والمتنطعون هم المتعمقون المغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم (٢) وعندما لقط ابن عباس لرسول الله ﷺ حصيات مثل حصى الخذف لرمي الجمار وضعهن في يده وقال: «نَعَمْ، بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ» (٣) وهو حديث صحيح صححه الأئمة.

стр. 305

ولما كان التشديد على النفس حتى في أمور العبادات ضربا من ضروب الغلو نهت عنه السنة النبوية لأن عاقبة صاحبه إلى الانقطاع، ففي حديث أبي هريرة مرفوعا: «إِنَّ هَذَا الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ» رواه البخاري وغيره (١) «وأحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة» كما في البخاري أيضا تعليقا. فلا مكانة في الإسلام للغلو ولا للتطرف فإن المتطرف أيضا مجاوز حد الاعتدال متنكب عن الوسطية، فهو وصف لصيق بالغلو ممتزج به، وإن لم يدر ذكره في نصوص الشرع ولا محل في الحنيفية السمحة للتنطع ولا للعنف الذي اتخذ في عصرنا الحاضر ظاهرة ذات طابع دني مصطبغة بالشرعية فيما يزعمون. فكل هذه السمات مباينة لوسطية الإسلام خارجة عن دائرة القصد والاعتدال والناس في القديم والحاضر: ١ - إما مستمسك بالحق، قائم على أمر الله تعالى فهو من أهل الوسط الذين تأهلوا لأن يكونوا شهداء على الناس. ٢ - وإما مفرط زائغ، متجاوز لحدود الله مستهين بأمر الله تعالى.

стр. 306

٣ - وصنف ثالث غال في الدين متتبع للأهواء متجاوز للحق ضال عن سواء السبيل. [مؤسسات تعليم القرآن الكريم وأثرها في نشر الوسطية] مؤسسات تعليم القرآن الكريم وأثرها في نشر الوسطية مما لا مراء فيه أن كتاب الله الفرقان هو ينبوع الهدى، والعاصم من القواصم من تمسك به فقد هدي إلى صراط مستقيم، عالج مشكلات الإنسان علاجا حكيما؛ لأن راسم المنهج هو خالق الإنسان ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] فقد تناولت أسسه العامة مظاهر الحياة جميعها لشمولية نصوصه، وتبيانه لكل شيء، فهو البلسم الشافي من أدواء الإفراط والتفريط، يهتدي به الإنسان الحائر ويغلب كل بهرج زائف ويقود صاحبه إلى رياض السعادة الحقيقية، حين ينهل من منهله الروي، وتستجيب جوارحه لتعاليم الحنيفية السمحة، والإنسانية اليوم تترنح في سلوكها، وتضطرب في أنظمتها، عراها القلق المعنت، وعصفت بها ريح الانحرافات وركد الضمير الأخلاقي فاستحجرت القلوب، وجفت منابع الإيمان من الأفئدة، حين انتشرت أدواء الشهوات في نفوسهم، وعمهم القلق، وتغشاهم الاضطراب النفسي ولا منجاة من العذاب المؤلم إلا إذا حمل المسلمون مشعل الهداية (القرآن الكريم) إلى الإنسانية الحائرة في متاهات الجهال، فلا عاصم لها من الهاوية التي تتردى فيها إلا بالتنزيل الحكيم، كما قال جل وعلا: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى - وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٤]

стр. 307

وأهل الله وخاصته قراؤنا الذين يتغنون بآيات الله تعالى في محاريب الإيمان بذلك الانتصاب الخاشع بين يدي رب العالمين، هم الفائزون بالوسطية الحائزون السبق في ميدان الفضائل. لا سيما إذا تعانق القول والفعل، وتطابق الظاهر والباطن، واستوى السر والعلانية. (والواقع أن أصحاب رسول الله ﷺ لم يحتلوا في الإيمان مكان القمة ولم يغيروا التاريخ الإنساني ويقيموا حكما مكان حكم وأخلاقا مكان أخلاق إلا لقربهم من حياة الرسول ﷺ واقتباسهم من سناه وسريان الإخلاص من قلبه إلى قلوبهم، وحب الله من فؤاده إلى أفئدتهم) (١) . وأقول: نعم إن الصحب الكرام هم الرعيل الأول الذين أدبهم صاحب الخلق العظيم، وهداهم إلى الصراط المستقيم، وهذب طباعهم التنزيل الحكيم، وأنجبتهم مدرسة النبوة كما قال بعضهم:

стр. 308

أنتج المسجد الكريم أناسا ... أنجبتهم مدارس القرآن صقلتهم يد الرسول فأضحوا ... غرة الدهر في جبين الزمان نعم أهل القرآن هم الفائزون بالوسطية. * القرآن الكريم كتاب هداية فهو نور، وشفاء لما في الصدور، وهو الهادي إلى الحق، فالإعراض عنه ضلال وخسران، وزيغ وطغيان ويظل المعرض عنه في الدنيا في ضنك واضطراب، ويحشر أعمى في يوم المآب كما ورد في النص في (طه) قال ابن عباس ﵁: (تضمن الله لمن قرأ القرآن واتبع ما فيه أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة) (١) يشير إلى قوله سبحانه: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣] وهذا المعنى هو الذي نقصده واليراعة نحوه تسعى ويرحم الله تعالى من قال: فأدنى البرايا من إلى البدع اعتزى ... وأعلى البرايا من إلى السنن انتمى ومن ترك القرآن قد ضل سعيه ... وهل يترك القرآن من كان مسلما؟ وحملة التنزيل الحكيم الذين أنار الله تعالى بصائرهم ومنحهم تقواه فهدوا إلى الحق وتفتحت لهم أبواب المعرفة، وامتزجت أفئدتهم بآيه وتعاليمه ورتلوه في الغدو والآصال فانقادت جوارحهم لطاعة ربهم، واطمأنت قلوبهم بذكره، وكانوا من عباد الرحمن فهم يمشون على

стр. 309

نور، وتتجلى مظاهر الوسطية في سلوكهم، لأنهم يعتصمون بأشرف الذكر من مضلات الفتن، وحينما ربطت مؤسسات تعليم القرآن الناشئة بكتاب الله العزيز، وربتهم على ترتيله وتدبر نصوصه أنجبت جيلا من المتخلقين بأخلاق القرآن وأنتجت هذه الدور المباركة مجموعة من كنوز المستقبل مؤهلة لحمل الأمانة محصنة من الأهواء والزيغ يحملون مشعل الوسطية ويطبقون منهج الله سبحانه، فهم يتجاوزون مرحلة الإيمان النظري إلى مرحلة أزكى وأرقى، فهم من المجتمع غرته وخياره، يهدون إلى الرشد، ويحاربون كل بدعة، وينشرون التوجيهات الربانية بين الناس، تلاوة وعملا دون القصد على أحدهما. فلذلك كانت هذه الفئة من مجتمعنا المسلم بمنأى عن مظاهر الغلو في الدين في عصرنا الحاضر، وتشكل سدا منيعا من التهاوي في دركات أهل الأهواء ويرفض التشدد في الدين والتنطع الذي يعتبر من المهلكات ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧] [تفاقم ظاهرة الغلو في الدين في عصرنا الحاضر] تفاقم ظاهرة الغلو في الدين في عصرنا الحاضر والغلو في الدين ليس وليد اليوم على الساحة الإسلامية، بل هو مغرق في القدم له جذوره وتاريخه ودوافعه. فقد كانت بذرة التغالي بادئة في النمو في العصر النبوي، وأشار النبي ﷺ إلى ذلك في قوله: «إِنْ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ

стр. 310

الْأَوْثَانِ» أخرج الشيخان (١) فكان الرجل المشار إليه في الحديث بذرة الخوارج الذين استحلوا دماء المسلمين وكفروا أهل القبلة، وقاتلهم أمير المؤمنين علي ﵁ وإنما ضل هؤلاء لعدم فهمهم القرآن الكريم، فهم وإن كانوا يقرءون إلا أن تلك القراءة عرية عن الفهم الصحيح، فلذلك كانوا يأخذون آيات نزلت في الكفار فيحملونها على أهل القبلة، فيكفرونهم، كما قال عبد الله بن عمر ﵄ في الخوارج (إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين) (٢) . وما دام هؤلاء كفروا مجتمعهم، فإن هذا يقضي باستحلال دمائهم، وهذا الذي كان كما أخبر بذلك المصطفى ﷺ ، فكان من أعلام نبوته. قال أبو قلابة: (ما ابتدع رجل بدعة إلا استحل السيف) (٣) وهذه عامة المبتدعة الغالبة، والعلامة التي يشترك فيها جمهرتهم.

стр. 311

ولله در شيخ الإسلام ابن تيمية حين يقول: (طريقة أهل البدع يجمعون بين الجهل والظلم، فيبتدعون بدعة مخالفة للكتاب والسنة وإجماع الصحابة، ويكفرون من خالفهم في بدعهم) (١) اهـ. وقال ابن القيم في المدارج (٢) (ما أمر الله تعالى بأمر إلا وللشيطان فيه نزعتان إما إلى تفريط وإضاعة وإما إلى إفراط وغلو، ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه، كالوادي بين جبلين، والهدى بين ضلالتين، والوسط بين طرفين ذميمين فكما أن الجافي عن الأمر مضيع له، فالغالي فيه مضيع له، هذا بتقصيره عن الحد، وهذا بتجاوزه الحد) اهـ. وهذا النص كالشرح لقول الإمام الحسن البصري: (سننكم والله الذي لا إله إلا هو بينهما، بين الغالي والجافي) (٣) وهو نحو قول مطرف بن عبد الله: (خير الأمور أوسطها: الحسنة بين السيئتين، وشر الأمور الحقحقة) (٤) . ومما أوردنا من النصوص عن هؤلاء الأئمة الأعلام ندرك أن هؤلاء المبتدعة من الخوارج ومن دار في فلكهم إنما وقعوا في براثن

стр. 312

الزيغ والضلال بسبب ركونهم إلى ما أملته عليهم أفهامهم السقيمة، وأفكارهم الموبوءة. وكم من عائب قولا صحيحا ... وآفته من الفهم السقيم وإنما العلم بالتعلم، ولو رجع هؤلاء إلى علماء الصحابة ومحدثيها أمثال ابن عمر وغيره لشفوا من هذا الداء العضال. ثم إن هذا الصنف المهيأ لانتحال الآراء المبتدعة، يتمسكون بالمتشابه من النصوص ويهملون عمدا المحكم القاضي على المتشابه، كما قال في النصارى ومن سار على نهجهم. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] وما أجمل كلام الشاطبي (١) في هذا الشأن فإنه قال: (وكثيرا ما تجد أهل البدع والضلالة يستدلون بالكتاب والسنة يحملونها مذاهبهم، ويغبرون بمشتبهاتها على العامة، ويظنون أنهم على شيء، فلهذا كله يجب على كل ناظر في الدليل الشرعي مراعاة ما فهم منه الأولون، وما كانوا عليه في العمل به فهو أحرى بالصواب، وأقوم في العلم والعمل) اهـ.

стр. 313

رحمك الله تعالى أيها الشاطبي، فما أشبه الليلة بالبارحة، فما حذرت منه في القديم قد وقع في شباكه لفيف من المتشددين المعاصرين، فأحدثوا فقها أملته عليهم الزنزانات وظلمات السجون، ورجحه عندهم أفكار قاصرة، وأفهام سقيمة، ولم يلقوا لفهم الأولين بالا، ولم يعيروه التفاتة واحدة، فاستقلوا فضلوا ورحم الله صاحب الخلاصة إذ يقول: وقد تزاد كان في حشو كما ... كان أصح علم من تقدما والحكم في الأمور العظام يتطلب مؤهلات علمية عالية، ولا توجد إلا في أفراد محصورين في كل عصر ومصر، ومن أهم ذلك معرفة المقاصد الشرعية التي لا يحيط بكنهها إلا الراسخون في العلم. يقول الشاطبي (١) (فإذا بلغ الإنسان مبلغا فهم عن الشارع فيه قصده في كل مسألة من مسائل الشريعة، وفي كل باب من أبوابها فقد حصل له وصف هو السبب في تنزيله منزلة الخليفة للنبي ﷺ في التعليم والفتيا والحكم بما أراه الله) اهـ. وهذا باب واسع دقيق لا يخوض غماره إلا أكابر العلماء، وكثير ممن تردى في مهاوي الغلو أتي من جهله بالمقاصد الشرعية، فخبط خبط عشواء وكأنما ركب متن ناقة عمياء، فضل السبيل، ولم

стр. 314

يسعد بالدليل، وفتحوا على المسلمين بابا يلج منه أعداء الإسلام للمز الدين الحنيف، ووصفه بالإرهاب تارة، وباستهانته بالأرواح، وانتقاص حقوق الإنسان تارة أخرى، ولذلك نرى في هذه الأيام تكالب قوى الشر على المسلمين، وحقن عقول الشباب الإسلامي بهذه الشبه الباطلة، ويهدف أعداء الإسلام من هذا التشويه المتعمد، وطرح أفكار الشباب في أنياب التحيز والتشكيك إحداث ردة قوية في أمة الإسلام، وطمس محاسن هذا الدين، ومحاربة تعاليمه بواسطة ثلة من أبنائه من أهل العقوق وإنا لله وإنا إليه راجعون. [من مظاهر الغلو في العصر الحاضر] من مظاهر الغلو في العصر الحاضر - وهناك مظاهر أخرى للغلو في الدين في عصرنا الحاضر، كالقول بتكفير المجتمعات المسلمة المعاصرة، وموقف طائفة من هؤلاء الغلاة في المسلمين أي عدم الحكم بإسلامهم إلا بعد امتحانهم وتبين حالهم، ومن ذلك تشريع الاغتيالات للمسلمين أو معصومي الدماء كالمعاهدين ونحوهم والقيام بأعمال تخريبية، إلى غير ذلك من المبادئ المجافية لما عليه المسلمون من أهل السنة والجماعة (١) . وأما الغلو في مجتمعنا المعاصر، وما أبرزته آثاره على الساحة فهذا من الظهور بحيث لا يتطلب تبيانا.

стр. 315

فقد صاحب هذه الطفرة الحضارية على الكرة الأرضية أحداث دامية مؤلمة في كثير من الأقطار والأمصار معظمها متمخض عن هذه الظاهرة، وكان أهم مظاهر الغلو المعاصر على النحو التالي: ١ - مظهر التكفير: وهي بلية ابتليت بها أمة الإسلام على أيدي أغمار شبان لم يتفيأوا بظلال العلم الشرعي، ولم يرتقوا في معارج المعارف، ولم يتأهلوا للحكم بالكفر على هؤلاء، أو بالإيمان لأولئك، فتناولوا حكاما يحكمون الشريعة الإسلامية - في الجملة - بالتكفير وإن كان هناك بعض القصور، لأنهم كما يزعمون حكموا بغير ما أنزل الله سبحانه، هكذا أخذوا الموضوع على إطلاقه عريا عن القيود والضوابط المرعية هنا ثم كفروا أتباعهم المحكومين لكونهم - كما يزعمون - راضين بهذه الأحكام الوضعية ثم امتد التكفير إلى كل من لم يكفر هاتين الطائفتين، ومضت سلسلة التكفير تنتظم المجتمعات الإسلامية على أيدي هؤلاء الأحداث، فلم يبق على وجه الأرض إلا أفراد مسلمون فقط كما يزعمون وأما ما سوى هؤلاء النخبة فهم غير معصومي الدماء، وليسوا من أهل القبلة وإن اتجهوا إليها في صلواتهم وحجهم. ولعل من أهم عوامل اختراع هذا الاتجاه امتلاء الساحة في عصرنا الحديث بالفرق والمذاهب والآراء التي تذكي نيران الفرقة،

стр. 316

وتوسع مدارك الخلاف، ويستهوي بعضها هؤلاء المفتونين، فيتمكن من قلبه ويتغلغل حتى يعود عقيدة راسخة، لأنه ليس عنده من الحصانة الثقافية الإسلامية ما تحجزه عن التهافت على الآراء المبتورة الممتزجة ببدع الأهواء، فهو على النحو الذي عناه الشاعر: أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا خاليا فتمكنا ذلك لأن الجاهل الذي لم تهذبه التعاليم الإسلامية، ولم ترسخ في ذهنه المقاصد الشرعية، ولم يحط علما بعلل الأحكام، لا يقدر على التمييز بين الآراء الصحيحة والسقيمة، ولا يفرق بين الغث والسمين، فيذهب في متاهة الغلو تارة، وفي مفاوز التفريط تارة أخرى، ويلتقط من الأفكار المجافية للأصول الإسلامية الصحيحة ما انشرح صدر هواه له، فتتلاعب به شياطين الإغواء والأهواء وهذه قاصمة الظهر. ب - ومن نتائج التكفير الجماعي استحلال القتل الجماعي للمسلمين وغيرهم فإن التكفير وإزهاق الأرواح متلازمان وهما توأم، ولذلك أثبتت حوادث مريعة في بلاد الإسلام أن هذا الصنف من المفتونين يتخذون من وسائل التدمير الجماعية مسلكا لتحقيق أهدافهم، وهم في ذلك لا يفرقون بين الصغير والكبير، ولا الشيخ والرضيع، ولا بين الذكر والأنثى، ولا بين المذنب والبريء، وهذا من الخطورة بمكان، وإذا كان الإسلام هو دين مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال والعادات كما هو معلوم،

стр. 317

فإنه ينهى المجاهدين عن قتل صغار الكفار ونسائهم ورهبانهم، فكيف يستحل هؤلاء من المسلمين ما لا يحل فعله مع الكفار المحاربين. ونتيجة لهذه الأفعال المشينة، والأخلاق المهينة التي لا يقرها الإسلام ولا يدعو إليها أتباعه فإن هؤلاء الذين يقومون بهذه الفظائع، ويرتكبون أفظع الجرائم باسم الإسلام وتوجيهاته صاروا أضر الخلق على الإسلام وأهله. [لمحة عن علاج ظاهرة الغلو] لمحة عن علاج ظاهرة الغلو ١ - الاعتصام بالكتاب والسنة، فهما المصدران النيران اللذان من اعتصم بهما هدي إلى النهج السوي، والطريق القويم كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠١] ولا يتم الهدي إلا بالعمل بهما معا، والأخذ بما جاء فيهما، لأن كل واحد منهما ملتحم بالآخر غير مستغن عنه، فالسنة النبوية مفسرة للقرآن، ومفصلة لما أجمله فيه وقد وكل الله تعالى بيان القرآن إلى نبيه محمد ﷺ كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] ولذلك لا تحقق النجاة في الدنيا والأخرى إلا لمن تمسك بهما معا، فقد قال ﷺ «أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ

стр. 318

شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ» . الحديث، وزاد الترمذي: «وإن ما حرم رسول الله ﷺ كما حرم الله» (١) وهو حديث صحيح مشهور أخرجه أصحاب السنن وغيرهم. قال الخطابي (٢) فالرسول ﷺ يحذر بذلك مخالفة السنن التي سنها رسول الله ﷺ مما ليس له في القرآن ذكر علي ما ذهبت إليه الخوارج والروافض فإنهم تعلقوا بظاهر القرآن، فتركوا السنن التي قد ضمنت بيان الكتاب فتحيروا وضلواا هـ. قال أيوب السختياني: (إذا حدثت الرجل بالسنة، فقال دعنا من هذا وحدثنا من القرآن، فاعلم أنه ضال مضل) . (٣) ولا مراء أن الانحرافات بأشكالها المتعددة إنما نبتت على ساحة الفكر الإسلامي كنتيجة حتمية للإعراض عن الكتاب والسنة، وترك الاستهداء بنورهما الوهاج فيكمن العلاج في الرجوع إليهما

стр. 319

والاعتصام بهما، والأخذ بتوجيههما، ففيهما المنجاة من الغرق، والسلامة من مضلات الفرق. قال شيخ الإسلام (١) (وكان أعظم ما أنعم الله به عليهم اعتصامهم بالكتاب والسنة فكان من الأصول المتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان أنه لا يقبل من أحد قط أن يعارض القرآن لا برأيه ولا ذوقه ولا معقوله ولا قياسه ولا وجده، فإنهم ثبت عنهم بالبراهين القطعيات والآيات البينات أن الرسول ﷺ جاء بالهدى ودين الحق، وأن القرآن يهدي للتي هي أقوم) اهـ. ولذلك كان لحفظة القرآن من أبناء الأمة الإسلامية دور واضح في مقارعة الغلو، والقضاء عليه جملة وتفصيلا، وذلك من خلال عرض نصوص القرآن الداعية إلى السماحة واليسر، والسهولة والتخفيف، والإعلان برفع الحرج عن هذه الأمة التي خصها الله تعالى بخصائص رفعتها إلى أن تكون من أهل الشهادة على الأمم الأخرى. ويقول شيخ الإسلام - أيضا -: (جماع الفرقان بين الحق والباطل والهدى والضلال والرشاد والغي وطريق السعادة والنجاة وطريق الشقاوة والهلاك أن يجعل ما بعث الله به رسله وأنزل به كتبه هو الحق الذي يجب اتباعه، وبه يحصل الفرقان والهدى والعلم

стр. 320

والإيمان فيصدق بأنه حق وصدق، وما سواه من كلام الناس يعرض عليه، فإن وافقه فهو على حق وإن خالفه فهو باطل وإن لم يعلم هل وافقه أو خالفه لكون ذلك الكلام مجملا لا يعرف مراد صاحبه أو قد عرف مراده لكن لم يعرف هل جاء الرسول بتصديقه أو تكذيبه فإنه يمسك فلا يتكلم إلا بعلم، والعلم ما قام عليه دليل، والنافع منه ما جاء به الرسول ﷺ (١) اهـ. وهذه قاعدة أصلية من طبقها حاز النصيب الأوفى من الفوز بالنجاة من مضلات الفتن، ولذا يقول أيضا في الموضوع نفسه: (وكل من دعا إلى شيء من الدين بلا أصل من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فقد دعا إلى بدعة وضلالة، والإنسان في نظره مع نفسه ومناظرته لغيره إذا اعتصم بالكتاب والسنة هداه الله تعالى إلى صراطه المستقيم فإن الشريعة مثل سفينة نوح ﵇، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق) (٢) اهـ. والله أسأل أن يهدي الأمة الإسلامية لأقوم طريق. ٢ - والالتزام بمذهب السلف أهل السنة والجماعة، لأن السلف هم الذين يحققون الوسطية، ويطبقون منهج الشرع، وهم الذين يفهمون المقاصد الشرعية، والنصوص من المصدرين على الوجه الصحيح، وقد شهد لهم المصطفى ﷺ بالخيرية كما في
следующие страницы →