وكذلك إذا كان له قصر من زخرف. وهو الذهب. أما إسقاط السماء كسفا: فهذا لا يكون إلا يوم القيامة. وأما الإتيان باللَّه والملائكة قبيلا،: فهذا لما سأل قوم موسى موسى ما هو دونه أخذتهم الصاعقة. وقال تعالى ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [النساء: ١٥٣]- الآيات (١) .
بين سبحانه أن المشركين وأهل الكتاب سألوه إنزال كتاب من السماء وبين أن الطائفتين لا يؤمنون إذا جاءهم ذلك وأنهم إنما سألوه تعنتا، فقال عن المشركين ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ﴾ [الأنعام: ٧]- الآية (٢) .
وقال عن أهل الكتاب ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾ [النساء: ١٥٣]- إلى قوله - ﴿مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ١٥٤] (٣) فهم - مع هذا - نقضوا الميثاق وكفروا بآيات اللَّه وقتلوا النبيين. فكان فيه من الاعتبار أن الذين لا يهتدون إذا جاءتهم الآيات المقترحة لم يكن في مجيئها منفعة لهم بل فيها وجوب عقوبة عذاب الاستئصال إذا لم يؤمنوا، وتغليظ الأمر عليهم. كما قال تعالى ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ [النساء: ١٦٠] الآية (٤) .
ولما طلب الحواريون من المسيح المائدة كانت من الآيات الموجبة لمن كفر بها عذابا، لم يعذب اللَّه به أحدا من العالمين. وكان قبل نزول التوراة يهلك اللَّه المكذبين بالرسل بعذاب الاستئصال عاجلا. وأظهر آيات كثيرة
стр. 107
لما أرسل موسى ليبقى ذكرها في الأرض. إذ كان بعد نزول التوراة لم يهلك أمة بعذاب الاستئصال. كما قال تعالى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ [القصص: ٤٣] (١) بل كان بنو إسرائيل لما كانوا يفعلون ما يفعلون - من الكفر والمعاصي - يعذب اللَّه بعضهم ويبقي بعضهم إذ كانوا لا يتفقون على الكفر ولم يزل في الأرض منهم أمة باقية على الصلاح. قال تعالى ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ﴾ [الأعراف: ١٦٨]- الآية (٢) وقال ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣]- الآيتين (٣) .
وكان من حكمته تعالى ورحمته - لما أرسل محمدا ﷺ خاتم المرسلين - ألا يهلك قومه بعذاب الاستئصال بل عذب بعضهم بأنواع العذاب كالمستهزئين الذين قال اللَّه فيهم ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥]- الآيات (٤) . والذي دعا عليه النبي ﷺ أن يسلط عليه كلبا من كلابه فافترسه الأسد كما قال تعالى ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ [التوبة: ٥٢]- الآية (٥) . فأخبر سبحانه أنه يعذب الكفار تارة بأيدي المؤمنين بالجهاد والحدود وتارة بغير ذلك.
فكان ذلك مما يوجب إيمان أكثرهم كما جرى لقريش
стр. 108
وغيرهم. فإنه لو أهلكهم لبادوا، وانقطعت المنفعة بهم ولم يبق لهم ذرية تؤمن بخلاف ما عذبهم به من الإذلال والقهر فإن في ذلك ما يوجب عجزهم والنفوس إذا كانت قادرة على كمال أغراضها، فلا تكاد تنصرف عنها. بخلاف عجزها عنها. فإنه يدعوها إلى التوبة كما قيل من العصمة ألا تقدر ولهذا آمن عامتهم. وقد ذكر اللَّه في التوراة لموسى:
" إني أقسي قلب فرعون. فلا يؤمن بك لتظهر آياتي وعجائبي ".
بين أن في ذلك من الحكمة انتشار آياته الدالة على صدق أنبيائه في الأرض إذ كان موسى أخبر بتكليم اللَّه له وبكتابة التوراة له فأظهر له من الآيات ما يبقى ذكره في الأرض. وكان في ضمن ذلك من تقسية قلب فرعون ما أوجب هلاكه وهلاك قومه. وفرعون كان جاحدا للصانع. فلذلك أوتي موسى من الآيات ما يناسب حاله.
وأما بنو إسرائيل - مع المسيح - فكانوا مقرين بالكتاب الأول. فلم يحتاجوا إلى مثل ما احتاج إليه موسى. ولم يكن محتاجا إلى جنس تقرير النبوة إذ كانت الرسل قبله جاءت بما يثبت ذلك. وإنما الحاجة إلى تثبيت نبوته. ومع هذا فقد أظهر اللَّه على يديه من الآيات مثل آيات من قبله وأعظم ومع هذا لم يأت بآيات الاستئصال. بل بين اللَّه في القرآن أنها لا تنفعهم بل تضرهم. لأنه علم أن قلوبهم كقلوب الأولين. كما قال تعالى ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ - أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾ [الذاريات: ٥٢ - ٥٣]- الآية (١)
стр. 109
وقال تعالى ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ [البقرة: ١١٨]- الآية (١) وقال تعالى ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ﴾ [القمر: ٤٣] (٢) ؟ - الآية وسورة اقتربت التي ذكر فيها انشقاق القمر وإعراضهم عن الآيات وقولهم ﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢] (٣) وقال فيها ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ [القمر: ٤] (٤) . أي يزجرهم عن الكفر زجرا شديدا، إذ كان في تلك الأنباء صدق الرسل والإنذار بالعذاب الذي وقع بالمتقدمين. ولهذا يقول عقيب كل قصة ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر: ١٦] أي عذابي لمن كذب رسلي، وإنذاري لهم بذلك قبل مجيئه.
ثم قال ﴿أَكُفَّارُكُمْ﴾ [القمر: ٤٣] أيتها الأمة ﴿خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ﴾ [القمر: ٤٣] الذين كذبوا الرسل من قبلكم ﴿أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ - أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٣ - ٤٤] (٥) وذلك أن كونكم تعذبون مثلهم. إما لكونكم لا تستحقون ما استحقوا، أو لكون اللَّه أخبر أنه لا يعذبكم فهذا بالنظر إلى فعل اللَّه. وأما بالنظر إلى قوة الرسول ﷺ وأتباعه. فيقولون ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤] فإنهم أكثر وأقوى، كما قالوا ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: ٧٣]- إلى قوله - ﴿أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ [مريم: ٧٤] (٦)
стр. 110
أي أموالا ومنظرا.
فقال تعالى ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] (١) . أخبر رسوله ﷺ بهزيمتهم وهو بمكة في قلة الأتباع وضعف منهم. ولا يظن أحد - قبل أن يهاجر - بالعادة المعروفة أن أمره يعلو، ويقاتلهم. فكان كما أخبر. وذلك ببدر وتلك سنة اللَّه. كما قال تعالى ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ [الفتح: ٢٣] الآية (٢) -. وحيث يظهر الكفار ويغلبون فإنما يكون ذلك لذنوب المؤمنين التي أوجبت نقص إيمانهم فإذا تابوا نصرهم اللَّه كما قال تعالى ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] (٣) فإذا كان من تمام الحكمة والرحمة ألا يهلكهم بالاستئصال كالذين من قبلهم قال تعالى ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ [القمر: ٤٣] (٤) كان لا يأتي بموجب ذلك مع إتيانه سبحانه بما يقيم الحجة أكمل في الحكمة والرحمة إذ كان ما أتى به حصل به كمال الهدى والحجة وما امتنع منه دفع من عذاب الاستئصال ما أوجب بقاء جمهور الأمة حتى يهتدوا ويؤمنوا.
وكان في إرسال خاتم الرسل ﷺ من الحكمة البالغة والمنن السابغة ما لم يكن في رسالة غيره. صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين.
стр. 111
[خروجه ﷺ إلى الطائف]
رجعنا إلى سيرته ﷺ .
خروجه ﷺ إلى الطائف ولما اشتد البلاء من قريش على رسول اللَّه ﷺ بعد موت عمه خرج إلى الطائف، رجاء أن يؤووه وينصروه على قومه ويمنعوه منهم حتى يبلغ رسالة ربه. ودعاهم إلى اللَّه فلم ير من يؤوي ولم ير ناصرا، وآذوه أشد الأذى. ونالوا منه ما لم ينل قومه. وكان معه زيد بن حارثة مولاه. فأقام بينهم عشرة أيام. لا يدع أحدا من أشرافهم إلا كلمه فقالوا: اخرج من بلدنا. وأغروا به سفهاءهم. فوقفوا له سماطين. وجعلوا يرمونه بالحجارة وبكلمات من السفه هي أشد وقعا من الحجارة. حتى دميت قدماه وزيد بن حارثة يقيه بنفسه حتى أصابه شجاج في رأسه فانصرف إلى مكة محزونا.
وفي مرجعه دعا بالدعاء المشهور «اللَّهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي، وهواني على الناس أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أو إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، غير أن عافيتك هي أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن يحل علي غضبك، أو ينزل بي سخطك. لك العتبى حتى ترضى. ولا حول ولا قوة إلا بك» (١) .
فأرسل ربه ﵎ إليه ملك الجبال يستأمره أن يطبق الأخشبين
стр. 112
على أهل مكة - وهما جبلاها اللذان هي بينهما فقال «بل أستأني بهم لعل اللَّه أن يخرج من أصلابهم من يعبده لا يشرك به شيئا» .
فلما نزل بنخلة في مرجعه قام يصلي من الليل ما شاء اللَّه فصرف اللَّه إليه نفرا من الجن. فاستمعوا قراءته ولم يشعر بهم رسول اللَّه ﷺ حتى نزل عليه ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ [الأحقاف: ٢٩]- إلى قوله - ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف: ٣٢] (١) . وأقام بنخلة أياما. فقال زيد بن حارثة ﵁ كيف تدخل عليهم وقد أخرجوك؟ - يعني قريشا - فقال «يا زيد إن اللَّه جاعل لما ترى فرجا ومخرجا. وإن اللَّه ناصر دينه ومظهر نبيه» .
ثم انتهى إلى مكة. فأرسل رجلا من خزاعة إلى المطعم بن عدي أدخل في جوارك؟ فقال نعم. فدعا المطعم بنيه وقومه فقال البسوا السلاح وكونوا عند أركان البيت. فإني قد أجرت محمدا. فلا يهجه أحد فانتهى رسول اللَّه ﷺ إلى الركن فاستلمه. وصلى ركعتين. وانصرف إلى بيته والمطعم بن عدي وولده محدقون به في السلاح حتى دخل بيته.
[الإسراء والمعراج]
الإسراء والمعراج ثم أسري برسول اللَّه ﷺ إلى بيت القدس راكبا على البراق صحبة جبريل ﵇. فنزل هناك. وصلى بالأنبياء إماما. وربط البراق بحلقة باب المسجد. ثم عرج به إلى السماء الدنيا. فرأى فيها آدم. ورأى أرواح السعداء عن يمينه والأشقياء عن شماله. ثم إلى الثانية. فرأى
стр. 113
فيها عيسى ويحيى. ثم إلى الثالثة. فرأى فيها يوسف. ثم إلى الرابعة. فرأى فيها إدريس. ثم إلى الخامسة. فرأى فيها هارون. ثم إلى السادسة. فرأى فيها موسى. فلما جاوزه بكى. فقيل له ما يبكيك؟ قال أبكي أن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي. ثم عرج به إلى السماء السابعة. فلقي فيها إبراهيم. ثم إلى سدرة المنتهى. ثم رفع إلى البيت المعمور. فرأى هناك جبريل في صورته له ستمائة جناح. وهو قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى - عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ١٣ - ١٤] (١) . وكلمه ربه وأعطاه ما أعطاه. وأعطاه الصلاة. فكانت قرة عين رسول اللَّه ﷺ
فلما أصبح رسول اللَّه ﷺ في قومه وأخبرهم اشتد تكذيبهم له وسألوه أن يصف لهم بيت المقدس. فجلاه اللَّه له حتى عاينه. وجعل يخبرهم به. ولا يستطيعون أن يردوا عليه شيئا. وأخبرهم عن عيرهم التي رآها في مسراه ومرجعه وعن وقت قدومها، وعن البعير الذي يقدمها. فكان كما قال. فلم يزدهم ذلك إلا ثبورا. وأبى الظالمون إلا كفورا.
стр. 114
[فصل في الهجرة]
[بيعة العقبة الأولى]
فصل في الهجرة قد ذكرنا: أنه ﷺ كان يوافي الموسم كل عام يتبع الحاج في منازلهم وفي عكاظ وغيرها. يدعوهم إلى اللَّه. فلم يجبه أحد منهم. ولم يأوه. فكان ممن صنع اللَّه لرسوله أن الأوس والخزرج كانوا يسمعون من حلفائهم يهود المدينة: أن نبيا يبعث في هذا الزمان فنتبعه ونقتلكم معه قتل عاد.
وكانت الأنصار تحج كغيرها من العرب، دون اليهود. فلما رأى الأنصار رسول اللَّه ﷺ يدعو الناس إلى اللَّه. وتأملوا أحواله. قال بعضهم لبعض تعلمون واللَّه يا قوم أن هذا الذي توعدكم به اليهود. فلا يسبقنكم إليه وقدر اللَّه بعد ذلك. أن اليهود يكفرون به. فهو قوله تعالى ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩]- والآية بعدها (١) .
بيعة العقبة الأولى فلقي رسول اللَّه ﷺ عند العقبة: ستة نفر من الأنصار كلهم من الخزرج. منهم أسعد بن زرارة وجابر بن عبد اللَّه بن رئاب السلمي. فدعاهم إلى الإسلام فأسلموا. ثم رجعوا إلى المدينة، فدعوا
стр. 115
إلى الإسلام. فنشأ الإسلام فيها، حتى لم تبق دار إلا ودخلها. فلما كان العام المقبل جاء منهم اثنا عشر رجلا - الستة الأول. خلا جابرا - ومعهم عبادة بن الصامت، وأبو الهيثم بن التيهان، وغيرهم. الجميع اثنا عشر رجلا.
وكان الستة الأولون قد قالوا له - لما أسلموا -: إن بين قومنا من العداوة والشر ما بينهم وعسى اللَّه أن يجمعهم بك، وسندعوهم إلى أمرك. فإن يجمعهم اللَّه عليك فلا رجل أعز منك وكان الأوس والخزرج أخوين لأم وأب. أصلهم من اليمن من سبأ. وأمهم قيلة بنت كاهل - امرأة من قضاعة - ويقال لهم لذلك أبناء قيلة. قال الشاعر.
بهاليل من أولاد قيلة لم يجد ... عليهم خليط في مخالطة عتبا
فوقعت بينهم العداوة بسبب قتيل فلبثت بينهم الحرب مائة وعشرين سنة إلى أن أطفأها اللَّه بالإسلام. وألف بينهم برسول اللَّه ﷺ وذلك قوله ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]- الآية (١) .
فلما جاءه الاثنا عشر رجلا العام الآتي - الذين ذكرنا - ومنهم اثنان من الأوس: أبو الهيثم وعويم بن ساعدة والباقي من الخزرج.
فلما انصرفوا بعث معهم رسول اللَّه ﷺ مصعب بن عمير، وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام. فنزل على أبي أمامة - أسعد بن زرارة - فخرج بمصعب - في إحدى خريجاته - فدخل به حائطا من حيطان بني ظفر. فجلسا فيه واجتمع إليهما رجال ممن أسلم.
стр. 116
[إسلام سعد بن معاذ وأسيد بن حضير]
إسلام سعد بن معاذ وأسيد بن حضير فقال سعد بن معاذ - سيد الأوس - لأسيد بن حضير اذهب إلى هذين اللذين قد أتيا ليسفها ضعفاءنا، فازجرهما. فإن أسعد بن زرارة ابن خالتي، ولولا ذلك لكفيتك ذلك. وكان سعد وأسيد سيدي قومهما. فأخذ أسيد حربته. ثم أقبل إليهما. فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب هذا سيد قومه قد جاءك. فاصدق اللَّه فيه. قال مصعب إن يكلمني أكلمه. فوقف عليهما. فقال ما جاء بكما إلينا؟ تسفهان ضعفاءنا؟ اعتزلا، إن كان لكما في أنفسكما حاجة. فقال له مصعب أو تجلس فتسمع. فإن رضيت أمرا قبلته، وإن كرهته كف عنك ما تكره. فقال أنصفت. ثم ركز حربته وجلس فكلمه مصعب بالإسلام وتلا عليه القرآن. قال فواللَّه لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم في إشراقه وتهلله.
ثم قال ما أحسن هذا وما أجمله! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ . قالا له تغتسل وتطهر ثوبك. ثم تشهد شهادة الحق. ثم تصلي ركعتين. فقام واغتسل. وطهر ثوبه. وتشهد وصلى ركعتين. ثم قال إن ورائي رجلا إن تبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه. وسأرشده إليكما الآن - سعد بن معاذ - ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد في قومه وهم جلوس في ناديهم.
فقال سعد أحلف باللَّه لقد جاءكم بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم. فلما وقف على النادي. قال له سعد ما فعلت؟ فقال كلمت
стр. 117
الرجلين. فواللَّه ما رأيت بهما بأسا. وقد نهيتهما، فقالا: نفعل ما أحببت.
وقد حدثت: أن بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه - وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك - ليخفروك. فقام سعد مغضبا، للذي ذكر له. فأخذ حربته فلما رآهما مطمئنين عرف أن أسيدا إنما أراد أن يسمع منهما، فوقف عليهما متشتما. ثم قال لأسعد بن زرارة واللَّه يا أبا أمامة. لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني، تغشانا في دارنا بما نكره؟ .
وقد كان أسعد قال لمصعب جاءك واللَّه سيد من ورائه قومه. إن يتبعك لم يتخلف عنك منهم أحد.
فقال له مصعب أو تقعد فتسمع؟ فإن رضيت أمرا قبلته، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره قال قد أنصفت. ثم ركز حربته فجلس.
فعرض عليه الإسلام وقرأ عليه القرآن. قال فعرفنا واللَّه في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم في إشراقه وتهلله. ثم قال كيف تصنعون إذا أسلمتم؟ قالا: تغتسل وتطهر ثوبك ثم تشهد شهادة الحق. ثم تصلي ركعتين ففعل ذلك. ثم أخذ حربته. فأقبل إلى نادي قومه. فلما رأوه قالوا: نحلف باللَّه لقد رجع بغير الوجه الذي ذهب به فقال يا بني عبد الأشهل كيف أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا. وابن سيدنا، وأفضلنا رأيا، وأيمننا نقيبة. قال فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا باللَّه ورسوله. فما أمسى فيهم رجل ولا امرأة إلا أسلموا، إلا الأصيرم. فإنه تأخر إسلامه إلى يوم أحد.
فأسلم وقاتل وقتل ولم يسجد للَّه سجدة.
стр. 118
فقال النبي ﷺ «عمل قليلا وأجر كثيرا» . فأقام مصعب في منزل أسعد يدعو الناس إلى الإسلام حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد وخطمة ووائل وواقف.
وذلك أنهم كان فيهم قيس بن الأسلت الشاعر. وكانوا يسمعون منه فوقف بهم عن الإسلام حتى كان عام الخندق، بعد أن هاجر رسول اللَّه ﷺ .
فلما كان من العام المقبل. وجاء موسم الحج. قال من أسلم من الأنصار: حتى متى نترك رسول اللَّه ﷺ يطرد في جبال مكة ويخاف؟ ! فخرجوا مع مشركي قومهم حجاجا.
[بيعة العقبة الثانية]
بيعة العقبة الثانية فلما وصلوا واعدوه العقبة، من أواسط أيام التشريق للبيعة بعد ما انقضى حجهم. فقال له العباس ما أدري ما هؤلاء القوم الذين جاءوك؟ إني ذو معرفة بأهل يثرب. فلما كان الليل تسللوا من رحالهم مختفين ومعهم عبد اللَّه بن عمرو بن حرام - أبو جابر - وهو مشرك وكانوا يكاتمونه الأمر. فلما كانت الليلة التي واعدوا فيها رسول اللَّه ﷺ قالوا: يا أبا جابر، إنك شريف من أشرافنا. وإنا نرغب بك أن تكون حطبا للنار غدا، قال وما ذلك؟ فأخبروه الخبر فأسلم وشهد العقبة وكان نقيبا.
فلما مضى ثلث الليل خرجوا للميعاد حتى اجتمع عنده من رجل ورجلين ومعه عمه العباس - وهو يومئذ على دين قومه - ولكنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له.
стр. 119
فلما نظر العباس في وجوههم قال هؤلاء قوم لا نعرفهم هؤلاء أحداث وكان أول من تكلم. فقال يا معشر الخزرج - وكانت العرب تسمي الجميع الخزرج - إن محمدا منا حيث علمتم وقد منعناه من قومنا وهو في منعة في بلده إلا أنه أبى إلا الانقطاع إليكم واللحوق بكم. فإن كنتم ترون أنكم وافون بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم. وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه - بعد خروجه إليكم - فمن الآن فدعوه. فإنه في عز ومنعة.
قالوا: قد سمعنا ما قلت. فتكلم يا رسول اللَّه وخذ لنفسك ولربك ما شئت.
فتكلم رسول اللَّه ﷺ وقال «أبايعكم على أن تمنعوني - إذا قدمت عليكم - مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم. ولكم الجنة» (١) .
فكان أول من بايعه البراء بن معرور. فقال والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا. فبايعنا يا رسول اللَّه. فنحن أهل الحرب والحلقة ورثناها صاغرا عن كابر. فاعترضه أبو الهيثم بن التيهان، وقال إن بيننا وبين الناس حبالا ونحن قاطعوها، فهل عسيت - إن أظهرك اللَّه -: أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسم رسول اللَّه ﷺ ثم قال «لا واللَّه بل الدم الدم والهدم الهدم أنتم مني وأنا منكم. أحارب من حاربتم. وأسالم من سالمتم» .
فلما قدموا يبايعونه أخذ بيده أصغرهم - أسعد بن زرارة - فقال رويدا يا أهل يثرب، إنا لم نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه
стр. 120
رسول اللَّه وإن إخراجه اليوم مفارقة للعرب كافة وقتل خياركم وأن تعضكم السيوف. فإما أنتم تصبرون على ذلك. فخذوه وأجركم على اللَّه وإما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه. فهو أعذر لكم عند اللَّه. فقالوا: أمط عنا يدك، فواللَّه ما نذر هذه البيعة ولا نستقيلها.
فقاموا إليه رجلا رجلا يأخذ منهم ويعطيهم بذلك الجنة ثم كثر اللغط فقال العباس على رسلكم. فإن علينا عيونا.
ثم قال رسول اللَّه ﷺ «أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا كفلاء على قومهم ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم وأنا كفيل على قومي» وفي رواية " أن «موسى اتخذ من قومه اثني عشر نقيبا» (١) .
فكان نقيب بني النجار: أسعد بن زرارة. ونقيب بني سلمة: البراء بن معرور، وعبد اللَّه بن عمرو بن حرام. ونقيب بني ساعدة: سعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو. ونقيب بني زريق: رافع بن مالك بن عجلان. ونقيب بني الحارث بن الخزرج: عبد اللَّه بن رواحة، وسعد بن الربيع ونقيب القوافل عبادة بن الصامت. ونقيب الأوس: أسيد بن حضير وأبو الهيثم بن التيهان. ونقيب بني عوف سعد بن خيثمة.
وكان جميع أهل العقبة: سبعين رجلا وامرأتين.
فلما بايعوه صرخ الشيطان بأنفذ صوت سمع قط يا أهل الأخاشب هل لكم في محمد والصبأة معه؟ قد اجتمعوا على حربكم. فقال رسول اللَّه ﷺ «هذا أزب العقبة أما واللَّه يا عدو اللَّه لأفرغن لك ثم
стр. 121
قال رسول اللَّه ﷺ ارفضوا إلى رحالكم.
فقال العباس بن عبادة بن نضلة: والذي بعثك بالحق إن شئت لنميلن على أهل مكة غدا بأسيافنا. فقال لم نؤمر بذلك ولكن ارجعوا إلى رحالكم فرجعوا.»
فلما أصبحوا غدت عليهم جلة قريش. فقالوا: إنه بلغنا أنكم جئتم صاحبنا البارحة تستخرجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا. وإن اللَّه ما من حي من العرب أبغض إلينا من أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم. فانبعث رجال - ممن لم يعلم - يحلفون لهم باللَّه ما كان من هذا شيء والذين يشهدون ينظر بعضهم إلى بعض. وجعل عبد اللَّه بن أبي ابن سلول يقول هذا باطل. ما كان هذا. وما كان قومي ليفتاتوا علي بمثل هذا. لو كنت بيثرب ما صنع قومي هذا. حتى يؤامروني.
فقام القوم - وفيهم الحارث بن هشام - وعليه نعلان جديدان. فقال كعب بن مالك: كلمة - كأنه يريد أن يشرك القوم فيما قالوا - فقال يا أبا جابر ما تستطيع أن تتخذ - وأنت سيد من سادتنا - مثل نعلي هذا الفتى؟ فسمعها الحارث. فجعلها من رجليه. ثم رمى بهما إليه. وقال واللَّه لتنتعلنهما. فقال أبو جابر مه؟ أحفظت الفتى. فاردد إليه نعليه؟ فقال لا أردهما إليه واللَّه فأل صالح. لئن صدق الفأل لأسلبنه.
فلما انفصلت الأنصار عن مكة: صح الخبر عند قريش. فخرجوا في طلبهم فأدركوا سعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو. فأعجزهم المنذر ومضى. وأما سعد فقالوا له أنت على دين محمد؟ قال نعم فربطوا يديه إلى عنقه بنسعة رحله. وجعلوا يسحبونه بشعره ويضربونه - وكان
стр. 122
ذا جمة - حتى أدخلوه مكة، فجاء المطعم بن عدي والحارث بن حرب بن أمية. فخلصاه من أيديهم.
وتشاورت الأنصار أن يكروا إليه. فإذا هو قد طلع عليهم. فرحلوا إلى المدينة.
وكان الذي أسره ضرار بن الخطاب الفهري، وقال:
تداركت سعدا عنوة فأسرته ... وكان شفائي , لو تداركت منذرا
ولو نلته طلت هناك جراحه ... أحق دماء أن تهان وتهدرا
فأجابه حسان بن ثابت ﵁
فخرت بسعد الخير حين أسرته ... وقلت: شفائي لو تداركت منذرا
وإن امرأ يهدي القصائد نحونا ... كمستبضع تمرا إلى أهل خيبرا
فلا تك كالشاة التي كان حتفها ... بحفر ذراعيها. فلم ترض محفرا
ولا تك كالوسنان يحلم أنه ... بقرية كسرى , أو بقرية قيصرا
ولا تك كالثكلى , وكانت بمعزل ... عن الثكل لو أن الفؤاد تفكرا
ولا تك كالعاوي , وأقبل نحره ... ولم يخشه سهم من النبل مضمرا
أتفخر بالكتان لما لبسته ... وقد يلبس الأنباط ريطا مقصرا
стр. 123
فلولا أبو وهب لمرت قصائد ... على شرف البيداء (١) يهوين حسرا.
وسمعت قريش قائلا يقول بالليل على أبي قبيس:
فإن يسلم السعدان يصبح محمد ... بمكة لا يخشى خلاف المخالف
قالوا: من هما؟ قال أبو سفيان: أسعد بن بكر أم سعد بن هزيم؟ فلما كانت الليلة القابلة سمعوه يقول:
فيا سعد - سعد الأوس - كن أنت ناصرا ... ويا سعد - سعد الخزرجين - الغطارف
أجيبا إلى داعي الهدى وتمنيا ... على اللَّه في الفردوس منة عارف
فإن ثواب اللَّه للطالب الهدى ... جنان من الفردوس ذات رفارف
فقال أبو سفيان: هذا واللَّه سعد بن عبادة، وسعد بن معاذ.
[الهجرة إلى المدينة]
الهجرة إلى المدينة وأذن رسول اللَّه ﷺ للمسلمين في الهجرة إلى المدينة. فبادروا إليها. وأول من خرج أبو سلمة بن عبد الأسد وزوجته أم سلمة. ولكنها حبست عنه سنة وحيل بينها وبين ولدها. ثم خرجت بعد هي وولدها إلى المدينة.
ثم خرجوا أرسالا، يتبع بعضهم بعضا. ولم يبق منهم بمكة أحد إلا رسول اللَّه ﷺ وأبو بكر وعلي - أقاما بأمر رسول اللَّه ﷺ لهما - وإلا من احتبسه المشركون كرها.
стр. 124
وأعد رسول اللَّه ﷺ جهازه ينتظر متى يؤمر بالخروج. وأعد أبو بكر جهازه.
[تآمر قريش بدار الندوة على قتل رسول اللَّه ﷺ ]
تآمر قريش بدار الندوة على قتل رسول اللَّه ﷺ فلما رأى المشركون أصحاب رسول اللَّه ﷺ قد تجهزوا وخرجوا بأهليهم إلى المدينة: عرفوا أن الدار دار منعة وأن القوم أهل حلقة وبأس فخافوا خروج رسول اللَّه ﷺ فيشتد أمره عليهم. فاجتمعوا في دار الندوة. وحضرهم إبليس في صورة شيخ من أهل نجد.
فتذاكروا رسول اللَّه ﷺ فأشار كل منهم برأي والشيخ يرده ولا يرضاه إلى أن قال أبو جهل: قد فرق لي فيه برأي ما أراكم وقعتم عليه، قالوا: ما هو؟ قال أرى أن نأخذ من كل قبيلة من قريش غلاما جلدا. ثم نعطيه سيفا صارما، ثم يضربونه ضربة رجل واحد فيتفرق دمه في القبائل. فلا تدري بنو عبد مناف بعد ذلك ما تصنع ولا يمكنها معاداة القبائل كلها، ونسوق ديته.
فقال الشيخ: للَّه در هذا الفتى. هذا واللَّه الرأي. فتفرقوا على ذلك.
فجاء جبريل فأخبر النبي ﷺ بذلك. وأمره ألا ينام في مضجعه تلك الليلة.
«وجاء رسول اللَّه ﷺ إلى أبي بكر نصف النهار - في ساعة لم يكن يأتيه فيها - متقنعا، فقال: " أخرج من عندك " فقال: إنما هم أهلك يا رسول اللَّه. فقال رسول اللَّه ﷺ : " إن اللَّه قد أذن لي في الخروج " فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول اللَّه. قال: " نعم " فقال أبو بكر: فخذ - بأبي أنت وأمي - إحدى راحلتي هاتين فقال: بالثمن» .
стр. 125
وأمر عليا أن يبيت تلك الليلة على فراشه.
واجتمع أولئك النفر يتطلعون من صير الباب ويرصدونه يريدون بياته ويأتمرون أيهم يكون أشقاها؟ فخرج رسول اللَّه ﷺ عليهم. فأخذ حفنة من البطحاء فذرها على رءوسهم وهو يتلو ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ٩] (١) وأنزل اللَّه ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠] (٢) .
ومضى رسول اللَّه ﷺ إلى بيت أبي بكر. فخرجا من خوخة في بيت أبي بكر ليلا. فجاء رجل فرأى القوم ببابه، فقال: ما تنتظرون؟ قالوا: محمدا. قال: خبتم وخسرتم قد واللَّه مر بكم وذر على رءوسكم التراب. قالوا: واللَّه ما أبصرناه وقاموا ينفضون التراب عن رءوسهم.
فلما أصبحوا: قام علي ﵁ عن الفراش فسألوه عن محمد؟ فقال لا علم لي به. ومضى رسول اللَّه ﷺ وأبو بكر إلى غار ثور، فنسجت العنكبوت على بابه.
وكانا قد استأجرا عبد اللَّه بن أريقط الليثي وكان هاديا ماهرا - وكان على دين قومه - وأمناه على ذلك وسلما إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث.
стр. 126
وجدت قريش في طلبهما، وأخذوا معهم القافة حتى انتهوا إلى باب الغار. فوقفوا عليه. فقال أبو بكر «يا رسول اللَّه لو أن أحدهم نظر إلى ما تحت قدميه لأبصرنا. فقال: ما ظنك باثنين اللَّه ثالثهما؟ لا تحزن إن اللَّه معنا.»
وكانا يسمعان كلامهم إلا أن اللَّه عمى عليهم أمرهما.
وعامر بن فهيرة يرعى غنما لأبي بكر ويتسمع ما يقال عنهما بمكة. ثم يأتيهما بالخبر ليلا. فإذا كان السحر سرح مع الناس.
قالت عائشة: فجهزناهما أحث الجهاز. وصنعنا لهما سفرة في جراب. فقطعت أسماء بنت أبي بكر. قطعة من نطاقها، فأوكت به فم الجراب وقطعت الأخرى عصاما للقربة. فبذلك لقبت " ذات النطاقين ".
ومكثا في الغار ثلاثا. حتى خمدت نار الطلب. فجاءهما ابن أريقط بالراحلتين فارتحلا، وأردف أبو بكر عامر بن فهيرة.
[قصة سراقة بن مالك]
قصة سراقة بن مالك فلما أيس المشركون منهما جعلوا لمن جاء فيهما دية كل واحد منهما، لمن يأتي بهما أو بأحدهما. فجد الناس في الطلب. واللَّه غالب على أمره.
فلما مروا بحي من مدلج مصعدين من قديد. بصر بهم رجل فوقف على الحي. فقال لقد رأيت آنفا بالساحل أسودة، وما أراها إلا محمدا وأصحابه.
ففطن بالأمر سراقة بن مالك، فأراد أن يكون الظفر له. وقد سبق له
стр. 127
من الظفر ما لم يكن في حسابه. فقال: بل هما فلان وفلان خرجا في طلب حاجة لهما. ثم مكث قليلا. ثم قام فدخل خباءه وقال لجاريته: أخرجي بالفرس من وراء الخباء وموعدك وراء الأكمة. ثم أخذ رمحه وخفض عاليه يخط به الأرض حتى ركب فرسه. فلما قرب منهم وسمع قراءة النبي ﷺ وأبو بكر يكثر الالتفات ورسول اللَّه ﷺ لا يلتفت - قال أبو بكر: يا رسول اللَّه هذا سراقة بن مالك قد رهقنا. فدعا عليه رسول اللَّه ﷺ فساخت يدا فرسه في الأرض.
فقال قد علمت أن الذي أصابني بدعائكما. فادعوا اللَّه لي، ولكما أن أرد الناس عنكما، فدعا له رسول اللَّه ﷺ فخلصت يدا فرسه. فانطلق. وسأل رسول اللَّه ﷺ أن يكتب له كتابا، فكتب له أبو بكر بأمره في أديم. وكان الكتاب معه إلى يوم فتح مكة. فجاء به فوفى له رسول اللَّه ﷺ .
فرجع. فوجد الناس في الطلب فجعل يقول: قد استبرأت لكم الخبر وقد كفيتم ما هاهنا. فكان أول النهار جاهدا عليهما. وكان آخره حارسا لهما.
[قصة أم معبد]
قصة أم معبد ثم مروا بخيمة أم معبد الخزاعية، وكانت امرأة برزة جلدة تحتبي بفناء الخيمة ثم تطعم وتسقي من مر بها، فسألاها: هل عندها شيء يشترونه؟ فقالت واللَّه لو عندنا شيء ما أعوزكم القرى. والشاء عازب - وكانت سنة شهباء - فنظر رسول اللَّه ﷺ إلى شاة في كسر الخيمة فقال «ما هذه الشاة؟» قالت خلفها الجهد عن الغنم. فقال «هل بها
стр. 128
من لبن؟» قالت: هي أجهد من ذلك. قال «أتأذنين لي أن أحلبها؟» قالت: نعم - بأبي أنت وأمي - إن رأيت بها حليبا فاحلبها.
فمسح رسول اللَّه ﷺ بيده ضرعها، وسمى اللَّه ودعا، فتفاجت عليه ودرت. فدعا بإناء لها يربض الرهط فحلب فيه حتى علته الرغوة فسقاها فشربت حتى رويت وسقى أصحابه حتى رووا. ثم شرب هو. وحلب فيه ثانيا فملأ الإناء. ثم غادره عندها وارتحلوا.
فقل ما لبثت أن جاء زوجها يسوق أعنزا عجافا يتساوكن هزالا. فلما رأى اللبن قال: من أين هذا؟ والشاء عازب. ولا حلوبة في البيت؟ . قالت: لا واللَّه إلا أنه مر بنا رجل مبارك، من حديثه كيت وكيت، قال: واللَّه إني لأراه صاحب قريش الذي تطلبه. صفيه لي يا أم معبد.
قالت: ظاهر الوضاءة أبلج الوجه حسن الخلق لم تعبه ثجلة ولم تزر به صعلة وسيم قسيم في عينيه دعج وفي أشفاره وطف وفي صورته صحل وفي عنقه سطع. وفي لحيته كثاثة أحور أكحل أزج أقرن شديد سواد الشعر إذا صمت علاه الوقار وإذا تكلم علاه البهاء أجمل الناس وأبهاه من بعيد وأحسنه وأحلاه من قريب. حلو المنطق، فصل: لا نذر ولا هذر كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن ربعة لا تقتحمه عين من قصر ولا تشنؤه من طول. غصن بين غصنين فهو أنضر الثلاثة منظرا، وأحسنهم قدرا. له رفقاء يحفون به. إذا قال استمعوا لقوله. وإذا أمر تبادروا إلى أمره محفود محشود. لا عابس ولا مفند (١) .
стр. 129
قال أبو معبد: هذا - واللَّه - صاحب قريش الذي تطلبه. ولقد هممت أن أصحبه ولأفعلن، إن وجدت إلى ذلك سبيلا.
وأصبح صوت عال بمكة يسمعونه ولا يرون القائل يقول:
جزى اللَّه رب الناس خير جزائه ... رفيقين حلا خيمتي أم معبد
هما نزلا بالبر وارتحلا به ... فأفلح من أمسى رفيق محمد
فيالقصي ما زوى اللَّه عنكمو ... به من فخار لا يحاذى وسؤدد
وقد غادرت وهنا لديها بحالب ... يرد بها في مصدر ثم مورد
سلوا أختكم عن شاتها وإنائها؟ ... فإنكموا إن تسألوا الشاة تشهد
دعاها بشاة حائل فتحلبت ... له بصريح ضرة الشاة مزبد
لقد خاب قوم زال عنهم نبيهم ... وقدس من يسري إليه ويغتدي
ترحل عن قوم فزالت عقولهم ... وحل على قوم بنور مجدد
هداهم به - بعد الضلالة - ربهم ... وأرشدهم من يتبع الحق يرشد
وقد نزلت منه على أهل يثرب ... ركاب هدى , حلت عليهم بأسعد
نبي يرى ما لا يرى الناس حوله ... ويتلو كتاب اللَّه في كل مشهد
стр. 130
وإن قال في يوم مقالة غائب ... فتصديقها في ضحوة اليوم أو غد
ليهن أبا بكر سعادة جده ... بصحبته من يسعد اللَّه يسعد
ويهن بني كعب مكان فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد
قالت أسماء بنت أبي بكر. مكثنا ثلاث ليال لا ندري: أين توجه رسول اللَّه ﷺ ؟ إذ أقبل رجل من الجن من أسفل مكة يتغنى بأبيات غناء العرب، والناس يتبعونه ويسمعون منه ولا يرونه حتى خرج من أعلى مكة فعرفنا أين توجه رسول اللَّه ﷺ .
قالت ولما خرج أبو بكر احتمل معه ماله. فدخل علينا جدي أبو قحافة - وقد ذهب بصره - فقال: إني واللَّه لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه. قلت: كلا واللَّه قد ترك لنا خيرا. وأخذت حجارة فوضعتها في كوة البيت. وقلت: ضع يدك على المال. فوضعها، وقال: لا بأس. إن كان قد ترك لكم هذا فقد أحسن، قالت: واللَّه ما ترك لنا شيئا وإنما أردت أن أسكت الشيخ.
[دخول رسول اللَّه ﷺ المدينة]
دخول رسول اللَّه ﷺ المدينة ولما بلغ الأنصار مخرج رسول اللَّه ﷺ من مكة. كانوا يخرجون كل يوم إلى الحرة ينتظرونه. فإذا اشتد حر الشمس رجعوا إلى منازلهم. فلما كان يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول على رأس ثلاث عشرة سنة من
стр. 131
نبوته. خرجوا على عادتهم. فلما حميت الشمس رجعوا، فصعد رجل من اليهود على أطم من آطام المدينة. فرأى رسول اللَّه ﷺ وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب. فصرخ بأعلى صوته يا بني قيلة هذا صاحبكم قد جاء هذا جدكم الذي تنتظرونه. فثار الأنصار إلى السلاح ليتلقوا رسول اللَّه ﷺ .
وسمعت الوجبة والتكبير في بني عمرو بن عوف. وكبر المسلمون فرحا بقدومه. وخرجوا للقائه فتلقوه وحيوه بتحية النبوة. وأحدقوا به مطيفين حوله.
فلما أتى المدينة، عدل ذات اليمين حتى نزل بقباء في بني عمرو بن عوف، ونزل على كلثوم بن الهدم - أو على سعد بن خيثمة - فأقام في بني عمرو بن عوف أربع عشرة ليلة. وأسس مسجد قباء. وهو أول مسجد أسس بعد النبوة.
فلما كان يوم الجمعة ركب. فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف. فجمع بهم في المسجد الذي في بطن الوادي. ثم ركب. فأخذوا بخطام راحلته يقولون. هلم إلى القوة والمنعة والسلاح. فيقول «خلوا سبيلها. فإنها مأمورة» فلم تزل ناقته سائرة لا يمر بدار من دور الأنصار، إلا رغبوا إليه في النزول عليهم فيقول: «دعوها فإنها مأمورة» فسارت حتى وصلت إلى موضع مسجده اليوم فبركت ولم ينزل عنها، حتى نهضت وسارت قليلا. ثم رجعت وبركت في موضعها الأول. فنزل عنها.
وذلك في بني النجار، أخواله (١) ﷺ .
стр. 132
وكان من توفيق اللَّه لها. فإنه أحب أن ينزل على أخواله يكرمهم. فجعل الناس يكلمونه في النزول عليهم. وبادر أبو أيوب خالد بن زيد إلى رحله فأدخله بيته. فجعل رسول اللَّه ﷺ يقول: «المرء مع رحله» وجاء أسعد بن زرارة فأخذ بخطام ناقته. فكانت عنده. وأصبح كما قال قيس بن صرمة - وكان ابن عباس يختلف إليه ليحفظها عنه.
ثوى في قريش بضع عشرة حجة ... يذكر لو يلقى حبيبا مواتيا
ويعرض في أهل المواسم نفسه ... فلم ير من يؤوي ولم ير داعيا
فلما أتانا واستقر به النوى ... وأصبح مسرورا بطيبة راضيا
وأصبح لا يخشى ظلامة ظالم ... بعيد ولا يخشى من الناس باغيا
بذلنا له الأموال من جل مالنا ... وأنفسنا عند الوغى والتآسيا
نعادي الذي عادى من الناس كلهم ... جميعا وإن كان الحبيب المصافيا
ونعلم أن اللَّه لا رب غيره ... وأن كتاب اللَّه أصبح هاديا
стр. 133
وكما قال حسان بن ثابت ﵁:
قومي الذين هموا آووا نبيهمو ... وصدقوه وأهل الأرض كفار
إلا خصائص أقوام همو تبع ... في الصالحين مع الأنصار أنصار
مستبشرين بقسم اللَّه. قولهمو ... لما أتاهم كريم الأصل مختار
أهلا وسهلا. ففي أمن وفي سعة ... نعم النبي. ونعم القسم والجار
فأنزلوه بدار لا يخاف بها ... من كان جارهمو. دار هي الدار
وقاسموه بها الأموال إذ قدموا ... مهاجرين. وقسم الجاحد النار
وكما قال:
نصرنا وآوينا النبي محمدا ... على أنف راض من معد وراغم
قال ابن عباس: كان النبي ﷺ بمكة فأمر بالهجرة. وأنزل اللَّه عليه، ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٠] (١) والنبي ﷺ يعلم ألا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان. فسأل اللَّه سلطانا نصيرا، فأعطاه. قال البراء.: أول من قدم علينا: مصعب بن عمير، وابن أم مكتوم، فجعلا يقرئان الناس القرآن. ثم جاء عمار بن ياسر، وبلال وسعد ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين راكبا. ثم جاء رسول اللَّه ﷺ . فما رأيت الناس فرحوا بشيء فرحهم به حتى جعل النساء والصبيان
стр. 134
والإماء يقلن قدم رسول اللَّه جاء رسول اللَّه ﷺ .
قال أنس شهدته يوم دخل المدينة فما رأيت يوما قط كان أحسن ولا أضوأ من اليوم الذي دخل المدينة علينا. وشهدته يوم مات. فما رأيت يوما قط كان أقبح ولا أظلم من يوم مات.
فأقام في بيت أبي أيوب حتى بنى حجره ومسجده.
وبعث رسول اللَّه ﷺ وهو في منزل أبي أيوب - زيد بن حارثة وأبا رافع. وأعطاهما بعيرين وخمسمائة درهم إلى مكة، فقدما عليه بفاطمة وأم كلثوم ابنتيه. وسودة بنت زمعة زوجه وأسامة بن زيد، وأم أيمن. وأما زينب فلم يمكنها زوجها أبو العاص بن الربيع من الخروج وخرج عبد اللَّه بن أبي بكر بعيال أبي بكر. وفيهم عائشة.
[بناء المسجد]
بناء المسجد قال الزهري: بركت ناقة رسول اللَّه ﷺ عند موضع مسجده وكان مربدا لسهل وسهيل غلامين يتيمين من الأنصار، كانا في حجر أسعد بن زرارة. فساوم رسول اللَّه ﷺ الغلامين بالمربد ليتخذه مسجدا فقالا: بل نهبه لك يا رسول اللَّه. فأبى رسول اللَّه ﷺ فاشتراه منهما بعشرة دنانير.
وفي الصحيح أنه قال «يا بني النجار ثامنوني بحائطكم قالوا: لا، واللَّه لا نطلب ثمنه إلا إلى اللَّه» . وكان فيه شجر غرقد ونخل وقبور للمشركين. فأمر رسول اللَّه ﷺ بالقبور فنبشت وبالنخيل والشجر فقطع. وصفت في قبلة المسجد. وجعل طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع. وفي الجانبين مثل ذلك أو دونه. وأساسه قريبا من ثلاثة أذرع ثم
стр. 135
بنوه باللبن. وجعل رسول اللَّه ﷺ يبني معهم وينقل اللبن والحجارة بنفسه ويقول:
اللَّهم إن العيش عيش الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة
وكان يقول:
هذا الحمال لا حمال خيبر ... هذا أبر ربنا وأطهر
وجعلوا يرتجزون ويقول أحدهم في رجزه:
ولئن قعدنا والرسول يعمل ... لذاك منا العمل المضلل
وجعل قبلته إلى بيت المقدس. وجعل له ثلاثة أبواب باب في مؤخره وباب يقال له باب الرحمة. والباب الذي يدخل منه رسول اللَّه ﷺ . وجعل عمده الجذوع. وسقفه الجريد. وقيل له ألا تسقفه؟ قال " عريش كعريش موسى " وبنى بيوت نسائه إلى جانبيه. بيوت الحجر باللبن وسقفها بالجذوع والجريد.
[بناؤه بعائشة]
بناؤه بعائشة فلما فرغ من البناء بنى بعائشة في البيت الذي بناه لها شرقي المسجد. وكان بناؤه بها في شوال من السنة الأولى، وكان بعض الناس. يكره البناء في شوال. قيل إن أصله أن طاعونا وقع في الجاهلية وكانت عائشة تتحرى أن تدخل نساءها في شوال وتخالفهم. وجعل لسودة بيتا آخر.
[المؤاخاة بين الأنصار والمهاجرين]
المؤاخاة بين الأنصار والمهاجرين ثم آخى بين المهاجرين والأنصار، وكانوا تسعين رجلا. نصفهم من
стр. 136
المهاجرين، ونصفهم من الأنصار، آخى بينهم على المواساة وعلى أن يتوارثوا بعد الموت دون ذوي الأرحام. إلى وقعة بدر. فلما أنزل اللَّه ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥] (١) رد التوارث إلى الأرحام.
وقيل إنه آخى بين المهاجرين بعضهم مع بعض مؤاخاة ثانية. «واتخذ عليا أخا لنفسه» . والأثبت الأول.
وفي الصحيح عن عائشة قالت " قدم رسول اللَّه ﷺ المدينة وهي وبيئة. فمرض أبو بكر. وكان يقول إذا أخذته الحمى:
كل امرئ مصبح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله
وكان بلال إذا أقلعت عنه الحمى يرفع عقيرته ويقول:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بواد وحولي إذخر وجليل؟
وهل أردن يوما مياه مجنة؟ ... وهل يبدون لي شامة وطفيل؟
اللَّهم العن عتبة بن ربيعة وأمية بن خلف، وشيبة بن ربيعة كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء.
فأخبرت رسول اللَّه ﷺ فقال «اللَّهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد. اللَّهم صححها. وبارك لنا في صاعها ومدها وانقل حماها إلى الجحفة» . قالت فكان المولود يولد في الجحفة فلا يبلغ الحلم حتى تصرعه الحمى.
[حوادث السنة الأولى]
حوادث السنة الأولى وفي السنة الأولى: زيد في صلاة الحضر ركعتان. فصارت أربع ركعات.
стр. 137
وفيها: نزل أهل الصفة المسجد. وكانت مكانا في المسجد ينزل فيه فقراء المهاجرين الذي لا أهل لهم ولا مال. وكان رسول اللَّه ﷺ يفرقهم في أصحابه إذا جاء الليل ويتعشى طائفة منهم معه حتى جاء اللَّه بالغنى.
وهذه السنة الرابعة عشرة من النبوة هي الأولى من الهجرة كما تقدم. ومنها أرخ التاريخ.
وتوفي فيها من الأعيان أسعد بن زرارة قبل أن يفرغ رسول اللَّه ﷺ من بناء المسجد. وتوفي البراء بن معرور في صفر قبل قدوم رسول اللَّه ﷺ المدينة. وهو أول من مات من النقباء. وفيها: توفي ضمرة بن جندب. وكان قد مرض بمكة. فقال لبنيه اخرجوا بي منها فخرجوا به يريد الهجرة. فلما بلغ أضاة بني عقار - أو التنعيم - مات. فأنزل اللَّه تعالى ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠]- الآية (١) .
وكلثوم بن الهدم الذي نزل عليه رسول اللَّه ﷺ . وفيها: وادع رسول اللَّه ﷺ من بالمدينة من اليهود. وكتب بينه وبينهم كتابا.
[إسلام عبد اللَّه بن سلام]
إسلام عبد اللَّه بن سلام وبادر عالم اليهود وحبرهم عبد اللَّه بن سلام فأسلم. وأبى عامتهم إلا الكفر
стр. 138
وكانوا ثلاث قبائل قينقاع والنضير وقريظة. فنقض الثلاث العهد. وحاربهم.
فمن على بني قينقاع وأجلى بني النضير. وقتل بني قريظة. ونزلت سورة الحشر في بني النضير وسورة الأحزاب في بني قريظة.
[حوادث السنة الثانية]
حوادث السنة الثانية وفي السنة الثانية رأى عبد اللَّه بن زيد بن عبد ربه الأذان فأمره رسول اللَّه ﷺ أن يلقيه على بلال.
وفيها: فرض صوم رمضان. ونسخ صوم عاشوراء. وبقي صومه مستحبا.
وفيها: زوج رسول اللَّه ﷺ عليا فاطمة ﵄.
وفيها: صرف اللَّه القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة.
[تحويل القبلة]
تحويل القبلة وكان رسول اللَّه ﷺ لما قدم المدينة استقبل بيت المقدس ستة عشر شهرا، قبلة اليهود. وكان يحب أن يصرفه اللَّه إلى الكعبة. وقال لجبريل ذلك. فقال إنما أنا عبد. فادع ربك واسأله. فجعل يقلب وجهه في السماء يرجو ذلك حتى أنزل اللَّه عليه ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]- الآيات (١) .
стр. 139
وكان في ذلك حكمة عظيمة ومحنة للناس مسلمهم وكافرهم. فأما المسلمون فقالوا ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧] وهم الذين هدى اللَّه ولم تكن بكبيرة عليهم.
وأما المشركون فقالوا كما رجع إلى قبلتنا يوشك أن يرجع إلى ديننا، وأما اليهود فقالوا (١) . ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢]
وأما المنافقون فقالوا إن كانت القبلة الأولى حقا: فقد تركها. وإن كانت الثانية هي الحق فقد كان على باطل.
ولما كان ذلك عظيما وطأ اللَّه سبحانه قبله أمر النسخ وقدرته عليه وأنه سبحانه يأتي بخير من المنسوخ أو مثله. ثم عقب ذلك بالمعاتبة لمن تعنت على رسوله ولم ينقد له. ثم ذكر بعده اختلاف اليهود والنصارى، وشهادة بعضهم على بعض بأنهم ليسوا على شيء. ثم ذكر شركهم بقولهم اتخذ اللَّه ولدا (٢) .
ثم أخبر أن المشرق والمغرب لله. فأينما ولى عباده وجوههم فثم وجهه. وأخبر رسوله أن أهل الكتاب لا يرضون عنه حتى يتبع قبلتهم.
ثم ذكر خليله إبراهيم وبناءه البيت بمعاونة ابنه إسماعيل عليهما
стр. 140
السلام وأنه جعل إبراهيم إماما للناس وأنه لا يرغب عن ملته إلا من سفه نفسه.
ثم أمر عباده أن يأتموا به وأن يؤمنوا بما أنزل إلى رسوله محمد ﷺ وما أنزل إليهم وإلى سائر النبيين.
وأخبر أن اللَّه - الذي يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم - هو الذي هداهم إلى هذه القبلة التي هي أوسط القبل وهم أوسط الأمم كما اختار لهم أفضل الرسل وأفضل الكتب.
وأخبر أنه فعل ذلك لئلا يكون للناس عليهم حجة إلا الظالمين فإنهم يحتجون عليهم بتلك الحجج الباطلة الواهنة. التي لا ينبغي أن تعارض الرسل بأمثالها وليتم نعمته عليه ويهديهم.
ثم ذكر نعمته عليهم بإرسال الرسول الخاتم وإنزال الكتاب. وأمرهم بذكره وشكره ورغبهم في ذلك بأنه يذكر من ذكره ويشكر من شكره.
وأمرهم بما لا يتم ذلك إلا به وهو الاستعانة بالصبر والصلاة. وأخبرهم أنه مع الصابرين.
стр. 141
[استقرار الرسول بالمدينة]
فصل ولما استقر رسول اللَّه ﷺ في المدينة، وأيده اللَّه بنصره وبالمؤمنين. وألف بين قلوبهم بعد العداوة، ومنعته أنصار اللَّه من الأحمر والأسود رمتهم العرب واليهود عن قوس واحد، وشمروا لهم عن ساق العداوة والمحاربة.
واللَّه يأمر رسوله والمؤمنين بالكف والعفو والصفح حتى قويت الشوكة. فحينئذ أذن لهم في القتال ولم يفرضه عليهم فقال تعالى ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩] (١) وهي أول آية نزلت في القتال.
ثم فرض عليهم قتال من قاتلهم فقال تعالى ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠] الآية (٢) . ثم فرض عليهم قتال المشركين كافة فقال ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]- الآية (٣) .
[بعض خصائص رسول اللَّه ﷺ ]
بعض خصائص رسول اللَّه ﷺ وكان رسول اللَّه ﷺ يبايع أصحابه في الحرب على ألا يفروا، وربما بايعهم على الموت. وربما بايعهم على الجهاد. وربما بايعهم على الإسلام.
وبايعهم على الهجرة قبل الفتح.
وبايعهم على التوحيد والتزام طاعة اللَّه ورسوله.
стр. 142
وبايع نفرا من أصحابه على ألا يسألوا الناس شيئا. فكان السوط يسقط من أحدهم. فينزل فيأخذه ولا يسأل أحدا أن يناوله إياه.
وكان يبعث البعوث يأتونه بخبر عدوه. ويطلع الطلائع ويبث الحرث والعيون حتى لا يخفى عليه من أمر عدوه شيء.
وكان إذا لقي عدوه دعا اللَّه واستنصر به وأكثر هو وأصحابه من ذكر اللَّه والتضرع له.
وكان كثير المشاورة لأصحابه في الجهاد.
وكان يتخلف في ساقتهم. فيزجي الضعيف ويردف المنقطع.
وكان إذا أراد غزوة ورى بغيرها.
وكان يرتب الجيش والمقاتلة ويجعل في كل جنبة كفؤا لها.
وكان يبارز بين يديه بأمره. وكان يلبس للحرب عدته. وربما ظاهر بين درعين كما فعل يوم بدر.
وكان له ألوية.
وكان إذا ظهر على قوم أقام بعرصتهم ثلاثا ثم قفل.
وكان إذا أراد أن يغير ينتظر. فإذا سمع مؤذنا لم يغر وإلا أغار.
وكان يحب الخروج يوم الخميس بكرة. وكان إذا اشتد البأس اتقوا به وكان أقربهم إلى العدو.
وكان يحب الخيلاء في الحرب. وينهى عن قتل النساء والولدان. وينهى عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو.
стр. 143
[أول لواء عقده رسول اللَّه ﷺ ]
أول لواء عقده رسول اللَّه ﷺ وأول لواء عقده رسول اللَّه ﷺ على قول موسى بن عقبة - لواء حمزة بن عبد المطلب في شهر رمضان في السنة الأولى، بعثه في ثلاثين رجلا من المهاجرين خاصة يعترض عيرا لقريش جاءت من الشام، فيها أبو جهل في ثلاثمائة رجل حتى بلغوا سيف البحر من ناحية العيص، فالتقوا واصطفوا للقتال فحجز بينهم مجدي بن عمرو الجهني. وكان موادعا للفريقين. فلم يقتتلوا.
[سرية عبيدة بن الحارث]
سرية عبيدة بن الحارث ثم بعث عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف في شوال من تلك السنة في سرية إلى بطن رابغ في ستين رجلا من المهاجرين خاصة. فلقي أبا سفيان عند رابغ. فكان بينهم الرمي. ولم يسلوا السيوف. وإنما كانت مناوشة.
وكان سعد بن أبي وقاص أول من رمى بسهم في سبيل اللَّه ثم انصرف الفريقان.
وقدم ابن إسحاق سرية حمزة.
[سرية سعد بن أبي وقاص]
سرية سعد بن أبي وقاص ثم بعث سعد بن أبي وقاص في ذي القعدة من تلك السنة إلى الخرار من أرض الحجاز، يعترضون عيرا لقريش. وعهد إليه ألا يجاوز الخرار، وكانوا عشرين. فخرجوا على أقدامهم يسيرون بالليل ويكمنون بالنهار. حتى بلغوا الخرار، فوجدوا العير قد مرت بالأمس.
стр. 144
ثم دخلت السنة الثانية.
[غزوة الأبواء]
غزوة الأبواء فغزا فيها ﷺ غزوة الأبواء. وكانت أول غزوة غزاها رسول اللَّه ﷺ بنفسه. خرج في المهاجرين خاصة يعترض عيرا لقريش فلم يلق كيدا. وفيها وادع بني ضمرة على ألا يغزوهم ولا يغزوه ولا يعينوا عليه أحدا.
[غزوة بواط]
غزوة بواط ثم غزا بواطا في ربيع الأول. خرج يعترض عيرا لقريش فيها أمية بن خلف ومائة رجل من المشركين. فبلغ بواطا - جبلا من جبال جهينة - فرجع ولم يلق كيدا.
[خروجه لطلب كرز بن جابر]
خروجه لطلب كرز بن جابر ثم خرج في طلب كرز بن جابر الفهري. وقد أغار على سرح المدينة، فاستاقه. فخرج رسول اللَّه ﷺ في أثره حتى بلغ سفوان من ناحية بدر وفاته كرز.
[غزوة العشيرة]
غزوة العشيرة ثم خرج في جمادى الآخرة في مائة وخمسين من المهاجرين يعترضون عيرا لقريش ذاهبة إلى الشام. وخرج في ثلاثين بعيرا يتعاقبونها. فبلغ ذا العشيرة من ناحية ينبع. فوجد العير فاتته بأيام. وهي التي خرجوا لها يوم بدر لما جاءت عائدة من الشام.
وفيها: وادع بني مدلج وحلفاءهم.
стр. 145
[بعث عبد اللَّه بن جحش]
بعث عبد اللَّه بن جحش ثم بعث عبد اللَّه بن جحش إلى نخلة في رجب في اثني عشر رجلا من المهاجرين كل اثنين على بعير. فوصلوا إلى نخلة، يرصدون عيرا لقريش. وكان رسول اللَّه ﷺ قد كتب له كتابا. وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين. فلما فتح الكتاب إذا فيه «إذا نظرت في كتابي هذا، فامض حتى تنزل بنخلة بين مكة والطائف، فترصد قريشا، وتعلم لنا أخبارها» .
فأخبر أصحابه بذلك وأخبرهم أنه لا يستكرههم فقالوا: سمعا وطاعة.
فلما كان في أثناء الطريق أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرهما. فتخلفا في طلبه. ومضوا حتى نزلوا نخلة.
[قتل عمرو بن الحضرمي]
قتل عمرو بن الحضرمي فمرت بهم عير قريش تحمل زبيبا وتجارة فيها عمرو بن الحضرمي، فقتلوه وأسروا عثمان ونوفلا ابني عبد اللَّه بن المغيرة والحكم بن كيسان مولى بني المغيرة.
فقال المسلمون نحن في آخر يوم من رجب. فإن قاتلناهم انتهكنا الشهر الحرام وإن تركناهم الليلة دخلوا الحرم. ثم أجمعوا على ملاقاتهم. فرمى أحدهم عمرو بن الحضرمي فقتله وأسروا عثمان والحكم. وأفلت نوفل. ثم قدموا بالعير والأسيرين حتى عزلوا من ذلك الخمس. فكان أول خمس في الإسلام وأول قتل في الإسلام وأول أسر. فأنكر رسول اللَّه ﷺ ما فعلوه.