ومنهم من قال: ثلاث مرات. وَكُلُّ هَذَا خَبْطٌ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ ضُعَفَاءِ الظَّاهِرِيَّةِ من أرباب النقل، والصواب الذي عليه أئمة أهل النقل أن الإسراء كان مرة واحدة، ويا عجبا لهؤلاء كَيْفَ سَاغَ لَهُمْ أَنْ يَظُنُّوا أَنَّهُ فِي كل مرة تفرض عليه الصلاة خمسين. وَقَدْ غَلَّطَ الْحُفُّاظُ شريكا فِي أَلْفَاظٍ مِنْ حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ، ومسلم أَوْرَدَ الْمُسْنَدَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: فَقَدَّمَ وَأَخَّرَ وَزَادَ وَنَقَصَ. وَلَمْ يَسْرُدِ الحديث، وأجاد ﵀.
[فَصْلٌ فِي مَبْدَأِ الْهِجْرَةِ الَّتِي فَرَّقَ اللَّهُ بها بين أوليائه وأعدائه]
فَصْلٌ
فِي مَبْدَأِ الْهِجْرَةِ الَّتِي فَرَّقَ اللَّهُ بها بَيْنَ أَوْلِيَائِهِ وَأَعْدَائِهِ وَجَعَلَهَا مَبْدَأً لِإِعْزَازِ دِينِهِ ونصرة رسوله قال الترمذي: حَدَّثَنِي محمد بن صالح، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عمران بْنِ قَتَادَةَ، ويزيد بن رومان، وَغَيْرِهِمَا، قَالُوا: أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ سِنِينَ مِنْ أَوِّلِ نُبُوَّتِهِ مُسْتَخْفِيًا، ثُمَّ أَعْلَنَ فِي الرَّابِعَةِ، فَدَعَا النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ عَشْرَ سِنِينَ يُوَافِي الْمَوْسِمَ كُلَّ عَامٍ يَتَّبِعُ الْحَاجَّ فِي مَنَازِلِهِمْ، وَفِي الْمَوَاسِمِ بِعُكَاظٍ وَمَجَنَّةَ وَذِي الْمَجَازِ، يَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يَمْنَعُوهُ حَتَّى يُبَلِّغَ رِسَالَاتِ رَبِّهِ وَلَهُمُ الْجَنَّةُ، فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَنْصُرُهُ وَلَا يُجِيبُهُ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَسْأَلُ عَنِ الْقَبَائِلِ وَمَنَازِلِهَا قَبِيلَةً قَبِيلَةً، وَيَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَا اللَّهُ، تفلحوا وتملكوا بها العرب، وتدين لكم بها العجم، وإذا آمَنْتُمْ كُنْتُمْ مُلُوكًا فِي الْجَنَّةِ» . وأبو لهب وَرَاءَهُ يَقُولُ: لَا تُطِيعُوهُ، فَإِنَّهُ صَابِئٌ كَذَّابٌ. فَيَرُدُّونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أقبح الرد ويؤذونه، ويقولون: عشيرتك أَعْلَمُ بِكَ حَيْثُ لَمْ يَتَّبِعُوكَ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ، وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ لَوْ شِئْتَ لَمْ يَكُونُوا هَكَذَا» . قَالَ: وَكَانَ مِمَّنْ يُسَمَّى لَنَا من القبائل الذين عرض نَفْسَهُ عَلَيْهِمْ بَنُو عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، وَمُحَارِبُ بن خصفة، وَفَزَارَةُ، وَغَسَّانُ، وَمُرَّةُ، وَحَنِيفَةُ، وَسُلَيْمٌ، وَعَبْسٌ، وَبَنُو نضر، وَبَنُو الْبَكَّاءِ، وَكِنْدَةُ، وَكَلْبٌ، وَالْحَارِثُ بْنُ كَعْبٍ، وعذرة، والحضارمة، فلم يستجب منهم أحد. وَكَانَ مِمَّا صَنَعَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ أَنَّ الْأَوْسَ والخزرج كانوا يسمعون من حلفائهم يهود المدينة أن نبيا سيخرج
стр. 107
في هذا الزمان، فَنَتَّبِعُهُ، وَنَقْتُلُكُمْ مَعَهُ قَتْلَ عَادٍ وَإِرَمٍ، وَكَانَتِ الْأَنْصَارُ يَحُجُّونَ الْبَيْتَ كَمَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَحُجُّهُ دون اليهود، فلما رأوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو الناس إلى الله، وَتَأَمَّلُوا أَحْوَالَهُ، قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: تَعْلَمُونَ وَاللَّهِ يَا قَوْمِ أَنَّ هَذَا الَّذِي تَوَعَّدَكُمْ بِهِ اليهود، فَلَا يَسْبِقُنَّكُمْ إِلَيْهِ. وَكَانَ سويد بن الصامت مِنَ الْأَوْسِ قَدْ قَدِمَ مَكَّةَ، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمْ يُبْعِدْ، وَلَمْ يُجِبْ، حَتَّى قَدِمَ أنس بن رافع في فتية مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ يَطْلُبُونَ الْحِلْفَ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَقَالَ إياس بن معاذ وَكَانَ شابا: يَا قَوْمِ، هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ مِمَّا جِئْنَا له، فضربه أنس وَانْتَهَرَهُ، فَسَكَتَ، ثُمَّ لَمْ يَتِمَّ لَهُمُ الْحِلْفُ فانصرفوا إلى المدينة. ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَقِيَ عِنْدَ الْعَقَبَةِ فِي الْمَوْسِمِ سِتَّةَ نفر في الأنصار، كلهم من الخزرج: أسعد بن زرارة، وجابر بن عبد الله بن رئاب، وَعَوْفُ بْنُ الْحَارِثِ، ورافع بن مالك، وقطبة بن عامر، وعقبة بن عامر، فدعاهم إِلَى الْإِسْلَامِ، فَأَسْلَمُوا، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى الْمَدِينَةِ، فدعوا الناس إلى الْإِسْلَامُ، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ، جَاءَ مِنْهُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا؛ السِّتَّةُ الْأُوَلُ خَلَا جَابِرِ، ومعهم معاذ بن الحارث أخو عوف، وذكوان بن عبد قيس، وقد أقام بمكة حتى هاجر، فهو مُهَاجِرِيٌّ أَنْصَارِيٌّ، وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، ويزيد بن ثعلبة، وَأَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ، وعويمر بن مالك، قال أبو الزبير عَنْ جابر: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لبث عَشْرَ سِنِينَ يَتَّبِعُ النَّاسَ فِي مَنَازِلِهِمْ فِي الموسم ومجنة وعكاظ: «من يؤويني ومن يَنْصُرُنِي حَتَى أُبَلِّغَ رِسَالَاتِ رَبِّي وَلَهُ الْجَنَّةُ؟» . فلا يجد أحدا، حتى إن الرجل ليرحل من مصر أَوِ الْيَمَنِ إِلَى ذِي رَحِمِهِ، فَيَأْتِيهِ قَوْمُهُ، فيقولون: احذر غلام قريش. ويمشي بين رجالهم يدعوهم إلى الله وَهُمْ يُشِيرُونَ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ، حَتَّى بَعَثَنَا اللَّهُ مِنْ يَثْرِبَ، فَيَأْتِيهِ الرُّجُلُ مِنَّا، فَيُؤْمِنُ بِهِ، وَيُقْرِئُهُ الْقُرْآنَ، فَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ، فَيُسْلِمُونَ بِإِسْلَامِهِ، فاجتمعنا وقلنا: حتى متى رسول الله يطرد في جبال مكة! فرحلنا حتى قدمنا عليه في الموسم، فواعدناه بيعة العقبة، فقال له العباس: ما أدري ما هؤلاء القوم، إني ذو معرفة بأهل يثرب، فاجتمعا عَنْدَهُ مِنْ رَجُلٍ وَرَجُلَيْنِ، فَلَمَّا نَظَرَ العباس فِي وُجُوهِنَا قَالَ: هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا نَعْرِفُهُمْ، هَؤُلَاءِ أَحْدَاثٌ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَامَ نبايعك؟
стр. 108
قال: «عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي النَّشَاطِ وَالْكَسَلِ، وَعَلَى النَّفَقَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَعَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ والنهي عن المنكر، وعلى أن تقوموا في الله لا تأخذكم فيه لَوْمَةُ لَائِمٍ، وَعَلَى أَنْ تَنْصُرُونِي إِذَا قَدِمْتُ عَلَيْكُمْ، وَتَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَأَزْوَاجَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ وَلَكُمُ الْجَنَّةُ» . فَقُمْنَا نُبَايِعُهُ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ أسعد بن زرارة وهو أصغرهم، فَقَالَ: رُوَيْدًا يَا أَهْلَ يَثْرِبَ، إِنَّا لَمْ نَضْرِبْ إِلَيْهِ أَكْبَادَ الْمَطِيِّ إِلَّا وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَإِنَّ إِخْرَاجَهُ الْيَوْمَ مُفَارَقَةُ العرب كافة، وَأَنْ تَعَضَّكُمُ السُّيُوفُ، فَإِمَّا أَنْتُمْ تَصْبِرُونَ عَلَى ذَلِكَ، فَخُذُوهُ وَأَجْرُكُمْ عَلَى اللَّهِ، وَإِمَّا أَنْتُمْ تَخَافُونَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ خِيفَةً، فَذَرُوهُ فَهُوَ أَعْذَرُ لكم عند الله. قالوا: أَمِطْ عَنَّا يَدَكَ، فَوَاللَّهِ لَا نَذَرُ هَذِهِ الْبَيْعَةَ، وَلَا نَسْتَقِيلُهَا. فَقُمْنَا إِلَيْهِ رَجُلًا رَجُلًا، فأخذ علينا يُعْطِينَا بِذَلِكَ الْجَنَّةَ. ثُمَّ انْصَرَفُوا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَبَعَثَ مَعَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ابن أم مكتوم، ومصعب بن عمير يعلمان الناس القرآن، ويدعوان إلى الله، فنزلا على أسعد بن زرارة، وكان مصعب يؤمهم، وجمع بهم لما بلغو أَرْبَعِينَ، فَأَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِمَا بَشَرٌ كَثِيرٌ، مِنْهُمْ أسيد بن حضير، وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، وَأَسْلَمَ بِإِسْلَامِهِمَا يَوْمَئِذٍ جَمِيعُ بني عبد الأشهل، إلا الأصيرم، تأخر إسلامه إلى يوم أحد، فأسلم حينئذ، وقاتل حتى قتل ولم يسجد لله سجدة، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «عمل قليل، وأجر كثير» . وكثر الإسلام في المدينة وَظَهَرَ. ثُمَّ رَجَعَ مصعب إِلَى مَكَّةَ، وَوَافَى الموسم ذاك الْعَامَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ والمشركين، وزعيم القوم البراء بن معرور، فكانت بيعة العقبة، وكان أول من بايعه الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ، وَكَانَتْ لَهُ الْيَدُ الْبَيْضَاءُ، إذ أكد العقد وبادر إليه، وَاخْتَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ منهم تلك الليلة اثنى عشر نقيبا، فلما تمت البيعة استأذنوه على أَنْ يَمِيلُوا عَلَى أَهْلِ الْعَقَبَةِ بِأَسْيَافِهِمْ، فَلَمْ يأذن لهم، وصرخ الشيطان على العقبة بأبعد صَوْتٍ سُمِعَ: يَا أَهْلَ الْجَبَاجِبِ هَلْ لَكُمْ في محمد وَالصُّبَاةُ مَعَهُ قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى حَرْبِكُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هَذَا أزب العقبة، أَمَا وَاللَّهِ يَا عَدُوَّ اللَّهِ لَأَتَفَرَّغَنَّ لَكَ» . ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَنْفَضُّوا إِلَى رِحَالِهِمْ، فَلَمَّا أصبحوا غدت عليهم أشراف قريش، فقالوا: بَلَغَنَا أَنَّكُمْ لَقِيتُمْ صَاحِبَنَا الْبَارِحَةَ وَوَاعَدْتُمُوهُ أَنْ تُبَايِعُوهُ عَلَى حَرْبِنَا، وَايْمُ اللَّهِ، مَا حَيٌّ من العرب أبغض إلينا من أن تنشب بيننا وبينه الحرب منكم. فانبعث من هناك من المشركين يحلفون
стр. 109
بالله: ما كان هذا. وجعل ابن أبي يقول: هذا باطل، وما كان قومي ليفتاتوا علي بمثل هَذَا، لَوْ كُنْتُ بِيَثْرِبَ مَا صَنَعَ قَوْمِي هذا حتى يؤامروني. فرجعت قريش، ورحل البراء إِلَى بَطْنِ يَأْجَجَ، وَتَلَاحَقَ أَصْحَابُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وطلبتهم قريش، فأدركوا سعد بن عبادة، فجعلوا يضربونه حَتَّى أَدْخَلُوهُ مَكَّةَ، فَجَاءَ مطعم بن عدي والحارث بن حرب بن أمية، فخلصاه منهم، وَتَشَاوَرَتِ الْأَنْصَارُ حِينَ فَقَدُوهُ أَنْ يَكِرُّوا إِلَيْهِ، فإذا هو قد طلع عليهم، فرحلوا جميعا. وَأَذِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ للمسلمين في الهجرة إِلَى الْمَدِينَةِ، فَبَادَرَ النَّاسُ إِلَى ذَلِكَ، فَكَانَ أول من خرج إليها أبو سلمة وامرأته، ولكنها احتبست عنه سنة وحيل بينها وبين ولدها، ثم خرجت بعد بِوَلَدِهَا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَشَيَّعَهَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي طلحة. ثم خرج الناس أرسالا، ولم يبق بمكة إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأبو بكر وعلي -أَقَامَا بِأَمْرِهِ لَهُمَا - وَإِلَّا من احتبسه المشركون كرها، وأعد رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جِهَازَهُ ينتظر متى يؤمر، وأعد أبو بكر جهازه. فَلَمَّا رَأَى الْمُشْرِكُونَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قد خرجوا وساقوا الذراري والأموال إلى المدينة، وأنها دار منعة وأهلها أهل بأس، خافوا خُرُوجَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إليهم، فَيَشْتَدُّ عَلَيْهِمْ أَمْرُهُ، فَاجْتَمَعُوا فِي دَارِ النَّدْوَةِ، وحضرهم إبليس في صورة شيخ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، مُشْتَمِلٌ الصَّمَّاءَ فِي كِسَائِهِ، فأشار كل واحد برأي، والشيخ لا يرضاه، حتى قال أبو جهل: أرى أن تأخذوا من كل قبيلة غلاما جلدا، ثم نعطيه سيفا صارما، ثم يضربونه ضربة رجل واحد، فلا تدري بنو عبد مناف ما تصنع بعد ذلك، ونسوق إليهم ديته. فقال الشيخ: هذا والله الرأي. فتفرقوا عليه، فجاءه جبريل فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يَنَامَ فِي مَضْجَعِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ. وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أبي بكر نِصْفَ النَّهَارِ فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِيهِ فِيهَا مُتَقَنِّعًا، فَقَالَ لَهُ: «أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ» ، فَقَالَ: إِنَّمَا هُمْ أَهْلُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ» . فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله، قال: «نعم» . قال: فَخُذْ بِأَبِي وَأُمِّي إِحْدَى رَاحِلَتَيْ هَاتَيْنِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «بِالثَّمَنِ» . وَأَمَرَ عليا أَنْ يَبِيتَ فِي مَضْجَعِهِ تِلْكَ الليلة، واجتمع أولئك النفر يتطلعون من صير
стр. 110
الباب يريدون بَيَاتَهُ، وَيَأْتَمِرُونَ أَيُّهُمْ يَكُونُ أَشْقَاهَا، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخَذَ حَفْنَةً مِنَ الْبَطْحَاءِ، فَجَعَلَ يَذُرُّهُ عَلَى رُءُوسِهِمْ وَهُمْ لَا يَرَوْنَهُ وَهُوَ يَتْلُو: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ٩] (١) . ومضى إِلَى بَيْتِ أبي بكر، فَخَرَجَا مِنْ خَوْخَةٍ فيه ليلا، وجاء رجل فرأى الْقَوْمَ بِبَابِهِ. فَقَالَ: مَا تَنْتَظِرُونَ؟ قَالُوا: مُحَمًّدًا. قَالَ: خِبْتُمْ وَخَسِرْتُمْ، قَدْ وَاللَّهِ مَرَّ بِكُمْ، وذر على رءوسكم التراب. فقاموا ينفضون عن رءوسهم، فلما أصبحوا قام علي من الفراش، فسألوه عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: لَا عِلْمَ لي به. ثم مضى وأبو بكر إِلَى غَارِ ثَوْرٍ، فَدَخَلَاهُ، وَضَرَبَ العنكبوت بيتا على بابه، وكانا قد استأجرا ابن أريقط الليثي، وكان هاديا ماهرا بالطريق وهو على دين قومه، وَأَمِنَاهُ عَلَى ذَلِكَ، وَسَلَّمَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا، وَوَاعَدَاهُ الغار بَعْدَ ثَلَاثٍ، وَجَدَّتْ قُرَيْشٌ فِي طَلَبِهِمَا، وَأَخَذُوا مَعَهُمُ الْقَافَةَ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى بَابِ الْغَارِ فوقفوا عليه، وَكَانَ عامر بن فهيرة يَرْعَى عَلَيْهِمَا غَنَمًا لأبي بكر، ومكثا فيه ثلاثا حتى خمدت عنهما نار الطلب، ثم جاءهما ابن أريقط بِالرَّاحِلَتَيْنِ فَارْتَحَلَا، وَأَرْدَفَ أبو بكر عامر بن فهيرة، وَسَارَ الدَّلِيلُ أَمَامَهُمَا، وَعَيْنُ اللَّهِ تصحبهما، وإسعاده ينزلهما ويرحلهما. ولما أيس المشركون منهما جَعَلُوا لِمَنْ جَاءَ بِهِمَا دِيَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَجَدَّ النَّاسُ فِي الطَّلَبِ، وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ، فَلَمَّا مَرُّوا بِحَيِّ بَنِي مُدْلِجٍ مُصْعِدِينَ مِنْ قُدَيْدٍ، بَصُرَ بِهِمْ رَجُلٌ مِنَ الحي، فقال لهم: لقد رأيت بِالسَّاحِلِ أَسْوِدَةً مَا أُرَاهَا إِلَّا مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ. ففطن سراقة، فأراد أن يكون له الظفر خَاصَّةً، وَقَدْ سَبَقَ لَهُ مِنَ الظَّفَرِ مَا لم يكن في حسابه، فقال: بل هما فُلَانٌ وَفُلَانٌ، خَرَجَا فِي طَلَبِ حَاجَةٍ لَهُمَا، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا، ثُمَّ قَامَ فَدَخَلَ خِبَاءَهُ، وقال لخادمه: اخرجي بِالْفَرَسِ مِنْ وَرَاءِ الْخِبَاءِ، وَمَوْعِدُكَ وَرَاءَ الْأَكَمَةِ، ثُمَّ أَخَذَ رُمْحَهُ وَخَفَضَ عَالِيَهُ يَخُطُّ بِهِ الْأَرْضَ حَتَّى رَكِبَ فَرَسَهُ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْهُمْ، وسمع قراءة النبي ﷺ وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات، قال أبو بكر: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا سراقة قَدْ رَهَقَنَا. فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَسَاخَتْ يَدَا فَرَسِهِ فِي الأرض، فقال: قد علمت أن الذي
стр. 111
أَصَابَنِي بِدُعَائِكُمَا فَادْعُوَا اللَّهَ لِي، وَلَكُمَا عَلَيَّ أَنْ أَرُدَّ النَّاسَ عَنْكُمَا، فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فأطلق، وسأله أَنْ يَكْتُبَ لَهُ كِتَابًا، فَكَتَبَ لَهُ أبو بكر بأمره في أديم، وكان معه إلى يوم فتح مكة، فجاء بالكتاب فوفى لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقال: اليوم يَوْمُ وَفَاءٍ وَبِرٍّ، وَعَرَضَ عَلَيْهِمَا الزَّادَ وَالْحِمْلَانِ، فَقَالَا: لَا حَاجَةَ لَنَا بِهِ وَلَكِنْ عَمِّ عَنَّا الطَّلَبَ، فَقَالَ: قَدْ كُفِيتُمْ، وَرَجَعَ فَوَجَدَ النَّاسَ فِي الطَّلَبِ، فَجَعَلَ يَقُولُ: قَدِ اسْتَبْرَأْتُ لكم الخبر، فكان أَوَّلَ النَّهَارِ جَاهِدًا عَلَيْهِمَا، وَآخِرَهُ حَارِسًا لَهُمَا، ثم مرا في مسيرهما ذلك بخيمتي أم معبد الخزاعية، ثم الكعبية، فسألوها الزاد، فلم يصيبوا عندها شيئا، وكانوا مسنتين، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى شاة في خيمتهم وسألها: «هل بها لبن» ؟ قالت: هي أجهد من ذلك إنما خلفها عن الغنم الجهد، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فمسح بيده ضرعها وسمى الله تعالى، ودعا فتفاجت عليه ودرت، ودعا بإناء بيربص الرهط، فحلب فيه حتى علته الرغوة وسقاها وسقى أصحابه وشرب آخرهم، ثم غادره عندها، وارتحلوا عنها ثم قال: وأصبح صوت عاليا بمكة يَسْمَعُونَهُ وَلَا يَرَوْنَ الْقَائِلَ:
جَزَى اللَّهُ رَبُّ الناس خَيْرَ جَزَائِهِ ... رَفِيقَيْنِ حَلَّا خَيْمَتَيْ أم معبد
هما نزلا بالبر وارتحلا به ... فأفلح من أمسى رفيق محمد
فيالقصي مَا زَوَى اللَّهُ عَنْكُمُ ... بِهِ مِنْ فَعَالٍ لا يجازى وسؤدد
سلوا أختكم عن شأنها وإنائها ... فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد
دعاها بشاة حائل فتحلبت ... له بصريح ضرة الشاة مزبد
نبي يرى ما لا يرى الناس حوله ... ويتلو كتاب الله في كل مشهد
وإن قال في يوم مقالة غائب ... فتصديقها في ضحوة اليوم أو غد
ترحل عن قوم فزالت عقولهم ... وحل على القوم بنور مجدد
هداهم به بعد الضلالة ربهم ... وأرشدهم من يتبع الحق يرشد
ليهن أبا بكر سعادة جده ... بصحبته من يسعد الله يسعد
ويهن بَنِي كَعْبٍ مَكَانَ فَتَاتِهِمْ ... وَمَقْعَدُهَا لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَرْصَدِ
قالت أسماء: مَا دَرَيْنَا أَيْنَ تَوَجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنَ
стр. 112
الْجِنِّ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ، فَأَنْشَدَ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ، والناس يتبعونه يسمعون صَوْتَهُ وَلَا يَرَوْنَهُ، حَتَّى خَرَجَ مِنْ أَعْلَاهَا.
قالت أسماء: فَلَمَّا سَمِعْنَا قَوْلَهُ عَرَفْنَا حَيْثُ تَوَجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَّ وَجْهَهُ إلى المدينة.
[فصل في قدوم النبي الْمَدِينَةِ]
فَصْلٌ وَبَلَغَ الْأَنْصَارَ مَخْرَجُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ من مكة، فكانوا يخرجون كل يوم إلى الحرة ينتظرونه، فإذا اشتد حر الشمس رجعوا إِلَى مَنَازِلِهِمْ.
فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ ثَانِيَ عشر ربيع الأول على رأس ثلاثة عشر من نبوته خرجوا على عادتهم، فلما حميت الشَّمْسِ رَجَعُوا، وَصَعِدَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِ الْمَدِينَةِ لِبَعْضِ شَأْنِهِ، فَرَأَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ مُبَيِّضِينَ يَزُولُ بِهِمُ السَّرَابُ، فَصَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا بَنِي قَيْلَةَ هَذَا صَاحِبُكُمْ قَدْ جَاءَ، هذا جدكم الذي تنتظرون. فثار الأنصار إلى السلاح ليتلقوه، وسمعت الوجبة وَالتَّكْبِيرُ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَكَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ فَرَحًا بِقُدُومِهِ، وَخَرَجُوا لِلِقَائِهِ، فَتَلَقَّوْهُ وَحَيَّوْهُ بتحية النبوة، وأحدقوا بِهِ مُطِيفِينَ حَوْلَهُ، وَالسَّكِينَةُ تَغْشَاهُ، وَالْوَحْيُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التَّحْرِيمِ: ٤] (١) .
فَسَارَ حَتَّى نَزَلَ بِقُبَاءَ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَنَزَلَ عَلَى كُلْثُومِ بْنِ الْهِدْمِ وَقِيلَ: عَلَى سَعْدِ بْنِ خَيْثَمَةَ، وَالْأَوَّلُ أثبت، فأقام فيهم أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، وَأَسَّسَ مَسْجِدَ قُبَاءَ، وَهُوَ أَوَّلُ مَسْجِدٍ أُسِّسَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ رَكِبَ بِأَمْرِ اللَّهِ لَهُ، فَأَدْرَكَتْهُ الْجُمُعَةُ فِي بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ فَجَمَعَ بِهِمْ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي فِي بَطْنِ الْوَادِي، ثُمَّ رَكِبَ فَأَخَذُوا بِخِطَامِ رَاحِلَتِهِ: هَلُمَّ إِلَى الْعَدَدِ وَالْعُدَّةِ وَالسِّلَاحِ وَالْمَنَعَةِ، فَقَالَ: «خَلُّوا سَبِيلَهَا فإنها مأمورة» ، فلم تزل سَائِرَةً بِهِ لَا تَمُرُّ بِدَارٍ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ إِلَّا رَغِبُوا إِلَيْهِ فِي النُّزُولِ عَلَيْهِمْ وَيَقُولُ: «دَعُوهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ» ، فَسَارَتْ حَتَّى وَصَلَتْ موضع مسجده اليوم فبركت وَلَمْ يَنْزِلْ عَنْهَا حَتَّى نَهَضَتْ، وَسَارَتْ قَلِيلًا، ثم التفتت ورجعت في موضعها الأول فبركت، فَنَزَلَ عَنْهَا وَذَلِكَ فِي بَنِي النَّجَّارِ أَخْوَالِهِ.
وكان من توفيق
стр. 113
الله لها، فإنه أحب أن ينزل عليهم ليكرمهم بذلك، فجعلوا يكلمونه في النزول عليهم، وبادر أبو أيوب إلى راحلته فَأَدْخَلَهُ بَيْتَهُ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الْمَرْءُ مَعَ رَحْلِهِ» ، وَجَاءَ أسعد بن زرارة، فأخذ ناقته فكانت عنده، وأصبح كما قال قيس بن صرمة الأنصاري - وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَخْتَلِفُ إِلَيْهِ يَتَحَفَّظُ مِنْهُ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ -:
ثَوَى فِي قُرَيْشٍ بِضْعَ عَشْرَةَ حِجّةً ... يُذَكِّرُ لَوْ يَلْقَى حَبِيبًا مُوَاتِيَا
وَيَعْرِضُ فِي أَهْلِ الْمَوَاسِمِ نَفْسَهُ ... فَلَمْ ير من يؤوي ولم ير واعيا
فَلَمَّا أَتَانَا وَاسْتَقَرَّتْ بِهِ النَّوَى ... وَأَصْبَحَ مَسْرُورًا بِطَيْبَةَ رَاضِيَا
وَأَصْبَحَ لَا يَخْشَى ظُلَامَةَ ظَالِمٍ ... بَعِيدٍ وَلَا يَخْشَى مِنَ النَّاسِ بَاغِيَا
بَذَلْنَا لَهُ الْأَمْوَالَ مِنْ حِلِّ مَالِنَا ... وَأَنْفُسَنَا عِنْدَ الْوَغَى وَالتَّآسِيَا
نُعَادِي الَّذِي عَادَى مِنَ النَّاسِ كُلِّهِمْ ... جَمِيعًا وَإِنْ كَانَ الْحَبِيبَ الْمُصَافِيَا
وَنَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ لَا رَبَّ غَيْرُهُ ... وَأَنَّ كِتَابَ اللَّهِ أَصْبَحَ هَادِيَا
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ النبي ﷺ بِمَكَّةَ، فَأُمِرَ بِالْهِجْرَةِ، وَأُنْزِلَ عَلَيْهِ: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٨٠] (١) .
قَالَ قتادة: أَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ مَخْرَجَ صِدْقٍ وَنَبِيُّ اللَّهِ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا طَاقَةَ لَهُ بِهَذَا الْأَمْرِ إِلَّا بِسُلْطَانٍ، فَسَأَلَ اللَّهَ سُلْطَانًا نَصِيرًا، وَأَرَاهُ اللَّهُ دَارَ الْهِجْرَةِ وَهُوَ بِمَكَّةَ، فَقَالَ: «أُرِيتُ دَارَ هجرتكم بسبخة ذات نخل بين لابتين» . قَالَ البراء: أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَجَعَلَا يقرئان الناس القرآن، ثم جاء عمار بن ياسر، وبلال، وسعد، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي عِشْرِينَ رَاكِبًا، ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَمَا رَأَيْتُ النَّاسَ فرحوا بشيء فرحهم بِهِ، حَتَّى رَأَيْتُ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ وَالْإِمَاءَ يَقُولُونَ: هذا رسول الله قد جاء.
فَأَقَامَ فِي مَنْزِلِ أبي أيوب حَتَّى بَنَى مسجده وحجره، وبعث ﷺ وَهُوَ فِي مَنْزِلِ أبي أيوب، خالد بن زيد، وأبا رافع وَأَعْطَاهُمَا بَعِيرَيْنِ وَخَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ إِلَى مَكَّةَ، فَقَدِمَا عَلَيْهِ بفاطمة، وأم كلثوم ابْنَتَيْهِ، وسودة زوجته، وأسامة بن زيد، وأم أيمن.
وأما زينب، فلم يمكنها زوجها
стр. 114
أبو العاص مِنَ الْخُرُوجِ، وَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بكر معهم بعيال أبي بكر وفيهم عائشة، فَنَزَلُوا فِي بَيْتِ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ.
[فَصْلٌ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ]
فَصْلٌ
فِي بِنَاءِ المسجد قال الزهري: بركت ناقته ﷺ عند مَوْضِعَ مَسْجِدِهِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ يُصَلِّي فِيهِ رِجَالٌ من المسلمين، وكان مربدا ليتيمين في حجر أسعد بن زرارة، فساومهما فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فقالا: بل نهبه لك، فأبى حتى ابتاعه مِنْهُمَا بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ، وَكَانَ جِدَارًا لَيْسَ لَهُ سَقْفٌ وَقِبْلَتُهُ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ وَيُجَمِّعُ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ قَبْلَ مَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ فيه شجر غرقد وَنَخْلٌ، وَقُبُورٌ لِلْمُشْرِكِينَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بالقبور فنبشت، وبالنخل والشجر فقطع، وَصُفَّتْ فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، وَجَعَلَ طُولَهُ مِمَّا يلي القبلة مائة ذراع إلى مؤخره، وفي الجانبين مِثْلَ ذَلِكَ أَوْ دُونَهُ، وَجَعَلَ أَسَاسَهُ قَرِيبًا من ثلاثة أذرع، ثم بنوه باللبن، ورسول اللَّهِ ﷺ يَبْنِي مَعَهُمْ، وينقل اللبن والحجارة بنفسه وهو يقول:
اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَهْ ... فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ
وَكَانَ يَقُولُ:
هَذَا الْحِمَالُ لَا حمال خيبر ... هذا أبر ربنا وأطهره
وجعلوا يرتجزون وهم ينقلون اللبن، وجعل بعضهم يقول فِي رَجَزِهِ:
لَئِنْ قَعَدْنَا وَالرَّسُولُ يَعْمَلُ ... لَذَاكَ مِنَّا الْعَمَلُ الْمُضَلَّلُ
وَجَعَلَ قِبْلَتَهُ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَجَعَلَ لَهُ ثَلَاثَةَ أَبْوَابٍ بَابًا فِي مُؤَخَّرِهِ، وَبَابًا يُقَالُ لَهُ: بَابُ الرَّحْمَةِ، وَالْبَابُ الَّذِي يَدْخُلُ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وجعل عمده الجذوع وسقفه الجريد، وَقِيلَ لَهُ: أَلَا تُسَقِّفُهُ؟ فَقَالَ: «لَا عَرِيشٌ كعريش موسى» ، وبنى بيوتا إلى جانبه بيوت أزواجه باللبن، وسقفها بالجذوع والجريد، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْبِنَاءِ بَنَى بعائشة فِي البيت الذي بناه لها شرقي المسجد، وجعل لسودة بيتا آخر.
ثم آخى بين المهاجرين والأنصار، وكانوا تسعين رجلا، من المهاجرين، ونصفهم من الأنصار على المواساة، ويتوارثون بعد الموت إلى وقعة بدر، فلما نزلت
стр. 115
﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأحزاب: ٦] (١) الآية رد التوارث إلى الرحم وقيل: إنه آخى بين المهاجرين ثانية، واتخذ عليا أخا، والثابت الأول. ولو كان ذلك، لكان أحق الناس بأخوته الصديق الذي قال فيه: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ خَلِيلًا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخي وصاحبي» ، وهذه الأخوة وَإِنْ كَانَتْ عَامَّةً كَمَا قَالَ: «وَدِدْتُ أَنْ قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا، قَالُوا: أَلَسْنَا إِخْوَانَكَ؟ قَالَ: أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَإِخْوَانِي قَوْمٌ يَأْتُونَ مِنْ بَعْدِي، يُؤْمِنُونَ بِي وَلَمْ يَرَوْنِي» ، فَلِلصِّدِّيقِ مِنْ هَذِهِ الْأُخُوَّةِ أَعْلَى مَرَاتِبِهَا كَمَا لَهُ مِنَ الصُّحْبَةِ أعلى مراتبها، ووادع مَنْ بِالْمَدِينَةِ مِنَ الْيَهُودِ وَكَتَبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ كتابا، وبادر حبرهم عبد الله بن سلام ودخل فِي الْإِسْلَامِ، وَأَبَى عَامَّتُهُمْ إِلَّا الْكُفْرَ، وَكَانُوا ثَلَاثَ قَبَائِلَ: بَنُو قَيْنُقَاعَ وَبَنُو النَّضِيرِ وَبَنُو قُرَيْظَةَ، وَحَارَبَهُ الثَّلَاثَةُ، فَمَنَّ عَلَى بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَأَجْلَى بَنِي النَّضِيرِ، وَقَتَلَ بَنِي قُرَيْظَةَ وَسَبَى ذُرِّيَّتَهُمْ، وَنَزَلَتْ سُورَةُ الْحَشْرِ فِي بَنِي النَّضِيرِ، والأحزاب في بني قريظة.
وكان يصلي إلى بيت المقدس، وَقَالَ لِجِبْرِيلَ: وَدِدْتُ أَنْ يَصْرِفَ اللَّهُ وَجْهِي عَنْ قِبْلَةِ الْيَهُودِ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ فَادْعُ رَبْكَ وَاسْأَلْهُ، فَجَعَلَ يُقَلِّبُ وَجْهَهُ فِي السماء يرجو ذلك، فأنزل اللَّهُ عَلَيْهِ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤] (٢) الآية، وَذَلِكَ بَعْدَ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ مَقْدَمِهِ المدينة قبل بدر بشهرين، وكان في ذلك حِكَمٌ عَظِيمَةٌ، وَمِحْنَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْيَهُودِ وَالْمُنَافِقِينَ، فأما المسلمون، فقالوا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عِمْرَانَ: ٧] وَهُمُ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ، وَلَمْ تَكُنْ كَبِيرَةً عَلَيْهِمْ، وَأَمَّا الْمُشْرِكُونَ، فَقَالُوا: كَمَا رَجَعَ إِلَى قِبْلَتِنَا يُوشِكُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى دِينِنَا وَمَا رَجَعَ إِلَيْهَا إِلَّا أَنَّهُ الْحَقُّ، وَأَمَّا اليهود، فقالوا: خالف قبلة الأنبياء قبله، وأما المنافقون، فقالوا: ما يدري أَيْنَ يَتَوَجَّهُ إِنْ كَانَتِ الْأُولَى حَقًّا فَقَدْ تَرَكَهَا، وَإِنْ كَانَتِ الثَّانِيَةُ هِيَ الْحَقَّ، فَقَدْ كَانَ عَلَى بَاطِلٍ. وَكَثُرَتْ أَقَاوِيلُ السُّفَهَاءِ مِنَ الناس، وكانت كما قال الله تعالى: ﴿كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى﴾ [البقرة: ١٤٣] (٣) وكانت محنة من الله ليرى من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه،
стр. 116
ولما كان شأن القبلة عَظِيمًا وَطَّأَ سُبْحَانَهُ قَبْلَهَا أَمْرَ النَّسْخِ وَقُدْرَتَهُ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ يَأْتِي بِخَيْرٍ مِنَ الْمَنْسُوخِ أَوْ مثله، ثم عقبه بالتوبيخ لمن تعنت على رسوله، ولم ينقد له، ثم ذكر اخْتِلَافَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَشَهَادَةَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ بأنهم ليسوا على شيء، وحذر عباده مِنْ مُوَافَقَتِهِمْ وَاتِّبَاعِ أَهْوَائِهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ كُفْرَهُمْ به وقولهم: أن له ولد ، ثم أخبر أنه له المشرق والمغرب، فأينما يُوَلِّي عِبَادُهُ وُجُوهَهُمْ فَثَمَّ وَجْهُهُ وَهُوَ الْوَاسِعُ العليم، فلعظمته وسعته وإحاطته أينما توجه الْعَبْدُ، فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ، ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَسْأَلُ رَسُولَهُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ الَّذِينَ لا يتابعونه، ثم أخبره أن أهل الكتاب لن يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم، ثم ذكر أهل الكتاب نعمته عليهم، وخوفهم بأسه، ثم ذكر خليله باني بيته، وأثنى عليه، وأخبر أنه جعله إماما للناس، ثُمَّ ذَكَرَ بَيْتَهُ الْحَرَامَ وَبِنَاءَ خَلِيلِهِ لَهُ، وفي ضمن هذا أن بانيه كما هو إمام الناس، فكذا الْبَيْتُ الَّذِي بَنَاهُ إِمَامٌ لَهُمْ، ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ هَذَا الْإِمَامِ إِلَّا أَسْفَهُ النَّاسِ، ثُمَّ أَمَرَ عِبَادَهُ أَنْ يأتموا به، ويؤمنوا بما أنزل إليه وإلى النَّبِيِّينَ، ثُمَّ رَدَّ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَأَهْلَ بَيْتِهِ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى، وجعل هذا كله توطئة بين يدي تحويل القبلة، وأكد سبحانه الأمر مرة بعد مرة، وأمر به حيث كان رسوله ومن حيث خرج، وأخبر سبحانه أَنَّ الَّذِي يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مستقيم هو الذي هداهم لهذه القبلة، وأنها لهم وهم أهلها، لأنها أفضل القبل، وهم أفضل الْأُمَمِ، كَمَا اخْتَارَ لَهُمْ أَفْضَلَ الرُّسُلِ، وَأَفْضَلَ الْكُتُبِ وَأَخْرَجَهُمْ فِي خَيْرِ الْقُرُونِ، وَخَصَّهُمْ بِأَفْضَلِ الشَّرَائِعِ، وَمَنَحَهُمْ خَيْرَ الْأَخْلَاقِ، وَأَسْكَنَهُمْ خَيْرَ الْأَرْضِ، وَجَعَلَ مَنَازِلَهُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرَ الْمَنَازِلِ، وَمَوْقِفَهُمْ فِي الْقِيَامَةِ خَيْرَ الْمَوَاقِفِ، فَهُمْ عَلَى تَلٍّ عَالٍ وَالنَّاسُ تَحْتَهُمْ، فَسُبْحَانَ مَنْ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ، وَذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ، وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ، وَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ، لِئَلَّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْهِمْ حجة، ولكن الظالمين يَحْتَجُّونَ عَلَيْهِمْ بِتِلْكَ الْحُجَجِ الَّتِي ذُكِرَتْ، وَلَا يعارضون الملحدون الرسل إلا بها وبأمثالها.
وَكُلُّ مَنْ قَدَّمَ عَلَى أَقْوَالِ الرَّسُولِ سِوَاهَا، فَحُجَّتُهُ مِنْ جِنْسِ حُجَجِ هَؤُلَاءِ، وَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ، وَلِيَهْدِيَهُمْ، ثم
стр. 117
ذكر نعمه عليهم بإرسال رسوله، وإنزال كتابه، يزكيهم به، وَيُعَلِّمَهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ، وَيُعَلِّمَهُمْ مَا لَمْ يَكُونُوا يعلمون.
ثم أمرهم بذكره وشكره إذ بهما يستوجبون لهم محبته لَهُمْ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِمَا لَا يَتِمُّ لَهُمْ ذَلِكَ إِلَّا بِالِاسْتِعَانَةِ بِهِ، وَهُوَ الصَّبْرُ وَالصَّلَاةُ، وأخبر أنه مع الصابرين، وَأَتَمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ مَعَ الْقِبْلَةِ بِأَنْ شَرَعَ لَهُمُ الْأَذَانَ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ خَمْسَ مَرَّاتٍ، وَزَادَهُمْ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ بعد أن كانت ثنائية، وكل هذا بعد مقدمه المدينة.
[فصل في أحوال رسول الله والمسلمين عندما استقر بالمدينة]
فَصْلٌ فَلَمَّا اسْتَقَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ، وأيده الله بنصره وبالمؤمنين، وألف بين قلوبهم بعد العداوة، فَمَنَعَتْهُ أَنْصَارُ اللَّهِ، وَكَتِيبَةُ الْإِسْلَامِ مِنَ الْأَسْوَدِ والأحمر، وبذلوا أنفسهم دُونَهُ، وَقَدَّمُوا مَحَبَّتَهُ عَلَى مَحَبَّةِ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ وَالْأَزْوَاجِ، وَكَانَ أَوْلَى بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، رَمَتْهُمُ الْعَرَبُ وَالْيَهُودُ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ، وَشَمَّرُوا لَهُمْ عن ساق العداوة، وصاحوا بهم من كل جانب، والله تعالى يَأْمُرُهُمْ بِالصَّبْرِ وَالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ حَتَّى قَوِيَتِ الشَّوْكَةُ، وَاشْتَدَّ الْجَنَاحُ، فَأُذِنَ لَهُمْ حِينَئِذٍ فِي الْقِتَالِ، وَلَمْ يَفْرِضْهُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩] (١) وقيل: إن هذا بمكة، لأن السورة مَكِّيَّةٌ، وَهَذَا غَلَطٌ لِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ اللَّهَ لم يأذن في القتال بمكة.
الثاني: أن السياق يدل على أن الإذن بعد إخراجهم من ديارهم بغير حق.
. الثالث: أن قوله: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ [الْحَجِّ: ١٩] نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ تَبَارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ.
الرابع: أنه خاطبهم فيها بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، والخطاب بذلك كله مدني.
الْخَامِسُ: أَنَّهُ أَمَرَ فِيهَا بِالْجِهَادِ الَّذِي يَعُمُّ اليد وغيره، ولا ريب أن الأمر المطلق بالجهاد إنما كان بعد الهجرة.
السادس: أن الحاكم روى في " مستدركه " عن ابن عباس بإسناده على شرطهما، قَالَ: لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ، قَالَ أبو بكر: أَخْرَجُوا نَبِيَّهُمْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ لَيَهْلِكُنَّ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ [الحج: ٣٩] الآية
стр. 118
وهي أول آية نزلت في القتال. انتهى.
وَسِيَاقُ السُّورَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِيهَا الْمَكِّيَّ والمدني، فإن قصة إلقاء الشيطان في أمنيته مكية، والله أعلم.
ثم فرض عليهم قتال من قاتلهم، فقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠] (١) ثُمَّ فَرَضَ عَلَيْهِمْ قِتَالَ الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً وَكَانَ مُحَرَّمًا، ثُمَّ مَأْذُونًا بِهِ، ثُمَّ مَأْمُورًا بِهِ لِمَنْ بَدَأَهُمْ بِالْقِتَالِ، ثُمَّ مَأْمُورًا بِهِ، لِجَمِيعِ الْمُشْرِكِينَ، إِمَّا فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، أو كِفَايَةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ جِنْسَ الْجِهَادِ فَرْضُ عَيْنٍ، إِمَّا بِالْقَلْبِ، وَإِمَّا بِاللِّسَانِ، وَإِمَّا باليد، وإما بالمال، فَعَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُجَاهِدَ بِنَوْعٍ مِنْ هذه الأنواع، وأما الجهاد بالنفس، ففرض كفاية، وأما بِالْمَالِ، فَفِي وُجُوبِهِ قَوْلَانِ، وَالصَّحِيحُ وُجُوبُهُ، لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْجِهَادِ بِهِ وَبِالنَّفْسِ فِي الْقُرْآنِ سَوَاءٌ، وعلق النجاة من النار والمغفرة، ودخول الجنة به، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠] (٢) الآيات، وَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وأموالهم، وأعاضهم عنها الْجَنَّةَ، وَأَنَّ هَذَا الْعَقْدَ وَالْوَعْدَ قَدْ أَوْدَعَهُ أفضل كتبه، ثم أكده بِإِعْلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا أَحَدَ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْهُ ﵎، ثم أكده بأن أمرهم أن يستبشروا بذلك، ثُمَّ أَعْلَمَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، فليتأمل العاقل مع ربه ما أجل هذا العقد، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُشْتَرِي، وَالثَّمَنُ الجنة، والذي جرى على يديه هَذَا الْعَقْدُ أَشْرَفُ رُسُلِهِ، وَأَكْرَمُهُمْ عَلَيْهِ مِنَ الملائكة ومن البشر، وَإِنَّ سِلْعَةً هَذَا شَأْنُهَا لَقَدْ هُيِّئَتْ، لِأَمْرٍ عظيم.
قد هيؤوك لِأَمْرٍ لَوْ فَطِنْتَ لَهُ ... فَارْبَأْ بِنَفْسِكَ أَنْ ترعى مع الهمل
مهر الجنة والمحبة بذل النفس والمال لمالكهما، فَمَا لِلْجَبَانِ الْمُعْرِضِ الْمُفْلِسِ، وَسَوْمِ هِذِهِ السِّلْعَةِ بالله ما هزلت فيسنامها المفلسون، وما كَسَدَتْ فَيَبِيعَهَا بِالنَّسِيئَةِ الْمُعْسِرُونَ، لَقَدْ أُقِيمَتْ لِلْعَرْضِ فِي سُوقِ مَنْ يُرِيدُ، فَلَمْ يَرْضَ رَبُّهَا لَهَا بِثَمَنٍ دُونَ بَذْلِ النُّفُوسِ، فَتَأَخَّرَ الْبَطَّالُونَ، وقام المحبون ينتظرون أيهم يصلح أن تكون نَفْسُهُ الثَّمَنَ، فَدَارَتِ السِّلْعَةُ بَيْنَهُمْ، وَوَقَعَتْ فِي يَدِ ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤] (٣) لما كثر المدعون للمحبة طولبوا
стр. 119
بإقامة البينة، فلو يعطى الناس بدعواهم، لادعى الخلي حرقة الشَّجِيِّ، فَتَنَوَّعَ الْمُدَّعُونَ فِي الشُّهُودِ، فَقِيلَ: لَا نثبت هذه الدعوة إِلَّا بِبَيِّنَةٍ ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٣١] (١) فَتَأَخَّرَ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ، وَثَبَتَ أَتْبَاعُ الرسول في أفعاله وأقواله، وهديه وأخلاقه، وطولبوا بعدالة البينة، فقيل: لَا تُقْبَلُ الْعَدَالَةُ إِلَّا بِتَزْكِيَةٍ ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤] (٢) فَتَأَخَّرَ أَكْثَرُ الْمُدَّعِينَ لِلْمَحَبَّةِ، وَقَامَ الْمُجَاهِدُونَ، فَقِيلَ لَهُمْ: إِنَّ نُفُوسَ الْمُحِبِّينَ وَأَمْوَالَهُمْ لَيْسَتْ لَهُمْ، فسلموا ما وقع عليه العقد، وَعَقْدُ التَّبَايُعِ يُوجِبُ التَّسْلِيمَ مِنَ الْجَانِبَيْنِ.
فَلَمَّا رَأَى التُّجَّارُ عَظَمَةَ الْمُشْتَرِي، وَقَدْرَ الثَّمَنِ، وَجَلَالَةَ من جرى العقد عَلَى يَدْيِهِ، وَمِقْدَارَ الْكِتَابِ الَّذِي أُثْبِتَ فِيهِ، عرفوا أن لهذه السلعة شأنا ليس لغيرها، فرأوا من الغبن الْفَاحِشِ أَنْ يَبِيعُوهَا بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ، تذهب لذتها، وتبقى تبعتها، فعقدوا مع المشتري بيعة الرضوان رضا واختيارا من غير ثبوت خيار، فلما تم العقد وسلموا المبيع، قيل: قد صارت نفوسكم وأموالكم لنا، والآن قد رَدَدْنَاهَا عَلَيْكُمْ أَوْفَرَ مَا كَانَتْ، وَأَضْعَافَ أَمْوَالِكُمْ مَعَهَا ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ [آل عمران: ١٦٩] (٣) الآية لم نتبع مِنْكُمْ نُفُوسَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ طَلَبًا لِلرِّبْحِ عَلَيْكُمْ، بَلْ ليظهر أثر الجود والكرم في قبول البيع وَالْإِعْطَاءِ عَلَيْهِ أَجَلَّ الْأَثْمَانِ، ثُمَّ جَمَعْنَا لَكُمْ بين الثمن والمثمن.
وتأمل قصة جابر وجمله كيف وفاه الثمن، وزاده، ورد عليه البعير، فذكره بهذا الفعل حال الله مع أبيه، وَأَخْبَرَهُ أَنَّ اللَّهَ أَحْيَاهُ وَكَلَّمَهُ كِفَاحًا، وَقَالَ: «يا عبدي تمن علي أعطيك» فَسُبْحَانَ مَنْ عَظُمَ جُودُهُ وَكَرَمُهُ أَنْ يُحِيطَ به علم الخلائق، لقد أعطى السلعة وأعطى الثمن، ووفقه لتكميل العقد، وقبل المبيع على عيبه، وأعطى عَلَيْهِ أَجَلَّ الْأَثْمَانِ، وَاشْتَرَى عَبْدَهُ مِنْ نَفْسِهِ بِمَالِهِ، وَجَمَعَ لَهُ بَيْنَ الثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ، وَأَثْنَى عليه، ومدحه بهذا العقد، وهو الذي وفقه له وشاءه منه:
فحيهل إن كنت ذا همة فقد ... حدى بك حادي الشوق فاطوي المراحلا
لا يفتر عن صيام ولا صلاة حتى يرجع»
وَقَالَ: «غَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ رَوْحَةٌ، خير من الدنيا وما فيها»
وقال: «الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ يُنَجِّي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهَمِّ وَالْغَمِّ» (١) وقال: «أنا زعيم، أي: كفيل - لِمَنْ آمَنَ بِي وَأَسْلَمَ، وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ الله ببيت في ربض الجنة، وبيت في وسط الجنة، وبيت في أعلى الْجَنَّةِ، مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَدَعْ لِلْخَيْرِ مَطْلَبًا، وَلَا مِنَ الشَّرِّ مَهْرَبًا، يَمُوتُ حَيْثُ يشاء أَنْ يَمُوتَ» (٢) .
وَقَالَ: «مَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ - مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ - فُوَاقَ نَاقَةٍ، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» (٣) .
وَقَالَ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ، كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ، فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ، وَأَعْلَى الْجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، ومنه تفجر أنهار الجنة» (٤) وَقَالَ: «مَنْ أَعَانَ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ غَارِمًا فِي غُرْمِهِ، أَوْ مُكَاتَبًا فِي رَقَبَتِهِ، أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ» (٥) .
وَقَالَ: «مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ في سبيل الله، حرّمها اللَّهُ عَلَى النَّارِ» (٦) وَقَالَ: «لَا يَجْتَمِعُ شُحٌّ وإيمان في قلب رجل، وَلَا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدُخَانُ جهنم في وجه عبد»
وَقَالَ: «رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وأُجري عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الفتان»
«وقال لرجل حرس المسلمين ليلة على ظهر فرسه من أولها إلى الصباح لَمْ يَنْزِلْ إِلَّا لِصَلَاةٍ أَوْ قَضَاءِ حَاجَةٍ قَدْ أَوْجَبْتَ، فَلَا عَلَيْكَ أَلَّا تَعْمَلَ بَعْدَهَا» (٧) وَذَكَرَ أبو داود عَنْهُ: «مَنْ لَمْ يَغْزُ، ولم يُجَهِّزْ غَازِيًا، أَوْ يَخْلُفْ غَازِيًا فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ، أَصَابَهُ اللَّهُ بِقَارِعَةٍ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (٨) وَفَسَّرَ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ الْإِلْقَاءَ بِالْيَدِ إِلَى التهلكة بترك الجهاد. وصح عنه:
стр. 122
إِنَّ النَّارَ أَوَّلُ مَا تُسعر بِالْعَالِمِ وَالْمُنْفِقِ وَالْمَقْتُولِ فِي الْجِهَادِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ لِيُقَالَ.
[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ في القتال]
فَصْلٌ وَكَانَ يَسْتَحِبُّ الْقِتَالَ أَوَّلَ النَّهَارِ، كَمَا يستحب الخروج للسفر، فإذا لَمْ يُقَاتِلْ أَوَّلَ النَّهَارِ، أَخَّرَ الْقِتَالَ حَتَّى تزول الشمس، وتهب الرياح، وينزل النصر.
وكان يبايع أصحابه في الحرب على أن لا يَفِرُّوا، وَرُبَّمَا بَايَعَهُمْ عَلَى الْمَوْتِ، وَبَايَعَهُمْ عَلَى الْجِهَادِ، كَمَا بَايَعَهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَبَايَعَهُمْ عَلَى الهجرة، وَبَايَعَهُمْ عَلَى التَّوْحِيدِ، وَالْتِزَامِ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وبايع نفرا من أصحابه على أن لا يَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا، وَكَانَ السَّوْطُ يَسْقُطُ مِنْ يد أحدهم، فينزل له فَيَأْخُذُهُ، وَلَا يَقُولُ لِأَحَدٍ: نَاوِلْنِي إِيَّاهُ.
وَكَانَ يشاور أصحابه في الجهاد، ولقاء العدو، وتخيّر المنازل، وَكَانَ يَتَخَلَّفُ فِي سَاقَتِهِمْ فِي الْمَسِيرِ، فَيُزْجِي الضَّعِيفَ، وَيُرْدِفُ الْمُنْقَطِعَ، وَكَانَ أَرْفَقَ النَّاسِ بِهِمْ في المسير، وإذا أراد غزوة، ورّى بغيرها ويقول: «الحرب خدعة» ، وكان يبعث العيون يأتون بخبر عدوه، ويطلع الطلائع، ويبث الحرس، وإذا لَقِيَ عَدُوَّهُ، وَقَفَ وَدَعَا وَاسْتَنْصَرَ اللَّهَ، وَأَكْثَرَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَخَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ.
وكان يرقب الْجَيْشَ وَالْمُقَاتِلَةَ، وَيَجْعَلُ فِي كُلِّ جَنَبَةٍ كُفْئًا لَهَا، وَكَانَ يُبَارَزُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِأَمْرِهِ، وَكَانَ يَلْبَسُ لِلْحَرْبِ عُدَّتَهُ، وَرُبَّمَا ظَاهَرَ بَيْنَ دِرْعَيْنِ، وكان له ألوية، وكان إذا ظهر على قوم، نزل بِعَرْصَتِهِمْ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَفَلَ.
وَكَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُغِيرَ، انْتَظَرَ، فَإِنْ سَمِعَ فِي الْحَيِّ أذانا، لم يغر وإلا أغار، وكان ربما يبيّت عَدُوَّهُ، وَرُبَّمَا فَاجَأَهُمْ نَهَارًا، وَكَانَ يُحِبُّ الْخُرُوجَ يَوْمَ الْخَمِيسِ بُكْرَةَ النَّهَارِ، وَكَانَ الْعَسْكَرُ إِذَا نزل انضم بعضهم إِلَى بَعْضٍ، حَتَّى لَوْ بُسط عَلَيْهِمْ كِسَاءٌ لعمهم.
وكان يرتب الصفوف، ويُعبئُهم للقتال، وَيَقُولُ: تَقَدَّمْ يَا فُلَانُ، تَأَخَّرْ يَا فُلَانُ، وكان يستحب للرجل أَنْ يُقَاتِلَ تَحْتَ رَايَةِ قَوْمِهِ.
وَكَانَ إِذَا لقي العدو يقول: «اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الْأَحْزَابِ اهْزِمْهُمْ، وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ» وَرُبَّمَا قَالَ: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ - بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٥ - ٤٦] (١) وَكَانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ أَنْزِلْ نَصْرَكَ» ، وكان يقول: «اللهم
стр. 123
أنت عضدي وأنت نصيري، بك أقاتل» وكان إذا اشتد البأس وَقَصَدَهُ الْعَدُوُّ يُعْلِمُ بِنَفْسِهِ، وَيَقُولُ: «أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبَ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ المطلب» ، وإذا اشتد البأس، اتقوا به.
وَكَانَ أَقْرَبَهُمْ إِلَى الْعَدُوِّ، وَكَانَ يَجْعَلُ لِأَصْحَابِهِ شِعَارًا فِي الْحَرْبِ يُعرفون بِهِ إِذَا تَكَلَّمُوا، وكان شعاره مرة: أمت أمت، ومرة: يا منصور أمت، وَمَرَّةً: حم لَا يُنصرون. وَكَانَ يَلْبَسُ الدِّرْعَ وَالْخُوذَةَ، وَيَتَقَلَّدُ السَّيْفَ، وَيَحْمِلُ الرُّمْحَ وَالْقَوْسَ الْعَرَبِيَّةَ ويتترس بالترس، ويحب الْخُيَلَاءَ فِي الْحَرْبِ، وَقَالَ: «إِنَّ مِنْهَا مَا يحب الله، ومنها ما يبغض الله، فأما الَّتِي يُحِبُّهَا اللَّهُ، فَاخْتِيَالُ الرَّجُلِ بِنَفْسِهِ عِنْدَ اللِّقَاءِ، وَاخْتِيَالُهُ عِنْدَ الصَّدَقَةِ، وَأَمَّا الَّتِي يُبْغِضُ الله ، فاختيال الرجل في البغي والفجور» ، وقاتل مرة بالمنجنيق، فنصبه مرة عَلَى أَهْلِ الطَّائِفِ، وَكَانَ يَنْهَى عَنْ قَتْلِ النساء والولدان، وينظر في المقاتلة، فمن رآه أنبت، قتله، وإلا اسْتَحْيَاهُ.
وَكَانَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً يُوصِيهِمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَيَقُولُ: «سِيرُوا بِسْمِ اللَّهِ وَفِي سَبِيلِ الله، قاتلوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، وَلَا تُمَثِّلُوا وَلَا تَغْدُرُوا ولا تغلوا وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا» ، وَكَانَ يَنْهَى عَنِ السَّفَرِ بالقرآن إلى أرض العدو، ويأمر أمير السرية أَنْ يَدْعُوَ عَدُوَّهُ قَبْلَ الْقِتَالِ، إِمَّا إِلَى الإسلام والهجرة، أو الْإِسْلَامِ دُونَ الْهِجْرَةِ، وَيَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ لَيْسَ لهم نصيب في الفيء، أَوْ بَذْلِ الْجِزْيَةِ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوا إِلَيْهِ، قَبِل مِنْهُمْ، وَإِلَّا اسْتَعَانَ بِاللَّهِ وَقَاتَلَهُمْ.
وَكَانَ إِذَا ظَفِرَ بِعَدُوِّهِ أَمَرَ مُنَادِيًا، فَجَمَعَ الْغَنَائِمَ كُلَّهَا، فَبَدَأَ بِالْأَسْلَابِ فَأَعْطَاهَا لِأَهْلِهَا، ثُمَّ أَخْرَجَ خُمُسَ الْبَاقِي، فَوَضَعَهُ حَيْثُ أَرَاهُ اللَّهُ وَأَمَرَهُ بِهِ، مِنْ مَصَالِحِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ يَرْضَخُ مِنَ الْبَاقِي لِمَنْ لَا سَهْمَ لَهُ مِنَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالْعَبِيدِ، ثُمَّ قَسَمَ الْبَاقِي بِالسَّوِيَّةِ بَيْنَ الجيش للفارس ثلاثة أسهم، وللراجل سهم، هذا هو الصحيح.
وَكَانَ يُنَفِّلُ مِنْ صُلْبِ الْغَنِيمَةِ بِحَسَبِ مَا يراه من المصلحة، وَجَمَعَ لِسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ بين سهم الراجل والفارس فأعطاه خمسة لعظم غنائه، وكان يسوي بين الضعيف والقوي في القسم مَا عَدَا النَّفَلَ، وَكَانَ إِذَا أَغَارَ فِي أرض العدو، وبعث سَرِيَّةً بَيْنَ يَدَيْهِ، فَمَا غَنِمَتْ أَخْرَجَ خُمُسَهُ، وَنَفَّلَهَا رُبُعَ الْبَاقِي، وَقَسَمَ الْبَاقِيَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ سَائِرِ الْجَيْشِ، وَإِذَا رَجَعَ فَعَلَ ذَلِكَ، وَنَفَّلَهَا الثلث، ومع ذلك كان يَكْرَهُ النَّفَلَ وَيَقُولُ: «لِيَرُدَّ
стр. 124
قوي المؤمنين على ضعيفهم» ، وكان له سَهْمٌ مِنَ الْغَنِيمَةِ يُدْعَى الصَّفِيَّ إِنْ شَاءَ عبدًا، وإن شاء فرسا يختاره قبل القسم.
قالت عائشة: كانت صفية منه، أي: من الصفي رواه أبو داود، وَكَانَ سَيْفُهُ ذُو الْفَقَارِ مِنَ الصَّفِيِّ، وَكَانَ يُسْهِمُ لِمَنْ غَابَ عَنِ الْوَقْعَةِ لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ، كما أسهم لعثمان من بدر لتمريض ابنته، فَقَالَ: «إِنَّ عثمان انْطَلَقَ فِي حَاجَةِ اللَّهِ وحاجة رسوله، فضرب له بسهمه وَأَجْرَهُ» .
وَكَانُوا يَشْتَرُونَ مَعَهُ فِي الْغَزْوِ وَيَبِيعُونَ وهو يراهم ولا ينهاهم، وكانوا يستأجرون الأجراء للغزو، وذلك عَلَى نَوْعَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَخْرُجَ الرَّجُلُ، وَيَسْتَأْجِرَ من يخدمه. في سفره. الثاني: أن يستأجر من يخرج للجهاد، ويسَمُّون ذلك الجعائل، وفيها قال ﷺ : «لِلْغَازِي أَجْرُهُ، وَلِلْجَاعِلِ أَجْرُهُ، وَأَجْرُ الْغَازِي» ، وَكَانُوا يَتَشَارَكُونَ فِي الْغَنِيمَةِ، وهو عَلَى نَوْعَيْنِ أَيْضًا:
أَحَدُهُمَا: شَرِكَةُ الْأَبْدَانِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَدْفَعَ الرَّجُلُ بَعِيرَهُ إِلَى الرَّجُلِ أَوْ فَرَسَهُ يَغْزُو عَلَيْهِ عَلَى النِّصْفِ مِمَّا يَغْنَمُ حَتَّى رُبَّمَا اقْتَسَمَا السَّهْمَ فَأَصَابَ أَحَدُهُمَا قِدْحَهُ، والآخر نصله وريشه.
قال ابْنُ مَسْعُودٍ: اشْتَرَكْتُ أَنَا وعمار وسعد فِيمَا نُصِيبُ يَوْمَ بَدْرٍ، فَجَاءَ سعد بِأَسِيرَيْنِ وَلَمْ أجئ أنا وعمار بشيء.
وكان يبعث السرية فرسانا تارة، ورجالة أخرى، ولا يُسْهِمُ لِمَنْ قَدِمَ مِنَ الْمَدَدِ بَعْدَ الْفَتْحِ، وكان يعطي سهم ذوي الْقُرْبَى فِي بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ دُونَ إخوتهم من عبد شمس ونوفل، وَقَالَ: «إِنَّمَا بَنُو الْمُطَّلِبِ، وَبَنُو هَاشِمٍ شَيْءٌ وَاحِدٌ» ، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَقَالَ: «إِنَّهُمْ لَمْ يفارقونا في جاهلية ولا إسلام» ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يُصِيبُونَ مَعَهُ فِي مَغَازِيهِمُ الْعَسَلَ وَالْعِنَبَ وَالطَّعَامَ، فَيَأْكُلُونَهُ وَلَا يَرْفَعُونَهُ فِي الْمَغَانِمِ.
وقيل لابن أبي أوفى: هل كنتم تخمسون الطعام؟ فقال: أصبنا طعاما يوم خيبر، فكان الرَّجُلُ يَجِيءُ فَيَأْخُذُ مِنْهُ مِقْدَارَ مَا يَكْفِيهِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، وَقَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ: كُنَّا نَأْكُلُ الْجَوْزَ فِي الْغَزْوِ، وَلَا نَقْسِمُهُ، حَتَّى إِنْ كُنَّا لَنَرْجِعُ إِلَى رِحَالِنَا، وَأَجْرِبَتُنَا مِنْهُ مَمْلُوءَةٌ وكان ينهى عن النهبى وَالْمُثْلَةِ، وَقَالَ: «مَنِ انْتَهَبَ نُهْبَةً فَلَيْسَ مِنَّا» . وَكَانَ يَنْهَى أَنْ يَرْكَبَ الرَّجُلُ دَابَّةً مِنَ الفيء، فإذا أعجفها ردها فيه، وأن يلبس ثَوْبًا مِنَ الْفَيْءِ، حَتَّى إِذَا أَخْلَقَهُ رَدَّهُ فِيهِ، وَلَمْ يَمْنَعْ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِهِ حَالَ الحرب، وكان يشدد في الغلول جدا ويقول: «عارٌ ونارٌ وشنارٌ عَلَى أَهْلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ، ولما أصيب غلامه مِدعَم، قال بعض الصحابة:
стр. 125
هنيئا له الجنة، فقال: كَلَّا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أَخَذَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنَ الْغَنَائِمِ لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا، فَجَاءَ رَجُلٌ بِشِرَاكٍ أَوْ شِرَاكَيْنِ لَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ فَقَالَ: شِرَاكٌ أو شراكان من نار.
وَقَالَ لِمَنْ كَانَ عَلَى ثَقَلِهِ وَقَدْ مَاتَ: «هُوَ فِي النَّارِ فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ، فَوَجَدُوا عَبَاءَةً قَدْ غَلَّهَا» ، وَقَالُوا فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِمْ: فُلَانٌ شَهِيدٌ، وَفُلَانٌ شَهِيدٌ، حَتَّى مَرُّوا عَلَى رَجُلٍ، فَقَالُوا: وَفُلَانٌ شَهِيدٌ، فَقَالَ: «كَلَّا إِنِّي رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ فِي بُرْدَةٍ غَلَّهَا أَوْ عَبَاءَةٍ» ، ثم قال: «يَا ابن الخطاب اذْهَبْ فنادِ فِي النَّاسِ إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون» ثلاثا، وَكَانَ إِذَا أَصَابَ غَنِيمَةً أَمَرَ بلالا، فَنَادَى في الناس فيجيئون بغنائمهم، فيخمسها ويقسمها، فَجَاءَ رَجُلٌ بَعْدَ ذَلِكَ بِزِمَامٍ مِنْ شَعْرٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أسمعت بلالا ينادي؟ فقال: نَعَمْ، قَالَ: فَمَا مَنَعَكَ أَنْ تَجِيءَ بِهِ؟ فَاعْتَذَرَ فَقَالَ: كُنْ أَنْتَ تَجِيءُ بِهِ يَوْمَ القيامة فلن أقبله منك، وَأَمَرَ بِتَحْرِيقِ مَتَاعِ الْغَالِّ» ، وَضَرْبِهِ وَحَرَقَهُ الْخَلِيفَتَانِ بعده، فقيل: منسوخ للأحاديث التي ذكرت، ولم يجيء التحريق فيها، وقيل - وهو الصواب -: إنه مِنْ بَابِ التَّعْزِيرِ وَالْعُقُوبَاتِ الْمَالِيَّةِ الرَّاجِعَةِ إِلَى اجتهاد الأئمة بحسب المصلحة كقتل شارب الخمر في الثالثة والرابعة.
[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ في الأسارى]
فَصْلٌ
فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي الْأُسَارَى كَانَ يَمُنُّ عَلَى بَعْضِهِمْ، وَيَقْتُلُ بَعْضَهُمْ، وَيُفَادِي بَعْضَهُمْ بِالْمَالِ، وَبَعْضَهُمْ بِأَسْرَى الْمُسْلِمِينَ، فعل ذلك كله بحسب المصلحة، واستأذنه الأنصار أن يتركوا لعمه العباس فداءه فقال: «لا تدعوا منه درهما» وردَّ سَبْيَ هَوَازِنَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ الْقِسْمَةِ، وَاسْتَطَابَ قُلُوبَ الْغَانِمِينَ فَطَيَّبُوا لَهُ، وَعَوَّضَ مَنْ لَمْ يُطَيِّبْ مِنْ ذَلِكَ بِكُلِّ إِنْسَانٍ سِتَّ فَرَائِضَ.
وذكر أحمد عن ابن عباس أن بعضهم لم يكن له مَالٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِدَاءَهُمْ أَنْ يُعَلِّمُوا أَوْلَادَ الْأَنْصَارِ الْكِتَابَةَ، فدل هذا على جواز الفداء بالعمل.
والصواب الذي عَلَيْهِ هَدْيُهُ وَهَدْيُ أَصْحَابِهِ اسْتِرْقَاقُ الْعَرَبِ، وَوَطْءُ إمائهن بملك اليمين من غير اشتراط الإسلام، وكان يَمْنَعُ التَّفْرِيقَ فِي السَّبْيِ بَيْنَ الْوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا، ويعطي
стр. 126
أهل البيت جميعا كراهة أن يفرق بينهم.
وثبت عنه أنه قتل جاسوسا من المشركين، ولم يقتل حاطبا لما جسَّ عليه، وذكر شهوده بدرا، فَاسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ لَا يَرَى قَتْلَ الْمُسْلِمِ الجاسوس، وَاسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ يَرَى قَتْلَهُ، كمالك وابن عقيل من أصحاب أحمد وَغَيْرِهِمَا قَالُوا: لِأَنَّهُ عُلِّلَ بِعِلَّةٍ مَانِعَةٍ مِنَ الْقَتْلِ مُنْتَفِيَةٍ فِي غَيْرِهِ، وَلَوْ كَانَ الْإِسْلَامُ مَانِعًا مِنْ قَتْلِهِ لَمْ يُعَلَّلْ بِأَخَصَّ مِنْهُ، لِأَنَّ الْحُكْمَ إِذَا عُلِّلَ بِالْأَعَمِّ كَانَ الْأَخَصُّ عديم التأثير، وهذا أقوى.
وكان هديه عِتْقَ عَبِيدِ الْمُشْرِكِينَ إِذَا خَرَجُوا إِلَى الْمُسْلِمِينَ وأسلموا. وكان من هَدْيُهُ أَنَّ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فِي يده فهو له، ولم يكن يرُدّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَعْيَانَ أَمْوَالِهِمُ الَّتِي أَخَذَهَا الكفار منهم قهرا بعد إسلامهم.
[فصل في حكم الأراضي التي يغنمها المسلمون]
فصل وثبت أَنَّهُ قَسَمَ أَرْضَ بَنِي قُرَيْظَةَ وَبَنِي النَّضِيرِ، ونصف خيبر بين الغانمين، وعزل نصف خيبر لِمَنْ نَزَلَ بِهِ مِنَ الْوُفُودِ وَالْأُمُورِ وَنَوَائِبِ الناس، ولم يقسم مكة، فقالت طائفة: لأنها دار النّسك، فهي وقف من الله على عباده.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْإِمَامُ مُخَيَّرٌ فِي الْأَرْضِ بَيْنَ قسمتها، وبين وقفها لفعله ﷺ قَالُوا: وَالْأَرْضُ لَا تَدْخُلُ فِي الْغَنَائِمِ الْمَأْمُورِ بِقِسْمَتِهَا بَلِ الْغَنَائِمُ هِيَ الْحَيَوَانُ وَالْمَنْقُولُ، لِأَنَّ الله لم يحلها لغير هذه الأمة، وأحل لهم ديار الكفار وأرضهم، كقوله تعالى في ديار فرعون وقومه وأرضهم: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩] (١) والنبي ﷺ قسم وترك، وعمرُ لم يقسم، بل ضرب عليها خراجا مستمرا لِلْمُقَاتِلَةِ، فَهَذَا مَعْنَى وَقْفِهَا لَيْسَ مَعْنَاهُ الْوَقْفَ الذي يمنع من نقل الملك، بل يجوز بيعها كَمَا هُوَ عَمَلُ الْأُمَّةِ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أنها تورث، ونص أحمد على جواز جعلها صداقا، والوقف إنما امتنع بيعه لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ إِبْطَالِ حَقِّ الْبُطُونِ الموقوف عليهم، والمقاتلة حقهم في خراج الأرض، فلا يبطل بالبيع، ونظيره بَيْعُ رَقَبَةِ الْمُكَاتَبِ، وَقَدِ انْعَقَدَ فِيهِ سَبَبُ الْحُرِّيَّةِ بِالْكِتَابَةِ، فَإِنَّهُ يَنْتَقِلُ إِلَى الْمُشْتَرِي مُكَاتَبًا كما كان عند البائع.
ومنع ﷺ مِنْ إِقَامَةِ الْمُسْلِمِ بين المشركين إذا
стр. 127
قدر على الهجرة وَقَالَ: «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ " قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ولِمَ؟ قَالَ: " لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا»
وَقَالَ: «مَنْ جَامَعَ الْمُشْرِكَ، وَسَكَنَ مَعَهُ فَهُوَ مِثْلُهُ.»
وَقَالَ: «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا.»
وَقَالَ: «سَتَكُونُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ، فَخِيَارُ أَهْلِ الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم ﵇، وَيَبْقَى فِي الْأَرْضِ شِرَارُ أَهْلِهَا تَلْفِظُهُمْ أَرَضُوهُمْ ويحشرهم الله مع القردة والخنازير.»
[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ في الأمان والصلح]
فَصْلٌ
فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي الْأَمَانِ وَالصُّلْحِ، وَمُعَامَلَةِ رُسُلِ الْكُفَّارِ وَأَخْذِ الجزية، ومعاملة أهل الكتاب والمنافقين، ووفائه بالعهد ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا» ، وَثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ، فَلَا يَحُلَّنَّ عُقْدَةً، وَلَا يشهدها حَتَّى يَمْضِيَ أَمَدُهُ، أَوْ يَنْبِذَ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ.»
وَقَالَ: «مَنْ أَمَّنَ رَجُلًا عَلَى نَفْسِهِ فقتله، فأنا بريء من القاتل» ، ويذكر عنه: «مَا نَقَضَ قَوْمٌ الْعَهْدَ إِلَّا أُدِيلَ عَلَيْهِمُ العدو.»
ولما قدم المدينة، صار الكفار معه ثلاثة أصناف: قسم صالحهم على أن لا يحاربوه ولا يولوا عليه عدوه، وقسم حاربوه، وقسم لم يُصَالِحُوهُ وَلَمْ يُحَارِبُوهُ، بَلِ انْتَظَرُوا مَا يَئُولُ إليه أمره، ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ كَانَ يُحِبُّ ظُهُورَهُ، وانتصاره في الباطن، ومنهم من يحب ظهور عدوه عليه، وَمِنْهُمْ مَنْ دَخَلَ مَعَهُ فِي الظَّاهِرِ، وَهُوَ عدوه في الباطن، فعامل كل طائفة بما أمره الله به.
فصالح يهود المدينة، فحاربته، فحاربته قينقاع بعد بدر، وشرقوا بوقعتها، وأظهروا البغي والحسد، ثم نقض بنو النضير، فغزاهم وحصرهم، وقطع نخلهم وحرقه، ثم نزلوا على أن يخرجوا من المدينة، ولهم ما حملت الإبل إلا السلاح، وذكر الله قصتهم في سورة الحشر، ثم نقضت قريظة، وهم أغلظ اليهود كُفْرًا، وَلِذَلِكَ جَرَى عَلَيْهِمْ مَا لَمْ يَجْرِ على إخوانهم، فَهَذَا كُلُّهُ فِي يَهُودِ الْمَدِينَةِ.
стр. 128
وكانت غزوة كل طائفة منهم عقب غزوة من الغزوات الكبار، فبنو قينقاع بعد بدر، وبنو النضير عقب أحد، وقريظة عقب الخندق.
وكان هديه إِذَا صَالَحَ قَوْمًا، فَنَقَضَ بَعْضُهُمْ عَهْدَهُ وَصُلْحَهُ، وأقرّهم الباقون، ورضوا به، غزا الجميع، كما فعل بقريظة والنضير وأهل مَكَّةَ، فَهَذِهِ سُنَّتُهُ فِي أَهْلِ الْعَهْدِ.
وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ الْحُكْمُ فِي أَهْلِ الذمة كما صرح به أصحاب أحمد وغيرهم، وخالف أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ، فَخَصُّوا نَقْضَ الْعَهْدِ بِمَنْ نَقَضَهُ خَاصَّةً دُونَ مَنْ رَضِيَ بِهِ وَأَقَرَّ عَلَيْهِ، وفرقوا بينهما بأن عقد الذمة آكد، والأول أصوب، وبهذا أفتينا ولي الأمر لما أحرق النصارى أموال المسلمين بالشام، وعلم بذلك من علم منهم، وواطؤوا عليه، ولم يعلموا به ولي الأمر، وأن حده القتل حتما، ولا يخيّر الإمام فِيهِ، كَالْأَسِيرِ بَلْ صَارَ الْقَتْلُ لَهُ حَدًّا.
وَالْإِسْلَامُ لَا يُسْقِطُ الْقَتْلَ إِذَا كَانَ حَدًّا ممن هو تحت الذمة ملتزما أحكام الملة، بخلاف الحربيّ إذا أسلم فهذا له حكم، والذمي الناقض له حكم آخر، وهذا الذي تقتضيه نصوص أحمد، وأفتى به شيخنا في غير موضع.
وكان هديه إذا صالح قوما، فَانْضَافَ إِلَيْهِمْ عَدُوٌّ لَهُ سِوَاهُمْ، فَدَخَلُوا مَعَهُمْ، وانضاف إليه آخرون، صَارَ حُكْمُ مَنْ حَارَبَ مَنْ دَخَلَ مَعَهُ فِي عَقْدِهِ مِنَ الْكُفَّارِ حُكْمَ مَنْ حَارَبَهُ، وبهذا السبب غزا أهل مكة، وبهذا أفتى شيخ الإسلام بِغَزْوِ نَصَارَى الْمَشْرِقِ لَمَّا أَعَانُوا عَدُوَّ الْمُسْلِمِينَ من التتار على قتالهم، وأمدوهم بالمال والسلاح ورأوهم بذلك ناقضين للعهد، فَكَيْفَ إِذَا أَعَانَ أَهْلُ الذِّمَّةِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى حرب المسلمين.
وَكَانَتْ تَقْدَمُ عَلَيْهِ رُسُلُ أَعْدَائِهِ، وَهُمْ عَلَى عَدَاوَتِهِ، فَلَا يُهِيجُهُمْ وَلَا يَقْتُلُهُمْ، وَلَمَّا قَدِمَ عليه رسولا مسيلمة، فتكلما بما قالا، قال: «لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَضَرَبْتُ أَعْنَاقَكُمَا» ، فجرت سنته أن لا يقتل رسول.
وكان هديه أن لا يحبس الرسول عنده إذا اختار دينه، بل يرده، كما قال أبو رافع: بعثتني قريش إليه، فوقع فِي قَلْبِي الْإِسْلَامُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لا أرجع، فَقَالَ: «إِنِّي لَا أَخِيسُ بِالْعَهْدِ، وَلَا أَحْبِسُ الْبُرُدَ، ارْجِعْ إِلَيْهِمْ، فَإِنْ كَانَ فِي قَلْبِكَ الَّذِي فِيهِ الْآنَ فَارْجِعْ» . قَالَ أبو داود: وكان هذا في المدة التي اشترط لهم أن يرد إليهم من جاء منهم، وأما اليوم فلا يصح هذا.
وفي
стр. 129
قَوْلِهِ: «لَا أَحْبِسُ الْبُرُدَ» إِشْعَارٌ بِأَنَّ هَذَا يختص بالرسل مطلقا، أما رده لمن جاء إليه منهم مسلما، فهذا إنما يكون مع الشرط. وأما الرسل فلهم حكم آخر.
ومن هَدْيِهِ أَنَّ أَعْدَاءَهُ إِذَا عَاهَدُوا وَاحِدًا مِنْ أصحابه على عهد لا يضر بالمسلمين بغير رضاه أمضاه، كَمَا عَاهَدُوا حذيفة وَأَبَاهُ الحسيل أَنْ لَا يُقَاتِلَاهُمْ مَعَهُ ﷺ فَأَمْضَى لهم ذلك، وقال: «انصرفوا نفي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم» . وصالح قريشا عشر سنين على أن من جاءه مسلما رده، ومن جاءهم من عنده لا يردونه، واللفظ عام فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، فَنَسَخَ اللَّهُ ذَلِكَ فِي النساء، وأمر بامتحانهن، فإن علموا أنها مؤمنة لم ترد، ويرد مهرها.
وَأَمَرَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرُدُّوا عَلَى مَنِ ارْتَدَّتِ امْرَأَتُهُ إِلَيْهِمْ مَهْرَهَا إِذَا عَاقَبُوا بِأَنْ يَجِبَ عَلَيْهِمْ رَدُّ مَهْرِ الْمُهَاجِرَةِ فَيَرُدُّونَهُ إِلَى مَنِ ارْتَدَّتِ امْرَأَتُهُ وَلَا يَرُدُّونَهَا إِلَى زَوْجِهَا الْمُشْرِكِ، فَهَذَا هُوَ الْعِقَابُ، وَلَيْسَ مِنَ الْعَذَابِ فِي شيء.
ففيه أَنَّ خُرُوجَ الْبُضْعِ مِنْ مِلْكِ الزَّوْجِ مُتَقَوَّمٌ، وأنه بالمسمى لا بمهر المثل، وأن أنكحة الكفار صحيحة، وأنه لا يجوز رد المسلمة المهاجرة، ولو شُرِط، وَأَنَّ الْمُسْلِمَةَ لَا يَحِلُّ لَهَا نِكَاحُ الْكَافِرِ، وأن المسلم له أن يتزوج المهاجرة إذا اعتدت، وآتاها مهرها، ففيه أبين دلالة على خروج البضع من ملك الزوج، وانفساخ النكاح بالهجرة، وفيه تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمُشْرِكَةِ عَلَى الْمُسْلِمِ، كَمَا حُرِّمَ نِكَاحُ الْمُسْلِمَةِ عَلَى الْكَافِرِ وَهَذِهِ أَحْكَامٌ اسْتُفِيدَتْ مِنْ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ، وَبَعْضُهَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَبَعْضُهَا مختلف فيه، وليس لمن ادعى نسخها حجة، فإن الشرط مختص بالرجال، ولم يدخلن، فنهى عن ردهن.
وأمر برد المهر، وأن يرد منه على من ارتدت امرأته إليهم الْمَهْرَ الَّذِي أَعْطَاهَا، ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ ذَلِكَ حُكْمَهُ الَّذِي يَحْكُمُ بِهِ بَيْنَ عِبَادِهِ، وَأَنَّهُ صَادِرٌ عَنْ عِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ، وَلَمْ يَأْتِ عَنْهُ ما ينافيه بعده، ولما صالحهم على رد الرجال كان ﷺ لا يمنعهم أَنْ يَأْخُذُوا مَنْ أَتَى إِلَيْهِ مِنْهُمْ، وَلَا يُكْرِهُهُ عَلَى الْعَوْدِ، وَلَا يَأْمُرُهُ بِهِ، وَكَانَ إِذَا قَتَلَ مِنْهُمْ، أَوْ أَخَذَ مَالًا وَقَدْ فَصَلَ عَنْ يَدِهِ، وَلَمَّا يَلْحَقْ بِهِمْ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَضْمَنْهُ لَهُمْ، لِأَنَّهُ ليس تحت قهره وَلَا أَمَرَهُ بِذَلِكَ وَلَمْ يَقْتَضِ عَقْدُ الصُّلْحِ الْأَمَانَ عَلَى النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ إِلَّا عَمَّنْ هُوَ تحت قهره، كما ضمن لبني جذيمة ما أتلفه خالد، وأنكره وتبرأ منه.
ولما كان خالد متأولا
стр. 130
وكان غزوهم بأمره ﷺ ضَمِنَهُمْ بِنِصْفِ دِيَاتِهِمْ لِأَجْلِ التَّأْوِيلِ وَالشُّبْهَةِ، وَأَجْرَاهُمْ في ذلك مجرى أهل الكتاب الذين عصموا بالذمة لا بالإسلام، وَلَمْ يَقْتَضِ عَهْدُ الصُّلْحِ أَنْ يَنْصُرَهُمْ عَلَى من حاربهم ممن ليس في قبضته، ففيه أن المعاهدين إذا غزاهم من ليس تَحْتَ قَهْرِ الْإِمَامِ وَفِي يَدِهِ، وَإِنْ كَانُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ ردهم عنهم، ولا ضمان ما أتلفوه.
وأخذ الأحكام المتعلقة بالحرب والمصالح والسياسات من هديه أولى من الآراء، وَعَلَى هَذَا فَإِذَا كَانَ بَيْنَ بَعْضِ مُلُوكِ المسلمين، وبعض أهل الذمة عهد، جاز لملك آخر لا عهد بينه وبينهم أن يغزوهم، كَمَا أَفْتَى بِهِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي نَصَارَى ملطية مستدلا بقصة أبي بصير وَكَذَلِكَ صَالَحَ أَهْلَ خَيْبَرَ لَمَّا ظَهَرَ عَلَيْهِمْ عَلَى أَنْ يُجْلِيَهُمْ مِنْهَا، وَلَهُمْ مَا حَمَلَتْ رِكَابُهُمْ، وَلِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ الصَّفْرَاءُ وَالْبَيْضَاءُ والسلاح، وشرط أن لا يكتموا ما فعلوا، فإن فعلوا فلا ذمة لهم، فغيّبوا مسكا، فيه مال لحيي بن أخطب احتمله معه حين أجليت النضير، فسأل عمّ حيي عنه، فَقَالَ: أَذْهَبَتْهُ النَّفَقَاتُ وَالْحُرُوبُ، فَقَالَ: «الْعَهْدُ قَرِيبٌ، وَالْمَالُ أكثر من ذلك» ، فدفعه إلى الزبير، فمسه بعذاب، فقال: رأيت حُيَيًّا يطوف في خربة هاهنا، فوجدوه فيها، فَقَتَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ابني أبي الحقيق، أحدهما زوج صفية بنت حيي، وسبى نساءهم وذراريهم، وقسم أموالهم بالنكث وأراد أن يجليهم، فقالوا: دعنا نكون فيها نصلحها، فنحن أعلم بها، ولم يكن له ولا لأصحابه غلمان يكفونهم، فدفعها إليهم على الشطر من كل ما يخرج منها من ثمر وزرع وَلَهُمُ الشَّطْرُ، وَعَلَى أَنْ يُقِرَّهُمْ فِيهَا مَا شَاءَ، وَلَمْ يعمُّهم بِالْقَتْلِ، كَمَا عمَّ قُرَيْظَةَ لِاشْتِرَاكِ أُولَئِكَ فِي نَقْضِ الْعَهْدِ.
وَأَمَّا هَؤُلَاءِ، فالذين علموا بالمسك وغيّبوه، وشرطوا له أنه إن ظهر، فلا ذمة لهم، قتلهم بشرطهم، ولم يعم أهل خيبر، فإنه من المعلوم أن جميعهم لم يعلموا بالمسك، فهذا نظير الذمي والمعاهد إذا نقض، ولم يمالئه عليه غيره.
ودفع الأرض على النصف دليل ظاهر في جواز المساقات وَالْمُزَارَعَةِ، وَكَوْنِ الشَّجَرِ نَخْلًا لَا أَثَرَ لَهُ الْبَتَّةَ، فَحُكْمُ الشَّيْءِ حُكْمُ نَظِيرِهِ، فَبَلَدٌ شَجَرُهُمُ الأعناب والتين، وغيرهما حُكْمُ بَلَدٍ شَجَرُهُمُ النَّخْلُ سَوَاءٌ وَلَا فَرْقَ.
وفيه أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْبَذْرِ مِنْ رَبِّ الأرض، فإنه لم يعطهم
стр. 131
بذرا ألبتة، وهذا مقطوع به، حتى قال بعض أهل العلم: لَوْ قِيلَ بِاشْتِرَاطِ كَوْنِهِ مِنَ الْعَامِلِ لَكَانَ أقوى، والذين اشترطوه من رب المال ليس معهم حجة أصلا أكثر من القياس على المضاربة، وهذا إلى أن يكون حجة عليهم أقرب، فَإِنَّ فِي الْمُضَارَبَةِ يَعُودُ رَأْسُ الْمَالِ إِلَى الْمَالِكِ وَيَقْتَسِمَانِ الْبَاقِيَ، وَلَوْ شُرِطَ ذَلِكَ فِي الْمُزَارَعَةِ، فَسَدَتْ عِنْدَهُمْ، فَلَمْ يُجْرُوا الْبَذْرَ مَجْرَى رَأْسِ الْمَالِ، بَلْ أَجْرَوْهُ مَجْرَى سَائِرِ الْبَقْلِ، وأيضا فإن البذر جار مجرى الماء والمنافع، فإن الزرع لا يكون بِهِ وَحْدَهُ، بَلْ لَا بُدَّ مِنَ السَّقْيِ والعمل، والبذر يموت وَيُنْشِئُ اللَّهُ الزَّرْعَ مِنْ أَجْزَاءٍ أُخَرَ تَكُونُ مَعَهُ مِنَ الْمَاءِ وَالرِّيحِ وَالشَّمْسِ وَالتُّرَابِ وَالْعَمَلِ، فحكمه حُكْمُ هَذِهِ الْأَجْزَاءِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْأَرْضَ نَظِيرُ رأس المال، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمُزَارِعُ أَوْلَى بِالْبَذْرِ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ تَشْبِيهًا لَهُ بِالْمُضَارِبِ، فَالَّذِي جاءت به السنة هو الموافق للقياس.
وفيها عقد الهدنة من غير توقيت، بل متى شاء الإمام، ولم يجئ بعدها ما ينسخه ألبتة، لكن لا يحاربهم حتى يعلمهم على سواء، ليستووا هو وهم في العلم بنقض العهد.
وفيه جواز تعزير المتهم بالعقوبة، فإنه سبحانه قادر أن يدل رسوله ﷺ على الكنز، وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ يَسُنَّ لِلْأُمَّةِ عُقُوبَةَ الْمُتَّهَمِينَ، وَيُوَسِّعَ لَهُمْ طُرُقَ الْأَحْكَامِ رَحْمَةً بِهِمْ وَتَيْسِيرًا عليهم.
وفيه الأخذ بالقرائن لقوله: «الْعَهْدُ قَرِيبٌ وَالْمَالُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ» ، وَكَذَلِكَ فعل نبي الله سليمان في تعيين أم الطفل، وهو ﷺ لم يقصها علينا، أي: قصة سليمان لِنَتَّخِذَهَا سَمَرًا، بَلْ لِنَعْتَبِرَ بِهَا فِي الْأَحْكَامِ، بَلِ الْحُكْمُ بِالْقَسَامَةِ، وَتَقْدِيمِ أَيْمَانِ مُدَّعِي الْقَتْلِ هُوَ مِنْ هَذَا اسْتِنَادًا إِلَى الْقَرَائِنِ الظَّاهِرَةِ، بل ومنه رجمه الْمُلَاعَنَةِ إِذَا الْتَعَنَ الزَّوْجُ، وَنَكَلَتْ عَنِ الِالْتِعَانِ اسْتِنَادًا إِلَى اللَّوْثِ الظَّاهِرِ الَّذِي حَصَلَ بالتعانِهِ ونكولها.
ومنه قَبُولِ شَهَادَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي الوصية في السفر، وأن ولي الْمَيِّتِ إِذَا اطَّلَعَا عَلَى خِيَانَةٍ مِنَ الْوَصِيَّيْنِ، جَازَ لَهُمَا أَنْ يَحْلِفَا، وَيَسْتَحِقَّا مَا حَلَفَا عليه، وهذا اللوث في الأموال نَظِيرُ اللَّوْثِ فِي الدِّمَاءِ، وَأَوْلَى بِالْجَوَازِ مِنْهُ، وعلى هذا إذا اطلع الْمَسْرُوقُ مَالُهُ عَلَى بَعْضِهِ فِي يَدِ خَائِنٍ معروف وَلَمْ يَتَبَيَّنْ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ غَيْرِهِ، جَازَ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّ بَقِيَّةَ مَالِهِ عِنْدَهُ، وَأَنَّهُ صَاحِبُ السَّرِقَةِ اسْتِنَادًا إِلَى اللَّوْثِ الظَّاهِرِ نظير حلف أولياء
стр. 132
المقتول في القسامة، بل أمر الأموال أخف.
ولذلك ثبتت بشاهد ويمين، وشاهد وامرأتين بخلاف الدماء، وَالْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ يَدُلَّانِ عَلَى هَذَا وَهَذَا، وَلَيْسَ مع من ادعى النسخ حجة أصلا، فإنه فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ وَهِيَ مِنْ آخِرِ مَا نزل، وحكم بموجبها الصحابة بعده.
ومن هذا استدلال شاهد يوسف بالقميص، وحكاه الله مقررا له، والتأسي بهذا وأمثاله في إقرار الله له لا في مجرد حكايته. ولما أقرهم ﷺ أَهْلَ خَيْبَرَ فِي الْأَرْضِ كَانَ يَبْعَثُ كُلَّ عَامٍ مَنْ يَخْرُصُ عَلَيْهِمُ الثِّمَارَ، فَيَنْظُرُ كَمْ يُجْنَى مِنْهَا، فيضمِّنهم نَصِيبَ الْمُسْلِمِينَ، وَيَتَصَرَّفُونَ فِيهَا، وَكَانَ يَكْتَفِي بِخَارِصٍ واحد، ففيه دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ خَرْصِ الثِّمَارِ الْبَادِي صَلَاحُهَا وَعَلَى جَوَازِ قِسْمَةِ الثِّمَارِ خَرْصًا عَلَى رُءُوسِ النخل، ويصير نصيب أحدهما معلوما وإن لم يتميز بعد لمصلحة الثمار. وَعَلَى أَنَّ الْقِسْمَةَ إِفْرَازٌ لَا بَيْعٌ، وَعَلَى جَوَازِ الِاكْتِفَاءِ بِخَارِصٍ وَاحِدٍ، وَقَاسِمٍ وَاحِدٍ، وَعَلَى أَنَّ لِمَنِ الثِّمَارُ فِي يَدِهِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فيها بعد الخرص، ويضمن نصيب شريكه.
زمن عمر ذهب ابنه عبد الله إلى ماله بخيبر، فعدوا عليه، وألقوه من فوق بيت، وفكوا يده، فأجلاهم عمر إِلَى الشَّامِ، وَقَسَمَهَا بَيْنَ مَنْ كَانَ شَهِدَ خيبر من أهل الحديبية.
فَصْلٌ وَأَمَّا هَدْيُهُ فِي عَقْدِ الذِّمَّةِ، وَأَخْذِ الجزية، فلم يأخذ جزية إلا بعد نزول (براءة) في السنة الثامنة، فَلَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الْجِزْيَةِ أَخَذَهَا مِنَ الْمَجُوسِ وأهل الكتاب، ولم يأخذها من يهود خيبر، فظن من غلط أنه مختص بأهل خيبر، وهذا من عدم عمق فقهه، فإنه صالحهم قبل نزول آية الجزية، ثم أمره الله أَنْ يُقَاتِلَ أَهْلَ الْكِتَابِ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ، فلم يدخلوا في ذلك، لِأَنَّ الْعَقْدَ كَانَ قَدِيمًا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ عَلَى إِقْرَارِهِمْ وَأَنْ يَكُونُوا عُمَّالًا فِي الْأَرْضِ بِالشَّطْرِ، فلم يطالبهم بغيره، وطالب سواهم ممن لم يكن له عقد كعقدهم، فلما أجلاهم عمر، تغيّر ذلك العقد، وَصَارَ لَهُمْ حُكْمُ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، ولما كان في بعض الدول التي أخفيت فيها السنة، أَظْهَرَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ كِتَابًا قَدْ عَتَّقُوهُ وزوَّروه، فيه: أنه ﷺ أسقط عن أهل خَيْبَرَ الْجِزْيَةَ وَفِيهِ
стр. 133
شَهَادَةُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَسَعْدِ بْنِ معاذ، وجماعة من الصحابة فراج على من جهل السنة، وظنوا صحته، فأجروا حكمه حتى ألقي إلى شيخ الإسلام، وطلب منه أن يعين على تنفيذه، فَبَصَقَ عَلَيْهِ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى كَذِبِهِ بِعَشَرَةِ أَوْجُهٍ.
منها أن سعدا توفي قبل خيبر.
ومنها أن الجزية لم تكن نزلت بعد.
ومنها أنه أسقط عنهم الكلف والسخر، ولم يكونا في زمنه ﷺ وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ وَضْعِ الْمُلُوكِ الظَّلَمَةِ، وَاسْتَمَرَّ الْأَمْرُ عَلَيْهَا.
وَمِنْهَا أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ لَمْ يذكره أحد من أهل العلم، لا من أهل السير ولا من أهل الحديث، ولا غيرهم، وَلَا أَظْهَرُوهُ فِي زَمَانِ السَّلَفِ لِعِلْمِهِمْ أَنَّهُمْ يعرفون كذبه، فلما خفيت السنة زوّروا ذلك، وساعدهم طَمَعُ بَعْضِ الْخَائِنِينَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، وَلَمْ يَسْتَمِرَّ، حَتَّى كَشَفَ اللَّهُ أَمْرَهُ، وَبَيَّنَ خُلَفَاءُ الرُّسُلِ بطلانه وكذبه، ولم يأخذ الجزية من عبّاد الأصنام، فقيل: لا تؤخذ من كافر غير هؤلاء، ومن دان دينهم اقتداء بأخذه وتركه، وقيل: تؤخذ من عبدة الْأَصْنَامِ مِنَ الْعَجَمِ دُونَ الْعَرَبِ، وَالْأَوَّلُ قَوْلُ الشافعي وأحمد في رواية.
والثاني: قول أبي حنيفة وأحمد في أخرى، ويقولون: لم يأخذها من العرب، لأنها فرضت بعد إسلامهم، ولم يَبْقَ بِأَرْضِ الْعَرَبِ مُشْرِكٌ، وَلِهَذَا غَزَا بَعْدَ الفتح تبوك، وَلَوْ كَانَ بِأَرْضِ الْعَرَبِ مُشْرِكُونَ لَكَانُوا يَلُونَهُ، وَكَانُوا أَوْلَى بِالْغَزْوِ مِنَ الْأَبْعَدِينَ، وَمَنْ تَأَمَّلَ السِّيَرَ وَأَيَّامَ الْإِسْلَامِ عَلِمَ أَنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ، قالوا: وقد أخذها من المجوس، ولا يصح أن لهم كتابا ورفع، ولا فرق بين عبّاد الأصنام، وعبّاد النار بل أهل الأوثان فِيهِمْ مِنَ التَّمَسُّكِ بِدِينِ إِبْرَاهِيمَ مَا لَمْ يكن في عبّاد النار، وعلى هذا تدل السنة كما في " صحيح مسلم ": «إِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَادْعُهُمْ إِلَى إحدى ثلاث» إلى آخره. . (١) .
وَقَالَ المغيرة لِعَامِلِ كِسْرَى: أَمَرَنَا نَبِيُّنَا أَنْ نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده، أو تؤدوا الجزية. وقال ﷺ لِقُرَيْشٍ: «هَلْ لَكُمْ فِي كَلِمَةٍ تَدِينُ لَكُمْ بِهَا الْعَرَبُ، وَتُؤَدِّي الْعَجَمُ إِلَيْكُمْ بِهَا الْجِزْيَةَ؟ قَالُوا: مَا هِيَ؟ قال: لا إله إلا الله» .
وصالح أهل نجران على ألفي حلة وَعَارِيَّةٍ، ثَلَاثِينَ دِرْعًا، وَثَلَاثِينَ فَرَسًا، وَثَلَاثِينَ بَعِيرًا، وثلاثين
стр. 134
من كل صنف من كل أصناف السلاح يغزون بها والمسلمون ضامنون لهم حتى يردوها عليهم إن كان باليمن كيدة أو غدرة، على أن لا يهدم لَهُمْ بِيعَةٌ، وَلَا يُخْرَجَ لَهُمْ قَسٌّ، وَلَا يفتنون عَنْ دِينِهِمْ مَا لَمْ يُحْدِثُوا حَدَثًا أَوْ يأكلوا الربا، ففيه دليل على انتقاض عهد أهل الذمة بإحداث الحدث، وأكل الربا إذا شرط عَلَيْهِمْ.
وَلَمَّا وَجَّهَ معاذا إِلَى الْيَمَنِ أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ مُحْتَلِمٍ دِينَارًا أَوْ قيمته من المعافري وهي ثياب باليمن، ففيه أنها غَيْرُ مُقَدَّرَةِ الْجِنْسِ وَلَا الْقَدْرِ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ ثِيَابًا وَذَهَبًا وَحُلَلًا وَتَزِيدُ وَتَنْقُصُ بحسب حاجة المسلمين، وحال من تؤخذ منه، ولم يفرق ﷺ وَلَا خُلَفَاؤُهُ فِي الجزية بين العرب وغيرهم، بل أخذها من مجوس هجر وهم عرب، فإن العرب كُلُّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ تَدِينُ بِدِينِ مَنْ جَاوَرَهَا من الأمم، فكانت عرب البحرين مجوسا لمجاورتهم فَارِسَ، وَتَنُوخَ وَبُهْرَةَ وَبَنُو تَغْلِبَ نَصَارَى لِمُجَاوَرَتِهِمْ الروم، وكانت قبائل من اليمن يهودا لمجاورتهم ليهود اليمن، فلم يَعْتَبِرْ آبَاءَهُمْ وَلَا مَتَى دَخَلُوا فِي دِينِ أهل الكتاب، وثبت أَنَّ مِنَ الْأَنْصَارِ مَنْ تَهَوَّدَ أَبْنَاؤُهُمْ بَعْدَ النسخ بشريعة عيسى، فأراد آباؤهم إكراههم على الإسلام، فأنزل الله: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] (١) الآية، وقوله: «خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا» دَلِيلٌ عَلَى أنها لا تؤخذ من صبي ولا من امرأة، واللفظ الذي روي فيه: «من كل حالم أو حالمة» لَا يَصِحُّ وَصْلُهُ، وَهُوَ مُنْقَطِعٌ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ لَمْ يَذْكُرْهَا سَائِرُ الرُّوَاةِ، وَلَعَلَّهَا مِنْ تَفْسِيرِ بعضهم.
[فصل في ترتيب هَدْيِهِ مَعَ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ مِنْ حِينِ بُعِثَ بالدين إلى أن لقي الله ]
فصل
في ترتيب هَدْيِهِ مَعَ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ مِنْ حِينِ بُعِثَ بالدين إلى أن لَقِيَ اللَّهَ أَوَّلُ مَا أَوْحَى إِلَيْهِ رَبُّهُ ﵎ أَنْ يَقْرَأَ بِاسْمِ ربه الذي خلق، وذلك أول نبوته، ثم أنزل عليه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ - قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ١ - ٢] (٢) فأرسله بها، ثم أمره أن ينذر عشيرته الأقربين، فأنذر قومه، ثم أنذر من حوله من الْعَرَبَ قَاطِبَةً، ثُمَّ أَنْذَرَ الْعَالَمِينَ، فَأَقَامَ بِضْعَ عشرة سنة ينذر بغير قتال،
стр. 135
ويؤمر بالصبر، ثم أذن له في الهجرة، ثم أذن لَهُ فِي الْقِتَالِ، ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يُقَاتِلَ من قاتله، ثُمَّ أَمَرَهُ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ.
ثُمَّ كَانَ الْكُفَّارُ مَعَهُ بَعْدَ الأمر بالجهاد ثلاثة: أهل هدنة، وأهل حرب، وأهل ذمة، فأمره أن يفي لأهل الهدنة ما استقاموا، فإن خاف نبذ إليهم، وأمره أن يقاتل من نقض عهده، ونزلت (براءة) ببيان الأقسام الثلاثة، فأمره بقتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية، وأمره بجهاد الكفار والمنافقين، فجاهد الكفار بالسيف، والمنافقين بالحجة، وأمره بالبراءة من عهود الكفار، وجعلهم ثلاثة أقسام: قسم أمره الله بقتالهم وهم الناقضون، وقسم لهم عهد موقت لم ينقضوه، فأمره بإتمامه إلى مدته، وقسم لهم عهد مطلق أو لا عهد لهم، ولم يحاربوه، فأمره أَنْ يُؤَجِّلَهُمْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فَإِذَا انْسَلَخَتْ قَاتَلَهُمْ وهي المدة الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التَّوْبَةِ: ٢] (١) وَهِيَ الْحُرُمُ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ [التوبة: ٥] (٢) وأولها: العاشر من ذي الحجة يوم الأذان، وآخرها العاشر من ربيع الآخر، وليست الأربعة المذكورة في قوله: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التَّوْبَةِ: ٣٦] فَإِنَّ تِلْكَ وَاحِدٌ فَرْدٌ، وَثَلَاثَةٌ سَرْدٌ: رَجَبٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَلَمْ يسير المشركين فيها، فإنه لا يمكن لأنها غير متوالية، وقد أمر بعد انسلاخ الأربعة بقتالهم، فقاتل الناقض، وَأَجَّلَ مَنْ لَا عَهْدَ لَهُ، أَوْ لَهُ عَهْدٌ مُطْلَقٌ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُتِمَّ للموفي عهده إلى مدته، فأسلموا كُلُّهُمْ، وَلَمْ يُقِيمُوا عَلَى كُفْرِهِمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ، وضرب على أهل الذمة الجزية، فاستقر أمرهم معه ثلاثة أقسام: محاربين، وأهل عهد، وأهل ذمة، ثم صار أهل العهد إلى الإسلام، فصاروا قسمين: محاربين، وأهل ذمة، فصار أهل الأرض ثلاثة أقسام: مسلم، ومسالم، وخائف محارب.
وأما سيرته في المنافقين، فأمره أن يقبل عَلَانِيَتَهُمْ، وَيَكِلَ سَرَائِرَهُمْ إِلَى اللَّهِ وَأَنْ يُجَاهِدَهُمْ بالحجة، ويعرض عنهم، ويغلظ عليهم، ويبلغ بالقول البليغ إلى نفوسهم، ونهى أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِمْ، وَأَنْ يَقُومَ عَلَى قُبُورِهِمْ، وأخبره أنه استغفر لهم أو لم يستغفر لهم، فلن يغفر الله لهم.
стр. 136
فصل وأما سيرته مع أوليائه، فَأَمَرَهُ أَنْ يَصْبِرَ نَفْسَهُ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، وأن لا تعدو عيناه عنهم، وأن يعفو عنهم، ويستغفر لهم، ويشاورهم، ويصلي عَلَيْهِمْ، وَأَمَرَهُ بِهَجْرِ مَنْ عَصَاهُ وَتَخَلَّفَ عَنْهُ حتى يتوب كما هجر الثلاثة، وأمره أن يقيم الحدود فيهم على الشريف والوضيع.
وَأَمَرَهُ فِي دَفْعِ عَدُوِّهِ مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ أن يدفع بالتي هي أحسن، فيقابل الإساءة بالإحسان، والجهل بالحلم، والظلم بالعفو، والقطيعة بالصلة، وأخبر أنه إن فعل ذلك عاد العدو كأنه ولي حميم.
وأمره في دفع عدوه من شياطين الجن بالاستعاذة، وَجَمَعَ لَهُ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ في (الأعراف) ، و (المؤمنين) ، و (حم السجدة) وجمع في آية (الأعراف) مكارم الأخلاق كُلَّهَا، فَإِنَّ وَلِيَّ الْأَمْرِ لَهُ مَعَ الرَّعِيَّةِ ثلاثة أحوال: فعليهم حق يلزمهم له، ومن أمر يَأْمُرُهُمْ بِهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَفْرِيطٍ وَعُدْوَانٍ يَقَعُ مِنْهُمْ فِي حَقِّهِ، فَأُمِرَ بِأَنْ يَأْخُذَ مما عليهم مما سمحت به أنفسهم وهو العفو، وأمر أن يأمرهم بالعُرف، وهو ما تعرفه العقول السليمة، والفطر المستقيمة، وأيضا يأمرهم بالعرف لا بالعنف، وأمره أن يقابل جهلهم بالإعراض، فهذه سيرته مع أهل الأرض جنهم وإنسهم، مؤمنهم وكافرهم.
[فصل في سياق مغازيه]
فصل
في سياق مغازيه وأول لواء عقده لحمزة في رمضان على سبعة أشهر من الهجرة بعثه في ثلاثين مِنَ الْمُهَاجِرِينَ خَاصَّةً، يَعْتَرِضُ عِيرًا لِقُرَيْشٍ، جَاءَتْ من الشام، فيها أبو جهل في ثلاثمائة رجل، فلما التقوا حجز بينهم مجدي بن عمرو الجهني وَكَانَ حَلِيفًا لِلْفَرِيقَيْنِ.
ثم بعث عبيدة بن الحارث فِي سَرِيَّةٍ إِلَى بَطْنِ رَابِغٍ فِي شَوَّالٍ في ستين من المهاجرين، فلقي أبا سفيان في مائتين، فكان بينهم رمي، ولم يسلُّوا السيوف، وكان سعد أَوَّلُ مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وقدمها ابن إسحاق على سرية حمزة.
ثم بعث سعدا إلى الحرار
стр. 137
على رأس تسعة أشهر في عشرين راكبا، يعترضون عيرا لقريش، فلما بلغوه، وجدوها مرت بالأمس، ثم غزا بنفسه غزوة الأبواء وهي أول غزوة غزاها بنفسه، خرج فِي الْمُهَاجِرِينَ خَاصَّةً يَعْتَرِضُ عِيرًا لِقُرَيْشٍ، فَلَمْ يلق كيدا.
ثم غزا أبواط في شهر ربيع فِي مِائَتَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ يَعْتَرِضُ عِيرًا لِقُرَيْشٍ، حتى بلغ أبواط فلم يلق كيدا فرجع.
ثُمَّ خَرَجَ عَلَى رَأْسِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا لطلب كرز بن جابر لما أغار على سرح المدينة، حتى بلغ سفوان من ناحية بدر، ففاته كرز.
ثم خرج على رأس ستة عشر شهرا في مائة وخمسين من المهاجرين، يعترض عيرا لقريش ذاهبة إلى الشام، فبلغ ذا العشيرة، فوجدها قد فاتته وهي التي خرج في طلبها لما رجعت من الشام، فكانت وقعة بدر.
ثم بعث عبد الله بن جَحْشٍ إلى نخلة فِي اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، كُلُّ اثْنَيْنِ يَعْتَقِبَانِ عَلَى بَعِيرٍ، فَوَصَلُوا إِلَى بَطْنِ نخلة يرصدون عيرا لقريش، وأضل سعد وعتبة بن غزوان بعيرا لهما، فتخلفا في طلبه، ونفذوا إلى بطن نخلة، فمرت بهم عير لقريش، فقالوا: نحن في آخر يوم من رجب، وإن تركناهم الليلة دخل الْحَرَمَ.
ثُمَّ أَجْمَعُوا عَلَى مُلَاقَاتِهِمْ، فَرَمَى أَحَدُهُمْ عمرو بن الحضرمي، فَقَتَلَهُ وَأَسَرُوا عثمان والحكم، وأفلت نوفل، وعزلوا الخمس، فكان أول خمس في الإسلام، فأنكر رسول الله ﷺ ما فعلوه، واشتد إنكار قريش، وزعموا أنهم وجدوا مقالا، واشتد على المسلمين ذلك، فأنزل الله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧] (١) الآية، يقول سبحانه: هذا وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا، فَمَا ارْتَكَبْتُمُوهُ أَنْتُمْ مِنَ الكفر، والصد عن سبيل الله وبيته، وَإِخْرَاجِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهُ مِنْهُ، وَالشِّرْكِ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ، وَالْفِتْنَةِ الَّتِي حَصَلَتْ مِنْكُمْ أكبر عند الله، والأكثر فسروا " الفتنة " هنا بالشرك، وَحَقِيقَتُهَا: أَنَّهَا الشِّرْكُ الَّذِي يَدْعُو صَاحِبُهُ إِلَيْهِ، وَيُعَاقِبُ مَنْ لَمْ يَفْتَتِنْ بِهِ.
وَلِهَذَا يُقَالُ لهم في النار: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ [الذاريات: ١٤] (٢) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَكْذِيبَكُمْ، وحقيقته: ذوقوا نهاية فتنتكم كقوله: ﴿ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الزمر: ٢٤] (٣) .
ومنه قوله تعالى:
стр. 138
﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [البروج: ١٠] (١) فسرت بإحراق المؤمنين بالنار، واللفظ أعم، وحقيقته: عذبوا المؤمنين ليفتنوهم عن دينهم.
وأما الفتنة المضافة إلى الله كقوله: ﴿فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٥٣] (٢) ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾ [الأعراف: ١٥٥] (٣) فهي الامتحان بِالنِّعَمِ وَالْمَصَائِبِ، فَهَذِهِ لَوْنٌ وَفِتْنَةُ الْمُشْرِكِينَ لَوْنٌ، وفتنة المؤمن في ولده وماله وجاره لون آخر.
والفتنة بين أهل الإسلام، كأهل الجمل وصفّين لون آخر، وهي التي أمر فيها ﷺ باعتزال الطائفتين.
وَقَدْ تَأْتِي الْفِتْنَةُ مُرادا بِهَا الْمَعْصِيَةُ، كَقَوْلِهِ تعالى: ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ [التَّوْبَةِ: ٤٩] (٤) أَيْ: وَقَعُوا فِي فِتْنَةِ النِّفَاقِ، وَفَرُّوا إليها من فتنة بنات بني الأصفر.
والمقصود أنه سبحانه حكم بين أوليائه وأعدائه بالعدل، ولم يؤيس أولياءه إذا كانوا متأولين أو مقصرين تقصيرا يُغفر لَهُمْ فِي جَنْبِ مَا فَعَلُوهُ مِنَ التَّوْحِيدِ والطاعات والهجرة.
[فصل في غزوتي بدر وأحد]
فصل فَلَمَّا كَانَ فِي رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ بلغه ﷺ خَبَرُ الْعِيرِ الْمُقْبِلَةِ من الشام، فندب للخروج إليها ولم يحتفل لها، لِأَنَّهُ خَرَجَ مُسْرِعًا فِي ثَلَاثِمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ رجلا معهم فرسان على سبعين بعير، يعتقبونها، وبلغ الصريخ مكة، فخرجوا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٤٧] (٥) فَجَمَعَهُمُ اللَّهُ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ، كَمَا قَالَ تعالى: ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾ [الأنفال: ٤٢] (٦) الآية، فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خروجهم اسْتَشَارَ أَصْحَابَهُ.
فَتَكَلَّمَ الْمُهَاجِرُونَ، فَأَحْسَنُوا، ثُمَّ اسْتَشَارَهُمْ ثانيا، فتكلم المهاجرون، ثُمَّ اسْتَشَارَهُمْ ثَالِثًا، فَفَهِمَتِ الْأَنْصَارُ أَنَّهُ يَعْنِيهِمْ، فبادر سعد بن معاذ، فتكلم بكلامه المشهور، فقال: إيانا تريد يا رسول الله؟ ! والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادنا إلى برك الغماد لفعلنا. وقال المقداد كلامه المشهور، فسُرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بما سمع من
стр. 139
أصحابه وقال: «سيروا، وأبشروا، فإن الله وَعَدَنِي إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ مَصَارِعَ القوم» .
فسار إلى بدر، فلما طلع المشركون وتراءى الجمعان، قام ورفع يديه، واستنصر ربه، واستنصر المسلمون الله، واستغاثوه، فأوحى الله إليه: ﴿أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩] قُرِئَ بِكَسْرِ الدَّالِ وَفَتْحِهَا، فَقِيلَ: الْمَعْنَى إِنَّهُمْ ردف لكم، وقيل: يردف بعضهم بعضا لم يأتوا دفعة واحدة، فإن قيل: هنا ذكر ألفا، وفي (آل عمران) بثلاثة آلاف وبخمسة، قيل: فيه قولان:
أحدهما: أنه يوم أُحد، وهو معلق على شرط، ففات وفات الإمداد.
والثاني: يوم بدر، وحجته أن السياق يدل عليه، كقوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ - إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٣ - ١٢٤] الآية إلى قوله: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦] (١) . فلما استغاثوه أمدهم بألف، ثم بثلاثة، ثم بخمسة، وكان متابعة الْإِمْدَادِ أَحْسَنَ مَوْقِعًا وَأَقْوَى لِنُفُوسِهِمْ، وأسرَّ لَهَا.
وقال أهل القول الأول: القصة في سياق أُحد، ودخول بدر اعتراض، فذكرهم نعمته ببدر، ثُمَّ عَادَ إِلَى قِصَّةِ أُحد، وَأَخْبَرَ عَنْ قول رسوله لهم: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٤] الآية، ثم وعدهم أنهم إن صبروا واتقوا أن يمدهم بِخَمْسَةِ آلَافٍ، فَهَذَا مِنْ قَوْلِ رَسُولِهِ، وَالْإِمْدَادُ الَّذِي بِبَدْرٍ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى، وَهَذَا بِخَمْسَةِ آلَافٍ، وَإِمْدَادُ بَدْرٍ بِأَلْفٍ، وَهَذَا مُعَلَّقٌ عَلَى شَرْطٍ، وَذَلِكَ مُطْلَقٌ، وَالْقِصَّةُ فِي سُورَةِ (آلِ عِمْرَانَ) هِيَ قِصَّةُ أُحد مُسْتَوْفَاةٌ مُطَوَّلَةٌ، وَبَدْرٌ ذكرت فيها اعتراضا، وفي (الْأَنْفَالِ) قِصَّةُ بَدْرٍ مُسْتَوْفَاةٌ مُطَوَّلَةٌ، فَالسِّيَاقُ فِي (آلِ عِمْرَانَ) غَيْرُ السِّيَاقِ فِي (الْأَنْفَالِ) يُوَضِّحُ هذا هنا أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ [آل عمران: ١٢٥] قال مجاهد: يَوْمُ أُحد، وَهَذَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ الْإِمْدَادُ الْمَذْكُورُ فِيهِ، فَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُ: إِنَّ الْإِمْدَادَ بهذا العدد كان يوم بدر، والإتيان من فورهم يوم أحد.
ولما عزمت قريش عَلَى الْخُرُوجِ، ذَكَرُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَنِي كِنَانَةَ مِنَ الْحَرْبِ، فَتَبَدَّى لَهُمْ إِبْلِيسُ فِي صورة سُراقة بن مالك، وقال: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨] (٢)
стр. 140
أن تأتيكم كنانة بشيء تكرهونه، فلما تعبوا للقتال ورأى جُنْدَ اللَّهِ قَدْ نَزَلَتْ مِنَ السَّمَاءِ، فَرَّ، وَنَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ، فَقَالُوا: إِلَى أَيْنَ يَا سراقة، أَلَمْ تَكُنْ قُلْتَ إِنَّكَ جَارٌ لَنَا؟ فَقَالَ: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٤٨] وَصَدَقَ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ [الأنفال: ٤٨] وكذب في قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ﴾ [الأنفال: ٤٨] وقيل: خاف أن يهلك معهم وهو أَظْهَرُ.
وَلَمَّا رَأَى الْمُنَافِقُونَ وَمَنْ فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ قِلَّةَ حِزْبِ اللَّهِ، وَكَثْرَةَ أَعْدَائِهِ، ظَنُّوا أن الغلبة بالكثرة، فقالوا: ﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾ [الْأَنْفَالِ: ٤٩] فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ النَّصْرَ بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ لا بالكثرة ولا بالعدد، وأنه عزيز لا يغلب حكيم ينصر المستحق وإن كان ضعيفا.
وَفَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ من شأن بدر والأسرى في شوال، ثم نهض صلوات الله عليه بنفسه بَعْدَ فَرَاغِهِ بِسَبْعَةِ أَيَّامٍ إِلَى غَزْوِ بَنِي سليم، فَبَلَغَ مَاءً يُقَالُ لَهُ: الكُدر، فَأَقَامَ عَلَيْهِ ثلاثا، ثم انصرف.
ولما رجع فل المشركين إلى مكة نذر أبو سفيان ألا يَمَسَّ رَأْسَهُ مَاءٌ حَتَّى يَغْزُوَ رَسُولَ اللَّهِ، فخرج في مائتي راكب حتى بلغ طرف المدينة، وبات ليلة عند سلام بن مشكم، فسقاه الخمر، وبطن له خَبَرِ النَّاسِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَطَعَ أَصْوَارًا مِنَ النَّخْلِ، وَقَتَلَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ وَحَلِيفًا لَهُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في طلبه ففاته، وطرح الكفار سويقا كثيرا يَتَخَفَّفُونَ بِهِ، فَأَخَذَهَا الْمُسْلِمُونَ فسُمِّيت غَزْوَةَ السَّوِيقِ.
ثم غزا نجدا يريد غطفان، فأقام هناك صفرا كله من السنة الثانية، ثم انصرف ولم يلق حربا، فأقام في المدينة ربيع الأول، ثم خرج يريد قريشا، فبلغ نجران، معدنا بالحجاز، فلم يلق حربا، فأقام هناك ربيع الآخر وجمادى الأولى، ثم انصرف.
ثم غزا بني قينقاع، ثم قتل كعب بن الأشرف، وأذن فِي قَتْلِ مَنْ وُجد مِنَ الْيَهُودِ لِنَقْضِهِمْ العهد، ومحاربتهم الله ورسوله.
ولما قتل الله أشراف قريش ببدر ورأس فيهم أبو سفيان، جمّع الجموع وأقبل بهم إلى المدينة، فنزل قريبا من أُحد، وكانت وقعة أُحد المشهورة، وَاسْتَعْرَضَ الشَّبَابَ يَوْمَئِذٍ، فَرَدَّ مَنِ اسْتَصْغَرَهُ عَنِ القتال، منهم ابن عمر، وأسامة، وزيد بن ثابت، وعرابة بن أوس، وأجاز من رآه مطيقا، مِنْهُمْ سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَبٍ، وَرَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ، وَلَهُمَا خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَقِيلَ: أَجَازَ مَنْ أَجَازَ لِبُلُوغِهِ بِالسِّنِّ
стр. 141
خمس عشرة سنة، ورد من رده لصغره عن سن البلوغ، وقالت طائفة: أجازهم لطاقتهم، وَلَا تَأْثِيرَ لِلْبُلُوغِ وَعَدَمِهِ فِي ذَلِكَ، قَالُوا: وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: فَلَمَّا رآني مطيقا أجازني.
ثم ذكر قصة الأصيرم، وكلام أبي سفيان على الجبل، وهي ما روى البخاري في " صحيحه " عن البراء بن عازب ﵄ قال: «أشرف أبو سفيان، قال: أفي القوم محمد؟ فقال ﷺ : لا تجيبوه، قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ فقال: لا تجيبوه، فقال: أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال: لا تجيبوه، فقال: إن هؤلاء قد قتلوا، فلو كانوا أحياء لأجابوا، فلم يملك عمر نفسه، فقال: كذبت يا عدو الله أبقى الله تعالى لك ما يخزيك ويسوءك.
قال أبو سفيان: أعلُ هُبَل، أعلُ هُبَل. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أجيبوه، قالوا: مَا نُقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا: اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ، قال أبو سفيان: لنا العزّى ولا عزّى لكم، فقال النبي ﷺ : أجيبوه، قَالُوا: مَا نَقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا: اللَّهُ مَوْلَانَا ولا مولى لكم. قَالَ أبو سفيان: يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ، وَالْحَرْبُ سِجال، فأجابه عمر: لَا سَوَاءً قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ، وَقَتْلَاكُمْ فِي النار، ثم قال أبو سفيان: وستجدون مثلة لم آمر بها ولم تسؤني.
»
[فصل في ما اشتملت عليه هذه الغزوة من الأحكام]
فصل
في ما اشتملت عليه هذه الغزوة من الأحكام منها أن الجهاد يلزم بالشروع فيه، فمن لبس لأمته، وشرع في أسبابه ليس له أن يرجع.
ومنها أنه لا يجب الخروج إذا طرق العدو في الديار
وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يَأْذَنُ لِمَنْ لَا يُطِيقُ القتال من الصبيان
وَمِنْهَا جَوَازُ الْغَزْوِ بِالنِّسَاءِ، وَالِاسْتِعَانَةِ بِهِنَّ فِي الجهاد، وجواز الانغماس في العدو، كما فعل أنس بن النضر وغيره، وأن الإمام إذا خرج صلى بهم قاعدا وصلوا وراءه قعودا، وأن الدعاء بالشهادة، وتمنيها ليس من المنهي عنه كما فعل ابن جَحْشٍ، وأن الْمُسْلِمَ إِذَا قَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ النار كقزمان، وأن الشهيد لَا يُغَسَّلُ، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَلَا يُكَفَّنُ في غير ثيابه إلا أن يسلبها، وأنه إذا كان جنبا غُسِّل كحنظلة، وأن الشهداء يدفنون في مصارعهم لأمره بردّ القتلى إليها، وجواز دفن الاثنين والثلاثة في قبر واحد، وهل دفنهم في ثيابهم استحباب
стр. 142
أو وجوب؟ الثاني: أظهر، ومنها أن المعذور كالأعرج يجوز له الخروج، وأن المسلمين إذا قتلوا مسلما يظنونه كافرا في الجهاد، فديتُه في بيت المال، لأنه أراد أن يدي أبا حذيفة بن اليمان، فَامْتَنَعَ حذيفة مِنْ أَخْذِ الدِّيَةِ، وَتَصَدَّقَ بِهَا على المسلمين.
فأما الحِكَم التي في هذه الوقعة، فقد أشار سبحانه إلى أُمهاتها في سُورَةِ (آلِ عِمْرَانَ) مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٢١] إلى تمام الستين آية.
فمنها تعريفهم بسوء عاقبة المعصية والفشل والتنازع، ليتقوا ويحذروا من أسباب الخذلان، وأن حكمة الله جرت بأن الرسل وأتباعهم يُدالون مَرَّةً، ويُدال عَلَيْهِمْ أُخْرَى، لَكِنْ تَكُونُ لَهُمُ العاقبة، فلو انتصروا عليه دائما لم يحصل المقصود، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٧٩] (١) أَيْ: مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَكُمْ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْتِبَاسِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْمُنَافِقِينَ حَتَّى يَمِيزَ أَهْلَ الْإِيمَانِ مِنْ أَهْلِ النفاق، كما ميزهم بالمحن يَوْمَ أُحُدٍ، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩] الذي يميز بين هؤلاء وهؤلاء، فإنهم متميزون في علمه، وَهُوَ سُبْحَانَهُ يُرِيدُ أَنْ يَمِيزَهُمْ تَمْيِيزًا مَشْهُودًا. وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ١٧٩] اسْتِدْرَاكٌ لِمَا نَفَاهُ مِنَ اطلاعهم على الغيب، أي: سِوَى الرُّسُلِ، فَإِنَّهُ يُطْلِعُهُمْ عَلَى مَا يَشَاءُ كما في سورة الجن، فسعادتكم بالإيمان بِالْغَيْبِ الَّذِي يُطْلِعُ عَلَيْهِ رُسُلَهُ، فَإِنْ آمَنْتُمْ به واتقيتم كان لكم أعظم الأجر.
ومنها استخراج عبودية أوليائه في السراء والضراء، وفيما يحبون وفيما يكرهون فإذا ثبتوا على الطاعة فيما أحبوا وكرهوا، فهم عبيده حقا وليسوا كمن يعبده على حرف.
ومنها أنه لو بسط لهم النصر دائما لكانوا كما يكونون لو بسط لهم في الرزق، فهو المدبر لهم، كَمَا يَلِيقُ بِحِكْمَتِهِ، إنَّهُ بِهِمْ خَبِيرٌ بَصِيرٌ.
ومنها أنهم إذا انكسروا له استوجبوا النصر، فإن خلعة النصر مع ولاية الذل، كما قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣] (٢) .
﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ [التوبة: ٢٥] (٣) الآية، ومنها أنه هيأ لعباده منازل لا تبلغها أعمالهم، ولا يبلغونها إلا بالبلاء، فقيضه لهم بالأسباب التي توصلهم إليها من ابتلائهم
стр. 143
وامتحانهم، كما وفّقهم للأعمال الصالحة.
ومنها أن العافية الدائمة، والنصر والغنى يورث ركونا إلى العاجلة، ويثبط النفوس، ويعوقها عن السير إلى الله، فإذا أراد الله كرامة عبد قيّض له من البلاء ما يكون دواء لهذا.
وَمِنْهَا أَنَّ الشَّهَادَةَ عِنْدَهُ مِنْ أَعْلَى مَرَاتِبِ أوليائه، وهو سبحانه يحب أن يتخذ من أوليائه شهداء.
ومنها أنه سبحانه إذا أراد هلاك أعدائه قيّض أسبابا يستوجبون بها هلاكهم، وَمِنْ أَعْظَمِهَا بَعْدَ كُفْرِهِمْ بَغْيُهُمْ وَطُغْيَانُهُمْ وَمُبَالَغَتُهُمْ وبغيهم في أذى أوليائه، فيتمض بذلك أولياؤه من ذنوبهم، ويكون من أسباب محق أعدائه، وذكر سبحانه ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ [آل عمران: ١٣٩] إلى قوله:
﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤١] (١) فجمع بين تشجيعهم، وحسن التعزية، وذكر الحكم التي اقتضت إدالة الله الْكُفَّارِ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران: ١٤٠] (٢) أي: ما بالكم تحزنون وتهنون عند هذا، وقد مسهم مثله في سبيل الشيطان.
ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ يُدَاوِلُ أَيَّامَ هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا بَيْنَ النَّاسِ، وَأَنَّهَا عَرَضٌ حَاضِرٌ يُقَسِّمُهَا دولا بين أوليائه وأعدائه بخلاف الآخرة، ثم ذكر حكمة أخرى، وهي تمييز المؤمن من المنافق، فَيَعْلَمُهُمْ عِلْمَ رُؤْيَةٍ وَمُشَاهَدَةٍ بَعْدَ أَنْ كَانُوا معلومين في غيبة، لأن الْعِلْمُ الْغَيْبِيُّ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ثَوَابٌ وَلَا عقاب، ثم ذكر حكمة أخرى، وهي اتخاذه منهم شهداء، وَقَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٠] تنبيه لطيف على كراهته وبغضه للمنافقين انْخَذَلُوا عَنْ نَبِيِّهِ يَوْمَ أُحد، فَلَمْ يَشْهَدُوهُ ولم يتخذ منهم شهداء، لأنه لا يحبهم، ثم ذكر حكمة أخرى، وهي تمحيص المؤمنين من الذنوب، وأيضا من المنافقين، ثُمّ ذَكَرَ حِكْمَةً أُخْرَى، وَهِي مَحْقُ الْكَافِرِينَ. ثم أنكرعليهم حسبانهم وظنهم دخول الجنة بدون الجهاد، فَقَالَ: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٢] (٣) أي: ولما يقع منكم، فيكون الجزاء على الواقع المعلوم، ثم وبخهم على هزيمتهم من
стр. 144
أَمْرٍ كَانُوا يَتَمَنَّوْنَهُ، وَيَوَدُّونَ لِقَاءَهُ، فَقَالَ: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٤٣] (١) وَمِنْهَا أن هذه الوقعة مقدمة بين يدي موته ﷺ وَالشَّاكِرُونَ هُمُ الَّذِينَ عَرَفُوا قَدْرَ النِّعْمَةِ، فَثَبَتُوا عَلَيْهَا حَتَّى مَاتُوا أَوْ قُتِلُوا، فَظَهَرَ أَثَرُ هَذَا الْعِتَابِ وَحُكْمُ هَذَا الْخِطَابِ يَوْمَ مَاتَ رسول الله ﷺ فجعل لهم العاقبة، ثم أخبر أنه جعل لكل نفس أجلا، ثم أخبر أن كثيرا من الأنبياء قُتلوا، وَقُتِلَ مَعَهُمْ أَتْبَاعٌ لَهُمْ كَثِيرُونَ، فَمَا وَهَنَ مَن بَقِيَ مِنْهُمْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سبيل الله، وما ضعفوا وما اسْتَكَانُوا بَلْ تَلَقَّوُا الشَّهَادَةَ بِالْقُوَّةِ وَالْعَزِيمَةِ وَالْإِقْدَامِ، ثم أخبر سبحانه عما استنصر بِهِ الْأَنْبِيَاءُ وَأُمَمُهُمْ عَلَى قَوْمِهِمْ مِنَ اعْتِرَافِهِمْ، وتوبتهم واستغفارهم، وسؤالهم ربهم التثبيت لأقدامهم، والنصر عَلَى أَعْدَائِهِمْ فَقَالَ: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٧] (٢) لما علموا أَنَّ الْعَدُوَّ إنَّمَا يُدال عَلَيْهِمْ بِذُنُوبِهِمْ، وَأَنَّ الشّيْطَانَ إنَّمَا يَسْتَزِلُّهُمْ، وَيَهْزِمُهُمْ بِهَا، وَأَنَّهَا نَوْعَانِ: تقصير في حق، أو تجاوز في حد، وأن النصر منوط بِالطَّاعَةِ قَالُوا: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾ [آل عمران: ١٤٧] ثم علموا أنه إنْ لَمْ يُثَبِّتْ أَقْدَامَهُمْ، وَيَنْصُرْهُمْ، لَمْ يقدروا على ذلك، فسألوه ما هو بيده، فَوَفَّوُا الْمَقَامَيْنِ حَقَّهُمَا: مَقَامَ الْمُقْتَضِي، وَهُوَ التَّوْحِيدُ والالتجاء إليه، ومقام إزالة المانع من النصر، وَهُوَ الذُّنُوبُ وَالْإِسْرَافُ، ثُمَّ حَذَّرَهُمْ سُبْحَانَهُ مِنْ طاعة عدوهم الكفار والمنافقين، وأنهم إن فعلوا ذلك خسروا الدارين، وفيه تعريض بمن أطاعهم من المنافقين لما انتصروا يَوْمَ أُحد، ثُمَّ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ مَوْلَى المؤمنين وخير الناصرين، فمن والاه، فهو المنصور، ثم أخبر أَنَّهُ سَيُلْقِي فِي قُلُوبِ أَعْدَائِهِمُ الرُّعْبَ الَّذِي يمنعهم من الهجوم عليهم، وذلك بسب الشرك، وعلى قدر الشرك يكون الرعب، والمؤمن الذي لم يلبس إيمانه بالشرك، له الأمن والهدى.
ثم أخبر بصدق وعده في النصر، وأنهم لو استمروا على الطاعة، لاستمر النصر، ولكن انخلعوا عن الطاعة،
стр. 145
فَفَارَقَتْهُمُ النُّصْرَةُ، فَصَرَفَهُمْ عَنْ عَدُوِّهِمْ عُقُوبَةً وَابْتِلَاءً وتعريفا لهم بعاقبة المعصية، ثم أخبر بعفوه عنهم بعد ذلك. قيل للحسن: كيف عفا وقد سلّط عليهم أعداءهم؟ فقال: لولا عفوه لاستأصلهم، ولكن بعفوه دفع عنهم عدوهم بعد أن أجمعوا عَلَى اسْتِئْصَالِهِمْ. ثُمَّ ذَكَّرَهُمْ بِحَالِهِمْ وَقْتَ الْفِرَارِ مصعدين، أي: جادين في الهرب، أَوْ صَاعِدِينَ فِي الْجَبَلِ لَا يَلْوُونَ عَلَى نبيهم وأصحابهم، وَالرَّسُولُ يَدْعُوهُمْ فِي أُخْرَاهُمْ: «إِلَى عِبَادِ اللَّهِ أنا رسول الله» ، فأثابهم بهذا الفرار غمًا بعد غم: الفرار، وغم صرخة الشيطان بأن محمدا قُتل، وَقِيلَ: جَازَاكُمْ غَمًّا بِمَا غَمَمْتُمْ رَسُولَهُ بفراركم عنه، والأول أظهر لوجوه:
الأول: قوله: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا﴾ [الحديد: ٢٣] إلى آخره، تنبيها عَلَى حِكْمَةِ هَذَا الْغَمِّ بَعْدَ الْغَمِّ، وَهُوَ نسيانهم الحزن على ما فاتهم من الظفر، وما أصابهم من الهزيمة، وهذا إنما يحصل بغم يَعْقُبُهُ غَمٌّ آخَرُ.
الثَّانِي: أَنَّهُ مُطَابِقٌ لِلْوَاقِعِ، فحصل غَمُّ فَوَاتِ الْغَنِيمَةِ، ثُمَّ أَعْقَبَهُ غَمُّ الْهَزِيمَةِ، ثم غم الجراح والقتل، ثم سماع قتل النبي، ثم ظهور العدو على الجبل، وَلَيْسَ الْمُرَادُ غَمَّيْنِ اثْنَيْنِ خَاصَّةً، بَلْ غَمًّا متتابعا لتمام الابتلاء. الثالث: أن قوله: بِغَمٍّ من تمام الصواب، لَا أَنَّهُ سَبَبُ جَزَاءِ الثَّوَابِ، وَالْمَعْنَى: أَثَابَكُمْ غَمًّا مُتَّصِلًا بِغَمٍّ جَزَاءً عَلَى مَا وَقَعَ من الهرب وإسلامهم النبي، وترك الاستجابة له، ومخالفته في لزوم المركز، وتنازعهم وفشلهم، وكل واحد يوجب غما يخصه، ومن لطفه بهم أنها من موجبات الطباع التي تمنع من النصرة المسقرة، فَقَيَّضَ لَهُمْ بِلُطْفِهِ أَسْبَابًا أَخْرَجَهَا مِنَ الْقُوَّةِ إِلَى الْفِعْلِ، فَتَرَتَّبَ عَلَيْهَا آثَارُهَا الْمَكْرُوهَةُ، فَعَلِمُوا أن التوبة منها، والاحتراز منها، ودفعها بأضدادها متعين، وربما صحت الأجساد بالعلل.
ثم إنه سبحانه رحمهم، فغيّب عنهم الغم بالنعاس، وهو في الحرب علامة النصر، كما نزل يَوْمَ بَدْرٍ، وَأَخْبَرَ أَنَّ مَنْ لَمْ يُصِبْهُ فَهُوَ مِمَّنْ أَهَمَّتْهُ نَفْسُهُ لَا دِينُهُ وَلَا نَبِيُّهُ وَلَا أَصْحَابُهُ، وَأَنَّهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ.
وفسر هذا الظن بِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يَنْصُرُ رَسُولَهُ، وَأَنَّ أَمْرَهُ سيضمحل، وفسر بظنهم أن ما أصابهم لم يكن بقدر الله، وَلَا حِكْمَةَ لَهُ فِيهِ، فَفُسِّرَ بِإِنْكَارِ الْحِكْمَةِ وإنكار القدر وإنكار إتمام دينه، وهذا هو ظن السوء الذي ظنه المشركون والمنافقون في (سورة الفتح) ، وإنما كان هذا الظن ظن السوء